فلو ان إسم أبي معاذٍ قلبه ... ما كان في البلوى أبا حسان (١) وقال (٢) :
بعثت بآيات الجمال فآمنت ... بحسنك أبصار لنا وبصائر
وأبديت حسناً باللحاظ ممنعاً (٣) ... فلا خاطر إلا وفيك يخاطر
ولما بدت زهر الثغور وتاهت ال ... خواطر وامتدت إليك النواظر
ختمت على در الثنايا بخاتمٍ ... عقيق وتحت الختم تخبا الجواهر وقال أيضاً (٤) :
إلى محياك ضوء البدر يعتذر ... وفي محبتك العشاق قد عذروا
وجنة الخلد في خديك مونقة ... ونار حبك لا تبقي ولا تذر
يا من يهز دلالاً غصن قامته ... الغصن هذا فأين الظل والثمر
ما كنت أحسب أن الوصل ممتنع ... وأن وعدك برق ما به مطر
خاطرت فيك بغالي النفس أبذلها ... إن الخطير عليه يسهل الخطر
لما رأيت ظلام الشعر منك بدا ... خضت الظلام ولكن غرني القمر وقال من الموشح المضمن، وهو من مخترعاته التي لم يسبق إليها، والأبيات المضمنة منحولة إلى أبي نواس (٥) :
وحق الهوى ما حلت يوماً عن الهوى ... ولكن نجمي في المحبة قد هوى
ومن كنت أرجو وصله قتلتي نوى ... وأضنى فؤادي بالقطيعة والنوى
стр. 772
ليس في الهوى عجب ... إن أصابني النصب
حامل الهوى تعب ... يستفزه الطرب
أخو الحب لا ينفك صباً متيما ... غريق دموع قلبه يشتكي الظما
لفرط البكا قد صار جلداً وأعظما ... فلا عجب أن يمزج الدمع بالدما
الغرام أنحله ... إذ أصاب مقتله
إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب
ألا قل لذات الخال يا ربة الذكا ... ومن بيضاء الوجه فاقت على ذكا
شكوت غرامي لو رثيت لمن شكا ... وأطلقت دمعي لو شفى الدمع من بكى
فانثنيت ساهيةً ... والقلوب واهيةً
تضحكين لاهيةً ... والمحب ينتحب
أسرت فؤادي حين أطلقت عبرتي ... وبدلتني من منيتي بمنيتي
ولما رأيت السقم أنحل مهجتي ... تعجبت من سقمي وأنكرت قتلي
صرت إذ بدا ألمي ... عندما أرقت دمي
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب
تحجبت عن عيني فأيقنت بالشقا ... وآيسني فرط الحجاب من البقا
فلما أميط الستر وارتحت للقا ... غضبت بلا ذنب وغادرتني لقى
حين ترفع الحجب ... منك يصدر الغضب
كلما انقضى سبب ... منك عاد لي سبب وقال في الزنبق والورد (١) :
قد نشر الزنبق أعلامه ... وقال كل الزهر في خدمتي
стр. 773
لو لم أكن في الحسن سلطانه ... ما رفعت من دونه رايتي
فقهقه الورد به هازياً ... وقال ما تحذر من سطوتي؟
وقال للسوسن ماذا الذي ... يقوله الأشيب في حضرتي؟
فامتعض الزنبق من قوله ... وقال للأزهار يا رفقتي
يكون هذا الجيش بي محدقا ... ويضحك الورد على شيبتي؟ وقال أيضاً، وفيها ستة (١) تشبيهات طي ونشر (٢) :
خلياني أجر فضل برودي ... راتعاً في رياض عين البرود (٣)
كم بها من بديع زهرٍ أنيقٍ ... كفصولٍ منظومةٍ وعقود
زنبق بين قضب آسٍ وبانٍ ... وأقاحٍ وعبهرٍ وورود
كجبينٍ وعارضٍ وقوام ... وثغورٍ وأعينٍ وخدود وقال (٤) :
ولم أنس إذ زار الحبيب بروضةٍ ... وقد غفلت عنا وشاة ولوام
وقد فرش الورد الخدود ونشرت ... لقدمه للسوسن الغض أعلام
أقول وطرف النرجس الغض شاخص ... إلينا وللنمام حولي إلمام
أيا رب حتى في الحدائق أعين ... علينا؟ وحتى في الرياحين نمام؟ وقال في مليح راقص (٥) :
جاء وفي قده اعتدال ... مهفهف ما له عديل
قد خففت عطفه شمال ... وثقلت جفنه شمول
стр. 774
ثم انثنى راقصاً بقد ... تثنى إلى نحوه العقول
يجول ما بيننا بوجه ... فيه مياه الحيا تجول
فرنح الرقص منه عطفاً ... حف به اللطف والدخول (١)
فعطفه داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل وقال في مليح قلع ضرسه (٢) :
لحا الله الطبيب فقد تعدى ... وجاء لقطع ضرسك بالمحال
أعاق الظبي في كلتا يديه ... وسلط كلبتين على غزال وديوانه الذي دونه بنفسه ثلاث مجلدات وكله جيد.
وبلغنا وفاته في أوائل سنة خمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى وعفا عنه وعنا، بمنه وكرمه.
(٣) ٢٨٧
الشيخ عز الدين ابن عبد السلام
عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن، شيخ الإسلام وبقية الأعلام الشيخ عز الدين السلمي الدمشقي الشافعي؛ ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة ستين وستمائة.
سمع من الخشوعي وعبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي والقاسم ابن عساكر
стр. 775
وابن طبرزد وحنبل وابن الحرستاني وغيرهم، وخرج له الدمياطي أربعين حديثاً عوالي. روى عنه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد والدمياطي وأبو الحسين اليونيني وغيرهم. وتفقه على الإمام فخر الدين ابن عساكر، وقرأ الأصول والعربية، ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، وتخرج به أئمة، وله الفتاوى السديدة (١) .
وكان ناسكاً ورعاً، أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم؛ ولي خطابة دمشق بعد الدولعي، فلما تملك الصالح إسماعيل دمشق وأعطى الفرنج صفد والشقيف، نال ابن عبد السلام منه على المنبر وترك الدعاء له، فعزله وحبسه ثم أطلقه، فنزح إلى مصر، فلما قدمها تلقاه الصالح نجم الدين أيوب وبالغ في احترامه، واتفق موت قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة، فولي بدر الدين السنجاري قضاء القاهرة، وولي ابن عبد السلام قضاء مصر والوجه القبلي مع خطابة جامع مصر.
ثم إن معين الدين ابن الشيخ بنى بيتاً على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبل خاناه معين الدين، فأنكر ذلك ابن عبد السلام، ومضى بجماعته وهدم البنيان، وعلم السلطان والوزير يغضبان، فأسقط عدالة الوزير، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، وقيل له اعزله عن الخطابة وإلا شنع عليك على المنبر كما فعل في دمشق، فعزله فأقام في بيته يشغل الناس.
وكان مع شدته فيه حسن محاضرة (٢) بالنادرة والشعر، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد. وأرسل إليه السلطان لما مرض وقال: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففوضت إليه.
ولما مات شهد الظاهر جنازته والخلائق، ﵀.
стр. 776
واختصر نهاية المطلب وله القواعد الكبرى والقواعد الصغرى ومقاصد الرعاية وغير ذلك؛ والناس تقول في المثل: ما أنت إلا من العوام، ولو كنت ابن عبد السلام. ويقال إنه لما حضر بيعة الملك الظاهر قال له: يا ركن الدين، أنا أعرفك مملوك البندقدار، فما بايعه حتى جاء من شهد له بالخروج عن ملكه إلى الملك الصالح، وعتقه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ولما كان بدمشق سمع من الحنابلة أذى (١) كثيراً.
٢٨٨ - (٢)
الرفيع الجيلي
عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل، قاضي القضاة بدمشق، رفيع الدين الجيلي الشافعي، الذي فعل بالناس تلك الأفاعيل (٣) ؛ كان فقيهاً مناظراً متكلماً متفلسفاً، قدم الشام وولي القضاء ببعلبك أيام صاحبها الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري (٤) ، فلما ملك الصالح دمشق ولاه القضاء بدمشق، فاتفق هو والوزير المذكور في الباطن (٥) على المسلمين، وكان عنده شهود زور ومن يدعي زوراً، فيحضر الرجل المتمول إلى مجلسه، ويحضر المدعى عليه
стр. 777
بألف دينار أو ألفين فينكر، فيحضر الشهود فيلزمه ويحكم عليه، فيصالح غريمه على النصف، أو أكثر أو أقل، فاستبيحت أموال الناس.
قال أبو المظفر ابن الجوزي: حدثني جماعة أعيان أنه كان فاسد العقيدة دهرياً مستهتراً بأمور الشرع، يجيء إلى الصلاة سكران، وأن داره كانت مثل الحانة.
قال الشيخ شمس الدين: بلغني أن الناس استغاثوا إلى الصالح، فخاف الوزير وعجل بهلاكه ليمحو التهمة عنه؛ وقيل إن السلطان كان عارفاً بالأمور، والله أعلم.
وقبض على أعوان الرفيع وكبيرهم حسين بن الرواس الواسطي، وسجنوا وعذبوا بالضرب والعصر والمصادرة، ولم يزل ابن الرواس في العذاب إلى أن فقد.
وفي ثاني عشر الحجة سنة اثنتين وأربعين وستمائة أخرج الرفيع من داره، وحبس بالمقدمية، ثم أخرج ليلاً وسجن في مغارة في نواحي البقاع (١) ، وقيل ألقي من شاهق، وقيل بل خنق.
قال ابن واصل: حكى لي ابن صبح بالقاهرة أنه ذهب بالرفيع إلى شقيف أرنون: فعرف أني أريد أرميه، فقال: بالله عليك دعني أصلي ركعتين، فأمهلته حتى صلاهما ثم رميته فهلك.
ولما كثرت الشكاوى عليه أمر الوزير بكشف ما حمل إلى الخزانة، وكان الوزير لا يحمل إلى الخزانة إلا القليل، فقال الرفيع: الأمور عندي مضبوطة، فخافه الوزير، وخوف السلطان من أمره ومن عاقبته، فقال: أنت جيت به وأنت تتولى أمره، فأهلكه الوزير.
وقال ابن أبي أصيبعة: كان من الأكابر والمتميزين في الحكمة والطبيعي
стр. 778
والطب وأصول الدين والفقه.
وحكى بعض الذين باشروه أنه لما أرموه في تلك الهوة تحطم في نزوله، وكأنه تعلق في بعض جوانبها بثيابه، فبقينا نسمع أنينه نحو ثلاثة أيام، وكلما مر يوم يضعف ويخفى حتى تحققنا موته ورجعنا عنه، نسأل الله تعالى حسن العاقبة.
٢٨٩ - (١)
شيخ الشيوخ عبد العزيز
عبد العزيز بن محمد بن عبد (٢) المحسن بن محمد بن منصور بن خلف، الإمام العلامة الأديب الشاعر، شيخ الشيوخ شرف الدين ابن القاضي أبي عبد الله الأنصاري الأوسي الدمشقي الشافعي الحموي الصاحب، ابن قاضي حماة؛ ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة بدمشق، وتوفي سنة اثنتين وستين وستمائة. رحل به والده وسمعه جزء ابن عرفة من ابن كليب، وسمعه المسند كله من عبيد الله بن أبي المجد الحربي، وقرأ كثيراً من كتب الأدب على الكندي، وسمع من جماعة، وبرع في العلم والأدب، وكان من الأذكياء المعدودين (٣) ، وله محفوظات كثيرة، وسكن بعلبك مدة، وسكن دمشق مدة ثم سكن حماة، وكان صدراً كبيراً نبيلاً معظماً وافر الحرمة كبير القدر؛ روى عنه الدمياطي وأبو الحسين اليونيني وابن الظاهري وقاضي القضاة بدر
стр. 779
الدين ابن جماعة، وجماعة كثيرة.
قال الشيخ صلاح الدين حرسه الله تعالى: لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة وقبلها من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح ولا أصنع ولا أسرى ولا أكثر، فإن له لزوم ما لا يلزم مجلد كبير، وما رأيت له شيئاً العذب واللفظ الفصيح والمعنى البليغ، فمن ذلك قوله:
غدوت فكنت شمسي في صباحي ... ورحت فكنت بدري في مسائي
وجدتك إذ عدمت وجود نفسي ... فأهلاً بالفراق وباللقاء
فإن أغفيت كان عليك وقفي ... أو استيقظت كان بك ابتدائي
فيا سعدي إذا ما دام سكري ... علي وإن صحوت فيا شقائي
وقلت لصاحبي لما لحاني: ... عليك بما عناك ولي عنائي
أصمك سوء فهمك عن خطابي ... وأعماك الضلال عن اهتدائي
وهنت فكنت في عيني صبياً ... أخاطبه بألفاظ الهجاء
فلو أصبحت ذا حاء وسين ... لما عنفت في حاء وباء وقال:
ما لم يغير عكسه لفظه ... مثاله قد نبل البندق
وما إذا صحف معكوسه ... عاد إلى صيغته فستق وقال:
لائمي في العشق مخطي ... وعلى العشق محطي
ما لكم يا من لحوني ... رمتم باللوم صبطي
لا تحطوني إلى أب ... جد قد جاوزت حطي
стр. 780
كم شرحتم ما أعمي ... وكشفتم ما أغطي
وتهددتم وقلتم ... إن أمري ليس يبطي
خبروني هل أخذتم ... عملي من تحت إبطي
قد تخليت عن العق ... ل فخلوني وخبطي
شفني أغيد، قلبي ... منه في قبضٍ وبسط
وحياتي ومماتي ... في رضىً منه وسخط
ولحاني في هواه ... كل واهي العقل زطي
يشهر اللحظ يماني (١) ... ويهز القد خطي
زين الخد بخالٍ ... وعذارٍ هو شرطي
أبدع الحسن به ما ... شاء من شكلٍ ونقط
مد أطراف بنانٍ ... حسنها يقطع وسطي
ثم عاطاني (٢) سلافاً ... مثلها من فيه يعطي
عتقت عند شيوخ ... من شيوخ الدير شمط
فلها بذلي ومنعي ... ولها حلي وربطي
خلني أفسد مالي ... في الذي يصلح (٣) خلطي
مذهبي هذا الذي أف ... تي به صحبي ورهطي
وبه فاشهد على نط ... قي وخذ إن شئت خطي وقال:
أرقت لبارق مزنٍ أضا ... على الأثلات بذات الأضا
كما نبض العرق ثم انبرى ... كإدمان رامٍ إذا أنبضا
стр. 781
فأذكرني بالغضا جيرةً ... تولوا وأصليت جمر الغضا
أضاء الدجى لي لما دنوا ... وبانوا فضاق علي الفضا
وطول في حبهم لائمي ... فعرض قلبي لما عرضا
رأى النار في كبدي تلتظي ... وفي جوفه الماء ما خضخضا
بروحي غزال بألحاظه ... وعود بألحاظنا تقتضي
سقاني من ريقه خمرةً ... شفاني بها وبها أمرضا
رنا وانثنى فقضى حسنه ... علي ولي وطر ما انقضى
فمن قده ذابل مشرع ... ومن لحظه صارم منتضى
أبثك وجداً كساني الضنى ... فأعجزني السقم أن أنهضا
وعمم فودي بوخط المشيب ... فسود حالي بما بيضا
بعيني أقيك فنم وداعاً ... وإن كان جفني ما أغمضا
فزدني صدوداً أزد صبوةً ... وفي حالة السخط لا في الرضى (١)
أعد نظراً منك في أمر من ... إليك مقاليده فوضا
وفاض على خده دمعه ... فذهبه بعدما فضضا
وعاود أطرابه بعد ما ... نضا من شبيبته ما نضا وقال:
قرأت خط عذاريه فأطمعني ... بواو عطفٍ ووصلٍ منه عن كثب
وأعربت لي نون الصدغ معجمةً ... بالحاء عن نجح مقصودي ومطلبي
حتى رنا فسبت قلبي لواحظه ... " والسيف أصدق أنباء من الكتب " وقال:
حيث ترامت بي الجهات ... فلي إلى وجهك التفات
стр. 782
جيراننا باللوى أجيروا ... ولهان أودى به الشتات
إليكم هجرتي وقصدي ... وفيكم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي ... فأنسوا مقلتي ولا تو وقال:
نفحات معنبره ... عن رياضٍ محبره (١)
وغمام معربد ... ببروقٍ وزمجره
ترك الروض ناظراً (٢) ... بعيونٍ مخضره وقال أيضاً:
كبد تلتظى ودمع غريق ... هكذا هكذا يكون المشوق
نفسوا عن خناق نفس كئيبٍ ... كلفت بالغرام ما لا تطيق
ما لنا في الهوى حقوق عليكم ... بل لكم سادتي علينا الحقوق
مثلكم في جمالكم ليس يلقى ... وغرامي بغيركم لا يليق
عقني لؤلؤ المدامع فيكم ... ووفى لي دمع حكاه العقيق
فبعيني أفدي سيوف جفون ... لدمي من جفون عيني تريق (٣)
يا حبيباً له بصدري وداد ... رحب صدر الفضاء عنه يضيق
دق معناي فيك مذ كنت طفلاً ... لست أدري بكم يباع الدقيق
إنني رب غلظةٍ لعذولي ... ولداعي هواك عبد رقيق
بهرت منك مقلتي عين شمس ... يتهادى بها قضيب وريق
فبتعريق حاجبيك افتتاني ... كلما ماس قدك الممشوق
وبتعليق ذا العذار اشتغالي ... عن دروسي والضرب (٤) والتعليق
стр. 783
وقال:
أفنيت عمري في دهرٍ مكاسبه ... نطيع أهواءنا فيه وتعصينا
تسعاً وعشرين مد الدهر شقتها ... حتى توهمتها عشراً وتسعينا وقال:
أكملت ستاً وأربعين بها ... أخلت همومي من راحتي ربعي
وجزت في السبع خائفاً وجلاً ... كأنني جائز (١) على السبع وقال:
مررت وبدره في عقربيه ... فصد فبان لي صدق النجامه
فديتك لو رأيت لهيب قلبي ... إذن لرحمت دمعي وانسجامه
وخدك في العذار بديع حسنٍ ... وأحسن منه ساقك في الحجامه وقال:
ست عيونٍ من تأتت له ... كانت له شافيةً كافيه
العلم والعلياء والعفو وال ... عزة والعفة والعافية وقال:
سألته من ريقه شربةً ... أطفي بها من ظمأي (٢) حره
فقال أخشى يا شديد الظما ... أن تتبع الشربة بالجره وقال:
إن قوماً يلحون في حب سعدى ... " لا يكادون يفقهون حديثا "
سمعوا وصفها ولاموا عليها ... " أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا "
стр. 784
وقال:
زعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلا هواكم
قد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سلاكم
قال لي عذلي متى تبصر الرش ... د وتسلو فقلت يوم عماكم
حاولوا سلوتي بلومي فأغرو ... ني فمن ذا بصدكم أغراكم
لا تحيلوا قلبي على حسن صبري ... أحسن الله في اصطباري عزاكم وقال أيضاً (١) :
شرحت لوجدي في محبتكم صدرا ... وصبرني صحبي فلم أستطع صبرا
ومن ظن سلواني من البر والتقى ... فإني إلى الرحمن من ذنبه (٢) أبرا
فيا يوسف الحسن الذي مذ علقته ... بسيارةٍ من فكرتي قلت يا بشرى
لقد حل من قلبي بوادٍ مقدسٍ ... ليقبس من قلبي الكليم به جمرا
لئن خوفتني من تجنيه عذل ... فإن مع العسر الذي زعموا يسرا
وقلت لعذالي ألم (٣) تعرفوا الهوى ... لقد جئتم شيئاً بعذلكم نكرا
لعمري لقد طاوعت زائد لوعتي ... عليكم وما طاوعت زيداً ولا عمرا
شفينا غليل الشوق منه بنزلةٍ ... فطوبى لمن يحظى به نزلةً أخرى (٤)
فلا تعجبوا للسيل والسيف واعجبوا ... لأجفانه الوسنى ومقلتي العبرى
وإن بان ذلي وانكساري لبينه ... فمن قيصر عند الوصال ومن كسرى
وأي عذول كان في الحب عاذري ... فذاك الذي قد يسر الله (٥) لليسرى
خليلي ها سقط اللوى قد بدا لنا ... فلا تقطعاه بل قفا نبك من ذكرى
стр. 785
بدا فاسترق العالمين جماله ... فمن أجل هذا جل بالعين أن يشرى
وأذكر آيات الخليل عذاره ... لجنته الخضراء في ناره الحمرا
تباعد مسرى شامنا من حجازه ... وقد زارنا ليلاً فسبحان من أسرى وقال أيضاً:
طاوعتكم فعصيتم أمري ... وحفظتكم فأذعتم سري
وشغلت قلبي واللسان بكم ... في الحب عن زيد وعن عمرو
لم تخف أشجاني ولا ظهرت ... فضنيت بين السر والجهر
جودوا على مقدار فضلكم ... وذروا مكافاتي على قدري
لا تعرضوا عني بلطفكم ... من ذا بحالي غيركم يدري منها:
ما في صباحي والمساء سناً ... لولاك يا شمسي ويا بدري
وقف الهوى بي حيث أنت فلي ... وقفاً (١) عليك مدامع تجري
ذرني ووجدي يا عذول (٢) بمن ... كاونتهم (٣) مذ كنت في الذر
أفنيت عمري في محبتهم ... فلئن سلوتهم فواعمري
إن بيع بالأرواح وصلهم ... فقد اشتريت بذلك السعر وقال (٤) :
لا حظ في الدنيا لمستيقظٍ ... يلمحها بالفكرة الباصره
إن كدرت مشربه ملها ... وإن صفت كدرت الآخرة وقال أيضاً:
стр. 786
خذ في وقارك واتركني ووسواسي ... فليس في ولهي في الحب من باس
إن أنت لم تقف إثري في الغرام فقف ... عني لأجري إلى اللذات أفراسي
ولا تقسني على من لا يشاكلني ... فإن أمري شيء غير منقاس منها:
قضيب آس تبدى مثمراً قمراً ... وجدي القديم به أطرى من الآس
لها معاطف تغريني برقتها ... ولينها أن أقاسي قلبها القاسي
باتت موسدةً رأسي على يدها ... عطفاً وكانت يدي منها على راسي وقال أيضاً:
أأسود غيلٍ أم ظباء كناس ... هدمت تقاي وأسست وسواسي
وتغزلي من بينها بغزيلٍ ... خلس النفوس بطرفه الخلاس
أشكو إليه وأين عز جماله ... من ذلتي وغناه من إفلاسي
ماذا ترى أذنبت في شرع الهوى ... حتى بليت بكل قلبٍ قاسي
مولاي تذكر إذ زماني (١) قائم ... فيما أمرت وأنت من جلاسي
حوشيت من نسيان عهدٍ لم يزل ... ينسيني الإيحاش بالإيناس
ولئن غدرت لقد وفت لك عبرتي ... والدمع منه خاذل ومواسي
إن لم تزر فإذا مررت فقف بنا ... ما في وقوفك ساعةً من باس
يا صاح لا تخدع فما لصحاتنا ... شبه سوى الأموات في الأرماس
فإذا السرور عصى عليك ولم يطع ... فخذ المدام ودع كلام الناس
لا تكذبن فلست أترك شربها ... في الدير بين القس والشماس
عنفتني فيما مضى وعذرت (٢) إذ ... نادمتني وشربت فضلة كاسي
وهذا ولو أدركت فضلة نشوتي ... قبلت رجلي أو حلفت براسي
стр. 787
وقال أيضاً:
أقسمت ما خده القاني من الخجل ... أرق من دمعي الجاري ولا غزلي
غزال إنسٍ غضيض الطرف ناظره ... خلو من الكحل مملوء (١) من الكحل
لاهٍ عدلت إليه بالهوى وله ... جور علي بقد منه معتدل
فماس غصناً ولكن غير مهتصرٍ ... واهتز رمحاً ولكن غير معتقل
يا نظرةً ما جلت لي حسن طلعته ... حتى انقضت وأدامتني على وجل
عاتبت (٢) إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل
يا عاذلي ليس مثلي من تخادعه ... وليس مثلك مأموناً (٣) على عذلي
ما دمت خلواً فما تنفك متهماً ... اعشق وقولك مقبول علي ولي وقال أيضاً:
سألت سوارها المثري فنادى ... فقير وشاحها: الله يفتح
لها طرف يقول الحرب أولى ... ولي قلب يقول الصلح أصلح ٢٩٠ (٤)
؟ الزكي ابن أبي الإصبع
عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد، الأديب أبو محمد ابن
стр. 788
أبي الإصبع العدواني المصري الشاعر المشهور الإمام في الأدب؛ له تصانيف حسنة في الأدب، وشعره رائق، عاش نيفاً وستين سنة، وتوفي بمصر في ثالث وعشرين شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، ﵀.
ومن شعره:
تصدق بوصلٍ إن دمعي سائل ... وزود فؤادي نظرةً فهو راحل
جعلتك بالتمييز نصباً لناظري ... فلم لا رفعت الهجر والهجر فاعل وقال:
فديت التي (١) إذ ودعتني أودعت ... من اللفظ سمعي ساعة البين جوهرا
فلما التقينا رد دمعي لنحرها ... وديعتها فهي اللآلي التي ترى
بكت ورنت نحوي فجرد لحظها ... من الجفن سيفاً بالدموع مجوهرا وقال:
من يذم (٢) الدنيا بظلم فإني ... بطريق الإنصاف أثنى عليها
وعظتنا بكل شيء لو أنا ... حين جادت بالوعظ من مصطفيها
نصحتنا فلم نر (٣) النصح نصحاً ... حين أبدت لأهلها ما لديها
أعلمتنا أن المآل يقيناً ... للبلى حين جددت عصريها
كم أرتنا مصارع الأهل والأح ... باب لو نستفيق بين يديها
ولكم مهجةٍ بزهرتها اغت ... رت فأدمت ندامةً كفيها
أتراها أبقت على سبإٍ من ... قبلنا حين بدلت جنتيها
يوم بؤسٍ لها ويوم رخاء ... فتزود ما شئت من يوميها
وتيقن زوال ذاك وهذا ... تسل عن ما تراه من حادثيها
стр. 789
دار زادٍ لمن تزود منها ... وغرورٍ لمن يميل إليها
مهبط الوحي والمصلى التي كم ... عفرت صورة بها خديها
متجر الأولياء قد ربحوا الجن ... ة فيها وأوردوا عينيها
رغبت ثم رهبت ليرى ... كل لبيبٍ عقباه من حالتيها
فإذا أنصفت تعين ان يث ... ني عليها ألبر من ولديها وقال:
انتخب للقريب لفظاً رقيقاً ... كنسيم الرياض في الأسحار
فإذا اللفظ رق شف عن المع ... نى فأبداه مثل ضوء النهار
مثلما شفت الزجاجة جسماً ... فاختفى لونها بلون العقار وقال في قيم حمام:
وقيمٍ كلمت جسمي أنامله ... بغير ألسنةٍ تكليم خرصان
إن أمسك اليد مني كاد يكسرها ... أو سرح الشعر من فودي أدماني
فليس يمسك إمساكاً بمعرفة ... ولا يسرح تسريحاً بإحسان وقال رحمه الله تعالى:
أراني لا ينفك نجمي هابطاً ... نراه براه ربنا حسب للرجم
جفتني الليالي فاغتديت كأنني ... أفتش دهري في التراب على نجمي
فصرت إذاً قوساً وعقلي رامياً ... ورأيي الذي أصمي الرمايا به سهمي وقال:
وساقٍ إذا ما ضاحك الكأس قابلت ... فواقعها من ثغره اللؤلؤ الرطبا
خشيت وقد أمسى ضجيعي على الدجى ... فأسلبت دون الصبح من ثغره حجبا
وقسمت شمس الطاس بالكاس أنجماً ... ويا طول ليل شمسه قسمت شهبا وقال:
стр. 790
إذا ما سقاني ريقه وهو باسم ... تذكرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من قده ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق (١) وقال:
أيا عبلة الأرداف لحظك عنتر ... وما لي على غاراته في الحشا صبر
نعم أنت يا خنساء خنساء عصرنا ... وشاهد قولي أن قلبك لي صخر وقال:
رأيت بفيه إذ تبسم أدمعاً ... فقلت رثي لي إذ بكى فمه حزنا
اجاد له في النظم شاعر ثغره ... ولكنه من مقلتي سرق المعنى وقال:
تبسم لما أن بكيت من الهجر ... فقلت ترى دمعي فقال أرى ثغري
فديتك لما أن بكيت تنظمت ... بفيك لآلي الدمع عقداً من الدر
فلا تدعي يا شاعر الثغر صنعةً ... فكاتب دمعي قال ذا النظم من نثري ٢٩١ (٢)
الحافظ زكي الدين المنذري
عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعيد، الحافظ الإمام زكي الدين أبو محمد المنذري المصري الشافعي؛ ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، غرة شعبان بمصر، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ قرأ القرآن على الأرتاحي،
стр. 791
وتفقه على أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد القرشي، وتأدب على أبي الحسين ابن يحيى النحوي، وسمع من عبد المجيد ابن زهير وإبراهيم بن البتيت ومحمد بن سعيد المأموني والمطهر ابن أبي بكر البيهقي والحافظ ربيعة اليمني وأبي الجود غياث ابن فارس والحافظ ابن المفضل، وبه تخرج وهو شيخه؛ وبمكة من يونس الهاشمي وأبي عبد الله بن البناء، وخرج لنفسه معجماً كبيراً مفيداً. روى عنه الدمياطي وأبو الحسين اليونيني وإسماعيل ابن عساكر وعلم الدين الدواداري وتقي الدين ابن دقيق العيد وخلق كثير؛ ودرس بالجامع الظافري بالقاهرة مدة؛ ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية وانقطع بها نحواً (١) من عشرين سنة، رحمه الله تعالى.
٢٩٢ - (٢)
جمال الدين التبريزي
عبد القاهر بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن موسى، القاضي الخطيب جمال الدين التبريزي الحراني الدمشقي الشافعي؛ مولده في نصف شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة بحران، واشتغل ونشأ بدمشق وتفقه.
قال الشيخ شمس الدين، ذكر لي قال: ماتت أمي ابنة عشرين سنة، وكان أبي تاجراً ذا مال، فقدم بي إلى دمشق وأنا ابن ست سنين، فملت وكفلني عمي عبد الخالق، ورجع بي إلى حران، وباع أملاكنا بثمانين ألفاً، ورد بي (٣) إلى دمشق، فقال لي يوماً: امض بنا نتفرج، فمضى بي نحو ميدان الحصى
стр. 792
وعرج بي ثم نهض علي فخنقني فغشي علي، فرماني في حفرة وطم علي المدر والحجارة، فبقيت كذلك ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع مر رجل صالح كان برباط الإسكاف عرفته بعد ثلاثين سنة، نزل من الصالحية ومر بجسر ابن شواش وهو يتلو، ثم إلى القطائع، فجلس يبول، وأنا أحرك رجلي، فرأى المدر يتحرك فظنه حية، فقلب الحجر فبدت رجلي في خف بلغاري، فاستخرجني فقمت أعدو إلى الماء فشربت من شدة عطشي، ووجدت في خاصرتي فزراً من الحجارة وفي رأسي فتحاً، وأراني أثر ذلك، ودخلت البلد إلى إنسان أعرفه، فمضى بي إلى ابن عم لنا وهو الصدر الخجندي، وكان مختفياً بالصالحية، وله غلامان ينسخان ويطعمانه، اختفى لأمور بدت منه أيام هولاكو، فأقمت مدة لا أخرج، وبلغت وحفظت القرآن، فمررت بعد مدة بالديماس، فرآني عمي فقال: ها، جمال؟ امش بنا إلى البيت، فما كلمته وتغير لوني، وكان معي رفيقان فقالا لي: مابك؟ فسكت وأسرعت، ثم رأيته مرة أخرى بالجامع، ثم خاف من عاقبتي فأخذ أموالي ودخل إلى اليمن وتقدم عند صاحبها ووزر له، ومات في تلك البلاد عن أولاد، وأما أنا فإني جودت الختمة على الزواوي، وتفقهت على النجم الموغاني، وترددت إلى الشيخ تاج الدين، ثم وليت القضاء عن ابن الصائغ، انتهى كلام الشيخ شمس الدين.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: هذا القاضي جمال الدين جاء إلينا إلى صفد قاضياً من جهة جمال الدين الزرعي، وأقام أشهراً، فلما تولى قاضي القضاة جلال الدين عزله، ثم توصل ودخل عليه فولاه ثم عزله وقرر له مرتباً يأخذه ولا يتولى الأحكام، فلما توجه قاضي القضاة جلال الدين إلى الشام وتولي عز الدين ابن جماعة ولاه قضاء دمياط، فلم يزل بها حاكماً إلى أن مات في سنة أربعين وسبعمائة. وكان فصيح العبارة، مليح الشكل، أحمر الوجه مستديره، منور الشيبة، عذب الكلام، ينظم نظماً عذباً منسجماً، وعمل مجلدة خطب، ﵀.
стр. 793
ومن شعره في الشبابة:
وناطقةٍ بأفواه ثمانٍ ... تميل بعقل ذي (١) اللب العفيف
لكل فمٍ لسان مستعار ... يخالف بين تقطيع الحروف
تخاطبنا بلفظٍ لا يعيه ... سوى من كان ذا طبع لطيف
فضيحة عاشقٍ ونديم راع ... وعزة موكبٍ ومدام صوفي وقال:
جاءت تهز اختيالاً ... قد القضيب المنعم
تجر إثر خطاها ... أذيال مرطٍ مسهم
قد أنجد الردف والخص ... ر غار لطفاً وأتهم
يا ويح خصرٍ شقي ... من جور ردفٍ منعم
وبات بدري بصدري ... حتى إذا الصبح أنجم
ودعته وهو يبكي ... ويمزج الدمع بالدم
في موقفٍ لو ترانا ... لكنت ترثي وترحم ٢٩٣ (٢)
أبو بكر الجرجاني
عبد القاهر بن عبد الرحمن، أبو بكر الجرجاني النحوي المشهور؛ أخذ النحو عن أبي الحسين محمد بن علي الفارسي، وكان من كبار أئمة العربية،
стр. 794
صنف المغني في شرح الإيضاح في نحو ثلاثين مجلداً، والمقتصد في شرح الإيضاح أيضاً في ثلاث مجلدات، وإعجاز القرآن وكتاب عروض، والعوامل المائة والمفتاح وشرح الفاتحة في مجلد، وله العمدة في التصريف والجمل والتلخيص شرحه، وكان شافعي المذهب أشعري الأصول، مع دين وسكون؛ توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، ﵀.
ومن شعره:
لا تأمن النفثة من شاعرٍ ... ما دام حياً سالماً ناطقا
فإن من يمدحكم كاذباً ... يحسن أن يهجوكم صادقا وله أيضاً:
كبر على العقل يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم
وكن حماراً تعش بخير ... فالسعد في طالع البهائم وله أيضاً:
أرخ باثنين وخمسينا ... فليت شعري ما قضى فينا
نسر بالحول إذا ما انقضى ... وفي تقضيه تقضينا ٢٩٤ (١)
الاستاذ أبو منصور
عبد القاهر بن محمد بن عبد الله التميمي، أبو منصور الفقيه
стр. 795
الشافعي؛ ولد ببغداد ونشأ بها، وسافر مع أبيه (١) إلى خراسان، وسكنا بنيسابور إلى أن ماتا.
تفقه أبو منصور على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الاسفراييني، وقرأ عليه أصول الدين، وكان ماهراً في فنون عديدة، خصوصاً في علم الحساب، وله فيه تواليف نافعة: منها كتاب التكملة وكان يدرس في سبعة وعشرين فناً، وكان عارفاً بالفرائض والنحو والشعر، وكان ذا مال وثروة، ولم يكتسب بعلمه مالاً، وأربى على أقرانه في الفنون، وجلس بعد أستاذه أبي إسحاق للإملاء في مسجد عقيل فأملى سنين، واختلف إليه الأئمة فقرأوا عليه، مثل ناصر المروزي وزين الإسلام القشيري؛ وتوفي سنة عشرين وأربعمائة (٢) ، بمدينة اسفرايين، ودفن إلى جانب شيخه، رحمهما الله تعالى.
ومن شعره:
طلبت من الحبيب زكاة حسنٍ ... على صغرٍ من الحسن البهي
فقال: وهل على مثلي زكاة ... على قول العراقي الزكي؟
فقلت: الشافعي لنا إمام ... وقد فرض الزكاة على الصبي وهذا مثل قول الأمير أبي الفضل الميكالي:
أقول لشادنٍ في الحسن فردٍ ... يصيد بلحظه قلب الكمي
ملكت الحسن أجمع في نصابٍ ... فأد زكاة منظرك البهي
وذاك بأن تجود لمستهامٍ ... برشفٍ من مقبلك الشهي
فقال: أبو حنيفة لي إمام ... وعندي لا زكاة على الصبي
стр. 796
وتممها سيدنا ومولانا قاضي القضاة تقي الدين السبكي أدام الله أيامه بقوله:
فقال اذهب إذن فاقبض زكاتي ... برأي الشافعي من الولي
فقلت له فديتك من فقيهٍ ... أيطلب بالوفا سوى الملي؟
نصاب الحسن عندك ذو امتناع ... بلحظك والقوام السمهري
فإن أعطيتنا طوعاً وإلا ... أخذناه بقول الحنبلي (١) ومن شعر أبي منصور:
شبابي وشيبي دليلا رحيلي ... فسمعاً لذاك وذا من دليل
وقد مات من كان لي من عديلٍ ... وحسبي دليلاً رحيل العديل ومنه أيضاً:
يا سائلي عن قصتي ... دعني أمت في غصتي
المال في أيدي الورى ... واليأس منه حصتي ومن تصانيفه: تفسير القرآن. تأويل متشابه الأخبار. فضائح المعتزلة الكلام في الوعد والوعيد. الفاخر في الأوائل والأواخر. إبطال القول بالتولد. فضائح الكرامية. معيار النظر. تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر. الإيمان وأصوله. الملل والنحل. والتحصيل في أصول الفقه. الفرق بين الفرق. بلوغ المدى في أصول الهدى. نفى خلق القرآن. الصفات.
стр. 797
٢٩٥ - (١)
الشيخ عبد القادر الجيلي الحنبلي
عبد القادر بن أبي صالح بن جنكي دوست، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي ﵄، الشيخ أبو محمد الجيلي الحنبلي المشهور الزاهد، صاحب المقامات والكرامات وشيخ الحنابلة، رحمه الله تعالى؛ قدم بغداد، وتفقه على القاضي أبي سعد، وسمع الحديث، وكان يأكل من عمل يده، وتكلم في الوعظ وظهر له صيت، وكان له سمت وصمت.
قال الشيخ شمس الدين: ولد بجيلان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وتوفي سنة إحدى وستين وخمسمائة؛ وقدم بغداد شاباً، وتفقه على أبي سعد المخرمي، وسمع من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سوسن ومن غيره، وروى عنه أبو سعد السمعاني وعمر بن علي القرشي وولداه عبد الرزاق وموسى والحافظ عبد الغني والشيخ الموفق ويحيى بن سعد الله التكريتي وغيرهم. وكان إمام زمانه وقطب عصره وشيخ شيوخ الوقت بلا مدافعة.
قال أبو الحسين اليونيني: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر، إلا الشيخ عبد القادر.
وكان الشيخ عبد القادر قد لازم الأدب على أبي زكريا التبريزي، واشتغل
стр. 798
بالوعظ إلى أن برز فيه، ثم لازم الخلوة والرياضة والسياحة والمجاهدة والسهر والمقام في الخراب والصحراء، وصحب الشيخ أحمد الدباس (١) وأخذ عنه علم الطريق، ثم إن الله أظهره للخلق وأوقع له القبول العظيم، وعقد المجلس سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وأظهر الله الحكمة على لسانه، ثم جلس في مدرسة أبي سعد للتدريس والفتوى سنة ثمان وعشرين، وصار يقصد بالزيارة، وصنف في الفروع والأصول، وله كلام على لسان أهل الطريق.
قال: طالبتني نفسي بشهوة، فكنت أضاجرها (٢) وأدخل في درب وأخرج إلى درب أطلب الصحراء، فبينما أنا أمشي إذ رأيت رقعة ملقاة فإذا فيها: ما للأقوياء والشهوات؟ إنما خلقت الشهوات للضعفاء يتقوون (٣) بها على طاعتي، فلما قرأتها خرجت تلك الشهوة من قلبي.
وقال: كنت أقتات بخرنوب الشوك وورق الخس من جانب النهر؛ وكان يقول: الخلق حجابك عن نفسك ونفسك حجاب عن ربك. ما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك؛ وكان يقول: الدنيا أشغال (٤) ، والآخرة أهوال، والعبد فيما بين الأشغال حتى يستقر قراره إما (٥) إلى جنة وإما إلى نار؛ وكان يقول: الأولياء عرائس الله، لا يطلع عليهم إلا ذا محرم؛ وكان يقول: فتشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع.
وقال عبد الرزاق ولده: ولد لوالدي تسعة وأربعون ولداً (٦) سبعة وعشرون ذكراً والباقي إناث.
стр. 799
٢٩٦ - (١)
الطائع لله
عبد الكريم بن الفضل بن جعفر بن أحمد، أمير المؤمنين الطائع لله ابن المطيع ابن المقتدر ابن المعتضد؛ تولى الخلافة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وقبضوا عليه في شعبان سنة إحدى وثمانين، وكانت خلافته سبع عشرة (٢) سنة وتسعة أشهر وستة أيام.
قال أبو علي ابن شاذان: رأيته رجلاً مربوعاً، كبير الأنف أبيض أشقر، وفي أنفه يقول ابن الحجاج:
خليفة في وجهه روشن ... خربشته قد ظلل العسكرا
عهدي به يمشي على دجلة ... وأنفه قد صعد المنبرا وكان الطائع شديد الحيل، في خلقه حدة، خلعه بهاء الدولة ابن عضد الدولة بإشارة الأمراء ومعونتهم وسملوا عينيه، ولما جلس القادر في الخلافة أسكنه معه في زاوية من قصره رقة له، وكان يحسن إليه ويحتمل غلظة كلامه، ويقضي معظم ما يستقضيه من الحوائج، وكلفه يوماً حاجةً لم يقدر عليها واعتذر إليه بأن الديلم غالبون على الأمر، فلما توسط النهار وقدم الطعام أتوه بعدس مطبوخ فلمسه وقال: ما هذا؟ قالوا: عدسية، قال: أمن هذا أكل أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم، قال: إذا كان هذا أكله، وجاهه ما رأيناه أول النهار، كان الأولى به أن يقعد
стр. 800
في البطيحة، ولا يتعنى ولا يتكلف مشقة الخلافة، فضحك القادر وقال: منعناه من راحة البصر فلا نمنعه من راحة اللسان.
وكان الطائع قد استعرض جارية فأعجبته وأمر بشراها، فنظرت إليه ورأت عظم أنفه فقالت: ما يقدم على أن يباع عندكم إلا من يوطن نفسه على المرابطة في سبيل الله، فضحك الطائع وقال: اشتروها فإن لم يكن عندها أدب الملوك فعندها نوادر الظرفاء.
وتوفي، رحمه الله تعالى ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وصلى عليه القادر وكبر خمساً، وحمل إلى الرصافة، وشيعه الأكابر، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة موجودة في ديوانه (١) .
٢٩٧ - (٢)
الرافعي
عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم (٣) بن الفضل، الإمام العلامة إمام الدين أبو القاسم الرافعي (٤) القزويني، صاحب الشرح الكبير؛ ذكره ابن الصلاح وقال: ما أظن في بلاد العجم مثله، وكان ذا فنون، حسن السيرة، صنف
стр. 801
شرح الوجيز في اثني عشر مجلد (١) لم يشرح الوجيز بمثله.
وقال الشيخ محيي الدين النواوي: الرافعي من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة.
وقال أبو عبد الله محمد بن محمد الإسفراييني في الأربعين تأليفه: هو شيخنا إمام الدين وناصر السنة، كان أوحد عصره في العلوم الدينية أصولاً وفروعاً وكان له مجلس بقزوين في التفسير الحديث، صنف شرحاً لمسند الشافعي، وأسمعه، وصنف شرحاً للوجيز ثم صنف آخر أوجز منه، وكان زاهداً ورعاً متواضعاً، وتوفي بقزوين، ﵀، سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
٢٩٨ - (٢)
كريم الدين الكبير
عبد الكريم بن هبة الله بن السديد المصري القاضي الجليل النبيل المدبر، كريم الدين الكبير، ابن العلم، وكيل السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون وناظر خواصه ومدبر دولته؛ بلغ فوق ما يبلغه الوزراء، ونال فوق ما يناله الكتاب من الوجاهة والحرمة والتقدم، أسلم كهلاً أيام الجاشنكير وكان كاتبه، وكان لا يصرف على السلطان شيء إلا بقلمه، ويقال إن السلطان طلب مرة إوزة، ولم يكن كريم الدين حاضر، فلم يصرف. ولما هرب الجاشنكير وأخذ الخزاين معه ورد السلطان من الكرك تطلب كريم الدين أشد طلب.
стр. 802
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، حكى لي فتح الدين ابن سيد الناس قال: جاء كريم الدين إلى الأمير علم الدين الجاولي وقال: قد جيت إليك فقال: ما في يدي لك فرج، ولكن للسلطان مملوك يقال له طغاي الكبير، وهو لا يخالفه، فأريد أجتمع به وأعرفك ما يكون، ثم اجتمع به فقال: أحضره، وقام دخل على السلطان وهو يضحك وقال له: إن حضر كريم الدين إيش تعطيني؟ ففرح وقال: عندك هو؟ أحضره، فخرج وقال للأمير علم الدين: أحضره، فأحضره، فقال له: مهما قال لك السلطان قول نعم، ودعني أنا أدبر أمرك، ودخل به عليه، فلما رآه استشاط غيظاً وقال له: احمل الساعة ألف ألف دينار فقال: نعم، وخرج، فقال: لا، كثير، احمل خمسمائة ألف دينار، فقال: السمع والطاعة، فقال: لا، كثير، احمل ثلثمائة ألف دينار، فقال: السمع والطاعة، وخرج، فقال له سيف الدين طغاي: لا تسقع دقنك وتحضر الجميع، ولكن هات الآن منها عشرة آلاف دينار، فأتى بها ودخل بها على السلطان، فسكن غضبه، وبقي كل يومين وثلاثة يحمل ثلاثة آلاف دينار ورمة ألفين ومرة ألفاً، ولم يزل طغاي والقاضي فخر الدين ناظر الجيش يصلحان أمره حتى رضي عنه السلطان وولاه ناظر الخاص (١) ، وهو أول من باشر هذه الوظيفة ولم تكن تعرف أولاً، ثم تقدم عنده وأحبه محبة لم يحبها الآخر مثله، وكان يخلع عليه أطلس أبيض، والفوقاني بطرز، والتحتاني بطرز، والقبع (٢) زركش على ما استفاض، وكانت الخزاين جميعها عنده في بيته، وإذا أراد السلطان شيء نزل إليه مملوك إلى بيته واستدعى منه ما يريده فيجهزه، وكان يخلع على أمراء الطبلخانات الكبار من عنده.
وقيل إن السلطان نزل يوماً من الصيد وقال له: يا قاضي كريم الدين، اعرض أنت صيود الأمراء فإن لي ضرورة، ودخل الدهليز، ووقف القاضي كريم الدين
стр. 803
على باب الدهليز (١) ، وكان الأمراء يحضرون صيودهم على طبقاتهم بين يديه وهو يخلع عليهم.
وحج هو والخوندة طغاي زوجة السلطان واحتفل بأمرها، وكان كل سماط في الغدا والعشاء يحضر لها البقولات طرية والجبن المقلي سخن، أخذ معه البقر الحلابات وحمل الخضر في مزارعها بترابها على ظهور الجمال، وكان يخدم كل أحد من الأمراء الكبار المشايخ والخاصكية الكبار وأرباب الوظايف (٢) والجمدارية الصغار حتى الأوشاقية (٣) في الإصطبل.
وكان في أول الأمر ما يخرج القاضي فخر الدين ويتغدى عنده، ويحضر من داره مخفيتين لا يعود إليه شيء من ماعونهما الصيني أبداً؛ وكان يركب في عدة مماليك أتراك تقارب السبعين مملوكاً أو أكثر بكنابيش الزركش والطرز الذهب، وقيل إنه طلبه السلطان يوماً إلى الدور، فدخل وبقيت الخزندارة تروح مرات فيما تطلبه الخوندة طغاي، فقال له السلطان: يا قاضي إيش حاجة لهذا التطويل؟ بنتك ما تختبي منك، ادخل إليها أبصر ما تريده افعله، فقام ودخل إليها وسير السلطان يقول لها: أبوك هنا أبصري له ما ياكل، فأخرجت له طعاماً، وقام السلطان بروحه إلى كرمة في الدار وقطع منها قطف عنب وأحضره وهو ينفخه من الغبار وقال: يا قاضي كل من عنب دورنا.
стр. 804
وكان السلطان إذا أراد أن يعمل سو ويراه قد أقبل يقول: جاء القاضي وما يدعنا نعمل ما نريد، فيحدثه في إبطال ما كان هم به من الشر، ومدة حياته لم يقع من السلطان إلا خير.
وأما مكارمه فإليها المنتهى، قيل إنه حضرت إليه امرأة رفعت قصة تطلب منه إزاراً، فوفع لها بثمانمئة درهم، فلما رأى الصيرفي القصة أنكر ذلك، وحضر إليه، وقال: يا سيدي هذه سألت إزار ما ثمنه هذا المبلغ، فقال: صدقت، وأخذ القصة وقال: هذه متاع الله، وزادها ثمانين درهم وقال: ما أردت إلا ثمانين ولكن الله أراد الثمانية، فوزن الصيرفي للمرأة ثمان مئة وثمانين.
وقيل إنه كان له صير في يستدعي منه ما يصرفه لمن سأله شيئاً، وإن الصيرفي: أحضر له مرة وصولات عديدة ليست بخطه فأنكرها، فقال الصيرفي: هذا في كل وقت يحضر مثل هذه الوصولات، فقال: إذا حضر فأمسكه وأحضره، فلما جاء أمسكه وأحضره إلى بابه، فقيل له إن الصيرفي وقع بالمزور، فقال: سيبوه مالي وجه أراه، ثم قال: علي به، فلما حضر بين يديه قال له: ما حملك على هذا؟ قال: الحاجة، قال له: كلما احتجت إلى شيء اكتب به خطك على عادتك لهذا الصيرفي، وارفق فإن علينا كلفاً كثيرة، وقال للصيرفي: كلما جاء إليك خطه شيئاً فاصرفه إليه.
وقيل إنه قبل إمساكه ضيع بعض بابية (١) مماليك بكتمر الساقي حياصة ذهب، فقال صاحبها للأمير، فقال الأمير: إن لم يحضر الحياصة وإلا روحوا به إلى الوالي ليقطع يده، فنزلوا بذلك البابا. فوجد القاضي كريم الدين آخر النهار طالع إلى القلعة، فوقف له وشكا إليه حاله، فقال: أخروا أمره إلى غد، ولما نزل إلى داره قال لعبده: خذ معك غداً حياصة ذهب لتعطيها لذلك البابا المسكين، فلما
стр. 805
أصبح وطلع إلى القلعة أمسك واشتغل الناس بأمره، وطلب البابا، وجهز إلى الوالي فقال له رفقاه: ما كان القاضي كريم الدين وعدك؟ روح إليه، فقال: يا قوم إنسان قد أمسك وصودر أروح إليه؟ فقالوا له: روح إليه فراح إليه، وكان قد أمر له بالمقام في القرافة، فلما دخل عليه شكا إليه حاله، فقال له: يا ابني جيت لي وأنا في هذه الحال؟ ثم رفع جنب المقعد وقال: خذ هذه الدراهم استعين بها، وكانت قريب الألفين، فلما أخذها وخرج قال لذلك العبد: ما كنت قد أعطيتك حياصة لهذا البابا؟ قال: نعم، فها هي، فقال: هاتها، فأخذها ودفعها إلى البابا وقال: هذه الحياصة أعطيهم إياها، والدراهم أنفقتها عليك، فطلع بالحياصة وأعطاها للمملوك، فدخل بها إلى الأمير سيف الدين بكتمر، فأحضره وقال: قول لي أمر هذه الحياصة، فحكى له ماجرى له مع كريم الدين، فقيل إن بكتمر الساقي لطم على وجهه وقال: يا مسلمين، مثل هذا يمسك؟ وكان قد أمسك بغير رضاه.
وقيل إن علاء الدين ابن عبد الظاهر ونجم الدين ابن الأثير قعدا يوماً على باب القلعة، وأجريا ذكر كريم الدين ومكارمه، فقال علاء الدين: ما مكارمه إلا لمن يخافه فهو يصانع عن نفسه، فما كان بعد يومين أو ثلاث حتى احتاج نجم الدين إلى رصاص يجعله قدور حمام، فكتب ورقة إلى كريم الدين يسأله بيع جملة من الرصاص بديوان الخاص، فحمل إليه جملة كثيرة فضلةً عما طلب بثلاثون قنطاراً، ولم يأخذ له ثمن. وأما علاء الدين ابن عبد الظاهر فإنه تركه يوماً وهو في بستانه وانحدر إليه في البحر، فلم يشعر به إلا وقد أرست حراقته على زربية (١) علاء الدين، فنزل إليه وتلقاه واندهش لقدومه، فحلف أنه ما يأكل ما يحضره إليه من
стр. 806
خارج البستان، وإلا مهما كان طعام ذلك اليوم يحضره، فأحضر له ما اتفق حضوره له وقال: يا مولانا أنا ما أعلمتك بمجيئي، ولكن أنا مثل اليوم ضيفك، ولكن لا ألتقي هذه العمارة على هذه الصورة وشرع رتبها على ما أراد، وراح من عنده، فلم يشعر علاء الدين إلا بالمهندسين والصناع والفعول والمراكب قد أرست على زربيته بأنواع الأخشاب وآلات العمارة من الطوب وأفلاق النخل والجبس وكل ما يحتاج إليه، وأخذوا في هدم ذلك المكان وشرعوا في بنائه على ما قاله، ولم يأتي خمسة أيام إلا وقد تكمل ورخم وزخرف وفرغ منه، فلما كان قبل الميعاد بيوم جاء إليه مركب موسق بأنواع الغنم والإوز والدجاج الفائق والسكر والأرز وغيره وجميع ما يطبخ حتى المخافة والماعون الصيني والجبن ومن يقليه، فعمل الطعام الفايق المختلف، ومد السماط العظيم، ونزل كريم الدين ومعه من يختاره، فلما حضر مد السماط فأكل هو ومن معه، وأحضر أنواع الفاكهة والحلوى والمشروب. ولما فرغ من ذلك أحضر كريم الدين بقجة كبيرة، وأخرج منها ما يصلح للنساء من القماش الإسكندراني وغيره، وما يصلح لملبوس علاء الدين، وقال: هذه خمسة آلاف درهم يكسو بها مولانا عبيدة وجواره (١) على ما يراه، وهذا توقيع تصدق به مولانا السلطان على مولانا فيه زيادة معلوم دراهم وغلة وكسوة ولحم وجراية، ونزل ليركب، فنزل معه علاء الدين، فلما ركب وفارقه قال له: والله يا مولانا علاء الدين هذه الأشياء أفعلها طبعاً، وأنا لا أرجوك ولا أخافك، وكان قد صدق أخبار البرامكة.
ومن رياسته أنه كان إذا قال نعم فهي نعم وإذا قال لا فهي لا، وهذا تمام الرياسة. قدم من الثغر نوبة حريق القاهرة، ونسب إلى النصارى، فغوث به الغوغاء ورجموه، فغضب السلطان وقطع أيدي أربعة، ثم إنه مرض في ذلك العام الماضي قبل الواقعة، ولما عوفي زينت القاهرة وتزاحم الخلق واختنق رجل.
стр. 807
وكان قد ولي نظر البيمارستان المنصوري، فكان إذا دخل إليه تصدق بعشرة آلاف درهم.
وقيل شرب مرة دواء، فجمع كل ورد في القاهرة وحمل إلى داره، وبسط إلى كراسي بيت الماء، وداس الناس ما داسوه وأخذ ما فضل فأباعه الغلمان بثلاثة آلاف درهم.
وكان وقوراً عاقلاً ذا هيبة، جزل الرأي بعيد الغور، عمر بالزربية جامعاً وميضأة، وعمر في طرق الرمل البيارات، وأصلح الطرق، وعمر جامع القبيبات والقابون، ووقف عليهما؛ ثم انحرف عليه السلطان ونكبه، وأقام في بيت الأمير سيف الدين أرغون النايب ثلاثة أيام، وكان الأمير سيف الدين قجليس يروح إليه ويجي في الرسائل عن السلطان، ثم رسم بنزوله إلى القرافة، ثم أخرج إلى الشوبك ثم إلى القدس، ثم طلب إلى مصر وجهز إلى أسوان، وبعد قليل أصبح مشنوقاً بعمامته.
وكان يحترم العلماء، وسمع البخاري، وقيل إنه لما أحس بقتله صلى ركعتين وقال: هاتوا، عشنا سعدا، ومتنا شهدا.
وكان الناس يقولون: ما عمل أحد ما عمل السلطان مع كريم الدين، أعطاه الدنيا والآخرة، رحمه الله تعالى؛ وكانت واقعته سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
٢٩٩ - (١)
صدر الدين الخجندي
عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف بن ثابت بن الحسن الخجندي، أبو القاسم صدر الدين؛ كان يتولى الرياسة بأصبهان على قاعدة أجداده، وكانت له المكانة
стр. 808
عند السلاطين والملوك والعوام، وكان فقيهاً فاضلاً أديباً شاعراً صدراً مهيباً جليلاً نبيلاً حسن الأخلاق متواضعاً، سمع من أبي القاسم غانم بن خالد بن عبد الواحد التاجر وأبي الوقت عبد الأول السجزي وغيرهم.
قدم بغداد حاجاً في عددٍ كثير من أتباعه وأشياعه، وعقد مجلس الوعظ وأحسن وأجاد، وخلع عليه من الديوان، ولما عاد من الحج وصل إلى همذان (١) ودخل الحمام (٢) فأصابه فالج في الحمام فمات في الحال وحمل إلى أصبهان ودفن بها، سنة ثمانين وخمسمائة، ﵀.
ومن شعره:
بالحمى دار سقاها مدمعي (٣) ... يا سقى الله الحمى من مربع
ليت شعري والأماني ضلة ... هل إلى وادي الحمى من مرجع
أذنت علوة للواشي بنا ... ما على علوة لو لم تسمع
أو تحرت رشداً فيما وشى ... أو عفت عني فما القلب معي وقال:
رمانا يوم رامة طرف غاده ... تعود قتلنا والخير عاده
فذكرنا الصبا والعود رطب ... وثغر العيش يبسم عن (٤) رغاده
يشوش طيب عيشٍ كنت فيه ... رعى الله المشوش لو أعاده
روت عيني وقد كحلت بشوك ... أحاديث الصبابة عن قتاده
بطرفك والسقام وبي سقام ... ولكن لا علاج ولا عياده (٥)
стр. 809
(١) ٣٠٠
موفق الدين عبد اللطيف
عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن سعد، العلامة موفق الدين البغدادي الشافعي النحوي اللغوي المتكلم الطبيب الفيلسوف المعروف بابن اللباد؛ لقبه تاج الدين الكندي بالجدي المطجن لرقة وجهه وتجعده ويبسه. ولد ببغداد في أحد (٢) الربيعين سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي ببغداد سنة تسع وعشرين وستمائة.
سمعه أبوه من ابن البطي وأبي زرعة المقدسي وشهدة وجماعة، وروى عنه جماعة: المنذري والضياء وابن النجار والقوصي، وحدث بمصر والقدس ودمشق وحران وبغداد، وكان أحد الأذكياء المضلعين (٣) من الآداب والطب وعلم الأوائل، إلا أن دعاويه كانت أكثر من علومه، وكان دميم (٤) الخلقة نحيلاً قليل لحم الوجه، وكان يتنقل في البلاد.
ومن كلامه: اللهم أعدنا من جموح الطبيعة، وشموس النفس الردية (٥) ، وسلس لنا مقار (٦) التوفيق، وخذ بنا في سواء الطريق، يا هادي العمي، يا مرشد
стр. 810
الضلال، يا محيي القلوب الميتة بالإيمان، خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، ونجنا من ردغة الطبيعة، وطهرنا من درن الدنيا الدنية بالإخلاص لك والتقوى، إنك مالك الدنيا والآخرة، سبحان من عم بحكمته الوجود، واستحق بكل وجه أن يكون هو المعبود، تلألأت بنور وجهك الآفاق، وأشرقت شمس معرفتك على النفوس إشراقاً وأي إشراق.
ومن تصانيفه: غريب الحديث، والمجرد منه، الواضحة في إعراب الفاتحة. كتاب الألف واللام. شرح بانت سعاد. ذيل الفصيح. خمس مسائل نحوية. شرح مقدمة ابن بابشاذ. شرح الخطب النباتية. شرح سبعين حديثاً. شرح أربعين حديثاً طبية. الرد على فخر الدين الرازي في تفسير سورة الإخلاص. وشرح نقد الشعر لقدامة. قوانين البلاغة (١) . الإنصاف بين ابن بري وابن الخشاب في كلامهما على المقامات. مسألة أنت طالق في شهر قبل ما بعد (٢) رمضان. كتاب قبسة العجلان في النحو. اختصار العمدة لابن رشيق مقدمة حساب. اختصار كتاب البيان (٣) . اختصار كتاب الحيوان (٤) . واختصر كتباً كثيرة في الطب، كتاب أخبار مصر الكبير. الإفادة في أخبار مصر. تاريخ يتضمن سيرته. مقالة في الرد على اليهود والنصارى. مقالة في النفس مقالة في العطش. مقالة في السقنقور. كتاب في العلم الإلهي. كتاب الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والالهي زهاء عشر مجلدات. شرح الراحمون يرحمهم الرحمن. اختصار الصناعتين للعسكري. اختصار مادة البقاء للتميمي. كتاب بلغة الحكيم. مقالة في الماء. مقالة في الحركات المعتاصة. مقالة في العادات. الكلمة في الربوبية. مقالة في حقيقة الدواء والغذاء.