← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الشكل مليح الوجه، جيد الكتابة في الدرج، مع قوة وأصالة وتسرع في الإنشاء، يكتب من رأس قلمه، وله غوص في نثره ونظمه. مولده في شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة. وتوفي في آخر شوال سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رحم الله تعالى شبابه، ويسر حسابه، مرض في مدة عمره مرضاً حاداً مرة ونجاه الله تعالى منه، ثم إنه حصلت له سعلة قرحت منها قصبة الرئة، وبقي متمرضاً من ذلك، يصح آونة ويعتل أخرى، إلى أن قضى نحبه. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي - حرسه (١) الله تعالى - يرثيه: تبكي الطروس عليك والأقلام ... وينوح فيك على الغصون حمام يا من حواه اللحد غصناً يانعاً ... وكذا كسوف البدر وهو تمام يا وحشة الديوان منك إذا غدت ... فيه مهمات البريد ترام من ذا يوفيها مقاصدها على ... ما يقتضيه النقض والإبرام هيهات كنت له جمالاً باهراً ... فعليه بعدك وحشة وظلام أسفي على الإنشاء وهو بجلقٍ ... نشاؤه قد مات والنظام كم من كتابٍ سار عنك كأنه ... برد أجاد طرازه الرقام إن كان في شر فقد رد الردى ... وبه ترفه ذابل وحسام لم لا يرد البأس ما ألفاته ... مثل القنا واللام منه لام أو كان في خير فكل كلامه ... در يؤلف بينهن نظام وكأنما تلك السطور إذا بدت ... كأس ترشف راحها الأفهام يهتز عطف أولي النهى لبيانه ... فكأن هاتيك الحروف مدام كم فيه وجه سافر مثل الضحى ... وعليه من ليل السطور لثام ولكم كتبت مطالعاتٍ خدها ... قانٍ وثغر فصولها بسام

стр. 632

وكأنما ألفاتها قضب اللوى ... وكأنما همزاتهن حمام صلى وراءك كل من عاصرته ... علماً بأنك في البيان إمام وكأن قبرك للعيون إذا بدا ... قصر عليه تحية وسلام (١) لما تغيب في التراب جمالهم ... قعدوا لهولٍ عاينوه وقاموا ما كنت إلا فارس الكتب التي ... فيها تعرق صنعها الأقلام ما محنة نزلت بعترة غانمٍ ... هانوا وهم في العالمين كرام يا قبره لا تنتظر سقيا الحيا ... حزني ودمعي بارق وغمام لي فيك خل كم قطعت بقربه ... أيام أنسٍ والخطوب نيام لذت فلذت بظلها فكأنها ... لقياد لذات الزمان زمام أسفي على صحب مضى عمري بهم ... وصفت بقربي منهم الأيام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأننا وكأنهم أحلام (٢) بالرغم مني أن أفارق صاحباً ... لي بعده ضر النوى وغرام يا من تقدمني وسار لغايةٍ ... لابد لي منها وذاك لزام قد كنت أحسبه يرثيني فقد ... عكست قضيته معي الأحكام أنا ما أراك على الصراط لأنه ... بيني وبينك في الأنام زحام إذ قد سبقت خفيف ظهرٍ لا كمن ... قد قيدت خطواته الآثام فاز المخف وقد تقدم سابقاً ... وشفيعه لإلهه الإسلام فاذهب فأنت وديعة الرحمن لي ... يلقاك منه البر والإكرام ويجود قبرك منه غيث سماحةٍ ... بالعفو صيب ودقها سجام ولقد قضيتك حق ودك بالرثا ... والحر من يرعى لديه ذمام خلقتني رهن التندم والأسى ... تعتادني الأحزان والآلام

стр. 633

ومن شعر جمال الدين المذكور، ما كتبه إلى الشيخ صلاح الدين الصفدي وهو بالديار المصرية: ذكرت قلبي حين شط مزارهم ... بهم فناب عن الهوى تذكارهم وبكى فؤادي وهو منزل حبهم ... وأحق من تبكي الأحبة دارهم وبجلق الجفن الهمول كأنما ... لمحته عند مرورهم أنوارهم تذري الدموع عليهم وكأنهم ... زهر الربى وكأنها أمطارهم وبكين من حالي العواذل رحمةً ... لما بكيت وما الأنين شعارهم ويح المحبين الذين بودهم ... قرب المزار ولو نأت أقطارهم فقدوا خليلهم الحبيب فأذكيت ... بالشوق ما بين الأضالع نارهم مولىً تقلص ظل أنسٍ منه عن ... أصحابه فاستوحشت أفكارهم كم راقهم يوماً برؤية وجهه ... ما لا يروقهم له دينارهم ولكم بدت أسماعهم في حليةٍ ... من لفظه وكذا غدت أبصارهم كانوا بصحبته اللذيذة رتعاً ... بمسرةٍ ملئت بها أعشارهم يتنافسون على دنو مزاره ... وكأنما بلقاه كان فخارهم لا غيب الرحمن رؤية وجهه ... عن عاشقيه فإنها أوطارهم وجلا ظلام بلادهم من نوره ... فلقد تساوى ليلهم ونهارهم فكتب الشيخ صلاح الدين إليه الجواب: أفدي الذين إذا تناءت دارهم ... أدناهم من دارهم تذكارهم في جلق الفيحاء منزلهم وفي ... مصرٍ بقلب الصب تضرم نارهم قوم بذكرهم الندامى أعرضوا ... عن كأسهم وكفتهم أخبارهم وإذا الثناء على محاسنهم أتى ... طربوا له وتعطلت أوتارهم وإذا هم نظروا بحسن وجوههم ... لم تبق أنجمهم ولا أقمارهم فهم النجوم إذا ادلهم ظلامهم ... وهم الشموس إذا استنار نهارهم

стр. 634

دنت النجوم تواضعاً لمحلهم ... وترفعت من فوقها أقدارهم وبكفهم وبوجههم كم قد همت ... أنواؤهم وتوقدت أنوارهم أهدى جمالهم إلي تحيةً ... منها يدار على الأنام عقارهم لك يا جمال الدين سبق في الوفا ... حتى تقر لصفوه أكدارهم يا ابن الكرام الكاتبين فشأنهم ... صدق المودة والوفا شعارهم قوم إذا جاءوا إلى شأو العلا ... سبقوا إليه ولم يشق غبارهم صانوا وزانوا باليراع ملوكهم ... أسوارهم من كتبهم وسوارهم ما مثلهم في جودهم فلذاك قد ... عزت نظائرهم وهان نضارهم فتعلم الشيمات من أخلاقهم ... وتذوب عن زهر الربى أشعارهم وحماهم يحمي النزيل بربعه ... من جور ما يخشى ويرعى جارهم بالرغم مني أن بعدت ولم أجد ... ظلاً تفيئه علي ديارهم لو كان يمكنني وما أحلى المنى ... ما غاب عني شخصهم ومزارهم ويح النوى شمل الأحبة فرقت ... فمتى يفك من البعاد إسارهم واجتمع يوماً هو وجمال الدين ابن نباتة في غياض السفرجل فقال جمال الدين بن نباتة: قد أشبه الحمام منزل لهونا ... فالماء يسخن والأزاهر تحلق فلذاك جسمي منشد ومصحف ... عرق على عرقٍ ومثلي يعرق فقال جمال الدين بن غانم: ما أشبه الحمام منزل لهونا ... إلا لمعنى راق فيه المنطق فالدوح مثل قبابه والزهر كال ... جامات فيه وماؤه يتدفق

стр. 635

٢٢٧ - (١) الورن عبد الله بن عمر بن نصر الله، الفاضل الحكيم موفق الدين الأنصاري المعروف بالورن، كان قادراً على النظم وله مشاركة في الطب والوعظ والفقه، وكان حلو النادرة لا تمل مجالسته، أقام ببعلبك مدة، وخمس مقصورة ابن دريد ومرثية في الحسين بن علي ﵇، وتوفي سنة سبع وسبعين وستمائة. ومن شعره رحمه الله تعالى: أنا أهوى حلو الشمائل ألمى ... مشهد الحسن جامع الأهواء آية النمل قد بدت فوق خدي ... هـ فهيموا يا معشر الشعراء وكتب أيضاً إلى بعض الكتاب: أيا ابن السابقين إلى المعالي ... ومن في مدحه قالي وقيلي لقد وصل انقطاعي منك وعد ... فمن قطع الطريق على الوصول وقال أيضاً: من لي بأسمر في سواد جفونه ... بيض وحمر للمنايا تنتضى كيف التخلص من لواحظه التي ... بسهامها في القلب قد نفذ القضا أو كيف أجحد صبوةً عذريةً ... ثبتت بشاهد قده العدل الرضا وقال أيضاً: تجور بجفن ثم تشكو انكساره ... فواعجبا تعدو علي وتستعدي

стр. 636

أحمل أنفاس القبول سلامها ... وحسبي قبولاً حين تسعف بالرد تثنت فمال الغصن شوقاً مقبلاً ... من الترب ما جرت به فاضل البرد وقال أيضاً: يا سعد إن لاحت هضاب المنحنى ... وبدت أثيلات هناك تبين عرج على الوادي فإن ظباءه ... للحسن في حركاتهن سكون وقال أيضاً: لله أيامنا والشمل منتظم ... نظماً به خاطر التفريق ما شعرا والهف نفسي على عيشٍ ظفرت به ... قطعت مجموعة المختار مختصرا وقال أيضاً: أرى غدير الروض يهوى الصبا ... وقد أبت منه سكوناً يدوم فؤاده مر تجف للنوى ... وطرفه مختلج للقدوم وقال أيضاً: حار في لطفه النسيم فأضحى ... رائحاً نحوه اشتياقاً وغادي مذ رأى الظبي منه طرفاً وجيداً ... هام وجداً عليه في كل وادي وقال أيضاً: يذكرني نشر الحمى بهبوبه ... زماناً عرفنا كل طيبٍ بطيبه ليالٍ سرقناها من الدهر خلسةً ... وقد أمنت عيناي عين رقيبه فمن لي بذاك العيش لو عاد وانقضى ... وسكن قلبي ساعةً من وجيبه ألا إن لي شوقاً إلى ساكن الغضا ... أعيذ الغضا من حره ولهيبه أحن إلى ذاك (١) الجناب ومن به ... ويسكرني ذاك الشذا من جنوبه

стр. 637

أخا الوجد إن جاوزت رمل محجر ... وجزت بمأهول الجناب رحيبه دع العيس تقضي وقفةً بربى الحمى ... ودع محرماً يجري بسفح كثيبه وقل لغريب الحسن ما فيك رحمة ... لمفرد وجدٍ (١) في هواك غريبه متى غرد الحادي سحيراً على النقا ... أمال الهوى العذري عطف طروبه وإن ذكرت للصب أيام حاجرٍ ... هناك يقضي (٢) نحبه بنحيبه وقال أيضاً: رق النسيم لطافةً فكأنما ... في طيه للعاشقين عتاب وسرى يفوح معطراً وأظنه ... لرسائل الأحباب فيه (٣) جواب وقال أيضاً: يا ليالي الحمى بعهد الكثيب ... إن تناءيت فارجعي من قريب أي عيشٍ يكون أطيب من عي ... ش محب يخلو بوجه الحبيب يقطع العمر بالوصال سروراً ... في أمانٍ من حاسدٍ ورقيب يتجلى الساقي عليه بكأسٍ ... هو منها ما بين نورٍ وطيب كلما أشرقت ولاح سناها ... آذنت من عقولنا بغروب خلت ساقي المدام يوشع لما ... رد شمساً بالكأس بعد المغيب نغمات الراووق يفقهها الكأ ... س ويوحي بسرها للقلوب فلهذا يميل من نشوة الكا ... س طروباً من لم يكن بطروب يا نديمي أشمأل أم شمول ... رق منها وراق لي مشروبي أم قدود السقاة مالت فملنا ... طرباً بين واجدٍ وسليب أم نسيم من حاجرٍ هب وهناً ... فسكرنا بطيب ذاك الهبوب أم سرى في الأرجاء من عنبر الج ... وأريج بالبارق المشبوب

стр. 638

ما ترى الركب قد تمايل سكراً ... وأمالوا مناكباً لجنوب لست أبكي على فوات نصيبٍ ... من عطايا دهري وأنت نصيبي وصديقي إن عاد فيك عدوي ... لا أبالي ما دمت لي يا حبيبي وقال أيضاً: لا غرو إن سلبت بك الألباب ... وبديع حسنك ما عليه حجاب يا من يلذ على هواه تهتكي ... شغفاً ويعذب لي عليه عذاب حسبي افتخاراً في هواك بأن لي ... نسباً له تسمو به الأنساب أحبابنا وكفى عبيد هواكم ... شرفاً بأنكم له أحباب يا سعد مل بالعيس حلة منزلٍ ... أضحى لعزة ساكنيه يهاب ربع تود به الخدود إذا مشت ... فيه سليمى أنها أعتاب كم في الخيام أهلة هالاتها ... تبدو لعينك برقع ونقاب وشموس حسن أشرقت أنوارها ... أفلاكهن مضارب وقباب شنوا على العشاق غارات الهوى ... فإذا القلوب لديهم أسلاب من كل هيفاء القوام إذا انثنت ... هز الغصون بقدها الإعجاب تهب الغرام لمهجتي في أسرها ... فجمالها الوهاب والنهاب وغدت تجر على الكثيب برودها ... فإذا العبير لدى ثراه تراب وقال أيضاً: طرفي على سنة الكرى لا يطرف ... وبخيلة بخيالها لا تسعف وأضالعي ما تنطفي زفراتها ... إلا وتذكيها الدموع الذرف شمت الحسود لأن ضنيت وما درى ... أني بأثواب الضنى أتشرف يا غائبين وما ألذ نداهم ... وحياتكم قسمي وعز المصحف إن بشر الحادي بيوم قدومكم ... ووهبته روحي فما أنا منصف قد ضاع في الآفاق نشر خيامكم ... وأرى النسيم بعرفها يتعرف

стр. 639

٢٢٨ - (١) السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أمير المؤمنين السفاح، أول خلفاء بني العباس، ولد بالحميمة، مولده سنة ثمان ومائة، وتوفي في سنة ست وثلاثين ومائة بالجدري، وعاش ثمانية وعشرين سنة وبويع له بالكوفة سنة إحدى وثلاثين ومائة، وهو ابن أربع وعشرين سنة، وقد كانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر. ولما صعد المنبر خطب قائماً، فقال الناس: يا ابن عم رسول الله أحييت السنة، وكانت بنو أمية تخطب قعوداً، ولم يحج في خلافته. وصل عبد الله ابن حسن بن الحسن بألفي ألف درهم، وهو أول خليفة وصل بهذه الجملة، ولما تولى الخلافة وأصعده أبو مسلم المنبر أرتج عليه فقال: فإن لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى الخطيب وأخذ سيفه في يده ونزل، فعجب الناس من بلاغته وإصابته المعنى. وهو أول من نزل العراق من خلفاء بني العباس، بنيت له المدينة الهاشمية إلى جانب الأنبار، وبها قبره، وهي المعروفة الآن الأولى درست. وكان من أكرم الناس في المعاشرة وأسمحهم بالمال، ومن شعره قوله في بني أمية: تناولت ثأري من أمية عنوةً ... وحزت بثأري اليوم من سلفي قسرا

стр. 640

وألقيت ذلا من مفارق هاشمٍ ... وألبستها عزاً وأعليتها قدرا ومن كلامه: ما أقبح الدنيا بنا إذا كانت لنا، وأولياؤنا خالون من حسن آثارها. وقال: الأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة. ولما وقع في النزع كان آخر كلامه: إليك يا رب لا إلى النار. ٢٢٩ - (١) المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، ولد سنة خمس وتسعين، وكان قبل الخلافة يقال له عبد الله الطويل، وصرف الآفاق إلى الحيرة والعراق وأصبهان وفارس، أتته الخلافة وهو بمكة، عهد إليه أخوه السفاح. وكان أسمر طويلاً نحيفاً خفيف العارضين، مفرق الوجه رحب الجبهة، يخضب بالسواد، كأن عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبهة الملك بزي النساك، تقبله القلوب وتتبعه العيون، وكان من أفراد الدهر حزماً ودهاء وجبروتاً حريصاً على جمع المال، وكان يلقب أبا الدوانيق لمحاسبته الكتاب والعمال على الدوانيق، وكان شجاعاً مهيباً تاركاً للهو واللعب كامل العقل، قتل خلقاً كثيراً حتى ثبت الأمر له ولولده، وكان فيه عدل وله حظ من صلاة وعلم وفقه؛ توفي محرماً على باب مكة في سادس ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، ودفن ما بين الحجون وبئر ميمون.

стр. 641

وكان فحل بني العباس، وكان بليغاً فصيحاً، ولما مات خلف في بيوت الأموال تسعمائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف درهم. وقال (١) : رأيت كأني في الحرم ورسول الله ﷺ في الكعبة، وبابها مفتوح. فنادى منادٍ: أين عبد الله؟ فقام أخي أبو العباس السفاح حتى صار على الدرجة فأدخل، فما لبث أن أخرج ومعه لواء أسود على قفاه قدر أربعة أذرع. ثم نودي أين عبد الله؟ فقمت إلى الدرجة، فصعدت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني بعمامته وكان كورها ثلاثة وعشرين، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة. وعاش أربعاً وستين سنة، وتوفي ببئر ميمون من أرض الحرم، وكان يقول حين دخل في الثلاث وستين: هذه تسميها العرب القاتلة والحاصدة. وكان نقش خاتمه الحمد لله. ومن شعره قوله لما قتل أبا مسلم الخرساني: زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاكتل بما كلت أبا مجرم واشرب كؤوساً كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم حتى متى تضمر بغضاً لنا ... وأنت في الناس بنا تنتمي ٢٣٠ (٢) الاحوص عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري أبو محمد، المعروف

стр. 642

بالأحوص، لحوص كان في عينيه، كان جده عاصم يقال له حمي الدبر، وأمه أثيلة بنت عمير بن مخشي، عده ابن سلام في الطبقة السادسة من شعراء الإسلام مع ابن قيس الرقيات ونصيب وجميل، قال صاحب الأغاني: والأحوص لولا ما وضع به نفسه من دنيء الأخلاق والأفعال أشد تقدماً منهم عند جماعة أهل الحجاز وأكثر الرواة؛ قدم دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك ومات فيها سنة خمس ومائة. وكان الأحوص ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة ويتغنى في شعره معبد ومالك ويشيع ذلك في الناس فنهي فلم ينته، فشكي إلى عامل سليمان ابن عبد الملك على المدينة، فكتب فيه العامل إلى الخليفة فأمره بضربه مائة سوط وأن يصيره إلى دهلك. ثم ولي عمر بن عبد العزيز فأتاه رجال من الأنصار فكلموه فيه وسألوه أن يقدمه، فقال لهم عمر: فمن الذي يقول: فما هو إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب قالوا: الأحوص؛ قال فمن الذي يقول: أدور ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور وما كنت زواراً ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول: كأن لبني صبير غادية ... أو دمية زينت بها البيع الله بيني وبين قيمها ... يفر مني بها وأتبع قالوا: الأحوص؛ قال: بل الله بينه وبين قيمها، فمن الذي يقول:

стр. 643

سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة حبٍ يوم تبلى السرائر قالوا: الأحوص، قال: إن الفاسق عنها يومئذٍ لمشغول، والله لا أرده ما دام لي سلطان؛ فمكث هناك بقية أيام عمر وصدراً من ولاية يزيد بن عبد الملك، فبينما يزيد وجاريته ليلة على سطح وهي تغنيه بشعر من شعر الأحوص فقال لها: من يقول هذا؛ قالت: وعيشك لا أدري، فاستخبر عنه فعرفوه أنه الأحوص وأنه قد طال حبسه، فأمر له بمائة دينار وكسوة وأطلقه. ٢٣١ - (١) المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن أمير المؤمنين، أبو القاسم بن ذخيرة الدين أبي العباس ابن الإمام القائم بأمر الله؛ بويع له بالخلافة في ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو ابن تسعة عشرة سنة، وتوفي أبوه الذخيرة والمقتدي حمل؛ وقال ابن النجار: ظهر في أيامه خيرات كثيرة وآثار حسنة في البلاد، وتوفي فجأة في تاسع عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة؛ وكان قد أحضر إليه تقليد السلطان بركياروق ليعلم عليه، فقرأه وعلم عليه، ثم تغدى وغسل يديه وعنده جاريته شمس النهار، فقال لها: هؤلاء الأشخاص قد دخلوا بغير إذن، قالت: فالتفت فلم أر شيئاً، ورأيته قد تغير حاله، واسترخت يداه، فظننت أنه قد غشي عليه، فقلت لجارية عندي: ليس هذا وقت البكاء، واستحضرت الوزير وأخبرته الخبر، فأخذ البيعة لولده المستظهر بالله أحمد.

стр. 644

وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة والحرمة وافرة، وكان محباً للعلوم مكرماً لأهلها، وله شعر منه: أردت صفاء العيش مع من أحبه ... فحاولني عما أريد مريد وما اخترت بت الشمل بعد اجتماعه ... ولكنه مهما يريد (١) أريد وله أيضاً: أما والذي لو شاء غير ما بنا ... فأهوى بقومٍ في الثريا إلى الثرى وبدلنا من ظلمة الجور بعدما ... دجا ليلها صبحاً من العدل مسفرا وكانت خلافته عشرين سنة وأشهراً (٢) ، وأمه أم ولد، كان أبيض أشهل، ﵀. ٢٣٢ - (٣) الخفاجي عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان، أبو محمد الشاعر الأديب؛ أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري وأبي نصر المنازي، وتوفي بقلعة عزاز مسموماً، وحمل إلى حلب، وصلى عليه الأمير محمود بن صالح، وكانت وفاته في سنة ست وستين وأربعمائة. وكان يرى رأي الشيعة الامامية، وكان قد عصى بقلعة عزاز من أعمال حلب، وكان بينه وبين أبي نصر ابن النحاس الوزير لمحمود بن صالح مودة مؤكدة، فأمر محمود أبا نصر ابن النحاس أن يكتب إلى الخفاجي كتاباً يستعطفه

стр. 645

ويؤنسه، وقال: إنه لا يؤمن إلا إليك ولا يثق إلا بك، فكتب إليه كتاباً، فلما فرغ منه وكتب إن شاء الله تعالى شدد النون من إن، فلما قرأه الخفاجي خرج من عزاز قاصداً (١) حلب، فلما كان في الطريق أعاد النظر في الكتاب، فلما رأى التشديد على النون أمسك رأس فرسه، وفكر في نفسه، وان ابن النحاس (٢) لم يكتب هذا عبثاً، فلاح له أنه أراد " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " القصص: فعاد إلى عزاز، وكتب الجواب أنا الخادم المعترف بالأنعام، وكسر الألف من انا وشدد النون وفتحها، فلما وقف أبو نصر على ذلك سر به وعلم انه قصد به " إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها " المائدة: وكتب الجواب يستصوب رأيه، فكتب إليه الخفاجي: خف من أمنت ولا تركن إلى أحدٍ ... فما نصحتك إلا بعد تجريب إن كانت الترك فيهم غير وافيةٍ ... فما تزيد على غدر الأعاريب تمسكوا بوصايا اللؤم بينهم ... وكاد أن يدرسوها في المحاريب واستدعى محمود بأبي نصر ابن النحاس وقال له: أنت أشرت علي بتولية الخفاجي وما أعرفه إلا منك، ومتى لم تفرغ بالي منه قتلتك وألحقت بك جميع من بينك وبينه (٣) صلة وحرمة، قال: مرني بأمر أمتثله، قال: تمضي إليه وصحبتك ثلاثون فارساً، فإذا قاربته (٤) عرفه بحضورك فإنه يلتقيك، فإذا حضرك وسألك النزول عنده والأكل معه فامتنع وقل (٥) له: إني حلفتك أن لا تاكل زاده، ولا تحضر مجلسه حتى يطيعك في الحضور عندي، وطاوله في الحديث حتى يقارب الظهر، ثم ادع أنك جعت وأخرج هذه الخشكنانجتين،

стр. 646

فكل أنت هذه واطعمه هذه، فإذا استوفى أكلها فعجل الحضور إلي فإن منيته فيها، ففعل ما أمره به، ولما أكلها الخفاجي رجع أبو نصر إلى حلب ورجع الخفاجي إلى عزاز، ولما استقر بها وجد مغصاً شديداً ورعدة مزعجة، وقال: قتلني والله أخي أبو نصر، ثم أمر بالركوب خلفه ورده، ففاتهم، ووصل إلى حلب، وأصبح من الغد عند محمود فجاءه من اعزاز من أخبره أن الخفاجي في السياق ومات وحمل إلى حلب. وللخفاجي من المصنفات كتاب سر الفصاحة. كتاب الصرفة. كتاب الحكم بين النظم والنثر صغير. كتاب عبارة المتكلمين في أصول الدين. كتاب في رؤية الهلال. كتاب حكم منثورة. كتاب العروض مجدول (١) . ومن شعره رحمه الله تعالى: وقالوا قد تغيرت الليالي ... وضيعت المنازل والحقوق فأقسم ما استجد الدهر خلقاً ... ولا عدوانه إلا عتيق أليس يرد عن فدكٍ علي ... ويملك أكثر الدنيا عتيق وله أيضاً: بقيت وقد شطت بكم غربة النوى ... وما كنت أخشى أنني بعدكم أبقى وعلمتموني كيف أصبر عنكم ... وأطلب من رق الغرام بكم عتقا فما قلت يوماً للبكاء عليكم ... رويداً ولا للشوق بعدكم رفقا وما الحب إلا أن أعد قبيحكم ... إلي جميلاً والقلى منكم عشقا وقال: هل تسمعون شكايةً من عاتب ... أو تقبلون إنابةً من تائب أم كل ما يتلو الصديق عليكم ... في جانبٍ وقلوبكم في جانب

стр. 647

أما الوشاة فقد أصابوا عندكم ... سوقاً ينفق كل قولٍ كاذب فمللتم من صابرٍ ورقدتم ... عن ساهرٍ وزهدتم في راغب وأقل ما حكم الملال عليكم ... سوء القلى وسماع قول العاتب وقال: ما على محسنكم لو أحسنا ... إنما نطلب شيئاً هينا قد شجانا اليأس من بعدكم ... فأدركونا بأحاديث المنى وعدوا بالوصل من طيفكم ... مقلةً تعرف (١) فيكم وسنا لا وسحرٍ بين أجفانكم ... فتن الحب به من فتنا وحديثٍ من مواعيدكم ... تحسد العين عليه الأذنا ما رحلت العيس عن أرضكم ... فرأت عيناي شيئاً حسنا وقال من أبيات (٢) : وعلى الغضا إن كنت من جيرانه ... نار تقسم حرها العشاق ومحلأون عن المناهل بعدما ... شرقت بجمة مائها الطراق ومشتت العزمات ينفق عمره ... حيران لا ظفر ولا إخفاق أمل يلوح اليأس في أثنائه ... وغنىً يشف وراءه الإملاق يمري غفافه ثروةٍ لو أنها ... نوم لما شعرت به الأحداق وقال أيضاً: سلا (٣) ظبية الوعساء هل فقدت خشفا ... فإنا لمحنا (٤) من مرابعها طرفا وقولا لخوط البان فليمسك الصبا ... عليها فإنا قد عرفنا بها عرفا

стр. 648

سرت من هضاب (١) الشام وهي مريضة ... فما ظهرت إلا وقد كاد أن تخفى عليلة أنفاس تداوى بها الجوى ... وضعفى ولكن قد وجدنا بها ضعفا وهاتفة في البان تملي غرامها ... وتتلو علينا من صبابتها صحفا عجبت لها تشكو الفراق جهالةً ... وقد جاوبت من كل ناحيةٍ إلفا ويشجي قلوب العاشقين حنينها ... وما فهموا مما تغنت به حرفا ولو صدقت فيما تقول من الأسى ... لما لبست طوقاً ولا خضبت كفا أجارتنا أذكرت من كان ناسياً ... وأضرمت ناراً للصبابة لا تطفا وفي جانب الماء الذي تردينه ... مواعيد لا ينكرن لياً ولا خلفا ومهزوزة للبان فيها تمايل ... جعلن لها في كل قافية وصفا لبسنا عليها بالثنية ليلةً ... من السود لم يطو الصباح لها سجفا لعمري لئن طالت علينا فإننا ... بحكم الثريا قد قطعنا لها كفا رمينا بها في الغرب وهي ضعيفة ... ولم نبق للجوزاء عقداً ولا شنقا كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبر حربٍ قد هزمنا له صفا كأن عليه للمجرة روضةً ... مفتحة الأنوار أو نثرةً زغفا كأنا وقد ألقى إلينا هلاله ... سلبناه جاماً أو فصمنا له وقفا كأن السها إنسان عينٍ غريقةٍ ... من الدمع يبدو كلما ذرفت ذرفا كأن سهيلاً فارس (٢) عاين الوغى ... ففر ولم يشهد طراداً ولا زحفا كان سنا المريخ شعلة قابسٍ ... تخطفها عجلان يقذفها قذفا كأن أفول النسر طرف تعلقت ... به سنة ما هب منها ولا أغفى

стр. 649

٢٣٣ - (١) العطار عبد الله بن محمد الأزدي المغربي المعروف بالعطار؛ قال ابن رشيق في الأنموذج: شاعر حاذق نقي اللفظ جداً، لطيف الإشارات، مليح العبارات، صحيح الاستعارات، على شعره ديباجة ورونق يمازج النفس ويملك الحس، وفيه مع ذلك قوة ظاهرة. قال: ولم أر عطاردياً مثله، لا ترى عينه شيئاً إلا صنعته يده. وكان الأمير حسين بن ثقة الدولة قد أراده للكتابة فأبى، وكانت له عند عبد الله بن حسن بمدينة طرابلس الغرب حال شريفة، وجراية ووظيفة (٢) ، إلى أن نازعته نفسه إلى الوطن، وكانت وفاته بعد الخمسمائة. ومن شعره (٣) : أعرضن لما أن عرضن فإن يكن ... حذراً فأين تلفت الغزلان عطرن جيب الريح ثم بعثنها ... طرب الشجي ورائد الغيران وكأنما أسكرنها فترنمت ... بحليهن ترنم النشوان يا بنت ملتحف العجاج كأنه ... قبس يضيء سناه تحت دفان (٤) إذ ينشر الطعن الكماة كأنما ... يتراجم (٥) الفرسان بالفرسان وله أيضاً وهو غريب:

стр. 650

شكوت إليه جفوته (١) ... ومن خاف الصدود شكا فأجرى في العقيق الد ... ر واستبقاه فامتسكا فقلت مخاطباً نفسي ... أرق للوعتي فبكى فقالت ما بكت عينا ... هـ لكن خده ضحكا وقال أيضاً: مهفهف القامة ممشوقها ... مستملح الخطرة معشوقها في طرفه من سحر أجفانه ... دعوى وفي جسمي تحقيقها وقال (٢) : وكأنما المريخ يتلو المشتري ... بين الثريا والهلال المعتم ملك وقد بسطت له يد معدمٍ ... فرمى بدينارٍ إليه ودرهم وقال: لله وجنته يا ما أميلحها ... كم بت مشتملاً منها على حرق أودعت صبري عند الشوق مختبراً ... ما تحتها وخبأت النوم في الأرق حتى إذا زال صبح الخد عنه بدا ... ليل تزين في أعلاه بالشفق كدوحة الورد رواها الحيا فبدا ... نوارها وتوارى الشوك بالورق وله أيضاً (٣) : يا رب كاس مدامةٍ باكرتها ... والصبح يرشح من جبين المشرق والليل يعثر بالكواكب كلما ... طردته رايات الصباح المشرق

стр. 651

٢٣٤ - (١) ابن البغدادي المغربي عبد الله بن محمد من أهل قفصة، كان أبوه ظريفاً فلقب بالبغدادي؛ قال ابن رشيق في الأنموذج: وطريق ابن البغدادي في الشعر خارجة عن طرقات أهل العصر، لأنه كان جاهلي المرمى، ملوكي المنتمى، يخاله السامع فحلاً يهدر، أو أسداً (٢) يزأر، وله أمثال واستعارات على حدة من الكلام وفي جهة من البلاغة، وكانت له من عبد الله بن حسن مكانة (٣) ، ثم تغير عليه فداجاه إلى أن تخلص منه إلى مدينة صقلية، ثم ورد الحضرة، ثم انتقل إلى طرابلس الغرب، ثم انتقل إلى مصر سنة أربعمائة. وكانت له بمصر وقعات، فخرج منها مترقباً ثم عاد إلى الحضرة، وبها توفي سنة عشرين وأربعمائة، وقد قارب الستين. وقال وقد سار إلى مصر وكتب بها إلى أبيه: ليت شعري هل ساءك البعد لما ... قلت مثلي، من حرقةٍ، ليت شعري وبرغم المراد أزعجني المق ... دار قسراً وكان للقسر قصري قل لمن جاء زائري عند أهلي ... سار عنهم وصار من أهل مصر غير أني سلوت عن لذة الرا ... ح على طيب مخبري عند سكري أيها الدهر قد تبينت صبري ... فاصطنعني حتى ترى كيف شكري ومن شعره: ما كل من عرف التغزل باسمه ... يجد الذي أدنى إلي خلوبا

стр. 652

أعطيت فضل زمام قلبي أحمر ال ... خدين مكحول الجفون ربيبا ويطيب لي حل الغدائر عابثاً ... بيدي وحكي (١) بينهن الطيبا فإذا العيون أردن قتل متيمٍ ... كسبنه (٢) بجفونهن ذنوبا ولكم جريت مع الزمان وما جرى ... ومشيت في حلق الكبول دبيبا ورأيت ماء المزن بين شبا القنا ... والبيض في قعب الوليد حليبا وإذا أرابني الزمان بصرفه ... أخرجت من أخلاقه التأديبا والسيف أجمل ما تراه مضرجاً ... والمرء أخيب ما يكون هيوبا والليل صاحب كل ليثٍ باسلٍ ... ولقد أكون له وكنت صحوبا وكأنه سيف الزمان مجرداً ... للنائبات ولا يزال خضيبا وكأنني لتلاعب الأيام بي ... رجل لبست ثيابها مقلوبا ٢٣٥ (٣) ابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي، مولى بني أمية، يعرف بابن أبي الدنيا؛ توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين، ومولده سنة ثمان ومائتين، وكان يؤدب المكتفي بالله في حداثته، وهو أحد المصنفين للأخبار والسير، وله كتب كثيرة تزيد على مائة كتاب؛ كتب إلى المعتضد وابنه المكتفي، وكان مؤدبهما:

стр. 653

إن حق التأديب حق الأبوه ... عند أهل الحجى وأهل المروة وأحق الأنام أن يعرفوا ذا ... ك ويرعوه أهل بيت النبوة قال: وكنت أؤدب المكتفي، فأقرأته يوماً كتاب الفصيح فأخطأ فقرصت خده قرصة شديدة وانصرفت، فلحقني رشيق الخادم فقال: يقال لك ليس من التأديب سماع المكروه، فقلت: سبحان الله! أنا لا أسمع المكروه غلامي ولا أمتي، قال: فخرج إلي ومعه كاغذ وقال: يقال لك صدقت يا أبا بكر، وإذا كان يوم السبت تجيء على عادتك، فلما كان يوم السبت جئت فقلت: أيها الأمير، تقول عني ما لم أقل؟ قال: نعم يا مؤدبي، من فعل ما لم يجب قيل عنه ما لم يكن. وسمع من المشايخ وروى عنه جماعة، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وكان صدوقاً، وكان إذا جالسه أحد إن شاء أضحكه وإن شاء أبكاه، وآخر من روى حديثه بعلو فخر الدين ابن البخاري. ٢٣٦ - (١) الزوزني عبد الله بن محمد بن يوسف، أبو محمد الزوزني الأديب؛ توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وهو رجل مشهور من الشعراء، حسن الكلام غزير العلم كثير الحلم، سمع الحديث، وكان خفيف الروح كثير النوادر والمضاحك سريع الجواب، قصير القامة لا يزيد على ذراعين، كث اللحية نحيف الجسم، إلا أن وجهه بهي، وكان يكتحل إلى قريب من أذنيه فيصير شهرة

стр. 654

مضحكة، وكان ملوك خراسان يصطفونه لمنادمتهم وتعليم أولادهم. ومن شعره: يا سيدي نحن في زمانٍ ... أبدلنا الله منه غيره كل خسيسٍ وكل نذلٍ ... متع بالطيبات أيره وكل ذي فطنة وكيسٍ ... يجلد من فقره عميره وله أيضاً: لما رأيت الزمان نكساً ... وليس في الصحبة انتفاع كل رئيس به ملال ... وكل رأسٍ به صداع وكل نذلٍ به ارتفاع ... وكل حرٍ به اتضاع لزمت بيتي وصنت عرضاً ... به عن الذلة امتناع أشرب مما (١) ادخرت راحاً ... لها على راحتي شعاع لي من قواريرها (٢) ندامى ... ومن قراقيرها سماع وأجتني من ثمار قومٍ ... قد أقفرت منهم البقاع ٢٣٧ (٣) المستعصم بالله عبد الله بن منصور بن محمد بن أحمد بن الحسن، أمير المؤمنين أبو احمد المستعصم

стр. 655

بالله بن المستنصر بالله بن الظاهر بن الناصر بن المستضيء البغدادي، آخر خلفاء بني العباس ببغداد؛ كان ملكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى سنة ست وخمسين وستمائة. مولده سنة تسع وستمائة، وبويع له بالخلافة لما توفي والده في العشين من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وستمائة، وكانت مدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياماً، وتقدير عمره سبعاً وأربعين (١) سنة. وكان متديناً متمسكاً بمذهب أهل السنة والجماعة، على ما كان عليه والده وجده رحمهم الله تعالى، ولم يكن على ما كانوا عليه من التيقظ والهمة، بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقظ نازل الهمة، محباً للمال مهملاً للأمور يتكل فيها على غيره، ولو لم يكن فيه إلا ما فعله مع الملك الناصر داود في الوديعة (٢) لكفاه ذلك عاراً وشناراً، والله لو كان الناصر من الشعراء، وقد قصده وتردد عليه على بعد المسافة، ومدحه بعدة قصائد، كان يتعين عليه أن ينعم عليه بقريب من قيمة وديعته من ماله، فقد كان في أجداد المستعصم بالله من استفاد منه آحاد الشعراء أكثر من ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تصدر عنه، مما لا يناسب منصب الخلافة، ولم يتخلق بها الخلفاء قبله، فكانت هذه الأسباب كلها (٣) مقدمات لما أراد الله تعالى بالخليفة والعراق وأهله، وإذا أراد الله تعالى أمراً هيأ أسبابه. واختلفوا كيف كان قتله، قيل إن هولاكو لما ملك بغداد أمر بخنقه، وقيل رفس إلى أن مات، وقيل غرق، وقيل لف في بساط وخنق، والله أعلم بحقيقة الحال. وكانت واقعة بغداد، وقتل الخليفة من أعظم الوقائع، قال الشيخ شمس الدين الكوفي الواعظ - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - يذكر خراب بغداد وقتل الخليفة:

стр. 656

عندي لأجل فراقكم آلام ... فإلام أعذل فيكم والام من كان مثلي للحبيب مفارقاً ... لا تعذلوه فالكلام كلام نعم المساعد دمعي الجاري على ... خدي إلا أنه نمام ويذيب روحي نوح كل حمامة ... فكأنما نوح الحمام حمام إن كنت مثلي للأحبة فاقداً ... أو في فؤادك لوعة وغرام قف في ديار الظاعنين (١) ونادها ... يا دار ما صنعت بك الأيام (٢) أعرضت عنك لأنهم مذ أعرضوا ... لم يبق فيك بشاشة تستام يا دار أين الساكنون وأين ذي ... اك البهاء وذلك الاعظام يا دار أين زمان ربعك مونقاً ... وشعارك الإجلال والإكرام يا دار مذ أفلت نجومك عمنا ... والله من بعد الضياء ظلام فلبعدهم قرب الردى ولفقدهم ... فقد الهدى وتزلزل الإسلام فمتى قبلت من الأعادي ساكناً ... بعد الأحبة لا سقاك غمام يا سادتي أما الفؤاد فشيق ... قلق وأما أدمعي فسجام والدار مذ عدمت جمال وجوهكم ... لم يبق في ذاك المقام مقام لا حظ فيها للعيون وليس لل ... أقدام في عرصاتها إقدام وحياتكم إني على عهد الهوى ... باقٍ ولم يخفر لدي ذمام فدمي حلال إن أردت سواكم ... والعيش بعدكم علي حرام يا غائبين وفي الفؤاد لبعدهم ... نار لها بين الضلوع ضرام لا كتبكم تأتي ولا أخباركم ... تروى ولا تدنيكم الأحلام نغصتم الدنيا علي وكلما ... جد النوى لعبت بي الأسقام ولقيت من صرف الزمان وجوره ... ما لم تخيله لي الأوهام يا ليت شعري كيف حال أحبتي ... وبأي أرض خيموا وأقاموا

стр. 657

مالي أنيس غير بيت قاله ... صب رمته من الفراق سهام والله ما اخترت الفراق وإنما ... حكمت علي بذلك الأيام ومن الاتفاقات العجيبة: أن أول الخلفاء من آل أبي سفيان معاوية وآخرهم اسمه معاوية، وأول الخلفاء من آل الحكم بن العاص اسمه مروان وآخرهم اسمه مروان، وأول الخلفاء الفاطميين بالمغرب والديار المصرية اسمه عبد الله وآخرهم اسمه عبد الله، وأول الخلفاء من بني العباس عبد الله السفاح وآخرهم عبد الله المستعصم، وعددهم سبعة (١) وثلاثون خليفة، ومدة ملكهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، فسبحان من لا يزول ملكه. وقال القاضي جمال الدين بن واصل رحمه الله تعالى: أخبرني من أثق بنقله يوم ورود الخبر بتملك التتار بغداد أنه وقف على كتاب عتيق فيه ما صورته: إن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، جد الخلفاء العباسيين، بلغ بعض خلفاء بني أمية عنه أنه يقول: إن الخلافة تصير إلى ولده، فأمر به فضرب وحمل على جمل وطيف به وهم ينادون عليه: هذا جزاء من يفتري ويقول: إن الخلافة تصير إلى ولده، فكان يقول: إي والله لتكونن الخلافة في ولدي ولا تزال فيهم إلى أن يأتيهم العلج من خراسان فينزعها منهم، فوقع مصداق ذلك وهو ورود هلاكو من خراسان وإزالة ملك بني العباس. قال الشيخ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: توفي الخليفة في أواخر المحرم سنة ست وخمسين وستمائة، وما أظنه دفن، وكان الأمر أعظم من أن يوجد فيؤرخ موته أو يوارى جسده، وراح تحت السيف أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، فيقال إنهم أكثر من ألف ألف، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وخلت بغداد من أهلها، وتشتت من بقي منهم في البلاد. قال الشيخ شمس الدين الكوفي الواعظ المقدم ذكره يذكر واقعة بغداد ويرثي أهلها ويذكر خرابها:

стр. 658

إن لم تقرح أدمعي أجفاني ... من بعد بعدكم فما أجفاني إنسان عيني مذ تناءت داركم ... ما راقه نظر إلى إنسان يا ليتني قد مت قبل فراقكم ... ولساعة التوديع لا أحياني ما لي وللايام شتت صرفها ... حالي وخلاني بلا خلان ما للمنازل أصبحت لا أهلها ... أهلي ولا جيرانها جيراني وحياتكم ما حلها من بعدكم ... غير البلى والهدم والنيران ولقد قصدت الدار بعد رحيلكم ... ووقفت فيها وقفة الحيران وسألتها لكن بغير تكلمٍ ... فتكلمت لكن بغير لسان ناديتها يا دار ما صنع الأولى ... كانوا هم الأوطار في الأوطان أين الذين عهدتهم ولعزهم ... ذلا تخر معاقد التيجان كالوا نجوم من اقتدى فعليهم ... يبكي الهدى وشعائر الإيمان قالت غدوا لما تبدد شملهم ... وتبدلوا من عزهم بهوان كدم الفصاد يراق أرذل موضعٍ ... أبداً ويخرج من أعز مكان أفنتهم غير الحوادث مثلما ... أفنت قديماً صاحب الإيوان لما رأيت الدار بعد فراقهم ... أضحت معطلةً من السكان ما زلت أبكيهم وألثم وحشةً ... لجمالهم مستهدم الأركان حتى رثى لي كل من لا وجده ... وجدي ولا أشجانه أشجاني أترى تعود الدار تجمعنا كما ... كنا بكل مسرة وتهاني إذ نحن نغتنم الزمان ونجتني ... بيد الأمان قطوف كل أماني والدهر تخدمنا جميع صروفه ... والوقت يعدينا على العدوان والعيش غض والدنو ممزق ... بيد الوصال ملابس الهجران هيهات قد عز اللقاء وسددت ... طرق المزار طوارق الحدثان مالي أردد ناظري ولا أرى ال ... أحباب بين جماعة الإخوان والهفي واوحدتي واحيرتي ... واوحشتي واحر قلبي العاني

стр. 659

سرتم فلا سرت النسيم ولا زها ... زهر ولا ماست غصون البان مالي أنيس بعدكم إلا البكا ... والنوح مالحسرات والأحزان يا ليت شعري أين سارت عيسكم ... أم أين موطنكم من البلدان ٢٣٨ (١) أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هارون أمير المؤمنين أبو العباس المأمون بن الرشيد بن المهدي؛ ولد سنة سبعين ومائة، وتوفي سنة ثماني عشرة ومائتين، وكانت خلافته عشرين سنة وستة أشهر. قرأ العلم في صغره وسمع من هشيم وعباد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية الضرير وطبقتهم، وروى عنه يحيى بن أكثم وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي والأمير عبد الله بن طاهر، وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس، ولما كبر عني بعلوم الأوائل ومهر في الفلسفة، فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن، وكان من رجال بني العباس حزماً وعزماً وعلماً وحلماً ورأياً ودهاء وشجاعة وسؤدداً وسماحة. قال ابن أبي الدنيا: كان أبيض ربعة حسن الوجه تعلوه صفرة، وقد خطه الشيب، أعين طويل اللحية. ولما خلعه الأمين غضب ودعا إلى نفسه بخراسان فبايعه الناس، وأمه أم

стр. 660

ولد اسمها مراجل، ماتت أيام نفاسها به. وادعى المأمون الخلافة أخوه حي في أخر سنة خمس وتسعين ومائة إلى أن قتل الأمين، فاجتمع الناس عليه ببغداد في أول سنة ثمان. وكان فصيحاً مفوهاً، كان يقول: معاوية بعمره، وعبد الملك بحجاجة، وأنا بنفسي. كان يختم كل رمضان ثلاثين ختمة. قال يحيى بن أكثم، قال المأمون: أريد أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبراً، ثم صعد فأول ما حدث: حدثنا هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفع الحديث قال: امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار، ثم حدث بنحو ثلاثين حديثاً، ثم نزل فقال لي: كيف رأيت يا يحيى مجلسنا؟ فقلت: أجل مجلس يفقه (١) الخاصة والعامة قال: ما رأيت لكم (٢) حلاوة، وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر. وروى محمد بن عون عن ابن عيينة أن المأمون جلس فجاءته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين مات أخي وخلف ستمائة دينار، فأعطوني ديناراً وقالوا: هذا نصيبك، فقال المأمون: هذا خلف أربع بنات؟ قالت نعم، قال: لهن أربعمائة دينار، وخلف والدة؟ قالت: نعم، قال: لها مائة دينار، وخلف زوجة لها خمسة وسبعون ديناراً (٣) ، بالله ألك اثنا عشر أخاً؟ قالت: نعم، قال: لكل واحد ديناران ولك دينار واحد. وقال المأمون: لو عرف (٤) الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم. ويروى أن ملاحاً مر فقال لمن معه: أتراكم تظنون أن هذا ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين؟ قال: فسمعه المأمون فتبسم وقال: ما الحيلة حتى أنبل

стр. 661

في عين هذا السيد الجليل؟! وكان المأمون بخراسان قد بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا ونوه باسمه، وغير لبس آبائه من لبس السواد وأبدله بالخضرة، فغضب بنو العباس بالعراق لهذين الأمرين فخلعوه وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك، فحاربه الحسن بن سهل، فهزمه إبراهيم وألحقه بواسط، وأقام إبراهيم بالمدائن، ثم سار جيش الحسن وعليه حميد الطوسي وعلي بن هشام فهزموا إبراهيم، فاختفى ولم يظهر خبره إلا في وسط خلافة المأمون، فعفا عنه على ما ذكره قاضي القضاة ابن خلكان في ترجمة إبراهيم بن المهدي (١) . وتقدم إلى المأمون رجل غريب بيده محبرة وقال: يا أمير المؤمنين، رجل من أهل الحديث منقطع به، فقال: ما تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئاً، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم وحدثنا يحيى وحدثنا حجاج، حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر فيه شيئاً، فقال المأمون: حدثنا فلان وحدثنا فلان، ثم قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: اعطوني أنا من أهل الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم. ومع ذلك كان مسرف الكرم جواداً ممدحاً، فرق في ساعة ستة وعشرين ألف ألف؛ ومدحه أعرابي مرة فأجازه بثلاثين ألف دينار. وقال أبو معشر: كان أماراً بالعدل ميمون النقيبة فقيه النفس، يعد مع كبار العلماء. وأهدى إليه ملك الروم تحفاً سنية منها مائة رطل مسك، ومائة حلة سمور، فقال المأمون: أضعفوها له، ليعلم عز الإسلام وذل الكفر. وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون، وعنده جماعة من قواد خراسان، وقد دعا إلى القول بخلق القرآن، فقال لهم: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا:

стр. 662

كان شيوخنا يقولون ما كان فيه من ذكر الجمال والبقر والخيل والحمير فهو مخلوق، وما سوى ذلك فهو غير مخلوق، فأما إذ قال أمير المؤمنين هو مخلوق فنحن نقول كله مخلوق، فقلت للمأمون: أتفرح بموافقة هؤلاء؟ وقال ابن عرفة: أمر المأمون منادياً ينادي في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية أو ذكره بخير، وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة (١) ، فكثر المنكر لذلك وكاد البلد يفتتن، ولم يلتئم له ما أراد فكف عنه إلى بعد هذا الوقت. وقال النضر بن شميل: دخلت على أمير المؤمنين فقلت: إني قد قلت اليوم: أصبح ديني الذي أدين به ... ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا ... أشتم صديقه ولا عمرا وإبن عفان في الجنان مع ال ... أبرار ذاك القتيل مصطبرا وعائش الأم لست أشتمها ... من يفتريها فنحن منه برا ونادى مناديه بإباحة متعة النساء فلم يزل به يحيى بن أكثم وروى له حديث الزهري عن أبي الحنفية عن أبيهما محمد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، فلما صحح له الحديث رجع إلى الحق وأبطلها. وأما مسألة القرآن فلم يرجع عنها، وصمم عليه في سنة ثمان عشرة (٢) ومائتين، وامتحن العلماء، فعوجل ولم يمهل - توجه غازياً إلى أرض الروم فلما وصل إلى البدندون مرض أوصى بالخلافة إلى أخيه المعتصم، ثم توفي بالبدندون، فحمله ابنه العباس إلى طرسوس، ودفنه بها في دار خاقان

стр. 663

خادم أبيه، ﵀. ومن شعر المأمون: لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري يذيع فلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع وله أيضاً: أنا المأمون والملك الهمام ... ولكني بحبك مستهام أترضى أن أموت عليك وجداً ... ويبقى الناس ليس لهم إمام ومن شعره: بعثتك مرتاداً ففزت بنظرةٍ ... واغفلتني حتى أسأت بك الظنا وناجيت من أهوى وكنت مقارباً ... فيا ليت شعري عن ذنوبك ما أغنى فيا ليتني كنت الرسول وكنتني ... فكنت الذي يقصى وكنت الذي أدنى ٢٣٩ (١) ابن المعتز عبد الله بن جعفر بن محمد بن هارون بن العباس، ابن المعتز بن المتوكل ابن المعتصم (٢) بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، الأديب صاحب الشعر البديع

стр. 664

والنثر الفائق؛ أخذ الأدب والعربية عن المبرد وثعلب وعن مؤدبه أحمد بن سعيد الدمشقي، مولده في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين، وتوفي في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين: قامت الدولة، ووثبوا على المقتدر وأقاموا ابن المعتز، فقال: بشرط لا يقتل بسببي مسلم، ولقبوه بالمرتضي بالله، وقيل المنصف بالله، وقيا الغالب بالله، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تخربوا واجتمعوا وتحاربوا هم وأعوان ابن المعتز وشتتوهم وأعادوا المقتدر إلى دسته، واختفى ابن المعتز في دار ابن الجصاص الجوهري، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم، فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساءٍ، وقيل إنه مات حتف أنفه، وليس بصحيح، بل خنقه مؤنس، ودفن في خرابة إزاء داره، وقصته مشهورة فيها طول، وهذا خلاصتها. وكان شديد السمرة، مسنون الوجه، يخضب بالسواد، وله من التصانيف كتاب الزهر والرياض. كتاب البديع. كتاب مكاتبات الاخوان بالشعر كتاب الجوارح والصيد. كتاب أشعار الملوك. كتاب السرقات. كتاب الآداب. كتاب حلي الأخيار. كتاب طبقات الشعراء. كتاب الجامع في الغناء. كتاب أرجوزة في ذم الصبوح (١) ، قال فيه ابن بسام يرثيه: لله درك من ميتٍ بمضيعةٍ ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لو ولا ليت فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب وقال فيه بعض الأدباء: لا يبعد الله عبد الله من ملكٍ ... سامٍ إلى المجد والعلياء مذ خلقا قد كان زين بني العباس كلهم ... بل كان زين بني الدنيا حجىً وتقى أشعاره زيفت بالشعر أجمعه ... فكل شعر سواها بهرج ولقى

стр. 665

قال بعض من كان يخدمه: إنه خرج يوماً يتنزه ومعه ندماؤه، وقصد باب الحديد وبستان الناعورة، وكان ذلك آخر أيامه، فأخذ خزفةً وكتب بالجص: سقياً لظل زماني ... وعيشي المحمود ولى كليلة وصلٍ ... قدام يوم صدود قال: وضرب الدهر ضرباته، ثم عدت بعد قتل ابن المعتز فوجدت خطه خفياً، وتحته مكتوب: أفٍ لظل زماني ... وعيشي المنكود فارقت أهلي وإلفي ... وصاحبي وودودي يا رب موتاً وإلا ... فراحةً من صدود وكان ابن المعتز حنفي المذهب، لقوله من أبيات: فهات عقاراً في قميص زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في درةٍ تتوقد وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد وكان سني العقيدة منحرفاً عن العلويين، ولهذا قال في قصيدته البائية التي أولها (١) : ألا من لعين وتسكابها ... تشكى القذى وبكاها بها (٢) منها: نهيت بني رحمي لو وعوا ... نصيحة (٣) برٍ بأنسابها وراموا قريشاً (٤) أسود الشرى ... وقد نشبت بين أنيابها

стр. 666

قتلنا أمية في دارها ... فكنا أحق بأسلابها وكم عصبة قد سقت منكم ... الخلافة صاباً بأكوابها إذا ما دنوتم تلقتكم ... زبونا وفرت بحلابها ولما أبى الله أن تملكوا ... دعينا إليها فقمنا بها وما رد حجابها وافداً (١) ... لنا إذ وقفنا بأبوابها كقطب الرحى وافقت أختها ... دعونا بها وعلينا بها ونحن ورثنا ثياب النبي ... فكم تجذبون بأهدابها لكم رحم يا بني (٢) بنته ... ولكن بنو العم أولى بها به نصر الله محل الحجاز ... وأبرأها بعد أوصابها ويوم حنين قد اعيتكم (٣) ... وقد أبدت الحرب عن نابها فمهلاً بني عمنا إنها ... عطية رب حبانا بها وأقسم أنكم تعلمون ... أنا لها خير أربابها وقد أجابه صفي الدين الحلي في وزنها ورويها، وهو قوله (٤) : ألا قل لشر عبيد الإله ... وطاغي قريش وكذابها وباغي العناد وناعي العباد ... وهاجي الكرام ومغتابها أأنت تفاخر آل النبي ... وتجحدها فضل أحسابها بكم باهل المصطفى أم بهم ... فرد العداة بأوصابها أعنكم نفى الرجس أم عنهم ... لطهر النفوس وألبابها أما (٥) الرجس والخمر من دأبكم ... وفرط العبادة من دابها

стр. 667

وقلتم ورثنا ثياب النبي ... فكم تجذبون بأهدابها وعندك لا تورث الأنبياء ... فكيف حظيتم بأثوابها فكذبت نفسك في الحالتين ... ولم تعلم الشهد من صابها أجدك يرضى بما قلته ... وما كان يوماً بمرتابها وكان بصفين في حزبهم (١) ... لحرب الطغاة وأحزابها وقد شمر الموت عن ساقه ... وكشرت الحرب عن نابها فأقبل يدعو إلى حيدرٍ ... بإرغابها وبإرهابها وآثر أن يرتضيه الأنام ... من الحكمين لإسهابها (٢) ليعطي الخلافة أهلاً لها ... فلم يرتضوه لإيجابها وصلى مع الناس طول الحياة ... وحيدر في صدر محرابها فهلا تقمصها (٣) جدكم ... إذا كان إذ ذاك أحرى بها وإذ جعل الأمر شورى لهم ... فهل كان من بعض أربابها أخامسهم كان أم سادساً ... وقد جليت بين خطابها وقولك: أنتم بنو بنته ... ولكن بنو العم أولى بها بنو البنت أيضاً بنو عمه ... وذلك أدنى لأنسابها فدع في الخلافة فضل الخلاف ... فليست ذلولاً لركابها وما أنت والفحص عن شأنها ... وما قمصوك بأثوابها وما شاورتك (٤) سوى ساعةٍ ... فما كنت أهلاً لأسبابها وكيف يخصوك يوماً بها ... ولم تتأدب بآدابها وقلت: بأنكم القاتلون ... أسود أمية في غابها

стр. 668

كذبت وأسرفت فيما ادعيت ... ولم تنه نفسك عن عابها فكم حاولتها سراة لكم ... فردت على نكص أعقابها ولولا سيوف أبي (١) مسلمٍ ... لعزت على جهد طلابها وذلك عبد (٢) لهم لا لكم ... رعى فيكم قرب أنسابها وكنتم أسارى بطون الحبوس ... وقد شفكم لثم أعتابها فأخرجكم وحباكم بها ... وقمصكم فضل جلبابها فجازيتموه بشر الجزاء ... لطغوى النفوس وأعجابها فدع ذكر قومٍ رضوا بالكفاف ... وجاءوا الخلافة من بابها هم الزاهدون هم العابدون ... هم العالمون بآدابها هم الصائمون هم القائمون ... هم الساجدون بمحرابها هم قطب مكة دين الإله ... ودور الرحاء بأقطابها (٣) عليك بلهوك بالغانيات ... وخل المعالي لأصحابها ووصف العذار وذات الخمار ... ونعت العقار بألقابها وشعرك في مدح ترك الصلاة ... وسعي السقاة بأكوابها فذلك شأنك لا شأنهم ... وجري الجياد بأحسابها ومن قول ابن المعتز في هذه المادة: فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم ومن شعر ابن المعتز قوله في الهلال والثريا: قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد يتلو الثريا كفاغرٍ شرهٍ ... يفتح فاه لأكل عنقود

стр. 669

وقال أيضاً: في ليلة اكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقف العاج والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج ومنه في وصف روضة: تضاحك الشمس أنوار الرياض بها ... كأنما نشرت فيها الدنانير وتأخذ الريح من دخانها عبقاً ... كأن تربتها مسك وكافور ومنه (١) : أطال الدهر في بغداد همي ... وقد يشقى المسافر أو يفوز ظللت بها على كرهي مقيماً ... كعنينٍ تعانقه عجوز وقال: كأن بكأسها ناراً تلظى ... ولولا الماء كان لها حريق كان غمامةً بيضاء بيني ... وبين الراح تخرقها البروق وقال: أهلاً بفطر قد أتاك هلاله ... الآن فاغد على المدام وبكر وانظر إليه كزورقٍ من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقال: يا رب إن لم يكن في قربه طمع ... وليس لي فرج من طول جفوته فابري (٢) السقام الذي في غنج مقلته ... واستر محاسن خديه بلحيته وما أحسن قول الأمير أسامة بن منقذ في هذا المعنى (٣) :

стр. 670

يا رب خذ بيدي من ظلم مقتدرٍ ... علي قد لج في ظلمي وعدواني لين قساوته لي أو فيسر لي ... صبراً لأحظى بوصل أو بسلوان أو فاطف جمرة خديه وأيقظ (١) جف ... نيه اللذين أراقا ماء أجفاني ومن شعر ابن المعتز عفا الله عنه: يا رب ليلٍ سحر كله ... مفتضح البدر عليل النسيم لم أعرف الإصباح في ضوءه ... لما بدا إلا يسكر النديم ٢٤٠ (٢) تاج الدين اليمني عبد الباقي بن عبد المجيد بن عبد الله، تاج الدين اليمني المخزومي المكي؛ ولد بمكة في شهر رجب سنة ثمانين وستمائة، وتوفي في أواخر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ورد إلى دمشق أيام الأفرم وأقام فيها متصدراً بالجامع يقرئ الطلبة المقامات الحريرية والعروض وغير ذلك من علوم الأدب، وقرر له على ذلك مائة درهم في كل شهر على مال الجامع الأموي، ثم توجه إلى اليمن وكتب الدرج لصاحب اليمن وربما وزر له، ثم لما مات الملك المؤيد صادره ولده وأخذ منه ما حصله، ثم ورد إلى مصر سنة ثلاثين وسبعمائة، وفوض إليه تدريس المشهد النفيسي وشهادة البيمارستان المنصوري، ثم ورد إلى دمشق سنة إحدى وثلاثين ورتب مصدراً بالحرم في القدس، فأقام به مدة، وتردد إلى دمشق، ثم باع
следующие страницы →