← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك انه مر على قرية يقال لها سياث من أعمال المعرة وفيها دار تنقض فقال (١) : مررت (٢) بربع من سياث فراعني ... به زجل الأحجار تحت المعاول تناولها رحب الذراع كأنما ... رمى الدهر فيما بينها حرب وائل فقلت له شلت يمينك خلها ... لمعتبرٍ أو زاهدٍ أو مسائل منازل قوم حدثتنا حديثهم ... ولم أر أحلى من حديث المنازل وقال من أبيات: نسري فنغدو من نعال جيادنا ... قبس يضيء الليل وهو بهيم فكأن مبيض النعال أهلة ... وكأن محمر الشرار نجوم (٣) ٣١٣ (٤) مجد الدين ابن سحنون عبد الوهاب بن احمد بن سحنون، الحكيم البارع الخطيب مجد الدين، خطيب النيرب؛ روى عن خطيب مراد، وله شعر وأدب وفضائل، وكان من فضلاء الحنفية، درس بالدماغية (٥) ، وعاش خمساً وسبعين سنة، وتوفي

стр. 842

سنة أربع وتسعين وستمائة. وكان طبيب مارستان (١) الجبل ﵀؛ من شعره: لا تجزعن فما طول الحياة سوى ... روحٍ تردد في سجنٍ من البدن ولا يهولك أمر الموت تكرهه ... فإنما موتنا عود (٢) إلى الوطن وسمع قول مجير الدين ابن تميم في تفضيل الورد: من فضل النرجس وهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يغرس أما ترى الورد غدا جالساً ... إذ قام في خدمته النرجس (٣) فأجاب من غير روية: ليس جلوس الورد في مجلس ... قام به نرجسه يوكس وإنما الورد غدا باسطاً ... خداً تمشي فوقه النرجس وقال في مشاعلي: بأبي غزال جاء يحمل مشعلاً ... يكسو الدجى بملاء ثوبٍ أصفر فكأنه غصن عليه باقة ... من نرجسٍ أو زهرة من نوفر وقال وقد أهدى نرجساً: لما تحجبت عن عيني وأرقني ... بعدي ولم تحظ عيني منك بالنظر أرسلت مشبهها من نرجسٍ عطرٍ ... كيما أراك بأحداقٍ من الزهر وقال: لله حسن الياسمين يلوح فو ... ق الورد للجلساء والندمان مثل الثنايا والخدود نواضراً ... أو كالفراش هوى على النيران

стр. 843

وقال: وورد أبيض (١) قد زاد حسناً ... فعند الصد (٢) للخجل احمرار يمثله النديم إذا رآه ... مداهن فضة فيها نضار وقال: يا حسنه (٣) نيلوفراً في مائه ... طافٍ وفي أحشاه نار تسعر يحكي أنامل غادةٍ مضمومةً ... جمعت وزينها خضاب أخضر ٣١٤ (٤) القاضي عبد الوهاب عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد، القاضي أبو محمد البغدادي المالكي؛ سمع وروى، وكان شيخ المالكية في عصره وعالمهم. وقال الخطيب في تاريخه: كتبت عنه، وكان ثقة لم ألق أفقه منه، ولي القضاء بباذرايا، وخرج آخر عمره إلى مصر، فمات بها في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وقيل هو من أولاد مالك ابن طوق صاحب الرحبة، وصنف التلقين وهو مع صغره من خيار الكتب، وله المعرفة في شرح الرسالة، وله عيون

стр. 844

المسائل والنصرة لمذهب مالك وكتاب الأدلة في مسائل الخلاف وشرح المدونة. وخرج إلى مصر في آخر عمره لإملاق به، وفي ذلك يقول: بغداد دار لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في دار زنديق واجتاز في طريقه بمعرة النعمان، وأضافه أبو العلاء المعري، وفي ذلك يقول (١) : والمالكي ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا إذا تفقه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضليل إن شعرا ومن شعر القاضي عبد الوهاب: سلام على بغداد في كل موطنٍ ... وحق لها مني سلام مضاعف فوالله ما فارقتها عن قلىً لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أرجو دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف وقال (٢) : متى تصل العطاش إلى ارتواءٍ ... إذا استقت البحار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا وإن ترفع الوضعاء يوماً ... على الرفعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسافل والأداني ... فقد طابت منادمة المنايا وقال أيضاً: ونائمةٍ قبلتها فتنبهت ... وقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحد

стр. 845

فقلت لها إني فديتك غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيها وكفي عن أثيم ظلامةً ... وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد فقالت قصاص (١) يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد فقالت ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت لها ما زلت أزهد في الزهد ٣١٥ (٢) شرف الدين ابن فضل الله عبد الوهاب بن فضل الله، القاضي شرف الدين، يمين الملوك والسلاطين، القرشي العمري - وقد ذكرنا تمام نسبه في ترجمة ابن أخيه شهاب الدين؛ مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة؛ كان كاتباً أديباً مترسلاً كتب المنسوب الفائق ومتع بحواسه لم يفقد منها شيئاً ولم تتغير كتابته، ومات وهو جالس ينفذ بريد (٣) إلى بعض النواحي، وكان مخادميه يحترمونه ويعظمونه، مثل حسام الدين لاجين والملك الأشرف والملك الناصر والأمير سيف الدين تنكز، كان كل وقت يذكره، وكان كاملاً في فنه، ما كتب عن ملوك الأتراك أحد مثله. رآه الملك الأشرف مرة وقد قام ومشى يلقى أميراً، فلما حضر عنده قال: رأيتك قمت من مكانك وخطوت خطوات، فقال: يا خوند كان الأمير سيف الدين بيدرا النائب قد جاء وسلم علي فقال: لا تعد تقم لأحد أبداً،

стр. 846

أنت تكون قاعداً عندي وذاك واقف. وحكي أنه كان يوماً بالمرج يقرأ على تنكز كتاب بريد جاء من السلطان، والمماليك قد رموا جلمة على عصفور، فاشتغل تنكز بالنظر إليها، فبطل شرف الدين القراءة وأمسكه وقال: يا خوند إذا قرأت عليك كتاب السلطان اجعل بالك كله مني، ويكون ذهنك عندي، لا تشتغل بغيري أبداً، وافهمه لفظة لفظة. وما رأى أحد ما رآه من التعظيم في النفوس؛ وكان في مبدأ أمره يلبس القماش الفاخر ويأكل الأطعمة الشهية ويعمل السماعات، ويعاشر الفضلاء مثل بدر الدين بن مالك وابن الظهير وغيرهم (١) ، ثم انسلخ من ذلك كله لما داخل الدولة، وقتر (٣) على نفسه واختصر في ملبسه وانجمع عن الناس انجماعاً كلياً، ولما مات خلف نعمة طائلة. وكان الملك الناصر قد نقله من مصر إلى الشام عوضاً عن أخيه محيي الدين؛ لأن السلطان كان قد وعى القاضي علاء الدين ابن الأثير لما كان معه بالكرك بالمنصب، فأقام بدمشق إلى سنة سبع عشرة (٣) وسبعمائة، وتوفي في رمضان رحمه الله تعالى. ورثاه شهاب الدين محمود وهو بمصر وكتب بها إلى القاضي محيي الدين أخيه: لتبك المعالي والنهى الشرف الأعلى ... وتبكي الورى الإحسان والحلم والفضلا وتنتحب الدنيا لمن لم تجد له ... وإن جهدت في حسن أوصافه مثلا ومن أتعب الناس اتباع طريقه ... فكفوا وأعيتهم طريقته المثلى لقد أثكل الأيام حتى تجهمت ... وإن كانت الأيام لا تعرف الثكلا وفارق منه الدست صدراً معظماً ... رحيباً يرد الحزن تدبيره سهلا

стр. 847

فكم حاط بالرأي الممالك فاكتفت ... له أن تعد الخيل للصون والرجلا وكم جردت أيدي العدا نصل كيدهم ... فرد إلى أعناقهم ذلك النصلا وكم جل خطب لا يحل انعقاده ... فأعمل فيه صائب الرأي فانحلا وكم جاء أمر لا يطاق هجومه ... فلما تولى أمر تدبيره ولى وكم كف محذوراً وكم فك عانياً ... وكم رد مكروهاً وكم قد جلا جلى وقد كان للاجين ظلاً فقلصت ... يد الموت عدوا عنهم ذلك الظلا سأندبه دهري وأرثيه جاهداً ... واكثر فيه من بكائي وإن قلا ولم لا وقد صاحبته جل مدتي ... أراه أباً براً ويعتدني نجلا ولم يرنا في طول مدتنا امرؤ ... فيحسبنا إلا الأقارب والأهلا وكم أرشدتني في الكتابة كتبه ... ولو زل عن إرشادها خاطري ضلا وكم (١) مشكلاتٍ لم تبن لمحدقٍ ... إليها جلاها فانجلت عند ما أملى فمن هذه حالي وحالته معي ... أيحسن أن أبكي على فقده أم لا وعهدي به لا أبعد الله عهده ... وأقلامه أنى جرت نشرت عدلا لقد كان لي أنس به وهو نازح ... كان التنائي لم يفرق لنا شملا وقد زال ذاك الأنس واعتضت بعده ... دموعاً إذا أنشأتها أنشت الوبلا فلا مدمعي الهامي يجف ولا الأسى ... يخف جواه إن أقل لهما مهلا ولا حرقي تخبو وإن يطف وقدها ... بماء دموعي صار فيها غضاً جزلا إلى الله أشكو فقد صحب رزئتهم ... وفقد ابن فضل الله قد عدل الكلا ولم يترك الموت الذي حم منهم ... حميماً ولا خلى الردى منهم خلا وعمهم داعي الحمام فأسرعوا ... جميعاً وألغى قولنا فيهم إلا وكم يرجئ الساري النوى عن رفاقه ... إذا ركبهم يوماً بدارهم (٢) حلا

стр. 848

أيطمع من قد جاز معترك الردى ... بإبطائه عمن تقدمه؟ كلا ولا سيما من عاود الداء جسمه ... يعاوده بدءاً إذا ظنه ولى عزاءك محيي الدين في الذاهب الذي ... قضى إذ قضى فرض المناقب والنفلا فمثلك من يلقى الخطوب بكاهلٍ ... يقل الذي تعيا الجبال له حملا وفي الصبر أجر أنت تعرف فضله ... وآثاره الحسنى فلا تدع الفضلا وسلم لأمر الله وارض بحكمه ... تحز منه فضلاً ما برحت له أهلا ولا زال صوب المزن والعفو دائماً ... يؤمانه حتى إذا وصلا انهلا ومن شعر شرف الدين يمدح الملك المنصور قلاوون الألفي: تهب الألوف ولا تهاب لهم ... ألفاً إذا لاقيت في الصف ألف وألف في ندى ووغىً ... فلأجل ذا سموك بالألفي ومنه لما ختن الملك الناصر: لم يروع له الختان جناناً ... قد أصاب الحديد منه حديدا مثل ما تنقص المصابيح بالقط ... فتزداد في الضياء وقودا وقال: كتبت والشوق يدنيني إلى أملٍ ... من اللقاء ويقصيني عن الدار والحب يضرم فيما بين ذاك وذا ... بين الجوانح أجزاءً من النار

стр. 849

(١) ٣١٦ المثقال عبد الوهاب بن محمد الأزدي المعروف بالمثقال؛ قال ابن رشيق في الأنموذج: شاعر مطبوع قليل التكلف سهل القافية، خبيث اللسان ماجن، لا يمدح أحداً، كان يألف غلاماً نصرانياً خماراً واشتهر بحبه، أقام ببابه في الحانة ثلاث سنين، ويدخل معه الكنيسة في الآحاد والأعياد طول هذه المدة، حتى حفظ كثيراً من الإنجيل وشرائع أهله؛ وهجره مرة فاستعان عليه وتحيل فلم يجد له عليه سبيلاً (٢) ، وزعم أن عليه قسماً شديداً (٣) أن لا يكلمه إلى شهر، فدعا بالفاصد وفصد إحدى يديه، ثم دعا بفاصد آخر وفصد الأخرى، ودخل داره وأغلق بابه وحل الفصادين، فما شعر أهله إلا بالدم يدفع من سدة الباب، وبلغ الغلام أنه يدعي أنه قتله فصالحه خوفاً على نفسه. ومن شعره: خيالك زائري من غير وعدٍ ... واكثر منك بي براً وحبا فلما أن رآك أطلت بعدي ... ولم تمنح محبك منك قربا سرى وهناً فقبلني وآلى ... يمين الله لا عذبت صبا فأحيا مهجةً بلغت غراماً ... وقلباً لم يفق دنفاً وكربا وكان الطيف أرأف منك نفساً ... والين منك أعطافاً وقلبا وقال:

стр. 850

هم بالوجوه من البدو ... ر وبالقدود من الغصون ودروعهم صبغ الحيا ... وسيوفهم لحظ العيون وقال: لما تناهى وكمل ... وتم لي فيه الأمل أعرض واستبدل بي ... كذلك الدنيا دول وقال: قد زارني طيف من أهوى يعللني ... عند الصباح وخيط الفجر قد طلعا فطرت شوقاً لعلمي (١) أن قبلته ... في النوم تحدث لي في وصله طمعا وقال ابن رشيق: أنشدته من قصيدة لي: والثريا قبالة البدر تحكي ... باسطاً كفه ليأخذ جاما فاستطرفه، وأنشدته أيضاً لي: رأيت بهرام والثريا ... والمشتري في القران كره كراحةٍ خيرت فحارت ... ما بين ياقوتةٍ ودره فأنشدني: يا ساقي الراح سق صحبي ... وواسني إنني أواسي وانظر إلى حيرة الثريا ... والليل قد شد باندماس ما بين بهرامها الملاحي ... وبين برجيسها المواسي كأنها راحة أشارت ... لأخذ تفاحةٍ وكاس وقال: أهدي إلي مدامة ... صفراء صافيةً حميا

стр. 851

فكأنها وحبابها ... بدر تكلل بالثريا فشربتها من كفه ... وسكبت فاضلها عليا وقال: طاف بالراح حبيبي ... قائلاً بين صحابي هاك خذها يا فتى الفت ... يان واسمع من خطابي فهي من خدي ولحظي ... ونسيمي ورضابي وقال وقد مات محبوبه النصراني بالإسكندرية: أخي بودادٍ لا أخي بديانةٍ ... ورب أخٍ في الود مثل نسيب وقالوا أتبكي اليوم من لست صاحباً ... غداً؟ إن هذا فعل غير لبيب فقلت لهم هذا أوان تلهفي ... وشدة إعوالي وفرط كروبي ومالي لا أبكي حبيباً فقدته ... إذا خاب منه في المعاد نصيبي؟ فيا ناصحي مهلاً فلست بمرشدٍ ... ويا لائمي أقصر فغير مصيب وسلمان أودى حيث لا أنا حاضر ... أعلله يوما بوصف طبيب وأجعل كفي تحت جبيبٍ مكرم ... علي وخدٍ بالنحول خضيب وكانت وفاة (١) المثقال بعد الخمسمائة.

стр. 852

(١) ٣١٧ أبو الفضل الميكالي عبيد الله بن أحمد بن علي بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال ابن عبد الواحد بن جبريل بن القاسم بن بكر بن سور بن سور بن سور بن سوار، أربعة من الملوك؛ ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، أبو الفضل الميكالي؛ مات يوم عيد الأضحى سنة ست وثلاثين وأربعمائة، كان أوحد خراسان في ذلك العصر أدباً وفضلاً ونسباً؛ حسن الخلق مليح الوجه والشمائل؛ كثير القراءة دائم العبادة سخي النفس؛ سمع بخراسان من الحاكم أبي أحمد الحافظ وأبي عمرو بن حمدان؛ وعقد له مجلس للإملاء؛ وأبوه أمير مشهور جليل القدر. سمع قول الصاحب: لئن هو لم يكفف عقارب صدغه ... فقولوا له يسمح بدرياق ريقه فقال: لدغت عينك قلبي ... إنما عينك عقرب لكن المصة من ري ... قك درياق مجرب وله من التصانيف كتاب المنتحل. كتاب مخزون البلاغة (٢) . ديوان رسائله. ديوان شعره. كتاب " ملح الخواطر ومنح الجواهر ".

стр. 853

ومن شعره، رحمه الله تعالى: إذا ما جاد بالأموال ثنى ... ولم تدركه في الجود الندامة وإن هجست خواطره بجمعٍ ... لريب حوادثٍ قال الندى مه وقال: مبدع في شمائل المجد خيماً ... ما اهتدينا لأخذه واقتباسه فهو فيض بالمال وقت نداه ... وجواد بالعفو في وقت باسه وقال: ألا رب أعداءٍ لئامٍ قريتهم ... متون سيوفٍ أو صدور عوال إذا كلبهم يوماً عوى لي رميتهم ... بكلبٍ إذا عاوى الرجال عوى لي وقال: عجبت لوغدٍ قد جذبت بضبعه ... فأصبح يلقاني بتيه وبيسما (١) يريد مساماتي ومن دونها السما ... وكيف يباريني سمواً وبي سما وقال: لقد راعني بدر الدجى بصدوده ... ووكل أجفاني برعي كواكبه فيا جزعي مهلاً عساه يعود لي ... ويا كبدي صبراً على ما كواك به وله: صل محباً أعياه وصف هواه ... فضناه ينوب عن ترجمانه كلما راقه سواك تصدت ... مقلتاه بدمعه ترجمانه وله:

стр. 854

يا ذا الذي أرسل من طرفه ... علي سيفاً قدني أو فرى شفاء نفسي منك تجميشة ... تغرس في خدك نيلوفرا وقال: أما حان أن تشفي المستهام ... بزورة وصلٍ وتأوي له يجمجم عن سؤله هيبةً ... ويعلم علمك تأويله وقال: سقياً لدهر مضى والوصل يجمعنا ... ونحن نحكي عناقاً شكل تنوين فصرت إذا علقت نفسي حبائلكم ... بسهم هجرك ترمي ثم تنويني وقال: إن كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فاصبر على حكم الرقيب وداره إن الرقيب إذا صبرت لحكمه ... بواك في مثوى الحبيب وداره وقال: شكوت إليه ما ألاقي فقال لي: ... رويداً ففي حكم الهوى أنت موتلي فلو كان حقاً ما ادعيت من الهوى ... لقل بما تلقى إذاً أن تموت لي قال: ومعشوقٍ يتيه بوجه عاج ... شبيه الصدغ منه بلام زاج إذا استسقيته راحاً سقاني ... رضاباً كالرحيق بلا مزاج وقال: ظبي يحار البرق في بريقه ... غنيت عن إبريقه بريقه فلم أزل أرشف من رحيقه ... حتى شفيت القلب من حريقه وقال:

стр. 855

إن لي في الهوى لساناً كتوماً ... وجناناً يخفي حريق جواه غير أني أخاف دمعي عليه ... ستراه يفشي الذي ستراه وقال: تفرق (١) قلبي في هواه فعنده ... فريق وعندي شعبة وفريق إذا ظمئت نفسي أقول له اسقني ... وإن لم يكن راحا لديك فريق (٢) وقال: أهدت جفونك للفؤا ... د من الغرام بلابلا فالشوق منه بلا مدى ... والوجد فيه بلا بلى وقال أبو القاسم الكرخي: كنت ليلةً عند الصاحب ابن عباد ومعنا أبو العباس الضبي وقد وقف على رؤوسنا غلام كأنه فلقة قمر، فقال الصاحب: أين ذاك الظبي أينه؟ ... فقال أبو العباس: شادن في وصف قينه ... فقال الصاحب: بلسان الدمع تشكو ... أبداً عيني عينه فقال أبو العباس: لي دين في هواه ... ليته أنجز دينه فقال الميكالي: لا قضى الله ببينٍ ... أبداً بيني وبينه

стр. 856

وأنشد بعض الحاضرين: أحسن من روضة حزن ناضره ... قد فتح النرجس فيها ناظره فقال الميكالي: طلعة معشوقٍ لدينا حاضره ... ناضرةً تجلو العيون الناظره ومن شعره: روض يروض هموم قلبي حسنه ... فيه لكاس اللهو (١) أي مساغ وإذا بدت (٢) قضبان ريحانٍ به ... حيت بمثل سلاسل الأصداغ وقال: تصوغ لنا كف الربيع بدائعاً (٣) ... كعقد عقيقٍ بين سمط لآل وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقطت بغوال وقال في اقتران الزهرة والهلال: أما ترى الزهرة قد لاحت لنا ... تحت هلالٍ لونه يحكي اللهب ككرةٍ من فضةٍ مجلوةٍ ... أوفى عليها صولجان من ذهب وقال في طلوع الفجر: أهلاً بفجرٍ قد نضا ثوب الدجى ... كالسيف جرد من سواد قراب أو غادةٍ شقت إزاراً (٤) أزرقا ... ما بين ثغرتها إلى ألأقراب وقال:

стр. 857

يا مهدياً لي بنفسجاً أرجاً ... يرتاح قلبي له وينشرح بشرني عاجلاً مصحفه ... بأن ضيق الأمور ينفسح وقال في ذمه: يا مهدياً لي بنفسجاً سمجاً ... وددت لو أن أرضه سبخ بشرني (١) عاجلاً مصحفه ... بأن عقد الحبيب ينفسخ وقال: ومدامةٍ زفت إلى سلسال ... تختال بين ملابسٍ كالآل قد نالها (٢) حتى إذا ما اقتضها ... بالمزج أمهرها عقود لآلي وقال: لنا صديق إن رأى ... مهفهفاً لاطفه فإن يكن في دهرنا ... ذو ابنةٍ لاط فهو وقال: لنا صديق يجيد لقماً ... راحتنا في أذى قفاه ما ذاق من كسبه ولكن ... أذى قفاه أذاق فاه

стр. 858

(١) ٣١٨ عبيد الله الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب، أبو القاسم الكاتب الوزير، وزير المعتضد، مولده سنة ست وعشرين ومائتين، ووفاته سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكانت مدة وزارته للمعتضد عشر سنين، وهو الذي قال فيه ابن المعتز: قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر: أين الرجال هذا أبو العباس (٢) في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال ولما دخل ابن المعتز على ابنه القاسم بن عبيد الله قال (٣) : إني معزيك لا أني على ثقة ... من الخلود ولكن سنة الدين فما المعزى بباقٍ بعد صاحبه ... ولا المعزي ولو عاشا إلى حين ولما حمل على أعناق الرجال قال ابن المعتز (٤) : وما كان ريح المسك ريح حنوطه ... ولكنه هذا الثناء المخلف وليس صرير النعش ما تسمعونهل ... ولكنه أصلاب قومٍ تقصف ولما تقدم القاسم للصلاة عليه قال ابن المعتز: قضوا ما قضوا من أمره ثم قدموا ... إماماً لهم والنعش بين يديه

стр. 859

فصلوا عليه خاشعين كأنهم ... وقوف (١) خضوع للسلام عليه ولما استتر عند ابن أبي عون التاجر دخل عليه يوماً فقام له، فقال له ابن أبي عون: يا سيدي اخبأ لي هذا القيام إلى وقت أنتفع به، فما كان إلا قليل حتى ولي الوزارة، فاستدعاه، فصار إليه وهو في مجلسه بخلعته والناس عنده، فقام إليه وعانقه وقال: هذا وقت ينتفع بقيامي، وأجلسه معه على طرف الدست، فما مضت ساعة حتى استدعاه المعتضد، فدخل عليه وغاب، ثم حضر وأخذ بيده إلى مكان خلوة وقال له: الخليفة طلبني بسببك، لأنه كوتب بخبرنا وأنكر علي وقال: تبذل مجلس الوزراء لتاجر، ولو كان ملك أو ولي عهد كان كثيراً، فقلت: يا أمير المؤمنين لم يذهب علي حق المجلس ولكن لي عذر، وأخبرته خبري معك فقال: أما الأن فقد عذرتك، ثم قال لي إني قد شهرتك شهرة أن لم يكن معك مائة ألف دينار معدة للنكبة هلكت، فيجب أن نحصلها لك لهذه الحالة فقط، ثم نحصل لك نعمة بعدها، ثم قال: هاتم فلاناً (٢) الكاتب، فجاء، فقال: أحضر الساعة التجار وسعر مائة ألف كر من غلات السلطان بالسواد عليهم، فخرج وعاد وقال: قد قررت معهم ذلك، فقال: بع على أبي عبد الله هذه الغلة بنقصان دينار مما (٣) قررت السعر مع التجار، وبعه له عليهم بالسعر الذي قررته معهم، وطالبهم الساعة بفضل ما بين السعرين، وأخرهم بالثمن إلى أن يتسلموا الغلال، واكتب إلى النواحي بتقبيضهم ذلك، فقام ابن أبي عون من المجلس وقد حصل له مائة ألف دينار، فقال له الوزير: اجعل هذه أصلاً لنعمتك، ولا يسألنك أحد من الخلق شيئاً إلا أخذت رقعته ووافقته على أجرة ذلك، وخاطبني فيه. وكان يعرض عليه في كل يوم ما يصل إليه بما فيه ألوف دنانير ويدخل في المكاسب الجليلة، وكان

стр. 860

ربما قال له في بعض الرقاع: كم قرروا لك على هذه؟ فيقول: كذا، فيقول الوزير: هذه تسوى أكثر من ذلك، ارجع إليهم ولا تفارقهم إلا بكذا. وكان ممن خدمه في أيام نكبته رجل يعرف بيعقوب الصايغ، وكان عامياً ساقطاً، فقلده لما ولي الوزارة حسبة الحضرة، فعزم الوزير في بعض الأوقات على السفر، فجلس للنظر فيما يحمل معه من خزانته ومن يسافر معه من أصحابه وخدمه، ويعقوب حاضر، فأمر الوزير بما يحمل معه، فلما انتهى إلى فصل قال يعقوب بغباوته وعاميته: ويحمل أيضاً معه كفن وحنوط، فتطير الوزير من ذلك وأعرض عنه، وأخذ يأمر وينهى، ولما انتهى إلى فصل من كلامه كرر يعقوب ذلك القول، فأعرض عنه ضجراً، وفعل ذلك ثالثاً، فقال الوزير: يا هذا أتخاف علي إن أنا مت أن أصلب أو أطرح على قارعة الطريق بغير كفن؟ إن تعذر الكفن لفوني في ثيابي، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ٣١٩ - (١) الوراق التميمي عتيق بن محمد، أبو بكر الوراق التميمي؛ قال ابن رشيق: دخلت الجامع فوجدته في حلقة يقرأ الرقائق والمواعظ، ويذكر أخبار السلف الصالحين وممن بعدهم من التابعين، وقد بدا خشوعه وترققت دموعه، فما كان إلا أن جئته عشية ذلك اليوم إلى بيته فوجدته وفي يده طنبور وعن يمينه غلام مليح، فقلت له: ما أبعد ما بين حاليك في مجلسيك! فقال: ذلك بيت الله، وهذا بيتي، أصنع في كل واحد منهما ما يليق به وبصاحبه، فأمسكت عنه. ومن شعره يصف شاذرواناً:

стр. 861

كأنه فلك غصت كواكبه ... وجه المعز المعلى بينها قمر إذا بدا فيه قرن الشمس قارنه ... كأنها منه أو منه بها أثر مذ زاحم الجو فاحتل السحاب به ... فليس يفقد في أرجائه مطر فرحمة الله عنه غير نازحةٍ ... ونعمة الله ما فيها به قصر ترى الغمائم بيضاً تحته بكراً ... مثل الكواكب فوق الأرض تنتثر وقال: كلما أذنب أبدى وجهه ... حجةً فهو ملي بالحجج كيف لا يفرط في إجرامه ... من متى شاء من الذنب خرج؟ وقال: بدر له إشراق شمسٍ على ... غصنٍ سبا قلبي بنوعين يكاد من لينٍ ومن دقةٍ ... في خصره ينقد نصفين إدباره ينسيك إقباله ... كأنما يمشي بوجهين وقال ووزنه خارج عن أبحر العروض: أورد قلبي الردي ... لام عذار بدا أسود كالغي في ... أبيض مثل الهدى وقال: تعبي راحتي وأنسي انفرادي ... وشفائي الضنى ونومي سهادي لست أشكو بعاد من صد عني ... أي بعد وقد ثوى في فؤادي؟ هو يختال بين عيني وقلبي ... وهو ذاك الذي يرى في سوادي وقال في الهجاء وبالغ: لو أن أكفانهم من حر أوجههم ... قاموا إلى الحشر منها مثل ما رقدوا خزر العيون إذا ما عوتبوا، وإذا ... ما عوتبوا أنفذوا باللحظ ما قصدوا

стр. 862

(١) ٣٢٠ ابن خمارتاش الهيتي عثمان بن خمارتاش بن عبد الله، أبو القاسم، من أهل هيت؛ كان أديباً فاضلاً مليح الشعر، لطيف الطبع، كيساً طيب العشرة ظريفاً. قال محب الدين ابن النجار: كان متهاوناً في الأمور الدينية، عفا الله عنه، وتوفي سنة تسع عشرة وستمائة. ومن شعره: المال أفضل ما ادخرت فلا تكن ... في مريةٍ ما عشت من تفضيله ما صنف الناس العلوم بأسرها ... إلا لحيلتهم على تحصيله وله لما تزوج: كان رأيي أن لا يكون الذي كا ... ن فيا ليتني تركت برائي لا يزال الإنسان يخدمه السع ... د إلى أن يقول بيت حمائي وقال: شيئان لم يبلغهما واصف ... فيما مضى بالنظم والنثر مدح ابنة العنقود في كأسها ... وذم أفعال بني الدهر وقال: قالوا هداك الشيب يا ليتني ... دام ضلالي وعدمت الهدى وقال (٢) : ولي قلب لشقوته ألوف ... ينغص عيشتي طول الليالي

стр. 863

فلو أني ألفت الهجر يوماً ... بكيت عليه في زمن الوصال وقال: لا تخضعن ولو بدت ... زرق الأسنة منك حمرا لا بد من ورد الحما ... م فمت كريم النفس حرا وقال: إني لأعجب من ضراعة سائلٍ ... في جود مقتدرٍ على الإحسان كيف استمالهما خداع رذيلة ... وكلاهما عما قليلٍ فاني ٣٢١ (١) عثمان الطفيلي عثمان بن دراج الطفيلي؛ كان في زمن المأمون؛ قال أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني: كان فيه أدب وله شعر صالح، قيل له يوماً: إن فلاناً اشترى رؤوساً ودخل بستاناً مع جماعة، فخرج إليهم فوجدهم قد لوحوا العظام، فوقف ينظر إليها ثم استعبر باكياً، وتمثل بقول الرقاشي: آثار ربعٍ قدما ... أعيا جوابي صمما كان لسعدى علما ... فصار وحشاً رمما وقيل له: ما هذه الصفرة التي في لونك؟ قال: من الفترة بين القصعة ومن خوفي من نفاد الطعام قبل أن أشبع. ومن شعره:

стр. 864

لذة التطفيل دومي ... وأقيمي لا تريمي أنت تشفين غليلي ... وتسلين همومي وقيل له يوماً: كيف تصنع بالعرس إذا لم يدخلك أصحابه؟ فقال: أنوح على بابهم فيتطيرون من ذلك، فيدخلوني. وقيل لهم أتعرف بستان فلان؟ فقال: إي والله وإنه للجنة الحاضرة في الدنيا، قيل له: فلم لا تدخل إليه وتأكل من ثماره وتجلس تحت أشجاره وتسبح في أنهاره؟ فقال: لأن فيه كلباً لا يتمضمض إلا بدم عراقيب الرجال. وقال يوماً: مررت بجنازة ومعي ابني، ومع الجنازة إمرأة تبكي وتقول: يذهبون بك إلى بيت لا فراش فيه ولا وطاء، ولا ضياء (١) ولا غطاء، ولا خبر ولا ماء، فقال ابني: يا أبت إلى بيتنا والله يذهبون به. ٣٢٢ - (٢) معين الدين ابن تولوا عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن تولوا، الأديب معين الدين الفهري المصري؛ ولد بتنيس سنة خمس وستمائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وستمائة (٣) . قال الشيخ شمس الدين: أنشدنا عنه أبو الحسين اليونيني وغيره، وتوفي

стр. 865

بالقاهرة، وعليه تخرج الحكيم شمس الدين ابن دانيال وبه تأدب، وله معه حكايات، كان يسخر به ويضحك منه الناس؛ ومن شعره: جمعك بين الكثيب والغصن ... فرق بين الجفون والوسن يا فتنة ما وقيت صرعتها ... مع حذري دائماً من الفتن باللفظ واللحظ كم ترى أبداً ... تسخر بي دائماً وتسحرني وقد ألفت الغرام فيك كما ... فرقت بين الحياة والبدن وقال: أما السماح فقد أقوت معالمه ... فما على الأرض من ترجى مكارمه فلا يغرنك من يلقاك مبتسماً ... فطالما غر برق أنت شائمه لا تتعب النفس في استخلاص راحتها ... من باخلٍ لؤمه في الجود لائمه آخى المذلة إعزازاً (١) لدرهمه ... ويصحب الذل من عزت دراهمه ماذا أقول لدهرٍ عاش جاهله ... غنىً ومات بسيف الفقر عالمه قد سالم النقص حتى ما يحاربه ... وحارب الفضل حتى ما يسالمه وقال: يا أهل مصرٍ وجدت أيديكم ... عن بسطها بالنوال منقبضه فمذ عدمت الغذاء عندكم (٢) ... أكلت كتبي كأنني أرضه

стр. 866

(١) ٣٢٣ ابن أبي عمامة عثمان بن علي بن المعمر بن أبي عمامة، أبو المعالي البقال، أخو أبي سعد المعمر بن علي الواعظ؛ قرأ الأدب على عبد الواحد بن برهان، وأبي محمد الحسن بن الدهان، وكان غير مرضي السيرة، يخل بالصلوات ويرتكب المحظورات، روى عنه أبو المعمر الأنصاري وأبو طاهر السلفي. وتوفي سنة سبع (٢) عشرة وخمسمائة. ومن شعره: أرى شعرةً بيضاء في الخد نابته ... لها لوعة في صفحة الصدر ثابته ومن شؤمها أني إذا رمت نتفها ... نتفت سواها وهي تضحك شامته وقال (٣) : أيا جمال الدولة المرتجى ... لكل خيرٍ كم أناديكا ما بي على أني أخفي الذي ... ما بي وبالخير أباديكا أجلس في الحمام من شقوتي ... أغسل أثوابي المراديكا والديك في دارك ذو بسطةٍ ... يروح عنها ويغاديك فكلم البواب في الإذن لي ... مقرباً أو كشكش الديك وعش كما تؤثر في نعمةٍ ... تكبت بالذل أعاديكا

стр. 867

(١) ٣٢٤ أبو الفتح البلطي عثمان بن عيسى بن هيجون (٢) ، أبو الفتح البلطي الأديب النحوي؛ له شعر ومجاميع في الأدب، وكان طويلاً ضخماً كبير اللحية، ويلبس عمامة كبيرة وثياباً كثيرة في الحر، تصدر بالجامع العتيق بمصر وروى؛ وتوفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وبلط: بليدة قريبة من الموصل. وكان قد أقام بدمشق مدة يتردد إلى الزبداني للتعليم، ولما ملك الملك الناصر مصر انتقل إليها وحظي بها، ورتب له صلاح الدين على جامع مصر جارياً يقرئ به النحو والقرآن، ولما كان في آخر سنة الغلاء توفي، وبقي في بيته ثلاثة أيام ميتاً، لأنه كان يحب الانفراد والخلوة، وكان يتطيلس ولا يدير الطيلسان على عنقه بل يرسله، وكان إذا دخل فصل الشتاء اختفى ولم يكد يظهر، وكانوا يقولون له: أنت في الشتاء من حشرات الأرض، وإذا دخل الحمام يدخل وعلى رأسه مزدوجة مبطنة بقطن، فإذا صار عند الحوض كشف رأسه بيده الواحدة وصب عليه الماء الحار الناضج بيده الأخرى، ثم يغطيه إلى أن يملأ السطل ثم يكشفه ويصب عليه ثم يغطيه، يفعل ذلك مراراً ويقول: أخاف من الهواء. وكان إماماً نحوياً مؤرخاً شاعراً. وله العروض الكبير نحو ثلثمائة ورقة، وكتاب العروض الصغير وكتاب العظات الموقظات وكتاب النير في العربية وكتاب أخبار المتنبي وكتاب المستزاد على المستجاد في فعلات

стр. 868

الأجواد وكتاب علم أشكال الخط وكتاب التصحيف والتحريف وكتاب تعليل العبادات. وحضر يوماً عند البلطي بعض المطربين، فغناه صوتاً أطربه، فبكى البلطي وبكى المغني، فقال له البلطي: أما أنا فإني طربت، فأنت علام بكيت؟ قال: تذكرت والدي فإنه كان إذا سمع هذا الصوت بكى، فقال له البلطي: فأنت والله إذن ابن أخي، وخرج فأشهد على نفسه جماعةً من عدول مصر بأنه ابن أخيه ولا وارث له سواه، ولم يزل ذلك المطرب يعرف بابن أخي البلطي. وكان البلطي ماجناً خليعاً خميراً متهتكاً منهمكاً على الشراب واللذات ومن شعره: دعوه على ضعفي يجور ويشتط ... فما بيدي حل لذاك ولا ربط ولا تعتبوه فالعتاب يزيده ... ملالاً وإني لي اصطبار (١) إذا يسطو تنازعت الآرام والدر والمها ... له شبهاً والغصن والبدر والسقط فللريم منه اللحظ واللون والطلا ... وللدر منه اللفظ واللحظ والخط وللغصن منه القد، والبدر وجهه ... وعين المها عين بها أبداً يسطو وللسقط منه ردفه فإذا مشى ... بدا خلفه كالموج يعلو وينحط ومدح القاضي الفاضل بموشحة، وهي: ويلاه من راوغ ... بجوره يقضي ظبي بني يزداذ ... منه الجفا حظي قد زاد وسواسي ... مذ زاد في التيه لم يلق في الناس ... ما أنا لاقيه من قيم قاسي ... بالهجر يغريه أروم إيناسي ... به ويثنيه

стр. 869

إذا وصال ساغ ... بقربه يرضى أبعده الأستاذ ... لا حيط بالحفظ وكل ذا الوجد ... بطول إبراقه مضرج الخد ... من دم عشاقه مصارع الأسد ... في لحظ أحداقه لو كان ذا ود ... رق لعشاقه شيطانه النزاغ ... علمه بغضي واستحوذ استحواذ ... بقلبه الفظ دع ذكره واذكر ... خلاصة المجد الفاضل الأشهر ... بالعلم والزهد والطاهر المئزر ... والصادق الوعد وكيف لا أشكر ... مولى له عندي نعمى لها إسباغ ... صائنة عرضي من كف كاسٍ غاذ ... والدهر ذو عظ منة مستبق ... ضاق بها ذرعي قد أفحمت نطقي ... واستنفدت وسعي وملكت رقي ... لمكمل الصنع دافع عن رزقي ... في موطن الدفع لما سعى ابياغ ... دهري في خفضي أنفذني إنفاذ ... من همه حفظي ذو المنطق الصائب ... في حومة الفضل

стр. 870

ذكاؤه الثاقب ... يجل عن مثل (١) فهو الفتى الغالب ... كل ذوي النبل من عمرو والصاحب ... ومن أبو الفضل؟ لا يستوي الافراغ ... بواحد الأرض أين من الآزاذ ... نفاية المنظ (٢) يا أيها الصدر ... فت الورى وصفا قد مسني الضر ... والحال ما يخفى وعبدك الدهر ... يسومني خسفا وليس لي عذر ... ما دمت لي كهفا من صرف دهر طاغ ... أنى له أغضي من بك أمسى عاذ ... لم يخش من بهظ وقال من أبيات حصر قوافيها، ومنع أن يزاد فيها: بأبي من تهتكي فيه صون ... رب وافٍ لغادر فيه خون بين ذل المحب في طاعة الحب ... وعز الحبيب يا قوم بون أين مضنىً يحكي البهارة لوناً ... من غرير له من الورد لون لي حبيب ساجي اللواحظ أحوى ... مترف زانه جمال وصون يلبس الوشي والقباطي جون ... فوق جون ولون حالي جون إن رماني دهري فإن جمال ... الدين ركني وجوده لي عون عنده للمسيء صفح وللأسرار ... مستودع وللمال هون

стр. 871

زانه نائل وحلم وعدل ... ووفاء جم ورفق وأون أنا في ربعه الخصيب مقيم ... لي من جوده لباس ومون لا أزال الإله عنه نعيماً ... وسروراً ما دام للخلق كون ٣٢٥ (١) عروة بن حزام عروة بن حزام العذري، أحد متيمي العرب ومن قتله الغرام، ومات عشقاً في حدود الثلاثين للهجرة في خلافة عثمان ﵁، وهو صاحب عفراء التي كان يهواها، وكانت ترباً له يلعبان معاً، فألف كل واحد منهما بصاحبه، وكان عمه عقال يقول لعروة: أبشر فإن عفراء امرأتك إن شاء الله تعالى، فلم يزالا إلى أن التحق عروة بالرجال وعفراء بالنساء، وكان عروة قد رحل إلى عم له باليمن ليطلب منه ما يمهر به عفراء لأن أمها سامته كثيراً في مهرها، فنزل بالحي رجل ذو يسار ومالٍ من بني أمية فرأى عفراء فأعجبته، فبذل لها كثيراً (٢) من المال، فلم تزل أمها بأبيها إلى أن زوجها منه، فلما أهديت إليه قالت: يا عرو إن الحي قد نقضوا ... عهد الإله وحالفوا الغدرا وارتحل الأموي بعفراء إلى الشام، وعمد أبو عفراء إلى قبر فجدده وسواه وسأل أهل الحي كتمان أمرها، ثم وفد عروة بعد أيام فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، وبقي مدة يختلف إليه، فأتته جارية من الحي فأخبرته بالقصة

стр. 872

فرحل الرجل إلى الشام وقصد الرجل وانتسب له في عدنان فأكرمه، وبقي عنده أياماً (١) ، فقال لجارية عفراء: هل لك في يد تولينيها؟ قالت: وما هي؟ قال: هذا الخاتم تدفعينه (٢) إلى مولاتك، فأبت عليه، فعرفها وقال: اطرحي هذا الخاتم في صبوحها فإن أنكرته قولي: إن ضيفك اصطبح قبلك، ووقع من يده، فلما فعلت الجارية ذلك عرفت عفراء الخبر، فقالت لزوجها: إن ضيفك ابن عمي، فجمع بينهما وخرج وتركهما وأوقف من يسمع ما يقولانه، فتشاكيا وتباكيا طويلاً، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه فقال: والله ما دخل جوفي حرام قط ولا ارتكبته وأنت حظي من الدنيا، وقد ذهبت مني وذهبت منك فما أعيش بعدك، وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأنا مستحي منه ولا أقيم بمكانه بعد علمه بي، وإني لأعلم أني أرحل إلى منيتي، ثم بكى ويكت، وجاء زوجها فأخبره الخادم بما جرى بينهما فقال لها: يا عفراء امنعي ابن عمك من الرحيل، قالت: لا يمتنع، فدعاه وقال: يا أخي اتق الله في نفسك فقد عرفت خبرك، وإن رحلت تلفت، ووالله ما أمنعك من الاجتماع بها أبداً، وإن شئت فارقتها، فجزاه خيراً وقال: كان الطمع فيها آفتي، والآن فقد صبرت نفسي ويئست منها، واليأس يسلي، ولي أمور ولا بد من الرجوع إليها، فإن وجدت بي قوة لذلك، وإلا عدت إليكم وزرتكم حتى يقضي الله في أمري ما يشاء، فزوده وأكرموه، وأعطته عفراء خماراً لها، فلما سار عنها نكس بعد صلاحه وأصابه غشي وخفقان، وكان كلما أغمي عليه ألقى عليه غلامه ذلك الخمار فيفيق، فلقيه في الطريق ابن مكحول عراف اليمامة، فجلس عنده وسأله عما به، وهل هو خبل أم جنون؟ فقال له عروة: ألك علم بالأوجاع؟ قال: نعم، فأنشأ عروة يقول (٣) : أقول لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن داويتني لطبيب

стр. 873

فوا كبدا أمست رفاتاً كأنما ... يلذعها بالموقدات لهيب عشية لا عفراء منك قريبة ... فتسلو ولا السلوان منك قريب فوالله ما أنساك ما هبت الصبا ... وما أعقبتها في الرياح جنوب عشية لا خلفي مكر ولا الهوى ... أمامي ولا يهوى هواي غريب وإني لتغشاني لذكراك فترة ... كأن لها بين الضلوع دبيب قال الأخباريون: ومات في سفرته تلك قبل أن يصل إلى حيه بثلاث ليال، وبلغ عفراء خبره فجزعت جزعاً شديداً، وقالت ترثيه: ألا أيها الركب المخبون ويحكم ... أحقاً نعيتم عروة بن حزام فلا يهنأ الفتيان بعدك لذة ... ولا رجعوا من غيبةٍ بسلام وقل للحبالى لا يرجين غائباً ... ولا فرحاتٍ بعده بغلام (١) ولم تزل تنشد الأشعار وتندبه وتبكيه إلى أن ماتت بعده بأيام قلائل. وعن أبي صالح قال: كنت مع ابن عباس يعرفه، فأتاه فتيان يحملون فتى لم يبق إلا خياله، فقالوا: يا ابن عم رسول الله ﷺ ادع الله تعالى له، قال: وما به؟ فقال الفتى (٢) : بنا من جوى الأحزان في الصدر لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب ولكنما أبقى حشاشة معولٍ ... على ما به عود هناك صليب قال: ثم خفت في أيديهم فإذا هو قد مات، فما رأيت ابن عباس سأل الله تعالى في عيشته إلا العافية مما ابتلي به ذلك الفتى، قال: وسألت عنه فقيل لي: هذا عروة بن حزام.

стр. 874

ومن شعر عروة (١) : خليلي من عليا هلال بن عامر ... بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني ولا تزهدا في الأجر (٢) عندي وأجملا ... فإنكما بي اليوم مبتليان ألما عن عفراء إنكما غداً ... بوشك النوى والبين معترفان فيا واشيي عفراء ويحكما بمن ... ومن وإلى من جئتما تشيان بمن لو أراه (٣) عانياً لفديته ... ومن لو رآني عانياً لفداني متى تكشفا عني القميص تبينا ... بي السقم من عفراء يا فتيان فقد تركتني لا أعي لمحدثٍ ... حديثاً وإن ناجيته ودعاني جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجدٍ إن هما شفياني فما تركا من حيلةٍ يعلمانها ... ولا شربة إلا وقد سقياني ورشا على وجهي من الماء ساعةً ... وقاما مع العواد يبتدران وقالا: شفاك الله، والله ما لنا ... بما ضمنت منك الضلوع يدان فويل على عفراء ويل كأنه ... على الصدر والأحشاء حد سنان أحب ابنة العذري حباً وإن نأت ... ودانيت منها حيثما تريان إذا رام قلبي هجرها حال دونه ... شفيعان من قلبي لها جدلان (٤) إذا قلت لا قالا بلى ثم أصبحا ... جميعاً على الرأي الذي يريان تحملت من عفراء ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان فيا رب أنت المستعان على الذي ... تحملت من عفراء منذ زمان كأن قطاةً علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان

стр. 875

(١) ٣٢٦ عروة بن أذينة عروة بن أذينة الليثي الشاعر الحجازي المشهور؛ سمع ابن عمر، وروى عنه مالك في الموطأ وكان من فحول الشعراء. وتوفي في حدود الثلاثين ومائة ﵀. ومن شعره (٢) : لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلبه ... وإن قعدت أتاني لا يعنيني فإن حظ امرىءٍ غيري سيبلغه ... لا بد لا بد أن يختاره دوني لا خير في طمع يدني لمنقصة ... وغفة من كفاف (٣) العيش تكفيني كم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكين ومن عدو رماني لو قصدت به ... لم آخذ النصف منه حين يرميني ومن أخٍ لي طوى كشحاً فقلت له ... إن انطواءك عني سوف يطويني إني لأنظر فيما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني لا أبتغي وصل من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني أتى هو وجماعة من الشعراء إلى هشام بن عبد الملك فتبينهم، فلما عرف عروة قال له: ألست القائل (٤) :

стр. 876

لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... قال عروة: نعم، قال: فهلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك؟ وغفل عنه هشام فخرج عروة من وقته وركب راحلته ومضى منصرفاً، فافتقده هشام فلم يره (١) ، وقيل له: رجع إلى الحجاز، فأتبعه بجائزته وقال للرسول: قل له أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك، فلحقه وأبلغه الرسالة ودفع إليه الجائزة، فقال: قل له: صدقني الله وكذبك. ٣٢٧ - (٢) الصاحب علاء الدين الجويني عطا ملك بن محمد بن محمد، الأجل علاء الدين الجويني صاحب الديوان الخراساني، أخو الصاحب الكبير شمس الدين؛ كان إليهما الحل والعقد في دولة أبغا (٣) ، ونالا من الجاه والحشمة ما يتجاوز الوصف. وفي سنة ثمانين قدم بغداد مجد الملك العجمي (٤) ، فأخذ صاحب الديوان وغله وعاقبه، وأخذ أمواله وأملاكه، وعاقب سائر خواصه. ولما عاد منكوتمر (٥) من الشام مكسوراً حمل علاء الدين معهم إلى همذان وهناك

стр. 877

مات أبغا ومنكوتمر، فلما ملك أرغون ابن أبغا طلب الأخوين فاختفيا، وتوفي علاء الدين بعد الاختفاء بشهر سنة إحدى وثمانين وستمائة، ثم أخذ ملك اللور أماناً لشمس الدين من أرغون، وأحضره إليه، فغدر به وقتله، ثم فوض أمر العراق إلى مجد الملك العجمي ومجد الدين ابن الأثير والأمير علي بن جكيبان (١) ، ثم قتل أرق (٢) وزير أرغون الثلاثة بعد عام. وكان علاء الدين وأخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة بالأمور وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد، وبالغ بعض الناس فقال: كانت بغداد أيام الصاحب علاء الدين أجود ما كانت أيام الخليفة، وكان الفاضل إذا عمل كتاباً ونسبه إليهما يكون جائزته ألف دينار، وكان لهما إحسان إلى العلماء والفضلاء، ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية. ومن شعر علاء الدين: أبادية الأعراب عني فإنني ... بحاضرة الأتراك نيطت علائقي وأهلك يا نجل العيون فإنني ... بليت بهذا الناظر المتضايق ٣٢٨ (٣) المؤيد الآلسي عطاف بن محمد علي، أبو سعيد الآلسي الشاعر المعروف بالمؤيد؛ ولد بآلس قريةٍ بقرب الحديثة، سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وتوفي سنة سبع وخمسين

стр. 878

وخمسمائة. وكان قد نشأ بدجيل ودخل بغداد، وصار جاويشاً في أيام المسترشد، ونظم الشعر وعرف به ومدح وهجا، ولجأ إلى خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاة، وتفسح في ذكر الإمام المقتفي وأصحابه بما لا ينبغي، فقبض عليه وسجن بعد ما كان أثرى واقتنى عقاراً وأملاكاً، وأقام في السجن عشر سنين إلى أن عشي بصره من ظلمة السجن، وأخرج في زمان المستنجد، وكان زيه زي الأجناد، ثم سافر إلى لموصل وتوفي بعد خروجه بثلاث سنين. وكان قبل خروجه عرض على المقتفي قصة فوقع عليها يفرج عن هذا وكان ضاحي نهار، فأفرج عنه ومضى إلى بيته واجتمع بزوجته، وبرز العصر توقيع الخليفة ينكر الإفراج عنه والقبض على صاحب الخبر، فإنه الذي عرض القصة، وأعيد بعد العصر إلى المطمورة، وجاءه ولد (١) يدعى محمداً كان قد علقت به امرأته في ذلك اليوم عند حضوره إليها من الحبس. ومن شعره (٢) : لعتبة من قلبي طريف وتالد ... وعتبة لي حتى الممات حبيب وعتبة أقصى منيتي وأعز من ... علي وأشهى من إليه أثوب غلامية الأعطاف تهتز للصبا ... كما اهتز من ريح الشمال قضيب تعلقتها طفلاً صغيراً ويافعاً ... كبيراً وها رأسي بها سيشيب وصيرتها ديني ودنياي لا أرى ... سوى حبها إني إذاً لمصيب وقد أخلقت أيدي الحوادث جدتي ... وثوب الهوى ضافي الدروع قشيب

стр. 879

سقى عهدها صوب العهاد بجوده ... ملث كتيار الفرات سكوب وليتنا والغرب ملق جرانه ... وعود الهوى داني القطوف رطيب ونحن كأمثال الثريا يضمنا ... رداء (١) على ضيق المكان رحيب إلى أن تقضى الليل وامتد فجره ... وعاود قلبي للفراق وجيب فيا ليت دهري كان ليلاً جميعه ... وإن لم يكن لي فيه منك نصيب أحبك حتى يبعث الله خلقه ... ولي منك في يوم الحساب حسيب وألهج بالتذكار باسمك دائماً ... وإني إذا سميت لي لطروب فلو كان ذنبي أن أديم لودكم ... حياتي بذكراكم فلست أتوب إذا حضرت هاجت وساوس مهجتي ... وتزداد بي الأشواق حين تغيب فوا أسفا لا في الدنو ولا النوى ... أرى عيشتي يا عتب منك تطيب بقلبي من حبيبك نار وجنة ... ولي منك داء قاتل وطبيب فأنت التي لولاك ما بت ساهراً ... ولا عاودتني زفرة ونحيب ومنه: لنا صديق يغر الأصدقاء ولا ... نراه مذ كان في ود له صدقا كأنه البحر طول الدهر تركبه ... وليس تأمن منه الخوف والغرقا ٣٢٩ (٢) العمي الشاعر عكاشة بن عبد الصمد العمي؛ كان من فحول الشعراء، وكان يهوى جارية

стр. 880

لبعض الهاشمين تدعى نعيماً، وكان لا يراها إلا في الأحيان، وربما اجتمع بها مع صديقه حميد بن سعيد فيشربون وتغنيهم وتنصرف، إلى أن قدم قادم من بغداد فاشتراها ورحل بها عن البصرة إلى بغداد، فعظم أسف عكاشة وجزعه عليها، واستحالت صورته وطبعه، وكان ينوح عليها بأشعاره ويبكي. ومن شعره: ألا ليت شعري هل يعودن ما مضى ... وهل راجع ما فات من صلة الحبل وهل أجلسن في مثل مجلسنا الذي ... نعمنا به يوم السعادة بالوصل عشية صبت لذة الوصل طيبها ... علينا وأفنان الحياة جنى النحل (١) وقد دار ساقينا بكأس رويةٍ ... ترحل أحزان الكئيب مع العقل وشجت شمول (٢) بالمزاج فطيرت ... كألسنة الحيات خافت من القتل فبتنا وعين الكاس سح دموعها ... بكل فتىً يهتز للمجد كالنصل وقينتنا كالظبي تحتج (٣) للهوى ... وبث تباريح الفؤاد على رسل إذا ما حكت بالعود رجع لسانها ... رأيت لسان العود من كفها يملي فلم أر كاللذات أمطرت الهوى ... ولا مثل يومي ذاك صادفه مثلي ومن شعره: وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقى ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو صدقوا قالوا به أعين الإنس وقال من قصيدة طويلة (٤) : هذا وكم من مجلسٍ لي مونقٍ ... بين النعيم وبين عيشٍ دان
следующие страницы →