لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... قال عروة: نعم، قال: فهلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك؟ وغفل عنه هشام فخرج عروة من وقته وركب راحلته ومضى منصرفاً، فافتقده هشام فلم يره (١) ، وقيل له: رجع إلى الحجاز، فأتبعه بجائزته وقال للرسول: قل له أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك، فلحقه وأبلغه الرسالة ودفع إليه الجائزة، فقال: قل له: صدقني الله وكذبك.
٣٢٧ - (٢)
الصاحب علاء الدين الجويني
عطا ملك بن محمد بن محمد، الأجل علاء الدين الجويني صاحب الديوان الخراساني، أخو الصاحب الكبير شمس الدين؛ كان إليهما الحل والعقد في دولة أبغا (٣) ، ونالا من الجاه والحشمة ما يتجاوز الوصف. وفي سنة ثمانين قدم بغداد مجد الملك العجمي (٤) ، فأخذ صاحب الديوان وغله وعاقبه، وأخذ أمواله وأملاكه، وعاقب سائر خواصه.
ولما عاد منكوتمر (٥) من الشام مكسوراً حمل علاء الدين معهم إلى همذان وهناك
стр. 877
مات أبغا ومنكوتمر، فلما ملك أرغون ابن أبغا طلب الأخوين فاختفيا، وتوفي علاء الدين بعد الاختفاء بشهر سنة إحدى وثمانين وستمائة، ثم أخذ ملك اللور أماناً لشمس الدين من أرغون، وأحضره إليه، فغدر به وقتله، ثم فوض أمر العراق إلى مجد الملك العجمي ومجد الدين ابن الأثير والأمير علي بن جكيبان (١) ، ثم قتل أرق (٢) وزير أرغون الثلاثة بعد عام.
وكان علاء الدين وأخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة بالأمور وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد، وبالغ بعض الناس فقال: كانت بغداد أيام الصاحب علاء الدين أجود ما كانت أيام الخليفة، وكان الفاضل إذا عمل كتاباً ونسبه إليهما يكون جائزته ألف دينار، وكان لهما إحسان إلى العلماء والفضلاء، ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية.
ومن شعر علاء الدين:
أبادية الأعراب عني فإنني ... بحاضرة الأتراك نيطت علائقي
وأهلك يا نجل العيون فإنني ... بليت بهذا الناظر المتضايق ٣٢٨ (٣)
المؤيد الآلسي
عطاف بن محمد علي، أبو سعيد الآلسي الشاعر المعروف بالمؤيد؛ ولد بآلس قريةٍ بقرب الحديثة، سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وتوفي سنة سبع وخمسين
стр. 878
وخمسمائة. وكان قد نشأ بدجيل ودخل بغداد، وصار جاويشاً في أيام المسترشد، ونظم الشعر وعرف به ومدح وهجا، ولجأ إلى خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاة، وتفسح في ذكر الإمام المقتفي وأصحابه بما لا ينبغي، فقبض عليه وسجن بعد ما كان أثرى واقتنى عقاراً وأملاكاً، وأقام في السجن عشر سنين إلى أن عشي بصره من ظلمة السجن، وأخرج في زمان المستنجد، وكان زيه زي الأجناد، ثم سافر إلى لموصل وتوفي بعد خروجه بثلاث سنين.
وكان قبل خروجه عرض على المقتفي قصة فوقع عليها يفرج عن هذا وكان ضاحي نهار، فأفرج عنه ومضى إلى بيته واجتمع بزوجته، وبرز العصر توقيع الخليفة ينكر الإفراج عنه والقبض على صاحب الخبر، فإنه الذي عرض القصة، وأعيد بعد العصر إلى المطمورة، وجاءه ولد (١) يدعى محمداً كان قد علقت به امرأته في ذلك اليوم عند حضوره إليها من الحبس.
ومن شعره (٢) :
لعتبة من قلبي طريف وتالد ... وعتبة لي حتى الممات حبيب
وعتبة أقصى منيتي وأعز من ... علي وأشهى من إليه أثوب
غلامية الأعطاف تهتز للصبا ... كما اهتز من ريح الشمال قضيب
تعلقتها طفلاً صغيراً ويافعاً ... كبيراً وها رأسي بها سيشيب
وصيرتها ديني ودنياي لا أرى ... سوى حبها إني إذاً لمصيب
وقد أخلقت أيدي الحوادث جدتي ... وثوب الهوى ضافي الدروع قشيب
стр. 879
سقى عهدها صوب العهاد بجوده ... ملث كتيار الفرات سكوب
وليتنا والغرب ملق جرانه ... وعود الهوى داني القطوف رطيب
ونحن كأمثال الثريا يضمنا ... رداء (١) على ضيق المكان رحيب
إلى أن تقضى الليل وامتد فجره ... وعاود قلبي للفراق وجيب
فيا ليت دهري كان ليلاً جميعه ... وإن لم يكن لي فيه منك نصيب
أحبك حتى يبعث الله خلقه ... ولي منك في يوم الحساب حسيب
وألهج بالتذكار باسمك دائماً ... وإني إذا سميت لي لطروب
فلو كان ذنبي أن أديم لودكم ... حياتي بذكراكم فلست أتوب
إذا حضرت هاجت وساوس مهجتي ... وتزداد بي الأشواق حين تغيب
فوا أسفا لا في الدنو ولا النوى ... أرى عيشتي يا عتب منك تطيب
بقلبي من حبيبك نار وجنة ... ولي منك داء قاتل وطبيب
فأنت التي لولاك ما بت ساهراً ... ولا عاودتني زفرة ونحيب ومنه:
لنا صديق يغر الأصدقاء ولا ... نراه مذ كان في ود له صدقا
كأنه البحر طول الدهر تركبه ... وليس تأمن منه الخوف والغرقا ٣٢٩ (٢)
العمي الشاعر
عكاشة بن عبد الصمد العمي؛ كان من فحول الشعراء، وكان يهوى جارية
стр. 880
لبعض الهاشمين تدعى نعيماً، وكان لا يراها إلا في الأحيان، وربما اجتمع بها مع صديقه حميد بن سعيد فيشربون وتغنيهم وتنصرف، إلى أن قدم قادم من بغداد فاشتراها ورحل بها عن البصرة إلى بغداد، فعظم أسف عكاشة وجزعه عليها، واستحالت صورته وطبعه، وكان ينوح عليها بأشعاره ويبكي.
ومن شعره:
ألا ليت شعري هل يعودن ما مضى ... وهل راجع ما فات من صلة الحبل
وهل أجلسن في مثل مجلسنا الذي ... نعمنا به يوم السعادة بالوصل
عشية صبت لذة الوصل طيبها ... علينا وأفنان الحياة جنى النحل (١)
وقد دار ساقينا بكأس رويةٍ ... ترحل أحزان الكئيب مع العقل
وشجت شمول (٢) بالمزاج فطيرت ... كألسنة الحيات خافت من القتل
فبتنا وعين الكاس سح دموعها ... بكل فتىً يهتز للمجد كالنصل
وقينتنا كالظبي تحتج (٣) للهوى ... وبث تباريح الفؤاد على رسل
إذا ما حكت بالعود رجع لسانها ... رأيت لسان العود من كفها يملي
فلم أر كاللذات أمطرت الهوى ... ولا مثل يومي ذاك صادفه مثلي ومن شعره:
وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقى ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو صدقوا قالوا به أعين الإنس وقال من قصيدة طويلة (٤) :
هذا وكم من مجلسٍ لي مونقٍ ... بين النعيم وبين عيشٍ دان
стр. 881
نازعته أردانه فلبستها ... مع ظبية في (١) عيشنا الفينان
تنسي الحليم من الرجال معاده ... بين الغناء وعودها الحنان
حتى يعود كأن حبة قلبه ... مشدودة بمثالث ومثاني
ظلت تغنيني وتعطف كفها ... بالعود بين الراح والريحان
فسمعت ما أبكى وأضحك سامعاً ... فسكرت من طرب ومن أشجان
ومشيت في لجج الهوى متبختراً ... ومشى إلي الموت (٢) في ألوان
فعلمت أن قد عاد قلبي عائد ... من بين عودٍ مطرب وبنان ومنه:
إذ نحن نسقاها شمولاً قرقفاً ... تدع الصحيح بعقله مرتابا
حمراء مثل دم الغزال وتارةً ... بعد المزاج تخالها زريابا
من كف جارية كأن بنانها ... من فضةٍ قد قمعت عنابا
تزداد (٣) حسناً كاسها في كفها ... ويطيب منها نشرها أحقابا
وإذا المزاج علا فشج جبينها ... بقيت بألسنة المزاج حبابا
وتخال ما جمعت فأحدق سمطه ... بالطوق ريق جنادبٍ (٤) ورضابا
والعود متبع غناء خريدة ... غرداً (٥) يقول كما تقول صوابا
وكأن يمناها إذا نطقت به ... تلقي على يدها الشمال حسابا وكانت وفاته بعد المائتين، رحمه الله تعالى.
стр. 882
(١) ٣٣٠
علوان الأسدي
علوان بن علي بن مطارد الأسدي الضرير؛ سمع منه سلمان الشحام، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
أوجهك أم شمس النهار أم البدر ... وثغرك أم در وريقك أم خمر
وقدك أم غصن ترنحه الصبا ... وغنج أراه حشو جفنك أم سحر
تبدى لنا والليل ملقٍ جرانه ... فعاد نهاراً قبل أن يطلع الفجر
أعاذلتي ما أقتل الحب للفتى ... إذا كان من يهواه شيمته الغدر
ويا معشر العشاق ما أعجب الهوى ... يرى مرة عذباً وأعذبه مر
ولم أنس حالي يوم زمت ركابهم ... أقام بجسمي الضر وارتحل الصبر
فما للنوى لا ألف الله شملها ... وما لغراب البين لا ضمه وكر
وليلٍ كيوم الحشر معتكر الدجى ... طويل المدى لا يستبين له فجر
أراعي نجوماً ليس يلفى زوالها ... ولا مؤنس إلا التسهد والفكر
أرى أسهم الأيام تقصد مهجتي ... كأن صروف الدهر عندي لها وتر
ألا أيها الدهر المكدر عيشتي ... رويدك مثلي لا يروعه ذعر
أتحسب أن ألفى لغدرك ضارعاً ... فأنى وفخر الدين لي في الورى ذخر ومنه في غلام أسود:
سواد عيني فدى أسودٍ ... في داخل القلب له نقطه
стр. 883
البدر ما استكمل في حسنه ... حتى اكتسى من لونه خطه
مخطط بالحسن لكنما ... قلبي في الخطة في خطه ٣٣١ (١)
الباز الأشهب
علوي بن عبد الله بن عبيد، الشاعر الحلي المعروف بالباز الأشهب؛ كان أديباً متفنناً مليح الإيراد للشعر، توفي سنة ست وتسعين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
سل البانة الغناء هل مطر الحمى ... وهل آن للورقاء أن تترنما
وهل عذبات الرند نبهها الصبا ... لذكر الصبا قدماً فقد كنا نوما
وإن تكن الأيام قصت جناحها ... فقد طالما مدت بناناً ومعصما
بكتها الغوادي رحمةً فتنفست ... وأعطت رياض الحزن سراً مكتما
وشقت ثياباً كن ستراً لأمرها ... فلما رآها الأقحوان تبسما
خليلي هل من سامعٍ ما أقوله ... فقد منع الجهال أن أتكلما
عرفت المعالي قبل تعرف نفسها ... ولا سفرت وجهاً ولا فغرت فما
وأوردتها ماء البلاغة منطقاً ... فصارت لجيد الدهر عقداً منظما
وكانت تناجيني بألسن حالها ... فأدرك سر الوحي منها توهما
فما لليالي لا تقر بأنني ... خلقت لها منها بدوراً وأنجما
ورب جهولٍ قال لو كان صادقاً ... لأمكنت الأيام أن يتقدما
стр. 884
ولم يدر أني لو أشاء حويتها ... ولكن صرفت (١) النفس عنها تكرما
أبى الله أن ألقى بخيلاً بمدحه ... وقد جعل الشكوى إلى المدح سلما
إذا المرء لم يحكم على النفس قادراً ... يمت غير مأجورٍ ويحيى مذمما
سلام على الماء الذي طاب مورداً ... وإن صيرته وقفة الذل علقما
فقد كنت لا أبغي سوى العز مطعماً ... ولا أرتضي ماءً ولو بلغ الظما
وكنت متى مثلت للنفس حاجةً ... أرى وجه إعراضي ولو كان أينما
وأحسب أن الشيب غير حالتي ... وصير حلي الغانيات محرما ٣٣٢ (٢)
ابن سعد الخير
علي بن إبراهيم بن محمد بن عيسى بن سعد الخير، أبو الحسن الأنصاري البلنسي؛ كان مع تقدمه في العربية وتفننه في الآداب منسوباً إلى غفلة تغلب عليه، وله رسائل بديعة وتواليف: منها كتاب الحلل في شرح الجمل للزجاجي، وكتاب جذوة البيان وفريدة العقيان وكتاب القرط على الكامل؛ وتوفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ومن شعره (٣) :
ألا سائل الركبان هل ظل لعلع ... كما كان مطول الصائل سجسجا
وهل وردوا ماء العذيب مناهلاً ... اذا صافحت كف النسيم تأرجا
стр. 885
وعن جزعات الحي مالي وما لها ... تجدد لي شوقاً إذا الركب عرجا
وعن أثلات الجزع هل مال ظلها ... وهل تخذت ريح الصبا منه مدرجا
لئن ظمئت نفسي إليها فطالما ... وردت بمغناهن أشنب أفلجا
بحيث يشف الستر عن ماء مبسمٍ ... أرى باب صبري عنه أبهم مرتجا وقال:
بأبي من بني الملوك غرير (١) ... قد ترديت فيه برد التصابي
ضاعفت حسنه ضفيرة شعرٍ ... هي منه طراز برد الشباب
تتلوى على الرداء مراحاً ... كحبابٍ ينساب فوق حباب وقال في سحابة:
وساريةٍ سحبت ذيلها ... وهزت على الأفق أعطافها
تسل البروق بأرجائها ... كما سلت الزنج أسيافها وقال:
بدا البدر في أفقه لابساً ... ثياباً من الشفق الأحمر
فشبهته والدجى حائل ... عروساً تزف إلى أسمر وقال في رمانة مفتحة:
وساكنة من ظلال الغصون ... بخدر تروق أفنانه
تضاحك أترابها عندما ... غدا الجو تدمع أجفانه
كما فتح الليث فاه وقد ... تضرج (٢) بالدم أسنانه وقال في إبرة في لباد أحمر:
стр. 886
ومخيطٍ ضاق عنه وصفي ... يعجز عن فعله اليماني
يكمن في لبدة ويبدو ... كالعرق في باطن اللسان وقال في حقلة كتان اصطفت بها غربان (١) :
ومخضرة الأرجاء قد طلها الندى ... وقابلها أنف الصبا بتنفس (٢)
تبدى بها سطراً دقيقاً (٣) كما بدت ... ضفيرة شعرٍ (٤) فوق بردة سندس وقال:
لله دولاب يفيض بسلسلٍ ... في روضة قد أينعت أفنانا
قد طارحته بها الحمائم شجوها ... فيجيبها ويرجع الألحانا
فكأنه دنف يدور بمعهدٍ ... يبكي ويسأل فيه عن من كانا
ضاقت مجاري جفنه عن دمعه ... فتفتحت أضلاعه أجفانا وقال في مليح أرمد، وقد لبس ثياباً حمراً (٥) :
ومهفهفٍ يجري بصفحة خده ... ولماه من ماء الحياة عبابه
ما زال يهتك باللحاظ قلوبنا ... حتى تضرج طرفه وثيابه
فبدا بحمرة ذا وحمرة هذه ... كالسيف يدمى حده وقرابه
стр. 887
(١) ٣٣٣
ابن الثردة الواعظ
علي بن إبراهيم بن علي بن معتوق بن عبد المجيد بن وفا، المعروف بابن الثردة الواعظ الواسطي الأصل البغدادي المنشأ؛ سألته عن مولده فقال: بكرة الإثنين ثاني عشرين شعبان سنة سبع وتسعين وستمائة.
قدم إلى دمشق مرات ووعظ بها بالجامع الأموي، ثم حصل له خلط سوداوي فتغير حاله، وكان يدعي في هذه الحالة أنه كانت له ببغداد كتب تقدير ألفي مجلدة، وأن جماعة من التجار الذين قدموا دمشق اغتصبوها وقدموا بها دمشق وأباعوها، وكان ذلك كله من مخيلة السوداء، فساءت حاله وأضرت به، والتحق بعقلاء المجانين، وكان يتخذ كارة (٢) يحملها تحت إبطه لا يفارقها ليلاً ولا نهاراً، بحيث أنه كان إذا دخل الحمام أو الطهارة يكون جالساً وهي تحت إبطه، وكلما وجد خيطاً أو حبلاً شدها به، فلا تزال في نمو وزيادة وهو حاملها، وكان يقول: لو دفع لي فيها ملك مصر ما أبعتها، ويقول: هي أشهى إلي من خاتمة الخير، والله لو خيرت بين دخول الجنة بلا كارتي أو دخول النار وكارتي معي اخترت دخول النار على دخول الجنة. وكان ينظم الشعر الجيد في هذه الحالة، وكان إذا دفع إليه أحد شيئاً من دراهم أو غيرها لا يقبل منه، ويقول: من أنت؟ أظن عندك شيء من كتبي فأنت تبرطلني على ذلك، ولا يقبل لأحد شيئاً إلا بعد الجهد؛ وكانت وفاته بمارستان ابن سويد في أوائل سنة خمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 888
ولما توفي فتحت كارته فما وجد فيها سوى جزاز بخطه وكراريس وعظيات وشعر تغزل وغيره (١) .
أنشدني لنفسه:
أضحى جمالك للورى أعجوبة ... كل الورى قد قيدوا بقياده
فوحق من سواك يا بدر الدجى ... ما أنت إلا فتنة لعباده وقال:
لي حبيب خياله نصب عيني ... أينما كنت وجهه (٢) مرآتي
يتجلى لطور سيناء قلبي ... فتراني أخر من صعقاتي
ليتني ما عدمته من حبيب ... أتراءاه من (٣) جميع جهاتي
وإذا لاح أو تجلى لعيني ... كدت أقضي من شدة الحسرات
هو ناري وجنتي ومماتي ... وحياتي في السر والخلوات
لست مهما حييت أنساه أصلا ... لا ولا ساعةً من الساعات وأنشدني لنفسه:
سبحان من أبدى جمالك للورى ... عجباً يحار العقل في تصويره
وصفوك غاية وصفهم لكنهم ... لم يدركوا مقدار عشر عشيره
لو كان يوسف في زمانه فقته ... حسناً وكنت تكون فوق سريره
اعطف على عبدٍ ملكت قياده ... فالعبد لم يرحمه غير أميره وأنشدني لنفسه:
يا دار علوة لا عداك غمام ... مني عليك تحية وسلام
стр. 889
فلقد تقضت لي بربعك عيشة ... زمن الصبا إذ لست فيك ألام
مع فتية حلوا ببطحاء الحمى ... ولهم بقلبي مربع ومقام
يحمون بالبيض النزيل حمية ... ومن استجار بهم فليس يضام
انظر إليهم كيف تضرم نارهم ... للطارقين إذا ألم ظلام
ترهم إذا ما الليل جن عليهم ... وهم سجود في الدجى وقيام
لولاهم ما كان يعرف ما الهوى ... كلا ولا بيع النفوس يسام وقال أيضاً عفا الله عنه:
بالجامع الأموي ظبي أهيف ... ما في الملاح كحسنه وجماله
هو بدر تم والقلوب بروجه ... يخفي البدور بنور عز جلاله
وإذا تثنى مائساً في مشيه ... فضح الغصون بلينه ودلاله وقال:
ولما تجلى من أحب لناظري ... خررت من الأشواق صعقا إلى الأرض
وإني لأتلو ذكره وحديثه ... وسمعي به يلتذ في النفل والفرض وقال مواليا:
لك وجه يحكي فتات السكر المصري ... وقد يشبه (١) قضيب البان لي يمري
وردف ما ريت مثله قط في عصري ... يا ليته حظ علي بن الثردة المقري وأنشدني لنفسه من موشح:
أيها النائم كم هذا الرقاد ... انتبه كم نوم
انتبه من ذا الكرى يا ذا الجماد ... تلتحق بالقوم
وتأهب لغدٍ يوم المعاد ... يا له من يوم
стр. 890
وافعل الخير لتحظى بالنجاح ... لا تكن كسلان
واجتهد فالمجتهد يلقى الفلاح ... ويرى الإحسان
قد تقضى العمر دع لهو الصبا ... أيها الغافل
لا تكن ممن إلى الجهل صبا ... تعس الجاهل
كل شيء تهب الدنيا هبا ... ليس بالطائل
كم حريص خلف الدنيا وراح ... لابس الأكفان
وأخو الفقر توفي فاستراح ... قلبه التعبان
стр. 891
٣٣٤ - (١)
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى ... فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له ... صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني ... من حبه لا آمن العتقا وله أيضاً:
стр. 892
تلطف في رسولك يا أميري ... فإني من رسولك في غرور (١)
أحمله رسالاتي فينسى ... ويبلغك القليل مع الكثير
وأرسل من إذا لحظته عيني ... حكى لي طرفه ما في ضميري
إذا كان الرسول كذا بليداً ... تقطعت الجوانح في الصدور وفي المكتفي هذا يقول ابن المعتز:
قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمتها لو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي وما أحسن قول ابن سناء الملك (٢) :
وملية بالحسن يسخر وجهها ... بالبدر، يهزأ ريقها بالقرقف
لا أرتضي بالشمس في تشبيهها ... والبدر، بل لا أكتفي بالمكتفي ٣٣٥ (٣)
الحريري شيخ الطائفة
علي بن الحسن بن منصور، الشيخ أبو الحسن الحريري؛ قال الشيخ شمس الدين: شيخ الفقراء الحريرية أولي الطيبة والسماعات والشاهد، كان له شأن عجيب ونبأ غريب، وهو حوراني من عشيرة يقال لهم " بنو الزمان " بقرية بسر (٤) ، وقدم
стр. 893
دمشق صبياً ونشأ بها، وذكر هو أنه من قوم يعرفون ببني قرقر، وكانت أمه دمشقية من ذرية الأمير قرواش بن المسيب العقيلي، وكان خاله صاحب دكان في الصاغة؛ توفي والده وهو صغير، ونشأ في حجر عمه، وتعلم صناعة العتابي وبرع فيها حتى فاق الأقران، ثم صحب الشيخ أبا علي المغربل خادم الشيخ رسلان.
قال الحافظ سيف الدين ابن المجد: علي الحريري وطئ أرض الجبل ولم يمكنه المقام به، والحمد لله، كان من أفتن شيء وأضره على الإسلام، تظهر منه الزندقة والاستهزاء بأوامر الشرع ونواهيه، بلغني من الثقات عنه أشياء يستعظم ذكرها من الزندقة والجرأة على الله تعالى، وكان مستخفاً بأمر الصلاة وانتهاك الحرمات.
ثم قال: حدثني رجل أن شخصاً دخل الحمام، فرأى الحريري في الحمام ومعه صبيان حسان بلا ميازر، فجاء إليه وقال: ما هذا؟ فقال: كأن ليس سوى هذا، وأشار إلى أحدهم: تمدد على وجهك، فتمدد، فتركه الرجل وخرج هارباً مما رأى.
قال الشيخ شمس الدين: رأيت جزءاً (١) من كلامه من جملته: إذا دخل مريدي بلد الروم فتنصر وأكل لحم الخنزير وشرب الخمر كان في شغلي. وسأله رجل: أي الطرقات أقرب إلى الله حتى أسير فيه؟ فقال له: اترك السير وقد وصلت، وهذا مثل قول العفيف التلمساني:
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ... إلا إليك إذا بلغت المنزلا وقال لأصحابه: بايعوني على أن نموت يهود ونحشر إلى النار حتى لا يصاحبني أحد لعلة؛ وقال: ما يحسن بالفقير أن ينهزم من شيء، وإذا خاف من شيء قصده؛ وقال: لو قدم علي من قتل ولدي وهو بذلك طيب كنت أطيب منه.
ومن شعره في ذلك الجزء:
стр. 894
أمرد يقدم مداسي ... أخير من رضوانكم
وربع قحبه عندي ... أحسن من الولدان
قالوا أنت تدعى صالح ... دع عنك هذه الخندقة
قلت السماع يصلح لي ... بالشمع والمردان
ما أعرف لآدم طاعه ... إلا سجود الملايكه
وما أعرف آدم عصى الله ... يعظم الرحمن وله:
إن كنت أقجي (١) تقدم ... وإن كنت رماح انتبه
وإن كنت حشو المخده ... اخرج ورد الباب
أو ذا اشتهي قبل موتي ... أعشق ولو صورة حجر
أنا مثكل محير ... والعشق بي مشغول ومن شعره:
كم تتعبني بصحبة الأجساد ... كم تسهرني بلذة الميعاد
جد لي بمدامة تقوي رمقي ... والجنة جد بها على الزهاد وكان يلبس الطويل والقصير والمدورة والمفرج والأبيض والأسود، والقلنسوة وحدها، وثوب المرأة، والمطرز والملون.
وذكر بهاء الدين يوسف بن أحمد بن العجمي أن القاضي مجد الدين ابن العديم حدثه عن أبيه قال: كنت أكره الحريري وطريقه، فاتفق أن حججت وحج الحريري ومعه جماعة ومردان، فأحرموا وبقوا تبدو منهم في الإحرام أمور منكرة، فحضت يوماً عند أمير الحاج، فجاء الحريري، واتفق حضور إنسان بعلبكي
стр. 895
ومعه ملاعق، ففرق علينا كل واحد ملعقتين ملعقتين، وأعطى الشيخ علي الحريري واحدة، فأعطاه الجماعة ملاعقهم تكرمة له، وأما أنا فلم أعطه ملعقتي، فقال لي: يا كمال الدين، لم لا توافق الجماعة؟ فقلت: ما أعطيك شيئاً، فقال: الساعة نكسرهما (١) ، قال: والملعقتان على ركبتي، قال: فنظر إليهما وإذا بهما قد انكسرتا كل واحدة شقفتين، فقلت: ومع هذا فلا أرجع عن أمري فيك، وهذا من الشيطان، أو قال: هذا حال شيطاني.
وذكر النسابة في تعاليقه قال: وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة أمر الصالح بطلب الحريري واعتقاله، فهرب إلى بسر، وسببه أن ابن الصلاح وابن عبد السلام وابن الحاجب أفتوا بقتله لما اشتهر عنه من الإباحة وقذف الأنبياء والفسق وترك الصلاة، وقال الملك الصالح: أعرف منه أكثر من هذا. وسجن الوالي جماعة من أصحابه، وتبرأ منه أصحابه وشتموه، ثم طلب وحبس بعزتا (٢) ، فجعل أناس يترددون إليه، فأنكر الفقهاء ذلك، وسألوا الوزير ابن مرزوق أن يعلم الواجب فيه، وإلا قتلناه نحن، وكان ابن الصلاح يدعو عليه في أثناء كل صلاة بالجامع جهراً، وكتب جماعة من أصحابه بالبراءة عليه منه.
ولما مات سنة خمس وأربعين وستمائة سن أصحابه المحيا (٣) في شهر رمضان كل ليلة سبعة وعشرين، وهي من ليالي القدر، فيحيون تلك الليالي الشريفة بالدفوف والشبابات والملاح بالرقص إلى السحر، وفي ذلك يقول علاء الدين الوداعي (٤) :
حاز الحريري فضلاً ... لميت ما تهيا
стр. 896
في كل ليلة قدر ... يرى له الناس محيا وفيه يقول سيف الدين المشد (١) :
سمعت بأن حبركم علياً (٢) ... حباه الله منه بالحبور
إذا حضر السماع يتيه عجباً ... بما أوتيه من عزم الأمور
فلا تولوه تعنيفاً ولوماً ... فما تدرون أسرار الصدور
ومن ذا في السماع له مقام ... إذا سمعت مقامات الحريري ورثاه النجم ابن إسرائيل بقصيدته التي أولها:
خطب كما شاء الإله جليل ... ذهلت لديه بصائر وعقول
ومصيبة كسفت لها شمس الضحى ... وهفا ببدر المكرمات أفول
وكبا زناد المجد وانفصمت عرى ال ... علياء واغتال الفضائل غول
وتنكرت سبل المعارف واغتدت ... غفلاً وأقفر ربعها المأهول
ومضت بشاشة كل شيء وانقضت ... فالوقت قبض والزمان عليل
وعلا ملاحات الوجوه سماجة ... وخفيف تلك الكائنات ثقيل
والروض أغبر والمياه أواجن ... ومعاطف الأغصان ليس تميل
والشمع والألحان لا نور ولا ... طرب وليس على الشهود قبول
خطب ألم بكل قطر نعيه ... كادت له شم الجبال تزول
فعلى المعاني والعلوم كآبة ... وعلى الحقائق ذلة وخمول
والسالكون سطت عليهم حيرة ... وغوى لهم نهج، وضل (٣) سبيل
والعارفون تنكرت أحوالهم ... فحجاب عين قلوبهم مسدول
ودنان خمر الحب قد ختمت وبا ... ب ألحان مهجور الفنا مملول
стр. 897
ما كنت أعلم والحوادث جمة ... والناس فيهم عالم وجهول
أن الدجى ليس الحداد توقعاً ... لمصابه قدماً وذاك قليل
أو أن صوب المزن حين همى على ... عفر الثرى دمع عليه يسيل
أو أن صوت الرعد حنة فاقد ... فقد العلا فله عليه عويل
أو أن قلب البرق يحقق روعة ... لسماع ما ناعي علاه (١) يقول
أإمامنا يا أوحد العصر الذي ... ما إن له فيمن نراه عديل
يا سيداً ملك القلوب فكلها ... عن حق طاعة أمره مسئول
من يبرد المهج الحرار ومن لها ... ببلوغ آمال الوصال كفيل
أمن يدل السالكين إلى حمى ... ليلى وقد ضل (٢) السبيل دليل
أمن يقول الحق لا متخوفاً ... حيث النفوس على السيوف تسيل
أمن يحل المشكلات بلفظة ... يرضى بها المنقول والمعقول
أمن يفي بضمان حان مدامة ... حبل النجاة بدنها موصول
أمن يبيح المفلسين سلافهاً ... ويجول بين دنانها ويصول
أمن يهيم الجمال به صبابة ... فكأنما رب الجمال جميل
يصبوا إليه قلب من هو عند أر ... باب القلوب معشق مقبول
من كل فتاك اللواحظ ما رنا ... إلا تشحط في الدماء قتيل
نشوان عساك المعاطف فاتر ال ... أجفان خمر رضابه معسول
بهواه لا يصغي لقول مفند ... أبداً ولا يثنيه عنه عذول
وغريرة الألحاظ ناعمة الصبا ... ريا الإزار وخصرها مهزول
حوراء مائسة المعاطف طرفها ... سيف على عشاقها مسلول
كل يهيم بحبه، وكذاك من ... ملك الإرادة أمره المفعول
стр. 898
مولاي دعوة من دعته مصيبة ... غطت عليه فعقله معقول
حاشا علاك من الممات وإنما ... هي نقله فيها المنى والسول
ناداك من أحببته فأجبته ... وأتاك منه بالقبول رسول
وحننت نحو حماك حنة صادق ... لم يقتطعه عن حماك بديل
فخلعت هيكلك السعيد مطهراً ... تبدو عليه نضرة (١) وقبول
جسد خلا وحلا وخف كأنما ... قد ضم منه الحامل المحمول
حتى حللت محلك الأعلى الذي ... ما بعده بعد ولا تحويل
فهناك عرس للوصال مجدد ... وسعادة تبقى وليس تزول
جادت ثراك من السحاب ثرة ... وكفت دموع قد وكفن همول
وتعاهدتك تحية وكرامة ... منه يروح بها صباً وقبول
وعدت علينا من حماك تحية ... وبحسبنا من تربك التقبيل واتفق أن ليلة وفاته كانت شاتية مثلجة، فقال ابن إسرائيل:
بكت السماء عليه ساعة دفنه ... بمدامع كاللؤلؤ المنثور
وأظنها فرحت بمصعد روحه ... لما سمت وتعلقت بالنور
أو ليس دمع الغيث يهمي بارداً ... وكذا تكون مدامع المسرور ٣٣٦ (٢)
المسعودي صاحب التاريخ
علي بن الحسين بن علي، أبو الحسن المسعودي المؤرخ، من ذرية عبد الله
стр. 899
ابن مسعود ﵁؛ قال الشيخ شمس الدين: عداده في البغداديين، وأقام بمصر مدة، وكان إخبارياً علامة صاحب غرائب وملح ونوادر، مات سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
وله من التصانيف كتاب " مروج الذهب ومعادن الجوهر في تحف الأشراف وملوك " وكتاب " ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور " وكتاب " الرسائل والاستذكار لما مر في سالف الأعصار " وكتاب " التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم " وكتاب " التنبيه والإشراف " وكتاب " خزائن الملك وسر العالمين " وكتاب " المقالات في أصول الديانات " وكتاب " أخبار الزمان ومن أباده الحدثان " وكتاب " البيان في أسماء الأئمة " وكتاب " الخوارج ".
٣٣٧ - (١)
ابن هندو
علي بن الحسين بن هندو، أبو الفرج الكاتب الأديب الشاعر، له رسائل مدونة، وكان أحد كتاب الإنشاء في ديوان عضد الدولة، وكان متفلسفاً، قرأ كتب الأوائل على أبي الحسن العامري بنيسابور، ثم على أبي الخير بن الخمار، وكان يلبس الدراعة على رسم الكتاب؛ وكانت وفاته بجرجان في سنة عشرين وأربعمائة.
وكان به ضرب من السوداء، وكان قليل القدرة على شرب النبيذ، فاتفق أنه
стр. 900
كان يوماً عند أبي الفتح بن أحمد كاتب قابوس، فتناشدوا الأشعار، وحضر الغداء فأكلوا وانتقلوا إلى مجلس الشراب، فلم يطق ابن هندو المساعدة على ذلك، فكتب في رقعة ودفعها إليه:
قد كفاني من المدام شميم ... صالحتني النهى وتاب الغريم
هي جهد العقول سمي راحاً ... مثل ما قيل للديغ سليم
إن تكن جنة النعيم ففيها ... من أذى السكر والخمار جحيم فلما قرأها ضحك، وأعفاه من السكر.
ومن شعره:
أرى الخمار ناراً والنفوس جواهراً ... فإن شربت أبدت طباع الجواهر
فلا تفضحن النفس يوماً بشربها ... إذا لم تثق منها بحسن السرائر وقال (١) :
عابوه لما التحى فقلنا ... عبتم وغبتم عن الجمال
هذا غزال ولا عجيب ... تولد المسك في الغزال وقال (٢) :
حللت وقاري في شادن ... عيون الأنام به تعقد
غدا وجهه كعبة للجمال ... ولي قلبه الحجر الأسود وقال (٣) :
ضعت بأرض الري في أهلها ... ضياع حرف الراء في اللثغة
صرت بها بعد بلوغ المنى ... أجهد أن تبلغ بي البلغه قال (٤) :
стр. 901
لا يؤيسنك (١) عن مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجاً وترتيبا (٢)
إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمي وتنبت (٣) أنبوباً فأنبوبا وقال:
وساق تقلد لما أتى ... حمائل زق ملاه شمولا
فلله درك من فارس ... تقلد سيفاً يقد العقولا وقال:
كل ما لي فهو رهن، ما له ... من فكاك في مساء وابتكار
ففؤادي أبداً رهن هوى ... وردائي أبداً رهن عقار
فدع التفنيد يا صاح لنا ... إنما الربح لأصحاب الخسار
لو ترى ثوبي مصبوغاً بها ... قلت ذميماً تبدى في غيار
ولقد أمرح في شرخ الصبا ... مرح المهرة في ثني العذار وقال:
كفى فؤادي عذاره حرقه ... وكف عين بدمعها غرقه
ما خط حرف من العذار به ... إلا محي من جماله ورقه وقال (٤) :
يا من محياه كاسمه حسن ... إن غاب عني فليس لي وسن
قد كنت قبل العذار في محن ... حتى تبدى فزادت المحن
يا شعرات جميعها فتن ... يتيه في وصف كنهها الفطن
ما غيروا من عذاره سفهاً ... قد كان غصناً فأورق الغصن
стр. 902
وقال:
أوحى لعارضه العذار فما ... أبقى على روعي ولا نسكي
وكأن نملاً قد دببن به ... غمست أكارعهن في مسك وقال:
قولوا لهذا القمر البادي ... مالك إصلاحي وإفسادي
زود فؤاداً راحلاً قبلة ... لا بد للراحل من زاد وقال:
قالوا اشتغل عنهم يوماً بغيرهم ... وخادع النفس إن النفس تنخدع
قد صيغ قلبي على مقدار حبهم ... ما لحب سواه فيه متسع قال الثعالبي (١) : قد اتفق لي معنى بديع لم أقدر أني سبقت إليه، وهو:
قلبي وجداً مشتعل ... على الهموم مشتمل
وقد كست جسمي الضنى ... ملابس الصب الغزل
إنسانة فتانة ... بدر السما منها خجل
إذا زنت عيني بها ... فبالدموع تغتسل حتى أنشدت لابن هندو:
يقولون لي ما بال عينك إذ رأت ... محاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت: زنت عيني برؤية وجهه ... فكان لها من صوب أدمعها غسل أخذ هذا المعنى ابن الساعاتي فقال (٢) :
جفني الذي يرد الكرى متأسناً ... كلف بفاتر جفنه المتوسن
стр. 903
ولقد زنت عيني برؤية وجهه ... جهلاً ورجم الدمع حد المحصن وما أحسن ما استعمل السراج هذا المعنى فقال:
ودموع في إثرهن دماء ... كانسكاب الولي بعد الوسمي
يتراكضن بين شهب وحمر ... والغواني يبكين حولي بدهم
وزناء العيون تطهيره من ... شهب الدمع في الظلام برجم وقال الشريف العقيلي (١) :
اقتض حمرة خده ... باللحظ طرفي إذ رنا
فجلدته بدموعه ... والحد يلزم من زنى وقال سيف الدين المشد:
تنبأ دمعي في ضلالة شعره ... ألم تره في فترة الجفن يرسل
إذا ما زنى إنسان عيني بنظرة ... إلى حسنه يوماً فبالدمع يغسل وقال السراج الوراق:
يا نازح الطيف مر نومي يعاودني ... فقد بكيت لفقد النازحين دماً
أوجبت غسلاً على عيني بأدمعها ... فكيف وهي التي لم تبلغ الحلما وقال العفيف التلمساني:
قالوا أتبكي من بقلبك داره ... جهل العواذل داره بجميعي
لم أبكه لكن لرؤية حسنه ... طهرت أجفاني بفيض دموعي والأصل في هذا قول مجنون ليلى (٢) :
يقول رجال الحي: تطمع أن ترى ... بعينيك ليلى مت بداء المطامع
стр. 904
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع؟ ولابن هندو من المصنفات كتاب " مفتاح الطب " و " المقالة المشوقة في المدخل إلى علم الفلك ". كتاب " الكلم الروحانية من الحكم اليونانية " و " الوساطة بين الزناة واللاطة " هزلية، وديوان شعره.
٣٣٨ - (١)
الشريف العقيلي
علي بن الحسين بن حيدرة بن محمد بن عبد الله بن محمد العقيلي، ينتهي إلى عقيل ابن أبي طالب، وذكره ابن سعيد في كتاب " المغرب " وساق له قطعة كبيرة من شعره، وله أرجوزة طويلة ناقض فيها ابن المعتز في أرجوزته التي ذم فيها الصبوح ومدح الغبوق. ومن شعره (٢) :
استجل بكراً عليها ... من الزجاج رداء
فوجه يومك فيه ... من الملاحة ماء ومنه (٣) :
قم فانحر الراح يوم النحر بالماء ... ولا تضح ضحى إلا بصهباء
أدرك حجيج الندامى قبل نفرهم ... إلى منى قصفهم مع كل هيفاء
стр. 905
وعج على مكة الروحاء مبتكراً ... وطف بها حول ركن العود والناء وقال (١) :
وقائل: ما الملك؟ قلت: الغنى ... فقال: لا بل راحة القلب
وصون ماء الوجه عن بذله ... في نيل ما ينفذ عن قرب وقال (٢) :
قم هاتها وردية ذهبية ... تبدو فتحسبها عقيقاً ذابا
أو ما ترى حسن الهلال كأنه ... لما تبدى حاجباً قد شابا وقال (٣) :
وبركة قد أفادنا عجبا ... ما ماج من مائها وما انسكبا
من حول فوارة مركبة ... قد انحنى ظهر مائها تعبا وقال (٤) :
ولما أقلعت سفن المطايا ... بريح الوجد في لجج السراب
جرى نظري وراءهم إلى أن ... تكسر بين أمواج الهضاب وقال (٥) :
وهات زواهر (٦) الكاسات ملأى ... إلى الحافات بالذهب المذاب
فكير الجو يوقد نار برق ... إذا خمدت تدخن بالضباب
стр. 906
وقال (١) :
يا من يدلس بالخضاب مشيبه (٢) ... إن المدلس لا يزل مريبا
هب ياسمين الشيب عاد بنفسجاً ... أيعود عرجون القوام قضيبا وقال (٣) :
أذهبت فضة خده بعتابي ... ونثرت در دموعه بخطابي
ظبي جعلت كناسه قلبي فلم ... أعقل لصيد سواه قبل طلابي
فزها علي ومر يسحب ذيله ... بين التكبر منه والإعجاب
فحلفت أني إن ظفرت بخده ... لأرصعن مدامه بحباب وقال (٤) :
اشرب على ذهبية ... صفراء كالذهب المذاب
فالجلنار خلوقه ... قد غاب في مسك الضباب وقال (٥) :
أعتق من الهم رق قلبي ... بعاتق ثوبها (٦) الزجاج
بين رياض مزخرفات ... للماء في خلجها اختلاج
فليس يدنو إليك غصن ... بمفرق ليس فيه تاج وقال (٧) :
стр. 907
يا ذا الذي يبسم عن مثل ما ... لائحة يلمع في عقده
ومن له خد (١) غدا حائزاً ... شقائق النعمان من ورده
اثن عنان الهجر عن عاشق ... قد طال ركض الدمع في خده وقال (٢) :
سوالف سوسن وخدود ورد ... وأعين نرجس وجباه غدر
محاسن ليس ترضى عن نديم ... إذا لم يقض واجبها بشكر وقال (٣) :
قد أوقد الزهر مصابيحه ... وصير القضب فوانيسا
فأغن بالراح ندامى غدوا ... من المسرات مفاليسا
ما دام قد صار نعام الربى ... من نعم السحب طواويسا وقال (٤) :
أهيف يستعطف لحظ القنا (٥) ... إن كان غضبان بأعطافه
إذا التثني عصفت ريحه ... تلاطمت أمواج أردافه وقال (٦) :
والأقحوان غصونه ... بيض النواصي والمفارق
ومراود الأمطار قد ... كحلت بها حدق الحدائق
стр. 908
وقال (١) :
منعم حلية اللحاظ إذا ... أقبل تجري إليه في طلق
كأنما وجهه لكثرة ما ... فيه من الحسن موسم الحداق وقال (٢) :
أنر بصبح الوصل عيشي فقد ... صيره ليل القلى مظلما
وارث لمن أفلاك أجفانه ... تطلع من أدمعه أنجما وقال (٣) :
ألذ مودات الرجال مذاقه ... مودة من إن ضيق الدهر وسعا
فلا تلبس الود الذي هو ساذج ... إذا لم يكن بالمكرمات مرصعا وقال (٤) :
ناحت فواخت سحب وكرها الفلك ... بكاؤها لطواويس الربى ضحك
وأنجم النبت تجلى في ملابسها ... جيد السماء التي أقمارها البرك
والورد ما بين أنهار مدرجة ... كأنه شفق من حوله حبك
فسقنا من عصير الكرم صافية ... كأنها الذهب الإبريز منسبك
يبدي المزاج على حافاتها حبباً ... كأنه من حرير أبيض شبك وقال (٥) :
رشأ تنعم العيون بما في ... خده من شقائق النعمان
ما التقى حسنه بنا قط إلا ... ردنا عن محجة السلوان
стр. 909
وقال (١) :
جعلت مهجتي الفداء لغصن ... إن تثنى تثنى القلوب إليه
كلما لاح وجهه في مكان ... كثرت زحمة العيون عليه وقال (٢) :
قطع قلبي بمدية التيه ... وذر من ملح صده فيه
ولفه في رقاق جفوته ... وقطع البقل من تجنيه
وقال لي كل فقلت آكل ما ... أمرض قلبي به وأوذيه؟! وقال (٣) :
نحن المحاسن في الدنيا إذا سفرت ... حتى إذا ابتسمت كنا ثناياها
عصابة ما رأى جيد الزمان له ... قلائداً هي أبهى من سجاياها
لم يخلق الله شيئاً قط أكثر من ... حاجات قصادها إلا عطاياها ٣٣٩ (٤)
نجم الدين القحفازي
علي بن داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة بن عبد الملك، ينتهي نسبه إلى الزبير بن العوام، الشيخ الإمام الفريد الكامل، نجم الدين أبو الحسن ابن
стр. 910
القاضي عماد الدين القرشي القحفازي، شيخ أهل دمشق في عصره خصوصاً في العربية؛ قرأ عليه الطلبة وانتفع به الجماعة، وله النظم والنثر والكتابة المليحة الفائقة، وله التنديب الحلو والنوادر الظريفة والحكايات المطبوعة.
سمعته يوماً يقول لمنصور الكتبي رحمه الله تعالى: يا شيخ منصور، هذا أوان الحجاج، اشتري لك منهم مائتي جراب وارميها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيها جملة، فقال: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ حرافاً قدره عشر مرات.
وأنشد يوماً للجماعة الذين يشتغلون عليه لغزاً وهو:
يا أيها الحير الذي ... علم العروض به امتزج
أبن لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج ففكر الجماعة زماناً، فقال واحد منهم: هذه الساقية، فقال: دورت فيها زماناً حتى ظهرت لك، يريد أنه ثور يدور في الساقية.
وقيل إنه لما عمر الأمير سيف الدين تنكز، رحمه الله تعالى، الجامع الذي له بدمشق المحروسة عينوا له شخصاً من الحنفية يلقب بالكشك ليكون خطيباً، فلما كان يوماً وهو يمشي في الجامع أجروا له ذكر الشيخ نجم الدين القحفازي وذكر فضائله، وأنه في الحنفية مثل الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني في الشافعية، فأحضره وتحدثا، ثم قال له وهم في الجامع يمشون: إيش تقول في هذا الجامع، فقال: مليح وصحن مليح، ولكن ما يليق أن يكون فيه كشك؛ فأعجب ذلك الأمير سيف الدين تنكز ورسم له بخطابة الجامع المذكور، ثم بعد مدة رسم له بتدريس الركنية فباشرها مديدة ثم نزل عنها وقال: لها شرط لا أقوم به، ومعلومها في الشهر جملة، تركه تورعاً.
وكان يعرف الاسطرلاب جيداً ويحل التقاويم، وكان فريد عصره، وكان يشغل في مذهب الحنفي، وفي " مختصر ابن حاجب " وفي " الحاجبية " و " المقرب "
стр. 911
ويعرفهما جيداً إلى الغاية، وفي " ضوء المصباح " وغيره من كتب المعاني والبيان. مولده ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثمان وستين وستمائة، ووفاته في شهور سنة أربع وأربعين وسبعمائة؛ ومن شعره في جارية اسمها قلوب:
عاتبني في حبكم عاذل ... يزعم نصحي وهو فيه كذوب
وقال ما في قلبك اذكره لي ... فقلت في قلبي المعنى قلوب وقال في مليح نحوي:
أضمرت في القلب هوى شادن ... مشتغل في النحو لا ينصف
وصفت ما أضمرت يوماً له ... فقال لي المضمر لا يوصف ولما ظفر قازان سنة تسع وتسعين وستمائة ثم جاء في سنة اثنتين وسبعمائة فكسر، وقازان اسم القدر، فقال الشيخ نجم الدين:
لما غدا قازان فخاراً بما ... قد نال بالأمس وأغراه البطر
جاء يرجي مثلها ثانية ... فانقلب الدست عليه فانكسر وقال عند قدوم الحاج، وأنشدت بدار الحديث الأشرفية:
يا نياق الحجيج لا ذقت سهداً ... بعدها ولا شممت خدا
لا فدينا سواك بالروح منا ... أنت أولى من بات بالروح يفدى
يا بنات الذميل كيف تركتن ... شعاب الغضا وسلع ونجدا
مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بوجوه رأت معالم سعدى ولم ذهب بدر الدين ابن بصخان (١) مع الجفال إلى مصر أقام هناك فكتبت إليه:
стр. 912
غائباً قد كنت أحسب قلبه ... بسوى دمشق وأهلها لا يعلق
إن كان صدك نيل مصر عنهم ... لا غرو فهو لنا العدو الأزرق وكان في فقهاء الشافعية شخص يسمى شهاب الدين التعجيزي وينظم شعراً في زعمه، فعمل أبياتاً في شخص كان يحبه وكتبها إلي أولها:
أيها المعرض لا عن سببا ... أصلحك الله وصالي الأربا وفي هذا ما يعني عن باقيها، فكتبت إليه:
يا شهاباً أهدى إلي قريضاً ... خالياً عن تعسف الألغاز
جاءني مؤذناً برقة طبع ... حين رشحته بباب المجاز
إن تكن رمت عنه من جزاء ... فأقلني فلست ممن أجازي ومن شعر شهاب الدين المذكور:
يا سن يا شيع (١) إني بينكم وسط ... مذبذباً لا وإلى هولي (٢) ولا ثمت
وفي القيامه على الأعراف منقعد ... وأنتظر منكم من يدخل الجنت
فإن دخلتم فإني داخل معكم ... وإن صفعتم فإني قاعد سكت ٣٤٠ (٣)
ابن ظافر الأزدي
علي بن ظافر بن حسين الفقيه، الوزير جمال الدين أبو الحسن الأزدي المصري
стр. 913
ابن العلامة أبي منصور، ولد سنة سبع وستين وخمسمائة، وتفقه على والده؛ وتوفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة (١) .
قرأ الأدب وبرع فيه، وقرأ على والده الأصول، وبرع في علم التاريخ وأخبار الملوك، وحفظ في ذلك جملة وافرة، ودرس بمدرسة المالكية بمصر بعد أبيه، وترسل إلى الديوان العزيز، وولي وزارة الملك الأشرف، ثم انصرف عنه ودخل مصر، وولي وكالة بيت المال مدة، وكان متوقد الخاطر طلق العبارة، ومع تعلقه بالدنيا له ميل كثير إلى أهل الآخرة، محباً لأهل الدين والصلاح.
أقبل في آخر عمره على مطالعة الأحاديث النبوية وأدمن النظر فيها؛ روى عنه القوصي وغيره، وله تواليف: منها " الدولة المنقطعة " وهو كتاب مفيد جداً في بابه، و " بدائع البدائة " والذيل عليه، و " أخبار الشجعان " و " أخبار الملوك السلجوقية " و " أساس السياسة " و " نفائس الذخيرة " ولم يكمل ولو كمل ما كان في الأدب مثله، وكتاب " التشبيهات "، وكتاب " من أصيب " وابتدأ بعلي ﵁، وغير ذلك.
ومن شعره:
إني لأعجب من حبي أكتمه ... جهدي وجفني بفيض الدمع يعلنه
وكون من أنا أهواه وأعشقه ... يخرب القلب عمداً وهو يسكنه
وأعجب الكل أمراً أن مبسمه ... من أصغر الدر جرماً وهو أثمنه وله أيضاً:
كم من دم يوم النوى مطلول ... بين رسوم الحي والطلول (٢)
стр. 914
بانوا فلا جسم ولا ربع لهم ... إلا رماه البين بالنحول
يا راحلين والفؤاد معهم ... مسابق في أول الرعيل
ردوا فؤادي إنه ما باعكم ... إياه إلا طرفي الفضولي
ورب ظبي منكم يخاف من ... سطوة عينيه أسود الغيل
أنار منه الوجه حتى كدت أن ... أقول، لولا الدين، بالحلول
ينقص بالعلة كل كامل ... في الحسن غير لحظه العليل وقال في " بدائع البدانة " (١) : اجتمعنا ليلة من ليالي رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحضور (٢) على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المعروف (٣) بالنعجة أن يصنع قطعة من فانوس السحور، وإنما طلب بذلك إظهار عجزه، فصنع:
ونجم من الفانوس يشرق ضوؤه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري
ولم أر نجم قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر فقلت له: هذا التعجب لا يصح؛ لأنا قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعدد إذا غارت تنهي (٤) الصائمين عن الفطر وهي نجوم الصباح، فأسرف الجماعة في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه، فصنع أيضاً:
هذا لواء سحور يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار
والصائمون جميعاً يهتدون به ... كأنه علم في وسطه نار ولما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا ما جرى بيننا، فصنع الرشيد
стр. 915
أبو عبد الله محمد بن منانو (١) رحمه الله تعالى:
أحبب بفانوس غدا صاعداً ... وضوؤه دان من العين
يقضي بصوم وبفطر معاً ... فقد حوى وصف الهلالين وصنع الفقيه أبو محمد العقيلي (٢) :
وكوكب من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا
يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه ... فإن بدا طالعاً في أفقه غربا
كأنه عاشق وافى على شرف ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا ثم إني صنعت بعد ذلك:
ألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب
كحامل منظوم الأنابيب اسمر ... عليه سنان بالدماء خضيب
ترى بين زهر الزهر منه شقيقة ... لها العود غصن والمنار كثيب
وتبدو كخد أحمر والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب
كأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلب عراه وجيب
تراه يراعي الشهب ليلاً فإن دنا ... طلوع صباح حان منه غروب
فهل كان يرعاها لعشق ففر إذ ... درى أن رومي الصباح رقيب وقلت في اختصار المعنى الأول من هذه القطعة:
انظر إلى المنار وال ... فانوس فيه يرفع
كحامل رمحاً (٣) سنا ... نه خضيب يلمع وقلت: