خارج البستان، وإلا مهما كان طعام ذلك اليوم يحضره، فأحضر له ما اتفق حضوره له وقال: يا مولانا أنا ما أعلمتك بمجيئي، ولكن أنا مثل اليوم ضيفك، ولكن لا ألتقي هذه العمارة على هذه الصورة وشرع رتبها على ما أراد، وراح من عنده، فلم يشعر علاء الدين إلا بالمهندسين والصناع والفعول والمراكب قد أرست على زربيته بأنواع الأخشاب وآلات العمارة من الطوب وأفلاق النخل والجبس وكل ما يحتاج إليه، وأخذوا في هدم ذلك المكان وشرعوا في بنائه على ما قاله، ولم يأتي خمسة أيام إلا وقد تكمل ورخم وزخرف وفرغ منه، فلما كان قبل الميعاد بيوم جاء إليه مركب موسق بأنواع الغنم والإوز والدجاج الفائق والسكر والأرز وغيره وجميع ما يطبخ حتى المخافة والماعون الصيني والجبن ومن يقليه، فعمل الطعام الفايق المختلف، ومد السماط العظيم، ونزل كريم الدين ومعه من يختاره، فلما حضر مد السماط فأكل هو ومن معه، وأحضر أنواع الفاكهة والحلوى والمشروب. ولما فرغ من ذلك أحضر كريم الدين بقجة كبيرة، وأخرج منها ما يصلح للنساء من القماش الإسكندراني وغيره، وما يصلح لملبوس علاء الدين، وقال: هذه خمسة آلاف درهم يكسو بها مولانا عبيدة وجواره (١) على ما يراه، وهذا توقيع تصدق به مولانا السلطان على مولانا فيه زيادة معلوم دراهم وغلة وكسوة ولحم وجراية، ونزل ليركب، فنزل معه علاء الدين، فلما ركب وفارقه قال له: والله يا مولانا علاء الدين هذه الأشياء أفعلها طبعاً، وأنا لا أرجوك ولا أخافك، وكان قد صدق أخبار البرامكة.
ومن رياسته أنه كان إذا قال نعم فهي نعم وإذا قال لا فهي لا، وهذا تمام الرياسة. قدم من الثغر نوبة حريق القاهرة، ونسب إلى النصارى، فغوث به الغوغاء ورجموه، فغضب السلطان وقطع أيدي أربعة، ثم إنه مرض في ذلك العام الماضي قبل الواقعة، ولما عوفي زينت القاهرة وتزاحم الخلق واختنق رجل.
стр. 807
وكان قد ولي نظر البيمارستان المنصوري، فكان إذا دخل إليه تصدق بعشرة آلاف درهم.
وقيل شرب مرة دواء، فجمع كل ورد في القاهرة وحمل إلى داره، وبسط إلى كراسي بيت الماء، وداس الناس ما داسوه وأخذ ما فضل فأباعه الغلمان بثلاثة آلاف درهم.
وكان وقوراً عاقلاً ذا هيبة، جزل الرأي بعيد الغور، عمر بالزربية جامعاً وميضأة، وعمر في طرق الرمل البيارات، وأصلح الطرق، وعمر جامع القبيبات والقابون، ووقف عليهما؛ ثم انحرف عليه السلطان ونكبه، وأقام في بيت الأمير سيف الدين أرغون النايب ثلاثة أيام، وكان الأمير سيف الدين قجليس يروح إليه ويجي في الرسائل عن السلطان، ثم رسم بنزوله إلى القرافة، ثم أخرج إلى الشوبك ثم إلى القدس، ثم طلب إلى مصر وجهز إلى أسوان، وبعد قليل أصبح مشنوقاً بعمامته.
وكان يحترم العلماء، وسمع البخاري، وقيل إنه لما أحس بقتله صلى ركعتين وقال: هاتوا، عشنا سعدا، ومتنا شهدا.
وكان الناس يقولون: ما عمل أحد ما عمل السلطان مع كريم الدين، أعطاه الدنيا والآخرة، رحمه الله تعالى؛ وكانت واقعته سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
٢٩٩ - (١)
صدر الدين الخجندي
عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف بن ثابت بن الحسن الخجندي، أبو القاسم صدر الدين؛ كان يتولى الرياسة بأصبهان على قاعدة أجداده، وكانت له المكانة
стр. 808
عند السلاطين والملوك والعوام، وكان فقيهاً فاضلاً أديباً شاعراً صدراً مهيباً جليلاً نبيلاً حسن الأخلاق متواضعاً، سمع من أبي القاسم غانم بن خالد بن عبد الواحد التاجر وأبي الوقت عبد الأول السجزي وغيرهم.
قدم بغداد حاجاً في عددٍ كثير من أتباعه وأشياعه، وعقد مجلس الوعظ وأحسن وأجاد، وخلع عليه من الديوان، ولما عاد من الحج وصل إلى همذان (١) ودخل الحمام (٢) فأصابه فالج في الحمام فمات في الحال وحمل إلى أصبهان ودفن بها، سنة ثمانين وخمسمائة، ﵀.
ومن شعره:
بالحمى دار سقاها مدمعي (٣) ... يا سقى الله الحمى من مربع
ليت شعري والأماني ضلة ... هل إلى وادي الحمى من مرجع
أذنت علوة للواشي بنا ... ما على علوة لو لم تسمع
أو تحرت رشداً فيما وشى ... أو عفت عني فما القلب معي وقال:
رمانا يوم رامة طرف غاده ... تعود قتلنا والخير عاده
فذكرنا الصبا والعود رطب ... وثغر العيش يبسم عن (٤) رغاده
يشوش طيب عيشٍ كنت فيه ... رعى الله المشوش لو أعاده
روت عيني وقد كحلت بشوك ... أحاديث الصبابة عن قتاده
بطرفك والسقام وبي سقام ... ولكن لا علاج ولا عياده (٥)
стр. 809
(١) ٣٠٠
موفق الدين عبد اللطيف
عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن سعد، العلامة موفق الدين البغدادي الشافعي النحوي اللغوي المتكلم الطبيب الفيلسوف المعروف بابن اللباد؛ لقبه تاج الدين الكندي بالجدي المطجن لرقة وجهه وتجعده ويبسه. ولد ببغداد في أحد (٢) الربيعين سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي ببغداد سنة تسع وعشرين وستمائة.
سمعه أبوه من ابن البطي وأبي زرعة المقدسي وشهدة وجماعة، وروى عنه جماعة: المنذري والضياء وابن النجار والقوصي، وحدث بمصر والقدس ودمشق وحران وبغداد، وكان أحد الأذكياء المضلعين (٣) من الآداب والطب وعلم الأوائل، إلا أن دعاويه كانت أكثر من علومه، وكان دميم (٤) الخلقة نحيلاً قليل لحم الوجه، وكان يتنقل في البلاد.
ومن كلامه: اللهم أعدنا من جموح الطبيعة، وشموس النفس الردية (٥) ، وسلس لنا مقار (٦) التوفيق، وخذ بنا في سواء الطريق، يا هادي العمي، يا مرشد
стр. 810
الضلال، يا محيي القلوب الميتة بالإيمان، خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، ونجنا من ردغة الطبيعة، وطهرنا من درن الدنيا الدنية بالإخلاص لك والتقوى، إنك مالك الدنيا والآخرة، سبحان من عم بحكمته الوجود، واستحق بكل وجه أن يكون هو المعبود، تلألأت بنور وجهك الآفاق، وأشرقت شمس معرفتك على النفوس إشراقاً وأي إشراق.
ومن تصانيفه: غريب الحديث، والمجرد منه، الواضحة في إعراب الفاتحة. كتاب الألف واللام. شرح بانت سعاد. ذيل الفصيح. خمس مسائل نحوية. شرح مقدمة ابن بابشاذ. شرح الخطب النباتية. شرح سبعين حديثاً. شرح أربعين حديثاً طبية. الرد على فخر الدين الرازي في تفسير سورة الإخلاص. وشرح نقد الشعر لقدامة. قوانين البلاغة (١) . الإنصاف بين ابن بري وابن الخشاب في كلامهما على المقامات. مسألة أنت طالق في شهر قبل ما بعد (٢) رمضان. كتاب قبسة العجلان في النحو. اختصار العمدة لابن رشيق مقدمة حساب. اختصار كتاب البيان (٣) . اختصار كتاب الحيوان (٤) . واختصر كتباً كثيرة في الطب، كتاب أخبار مصر الكبير. الإفادة في أخبار مصر. تاريخ يتضمن سيرته. مقالة في الرد على اليهود والنصارى. مقالة في النفس مقالة في العطش. مقالة في السقنقور. كتاب في العلم الإلهي. كتاب الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والالهي زهاء عشر مجلدات. شرح الراحمون يرحمهم الرحمن. اختصار الصناعتين للعسكري. اختصار مادة البقاء للتميمي. كتاب بلغة الحكيم. مقالة في الماء. مقالة في الحركات المعتاصة. مقالة في العادات. الكلمة في الربوبية. مقالة في حقيقة الدواء والغذاء.
стр. 811
مقالة في التأذي بصناعة الطب. مقالة في الرواند. مقالة في الحنطة. مقالة في البحران. مقالة رد فيها على ابن رضوان في اختلاف جالينوس وأرسطو. كتاب يعقب حواشي ابن جميع على القانون. مقالة في الحواس. مقالة في الكلمة والكلام. كتاب السبعة. كتاب تحفة الآمل. كتاب الحكمة العلائية. كتاب الدرياق. حواشي على كتاب البرهان للفارابي. حل شيء من شكوك الرازي على كتب جالينوس. مقالة في ميزان الأدوية والأدواء من جهات الكيفيات. مقالة في تعقب أوزان الأدوية. مقالة أخرى في المعنى. مقالة في النفس والصوت والكلام. مقالة في تدبير الحرب. جواب مسألة سئل عنها في ذبح الحيوان وقتله وهل ذلك سائغ في الطبع وفي العقل كما هو سائغ في الشرع. مقالتان في المدينة الفاضلة. مقالة في العلوم الضارة. رسالة في الممكن. مقالة في الجنس والنوع. الفصول الأربعة المنطقية. تهذيب كلام أفلاطون. مقالة في كيفية استعمال النطق. مقالة في القياس. كتاب في القياس كبير يدخل في أربع مجلدات. السماع الطبيعي مجلدان. شرح الأشكال البرهانية مقالة في تزييف الشكل الرابع. مقالة في تزييف ما يعتقده ابن سينا. مقالة في القياسات المختلطات. مقلة في تزييف المقاييس الشرطية. مقالة في إبطال الكيمياء. عهد إلى الحكماء. كتاب القولنج. مقالة في البرسام. مقالة في الرد على ابن الهيثم. مقالة في اللغات وكيفية تولدها. مقالة في القدر.
أقام موفق الدين عبد اللطيف بمصر مدة، فلما توفي الملك العزيز توجه إلى القدس وأقام به مدة يشغل الناس بالجامع الأقصى، ثم توجه إلى دمشق ونزل بالعزيزية سنة أربع وستمائة، وكان يأتيه خلق كثير يشتغلون عليه في أصناف من العلوم، ثم سافر إلى حلب وقصد بلاد الروم وأقام بها سنين كثيرة في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام، وكان له منه الجامكية الوافرة والصلات المتواترة، وصنف باسمه
стр. 812
عدة مصنفات، ثم توجه إلى ملطية وعاد إلى حلب وتوفي ببغداد في التاريخ المذكور أول ترجمته، ﵀.
٣٠١ - (١)
ابن عبدون
عبد المجيد بن عبدون، أبو محمد الفهري؛ روى عن أبي عاصم بن أيوب وأبي مروان بن سراج والأعلم الشنتمري، وتوفي سنة عشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وكان أديباً شاعراً كاتباً مترسلاً، عالماً بالخبر والأثر ومعاني الحديث، أخذ الناس عنه، وله مصنف في الانتصار لأبي عبيد علي ابن قتيبة.
ومن شعره قصيدته الرائية التي رثى بها ملوك بني الأفطس وذكر فيها من أباده الحدثان، من ملوك كل زمان، وهي:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرةً ... عن نومةٍ بين ناب الليث والظفر
فلا يغرنك (٢) من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر
تسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
والدهر حرب وغن أبدى مسالمة ... والسود والبيض مثل البيض والسمر
ما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وغالتها يد الغير
هوت بدارا وفلت غرب قاتله ... وكان غضباً على الملاك ذا أثر
стр. 813
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
واتبعت أختها طسماً وعاد على ... عادٍ وجرهم منها ناقض المدر
وما أقالت ذوي (١) الهيآت من يمنٍ ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزقت سبأ (٢) في كل قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر
وأنفذت في كليب كلمها ورمت ... مهلهلاً (٣) بين سمع الأرض والبصر
ودوخت آل ذبيان وجيرتهم ... لخماً وعضت بني بدر على النهر
وما أعادت على الضليل صحته ... ولا ثنت أسداً عن ربها حجر
وألحقت بعدي بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعر
وبلغت يزد جرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر
ولم تكف مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعداً في انتها العمر
ومرغت جعفراً بالبيض واختلست ... من غيله جمرة الظلام للجزر
وأشرفت بخبيب فوق قارعةٍ ... والصقت طلحة الفياض بالعفر
وخضبت شيب عثمان دماً وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر
ولا رعت لأبي اليقظان (٤) صحبته ... ولم تزوده غير الضيح في الغمر
واجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمراً بخارجه ... فدت علياً بمن شاءت من البشر
وفي ابن هندٍ وفي ابن المصطفى حسنٍ ... أتت بمعضلة الألباب والفكر
فبعضنا قائل ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وأردت ابن زيادٍ بالحسين ولم ... يبؤ بشسعٍ له قد طاح أو ظفر
وعممت بالظبا فودي أبي أنس ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر
стр. 814
وأنزلت مصعباً من رأس شاهقة ... كانت به مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... رعت عياذته بالبيت والحجر
ولم تدع لأبي الذبان قائمةً ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد ابن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكاس والوتر
ولم تعد قضب السفاح نابية (١) ... عن رأس مروان أو أشياعه الفجر
وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم بفخ لآل المصطفى هدر
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت ... لجعفر في ابنه والأعبد الغدر
وأشرقت جعفراً والفضل ينظره ... والشيخ يحيي بريق الصارم الذكر
ولا وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر
وأوثقت في عراها كل معتمد ... وأشرقت بقذاها كل مقتدر
وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر
بني المظفر والأيام ما برحت ... مراحلا (٢) والورى منها على سفر
سحقاً ليومكم يوماً ولا حملت ... بمثله ليلة في سالف (٣) العمر
من للأسرة أو من للأعنة أو ... من للسماحة أو للنفع والضرر
أو دفع كارثةٍ أو قمع رادفة ... أو ردع حادثة تعيي على القدر
ويح السماح وويح البأس لو سلما ... وحسرة الدين والدنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزى إليهم سماحاً لا إلى المطر
ومر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر
أين الجلال الذي غضت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر
أين الرواء الذي أصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدر
стр. 815
على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقبٍ للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها طمع ... والدهر ذو عقبٍ شتى وذو غير وقد سلك مسلك هذه القصيدة أبو جعفر الأعيمي فقال قصيدة أولها:
قفا حدثاني عن فلٍ وفلان ... لعلي أرى باقٍ على الحدثان وهي مذكورة في ترجمته (١) .
ومن شعر ابن عبدون:
وافاك من فلق الصباح تبسم ... وانساب من غسق الظلام تهجم
والليل ينعى بالأذان وقد شدا ... بالأيك طير البانة المترنم
ودموع طل الليل تخلق أعيناً ... يرنو بها من ماء دجلة أرقم وقال أيضاً (٢) :
مضوا يظلمون الليل لا يلبسونه ... وإن كان مسكي الجلابيب ضافيا
يؤمون بيضاً في الأكنة لم تزل ... قلوبهم حباً عليها أداحيا
وأغربة الظلماء تنفض فيهم ... قوادمها مسلولة والخوافيا
إذا مرقوا من بطن ليل رقت بهم ... إلى ظهر يوم عزمة هي ما هيا
وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجى ... إليها كماةً (٣) والرياح مذاكيا
ولو أنها صلت لكان إمامها ... ثنا عمر في فحمة الليل هاديا
همام أقام الحرب وهي قعيدة (٤) ... وروى القنا فيها وكانت صواديا
شريف المطاوي تحت ختم ضلوعه ... تميمة تقوى ردت الدهر صاديا
إذا قرئت لا بالنواظر طابقت ... سرى أختها ذات البروج مساعيا
стр. 816
وهدي لو استشفى المحب (١) بروحه ... لما كان بالوجد المبرح صاليا
ورقة طبعٍ لو تحلى بها الهوى ... لأعدى على عصر الشباب البواكيا
إليك أكلت الأرض بالعيس ثائراً ... وقد أكلت منها الذرى والحواميا
حوافي لا ينعلن والبعد آذن ... على نفسه إلا الوجى والدياجيا
فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديا ... إليه (٢) ولم تسمع سوى الشكر حاديا
ألكني ألكني والسيادة بيننا ... إلى مولعٍ بالحمد يشريه غاليا
إلى آمر في الدهر ناهٍ إذا قضى ... على كل من فيه أطاعوه قاضيا
وحيوه لا راجين منه تحيةً ... وإن كان جواداً لا يخيب راجيا
إليك ابن سيفي يعرب زف خاطري ... عقائل لا ترضى البروج مغانيا
وإني لأستحيي من المجد أن أرى ... علي لمأمول سواك أياديا
وإني وقد أسلفتني قبل وقته ... من البر ما جازت خطاه الأمانيا
وأيقظت من قدري وما كان نائماً ... وأبعدت من ذكري وما كان دانيا
ولكن نبا من جنس ذكرك في يدي ... أظن حساماً لم يجد فيه نابيا
ولو لم يكن ما خفت لا خفت لم أجد ... على غير ما أخدمتنيه اللياليا
إلى من إذا لم تشكني أنت والعلا ... أكون لما ألقى من الدهر شاكيا
وأنت على رفعي ووضعي حجة ... فكن بي على أولاهما بك جازيا
وكون مكاني من سمائك عاطلاً ... ولولا مكاني الدهر ما كان خاليا
فرد المنى خضراً ترف غصونها ... بمبسوطةٍ تندى ندىً وعواليا (٣)
عوالٍ إذا ما الطعن هز جذوعها ... تساقطت الهيجا عليك معاليا
وعاون على استنجاز طبعي بهبة ... ترقص في ألفاظهن المعاليا
وعز على العلياء أن تلقي العصا ... مقيماً بحيث البدر ألقى المراميا
стр. 817
ومن قام رأي ابن المظفر بينه ... وبين الليالي نام عنهن لاهيا وقال أيضاً:
سقاها الحيا من مغانٍ فساح ... فكم لي بها من معانٍ فصاح
وحلى أكاليل تلك الربى ... ووشى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بها ... وجري فيها ذيول المراح (١)
فكم لي في اللهو من طيرةٍ ... إليها بأجنحة الإرتياح
ونوم على حبرات الرياض ... تجاذب بردي أيدي الرياح
وليلٍ كرجعة طرف المريب ... لم أدره شفقاً من صباح
كعمر عداتك يوم الندى ... وعمر عداتك يوم الكفاح
إليك رمى أملي بي ولا ... هوي مصفقةٍ بالرياح
إذا عمر هطلت كفه ... فلا حملت سحب من رياح وقال أيضاً:
وما انس بين النهر والقصر وقفةً ... نشدت بها ما ضل من شارد الحب
رميت بلحظي دمية سنحت به ... فلم أنتبه إلا ومحرابها قلبي ٣٠٢ (٢)
ابن حمود الحلبي
عبد المحسن بن حمود بن عبد المحسن ابن علي، أمين الدين التنوخي
стр. 818
الحلبي الكاتب المنشء البليغ؛ ولد سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
رحل وسمع بدمشق من حنبل وابن طبرزد والكندي وغيرهم، وعني بالأدب، جمع كتاباً في الأخبار والنوادر في عشرين مجلد (١) روى فيه بالسند، وله ديوان شعر، وديوان ترسل، وكتاب مفتاح الأفراح في امتداح الراح وكتب لصاحب صرخد عز الدين أيبك ووزر له، وكان ديناً خيراً كامل الأدوات، ومن شعره:
اشتغل بالحديث إن كنت ذا فه ... م ففيه المراد والإيثار
وهو العلم معلم وبه بي ... ن ذوي الدين تحسن الآثار
إنما الرأي والقياس ظلام ... والأحاديث للورى أنوار
كن بما قد علمته عاملاً فال ... علم دوح منهن تجنى الثمار
وإذا كنت عالماً وعليماً ... بالأحاديث لن تمسك نار وقال يعاتب صديقاً له:
سألتك حاجةً ووثقت فيها ... بقول نعم وما في ذاك عاب
ولم أعلم بأني من أناسٍ ... ظموا قبلي وغرهم السراب وقال في المعنى:
ظننت به الجميل فجئت أرضا (٢) ... إليه كهمتي طولاً وعرضا
فلما جئته ألفيت شخصاً ... حمى عرضاً له وأباح عرضا وقال أيضاً:
كأنما نارنا وقد خمدت ... وجمرها بالرماد مستور
стр. 819
دم جرى من فواختٍ ذبحت ... من فوقه ريشهن منثور وقال أيضاً:
أتانا بكانون يشب ضرامه ... كقلب محب أو كصدر حسود
كأن احمرار النار من تحت فحمه ... خدود عذارى في معاجر سود وقال في غلام جميل الصورة لابس أصفر:
قد قلت لما أن بصرت به ... في حلة صفراء كالورس
أو ما كفاه أنه قمر ... حتى تدرع حلة الشمس وقال:
أقول لنفسي حين نازل لمتي ... مشيبي ولما يبق غير رحيلي
أيا نفس قد مر الكثير فأقصري ... ولا تحرصي لم يبق غير قليل
ولا تأملي طول البقاء فإنني ... وجدت بقاء الدهر غير طويل وقال:
بالله هل يا ملول ... إلى الوصال وصول؟
أم هل إلى سلسبيلٍ ... من ريق فيك سبيل
صلني فماذا التجافي ... من ذا الجمال جميل
حالت (١) لبعدك حالي ... ولست عنك أحول
قضى اعتدالك فينا ... أن ليس عنك عدول
ما مال قدك إلا ... علي ظلماً يميل
فهل شمائل ريح ... مرت به أم شمول
إن كنت تنكر أني ... بمقلتيك قتيل
فها دمي كاد من خد ... ك الأسيل يسيل
стр. 820
وذا الدلال على ما ... بي من هواك دليل
لكن يهون على الغم ... ر في الهوى ما يهول ٣٠٣ (١)
تقي الدين الاسنائي
عبد الملك بن الأعز بن عمران الثقفي (٢) الأسنائي؛ كان أديباً شاعراً، قرأ النحو والأدب على الشمس الرومي، وله ديوان شعر.
قال كمال الدين جعفر الأذفوي: اجتمعت به كثيراً، وكان متهماً بالتشيع، وتوفي باسنا سنة سبع وسبعمائة، ومن شعره ﵀ (٣) :
جفوني ما تنام ... إلا لعلي أن أراك
فزر قد براني الشوق ... يا غصن الأراك
وطرفي ما رأى مثلك ... وقلبي قد حواك
فهو لك لم يزل مسكن ... فسبحان الذي (٤) أسكن
وحسنك كم به أفتن ... وما قصدي سواك
حبيبي آه ما أحلى ... هواني في هواك
فخلي الصد والهجران ... ولا تسمع ملام
وصلني يا قضيب البان ... ففي قلبي ضرام
стр. 821
وجد للهائم الولهان ... يا بدر التمام
وزر يا طلعة البدر ... ودع يا قاتلي هجري
وأرفق قد فني صبري ... وعد ايام وفاك
واسمح أن أقبل يا ... مليح بالله فاك
إذا ما زاد بي وجدي ... ولا ألقى معين
وصار دمعي على خدي ... كما الماء المعين
أفكر ألتقيك عندي ... يطيب قلبي الحزين
لأنك نزهة الناظر ... وشخصك في الضمير حاضر
وحبي فيك بلا آخر ... وقولي قد كفاك
فجد واعدل وصل واوصل ... رضائي من رضاك
جبينك يشبه الاصلاح ... بنور قد هدى
وريقك من رحيق الراح ... به يروى الصدى
وخدك يبهر التفاح ... مكلل بالندى
سباني لونه القاني ... فخلاني كئيب عاني
تجافى النوم أجفاني ... فهل عيني تراك
فذاك اليوم فيه خدي ... أعفر في ثراك
عذولي لا تطل واقصر ... ودع صب كئيب
تأمل من هويت وابصر ... إلى وجه الحبيب
وكن يا صاح مستبصر ... ترى شيئاً عجيب
ترى من حسنه مبدع ... كبدر التم إذ يطلع
تحير لم تدر ما تصنع ... ولا تعرف هداك
وتبقى مفتكر حيران ... إلا إن هداك
стр. 822
٣٠٤ - (١)
عبد الملك ابن صالح
عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أبو عبد الرحمن الأمير؛ ولي المدينة والصوائف للرشيد، ثم ولي الشام والجزيرة للأمين وتوفي سنة ست وتسعين (٢) ومائة، وحدث عن أبيه ومالك بن أنس.
وكان أفصح الناس وأخطبهم، ولم يكن في عصره مثله في فصاحته وصيانته وجلالته، قيل ليحيى بن خالد البرمكي وقد ولى الرشيد عبد الملك المدينة: كيف ولاه المدينة من بين أعماله؟ قال: أحب أن يباهي به قريشاً، ويعلمهم أن في بني العباس مثله.
ودخل على الرشيد يوماً وقد توفي له ولد وجاءه ولد، فقال: يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءت، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه، جزاء للشاكر، وثواباً للصابر.
وقيل له إن أخاك عبد الله يزعم أنك حقود، فقال:
إذا ما امرؤ لم يحقد الوتر لم تجد ... لديه لدى النعما (٣) جزاءً ولا شكرا ووجه إلى الرشيد فاكهة في أطباق الخيزران وكتب إليه: أسعد الله أمير المؤمنين وأسعد به، دخلت إلى بستان لي أفادنيه كرمك، وعمرته لي نعمك، قد أينعت أشجاره، وآنت ثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين من
стр. 823
كل شيء شيئاً على الثقة والإمكان، في أطباق القضبان، ليصل إلي من بركة دعائه، مثل ما وصل إلي من كثرة عطائه. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، لم أسمع بأطباق القضبان، فقال الرشيد: يا أبله، إنه كنى عن الخيزران إذ كان اسماً لأمنا.
ولما ودعه الرشيد وقد توجه (١) إلى الشام، قال له الرشيد: ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، بيني وبينك بيت يزيد بن الطثرية (٢) حيث يقول:
فكوني على الواشين لداء شغبةً ... كما أنا للواشي ألد شغوب ثم إن الرشيد جعل ابنه القاسم في حجر عبد الملك بن صالح، فقال عبد الملك يحض (٣) الرشيد على أن يوليه العهد بعد أخويه الأمين والمأمون:
يا أيها الملك الذي ... لو كان نجماً كان سعدا
للقاسم اعقد بيعةً ... وأقد له في الملك زندا
الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا فجعله الرشيد ثالثهما.
ثم وشى به بعد ذلك الناس، وتتابعت الأخبار عنه بفساد نيته للرشيد، فدخل عليه في بعض الأيام وقد امتلأ قلب الرشيد فقال له: أكفراً بالنعمة وغدراً بالإمام؟ فقال عبد الملك: قد بؤت إذاً بأعباء الذم (٤) واستحلال (٥) النقم، وما ذاك يا أمير المؤمنين إلا بغي حاسدٍ نافسٍ فيك وفي تقديم الولاية ومودة
стр. 824
القرابة؛ يا أمير المؤمنين إنك خليفة رسول الله ﷺ في أمته، وأمينه على عترته، لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها والتثبت في حادثها، فقال الرشيد: هذا قمامة كاتبك يخبر بفساد نيتك وسوء سيرتك، ثم أمر بإحضاره، وقال له الرشيد: تكلم غير خائف ولا هائب، فقال: أقول: إنه عازم على الغدر بك يا أمير المؤمنين والخلاف عليك، فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب علي من خلفي من يبهتني في وجهي؟ فقال الرشيد: فهذا عبد الرحمن ابنك يقول بقول كاتبك ويخبر عن سوء ضميرك وفساد نيتك، وأنت لو أردت أن تحتج بحجة لم تجد أعدل من هذين فقال: يا أمير المؤمنين، عبد الرحمن بين مأمورٍ أو عاق، فإن كان مأموراً فمعذور، وغن كان عاقاً فهو عدو أخبر الله بعداوته وحذر منها فقال جل ثناؤه في محكم كتابه: " إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم " فنهض الرشيد فقال: أما أمرك فقد وضح، ولكن لا أعجل حتى أعلم ما الذي يرضي الله فيك فإنه الحكم بيني وبينك، فقال عبد الملك: رضيت الله حكماً وبأمير المؤمنين حاكماً، فإني أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه، وأمر الله على رضاه.
ثم إنه دخل عليه في مجلس آخر وسلم فلم يرد عليه الرشيد، فلم يزل يعتذر ويحتج لنفسه بالبراءة حتى اقبل عليه بوجهه وقال: ما أظن الأمر إلا كما قلت يا أبا عبد الرحمن، فأنت محسد، وأمير المؤمنين يعلم أنك على سريرة صالحة غير مدخولة ولا خسيسة. ثم دعا عبد الملك بشربة ماء، فقال له الرشيد: ما شرابك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: سحيق الطبرزد بماء الرمان، فقال: بخ بخ عضوان لطيفان يذهبان الظمأ ويلذان المذاق، فقال عبد الملك: صفتك لهما يا أمير المؤمنين ألذ من فعلهما.
ثم إن الرشيد تنكر له بعد ذلك فحبسه عند الفضل بن الربيع، ولم يزل محبوساً حتى توفي الرشيد، فأطلقه الأمين وعقد له بالشام، وجعل للأمين
стр. 825
عهد الله وميثاقه لئن قتل وهو حي لا يعطي للمأمون طاعة، فمات قبل قتل الأمين ودفن في دار الإمارة بالرقة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن عبد الملك: حول أباك من داري، فنبشت عظامه وحولت. وكتب إلى الرشيد وقد تغير عليه (١) :
أخلاي لي شجو وليس لكم شجو ... وكل امرئ من شجو صاحبه خلو
من أي نواحي الأرض أبغي رضاكم ... وأنتم أناس ما لمرضاتكم نحو
فلا حسن نأتي به تقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندكم عفو فلما وقف عليها قال: والله إن كان قالها فقد أحسن، وإن كان رواها فقد أحسن:
وكتب إليه من السجن:
قل لأمير المؤمنين الذي ... يشكره الصادر والوارد
يا واحد الأملاك في فضله ... ما لك مثلي في الورى واحد
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... حقاً كما قد زعم الحاسد
فلا يضق عفوك عني فقد ... فاز به المسلم والجاحد ومن شعره وهو في السجن:
لئن ساءني سجني لفقد أحبتي ... وأني فيهم لا أمر ولا أحلي
لقد سرني عزي بترك لقائهم ... وما أتشكى من حجابي ولا ذلي ولما أخرجه الأمين من السجن دفع إليه كاتبه وابنه، فقتل كاتبه، وهشم وجه ابنه بعمود، رحمه الله تعالى.
стр. 826
٣٠٥ - (١)
عبد الملك بن مروان
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، أمير المؤمنين؛ بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير، وبقي على مصر والشام وابن الزبير على باقي البلاد مدة سبع سنين، ثم غلب عبد الملك على العراق وبقية البلاد، وقتل ابن الزبير، واستوسق الأمر له.
كان عابداً ناسكاً بالمدينة، وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين. قال ابن سعد: واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن ست عشرة سنة (٢) ، وسمع عثمان وأبا هريرة وأبا سعيد وأم سلمة وابن عمر ومعاوية؛ وأول من سمي عبد الملك في الإسلام عبد الملك ابن مروان.
قال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب وعبد الملك بن مروان (٣) وعروة ابن الزبير وقبيصة بن ذؤيب.
وعن ابن عمر قال: ولد الناس أبناء، وولد مروان آباء (٤) .
وقال يحيى بن سعيد: أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك ابن مروان.
وقال ابن عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك (٥) .
стр. 827
وكان له سبعة عشر ولداً (١) ، ومات في شوال سنة ست وثمانين (٢) للهجرة. وكان يلقب برشح الحجر لبخله، وكان ربعة أبيض، ليس بالبادن ولا النحيف، مقرن الحاجبين كبير العينين مشرف الأنف كثير الشعر مفتوح الفم مشبك الأسنان بالذهب، أبخر، كان يلقب أبا الذبان يزعمون أن الذبانة إذا مرت بفيه ماتت لشدة بخره.
ولد يوم بويع (٣) عثمان بن عفان، وكان مدة ملكه إحدى (٤) وعشرين سنة، ولما مات صلى عليه ابنه الوليد.
وفي أيامه حولت الدواوين إلى العربية، ونقشت الدنانير والدراهم بالعربية سنة ست وسبعين، وكان على الدنانير قبل ذلك كتابة بالرومية، وعلى الدراهم كتابة بالفارسية.
كتب إلى الحجاج مرة: قد بلغني عنك إسراف في القتل وتبذير في المال وهاتان خلتان لا أحتمل عليهما أحداً، وقد حكمت عليك في العمد بالقود، وفي الخطأ بالدية، وفي الأموال أن تردها إلى مواضعها، وكتب في آخرها:
وإن تر مني غفلةً قرشيةً ... فيا ربما قد غص بالماء شاربه
وإن تر مني غضبةً أمويةً ... فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه
سأملي لذي الذنب العظيم كأنني ... أخو غفلة عنه وقد جب غاربه
فإن كف لم أعجل عليه وإن أبى ... وثبت عليه وثبةً لا أراقبه ولما قتل عمر بن سعيد بن العاص خطب الناس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأفون، ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه
стр. 828
الأموال، ألا وإني لا أداهن هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، تكلفوننا (١) أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون من أعمالهم، فلن تزدادوا إلا اجتراحاً ولن تزدادوا إلا عقوبة، وهذا حكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بالسيف هكذا، ألا وإنا نحتمل كل شيء إلا وثوباً على منبر أو نصب راية، ألا وإن الجامعة (٢) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله غلا جعلتها في عنقه، ثم لا تخرج نفسه إلا صعداً.
وزادوا فيها: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل فركب ناقة وأخذ بزمامها وقال:
فصحت ولاشلت وضرت عدوها ... يمين أراقت مهجة ابن سعيد قيل إن صحت هذه الزيادة التي في هذا الخبر فعبد الملك بم مروان أول من نهى عن المعروف في الإسلام، وهو أول من غدر في الإسلام، لأن والده عهد لعمرو بن سعيد بن العاص فقتله عبد الملك، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس قبله يراجعون الخلفاء ويعترضون عليهم فيما يفعلون، وهو أول خليفة بخل.
стр. 829
٣٠٦ - (١)
أبو الفضل ابن النطروني
عبد المنعم بن عبد العزيز بن أبي بكر بن عبد المؤمن، أبو الفضل القرشي العبدري المعروف بابن النطروني الإسكندري؛ قدم بغداد وأقام بها، ومدح الإمام الناصر بعدة قصائد، وكان فقيهاً مالكياً أديباً حسن الشيبة حسن السمت، ورتب شيخا برباط العميد بالجانب الغربي ثم نفذ رسولاً من الديوان إلى يحيى ابن غانية الميورقي فأقام هناك مدة طويلة، وولده عبد العزيز ينوبه، ثم عاد وقد حصل له مال طائل، ورتب ناظر البيمارستان العضدي، وتوفي سنة ثلاث وستمائة، ﵀.
ومن شعره:
باتت تصد عن الكرى (٢) ... وتقول: كم تتغرب
إن الحياة مع القنا ... عة والمقام لأطيب
فأجبتها: يا هذه ... غيري بقولك يخلب
إن الكريم مفارق ... أوطانه أو يجدب
والبدر حين يشينه ... نقصانه يتغيب
لا يرتقي درج العلا ... من لا يجد ويتعب وقال أيضاً:
يا ساحر الطرف ليلي ما له سحر ... وقد أضر بجفني بعدك السهر
стр. 830
يكفيك مني إشارات بعين ضنى (١) ... لم يبق مني به عين ولا أثر
أعاذك الله من شر الهوى فلقد ... أذكى على كبدي ناراً لها شرر
غررت فيه بروحي بعدما علمت ... أن السلامة من أسبابه غرر
وكان عذباً عذابي في بدايته ... فصار في الصبر طعماً دونه الصبر
ولست أدري وقد مثلت شخصك في ... قلبي المشوق أشمس أنت أم قمر
ما صور الله هذا الحسن في بشرٍ ... وكان يمكن أن لا تعبد الصور
من لي برد غدياتٍ بذي سلمٍ ... حيث النسيم عليل والثرى عطر
والنور يضحك في وجه السحاب إذا ... أبدى عبوساً وأبكى جفنه المطر
والورق تدرع الأوراق إن نظرت ... سهام قطر بذاك القطر تنحدر
وللغصون مناجاة (٢) إذا سمعت ... من النسيم أحاديثاً (٣) لها خطر
ما كنت أحسب أن العيش يخلف ما ... قد كان من صفوه فيما مضى كدر
ولا تخيلت أن الساكنين ربى ... نجدٍ تغيرهم من بعدنا الغير
ما حرموا غير وصلي في محرمهم ... وحان (٤) في صفرٍ ما بيننا سفر
واحر قلباه إن لم يدن لي وطن ... عما قليل وإن لم يقض لي وطر
لو كنت يا بين تدري ما صنعت بنا ... لكنت في عاجل الأحوال تعتذر
стр. 831
٣٠٧ - (١)
الجلياني
عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن أحمد بن خضر بن مالك بن حسان، أبو الفضل حكيم الزمان الجلياني الغساني الأندلسي؛ كان أديباً فاضلاً طبيباً حاذقاً، له معرفة بعلوم الباطن، وكلام على طريق القوم، وكان مليح السمت حسن الأخلاق، رحل من الأندلس ودخل بغداد، وروى عنه محب الدين ابن النجار، ومدح السلطان صلاح الدين الكبير؛ مولده سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وتوفي سنة اثنتين وستمائة بدمشق، ﵀.
قال ابن أبي أصيبعة: كان علامة زمانه في صناعة الطب والكحل، بارعاً في الأدب وصناعة الشعر، وعمر طويلاً، وكان له حانوت في اللبادين لصناعة الطب، وكان السلطان صلاح الدين برى له ويحترمه، وله فيه مدائح كثيرة، وصنف له كتباً، وكان يعاني صناعة الكيمياء، وله عشرة (٢)
стр. 832
دواوين: الأول ديوان الحكم ومنثور الكلم، الثاني ديوان المشوقات إلى الملأ الأعلى، الثالث ديوان أدب السلوك، الرابع ديوان نوادر الحي، الخامس تحرير النظر، السادس سر البلاغة وصناعة البديع، السابع ديوان المبشرات، الثامن ديوان الغزل والنسيب والموشحات والذوبيت، السابع ديوان تشبيهات وألغاز ورموز وأحاجي وأوصاف وخمريات، العاشر ديوان ترسل ومخاطبات، وله أيضاً كتاب منادح الممادح وروضة المآثر والمفاخر في خصائص الملك الناصر.
ومن شعره:
كليني لكر الخيل يا أم مالكٍ ... فما الأين (١) إلا في متون الصواهل
فبحر الوغى لولا السوابح صادرت ... بنا لجة لم نحظ منها بساحل
فلا تخطبي يا هند لي غادةً سبت ... بنطق وشاح أو بصمت خلاخل (٢)
فليست ذيول فوق حجلٍ تروقني ... ولكن خيول تحت سحب قساطل
فلا هلك إلا في نحور نواهد ... ولا ملك إلا في صدور عوامل
ولا ملك يأتي كيوسف (٣) آخراً ... كما لم يجىء مثل له في الأوائل
فتىً ركب الأهوال خيلاً سروجها ... عزائم شدت للثبات بكاهل ومنه:
فأبخس شيء (٤) حكمة عند جاهل ... وأهون شيء فاضل عند ظالم
فلو زفت الحسناء للذئب لم يكن ... يرى قربها إلا لأكل المعاصم ومنه:
أؤمل لقياكم وإن شطت النوى ... وأزجر قرباً في مرور السوانح
стр. 833
ويذكي اشتياقي زند تذكار عهدكم ... وما الشوق إلا بعض نار الجوانح ومنه:
قالوا: نرى نفراً عند الملوك سموا ... وما لهم همة تسمو ولا ورع
وأنت ذو همةٍ في الفضل عالية ... فلم ظمئت وهم في الجاه قد عركوا؟
فقلت: باعوا نفوساً واشتروا ثمناً ... وصنت نفسي فلم أخضع كما خضعوا
قد يكرم القرد إعجاباً بخسته ... وقد يهان لفرط النخوة السبع وقال أيضاً:
بذلت وقتاً للطب كي لا ... ألقى بني الملك بالسؤال
وكان وجه الصواب في أن ... أصون نفسي بلا ابتذال
لا بد للجسم من قوامٍ ... فخذه من جانب اعتدال
واقرب من (١) العز في اتضاع ... واهرب من الذل في المعالي ٣٠٨ (٢)
شرف الدين الدمياطي
عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف، الشيخ الإمام البارع الحافظ
стр. 834
النسابة المجود الحجة، علم المحدثين عمدة النقاد، شرف الدين الدمياطي الشافعي، صاحب التصانيف؛ مولده بتونة قرية من عمل تنيس، ولد عام ثلاثة عشر وستمائة، ووفاته في خامس عشر ذي القعدة سنة خمس وسبعمائة، ودفن بمقبرة باب النصر خارج القاهرة (١) .
وكان منشؤه بدمياط، وتميز في المذهب وقرأ القرآن وطلب الحديث وقد صار له ثلاث وعشرون سنة، فسمع بالإسكندرية في سنة ست وثلاثين من أصحاب السلفي، ثم قدم القاهرة وعني بهذا الشأن رواية ودراية، ولازم الحافظ زكي الدين حتى صار معيده، وحج سنة ثلاث وأربعين وسمع بالحرمين، وارتحل إلى الشام سنة خمس وأربعين، وارتحل إلى الجزيرة والعراق مرتين، وكتب العالي والنازل، وصنف وحدث وأملى في حياة كبار مشايخه، وكان مليح الهيئة، حسن الأخلاق بساماً فصيحاً نحوياً لغوياً مقرئاً سريع القراءة، جيد العبارة كثير التفنن، جيد الكتب مكثراً مفيداً، حسن المذاكرة حسن العقيدة، كافاً عن الدخول في الكلام.
سمع من ابن المقير ويوسف بن عبد المعطي المخيلي والعلم ابن الصابوني وابن العليق وابني قميرة وموهوب ابن الجواليقي وهبة الله بن محمد بن مفرج الواعظ وشعيب ابن الزعفراني وابن رواج وابن رواحة وابن الجميزي والرشيد ابن سلمة ومكي (٢) بن علان، وسمع من أصحاب السلفي وشهدة وابن عساكر وخلق من أصحاب ابن شاتيل والقزاز وابن بري النحوي وابن كليب وأصحاب ابن طبرزد وحنبل والبوصيري والخشوعي. وكتب عنه طائفة منهم الصاحب كمال الدين ابن العديم وأبو الحسين اليونيني والقاضي علم الدين الاخنائي والشيخ علاء الدين القونوي والشيخ أثير الدين أبو حيان وفتح الدين ابن سيد الناس والمزي
стр. 835
وقاضي القضاة تقي الدين السبكي وفخر الدين النويري وخلق كثير من الرحالين، وطال عمره وتفرد بأشياء، وحمل عن الصغاني عشرين مجلداً من تصانيفه في الحديث واللغة، وسكن دمشق مدة وأفاد أهلها، وتحول إلى مصر ونشر بها علمه، وكان موسعاً عليه في الرزق، وله حرمة وجلالة، وولي مشيخة الظاهرية بين القصرين.
ومن تصانيفه: كتاب الصلاة الوسطى مجلد لطيف، كتاب الخيل مجلد. قبائل الخزرج مجلد. العقد المثمن فيمن اسمه عبد المؤمن مجلد. الأربعون المتباينة. الإسناد في حديث أهل بغداد مجلد. مشيخة تشهد له بالحفظ والعلم. مختصر السيرة النبوية. وما زال يسمع الحديث إلى أن مات فجأة في ذي القعدة، وصلي عليه بدمشق غائباً، رحمه الله تعالى.
٣٠٩ - (١)
صفي الدين المغني
عبد المؤمن بن فاخر، صفي الدين؛ قال العز الإربلي الطبيب: كان كثير الفضائل، ويعرف علم كثير (٢) منه العربية ونظم الشعر، وعلم الإنشاء كان في غاية، وعلم التاريخ وعلم الخلاف وعلم الموسيقى، ولم يكن في زمانه من يكتب المنسوب مثله، وفاق فيه الأوائل والأواخر، وبه تقدم عند الخليفة، وكانت آدابه كثيرة وحرمته وافرة وأخلاقه حسنة، واجتمعت به في مدينة
стр. 836
تبريز في سنة تسع وثمانين وستمائة، وأخبرني قال: وردت بغداد صبياً، وأثبت فقيهاً بالمستنصرية شافعياً أيام المستنصر، واشتغلت بالمحاضرات والأدب والعربية وتجويد الخط، لكني اشتهرت بالخط، ولم أعرف بغيره في ذلك الوقت، ثم إن الخلافة وصلت إلى المستعصم فعمر خزانة كتب وأمر أن يختار لها كاتبان يكتبان ما يختاره، ولم يكن في ذلك الوقت أفضل من الشيخ زكي الدين وكنت دونه في الشهرة، فرتبنا في ذلك، ولم يعلم الخليفة أنني أحسن ضرب العود، وكان ببغداد مغنية تعرف بلحاظ فائقة الجمال تغني جيداً، فأحبها الخليفة وأجزل لها العطاء، فكثر خدامها وجواريها وأملاكها، فاتفق أن غنت يوماً بين يديه بلحن طيب غريب، فسألها عنه، فقالت: هذا لمعلمي صفي الدين، فقال: علي به، فأحضرت بين يديه وضربت بالعود فأعجبه، وأمرني بملازمة مجلسه، وأمر لي برزق وافر جزيل، غير ما كان ينعم به علي، وصرت أسفر بين يديه وأقضي للناس الحوائج، وكان لي مرتب في الديوان كل سنة خمسة آلاف دينار يكون عنها دراهم مبلغ ستين ألف درهم، وأحصل في قضاء أشغال الناس مثلها وأكثر. وحضرت بين يدي هولاكو وغنيته، فأضعف ما كان لي في أيام المستعصم، واتصلت بخدمة علاء الدين عطا ملك الجويني وأخيه شمس الدين ووليت في أيامها كتابة الإنشاء ببغداد، ورفعاني (١) إلى رتبة المنادمة وضاعفا علي الإنعام والإحسان، وبعد موت علاء الدين وقتل شمس الدين زالت سعادتي، وتقهقرت إلى ورا في رزقي وعمري وعيشي، وعلتني الديون، وصار لي أولاد وأولاد أولاد، وكبرت سني وعجزت عن السعي.
قال الشريف صفي الدين ابن الطقطقي: مات صفي الدين عبد المؤمن محبوساً على دين لمجد الدين غلام ابن الصباغ مبلغه ثلثمائة دينار، وكانت وفاته
стр. 837
ثامن عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ﵀، وكان ينفق ماله على الملاذ، ويبالغ في عمل الحضرات البديعة، وكان يكون ثمن الفاكهة والخضرة أربعمائة درهم، وكان يتنعم كثيراً، عفا الله عنه (١) .
٣١٠ - (٢)
ابن الفقيه الموصلي
عبد الواحد بن إبراهيم بن الحسن بن نصر الله بن عبد الواحد، أبو منصور المعروف بابن الفقيه؛ ولد بالموصل سنة إحدى وستين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وثلاثين وستمائة، سمع من أبي (٣) الفضل ابن الطوسي حضوراً، وكتب الخط المليح وقال الشعر، وروى عنه محب الدين ابن النجار، وأورد له، رحمه الله تعالى:
نفسي الفداء لمن سميري ذكره ... وحشاشتي في أسره ووثاقه
رشأ لو أن البدر قابل وجهه ... في تمه لكساه ثوب محاقه
ينآد ليناً قده فكأن ... غصن الأراك يميس في أوراقه
فمعاطف الأغصان في أثوابه ... ومطالع الأقمار من أزياقه
في ريقه طعم السلاف ولونها ... في خده واللطف في أخلاقه
غفل الرقيب فزارني فوشى به ... في ليل طرته سنا إشراقه
يشكو إلي غرامه وأبثه ... وجدي وما لاقيت من اشواقه
حتى إذا ما الليل مد رواقه ... وقضى يجمع الشمل بعد فراقه
стр. 838
هجم الصباح على الدجى بحسامه ... فظننت أن الصبح من عشاقه وأورد له أيضاً:
ما هب من أرض العراق نسيم ... إلا دعاني للغرام غريم
فإلام ويك تلوم جهلاً بالهوى ... قصر فإفراط الملامة لوم
أنى يحل العذل من سمعي وفي ... قلبي لتكرار الكلام كلوم؟
يا أيها القمر الذي لم يخل من ... يهواه من لاحٍ عليه يلوم (١)
إن العذول على هواك أعده ... من حاسدي ولا أقول رحيم
فإلام أحمل ثقل هجرك والهوى ... والهجر حامل ثقله مرحوم
وإلى متى أرعى النجوم تعللاً ... حتى كأني للنجوم نديم
ومن العجائب أن قلبي يشتكي ... شوقاً إليك وأنت فيه مقيم ٣١١ (٢)
ابن برهان النحوي
عبد الواحد بن علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن برهان، أبو القاسم الأسدي العكبري النحوي، صاحب العربية واللغة والتواريخ وأيام العرب؛ قرأ على عبد السلام البصري، وكان أول أمره منجماً فصار نحوياً، وكان
стр. 839
حنبلياً فصار حنفياً (١) ، وكانت فيه شراسة على من يقرأ عليه، ولم يكن يلبس سراويل (٢) ولا على رأسه غطاء، وتوفي في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وأربعمائة، ببغداد.
وكان قد سمع من ابن بطة كثيراً وصحبه، وكان إذا ذكر المتنبي يعظمه، وكان يخرج من داره وقد اجتمع على بابه من أولاد الرؤساء جماعة، فيمشي وهم معه، ويلقي على ذا مسألة وعلى ذا مسألة، وكان يتكبر على أولاد الأغنياء، وإذا رأى الطالب غريباً أقبل عليه، وكان يعجبه الباذنجان ويقول في تفضيله: إن الناس يأكلونه ثمانية أشهر في العام، وهم أصحاء ولو أكلوا الرمان أربعة أشهر فلجوا.
ولما ورد الوزير عميد الملك الكندري إلى بغداد استحضر ابن برهان، وأعجبه كلامه، وأمر له بمالٍ فأبى أن يقبله، فأعطاه مصحفاً بخط ابن البواب وعكازاً مليحة حملت إليه من بلاد الروم، فأخذهما وعبر إلى منزله، فدخل عليه أبو علي بن الوليد المتكلم، فأخبره بالحال، فقال له: أنت تحفظ القرآن وبيدك عصاً تتوكأ عليها، فلم تأخذ شيئاً (٣) فيه شبهة؟ فنهض ابن برهان ودخل على قاضي القضاة أبي عبد الله بن الدامغاني وقال له: قد كدت أهلك لولا نبهني أبو علي بن الوليد، وهو أصغر مني سناً، وأريد أن تعيد هذه العكازة وهذا المصحف على عميد الملك، فما يصاحباني، فأخذهما وأعادهما إليه.
وكان مع ذلك يحب المليح مشاهدة، وإذا حضر أولاد الأمراء والأتراك وأرباب النعم يقبلهم بمحضر من آبائهم، ولا ينكرون عليه ذلك لعلمهم بدينه وورعه.
وكان يقول: لو كان علم الكيمياء حقاً لما احتجنا إلى الخراج، ولو كان
стр. 840
علم الطلاسم حقاً لما احتجنا إلى الجند، ولو كان علم النجوم حقاً لما احتجنا إلى الرسل والبريد.
وكان يحضر حلقته فتى مليح الوجه، فانقطع عنه، فسأل عنه فقيل له إن عميد الملك اعتقل والده، فانحدر إلى باب المراتب، فصادف الكندري جالساً، فحين رآه أقبل عليه مسلماً والناس من حوله، فقال له ابن برهان:
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم ... فوجم الكندري، وسأل عن من في حبسه، فأخبر بالرجل، وأن ولده يغشى مجلس الشيخ للاقتباس، فأطلقه ووهبه ما كان عليه، وكان ثمانية عشر ألف دينار.
ومن شعر ابن برهان، رحمه الله تعالى:
أحبتنا بأبي أنتم ... وسقياً لكم أينما كنتم
أطلتم عذابي بإبعادكم ... وقلتم تزوروا وما زرتم
فإن لم تجودوا على عبدكم ... فإن المعزى به أنتم ٣١٢ (١)
أبو الرضى المعري
عبد الواحد بن الفرج بن نوت، أبو الرضى المعري، توفي في حدود الثمانين وأربعمائة؛ ذكره العماد الكاتب في الخريدة فقال: كان مغفلاً صاحب بديهة،
стр. 841
وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك انه مر على قرية يقال لها سياث من أعمال المعرة وفيها دار تنقض فقال (١) :
مررت (٢) بربع من سياث فراعني ... به زجل الأحجار تحت المعاول
تناولها رحب الذراع كأنما ... رمى الدهر فيما بينها حرب وائل
فقلت له شلت يمينك خلها ... لمعتبرٍ أو زاهدٍ أو مسائل
منازل قوم حدثتنا حديثهم ... ولم أر أحلى من حديث المنازل وقال من أبيات:
نسري فنغدو من نعال جيادنا ... قبس يضيء الليل وهو بهيم
فكأن مبيض النعال أهلة ... وكأن محمر الشرار نجوم (٣) ٣١٣ (٤)
مجد الدين ابن سحنون
عبد الوهاب بن احمد بن سحنون، الحكيم البارع الخطيب مجد الدين، خطيب النيرب؛ روى عن خطيب مراد، وله شعر وأدب وفضائل، وكان من فضلاء الحنفية، درس بالدماغية (٥) ، وعاش خمساً وسبعين سنة، وتوفي
стр. 842
سنة أربع وتسعين وستمائة.
وكان طبيب مارستان (١) الجبل ﵀؛ من شعره:
لا تجزعن فما طول الحياة سوى ... روحٍ تردد في سجنٍ من البدن
ولا يهولك أمر الموت تكرهه ... فإنما موتنا عود (٢) إلى الوطن وسمع قول مجير الدين ابن تميم في تفضيل الورد:
من فضل النرجس وهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يغرس
أما ترى الورد غدا جالساً ... إذ قام في خدمته النرجس (٣) فأجاب من غير روية:
ليس جلوس الورد في مجلس ... قام به نرجسه يوكس
وإنما الورد غدا باسطاً ... خداً تمشي فوقه النرجس وقال في مشاعلي:
بأبي غزال جاء يحمل مشعلاً ... يكسو الدجى بملاء ثوبٍ أصفر
فكأنه غصن عليه باقة ... من نرجسٍ أو زهرة من نوفر وقال وقد أهدى نرجساً:
لما تحجبت عن عيني وأرقني ... بعدي ولم تحظ عيني منك بالنظر
أرسلت مشبهها من نرجسٍ عطرٍ ... كيما أراك بأحداقٍ من الزهر وقال:
لله حسن الياسمين يلوح فو ... ق الورد للجلساء والندمان
مثل الثنايا والخدود نواضراً ... أو كالفراش هوى على النيران
стр. 843
وقال:
وورد أبيض (١) قد زاد حسناً ... فعند الصد (٢) للخجل احمرار
يمثله النديم إذا رآه ... مداهن فضة فيها نضار وقال:
يا حسنه (٣) نيلوفراً في مائه ... طافٍ وفي أحشاه نار تسعر
يحكي أنامل غادةٍ مضمومةً ... جمعت وزينها خضاب أخضر ٣١٤ (٤)
القاضي عبد الوهاب
عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد، القاضي أبو محمد البغدادي المالكي؛ سمع وروى، وكان شيخ المالكية في عصره وعالمهم.
وقال الخطيب في تاريخه: كتبت عنه، وكان ثقة لم ألق أفقه منه، ولي القضاء بباذرايا، وخرج آخر عمره إلى مصر، فمات بها في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
وقيل هو من أولاد مالك ابن طوق صاحب الرحبة، وصنف التلقين وهو مع صغره من خيار الكتب، وله المعرفة في شرح الرسالة، وله عيون
стр. 844
المسائل والنصرة لمذهب مالك وكتاب الأدلة في مسائل الخلاف وشرح المدونة. وخرج إلى مصر في آخر عمره لإملاق به، وفي ذلك يقول:
بغداد دار لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في دار زنديق واجتاز في طريقه بمعرة النعمان، وأضافه أبو العلاء المعري، وفي ذلك يقول (١) :
والمالكي ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضليل إن شعرا ومن شعر القاضي عبد الوهاب:
سلام على بغداد في كل موطنٍ ... وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلىً لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
فكانت كخل كنت أرجو دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف وقال (٢) :
متى تصل العطاش إلى ارتواءٍ ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
وإن ترفع الوضعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل والأداني ... فقد طابت منادمة المنايا وقال أيضاً:
ونائمةٍ قبلتها فتنبهت ... وقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
стр. 845
فقلت لها إني فديتك غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وكفي عن أثيم ظلامةً ... وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد
فقالت قصاص (١) يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد
فقالت ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت لها ما زلت أزهد في الزهد ٣١٥ (٢)
شرف الدين ابن فضل الله
عبد الوهاب بن فضل الله، القاضي شرف الدين، يمين الملوك والسلاطين، القرشي العمري - وقد ذكرنا تمام نسبه في ترجمة ابن أخيه شهاب الدين؛ مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة؛ كان كاتباً أديباً مترسلاً كتب المنسوب الفائق ومتع بحواسه لم يفقد منها شيئاً ولم تتغير كتابته، ومات وهو جالس ينفذ بريد (٣) إلى بعض النواحي، وكان مخادميه يحترمونه ويعظمونه، مثل حسام الدين لاجين والملك الأشرف والملك الناصر والأمير سيف الدين تنكز، كان كل وقت يذكره، وكان كاملاً في فنه، ما كتب عن ملوك الأتراك أحد مثله.
رآه الملك الأشرف مرة وقد قام ومشى يلقى أميراً، فلما حضر عنده قال: رأيتك قمت من مكانك وخطوت خطوات، فقال: يا خوند كان الأمير سيف الدين بيدرا النائب قد جاء وسلم علي فقال: لا تعد تقم لأحد أبداً،