← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قتلنا أمية في دارها ... فكنا أحق بأسلابها وكم عصبة قد سقت منكم ... الخلافة صاباً بأكوابها إذا ما دنوتم تلقتكم ... زبونا وفرت بحلابها ولما أبى الله أن تملكوا ... دعينا إليها فقمنا بها وما رد حجابها وافداً (١) ... لنا إذ وقفنا بأبوابها كقطب الرحى وافقت أختها ... دعونا بها وعلينا بها ونحن ورثنا ثياب النبي ... فكم تجذبون بأهدابها لكم رحم يا بني (٢) بنته ... ولكن بنو العم أولى بها به نصر الله محل الحجاز ... وأبرأها بعد أوصابها ويوم حنين قد اعيتكم (٣) ... وقد أبدت الحرب عن نابها فمهلاً بني عمنا إنها ... عطية رب حبانا بها وأقسم أنكم تعلمون ... أنا لها خير أربابها وقد أجابه صفي الدين الحلي في وزنها ورويها، وهو قوله (٤) : ألا قل لشر عبيد الإله ... وطاغي قريش وكذابها وباغي العناد وناعي العباد ... وهاجي الكرام ومغتابها أأنت تفاخر آل النبي ... وتجحدها فضل أحسابها بكم باهل المصطفى أم بهم ... فرد العداة بأوصابها أعنكم نفى الرجس أم عنهم ... لطهر النفوس وألبابها أما (٥) الرجس والخمر من دأبكم ... وفرط العبادة من دابها

стр. 667

وقلتم ورثنا ثياب النبي ... فكم تجذبون بأهدابها وعندك لا تورث الأنبياء ... فكيف حظيتم بأثوابها فكذبت نفسك في الحالتين ... ولم تعلم الشهد من صابها أجدك يرضى بما قلته ... وما كان يوماً بمرتابها وكان بصفين في حزبهم (١) ... لحرب الطغاة وأحزابها وقد شمر الموت عن ساقه ... وكشرت الحرب عن نابها فأقبل يدعو إلى حيدرٍ ... بإرغابها وبإرهابها وآثر أن يرتضيه الأنام ... من الحكمين لإسهابها (٢) ليعطي الخلافة أهلاً لها ... فلم يرتضوه لإيجابها وصلى مع الناس طول الحياة ... وحيدر في صدر محرابها فهلا تقمصها (٣) جدكم ... إذا كان إذ ذاك أحرى بها وإذ جعل الأمر شورى لهم ... فهل كان من بعض أربابها أخامسهم كان أم سادساً ... وقد جليت بين خطابها وقولك: أنتم بنو بنته ... ولكن بنو العم أولى بها بنو البنت أيضاً بنو عمه ... وذلك أدنى لأنسابها فدع في الخلافة فضل الخلاف ... فليست ذلولاً لركابها وما أنت والفحص عن شأنها ... وما قمصوك بأثوابها وما شاورتك (٤) سوى ساعةٍ ... فما كنت أهلاً لأسبابها وكيف يخصوك يوماً بها ... ولم تتأدب بآدابها وقلت: بأنكم القاتلون ... أسود أمية في غابها

стр. 668

كذبت وأسرفت فيما ادعيت ... ولم تنه نفسك عن عابها فكم حاولتها سراة لكم ... فردت على نكص أعقابها ولولا سيوف أبي (١) مسلمٍ ... لعزت على جهد طلابها وذلك عبد (٢) لهم لا لكم ... رعى فيكم قرب أنسابها وكنتم أسارى بطون الحبوس ... وقد شفكم لثم أعتابها فأخرجكم وحباكم بها ... وقمصكم فضل جلبابها فجازيتموه بشر الجزاء ... لطغوى النفوس وأعجابها فدع ذكر قومٍ رضوا بالكفاف ... وجاءوا الخلافة من بابها هم الزاهدون هم العابدون ... هم العالمون بآدابها هم الصائمون هم القائمون ... هم الساجدون بمحرابها هم قطب مكة دين الإله ... ودور الرحاء بأقطابها (٣) عليك بلهوك بالغانيات ... وخل المعالي لأصحابها ووصف العذار وذات الخمار ... ونعت العقار بألقابها وشعرك في مدح ترك الصلاة ... وسعي السقاة بأكوابها فذلك شأنك لا شأنهم ... وجري الجياد بأحسابها ومن قول ابن المعتز في هذه المادة: فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم ومن شعر ابن المعتز قوله في الهلال والثريا: قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد يتلو الثريا كفاغرٍ شرهٍ ... يفتح فاه لأكل عنقود

стр. 669

وقال أيضاً: في ليلة اكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقف العاج والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج ومنه في وصف روضة: تضاحك الشمس أنوار الرياض بها ... كأنما نشرت فيها الدنانير وتأخذ الريح من دخانها عبقاً ... كأن تربتها مسك وكافور ومنه (١) : أطال الدهر في بغداد همي ... وقد يشقى المسافر أو يفوز ظللت بها على كرهي مقيماً ... كعنينٍ تعانقه عجوز وقال: كأن بكأسها ناراً تلظى ... ولولا الماء كان لها حريق كان غمامةً بيضاء بيني ... وبين الراح تخرقها البروق وقال: أهلاً بفطر قد أتاك هلاله ... الآن فاغد على المدام وبكر وانظر إليه كزورقٍ من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقال: يا رب إن لم يكن في قربه طمع ... وليس لي فرج من طول جفوته فابري (٢) السقام الذي في غنج مقلته ... واستر محاسن خديه بلحيته وما أحسن قول الأمير أسامة بن منقذ في هذا المعنى (٣) :

стр. 670

يا رب خذ بيدي من ظلم مقتدرٍ ... علي قد لج في ظلمي وعدواني لين قساوته لي أو فيسر لي ... صبراً لأحظى بوصل أو بسلوان أو فاطف جمرة خديه وأيقظ (١) جف ... نيه اللذين أراقا ماء أجفاني ومن شعر ابن المعتز عفا الله عنه: يا رب ليلٍ سحر كله ... مفتضح البدر عليل النسيم لم أعرف الإصباح في ضوءه ... لما بدا إلا يسكر النديم ٢٤٠ (٢) تاج الدين اليمني عبد الباقي بن عبد المجيد بن عبد الله، تاج الدين اليمني المخزومي المكي؛ ولد بمكة في شهر رجب سنة ثمانين وستمائة، وتوفي في أواخر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ورد إلى دمشق أيام الأفرم وأقام فيها متصدراً بالجامع يقرئ الطلبة المقامات الحريرية والعروض وغير ذلك من علوم الأدب، وقرر له على ذلك مائة درهم في كل شهر على مال الجامع الأموي، ثم توجه إلى اليمن وكتب الدرج لصاحب اليمن وربما وزر له، ثم لما مات الملك المؤيد صادره ولده وأخذ منه ما حصله، ثم ورد إلى مصر سنة ثلاثين وسبعمائة، وفوض إليه تدريس المشهد النفيسي وشهادة البيمارستان المنصوري، ثم ورد إلى دمشق سنة إحدى وثلاثين ورتب مصدراً بالحرم في القدس، فأقام به مدة، وتردد إلى دمشق، ثم باع

стр. 671

وظائفه (١) وتوجه إلى القاهرة وبها توفي، ﵀. وكان شيخاً طوالاً حسن الشكل والعمة حلو الوجه، قادراً على النظم والنثر، وكان ضنيناً بنفسه، يعيب كلام القاضي الفاضل وغيره ويظن أن كلامه خير من كلام الفاضل، ويفضل ابن الأثير عليه، وكان خطه جيد قوي، عمل تاريخاً للنحاة، وذيل تاريخ ابن خلكان بذيل قصير جداً رايته لم يبلغ به ثلاثين رجلا، وكان يعظم نفسه ويمدحها، ولكلامه وقع في النفوس إذا أطنب في وصف فضائله، فمن شعره: تجنب أن تذم بك الليالي ... وحاول أن يذم لك الزمان ولا تحفل إذا كملت ذاتا ... أصيت العز أم حصل الهوان ومنه: بخلت لواحظ من رأينا مقبلا ... برموزها ورموزهن سلام فعذرت نرجس مقلتيه لأنه ... يخشى العذار فإنه نمام أخذ هذا المعنى من قول الأول، وهو أحسن وأكمل: لافتضاحي في عوارضه ... سبب والناس لوام كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمام وقال في حمار وحش: حمار وحشٍ نقشه مبدع ... فلا يضاهى حسنه في الملاح فمذ غدا في حسنه أوحدا (٢) ... تشاركا فيه الدجى والصباح وقال يهجو مدينة عدن: عدن إذا رمت المقام بأرضها ... فلقد أقمت على لهيب الهاويه بلد خلا عن فاضلٍ وصدوره ... أعجاز نخلٍ إذ تراها خاويه

стр. 672

وقال: لا أعرف النوم في حالي جفا ورضى ... كأن جفني مطبوع من السهد فليلة الوصل تمضي كلها سمراً ... وليلة الهجر لا أغفي من الكمد وقال: لو لم تكن وجرة منشا عفرها ... ما طاب وصف نورها وغفرها (١) منازلاً (٢) لولا الصبا ما شاقني ... نور أقاحيها وظل سدرها إن المغاني كالغواني لم تزل ... معشوقةً تصبي بحسن ذكرها علام أهوى منزلاً ما عطرت ... فجاجه سلمى بنشر عطرها ولا غدت تسحب ذيل مرطها (٣) ... فيه ولا مدت حبال خدرها مرت على الوادي فمال نحوها ... أراكه يبغي ارتشاف ثغرها وراعها منه الحصى فسيرت ... يمينها تكشف عقد نحرها غزالة إن سفرت لناظرٍ ... رأيت ليلي في فروع شعرها تملي على خلخالها شكايةً ... من ردفها مرفوعةً عن خصرها يا حبذا منها أصيل وصلها ... لو لم ينغصه هجير هجرها سارت بها فوارس من وائلٍ ... قد أطلعت كواكباً من سمرها وخلقتني في الديار نادباً ... أبكي طلول رسمها وعقرها أعملت في طلابها رواحلاً ... بوخدها تفري أديم قفرها والليل مثل غادةٍ زنجيةٍ ... قد زانها عشاقها بدرها وصفحة الأفق كمثل روضةٍ ... تبدو لنا أنوارها من زهرها وقال أيضاً:

стр. 673

لعل رسولاً من سعاد يزور ... فيشفي ولو أن الرسائل زور يخبرنا عن غادة الحي هل ثوت ... وهل ضربت بالرقمتين خدور وهل سنحت في الروض غزلان عالجٍ ... وهل أثله بالساريات مطير ديار لسلمى حاكها واكف الحيا ... إذا ذكرت خلت الفؤاد يطير كأن غنا الورقاء من فوق دوحها ... قيان وأوراق الغصون (١) ستور تمايل فيها الغصن من نشوة الصبا ... كأن عليه للسلاف مدير متى أطلعت فيه الغمائم أنجماً ... تلوح ولكن بالأكف تغور إذا اقتطعتها الغانيات رأيتها ... نجوماً جنتها في الصباح بدور وفي الكلة الوردية اللون غادة ... أسير (٢) لديها القلب حيث تسير بعيدة مهوى القرط أما أثيثها ... فضافٍ وأما خطوها فقصير من العطرات العرب (٣) ما زان فرقها ... ذرور ولا شاب الثياب بخور حمتها كماة من فوارس عامرٍ ... ضراغمة يوم الهياج ذكور فما الحب إلا حيث تشتجر القنا ... وللأسد في أرجائهن زئير ٢٤١ (٤) ابن وهبون المرسي عبد الجليل بن وهبون، أبو محمد، الملقب بالدمعة المرسي. قال ابن بسام في ترجمته: شمس الزمان وبدره، وسر الإحسان وجهره،

стр. 674

ومستودع البيان ومستقره، أحد من فراغ في وقتنا فنون المقال، في قالب السحر الحلال، وقيد شوارد الألباب، بأرق من ملح العتاب، وأروق من غفلات الشباب، اجتاز بالمرية، في بعض رحله الشرقية، وملكها يومئذ أبو يحيى بن صمادح فاهتز لعبد الجليل واستدعاه، وعرض له بجملة وافرة، فلم يعرج على ذلك، وارتحل عن بلده وقال: دنا العبد لو تدنو به كعبة المنى ... وركن المعالي من ذؤابة يعرب فيا أسفا للشعر ترمى جماره ... ويا بعد ما بين النقا والمحصب ومن عجيب ما اتفق أن عبد الجليل وأبا اسحاق بن خفاجة تصاحبا في طريق مخوف، فمرا بعلمين وعليهما رأسان، كأنهما بسر متناجيان، فقال ابن خفاجة: ألا رب رأسٍ لا تحاور (١) بينه ... وبين أخيه والمزار قريب أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام على أعلاه فهو خطيب فقال عبد الجليل: يقول حذار الإغترار فطالما ... أناخ قتيل بي ومر سليب قال: فما تم كلامهما حتى لاح قتام ساطع، كأن السيوف فيه برق لامع، فما تجلى إلا وعبد الجليل قتيل وابن خفاجة سليب، فكأنما كشف له فيما قال ستر الغيب. ومن شعره يمتدح المعتمد بن عباد (٢) : بيني وبين الليالي همة جلل ... لو نالها البدر لاستخذى (٣) له زحل من أين أبخس لا في ساعدي قصر ... عن المساعي ولا في همتي خطل

стр. 675

ذنبي إلى الدهر إن أبدى تعنته ... ذنب الحسام إذا ما أحجم البطل وهي طويلة جداً. ومن شعره في النيلوفر: وبركة تزهو بلينوفرٍ (١) ... نسيمه يشبه ريح الحبيب حتى إذا الليل دنا وقته ... ومالت الشمس لحين المغيب أطبق جفنيه على إلفه ... وغاص (٢) في الماء حذار الرقيب وقال: زعموا الغزال حكاه قلت لهم نعم ... في صده عن عاشقيه وهجره قالوا الهلال شبيهه فأجبتهم ... إن كان قيس إلى قلامة ظفره وكذا يقولون المدام كريقه ... يا رب لا علموا مذاقة ثغره وقال أيضاً: يعز على العلياء أني خامل ... وأن أبصرت مني خمود شهاب وحيث ترى زند النجابة وارياً ... فثم ترى زند السعادة كابي وقال في مغنية لابسة حلياً: إني لأسمع شدواً لا أحققه ... وربما كذبت في سمعها الأذن متى رأى أحد قبلي مطوقةً ... إذا تغنت بلحنٍ جاوب الفنن وقال: بنفسي وإن كنت لا نفس لي ... فقد سلبتها لحاظ المقل عذار وخد كما يحتوي ... سواد القلوب بياض الأمل

стр. 676

وأنشد (١) المعتمد بن عباد يوماً قول المتنبي: إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب لها معيي المطي ورازمه فجعل المعتمد يردده استحساناً له فقال عبد الجليل: لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا واللهي تفتح اللها تنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها وجلس يوماً المعتمد وبين يديه جارية تسقيه، فلمع البرق فارتاعت، فقال: روعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع عجبت منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع وأنشد الأول لعبد الجليل فاستجازه، فقال: ولن ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل ما يمسك يرتاع ومن شعر عبد الجليل: غزال يستطاب الموت فيه ... ويعذب في محاسنه العذاب يقبله اللثام هوىً وشوقاً ... ويجني ورد خديه النقاب وقال: سقى فسقى الله الزمان من اجله ... بكأسين من لميائه (٢) وعقاره وحيا فحيا الله دهراً أتى به ... بأطيب من ريحانه وعراره وكان للمعتمد خادم (٣) يسمى خليفة، فأمره أن يأتي بنبيذ، فأخذ وعاء يسمى

стр. 677

القمصال (١) وأتى إليهم فعثر ووقع القمصال فانكسر، ومات خليفة، فأخبر المعتمد بذلك فقال: أنأمن والحياة لنا مخيفه ... ونفرح والمنون بنا مطيفه فقال ابن عمار (٢) : وفي يوم وما أدراك يوم ... مضى قمصالنا ومضى خليفه فقال ابن وهبون (٣) : هما فخارتا راحٍ وريحٍ ... تكسرتا فأشقاف وجيفه ٢٤٢ (٤) عبد الحق ابن سبعين عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين، الشيخ قطب الدين أبو محمد المرسي الصوفي، كان صوفياً على قواعد الفلاسفة، وله كلام كثير في العرفان وتصانيف، وله أتباع ومريدون يعرفون بالسبعينية. قال الشيخ شمس الدين الذهبي: ذكر شيخنا قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق

стр. 678

العيد قال: جلست مع ابن سبعين من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاماً تعقل مفرادته ولا تعقل مركباته. قال الشيخ شمس الدين: واشتهر عنه أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعاً بقوله لا نبي بعدي، فإن كان ابن سبعين قال هذا فقد خرج به من الإسلام، مع أن هذا الكلام هو أخف وأهون من قوله في رب العالمين: إنه حقيقة الموجودات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وحدثني فقير صالح أنه صحب فقراء (١) من السبعينية، وكانوا يهونون له ترك الصلاة وغير ذلك، قال: وسمعت عن ابن سبعين أنه فصد يديه، وترك الدم يخرج حتى تصفى، ومات بمكة في ثامن عشرين شوال سنة ثمان وستين وستمائة، وله من العمر خمس وخمسون سنة. قال الشيخ صفي الدين الهندي: حججت سنة ست وستين، وبحثت مع ابن سبعين في الفلسفة، فقال لي: لا ينبغي لك المقام بمكة، فقال له: فكيف تقيم أنت بها؟ قال: انحصرت القسمة في قعودي بها، فإن الملك الظاهر يطلبني بسبب انتمائي إلى أشراف مكة، واليمن صاحبها له (٢) في عقيدة ولكن وزيره حشوي يكرهني. قال صفي الدين: وكان ابن سبعين قد داوى صاحب مكة من مرض كان به فبرىء، فصارت له عنده مكانة، يقال: إنه نفي من المغرب بسبب كلمة كفر صدرت عنه وهي قوله: لقد حجر ابن آمنة كما مر في ترجمته. ويقال: إنه كان يعرف السيمياء (٣) والكيمياء، وإن أهل مكة كانوا يقولون إنه أنفق فيهم ثمانين ألف دينار، وإنه (٤) كان لا ينام كل ليلة حتى يكرر على ثلاثين سطراً من كلام غيره، فإنه لما خرج من وطنه كان ابن ثلاثين سنة، وخرج معه جماعة من الطلبة والأتباع

стр. 679

فيهم الشيوخ، ولما أبعدوا بعد عشرة أيام أدخلوه الحمام ليزيل وعثاء السفر، ودخلوا في خدمته، وأحضروا له قيماً، فأخذ القيم يحك رجليه ويسألهم عن وطنهم لما استغربهم، فقالوا له من مرسية، قال: من البلد الذي ظهر فيه (١) هذا الزنديق ابن أبي (٢) سبعين؟ فأومأ إليهم أن لا يتكلموا (٣) وقال: نعم، فأخذ يسبه ويلعنه، وابن سبعين يقول له: استقص في الحك، وذلك القيم يزيد في اللعن والشتم، إلى أن فاض أحدهم غضباً (٤) وقال له: ويلك هذا الذي تسبه قد جعلك الله تحك رجليه وأنت في خدمته أقل غلام تكون، فسكت خجلاً وقال: أستغفر الله. ويحكون عنه أشياء في الرياضة، وكلامه مفحل محشو بقواعد الفلاسفة، وله كتاب البد يعني لابد للمعارف منه وكتاب الإحاطة ومجلدة صغيرة في الجوهر، وغير ذلك، وله عدة رسائل بديعة (٥) المعنى فصيحة الألفاظ، منها رسالة العهد وهي: يا هذا هل عمرك إلا كلمح (٦) ، أو عطاء مكدٍ (٧) لا سمح. وآصالك لهو وعطل (٨) ، واسحارك سهو وعلل؛ وهي على هذا الأسلوب؛ وكانت وفاته كما تقدم ذكره (٩) .

стр. 680

٢٤٣ - (١) ابن عطية المفسر عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن غالب بن تمام بن عطية، الإمام الكبير قدوة المفسرين، أبو محمد ابن الحافظ الناقد الحجة أبي بكر المحاربي الغرناطي القاضي؛ حدث عن أبيه وغيره، وكان فقيهاً عارفاً بالأحكام والحديث والتفسير بارعاً في الأدب، ذا ضبط وتقييد وتجويد وذهن سيال، ولو لم يكن له إلا التفسير لكفى. ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بحصن لورقة. ٢٤٤ - (٢) عبد الحق الاشبيلي عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد، أبو محمد الأزدي الإشبيلي ويعرف بابن الخراط؛ روى عن شريح بن محمد، وأبي الحكم بن برجان وغيرهم، وأجاز له ابن عساكر، ونزل بجاية وقت فتنة الأندلس، فبث بها علمه وصنف التصانيف وولي الخطبة والصلاة بها.

стр. 681

وكان فقيهاً حافظاً عالماً بالحديث وعلله ورجاله، موصوفاً بالخير والصلاح والزهد والورع والتقلل من الدنيا، مشاركاً في الأدب وقول الشعر، وصنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى، وجمع بين الصحيحين وبوبه، وجمع الكتب الستة، وله كتاب في المعتل من الحديث وله كتاب الزهد وكتاب العاقبة في ذكر الموت وكتاب الرقائق ومصنفات أخر، وله كتاب حافل في اللغة ضاهى به كتاب الهروي، وتوفي بعد محنة نالته من قبل الولاية؛ روى عنه أبو الحسن المعافري، وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ومن شعره: إن في الموت والمعاد لشغلاً ... وادكاراً لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا ... صحة الجسم يا أخي والفراغا ٢٤٥ (١) شمس الدين الخسروشاهي عبد الحميد بن عيسى بن عمويه (٢) بن يونس بن خليل، الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو محمد الخسروشاهي (٣) ؛ ولد سنة ثمانين وخمسمائة بخسروشاه، وتوفي بدمشق سنة اثنتين وخمسين وستمائة (٤) . اشتغل بالعقليات على الإمام

стр. 682

فخر الدين بن خطيب الري، وسمع من المؤيد الطوسي، وبرع في الكلام وتفنن في العلوم ودرس وأقرأ، واشتغل عليه زين الدين ابن المرحل خطيب دمشق والد الشيخ صدر الدين وغيره، ودفن بقاسيون، واختصر المهذب لأبي إسحاق، واختصر الشفا لابن سينا، وتمم الآيات البينات التي للإمام فخر الدين الرازي، وهذه الآيات البينات غير النسخة الصغيرة التي هي عشرة أبواب. وكتب إليه سعد الدين محمد بن عربي: يميناً لقد أحييت علم أفاضلٍ ... مضوا فرأيناه لديك جميعا ولو لم أكذب قلت إنك منهم ... فليت لقولي سامعاً ومطيعا لأنك أنت الشمس والشمس إن تغب ... فإن لها بعد المغيب طلوعا ورثاه عز الدين الضرير الاربلي الغنوي (١) بقوله: بموتك شمس الدين مات الفضائل ... وأقفر في ذكر العلوم المحافل أصاب الردى شمس الورى عندما استوت ... وأودى ببدر الفضل والبدر كامل فتىً عالم بالحق، بالخير عامل ... وما كل ذي علمٍ من الناس عامل فتى بذ كل العالمين (٢) بصمته ... فكيف إذا وافيته وهو قائل فربع الحجى من بعده اليوم قد خلا ... وجيد المعالي من حلى الفضل عاطل أتدري المنايا من رمت بسهامها ... وأي فتى أودى وغال الغوائل رمت أوحد الدنيا وبحر علومها ... ومن قصرت في الفضل عنه الأوائل ورثاه الصاحب نجم الدين ابن (٣) اللبودي بأبيات منها: أيا ناعياً عبد الحميد تصبرن (٤) ... علي فإن العلم أدرج في كفن

стр. 683

مضى مفرداً في فضله وعلومه ... وعدت فريد الوجد والهم والحزن فيا عين سحي بالدموع لفقده ... فما حسن صبري اليوم من بعده حسن تلقته أصناف الملائك بهجةً ... بمقدمه الأسى على ذلك السنن تقول له أهلاً وسهلاً ومرحباً ... بخير فتىً وافى إلى ذلك الوطن ٢٤٦ (١) عز الدين ابن أبي الحديد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد، عز الدين المدائني المعتزلي الفقيه الشاعر أخو موفق الدين، ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة خمس وخمسين وستمائة، وهو معدود في أعيان الشعراء، وله ديوان مشهور، وروى عنه الدمياطي، ومن تصانيفه الفلك الدائر على المثل السائر صنفه في ثلاثة عشر يوماً، وكتب إليه أخوه موفق الدين: المثل السائر يا سيدي ... صنفت فيه الفلك الدائر لكن هذا فلك دائر ... أصبحت فيه المثل الثائر ونظم فصيح ثعلب في يوم وليلة، وشرح نهج البلاغة في عشرين مجلد (٢) ، وله تعليقات على كتاب المحصل والمحصول للإمام فخر الدين.

стр. 684

ومن شعره: وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... ذين بها قد كنت ممن يحبه وأفنيت عمري في دقيقق علومه ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه هبوني مسيئاً أوتغ الحلم جهله ... وأوبقه دون البرية ذنبه أما يقتضي شرع التكرم عفوه ... أيحسن أن ينسى هواه وحبه أما رد زيغ ابن الخطيب وشكه ... وتمويهه في الدين إذ عز خطبه أما كان ينوي الحق فيما يقوله ... ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه وغاية صدق الصب أن يعذب الأسى ... إذا كان من يهوى عليه يصبه فرد عليه الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى بقوله: علمنا بهذا القول أنك آخذ ... بقول اعتزال جل في الدين خطبه فتزعم أن الله في الحشر ما يرى ... وذاك اعتقاد سوف يرديك غبه وتنفي صفات الله وهي قديمة ... وقد أثبتتها عن إلاهك كتبه وتعتقد القرآن خلقاً ومحدثاً ... وذلك داء عز في الناس طبه وتثبت للعبد الضعيف مشيئةً ... يكون بها ما لم يقدره ربه وأشياء من هذه الفضائح جمة ... فأيكما داعي الضلال وحزبه ومن ذا الذي أضحى قريباً إلى الهدى ... وحامى عن الدين الحنيفي ذبه وما ضر فخر الدين قول (١) نظمته ... وفيه شناع مفرط إذ تسبه وقد كان ذا نور يقود إلى الهدى ... إذا طلعت في حندس الشك شهبه ولو كنت تعطي قدر نفسك حقه (٢) ... لأخمدت جمراً بالمحال تشبه وما أنت من أقرانه يوم معركٍ ... وما لك يوماً بالإمام تشبه ومن شعره:

стр. 685

لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبد أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلاً جهدي وأن أناجي الله مستمتعاً ... بخلوةٍ (١) أحلى من الشهد وأن أتيه الدهر كبراً على ... كل لئيم أصعر الخد لذاك لا أهوى فتاةً ولا ... خمراً (٢) ولا ذا (٣) ميعة نهد قوله ليست كما قال فتى العبد هو طرفة بن العبد حيث يقول وقد سئل عن لذات الدنيا، فقال: مركب وطي، وثوب بهي، ومطعم شهي، فسئل امرؤ القيس فقال: بيضاء رعبوبة، بالشحم مكروبة، بالمسك مشبوبة، وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية، قال العكوك: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجياد ورسول يأتي بوعد حبيب ... وحبيب يأتي بلا ميعاد وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى يعارض ابن أبي الحديد (٤) : لولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي تكميل ذاتي بالعلوم التي ... تنفعني إن صرت في لحدي والسعي في رد الحقوق التي ... لصاحبٍ نلت به قصدي وأن أرى الأعداء في صرعةٍ ... لقيتها من جمعهم وحدي فبعدها اليوم (٥) الذي حم لي ... قد استوى في القرب والبعد

стр. 686

وقال حميد الطوسي (١) : ولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وحقك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربةٍ ... كميتٍ متى ما تعل بالماء تزبد وكري إذا نادى المضاف محنباً (٢) ... كسيد الغضا نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن ممكن ... ببهكنةٍ تحت الخباء المعمد رجعنا إلى حديث ابن أبي الحديد: وقال: عن ريقها يتحدث المسواك ... أرجاً فهل شجر الأراك أراك ولطرفها خنث الجبان فإن رنت ... باللحظ فهي الضيغم الفتاك شرك القلوب ولم أخل من قبلها ... أن القلوب تصيدها الأشراك (٣) يا وجهها المصقول ماء شبابه ... ما الحتف لولا طرفك الفتاك أم هل أتاك حديث وقفتها ضحىً ... وقلوبنا بشبا الفراق تشاك لا شيء أفظع من نوى الأحباب أو ... سيف الوصي كلاهما سفاك

стр. 687

٢٤٧ - (١) الشيخ تاج الدين الفركاح عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضيا، العلامة الإمام المفتي فقيه الشام، تاج الدين الفزاري البدري المصري الأصل، الدمشقي الشافعي، ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة، وتوفي سنة تسعين وستمائة. سمع من ابن الزبيدي وابن المنجا وابن اللتي ومكرم بن أبي الصقر وابن الصلاح والسخاوي وتاج الدين ابن حموية، وخرج له البرزالي مشيخة عشرة أجزاء صغار عن مائة نفس، وسمع منه ولده الشيخ برهان الدين وابن تيمية والمزي والقاضي ابن صصرى وكمال الدين ابن الزملكاني وابن العطار وكمال الدين ابن قاضي شهبة وعلاء الدين المقدسي وزكي الدين زكرى وغيرهم، وخرج من تحت يده جماعة من القضاة والمدرسين والمفتين (٢) . درس وناظر وصنف، وانتهت إليه رياسة المذهب كما انتهت إلى ولده، وكان ممن بلغ رتبة الاجتهاد، ومحاسنه كثيرة، وكان يلثغ بالراء غينا، وكان لطيف الجثة، قصيراً أسمر، حلو الصورة، ظاهر الدم، مفركح الساقين، وكان يركب البغلة ويحف بها أصحابه، ويخرج معهم إلى أماكن النزهة ويباسطهم، وكان مفرط الكرم. وله تصانيف تدل على محله من العلم وتبحره، وكانت له يد في النظم والنثر؛ تفقه في صغره على الشيخ عز الدين ابن عبد السلام والشيخ تقي الدين ابن الصلاح

стр. 688

وبرع في المذهب وهو شاب، وجلس للاشغال وله بضع وعشرون سنة، ودرس في سنة ثمان وأربعين، وكتب في الفتاوى وقد كمل الثلاثين، ولما قدم النواوي (١) من بلده أحضروه ليشتغل عليه، بعث به إلى الرواحية ليحصل له بها بيت ويرتفق بمعلومها (٢) ، وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار، وإذا سافر إلى القدس يترامى أهل البر على ضيافته، وكان أكبر من الشيخ محيي الدين النواوي بسبع سنين، وقيل إنه كان يقول: إيش قال النواوي في مزبلته؟ يعني الروضة وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يسميه الدويك لحسن بحثه، وقرأ عليه ولده برهان الدين وكمال الدين ابن الزملكاني وكمال الدين الشهبي وزكي الدين زكرى، وكان قليل المعلوم كثير البركة، ولم يكن له إلا تدريس الباذرائية مع ما له من المصالح. دفن بمقابر باب الصغير، وشيعه الخلق وتأسفوا عليه؛ عاش ستاً وستين سنة وثلاثة أشهر. وله الإقليد في شرح التنبيه وهو جيد، وكشف القناع في حل السماع، ﵀. ومن شعره لما انجفل (٣) الناس سنة ثمان وخمسين: لله أيام جمع الشمل ما برحت ... بها الحوادث حتى أصبحت سمرا ومبتدا الحزن من تاريخ مسألتي ... عنكم فلم ألق لا عيناً ولا أثرا يا راحلين قدرتم فالنجاء لكم ... ونحن للعجز لا نستعجز القدرا وقال: يا كريم الآباء والأجداد ... وسعيد الإصدار والإيراد كنت سعداً لنا بوعد كريمٍ ... لا تكن في وفائه كسعاد

стр. 689

وكتب إلى عون الدين بن العجمي ملغزاً في اسم بيدرا (١) : يا سيداً ملأ الآفاق قاطبةً ... بكل فن من الألغاز مبتكر ما اسم مسماه بدر وهو مشتمل ... عليه في اللفظ إن خففت مبتدر (٢) وغن تكن مسقطاً ثانيه مقتصراً ... عليه (٣) في الحذف أضحى واحد البدر فكتب إليه الجواب: يا أيها العالم الحبر الذي شهدت ... له فضائله في البدو والحضر مقلوب خمسي مسمى أنت ملغزه ... يطوف ظاهره (٤) نصاً على البشر وما بقي منه وحشي مصحفه ... من بعد قلبٍ بعكسٍ عند ذي البصر هذا اسم من صار سلطان الملاح وقد ... حلاه وصفك إذ حلوه بالدرر ومن شعره ذوبيت (٥) : ما أطيب ما كنت من الوجد لقيت ... إذ أصبح بالحبيب صباً وأبيت واليوم صحا قلبي من سكرته ... ما أعرف في الغرام من أين أتيت ٢٤٨ (٦) أبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن أحمد، السيد القدوة أبو سليمان الداراني العنسي - بالنون -

стр. 690

أصله من واسط، قال أحمد بن أبي الحواري: تمنيت أن أرى أبا سليمان الداراني في النوم، فرأيته بعد سنة فقلت له: يا معلم الخير، ما فعل الله بك؟ قال: يا أحمد، دخلت من باب الصغير، فلقيت جمل شيحٍ، فأخذت منه عوداً تخللت به ثم رميت به، فأنا في حسابه من سنة؛ مات سنة خمس وعشرين ومائتين، رحمه الله تعالى (١) . ٢٤٩ - (٢) أبو حبيب المغربي عبد الرحمن بن أحمد، أبو حبيب؛ قال ابن رشيق: ولد بالمحمدية وتأدب بالأندلس، وخالط أشراف الناس وأهل الأقدار، برز في الأدب وصناعة الشعر وعلم الشروط، فصار صدراً مذكوراً في كل واحد منها؛ ومن شعره: أضحى عذولي فيه من عشاقه ... لما بدا كالبدر في إشراقه وغدا يلوم ولومه لي غيرة ... منه عليه ليس من إشفاقه قمر تنافست الجوانح والصبا ... في حبه لتفوز عند عناقه في خده نور تفتح ورده ... ألحاظه منعته من عشاقه عرض الوصال وظل يعرض دونه ... وتخلق المعسول من أخلاقه

стр. 691

وغدا محاق البدر موعد بينه ... ورحيله فمحقت قبل محاقه وقال: وإني على شوقي إليه وصبوتي ... أغار عليه في دجى الليل إذ يسري فبت ودمعي مزج فيض دموعه ... أقبل ما بين الترائب والنحر إذا هم أن يمضي جذبت بثوبه ... وأطبقت من خوفي على مقلتي شفري وكم ليلةٍ هانت علي ذنوبها ... بما بات يرويني من الريق والخمر أقبل منه الورد في غير حينه ... وألثم بدر التم في غيبة البدر إلى أن بدا نور التبلج في الدجى ... كنور جبينٍ لاح في ظلمة الشعر (١) وهبت نسيم للصباح كأنها ... تهب بريح المسك أو خالص العطر وقد نبه الساقي الندامى لقهوةٍ ... كشعلة مصباحٍ خلا أنها تجري وقال: مجري جفوني دماءً وهو ناظرها ... ومتلف القلب وجداً وهو مرتعه إذا بدا حال دمعي دون رؤيته ... يغار مني عليه فهو برقعه ٢٥٠ (٢) الصدفي مؤرخ مصر عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، الصدفي المصري الحافظ المؤرخ، أبو سعيد مؤرخ مصر؛ ولد سنة إحدى وثمانين ومائتين، وتوفي سنة

стр. 692

سبع وأربعين وثلثمائة، وكان غماماً في علم التاريخ روى عنه ابن مندة وعبد الواحد بن محمد البلخي وجماعة من الرحالة، وله كلام في الجرح والتعديل يدل على بصره بالرجال ومعرفته بالعلل، وعمل لمصر تاريخين: أحدهما (١) - وهو الأكبر - يختص بأهل مصر، والثاني يختص بذكر الغرباء الواردين على مصر، وقد ذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي، وهو حفيد يونس بن عبد الأعلى صاحب الشافعي. ولما مات رثاه أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل الخشاب النحوي العروضي بقوله (٢) : بثثت علمك تشريقاً وتغريباً ... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا أبا سعيد وما يألوك (٣) إن نشرت ... عنك الدواوين تصديقاً وتصويبا ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا أرخت موتك في ذكري وفي صحفي ... لمن يؤرخه إن كنت محسوبا نشرت عن مصر من سكانها علماً ... مبجلاً لجمال القوم منصوبا كشفت عن فخرهم للقوم (٤) ما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا إن المكارم للإحسان موجبة ... وفيك قد ركبت يا عبد تركيبا حجبت عنا وما الدنيا بمظهرةٍ ... شخصاً وإن جل إلا عاد محجوبا كذلك الموت لا يبقي على أحدٍ ... مدى الليالي من الأحباب محبوبا قوله: ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا

стр. 693

مأخوذ من خبر لعلي بن أبي طالب ﵁، وهو أنه كان رجل مجنون في زمانه يمشي أمام الجنائز وينادي: الرحيل الرحيل، لا تكاد جنازة تخلو منه، فمرت يوماً جنازة بعلي بن أبي طالب ﵁ ولم يره أمامها، ولم يسمع نداءه، فسأل عنه فقيل له: هو هذا الميت، فقال: لا إله إلا الله: ما زال يصرخ بالرحيل منادياً ... حتى أناخ بابه الجمال وقال الأصمعي: حدثني أبي قال: رأيت رجلاً على قصر أويس أيام الطاعون وبيده كوز يعد الموتى فيه بالحصى، فعد في أول يوم ثمانين ألفاً، وعد في الثاني مائة ألف، فمر (١) قوم فرأوا على الكوز رجلاً (٢) غيره، فسألوا عنه فقال: وقع في الكوز. ومثل هذا قول التهامي (٣) : بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار ٢٥١ (٤) أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، الإمام العلامة ذو الفنون

стр. 694

شهاب الدين أبو شامة المقدسي الأصل، الدمشقي الشافعي الفقيه المقرئ النحوي؛ ولد سنة ست وتسعين وخمسمائة بدمشق، وكانت وفاته سنة خمس وستين وستمائة، ودفن بمقابر باب كيسان. قرأ القرآن وله دون العشر، وجمع القراءات كلها سنة ست عشرة (١) على الشيخ علم الدين السخاوي، وسمع بالإسكندرية من الشيخ أبي القاسم عيسى ابن عبد العزيز وغيره، وحصل له سنة بضعٍ وثلاثين عناية بالحديث، وسمع أولاده، وقرأ بنفسه، وكتب الكثير من العلوم، وأتقن الفقه ودرس وأفتى، وبرع في العربية، وصنف شرحاً نفيساً للشاطبية، واختصر تاريخ دمشق مرتين: الأول في عشرين مجلد والثاني في عشرة، وشرح القصائد النبوية للسخاوي في مجلد، وله كتاب الروضتين في أخبار الدولتين: النورية والصلاحية وكتاب الذيل عليها، وكتاب شرح الحديث المقتفى في مبعث المصطفى وكتاب ضوء القمر الساري إلى معرفة الباري والمحقق في علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول وكتاب البسملة الأكبر في مجلد، وكتاب البسملة الأصغر وكتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث وكتاب السواك وكشف حال بني عبيد والأصول في الأصول ومفردات القراء ومقدمة نحو ونظم المفصل للزمخشري، وشيوخ البيهقي، وغير ذلك. وذكر أنه حصل له الشيب وعمره خمس وعشرون (٢) سنة، وولي مشيخة الاقراء بالتربة الأشرفية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية (٣) ، وكان متواضعاً مطرحاً للكلف، أخذ عنه القراءات الشيخ شهاب الدين حسين الكفري والشهاب

стр. 695

أحمد اللبان وزين الدين أبو بكر بن يوسف المزي وجماعة، وقرأ عليه شرح الشاطبية الشيخ شرف الدين الفزاري الخطيب. دخل عليه اثنان جبليان إلى بيته الذي بآخر المعمور من طواحين الأشنان ومعهم فتوى، فضرباه ضرباً مبرحاً كاد يتلف منه، ولم يدر به أحد ولا أغاثه. وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر رمضان، ودفن بباب الفراديس، وقيل بباب كيسان. قال رحمه الله تعالى (١) : جرت لي محنة بداري بطواحين الأشنان فألهم الله الصبر ولطف، وقيل لي اجتمع بولاة الأمر، فقلت: أنا قد فوضت أمري إلى الله تعالى وهو يكفينا، وقلت في ذلك: قلت لمن قال أما تشتكي ... ما قد جرى فهو عظيم جليل يقبض الله تعالى لنا ... من يأخذ الحق ويشفي الغليل إذا توكلنا عليه كفى ... وحسبنا الله ونعم الوكيل ومن نظمه في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام محب ناشئ متصدق ... وباكٍ مصل خائف سطوة الباس يظلهم الله الجليل بظله ... إذا كان يوم العرض لا ظل للناس أشرت بألفاظٍ تدل عليهم ... فيذكرهم بالنظم من بعضهم ناسي وقال في المعنى: وقال النبي المصطفى إن سبعةً ... يظلهم الله العظيم بظله محب عفيف ناشيء متصدق ... وباكٍ مصلٍ والإمام بعدله

стр. 696

٢٥٢ - (١) وضاح اليمن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال الحميري الخولاني المعروف بوضاح اليمن؛ قيل إنه من الفرس الذين قدموا اليمن مع وهرز لنصرة سيف بن ذي يزن على الحبشة، وكان من حسنه يتقنع في المواسم مخافة العين، وكان يهوى امرأة من اليمن اسمها روضة ويشبب بها في شعره، فمن ذلك قوله: قالت ألا لا تلجن دارنا ... إن أبانا رجل غائر قلت فإني طالب غرةً ... وإن سيفي صارم باتر قالت فإن القصر من دوننا ... قلت فإني فوقه طائر قالت فإن البحر من دوننا ... قلت فإني سابح ماهر قالت فحولي أخوة سبعة ... قلت فإني لهم حاذر قالت فليث رابض دوننا ... قلت فإني أسد عاقر قالت فإن الله من فوقنا ... قلت فربي راحم غافر قالت فقد أعييتنا حجةً ... فأت إذا ما هجع السامر واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناهٍ ولا آمر وهذه الأبيات عدها أرباب البديع في المراجعة؛ وأما هذا المعنى - قوله واسقط علينا كسقوط الندى - فقد اشتهر ونظم الشعراء في معناه كثيراً، وأصله لامرئ القيس حيث قال: سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال

стр. 697

وما أحسن قول صر در في قصيدته التي أولها (١) : عسى (٢) رائح يأتي بأخبار من غدا (٣) ... وهو: وحي طرقناه على غير (٤) موعدٍ ... فما إن وجدنا عند نارهم هدى وما غفلت أحراسهم غير أننا ... سقطنا عليهم مثل ما يسقط (٥) الندى ولما وقف بعض الظرفاء على قصيدة وضاح اليمن ووصل إلى قوله: قلت فربي راحم غافر كتب على الحاشية: هذا نياك بالدبوس ما يرجع. ولما استأذنت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان الوليد بن عبد الملك في الحج أذن لها وهو خليفة، وهي زوجته، وكتب الوليد يتوعد الشعراء جميعاً أن يذكرها أحد منهم، أو يذكر أحداً (٦) ممن معها، فقدمت مكة وتراءت الناس، وتصدى لها أهل الغزل والشعراء، ووقعت عينها على وضاح اليمن فهويته، وأنفذت إلى كثير عزة وإلى وضاح اليمن أن انسبا بي، فكره ذلك كثير وشبب بجاريتها غاضرة، وذلك في قوله (٧) : شجا أظعان غاضرة الغوادي ... وأما وضاح اليمن فإنه صرح، فبلغ ذلك الوليد فقتله.

стр. 698

وقيل إنه مدح الوليد، فوعدته أم البنين أن تساعده وتعينه على رفده، فقدم على الوليد وأنشده: صبا قلبي إليك ومال ميلا ... وأرقني خيالك يا أثيلا يمانية تلم بنا فتبدي ... دقيق محاسنٍ وتكن غيلا وهي أبيات مشهورة، فأحسن رفده، ثم نما إليه أنه يشبب بأم البنين، فجفاه وحجبه ودبر في قتله، واختلسه ودفنه في داره. وقيل إن أم البنين كانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها، فإذا خافت وارته في صندوق عندها، فأهدي إلى الوليد جوهر فأعجبه، ودعا خادماً وبعث به إلى أم البنين، فدخل عليها مفاجأة ووضاح عندها، فرآه وقد وارته في الصندوق، فقال لها: يا مولاتي هبي لي منه حجراً، فقالت: يا ابن اللخناء: لا كرامة (١) فرجع الخادم إلى الوليد وأخبره الخبر، فقال له: كذبت، وأمر به فوجئت عنقه، ثم أتى أم البنين وهي تمشط في بيتها (٢) ، وقد وصف له الخادم الصندوق، فجاء فجلس عليه وقال لها: يا أم البنين ما أحب إليك هذا البيت من دون البيوت، فلم تختارينه (٣) ؟ قالت: أختاره لأنه يجمع حوائجي كلها، فأتناولها منه من قريب على ما أريد، قال لها: هبي لي صندوقاً من هذه الصناديق، فقالت: كلها لك يا أمير المؤمنين، فقال: ما أريد كلها وإنما أريد واحداً منها، فقالت: خذ أيها شئت، قال: هذا الذي جلست عليه، قالت: غيره خذ فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها قال: ما أريد غيره، قالت: خذه، فدعا بالخدم، وأمرهم بحمله حتى انتهى به إلى مجلسه، وحفر بئراً عميقاً (٤) في المجلس إلى أن وصل إلى الماء، ووضع الصندوق على شفير البئر، ودنا منه وقال: يا صندوق إنه بلغنا شيء، فإن كان حقاً فقد

стр. 699

كفيناك ودفناك وقطعنا ذكرك إلى آخر الدهر، وغن كان باطلاً فإنما دفنا الخشب وما أهون ذلك، ثم قذف به في البئر وهال عليه التراب، وسويت الأرض، ورد البسط إلى حاله، وجلس الوليد، وما رأى الوليد ولا أم البنين في وجه واحد (١) منهما أثراً حتى فرق الدهر بينهما. ٢٥٣ - (٢) الرشيد النابلسي عبد الرحمن بن بدر بن الحسن ابن المفرج بن بكار، رشيد الدين النابلسي الشاعر المجيد؛ مدح الناصر وأولاده وأولاد العادل، وهو عم الحافظ شرف الدين يوسف بن الحسن النابلسي. قال شهاب الدين القوصي في معجمه: أنشدني رشيد الدين النابلسي، وقد رأى مليحاً بديع الصورة بين أسودين قبيحي الصورة: لله من عاينت عيني محاسنه ... يوماً فعوذته بالله من عيني

стр. 700

يختال كالغصن تيهاً في شمائله ... ما بين عبدين لون الليل علجين فقلت والشوق يطويني وينشرني ... لم ألق قبلك صبحاً بين ليلين فمر يضحك من قولي وقال بلى ... كم قد رأى الناس سعداً بين نحسين وأنشدني لنفسه: يا من عيون الأنام ترقبه ... رقبة شهر الصيام والفطر وإنما يرقب الهلال فلم ... ترقب بعد الكمال يا بدري ومن شعره قصيدة لها أربع قوافي: كم الحشا معذب ... موجع على المدى صب الفؤاد مغرم بناره يلتهب ... ملذع ما خمدا أواره والضرم حكم فيه أشنب ... ممنع من الفدا فهو الأسير المسلم مبتعد مجتنب ... مودع تعمدا وهو القريب الأمم زمانه تعتب ... وولع قد أكمدا من عز فهو يحكم ما الحب إلا لهب ... ومدمع تجددا ولوعة وسقم يا هل إليه سبب ... ممتع يولي يدا من لبه مخترم ما أنا إلا أشعب ... وأطمع فيما عدا فما إليه سلم ومن شعره: مالك والورق على أوراقها ... تعجم ما تعرب (١) عن أشواقها دعها وما هيجها فإنها ... أوالف تفرق في فراقها وإنما يريب ذا الوجد بها ... ملبسها الحلي في أطواقها أفدي الأولى فارقتهم فمهجتي ... لا تطمع الأساة في إفراقها (٢)

стр. 701

سروا بدوراً (١) في دجى غدائرٍ ... أعاذها الرحمن من محاقها غوارباً أفلاكها غوارب ... تزري بضوء الشمس في إشراقها تساق للبين المشت عيسها ... وأنفس العشاق في سياقها فكم حشاً يطوي على حريقه ... وأدمعٍ تنشر في آماقها وقال أيضاً: هز لدناً من قده سمهريا ... ومن اللحظ صارماً مشرفيا شادن أرسل الجفون سهاماً ... حين أبدى من حاجبيه قسيا من بنى الترك ما رنا ورمى حب ... ة قلب إلا وأصمى الرميا مخطف الخصر والسهام وما أر ... شق في الرمي راشقاً تركيا فهو شاكي السلاح ما زال من قت ... ل محبيه يركب المنهيا وكانت وفاة الرشيد في شهور سنة تسع عشرة (٢) وستمائة، ودفن بمقابر باب الصغير، ﵀. ٢٥٤ - (٣) ابن أبي العاص الأموي عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص الأموي أخو مروان؛ شاعر محسن شهد يوم الدار، وتوفي في حدود السبعين للهجرة، وكان حاضراً عند يزيد بن

стр. 702

معاوية وقد جيء إليه برأس الحسين ووضع بين يديه في طست، فبكى عبد الرحمن وقال: أبلغ أمير المؤمنين فلا تكن ... كموتر قوسٍ ثم ليس لها نبل لهام بجنب الطف أدنى قرابةً ... من ابن زياد الوغد ذي الحسب الرذل سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... وبنت رسول الله ليس لها نسل قال: فصاح يزيد، اسكت يا ابن الحمقاء، ما لك ولهذا؟ وقال لما ادعى معاوية زياداً (١) : ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلةً من القرم الهجان أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان وأشهد أنها ولدت زياداً ... وصخر من سمية غير داني فبلغ ذلك معاوية فحلف لا يرضى عنه حتى يرضى عنه زياد، فخرج عبد الرحمن إلى زياد، فلما دخل عليه قال: إيه يا عبد الرحمن، أنت القائل: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... الأبيات؟ قال: أيها الأمير، ما قلت هذا ولكني قلت: ألا من مبلغ عني زياداً ... مغلغلةً من الرجل الهجان من ابن القرم قرم بني قصي ... أبي العاص ابن آمنة الحصان حلفت برب مكة والمصلى ... وبالتوراة أحلف والقران

стр. 703

لأنت زيادة في آل حرب ... أحب إلي من وسطى بناني (١) سررت بقربه وفرحت لما ... أتاني الله منه بالبيان وقلت اني (٢) أخو ثقة وعم ... بعون الله في هذا الزمان كذاك أراك والأهواء شتى ... فما أدري بغيبٍ ما تراني فرضي عنه زياد وكتب إلى معاوية برضاه عنه. فلما وصل إلى معاوية قال: أنشدني ما قلته (٣) لزياد، فأنشده، فتبسم وقال: قبح الله زياداً (٤) فما أجهله، لما قلت الله لأنت زيادة في آل حرب ... البيت، شر من الأول ولكنك خدعته فجازت خديعتك عليه. ٢٥٥ - (٥) قاضي القضاة ابن بنت الاعز عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خليفة بن بدر، قاضي القضاة تقي الدين أبو القاسم، ابن قاضي القضاة تاج الدين العلامي المصري الشافعي، المعروف بابن بنت الأعز؛ كان جده لأمه يعرف بالقاضي الأعز؛ وزير الملك الكامل بن أبي بكر بن أيوب، وعلامة - بالفتح والتخفيف - قبيلة من لخم.

стр. 704

سمع من الرشيد العطار وغيره، وتفقه على ابن عبد السلام وعلى والده، وكان فقيهاً إماماً مناظراً بصيراً بالأحكام، جيد العربية، ذكياً كاملاً نبيلاً رئيساً، شاعراً محسناً فصيحاً مفوهاً، وافر العقل كامل السؤدد، روى عنه الدمياطي في معجمه شيئاً من نظمه؛ توفي كهلاً سنة خمس وتسعين وستمائة. وولي الوزارة مع القضاء ثم استعفى من الوزارة، وتولى القضاء بعده الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، امتحن في الدولة الأشرفية على يد شمس الدين ابن السلعوس ثم نجاه الله تعالى منه، ويقال: لما حكم بتعزيره نهره ابن السلعوس وأقامه، فقالوا له: هذا تعزير مثل هذا، فقال: لابد من زيادة، فقالوا: ينزل من القلعة إلى باب زويلة ماشياً، ولم ينله منه مكروه بعد عزله من القضاء أكثر من هذا، وسكن القرافة، وتولى التدريس بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، ثم سافر إلى الحج فقضى الفريضة وزار مدينة النبي ﷺ ، وأنشد بها القصيدة البليغة من نظمه وهي: الناس بين مرجزٍ ومقصد ... ومطول في مدحه ومجود ومخبر عمن روى ومعبر ... عما رآه من العلا والسؤدد منها: ما في قوى الأذهان حصر صفاتك ال ... عليا ومالك من كريم المحتد ومن المحيط بكنه معنىً مدهشٍ ... بهر العقول بمصدر وبمورد فإذا البصائر فيه تنفذ أدركت ... منه معاني حسنها لم ينفد ورأتك في مرآتها شمس الضحى ... طلعت بكل تنوفة وبفدفد فأفادت البصر الصحيح إنارة ... تقوى على البصر الضعيف الأرمد وأخو الهوى في طرفه وفؤاده ... مرض يصد عن الطريق الأرشد جحد الظهيرة نورها واهاً له ... حرم السعادة كلها إن (١) يجحد

стр. 705

حظ الموفق أن يتابع دائما ... أخلاقك الغر الكرام ويقتدي منها في الإسراء: لم ترتفع لله عن خفضٍ ولم ... تقرب إليه من مكان مبعد لكن أرى محبوبه ملكوته ... حتى يشاهد فيه ما لم يشهد وأراه كيف تفاضل الأملاك وال ... رسل الكرام وكان غير مقلد ورأت له الأملاك في ملكوته ... جاهاً وقدراً مثله لم يوجد منها: هل جاء قبلك مرسل بخوارقٍ ... إلا وجئت بمثله أو أزيد فعصا الكليم تبدلت أعراضها ... وكذا عصاك تبدلت بمهند نبعت عيون الماء من حجر لنا ... والنبع في الأحجار كالمتعود إن البعيد من العوائد كلها ... نبع بدا بين الأصابع في اليد هذي هي الكف التي قد أصبحت ... بحراً إذا مدحوا لنا الكف الندي منها: ومحبة المولى هي الأصل الذي ... لم يثن عزمك فيه رأي مفند ومن الذي يجلى عليه جهرة ... ذاك الجمال فلم يخر ويسجد صلوات ربك والسلام عليك ما ... حييت من متوجه متعبد منها: وجرى ذكرك لفظه في وقفة ... لخطابه أو جلسة المتشهد وإذا مررت على القلوب فكنت كال ... أرج الذكي يرد روح المكمد وعلى صحابتك الكرام وآلك ال ... برءا من قول الجهول المفسد وعلى ضجيعيك اللذين تشرفا ... بالقرب منك بمقعدٍ وبمرقد لمكانةٍ في الدين ما خفيت على ... متبصر (١) قرأ العلوم مسدد
следующие страницы →