رسول الله ﷺ ، أمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلاً ثم بايعه.
ولما قدم المهاجرون أقاموا لا يولد لهم، فقالوا: سحرتنا اليهود، فكان أول مولود بعد الهجرة، فكبر المسلمون تكبيرةً واحدةً حتى ارتجت المدينة، وأمر النبي ﷺ فأذن له في أذنيه بالصلاة.
وكان عارضاه (١) خفيفين فما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة.
وأتى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، فلما غاب عن رسول الله ﷺ عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال له: ما صنعت بالدم؟ قال: عمدت إلى أخفى موضع علمت فجعلته فيه، قال: لعلك شربته؟ قال: نعم، قال: ولم شربت الدم؟ ويل للناس منك، وويل لك من الناس!
وعن إسحاق بن أبي إسحاق قال: حضرت قتل عبد اله بن الزبير، جعلت الجيوش تدخل عليه من أبواب المسجد، كلما دخل عليه قوم من باب حمل عليهم وحده حتى يخرجهم، فبينما هو على هذه الحال إذ جاءته شرفة من شرفات المسجد في رأسه فصرعته فوقع وهو يقول:
أسماء يا أسماء لا تبكيني ... لم يبق إلا حسبي وديني وصارم لاثت به يميني ... وقال سهل بن سعد: سمعت ابن الزبير يقول: ما أراني اليوم إلا مقتولاً، رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي فدخلتها، فقد والله مللت الحياة وما فيها.
وقال عمرو بن دينار: كان ابن الزبير يصلي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه، وكان يسمى حمامة المسجد.
وقال ابن إسحاق: ما رأيت أحداً أعظم سجدة بين عينيه من ابن الزبير.
стр. 597
وجاء الحجاج إلى مكة فنصب المنجنيق عليها، وكان ابن الزبير قد نصب فسطاطاً عند البيت، فاحترق فطارت شرارة إلى البيت فاحترق واحترق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل يومئذ، ورمى الحجاج المنجنيق على ابن الزبير وعلى من معه في المسجد، وجعل ابن الزبير بيضة على الحجر الأسود ترد عنه - يعني خوذة - ودام الحصار ستة أشهر وسبع عشرة (١) ليلة، وخذل ابن الزبير أصحابه (٢) ، وخرجوا مع الحجاج، ثم إن الحجاج أخذه وصلبه منكساً.
وكان آدم نحيفاً ليس بالطويل، بين عينيه أثر السجود؛ قيل إنه بقي مصلوباً سنة، ثم جاء إذن عبد الملك أن يسلم إلى أسماء ولدها، فأنزلوه فحنطته وكفنته وصلت عليه وحملته فدفنته بالمدينة في دار صفية بنت حيي، ثم زيدت دار صفية في المسجد، فهو مدفون مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄.
وكان كثير الصلاة كثير الصيام شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات؛ وقال علي بن زيد الجدعاني: إلا أنه كانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة، لأنه كان بخيلاً، ضيق العطن، سيء الخلق حسوداً كثير الخلاف، اخرج محمد بن الحنفية، ونفى عبد الله بن العباس إلى الطائف.
وقال: لما كان قبل قتله بعشرة أيام دخل على أمه وهي شاكية، فقال: كيف أنت (٣) يا أمه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، فقال لها، إن في الموت لراحة، قالت: لعلك تمنيته لي، ما أشتهي أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فأحتسبك، وإما ظفرت بعدوك فقرت عيني، قال عروة: فالتفت إلي وضحك، فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها، فقالت: يا بني لا تقبل منهم خطة عليك فيها الذل مخافة القتل، فوالله لضربة سيف في عز خير من ضربة
стр. 598
سوط في مذلة، قال: فخرج وقد جعل له مصراع عند الكعبة، وكان تحته، فأتاه رجل من قريش فقال: ألا نفتح لك باب الكعبة فتدخلها، فقال ابن الزبير: إن حرمة المسجد كحرمة البيت، والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة قتلوكم، ثم قال:
ولست بمبتاع الحياة بسبةٍ ... ولا مرتقٍ من خشية الموت سلما ثم شد عليه أصحاب الحجاج فقال: أين أهل مصر؟ فقال: هم هؤلاء من هذا الباب، فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم ولا تميلوا عني، فإني في الرعيل، ففعلوا ثم حمل فحملوا معه، وكان يضرب بسيفين، فضرب رجلاً فقطع يده، وانهرقوا فجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، فجعل رجل أسود يسبه، فقال له: اصبر يابن حام، ثم حمل عليه فصرعه. ثم دخل أهل حمص من باب بني شيبة، فشد عليهم وجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ورجع وهو يقول:
لو كان قرناً واحداً كفيته ... أوردته الموت وقد ذكيته ثم دخل عليه أهل الأردن من باب آخر، فجعل يضربهم حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول:
لا عهد لي بغارةٍ كالسيل ... لا ينجلي قتامها (١) لليل وجاءه حجر من ناحية الصفا فوقع بين عينيه، فنكس رأسه وهو يقول:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه حتى قتل. ولما قتل كبر أهل الشام فقال ابن عمر: المكبرون عليه يوم ولد خير من المكبرين (٢) عليه يوم قتل. وقتل
стр. 599
معه مائة وأربعون رجلاً منهم من سال دمه في جوف الكعبة.
قال ابن عبد البر: رحل عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان فسأله في إنزاله من الخشبة، فأمر بإنزاله.
قال ابن مليكة: كنت ممن تولى غسله، فجعلنا لا نتناول عضواً إلا جاء معنا فنغسله ثم نضعه في أكفانه ونتناول العضو الذي يليه فنغسله ونضعه في أكفانه (١) حتى فرغنا منه، فقامت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق فصلت عليه، وكانت قبل ذلك تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتى عليها بعد ذلك جمعة حتى ماتت.
ويقال إنه لما جيء به إليها وضعته في حجرها فحاضت ودر ثديها.
وقيل إن الحجاج حلف أن لا ينزله من الخشبة حتى تشفع فيه أمه، فبقي سنة، ثم مرت تحته فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل، فيقال إن هذا الكلام قيل للحجاج إن معناه شفاعة فيه، فأنزله.
وكان قتله سنة ثلاث وسبعين للهجرة.
ويقال إن الحجاج ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان قبل قتل ابن الزبير: أعط ابن الزبير الأمان، وحكمه في الولاية، واستنزله عن الخلافة، فشاور ابن الزبير أصحابه فأشاروا عليه بأن يفعل، فقال: لا خلعها إلا الموت، ثم قال:
الموت أكرم من إعطاء منقصةٍ ... إن لم نمت عبطة فالغاية الهرم
اصبر فكل فتىً لا بد مخترم ... والموت أسهل مما أملت جشم
стр. 600
٢٢٠ - (١)
أبو القاسم الصقلي
عبد الله بن سليمان بن يخلف الصقلي أبو القاسم الكلبي، أحد الأدباء المجيدين والشعراء المعدودين، وله تأليفات ومصنفات في الرد على العلماء. ومن مختار شعره من أبيات:
فليت ليالي الصدود الطوال ... فداء ليالي الوصال القصار
زماناً أبيت طليق الرقاد ... وأغدو خلياً خليع العذار
ولم يكن الهجر مما أخاف ... ولا العاذل الفظ ممن أداري
أسابق صحبي بصبح الدنان ... وأصرف ليلي بصرف العقار
ألا رب يوم لنا بالمروج ... بخيل الضياء جواد القطار
كأن الشقيق بها وجنة ... بآخرها لمعة من عذار
وسوسنها مثل بيض القباب ... بأوساطها عمد من نضار
ترى النرجس الغض فوق الغصون ... شبيه المصابيح فوق المنار
أقمنا نسابق صرف الزمان ... بداراً إلى عيشنا المستعار
تجيب لصوت القناني القيان ... إذا ما أجابت غناء القماري
وتصبح عيداننا في اصطخابٍ ... تلذ وأطيارنا في اشتجار
نشم الخدود شميم الرياض ... ونجني النهود اجتناء الثمار
ونسقى على النور مثل النجوم ... ومثل البدور اعتلت (٢) للمدار
стр. 601
عقار هي النار في نورها ... فلولا المزاج زمت بالشرار
إذا ما لقيت الليالي بها ... فأنت على صرفها بالخيار
نعمنا بها وكأن النجوم ... دراهم من فضةٍ في نثار وقال أيضاً:
شربت على الرياض النيرات ... وتغريد الحمام الساجعات
معتقة ألذ من التصابي ... وأشرف في النفوس من الحياة
تسير إلى الهموم بلا ارتياع ... كما سار الكمي إلى الكماة
وتجري في النفوس شفاء داء ... مجاري الماء في أصل النبات
كأن حبابها شبك مقيم ... لصيد الألسن المتطايرات
لنا من لونها شفق العشايا ... ومن اقداحها فلق الغداة
كأن الأقحوان فصوص تبرٍ ... تركب في اللجين موسطات
ونارنج على الأغصان يحكي ... كؤوس الخمر في أيدي السقاة وله أيضاً:
أرحت النفس من هم براح ... وهان على إلحاح اللواحي
وصاحبت المدام وصاحبتني ... على لذاتها وعلى سماحي
فما تبقي على طرب مصونٍ ... ولا أبقي على مالٍ مباح
ثوت في دنها ولها هدير ... هدير الفحل (١) ما بين اللقاح
وصفتها السنون ورققتها ... كما رق النسيم مع الرواح
إلى أن كشفت عنها الليالي ... ونالتها يد القدر المتاح
فأبرزها بزال الدن صرفاً ... كما انبعث النجيع من الجراح
стр. 602
٢٢١ - (١)
أبو القاسم الدينوري الكاتب
عبد الله بن عبد الرحمن الدينوري أبو القاسم؛ من رؤساء الأدباء والكتاب ووجوه العمال بخراسان، قيل إنه من أولاد العباس بن عبد المطلب ﵁، له مصنفات وشعر رائق، منه في صفة الخمر:
كأنها في يد (٢) الساقي المدير لها ... عصارة الخد في ظرف (٣) من الآل
لم تبق منها الليالي في تصرفها ... إلا كما أبقت الأيام من حالي (٤) وله من أبيات يسترجع بها كتاباً معاراً:
آن (٥) أشكو إليك فقد نديمٍ ... قد فقدت السرور منذ تولى
كان لي مؤنساً يسلي همومي ... بأحاديث من منى النفس أحلى
عن أبي حاتم عن ابن قريب (٦) ... واليزيدي كل ما كان أملى
وهو رهن يشكو إليك ويبكي ... ويغني: قد آن لي أن أخلى
فتفضل به علي لأني ... لست إلا بمثله أتسلى وقال:
بأبي أنت وقد طب ... ت لنا ضماً وشماً
ضاق فوك العذب والعي ... ن وشيء لا يسمى
стр. 603
٢٢٢ - (١)
محيي الدين بن عبد الظاهر
عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن نجدة الجذامي المصري، المولى القاضي محيي الدين ابن القاضي رشيد الدين، الكاتب الناظم الناثر، شيخ أهل الترسل، ومن سلك طريق الفاضلية في إنشائه، وهو والد (٢) القاضي فتح الدين محمد صاحب دواوين الإنشاء.
سمع من جعفر الهمداني وعبد الله بن إسماعيل بن رمضان ويوسف بن المخيلي وجماعة، وكتب عنه البرزالي وابن سيد الناس وأثير الدين والجماعة؛ وكان بارع الكتابة له (٣) في قلم الرقاع طريقة غريبة حلوة، وكان ذا مروة وعصبية، ولد في المحرم سنة عشرين وستمائة، وتوفي بالقاهرة سنة اثنتين وتسعين وستمائة.
ومن إنشائه كتاب (٤) كتبه إلى الأمير شمس الدين آقسنقر جواباً عن كتاب كتبه بفتح بلاد النوبة:
" وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " (الاسراء:١٢) أدام الله نعمة المجلس، ولا زالت عزائمه مرهوبة، وغنائمه
стр. 604
مجلوبة ومجنوبة، وسطاه وخطاه هذه تكف النوب (١) وهذه تكفي النوبة، ولا برحت وطأته على الكفار مشتدة، وآماله لإهلاك الأعداء كرماحه ممتدة، ولا عدمت الدولة بيض سيوفه التي يرى (٢) بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس تثني على عزائمه التي (٣) واتت على كل أمرٍ رشيد، واتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء " وما ربك بظلام للعبيد " فصلت: حيث شكرت الضمر الجرد وحمدت العيس، واشتبه يوم النصر بأمسه بقيام حروف العلة مقام بعض فأصبح غزو كنيسة سوس كغزو سيس (٤) ، ونفهمه أنا علمنا (٥) أن الله بفضله طهر البلاد، من رجسها وأزاح العناد، وحسم مادة معظمها الكافر وقد كاد وكاد، وعجل عيد النحر بالأضحية بكل كبش حرب يبرك في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد، وتحققنا النصر الذي شفى النفوس وأزال البوس، ومحا آية الليل بخير الشموس، وخرب دنقلة بجريمة سوس، وكيف لا يخرب شيء يكون فيه سوس، فالحمد لله الذي صبحتهم عزائم المجلس بالويل، وعلى أن أولج النهار من السيف منهم في الليل، وعلى أن رد حرب حرابهم (٦) إلى نحورهم، وجعل تدبيرهم في تدميرهم، وبين خيط السيف الأبيض من الخيط الأسود من فجر فجورهم، واطلع على مغيبات النصر ذهن المجلس الحاضر (٧) ، وأورث سليمان
стр. 605
المؤمن ملك داود (١) الكافر، وقرن النصر بعزم المجلس الأنهض، وأهلك العدو الأسود بميمون طائر النصر الأبيض، وكيف لا وآقسنقر هو الطائر الأبيض، وأقر لأهل الصعيد كل عين، وجمع شملهم فلا يرون من عدوهم بعدها غراب بين، ونصر ذوي السيوف على ذوي الحراب، وسهل صيد ملكهم على يد المجلس وكيف يعسر على السنقر صيد الغراب، والشكر لله على إذلال ملكهم الذي لان وهان، وأذاله لباسه الذي صرح به بسر كل منهم في قناله فأمسى وهو عريان، وازهاقهم الأسنة التي غدا طعنها كفم الزق غدا والزق ملآن (٢) ، ودق أقفيتهم بالسيف الذي انطق الله بفألهم الطير فقال دق قفا السودان، ورعى الله جهاد المجلس الذي قوم هذا الحادث المنآد، ولا عدم الإسلام في هذا الخطب سيفه الذي قام خطيباً وكيف لا وقد ألبسه منهم السواد، وشكر له عزمه الذي استبشر به وجه الزمن بعد القطوب، وتحققت بلاد الشمال به صلاح بلاد الجنوب، وأصبحت بهم سهام الغنائم في كل جهة تسهم، ومتون الفتوحات تمتطي فتارة يمتطي السيف منها كل سيس وتارة كل ادهم، وحمد شجاعته التي ما وقف لصدمتها السواد العظم، ولله المنة على أن جعل ربع العدو بعزائم المجلس حصيداً كان لم يغن بالأمس، وأقام فروض الجهاد بسيوفه المسنونة وأنامله الخمس، وقرن ثباته بتوصيل الطعن لنحور الأعداء ووقت النحر قيد رمح من طلوع الشمس، ونرجو من كرم الله تعالى إدراك داود المطلوب، ورده على السيف بعيب هربه والعبد الأسود إذا هرب يرد بعيب الهروب.
стр. 606
وفي هذه الغزاة قال ابن النقيب الفقيسي:
يا يوم دنقلة وقتل عبيدها ... في كل ناحية وكل مكان
كم فيه زنجي يقول لأمه ... نوحي فقد دقوا قفا السودان وكتب في محضر قيم حمام الصوفية (١) جوار خانقاه سعيد السعداء اسمه يوسف:
يقول الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن عبد الظاهر: إن أبا الحجاج يوسف ما برح لأهل الصلاح قيماً، وله جودة صناعة استحق بها أن يدعي قيماً، كم له عند جسم من من جسيم، وكم أقبل مستعملوه تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وكم تجرد مع شيخ صالح في خلوه، وكم قال ولي الله يا بشراي إنه ليوسف حين أدلى دلوه، كم خدم من العلماء والصلحاء إنساناً، وكم ادخر بركتهم لدنياً وأخرى فحصل من كل منهم شفيعين مؤتزراً وعرياناً (٢) ، كم حرمة خدمة له عند أكابر الناس، وكم له يد عند جسه (٣) ومنة على راس، كم شكرته أبشار البشر، وكم حك رجل صالحٍ فتحقق هناك أن السعادة لتلحظ الحجر، قد ميز بخدمة الفضلاء والزهاد أهله وقبيله، وشكر على ما يعاب به غيره من طول الفتيلة، تتمتع الأجساد بتطييبه لحمامه بظل ممدود وماء مسكوب، وتكاد كثرة ما يخرجه من المياه أن تكون كالرمح أنبوباً على أنبوب.
وكتب إلى بعض أصحابه يستدعيه إلى حمام:
هل لك - أطال الله بقاءك إطالةً تكرع بها (٤) من منهل النعيم، وتتملى
стр. 607
بالسعادة تملي الزهر بالوسمي والنظر بالحسن الوسيم - في المشاركة في حمام (١) جمع بين جنة ونار، وأنواء وأنوار، وزهر وأزهار، قد زال فيه الاحتشام فكل عارٍ، ولا عار، نجوم سمائه لا يعتريها أفول، وناجم رخامه لا يعتريه ذبول، تنافست العناصر على خدمة الحال به، تنافساً احسن كل التوصل فيه إلى بلوغ أربه، فأرسل البحر ما جسده جسده من زبده، لتقبيل أخمصه إذ قصرت همته عن تقبيل يده، ولما لم ير التراب له في هذه الخدمة مدخلاً، تطفل وجاء وما علم أن التسريح لمن جاء متطفلاً، والنار رأت أن عين مباشرتها يستقل، وأنها بفرض من خدمته لا تخل، ولأن لها حرمة هداية الضيف في السرى، وبها يدفع (٢) القر ويقع القرى، فأعلمت ضدها الماء فدخل وهو حار الأنفاس، وغلت مراجله فلأجل ذلك داخله من صوت تساكبه الوسواس، والهوا أنه قصر عن مطاولة هذا المبار، فأمسك متهيباً ينظر ولكن من خلف زجاجة إلى تلك الدار، ثم إن الأشجار رأت أنها لا مشاركة (٣) لها في هذه الحظوة، ولا مساهمة في تلك الخلوة، فأرسلت في الأمشاط أكفاً أحسنت بها تدعو إليه الفرق، ومرت على سواد العذار الفاحم كما يمر البرق، وذلك بيد قيم قيمٍ بحقوق الخدمة، عامل بما يعامل به أهل النعيم أهل النعمة، خفيف اليد مع الأمانة، موصوف بالمهابة عند أهل تلك المهانة، لطف أخلاقاً حتى كأنها عتاب بين جحظة والزمان، وحسن صنعةً فلا يمسك يداً إلا بمعروف ولا يسرح تسريحاً إلا بإحسان، أبداً يرى مع طهارته وهو ذو صلف، ويشاهد مزيلاً لكل أذىً حتى لو خدم البدر لأزال عن وجهه الكلف، بيده موسى كأنه صباح ينسخ ظلاماً، أو نسيم ينفض عن الزهر كماماً، إذا أخذ صابونه أوهم من يخدمه بما يمره على جسده أنه
стр. 608
بحر عجاج، وانه يبدو منها زبد الأعكان التي هي أحسن من الأمواج، فهلم إلى هذه اللذة، ولا تعد الحمام أنها دعوة أهل الحراف فربما كانت هذه من بين تلك الدعوات فذة، ولعل سيدنا يشاهد ما لا يحسن وصفه قلمي، واستحسن وصفها ليدي وفمي، إذا جمح عناني فأقول، وإذا ترامت بي الخلاعة أخلع ما تستر به ذوو العقول: لدي - أبهجك الله - غصون قد هزها الحسن طرباً، رماح لغير كفاح قد نشرت من الشعور عذباً، وبدور أسدلت من الذوائب غيهباً، قد جعلت بين الخصور والروادف من المآزر برزخاً لا يبغيان، وعلمنا بهم أننا في جنة تجري من تحتها الأنهار وتطوف علينا بها الولدان، يكاد الماء إذا مر على أجسادهم يجرحها بمره، والقلب يخرج إلى مباشرتها من الصدر وعجيب من مباشر لأمر لا يلتقيه بصدره، إذا أسدل ذوائبه ترى ماء عليه ظل يرف، وجوهراً (١) من تحت عنبر يشف، يطلب كل منهم السلام وكان الواجب طلب السلامة، وكيف لا وقد غدا كل منهم أمير حسن (٢) وشعره المنشور وخاله العلامة، إذا قلب بأصفر الصفر ماء على الحضار، قلت هذا بدر بيده نجم تقسم منه أشعة الأنوار، وإن أخذ غسولاً وأمره على جسمه مفركاً، لم يبق عضو إلا واكتسب منه لطافة وراح مدلكاً، فما عذرك في انتهاز الفرص، واقتناص هذه الشوارد التي يجب على مثلك أن يغدو لها وقد اقتنص، والله تعالى يولي إليك المسار، ويجعلها لديك دائمة الاستقرار.
ومن شعره:
كم قلت لما بت أرشف ريقه ... وأرى نقي الثغر دراً منتقى
بالله يا ذاك اللمى متروياً ... كرر علي حديث جيران النقا
стр. 609
وقال أيضاً:
قيل للعين طيف إلفك ساري ... فتباهي له ولو بعواري
فتهيت لقربه وتهادت ... من دموعٍ إليه بين جواري
يتسابقن خدمةً فتراهن ... لديها كالدر أو كالدراري
ثم لما تحقق الطيف أن تل ... ك دموع خشي جوار البحار
بات جاري ودمع عيني جاري ... فتحيرت بين جارٍ وجاري
يا لقومي مابين هذا وهذا ... كيف يبقي السلو حسن اصطباري
مفرد في جماله إن تبدى ... خجلت منه جملة الأقمار
كيف أرجو الوفاء منه وعامل ... ت غريماً من طرفه ذا انكسار
ذو حواش تبدي لنا قلم ال ... ريحان من خده فجل الباري
فيه وجدي محقق، وسلوي ... وكلام العذول مثل الغبار
ولساني في حبه قلم الشع ... ر ورقي المكتوب بالطومار
كم أكني عنه وأكتم وجدي ... وأرى الحب هاتك الأستار وقال في الشبابة:
وناطقةٍ بالروح عن أمر ربها ... تعبر عما عندنا وتترجم
سكتنا وقالت للنفوس فأطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم وقال أيضاً:
نسب الناس للحمامة حزناً ... وأراها في الحزن ليست هنالك
خضبت كفها وطوقت الجي ... د وغنت وما الحزين كذلك وقال أيضاً:
لئن جاد لي بالوصل طيف خياله ... وأصبح محروماً رقيب ولائم
ألا إنها الأقدار تحرم ساهراً ... وآخر يأتي رزقه وهو نائم
стр. 610
وقال أيضاً:
لا نقل الروض أحاديثه ... عن عين نمام غدت خافيه
فإنه ينقل أخباره ... إلي عين عنده صافيه وقال:
يا قاتلي بلحاظٍ ... قتيلها ليس يقبر
إن صبروا عنك قلبي ... فهو القتيل المصبر وقال:
لا واخذ الله بندك ... فكم وشى بي عندك
وقال عني بأني ... شبهت بالغصن قدك
وأنت تعظم عندي ... أن يصلح البدر عبدك
ولست والله ترضى ... أن يحكي الورد خدك
فقاتل الله طرفي ... فكم به نلت قصدك
ولا رعى الله قلبي ... فكم رعى لك عهدك
فمن ترى أنا حتى ... جعلت قتلي وكدك
وكم أطعتك جهدي ... وكم تجنيت جهدك
وأنت تخلف وعدي ... ولست أخلف وعدك
وما عشقتك وحدي ... بلى عشقتك وحدك
وبعد هذا وهذا ... وذاك لا ذقت فقدك وقال متغزلاً:
ما خلت أني من سلوي مملق ... حتى غدوت من المدامع أنفق
كلا ولا خلت اصطباري كاسداً ... حتى رأيت مصون دمعي يطلق
يا للرجال نصيحةً من عاشقٍ ... بين النفوس وبينكم أن تعشقوا
علقته غصناً ببدرٍ مثمراً ... لكن أخضر عارضيه مورق
стр. 611
لو لم تكن كالرمح قامته لما ... أمسى عليه لواء قلبي يخفق
قمر له الوجه الذي هو جنة ... أمسى بها يتنعم المتعشق
فعذاره من سندس ورضابه ... من كوثرٍ وخدوده إستبرق وقال أيضاً:
كم عاشقٍ ظنه لما بدا وثنا ... حتى لوى عطفه من تيهه وثنى
رخيم دلٍ إذا ما قال واصفه ... للظبي نفرته قلنا نعم ولنا
كم قد رمى أسهماً من لحظ مقلته ... فحير الناس لما أن رمى ورنا
كم لي أحاديث عشق لست أسندها ... إلا بحدثنا عنه وأخبرنا (١)
قالت جفوني لما لاح عارضه ... أهلاً به عارض قد لاح ممطرنا
الصبح غرته والليل طرته ... والقلب لا يلتقي من ذا وذا سكنا
إن قيل من هو عبد للحبيب أقل ... لو لم أكن أنا عبد الله قلت أنا
أو قلت بدر قضيب دمية رشأ ... لقال والله بي عما ذكرت غنى
دع ما هناك من الأوصاف مفترقاً ... ودونك الكل مجموعاً لدي هنا
كم قلت واشيك يا ما كان أوحشه ... وغاب عنا فما والله أوحشنا
فيا حبيباً به قد صرت من زمني ... أشكو وكنت عليه أشكر الزمنا
أشبهت يوسف في حسن وزدت على ... شاريه بالبخس (٢) يا من قد غلا ثمنا
ملأت عيني نوراً مشرقاً وسناً ... فلم يسع جفنها من ذا وذا وسنا
أقسمت بالصفو من ودي ومن شيمي ... ما إن عصيتك لا سراً ولا علنا
كم قلت عندك لي في الحب مسألة ... فيها افتنا يا مليحاً حسنه فتنا
هل عنك يعتاض قلبي يا حشاشته ... وليس من قد نأى عنه كمن كمنا وقال أيضاً من أبيات:
стр. 612
ذو قوامٍ يجور (١) منه اعتدال ... كم قتيل به من العشاق
سلب القضب لينها فهي غيظاً ... واقفات تشكوه بالأوراق وقال أيضاً:
بحق ما بينكم وبيني ... لا تذكروا لي حديث بين
فأنتم لي بياض حظي ... وأنتم لي سواد عيني وقال أيضاً:
رب روض أزرته بدر تم ... حيث غال في تيهه والتجري
فرأيت الأغصان ذلاً لديه ... وا قفات والعين للدمع تذري
كان ظني أن يفضح القد بالغص ... ن وأن الزلال بالريق يزري
ثم لما ثنى العنان عن النه ... ر غدا في ركابه وهو يجري وله أيضاً:
صح الصحيح وأي شيء يختفي ... بي أهيف وفديته من أهيف
كلفي ببدرٍ قد سما بكماله ... في الأرض عن بدر السماء الأكلف
ظبي من الأتراك إلا أنه ... فيه من الأعراب ترك تصلف
من جنة المأوى بدا وعلى سوى ... أصداغه أوراقها لم تخصف
رشأ حريري الخدود وإنما ... قلبي مريد عذاره المتصوف
ما أبصرته مقلة ثم انثنت ... إلا تقول لها ملاحته قفي
من قال ريقته الشهية قرقف ... للريق لم يعرف ولا للقرقف
الغصن لما مال قال تهتكاً ... فضح التكلف شيمة المتكلف
من ردفه وقوامه كم صرعةٍ ... لمحبه بمثقلٍ ومخفف
كم مزقت ألحاظه من مهجةٍ ... بسوى الرضى من قلبه لم ترتفي
стр. 613
وبليتي هيف القدود فإنها ... جاءت إلي بفتنةٍ لم توصف
أهوى من الأحقاف غصناً فصلت ... زمراً حياصته بأحسن زخرف
فحوى جواميم النساء ووجهه ... أيضاً حوى ميم اللمى من مرشف
فهو المعوذ من عيون حواسدٍ ... برقى ملاحته وتلك بها كفي
كم بت منتظراً عذاريه عسى ... أسلو فزاد بها عليه تأسفي
كم قال لي لما أشرت لمهجتي ... في ناظريك أنا فقلت له وفي
فوحق وجنته أما خيلانها ... تحكي لنا الأعشار جنب المصحف
ووحق سورة يوسفٍ ما وجهه ... إلا كما قد قيل صورة يوسف
وجه حكى الدينار إلا أنه ... عن خاطري ونواظري لم يصرف
كم قلت فيه لعاذلي كن عاذري ... ما كنت ممن عذلي بي تشتفي
كم رمت أحلف لا عشقت مهفهفاً ... وتقول لي أعطافه لا تحلف وكتب إلى ولده فتح الدين:
إن شئت تنظرني وتنظر حالتي ... قابل إذا هب النسيم قبولا
تلقاه مثلي رقةً ولطافةً ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا
فهو الرسول إليك مني ليتني ... كنت اتخذت مع النسيم رسولا وقال أيضاً:
أيها الصائد باللحظ ومن ... هو من بين الورى مقتنصي
لا تسم طائر قلبي هرباً ... إنه من أضلعي في قفص وقال أيضاً:
لقد قال لي إذ رحت من خمر ريقه ... أحث كؤوساً من ألذ مقبل
بلثم شفاهي أو برشف شفاهها ... تنقل فلذات الهوى في التنقل وقال أيضاً:
стр. 614
ولم أنسه إذ قال قم نودع الدجى ... ذخائر وصلٍ فالظلام كتوم
فما مثله حرز حريز لأنه ... تبيت عليه للنجوم ختوم وقال أيضاً:
ألا ليت ليلاتٍ مضين رواجع ... وهل ما مضى من سالف لدهر يرجع
ليالٍ مواضٍ كم قطعت بها منىً ... ولا شك في أن المواضي تقطع وقال أيضاً:
أنا في العالم طرفه ... من أشد الناس حرفه
إن أجد فعلاً فعيلاً (١) ... كان في الفضة خفة
أو أجد هذا وهذا ... لم أجد في الحال غرفه
أو أجدهن جميعاً ... كان في الآلة وقفه
فتراني طول دهري ... تائباً من غير عفه وقال في دمشق:
لا تلوموا (٢) دمشق إن جئتموها ... فهي قد أوضحت لكم ما لديها
إنها في الوجوه تضحك بالزه ... ر لمن مر في الربيع عليها
وتراها بالثلج تبصق في لح ... ية من جاء في الشتاء إليها وقال في منزلة القطيفة:
هذي القطيفة التي ... لا تشتهى نقلاً وعقلا
حشيت ببردٍ يابسٍ ... فلأجل ذاك الحشو تقلى وقال موالياً:
لك طرف حمى حسنك من السرحه ... كم قد أغار على العشاق في صبحه
стр. 615
لما علمت بأنه (١) سابق اللمحة ... عليه قد خفت شطبله (٢) على صحه وقال ملغزاً في شبرية:
وهنديةٍ موطوءةٍ (٣) غير أنها ... إذا افترشت أغرتك بالبيض والسمر
تعانق من أعطافها خيزرانةً ... وتلمح من أزرارها طلعة (٤) البدر
على أربعٍ أمست تنام وإن تقم ... تفوتك طولاً وهي تعزى إلى الشبر وقال أيضاً:
وكم قال قوم (٥) بالمجالس خوطبوا ... وذاك دوا جهالهم في التنافس
فقلت لهم ما ذاك بدع وإنه ... لعند الدوا يدعى الخرا بالمجالس وقال أيضاً في أعور:
وأعور العين ظل يكشفها ... بلا حياءٍ منه ولا خيفه
وكيف تلقى الحياء عند فتىً ... عورته لا تزال مكشوفه وقال ذوبيت:
لله ليالٍ أقبلت بالنعم ... في ظل بناءٍ شاهقٍ كالعلم
بالجيزة والنيل بدا أوله ... في مقبل الشباب عند الهرم
стр. 616
٢٢٣ - (١)
عبد الله بن علي العباسي
عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، عم المنصور والسفاح، أحد دهاة الأرض، وكان من الشجعان الأبطال، وهو الذي انتدب لحرب مروان الحمار ولج (٢) في طلبه، وطوى الممالك حتى بلغ دمشق ونازلها وحاصرها وفتحها بالسيف وعمل على الثأر، وأسرف في قتل بني أمية، ولم يرقب فيهم (٣) إلاً ولا ذمة.
ولما مات السفاح وهو بالشام دعا إلى نفسه فبايعه أهل الشام بالخلافة، فجهز المنصور إليه أبا مسلم الخراساني، فالتقيا بنصيبين، وكان الظفر لأبي مسلم. وقصد عبد الله بن علي البصرة فأخفاه أخوه عنده، ثم لم يزل المنصور عليه حتى ظفر به وسجنه في بيت كان قد بناه وعمل أساسه ملحاً، وأرسل عليه الماء فوقع عليه فمات، وذلك سنة سبع وأربعين ومائة.
وقيل إن المنصور قال يوماً لجلسائه أخبروني عن ملك جبار أول اسمه عين قتل ثلاثة أول اسمهم عين، فقال أحد من حضر: عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الأشعث، قال فخليفة آخر أول اسمه عين فعل كذلك، فقال: أنت يا أمير المؤمنين قتلت ابا مسلم واسمه عبد الرحمن وقتلت عبد الجبار وسقط البيت على عمك عبد الله بن علي، فضحك المنصور فقال: ويحك، وما ذنبي أن سقط عليه البيت؟ فقال: أتعرفون عين بن عين بن عين قتل ميم بن ميم بن ميم، قال
стр. 617
رجل: نعم، عمك عبد الله بن علي بن عبد الله قتل مروان بن محمد ابن مروان.
ولعبد الله بن علي ذكر في ترجمة ابن المقفع.
٢٢٤ - (١)
صفي الدين بن شكر
عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن منصور الصاحب صفي الدين بن شكر، المصري الدميري المالكي.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، سمع من السلفي وجماعة، وحدث بدمشق ومصر، وروى عنه الزكي المنذري والشهاب القوصي، وكان مؤثراً لأهل العلم والصالحين كثير البر لهم، لا يشغله ما (٢) هو فيه من كثرة الأشغال عن مجالستهم ومباحثتهم، وأنشأ مدرسة قبالة داره بالقاهرة (٣) ، وبنى مصلى العيد بدمشق، وبلط الجامع الأموي، وعمر الفوارة، وعمر جامع المزة وجامع حرستا.
وكان حلو اللسان، حسن الهيئة، ذا (٤) دهاء مفرط، فيه هوج (٥) وخبث وطيش ورعونة مفرطة وحقد لا تخبو ناره، ويظن أنه لا ينتقم فيعود وينتقم،
стр. 618
لا ينام عن عدوه ولا يقبل له معذرة، ويجعل الرؤساء كلهم أعداءه، ولا يرضى لعدوه بدون الهلاك، لا تأخذه في نقماته رحمة، استولى على العادل ظاهراً وباطناً، ولم يمكن أحداً من الوصول إليه حتى الطبيب والفراش والحاجب عليهم عيون فلا يتكلم أحد (١) منهم كلمة، ولا يأكل من الدولة فلساً، فإذا لاح له مال عظيم احتجنه، وعملت (٢) له قبسة العجلان فأمر كاتبه أن يكتبها ويردها، وقال: لا نستحل أن نأخذ منك ورقاً، وكان له في كل بلد من بلاد السلطان ضيعة أو أكثر في مصر والشام إلى خلاط، وبلغ مجموع مغله مائة ألف وعشرين ألف دينار، وكان يكثر الإدلال على العادل ويسخط أولاده وخواصه، وكان العادل يترضاه بما أمكنه، وتكرر ذلك منه، إلى أن غضب منه على حران، فأقره العادل على الغضب وأعرض عنه، وظهر له منه فساد (٣) ، فنفاه عن مصر والشام، فسكن آمد وأحسن إليه صاحبها، فلما مات العادل عاد إلى مصر ووزر للكامل، وأخذ في المصادر، وكان قد عمي، مات أخوه ولم يتغير ومات أولاده وهو على حاله، وكان يحم حمى قوية ويأخذه النافض وهو في مجلسه ينفذ الأشغال ولا يلقي جنبه إلى الأرض، وكان يقول: ما في قلبي حسرة إلا ابن البيساني، وما تمرغ على عتباتي - يعني القاضي الفاضل - وكان يحضر عنده وهو يشتمه فلا يتغير، وداراه أحسن مداراة، وبذل له أموالاً جمة. وعرض له إسهال وزحير (٤) أنهكه حتى انقطع ويئس الأطباء منه، فدعا من حبسه عشرة (٥) شيوخ من كبار العمال والكتاب وقال: أنتم تشمتون بي، وركب عليهم المعاصير وهو يزحر وهم يصيحون إلى أن أصبح وقد خف ما به، وركب في ثالث يوم. وكان يقف على بابه الرؤساء
стр. 619
من نصف الليل ومعهم المشاعل والشمع ويركب عند الصباح فلا يراهم ولا يرونه إما أن يرفع طرفه إلى السماء، وإما يعرج إلى طريق أخرى، وفيه يقول ابن عنين (١) :
ضاع شعري وقل في الناس قدري ... من وقوفي باب اللئيم ابن شكر (٢)
لو أتته حوالة بخراه ... قال سدوا بلحيتي باب جحري وفيه يقول أيضاً (٣) :
ونعمة جاءت إلى سفلةٍ ... أبطره الإثراء لما ثرا
فالناس من بغض له كلما ... مروا عليه لعنوا شاورا (٤)
تباً لمصر ولها دولةً ... ما رفعت في الناس إلا خرا وكان السبب في انحرافه عن الفاضل رحمه الله تعالى ما قاله الفاضل وهو: وأما ابن شكر فهو من لا يشكر، وإذا ذكر الناس فهو الشيء الذي لا يذكر، فقيل للقاضي الفاضل: ما هو الشيء الذي لا يذكر؟ قال: الشيء الذي لا يذكر؛ وتوفي الفاضل رحمه الله تعالى وقد عصمه الله منه ولم يمكنه منه.
وفي ابن شكر يقول ابن شمس الخلافة:
مدحتك ألسنة الأنام مخافة ... وتقارضت لك في الثناء الأحسن
أترى الزمان مؤخراً في مدتي ... حتى أعيش إلى انطلاق الألسن وقيل إنه عاش بعده وأطلق لسانه، ثم تمنى أن لا يكون قد عاش إلى انطلاق الألسن.
стр. 620
ولشعراء عصره فيه أمداح طنانة مليحة إلى الغاية، فممن امتدحه ابن الساعاتي وابن سناء الملك وابن نفادة وابن نبيه وابن عنين وغيرهم، والأمداح موجودة في دواوينهم.
٢٢٥ - (١)
تقي الدين السروجي
عبد الله بن علي بن منجد بن ماجد بن بركات، الشيخ تقي الدين السروجي قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: كان رجلاً خيراً عفيفاً تالياً للقرآن، عنده حظ جيد من النحو واللغة والآداب، متقللاً من الدنيا، يغلب عليه حب الجمال مع العفة التامة والصيانة، نظم كثيراً وغنى بشعره المغنيون، وكان يكرر على المفصل والمتنبي والمقامات، ويستحضر حظاً كثيراً من صحاح الجوهري، وكان مأمون الصحبة طاهر اللسان، يتفقد أصحابه، لا يكاد يظهر إلا يوم الجمعة، وكان يكره أن يخبر أحد باسمه، لأنه كان يقول: لي مع الأصحاب ثلاث رتب: أول ما اجتمع بهم يقولون: جاء التقي راح التقي صبرت عليهم، وعلمت أنهم قد أخذوا في الملل، فإذا قالوا: جاء السروجي راح السروجي، فذلك آخر عهدي بهم.
وقال الشيخ شهاب الدين محمود: كان يكره مكان تكون فيه امرأة، ومن دعاه قال: شرطي معروف أن لا تحضر امرأة، وكنا يوم في دعوة فأحضر شوا، فأدخل إلى النسا يقطعوه ويجعلوه في الصحون فلم يأكل منه،
стр. 621
وقال: أفيه لمسوه بأيديهم!!
وكان مولده سنة سبع وعشرين وستمائة بسروج، وتوفي بالقاهرة رابع رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
قال أبو حيان: ولما توفي قال أبو محبوبة: والله ما أدفنه إلا في قبر ولدي، لأنه كان يهواه، وما أفرق بينهما، لما كان يعتقده من دينه وعفافه، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
أنعم بوصلك لي فهذا وقته ... يكفي من الهجران ما قد ذقته
أنفقت عمري في هواك وليتني ... أعطي وصولاً بالذي أنفقته
يا من شغلت بحبه عن غيره ... وسلوت كل الناس حين عشقته
كم جال في ميدان حبك فارس ... بالصدق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الذي جمع المحاسن وجهه ... لكن عليه تصبري أنفقته (١)
قال (٢) الوشاة قد ادعى بك نسبةً ... فسررت لما قلت قد صدقته
بالله إن سألوك عني قل لهم ... عبدي وملك يدي وما أعتقته
أو قيل مشتاق (٣) إليك فقل لهم ... أدري بذا وأنا الذي شوقته
يا حسن طيفٍ من خيالك زارني ... من فرحتي بلقاه ما حققته
فمضى وفي قلبي عليه حسرة ... لو كان يمكنني الرقاد لحقته وقال أيضاً:
دنيا المحب ودينه أحبابه ... فإذا جفوه تقطعت أسبابه
وإذا أتاهم في المحبة صادقاً ... كشف الحجاب له وعز جنابه (٤)
стр. 622
ومتى سقوه شراب أنس منهم ... رقت معانيه وراق شرابه
وإذا تهتك ما يلام لأنه ... سكران عشقٍ لا يفيد عتابه
بعث السلام مع النسيم رسالةً ... فأتاه في طي النسيم جوابه
قصد الحمى وأتاه يجهد في السرى ... حتى بدت أعلامه وقبابه
ورأى لليلى العامرية منزلاً ... بالجود يعرف والندى أصحابه
فيه الأمان لمن يخاف من الردى ... والخير قد ظفرت به طلابه
قد أشرعت بيض الصوارم والقنا ... من حوله فهو المنيع حجابه
وعلى حماه جلالة من أهله ... فلذالك طارقة العيون تهابه
كم قلبت فيه القلوب على الثرى ... شوقاً إليه وقبلت أعتابه
كم أخصبت منه الأباطح والربى ... للزائرين وفتحت أبوابه وقال أيضاً:
بالجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسكٍ أشتهي شمها
حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنه عمها وقال أيضاً:
معاملة الأحباب بالوصل والوفا ... فدع يا حبيبي عنك ذا الصد والجفا
وإن كان لي ذنب بجهلي فعلته ... فمثلي من أخطأ ومثلك من عفا
أيا بدر تم حان منه طلوعه ... ويا غصن بانٍ آن أن يتعطفا
كفى ما جرى من دمع عيني بالبكا ... وعشقي على قلبي جرى منه ما كفى
فإن كنت لا تدري وتعرف ما الهوى ... فقصدي أن تدري بذاك وتعرفا
أعد ذلك الفعل الجميل تجملاً ... وإن لم يكن طبعاً يكون تكلفا
فما أقبح الإعراض عمن تحبه ... وما أحسن الإقبال منه وألطفا
تقدم شوقي يسبق الدمع جارياً ... إليك ولكن عنك صبري تخلفا
فديتك محبوباً على السخط والرضى ... وعذرك مقبول على الغدر والوفا
стр. 623
وقال ﵀:
يا ساعي الشوق الذي مذ جرى ... جرت دموعي فهي أعوانه
خذ لي جواباً عن كتابي الذي ... إلى الحسينية عنوانه
فهي كما قد قيل وادي النقا ... وأهلها في الحسن غزلانه
امش (١) قليلاً وانعطف يسرةً ... يلقاك درب طال بنيانه
واقصد بصدر الدرب دار الذي ... بحسنه تحسن جيرانه
سلم وقل يخشى مسن كي مسن ... أشت حديثاً طال كتمانه (٢)
كنكلم كزم ساوم إشى أط كبي ... فحبه أنت وأشجانه
واسأل لي الوصل فإن قال يوق ... فقل أوات قد طال هجرانه (٣)
وكن صديقي واقض لي حاجةً ... فشكر ذا عندي وشكرانه أنشدني القاضي علم الدين ابن إبراهيم مستوفي الشام رحمه الله تعالى، بسوق الكتب في شهور سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة في معنى أبيات السروجي:
قصة الشوق سر بها يا رسولي ... نحو من قربه مناي وسولي
عند باب الفتوح حارة بهاء ال ... دين تحت الساباط قف يا خليلي
فإذا ما حللت تلك المغاني ... قف بتلك الطول غير مطيل
وتأمل هناك تلق غرير ال ... طرف يرمي بالنبل (٤) كل نبيل
ألفي القوام قد ألف الهج ... ر دلالاً على المحب الذليل
فإذا ما رأيته من بعيدٍ ... يتثنى عجباً بتلك الطول
قبل الأرض ثم قدم إليه ... قصة ترجمت بشرحٍ طويل
فإذا قال اوزمي بختك در سلام بر ... كيف حال المضنى الكئيب العليل
стр. 624
قل قلن خش دا كل تلاماس دن ... باذن ألاسن (١) بلا تطويل (٢)
جد لمن في هواك قد شفه الوج ... د فأضحى حلف الضنى والنحول (٣) عدنا إلى شعر السروجي
وقال أيضاً:
قلت لمحبوبي وقد زارني ... إلي يا محبوب قلبي إلي
قد عشق الناس وقد واصلوا ... ما وقع الإنكار إلا علي وقال أيضاً:
يا ريس الحب أدركني فقد وحلت ... مراكب الحب بي في بحر أشواقي
ولي بضاعة صبر ضاع أكثرها ... وقد علانا الهوى يستغرق الباقي وله أيضاً:
تفقهت في عشقي لمن قد هويته ... ولي فيه بالتحرير قول ومذهب
وللعين تنبيه به طال شرحه ... وللقلب منه صدق ود مهذب وقال أيضاً (٤) :
عندي هوىً لك طال عمر زمانه ... لم يبق لي صبر على كتمانه
قد ضل قلبي عن طريق سلوه ... فدليله لا يهتدي لمكانه
يا صاحب القلب الذي أفراحه ... تلهيه عن قلبي وعن أحزانه
عيني لفقدك قد بدا إنسانها ... وجفا الكرى شوقاً إلى إنسانه
يا من بدا في حسنه متلطفاً ... فعشقته وطمعت في إحسانه
стр. 625
كان اعتقادي أن أفوز بوصله ... فحرمته ورزقت من هجرانه
كان الرقاد لصيد طيفك حيلتي ... فسلبته وفجعتني بعيانه
ومنعتني أن أجتني من وصله ... ثمراً يطيب جناه قبل أوانه
ضمن التلطف منك وصلي في الهوى ... لكن أطال وما وفى بضمانه
خوف الفراق إلى حماك يسوقني ... فمتى أفوز من اللقا بأمانه وقال أيضاً:
مد إلي من أحب حبل صدودٍ ... حين أوهى تجلدي واصطباري
ثم قال امش لي عليه سريعاً ... كيف أمشي وما أنا باختياري وقال أيضاً:
أرى المشتري في روضة الحسن قد بدا ... على رصد المعشوق فالقلب واجد
وحقك ما السبع الوجوه إذا بدت ... بمغنيةٍ عن وجهه وهو واحد وقال أيضاً:
خدمت لذاك الوجه للثغر ناظراً ... لعلي أمسي والياً من ولاته
وأصل حسابي ضبط حاصل وصله ... وتقبيله مستخرج من جهاته وقال أيضاً:
لي حبيب منه أرى وجه بدرٍ ... لم يزل داخلاً بباب السعاده
هو للحسن جامع حاكمي ... فلهذا عشاقه في الزياده وقال أيضاً:
نديمي ومن حالي من الوجد حاله ... ومن هو مثلي عن مناه بعيد
أعد ذكر من أهوى فإني مدرس ... لذكراه من شوقي وأنت معيد وقال أيضاً:
стр. 626
ألا هل لجمع الشمل ممن أحبه ... دعوتك ملهوفاً وأنت سميع
فلم يبق لي مما تشوقت مهجة ... ولم يبق لي مما بكيت دموع وله أيضاً غفر الله له:
أفدي رئيساً كل فعل له ... يحبه العبد ويرضاه
ومثله خادمه محسن ... والعبد من طينة مولاه وقال أيضاً (١) :
يا مرحباً بقدوم جيران النقا ... كمل السرور بهم وطاب الملتقى
أنست بقربهم المنازل واغتدى ... وجه الزمان بهم منيراً مشرقا
ولطيب نشرهم تعطرت الصبا ... وأرى على الدنيا بذلك رونقا
فتهن يا قلبي تهن وطالما ... قد بت نحوهم كئيباً شيقا
يا ناظري، ولك البشارة، طالما ... أبكاك من ألم البعاد وأرقا
فلمثل هذا اليوم كنت مؤملاً ... وإليه كنت على المدى متشوقا
يا جيرةً صفت الحياة بقربهم ... وغدا بهم روض المسرة مونقا
لا تحسبوا أني سررت بغيركم ... مذ كان شمل وصالنا متفرقا
وحياتكم ما لي سواكم مرتجى ... أبداً ولست بغيركم متعلقا
لكنني أخشى على أسراركم ... دمعاً غدا متدافعاً متدفقا
قد عبرت عبراته عن كل ما ... أخفى بطول بكائها لا منطقا
أحببتكم وأشعت حب سواكم ... إذ كنت حذراناً عليكم مشفقا
ولقد وجدت لبينكم يا سادتي ... ما أزعج القلب المشوق وأقلقا وقال أيضاً:
سأودعك السر الذي قد كتمته ... وأعلمك الأمر الذي قد علمته
стр. 627
وأفهمك المعنى اللطيف من الهوى ... واشرحه حتى تقول فهمته
فعندي حديث منك سوف أقوله ... إذا ما خلونا ساعة الوصل قلته
وتقرً من شوقي كتاباً مترجماً ... بدمعي على خدي إليك كتبته
وبي منك داء أصله كان نظرةً ... عدمت اصطباري عنك لما وجدته
سألت طبيب الحي ماذا دواؤه ... فرق لما أشكوه لما سألته
أراني إذا أبصرت شخصك مقبلاً ... تغير مني الحال عما عهدته
وقال جليسي ما لوجهك أصفراً ... فقلت له بالرغم مني صبغته
ومد إلى قلبي يداً وهو خافق ... فغالطته عنه وقلت فقدته
وقال لمن تهوى فقلت أهابه ... ويشرقني دمعي إذا ما ذكرته وقال وقد رأى زفة مليحٍ ليلة عرسه (١) :
عاينت في بارحتي زفةً ... قضيت فيها كل أوطاري
وشمعها مثل نجوم الدجى ... محيطة بالقمر الساري
ما زلت مذ عاينتها قائلاً ... يا ليتها كانت إلى داري فلما سمع والد العروس هذه الأبيات حمل ولده طبق حلوى وأتى به إلى باب الشيخ تقي الدين، لما كان يعتقده فيه.
وقال أيضاً وهو عليل (٢) :
بالله إن حضرت لديك منيتي ... وشهدت من روحي الغداة حمامها
فكن الوفي لها فأنت قتلتها ... وتمش خلف جنازتي وأمامها
فلعل منكراً أو نكيراً يبلغا ... روحي بأنك قد وفيت ذمامها وقال أيضاً ﵀ موشحاً:
стр. 628
بالروح أفديك يا حبيبي ... إن كنت ترضى بها فداك
فداوني اليوم يا طبيبي ... فالجسم قد ذاب من جفاك
يا طلعة البدر إن تجلى ... وإن تثنى فغصن بان
بالوصل طوبى لمن تملى ... ونال من قربك الأمان
قل لي نعم قد ضجرت من لا ... وضاع مني بها الزمان
فارجع إلى الله من قريب ... فبعض ما حل بي كفاك
من دمع عيني ومن نحيبي ... وادي الحمى أنبت الأراك
والله ما كنت في حسابي ... وإنما عشقق اتفاق
وما أنا من ذوي التصابي ... فلم دمي في الهوى يراق
وكلت بي تبتغي عذابي ... بالصد والبين والفراق
ثلاثة قد غدت نصيبي ... يا ليتها لا عدت عداك
وإن تكن ترضى الذي بي ... فإن كل المنى رضاك
إن طال شوقي وزاد وجدي ... فإنني عاشق صبور
اسمع حديثي بقيت بعدي ... أنا وحق النبي غيور
ما أشتهي أن يكون ضدي ... يمشي حواليك أو يدور
كأنما لحظه رقيبي ... ملازم عندما أراك
يسعى إلى الناس في مغيبي ... يقول هذا يحب ذاك
جميع ما تشتهي وترضى ... علي إحضاره إليك
وذاك شيء أراه فرضا ... بالله قل لي وما عليك
أنفق وخذ ما تريد نضا ... فحاصلي أمره لديك
فأنت يا نزهتي طبيبي ... عن صحبتي ما لك انفكاك
стр. 629
ولا ابن عمي ولا نسيبي ... يرى إلى مهجتي سواك
إن كنت تهوى مقام شربٍ ... قم نغتبق ثم نصطبح
تعال حتى تزيل عتبي ... وبعد ذا العتب نصطلح
والحقد في القلب لا تغبي ... وروح الهم تسترح
فالعيش للعاشق الكئيب ... يطيب للأنس في حماك
في خلسة المنظر العجيب ... تجيبه كلما دعاك وقال أيضاً موشحاً ﵀:
يا لائمي في الهوى كفاني ... فعد عن بعض ذا الملام
لم لا تلوم الذي جفاني ... وصد عن مقلتي المنام
هواه من أشكل المسائل ... كم حار في وصفه فقيه
وفيه ما تنفع الوسائل ... أخشاه جهدي وأتقيه
وكم عتابٍ وكم رسائل ... أعدها حين ألتقيه
يهتز من نشوة الدنان ... كأنما لحظه مدام
وتعتري سكتة اللسان ... يعود لا يفصح الكلام
أقسام هجرانه لعشقي ... ماضٍ ومستقبل وحال
خاطرت في حبه بنطقي ... إذ قلت لا بد من وصال
أخلصت عزمي به وصدقي ... وقد تعرضت للسؤال
عسى بعين الرضا يراني ... من غير عجب ولا احتشام
يبدل البعد بالتداني ... ويعقب الهجر بالتئام
سكرت من حبه بشمس ... من فوق عطفيه تطلع
وفيه يومي مضى وأمسي ... وشملنا ليس يجمع
стр. 630
عسى غداة اللقاء أمسي ... قد ضمنا فيه موضع
وانهب العيش من زماني ... بالضم من ذلك القوام
وأبلغ القصد والأماني ... بلثم ما قد حوى اللثام
مالي عذول عليه لكن ... لسوء حظي له رقيب
يكون في أبعد الأماكن ... تلقاه من جمعنا قريب
وفي فؤادي هواه ساكن ... وما لدائي به طبيب
في حسنه كامل المعاني ... كأنه البدر في التمام
وإنما نقصه اعتراني ... وذاب قلبي من الغرام
إذا تخلصت من غرامي ... أتوب منه ولا أعود
ولا أقاسي على الدوام ... من لم يزل ينقض العهود
أجفان عيني به دوامي ... من طول ما يخلف الوعود
أراه بالطيف إن أتاني ... وليس في وصله مرام
وعن كلامي به تواني ... حتى ولا لفظة السلام رحمه الله تعالى وتجاوز عنا وعنه وعن جميع لمسلمين آمين يا رب العالمين.
٢٢٦ - (١)
جمال الدين بن غانم
عبد الله بن علي بن محمد بن سليمان بن حمائل، جمال الدين بن الشيخ علاء الدين بن غانم، الكاتب الناظم الناثر الفاضل المترسل؛ كان شاباً حسن
стр. 631
الشكل مليح الوجه، جيد الكتابة في الدرج، مع قوة وأصالة وتسرع في الإنشاء، يكتب من رأس قلمه، وله غوص في نثره ونظمه.
مولده في شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة. وتوفي في آخر شوال سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رحم الله تعالى شبابه، ويسر حسابه، مرض في مدة عمره مرضاً حاداً مرة ونجاه الله تعالى منه، ثم إنه حصلت له سعلة قرحت منها قصبة الرئة، وبقي متمرضاً من ذلك، يصح آونة ويعتل أخرى، إلى أن قضى نحبه.
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي - حرسه (١) الله تعالى - يرثيه:
تبكي الطروس عليك والأقلام ... وينوح فيك على الغصون حمام
يا من حواه اللحد غصناً يانعاً ... وكذا كسوف البدر وهو تمام
يا وحشة الديوان منك إذا غدت ... فيه مهمات البريد ترام
من ذا يوفيها مقاصدها على ... ما يقتضيه النقض والإبرام
هيهات كنت له جمالاً باهراً ... فعليه بعدك وحشة وظلام
أسفي على الإنشاء وهو بجلقٍ ... نشاؤه قد مات والنظام
كم من كتابٍ سار عنك كأنه ... برد أجاد طرازه الرقام
إن كان في شر فقد رد الردى ... وبه ترفه ذابل وحسام
لم لا يرد البأس ما ألفاته ... مثل القنا واللام منه لام
أو كان في خير فكل كلامه ... در يؤلف بينهن نظام
وكأنما تلك السطور إذا بدت ... كأس ترشف راحها الأفهام
يهتز عطف أولي النهى لبيانه ... فكأن هاتيك الحروف مدام
كم فيه وجه سافر مثل الضحى ... وعليه من ليل السطور لثام
ولكم كتبت مطالعاتٍ خدها ... قانٍ وثغر فصولها بسام
стр. 632
وكأنما ألفاتها قضب اللوى ... وكأنما همزاتهن حمام
صلى وراءك كل من عاصرته ... علماً بأنك في البيان إمام
وكأن قبرك للعيون إذا بدا ... قصر عليه تحية وسلام (١)
لما تغيب في التراب جمالهم ... قعدوا لهولٍ عاينوه وقاموا
ما كنت إلا فارس الكتب التي ... فيها تعرق صنعها الأقلام
ما محنة نزلت بعترة غانمٍ ... هانوا وهم في العالمين كرام
يا قبره لا تنتظر سقيا الحيا ... حزني ودمعي بارق وغمام
لي فيك خل كم قطعت بقربه ... أيام أنسٍ والخطوب نيام
لذت فلذت بظلها فكأنها ... لقياد لذات الزمان زمام
أسفي على صحب مضى عمري بهم ... وصفت بقربي منهم الأيام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأننا وكأنهم أحلام (٢)
بالرغم مني أن أفارق صاحباً ... لي بعده ضر النوى وغرام
يا من تقدمني وسار لغايةٍ ... لابد لي منها وذاك لزام
قد كنت أحسبه يرثيني فقد ... عكست قضيته معي الأحكام
أنا ما أراك على الصراط لأنه ... بيني وبينك في الأنام زحام
إذ قد سبقت خفيف ظهرٍ لا كمن ... قد قيدت خطواته الآثام
فاز المخف وقد تقدم سابقاً ... وشفيعه لإلهه الإسلام
فاذهب فأنت وديعة الرحمن لي ... يلقاك منه البر والإكرام
ويجود قبرك منه غيث سماحةٍ ... بالعفو صيب ودقها سجام
ولقد قضيتك حق ودك بالرثا ... والحر من يرعى لديه ذمام
خلقتني رهن التندم والأسى ... تعتادني الأحزان والآلام
стр. 633
ومن شعر جمال الدين المذكور، ما كتبه إلى الشيخ صلاح الدين الصفدي وهو بالديار المصرية:
ذكرت قلبي حين شط مزارهم ... بهم فناب عن الهوى تذكارهم
وبكى فؤادي وهو منزل حبهم ... وأحق من تبكي الأحبة دارهم
وبجلق الجفن الهمول كأنما ... لمحته عند مرورهم أنوارهم
تذري الدموع عليهم وكأنهم ... زهر الربى وكأنها أمطارهم
وبكين من حالي العواذل رحمةً ... لما بكيت وما الأنين شعارهم
ويح المحبين الذين بودهم ... قرب المزار ولو نأت أقطارهم
فقدوا خليلهم الحبيب فأذكيت ... بالشوق ما بين الأضالع نارهم
مولىً تقلص ظل أنسٍ منه عن ... أصحابه فاستوحشت أفكارهم
كم راقهم يوماً برؤية وجهه ... ما لا يروقهم له دينارهم
ولكم بدت أسماعهم في حليةٍ ... من لفظه وكذا غدت أبصارهم
كانوا بصحبته اللذيذة رتعاً ... بمسرةٍ ملئت بها أعشارهم
يتنافسون على دنو مزاره ... وكأنما بلقاه كان فخارهم
لا غيب الرحمن رؤية وجهه ... عن عاشقيه فإنها أوطارهم
وجلا ظلام بلادهم من نوره ... فلقد تساوى ليلهم ونهارهم فكتب الشيخ صلاح الدين إليه الجواب:
أفدي الذين إذا تناءت دارهم ... أدناهم من دارهم تذكارهم
في جلق الفيحاء منزلهم وفي ... مصرٍ بقلب الصب تضرم نارهم
قوم بذكرهم الندامى أعرضوا ... عن كأسهم وكفتهم أخبارهم
وإذا الثناء على محاسنهم أتى ... طربوا له وتعطلت أوتارهم
وإذا هم نظروا بحسن وجوههم ... لم تبق أنجمهم ولا أقمارهم
فهم النجوم إذا ادلهم ظلامهم ... وهم الشموس إذا استنار نهارهم
стр. 634
دنت النجوم تواضعاً لمحلهم ... وترفعت من فوقها أقدارهم
وبكفهم وبوجههم كم قد همت ... أنواؤهم وتوقدت أنوارهم
أهدى جمالهم إلي تحيةً ... منها يدار على الأنام عقارهم
لك يا جمال الدين سبق في الوفا ... حتى تقر لصفوه أكدارهم
يا ابن الكرام الكاتبين فشأنهم ... صدق المودة والوفا شعارهم
قوم إذا جاءوا إلى شأو العلا ... سبقوا إليه ولم يشق غبارهم
صانوا وزانوا باليراع ملوكهم ... أسوارهم من كتبهم وسوارهم
ما مثلهم في جودهم فلذاك قد ... عزت نظائرهم وهان نضارهم
فتعلم الشيمات من أخلاقهم ... وتذوب عن زهر الربى أشعارهم
وحماهم يحمي النزيل بربعه ... من جور ما يخشى ويرعى جارهم
بالرغم مني أن بعدت ولم أجد ... ظلاً تفيئه علي ديارهم
لو كان يمكنني وما أحلى المنى ... ما غاب عني شخصهم ومزارهم
ويح النوى شمل الأحبة فرقت ... فمتى يفك من البعاد إسارهم واجتمع يوماً هو وجمال الدين ابن نباتة في غياض السفرجل فقال جمال الدين بن نباتة:
قد أشبه الحمام منزل لهونا ... فالماء يسخن والأزاهر تحلق
فلذاك جسمي منشد ومصحف ... عرق على عرقٍ ومثلي يعرق فقال جمال الدين بن غانم:
ما أشبه الحمام منزل لهونا ... إلا لمعنى راق فيه المنطق
فالدوح مثل قبابه والزهر كال ... جامات فيه وماؤه يتدفق
стр. 635
٢٢٧ - (١)
الورن
عبد الله بن عمر بن نصر الله، الفاضل الحكيم موفق الدين الأنصاري المعروف بالورن، كان قادراً على النظم وله مشاركة في الطب والوعظ والفقه، وكان حلو النادرة لا تمل مجالسته، أقام ببعلبك مدة، وخمس مقصورة ابن دريد ومرثية في الحسين بن علي ﵇، وتوفي سنة سبع وسبعين وستمائة. ومن شعره رحمه الله تعالى:
أنا أهوى حلو الشمائل ألمى ... مشهد الحسن جامع الأهواء
آية النمل قد بدت فوق خدي ... هـ فهيموا يا معشر الشعراء وكتب أيضاً إلى بعض الكتاب:
أيا ابن السابقين إلى المعالي ... ومن في مدحه قالي وقيلي
لقد وصل انقطاعي منك وعد ... فمن قطع الطريق على الوصول وقال أيضاً:
من لي بأسمر في سواد جفونه ... بيض وحمر للمنايا تنتضى
كيف التخلص من لواحظه التي ... بسهامها في القلب قد نفذ القضا
أو كيف أجحد صبوةً عذريةً ... ثبتت بشاهد قده العدل الرضا وقال أيضاً:
تجور بجفن ثم تشكو انكساره ... فواعجبا تعدو علي وتستعدي