أيا جنة الحسن الذي (١) غادر الحشا ... بفرط التجافي والصدود جهنما
جريت على رسم من الجور واضح ... أما آن يوماً أن ترق وترحما
أمالك رقي كيف حللت جفوتي ... وعدت لقتلي بالبعاد متمما
وحرمت من حلو الوصال محللا ... وحللت من مر الجفاء محرما
بحسن التثني رق لي من صبابة ... أسلت بها دمعي على وجنتي دما
ورفقاً بمن غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
كلفت بساجي الطرف أحوى مهفهف ... يميس فينسيك القضيب المنعما
يفوق الظبا والغصن طرفاً وقامة ... وبدر الدجى والبرق وجهاً ومبسما
فناظره في قصتي ليس ناظراً ... وحاجبه في قتلتي قد تحكما
ومشرف صدغ ظل في الحكم جائراً ... وعامل قد بات أعدى وأظلما
وعارضه لم يرث لي من شكاية ... فنمت دموعي حين لاح منمنما ٣٤٨ (٢)
أبو القاسم التنوخي
علي بن المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم، أبو القاسم التنوخي؛ ولد يوم الثلاثاء نصف شعبان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وتوفي في شهور سنة سبع وأربعين وأربعمائة؛ وكان شيعياً معتزلياً، وكان ساكناً وقوراً، وكان يدخله من نيابة القضاء ودار الضرب وغيرهما كل شهر مائتا (٣)
стр. 947
دينار فيمر الشهر وليس معه شيء، كان ينفق على أصحاب الحديث، وكان الخطيب والصولي (١) وغيرهما يبيتون عنده، وكان ثقة في الحديث متحفظاً (٢) في الشهادة، محتاطاً صدوقاً، وتقلد قضاء عدة نواح منه المدائن وأعمالها وأذربيجان والبردان وقرميسين.
وكان ظريفاً نبيلاً جيد النادرة، اجتاز يوماَ في بعض الدروب فسمع امرأة تقول لأخرى: كم عمر بنتك يا أختي؟ فقالت: رزقتها يوم صفع القاضي وضرب السياط، فرفع رأسه إليها وقال: يا بظراء صار صفعي تاريخك، ما وجدت تاريخاً غيره! !
وكان أعمش العينين لا تهدأ جفونه من الانخفاض والارتفاع والتغميض والانفتاح، وفيه يقول ابن بابك:
إذا التنوخي انتشى ... وغاص ثم انتعشا
أخفى عليه إن مشي ... ت وهو يخفى إن مشى
فلا أراه قلة ... ولا يراني عمشا ودفع إليه رجل رقعة وهو راكب، فلما فضها وجد فيها:
إن التنوخي به أبنة ... كأنه يسجد للفيش
له غلامان ينيكانه ... بعلة الترويح في الخيش فقال: ردوا زوج القحبة، فردوه فقال له: يا كشخان يا قرنان يا زوج ألف قحبة، هات زوجتك وأختك وأمك إلى داري وانظر ما يكون مني، وبعد ذلك احكم بما يكون مني، قفاه!! فصفعوه.
وكان يوماً نائماً، فاجتاز واحد غث وأزعجه مما يصيح: شراك النعال
стр. 948
شراك النعال، فقال لغلامه: اجمع كل نعل في البيت وأعطها (١) لهذا يصلحها ويشتغل بها، ثم نام، وأصلحها الإسكافي واشتغل بها إلى آخر النهار ومضى لشأنه، فلما كان في اليوم الثاني فعل كذلك ولم يدعه ينام، فقال للغلام: أدخله، فأدخله فقال له: يا ماص بظر أمك، أمس أصلحت كل نعل عندنا، واليوم تصيح على بابنا، هل بلغك أننا نتصافع بالنعال ونقطعها؟ ! قفاه قفاه، فقال: يا سيدي أتوب ولا أعود أدخل إلى هذا الدري أبداً.
وهذا أبو القاسم من أهل بيت كلهم فضلاء، ذكر ابن خلكان أباه (٢) المحسن وجده القاضي التنوخي الكبير، رحمه الله تعالى وعفا عنهم.
٣٤٩ - (٣)
القليوبي الكاتب
علي بن محمد بن أحمد بن حبيب القليوبي الكاتب؛ قال ابن سعيد المغربي: وصفه ابن الزبير في كتاب " الجنان " بالإجادة في التشبيهات، وغلا في ذلك إلى أن قال: إن أنصف لم يفضل عليه ابن المعتز، وذكر أنه أدرك العزيز العبيدي ومدح قواده وكتابه، وتوفي في أوائل دولة الظاهر العبيدي.
ومن شعره:
وصافية بات الغلام يديرها ... على الشرب في جنح من الليل أدعج
كأن حباب الماء في وجناتها ... فرائد در في عقيق مدحرج
ولا ضوء إلا هلال كأنما ... تفرق منه الغيم عن نصف دملج
стр. 949
وقد حال دون (١) المشتري من شعاعه ... وميض كمثل الزئبق المترجرج
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تحية (٢) ورد فوق زهر بنفسج وقال أيضاً:
في ليلة أنف كأن هلالها ... صدع تبين في إناء زجاج
كفل الزمان لأختها بزيادة ... في نورها (٣) فبدا كوقف العاج
وكأنما كيوان نقرة (٤) فضة ... وكأنما المريخ ضوء سراج
تتطاول الجوزاء تحت جناحه ... وكأنها من نورها في تاج
ليل كمثل الروض فتح جنحه ... زهر الكوكب في ذرى الأبراج
أحييته حتى رأيت صباحه ... من لونه يختال في دواج
والشمس من تحت الغمام كأنها ... نار تضرم خلف جام زجاج وقال:
وكأن السماء مصحف قار ... وكأن النجوم رسم عشور
أو كأن النجوم زهر رياض ... قد أحاطت من بدرها بغدير وقال:
نجمت نجوم الزهر إلا أنها ... في روضة فلكية الأنوار
وكأنما الجوزاء منها شارب ... وكأنما المريخ كأس عقار وقال:
ألا فاسقنيها قد قضى الليل نحبه ... وقام لشوال هلال مبشر
стр. 950
بدا مثل عرق السام واسترجعت له ... صروف الليالي فرصة (١) وهو قمر
إلى أن رأيناه ابن سبع كأنما ... على الأفق منه طيلسان مقور وقال:
وصفراء من ماء الكروم كأنما ... دجى الليل منها في رداء معصفر
كأن حباب الماء في وجناتها ... من الدر إكليل على تاج يعصر (٢)
قطعت بها ليلاً كأن نجومه ... إذا اعترضتها العين نيران عسكر
تراها بآفاق السماء كأنما ... مطالعها منها معادن جوهر
ومنطقة الجوزاء تبدو كأنها (٣) ... وسائط در في قلائد عنبر
وباتت بعيني الثريا كأنما ... على الأفق منها غصن ورد منور
فبت أراعي النجم (٤) حتى تشمرت ... ذيول الدجى عن مائه المتفجر ٣٥٠ (٥)
ابن حريق البلنسي
علي بن محمد بن أحمد بن سلمة بن حريق، أبو الحسن المخزومي البلنسي الشاعر؛ كان متبحراً في اللغة والأدب، حافظاً (٦) لأشعار العرب وأيامها،
стр. 951
اعترف له بالسبق بلغاء وقته؛ قال ابن الأنباري: توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
ومن شعره في مليح أعور:
لم يشنك الذي بعينك (١) عندي ... أنت أعلى من أن تعاب وأسنى
لطف الله رد سهمين سهماً ... رأفة بالعباد فازددت حسنا ولشمس الدين محمد بن العفيف التلمساني - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في مثله:
كان بعينين فلما طغى ... سحرهما (٢) رد إلى عين
وذاك من لطف بعشاقه ... ما يضرب الله بسيفين ومن شعر ابن حريق:
وكاتب ألفاظه وكتبه ... بغيضة إن خط أو تكلما
ترى أناساً يتمنون العمى ... وآخرين يحمدون الصمما وقال وقد زاره محبوبه فجاء مطر وسيل منه من العود:
يا ليلة جادت الأماني ... فيها على رغم أنف دهري
للقطر فيها علي نعمى ... يقصر عنها طويل شكري
إذ بات في منزلي حبيبي ... وقام في أهله بعذر
يا ليلة السيل في الليالي ... لأنت خير من ألف شهر وقال:
يا صاحبي وما البخيل بصاحبي ... هذي الخيام فأين تلك الأدمع
أنمر بالعرصات لا نبكي بها ... وهي المعاهد منهم وهي الأربع
стр. 952
يا سعد ما هذا القيام وفد نأوا ... أتقيم من بعد القلوب الأضلع؟
هيهات لا ريح اللواعج بعدهم ... رهو ولا طير الصبابة وقع (١)
وأبى الهوى إلا الحلول بلعلع ... ويح المطايا، أين منها لعلع
لم أدر أين ثووا فلم أسأل بهم ... ريحاً تهب ولا بريقاً يلمع
وكأنهم في كل مدرج ناسم ... فعليه مني رقة وتضرع
فإذا منحتهم السلام تبادرت ... تبليغه عني الرياح الأربع ٣٥١ (٢)
ابن نبيه الشاعر
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى، الأديب الشاعر البارع كمال الدين ابن النبيه المصري، صاحب الديوان المشهور؛ مدح بني أيوب، واتصل بالملك الأشرف موسى وكتب له الإنشاء، وسكن بنصيبين، وتوفي بها في حادي وعشرين جمادى الأولى (٣) سنة تسع عشرة وستمائة؛ وهذا ديوانه المشهور هو انتقاه من شعره، لأنه كله منقى منقح، الدرة وأختها، وإلا فما هذا شعر من لا نظم إلا هذا الديوان الصغير.
ومن شعره ما ذكره القوصي في مليح يشتغل بعلم الهندسة (٤) :
стр. 953
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظه ... وخال وخد بالعذار مطرز
ومذ خط بيكار الجمال عذاره ... كقوس علمنا أنما الخال مركز وقال (١) :
تعلمت علم الكيمياء بحبه ... غزال بجسمي ما بجفنيه من سقم
فصعدت أنفاسي وقطرت أدمعي ... فصح بذا التدبير تصفيرة الجسم وقال في مليح يهودي رآه بدمشق فأحبه (٢) :
من آل إسرائيل علقته ... أسقمني بالصد والتيه
قد انزل السلوى على قلبه ... وأنزل المن على فيه وقال (٣) :
بدر تم له من الشعر هاله ... من رآه من المحبين هاله
قصر الليل حين زار ولا غر ... وغزال غارت عليه الغزاله
يا نسيم الصبا عساك تحمل ... ت لنا من سكان نجد رساله
كل معسولة المراشف بيضا ... ء حمتها سمر القنا العاسله
عانقتني كصارمي وأدارت ... معصميها في عاتقي (٤) كالحماله
إن بالرقمتين ملعب لهو ... بسطت دوحه علينا ظلاله
معلم معلم وشى بسطه الزه ... ر وحاكته ديمة هطاله
وكأن الحمام فيه قيان ... أعربت (٥) لحنها على غير آله
وكأن القضيب شمر للرق ... ص سحيراً عن ساقه أذياله
стр. 954
إن خوض الظلماء أطيب عندي ... من مطايا أمست تشكي (١) كلاله
فهي مثل القسي شكلاً ولكن ... هي في السبق أسهم لا محاله
تركتها الحداة بالخفض والرف ... ع حروفاً في جرها عماله ولشهاب الدين التلعرفي قصيدة في هذا الوزن وهي:
أي دمع من الجفون أساله ... إذ أتته من النسيم رساله
حملته الرياض أسرار عرف ... أودعتها السحائب الهطاله منها:
يا خليلي وللخليل حقوق ... واجبات الأحوال في كل حاله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراه ... خالياً من ظبائه المختاله
أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العساله
وليال قضيتها كلآل ... بغزال تغار منه الغزاله
بابلي اللحاظ والريق والأل ... فاظ، كل مدامة سلساله
وطويل الصدود والشعر والمط ... ل، ومن لي بأن يديم مطاله
وسقيم الجفون والعهد والخص ... ر فكل تراه يشكو اعتلاله
ونقي الجبين والخد والثغ ... ر فطوبى لمن حسا جرياله
من بني الترك كلما جذب القو ... س رأينا في وسطه بدر هاله
يقع الوهم حين يرمي فلا ند ... ري يداه أم عينه النباله
قلت لما لوى ديوان وصالي ... وهو مثر وقادر لا محاله
بيننا الشرع قال سر بي فعندي ... من صفاتي لكل دعوى دلاله
وشهودي من خال خدي ومن قد ... ي شهود معروفة بالعداله
أنا وكلت مقلتي في دما الخل ... ق فقالت قبلت هذي الوكاله
стр. 955
ومن شعر ابن نبيه (١) :
رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا ... فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
خذوا حذراً من خارجي عذاره ... فقد جاء زحفاً في كتيبته الخضرا
غلام أراد الله إطفاء فتنة ... بعارضه فاستأنفت فتنة أخرى
فزرفن بالأصداغ جنة خده ... وأرخى عليها من ذؤابته (٢) سترا
أخوض عباب الموت من دون ثغره ... كذاك يخوض البحر من طلب الدرا
غزال رخيم الدال في يوم سلمه ... وليث له في حربه البطشة الكبرى
دري يحمل الكأس في يوم لذة ... ولكن بحمل السيف يوم الوغى أدرى
أهيم به في عقده أو نجاده ... فلا بد في السراء منه وفي الضرا
وصامتة (٣) الخلخال أن وشاحها ... فهذا قد استغنى وذاك اشتكى (٤) الفقرا
لها معصم لولا السوار عنه بحبها ... إذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
دعتني إلى السلوان عنه بحبها ... فما كنت أرضى بعد إيماني الكفرا
بأي اعتذار ألتقي حسن وجهه ... إذا شغلتني عنه غانية عذرا وقال (٥) :
باكر صبوحك أهنا العيش باكره ... فقد ترنم فوق الأيك طائره
والليل تجري الدراري في مجرته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره
وكوكب الصبح نجاب على يده ... مخلق تملأ الدنيا بشائره
فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب ... تنوب عن ثغر من تهوى جواهره
حمراء في وجنة الساقي لها شبه ... فهل جناها مع العنقود عاصره؟
стр. 956
ساق تكون من صبح ومن غسق ... فابيض خداه واسودت غدائره
مفلج الثغر معسول اللمى غنج ... مؤنث الجفن فحل اللحظ شاطره
مهفهف القد يندى جسمه ترفاً ... مخصر الخصر عبل الردف وافره
بيض سوالفه لعس مراشفه ... نعس نواظره خرس أساوره
تعلمت بانة الوادي شمائله ... وزورت سحر عينيه جآذره
كأنه بسواد الصدغ (١) مكتحل ... وركبت فوق خديه محاجره
نبي حسن أظلته ذوائبه ... وقام في فترة الأجفان ناظره
فلو رأت مقلتاً هاروت آيته ال ... كبرى لآمن بعد الكفر ساحره
قامت أدلة صدغيه لعاشقه ... على عذول أتى فيه يناظره
خذ من زمانك ما أعطاك مغتنماً ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره
فالعمر كالكاس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره وقال (٢) :
طاب الصبوح لنا فهاك وهات ... واشرب هنيئاً يا أخا اللذات
كم ذا التواني والشباب مطاوع ... والدهر سمح والحبيب مواتي
قم فاصطبح من شمس طاسك (٣) واغتبق ... بكواكب طلعت من الكاسات
صفراء صافية توقد بردها ... فعجبت للنيران في الجنات
ينسل من قار الظروف (٤) حبابها ... والدر مجتلب من الظلمات
عذراء واقعها المناج أما ترى ... منديل عذرتها بكف سقاة
يسعى بها عبل الروادف أهيف ... خنث الشمائل شاطر الحركات
يهوي فتسبقه أساود شعره ... ملتفة كأساود الحيات
стр. 957
يدري منازل نيرات كؤوسه ... ما بين منصرف وآخر آتي وقال أيضاً (١) :
أماناً أيها القمر المطل ... ففي جفنيك أسياف تسل
يزيد جمال وجهك كل يوم ... ولي جسد يذوب ويضمحل
وما عرف السقام طريق جسمي ... ولكن دل من أهوى يدل
يميل بطرفه التركي عني ... صدقتم إن ضيق العين بخل
إذا نشرت ذوائبه عليه ... ترى ماء يرف عليه ظل وقال أيضاً (٢) :
حديث دمعي عن غرامي شجون ... تنقله عني رواة الجفون
عجبت من صحة أخبارها ... وقد تجرحن بدمع هتون
بمهجتي أحور قد جمعت ... جفونه المرضى فنون الفتون
مغنيطس الخال على خده ... يجذب بالحسن حديد العيون
ساومته في فمه (٣) قبلة ... فقال هذا أبداً لا يكون
أدر دنانير فقد نثرت ... دراهم النور بنان الغصون
عوذ جناني من جنون الهوى ... من لام صدغيه بقاف ونون وقال أيضاً (٤) :
صن ناظراً مترقباً (٥) لك أن يرى ... فلقد كفى من دمعه ما قد جرى
يا من حكى في الحسن صورة يوسف ... آهاً لو أنك مثل يوسف تشترى
стр. 958
تعشو العيون لخده فيردها ... ويقول ليست هذه نار القرى
يا قاتل الله الجمال فإنه ... ما زال يصحب باخلاً متجبرا
يا غصن بان في نقا رمل لقد ... أبدعت غذ أثمرت بدراً نيرا
ما ضر طيفك أن أكون مكانه ... فقد اشتبهنا في السقام فما نرى
أترى لأيامي بوصلك عودة ... ولو أنها في بعض أحلام الكرى
زمناً شربت زلال وصلك صافياً ... وجنيت روض أخضر مثمرا
ملكتك فيه يدي فحين فتحتها ... لم ألق إلا حسرة وتفكرا وقال (١) :
لماك والخد النضر ... ماء الحياة والخضر
أخذتني يا تاركي ... أخذ عزيز مقتدر
أحلت سلواني على ... ضامن قلب منكسر
ونمت عن ذي أرق ... إذا غفا النجم سهر
وماء عيني التقى ... فيك لأمر قد قدر
ما نصبت أشراك أل ... حاظك إلا للحذر
قلبي على الترك به ... ذا البدوي يفتخر
ولي عهد البدر وإن ... غاب فإني منتظر
خلعت إذ بايعته ... عذار من لا يعتذر
في خلقه وخلقه ... طبع الغزال والنمر
نزهة (٢) أحداق الورى (٣) ... فحيثما سار تسر
إن طريق ناظري ... إلى محياه خطر
стр. 959
وقال (١) :
قم يا غلام ودع مقالة من نصح ... فالديك قد صدع الدجى لما صدح
خفيت (٢) تباشير الصباح فسقني ... ما طل في الظلماء من قدح القدح
صهباء ما لمعت بكف مديرها ... لمقطب إلا تهلل وانشرح
هي صفوة الكرم " الكريم " (٣) فما سرت ... سراؤها في باخل إلا سمح
من كف فتان القوام بوجهه ... عذر لمن خلع العذار أو اطرح (٤)
ولي بشعر كالظلام إذا دجا ... وأتى بوجهه كالصباح إذا وضح
يهتز كالغصن الرطيب على النقا ... ذا خف في طي الوشاح قد اتضح (٥)
النرجس الغض استحى من طرفه ... وبخده زهر الأقاح قد اتضح
فكأنه متبسم بعقوده ... أو بالثنايا قد تقلد واتشح وديوان شعره كله من هذا الأسلوب، وهو موجود في أيدي الناس سامحه الله تعالى.
٣٥٢ - (٦)
علاء الدين الباجي
علي بن محمد بن خطاب، الشيخ علاء الدين الباجي المغربي الأصولي
стр. 960
المصري؛ ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وتوفي سنة أربع عشرة وسبعمائة؛ ختصر كتاب " المحرر " و " علوم الحديث " و " المحصول " في أصول الفقه و " الأربعين ".
وكان عمدة في الفتوى، وتخرج به الأصحاب، وممن أخذ عنه العلامتان قاضي القضاة تقي الدين السبكي وأثير الدين أبو حيان، وكان ديناً صيناً وقوراً، ومن شعره:
رثى لي عذلي (١) إذ عاينوني ... وسحب مدامعي مثل العيون
وراموا كحل عيني قلت كفوا ... فأصل بليتي كحل العيون وقال ذوبيت:
بلبل والهزار والشحرور ... يسبي طرباً قلب الجشي المغرور
فانهض عجلاً وانهب من اللذة ما ... جادت كرماً به يد المقدور ٣٥٣ (٢)
أبو سعد ابن خلف
علي بن محمد بن خلف، أبو سعد الكاتب النيرماني - ونيرمان قرية من قرى الجبل بالقرب من همذان -؛ كان من جلة الكتاب الفضلاء، والرؤساء النبلاء، وكان يخدم في ديوان بني بويه ببغداد، وصنف لبهاء الدولة " المنثور البهائي " في مجلدة، وهو نثر كتاب " الحماسة "؛ وتوفي
стр. 961
سنة أربع عشرة وأربعمائة.
ومن شعره القصيدة المشهورة وهي:
خليلي في بغداد هل أنتما ليا ... على العهد مثلي أم غدا العهد باليا
وهل ذرفت يوم النوى مقلتاكما ... علي كما أمسي وأصبح باكيا
وهل أنا مذكور بخير لديكما ... إذا ما جرى ذكر لمن كان نائيا
وهل فيكما من إن تنزل منزلاً ... أنيقاً وبستاناً من النور حاليا
أجد له طيب المكان وحسنه ... منى يتمناها فكنت الأمانيا (١)
كتاب عن شوق شديد إليكما ... كأن على الأحشاء منه مكاويا
وعن أدمع منهلة، فتأملا ... كتابي تبن آثارها في كتابيا
ولا تيأسا أن يجمع الله بيننا ... كأحسن ما كنا عليه تصافيا
" فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا " (٢)
ولما تفرقنا تطيرت أن أرى ... مكانك مني لا خلا منك خاليا
فضمنته ورداً كرياك ريحه ... يذكرني منك الذي لست ناسيا
ولا تطلبا صوني إذا ما تغنتا ... تسر وفوز جادتا لي الأغانيا
" وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا "
" فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا " (٣)
فدى لك يا بغداد كل مدينة ... من الأرض حتى خطتي ودياريا
فقد سرت في شرق البلاد وغربها ... وطوفت خيلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلاً ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
стр. 962
ولا مثل أهليها أرق شمائلاً ... وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا
وكم قائل لو كان ودك صادقاً ... لبغداد لم ترحل وكان جوابيا
" يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا " وأورد له ابن النجار في تاريخه:
يا ظالمي قسماً عليك بحرمة ال ... إيمان وهي نهاية الأيمان
لا تسفكن دمي فإني خائف ... جداً عليك عقوبة العدوان
وإذا مررت على زرود فلا تغر ... بالمشي فيه تمايل الأغصان
بالله واستر ورد خدك فيه لا ... ينشق قلب شقائق النعمان وأورد له أيضاً:
عجباً لضرسك كيف يشكو علة ... وبجنبه من ريقك الدرياق
هذا نظير سقام ناظرك الذي ... عافاك وابتليت به العشاق
أو عقربي صدغيك إذ لدغا الورى ... وحماك حمتيهما الخلاق ٣٥٤ (١)
الصاحب بهاء الدين ابن حنا
علي بن محمد بن سليم، الصاحب الوزير الكبير بهاء الدين ابن حنا المصري، أحد رجال الدهر حزماً وعزماً ورأياً ودهاء وتصرفاً، استوزره الظاهر وفوض إليه الأمور، ولم يكن على يده يد، وقام بأعباء المملكة، وكان واسع الصدر عفيفاً نزهاً لا يقبل لأحد شيئاً إلا أن يكون من الصلحاء
стр. 963
والفقراء، وكان قائلاً بهم: يحسن إليهم ويحترمهم ويدر عليهم الصلات، وقد قصده غير واحد بالأذى فلم يجدوا ما يتعلقون به عليه، ووزر بعد الظاهر لابنه السعيد، وزادت رتبته، وله مدرسة وبر وأوقاف. ابتلي بفقد ولديه: فخر الدين ومحيي الدين فصبر وتجلد، وعاش أربعاً وسبعين سنة، وتوفي سنة سبع وسبعين وستمائة.
وحكي أن من جملة سعادته أول وزارته أنه نزل إلى دار الوزير الفائزي ليتبع ودائعه وذخائره، فوجد ورقة فيها أسماء من أودع عنده أمواله، فعرف الحاضرون كل من سمي في الورقة، وطلب وأخذ المال منه، وكان في جملة الأسماء مكتوب: الشيخ ركن الدين أربعون ألف دينار، فلم يعرف الحاضرون من هو الشيخ ركن الدين، ففكر الصاحب زماناً وقال: احفروا هذا الركن، وأشار إلى ركن الدار، فحفروه فوجدوا الذهب.
وكان ينتبه قبل الأذان للصبح، ويشرب قدحاً فيه ثماني أواق شراب بالمصري، ويأكل طيري دجاج مسلوقة، فإذا أذن صلى الصبح وركب إلى القلعة، وأقام طول نهاره لا يأكل شيئاً في المباشرة ويظن أنه صائم، وهو في الحقيقة صائم لا يحتاج إلى غداء مع ذلك الشراب والدجاج، وكان الملك الظاهر يعظمه ويدعوه يا أبي.
وحكي أن الأمراء الكبار اشتوروا فيما بينهم أنهم يخاطبون الملك الظاهر في عزل الصاحب بهاء الدين، وكانوا قد قرروا أن ابن بركة خان هو الذي يفتح الباب في ذلك، والأمراء يراسلونه، فبلغ السلطان ذلك، وكانوا قد عزموا على مخاطبته في بكرة ذلك النهار في الخدمة، فلما جاءوا ثاني يوم ادعى السلطان أنه أصبح به مغس منعه عن الجلوس للخدمة، فجلس الأمراء إلى أن تعالى النهار ثم خرج إليهم جمدار وقال لهم: باسم الله ادخلوا، فدخلوا يعودون السلطان، فوجدوه متقلق، فجلسوا عنده ساعة، فجاءه خادم وقال: خوند كان مولانا السلطان قد دفع إلي في وقت قعبة صيني
стр. 964
فيها حلاوة يقطين وقال لي: دعها عندك فإن هذه أهداها لي رجل صالح، وهي تنفع من الأمراض، فقال السلطان: نعم، أحضرها، فأحضرها، فأكل منها شيئاً قليلاً، وادعى أنه سكن ما يجده من الألم، ففرح الأمراء وسروا بذلك، فقال: يا أمراء تعرفون الذي أهدى إلي هذه الحلاوة؟ فقالوا: لا، قال: هذا أبي الصاحب بهاء الدين، فسكتوا، فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: إذا كان يعتقد أن طعامه يشفي من المرض أي شيء تقولون فيه؟!
٣٥٥ - (١)
علاء الدين ابن غانم
علي بن محمد بن سلمان بن حمائل، الشيخ الفاضل البليغ الكاتب الشاعر، صدر الشام بقية الأعيان، الشيخ علاء الدين ابن غانم - تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه الشيخ شهاب الدين (٢) -؛ توفي بتبوك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وله ست وثمانون سنة.
كان حسنة من حسنات الزمان، وبقية مما ترك الأعيان، ذا مروءة فاتت الواصف، وجود أخجل الغمام الواكف، تأذى من الدولة مرات، وما رجع عما له في الخير والعصبية من كرات.
قال الشيخ صدر الدين ابن الوكيل: ما أعرف أحداً في الشام إلا ولعلاء
стр. 965
الدين ابن غانم في عنقه منة قلدها بصنيعه أو جاهه أو ماله، وكان الشيخ كمال الدين الزملكاني يكرهه (١) ويقول: ما أدري ما أعمله بهذا علاء الدين ابن غانم؟ إني من أردت أن أذكره عنده بسوء يقول: ما في الدنيا مثل علاء الدين ابن غانم.
" وكانت كراهته له بسبب، وهو أنه شغر منصب القضاء بدمشق، فكتب جمال الدين الأفرم نائب السلطنة مطالعة يذكر فيها من يصلح للقضاء، فعين الشيخ صدر الدين ابن الوكيل وابن الزملكاني وابن الشريشي وغيرهم، وكتب في الجملة نجم الدين ابن صصرى، وكان بين ابن صصرى وابن غانم تودد عظيم وإدلال وعشرة عظيمة، وكان عند الأفرم حجرة عربية ليس لها نظير، وكان يحبها، وكان سلار والجاشنكير كل منهما قد طلبها وهو يدافع عنها، ولا تسمح نفسه بفراقها، فأخذ ابن غانم علامة الأفرم وكتب عليها كتاباً بخطه يقول لسلار: أحب أن تجعل ولاية قضاء القضاة لابن صصرى وشكرانه، ولك الحجرة التي طلبتها، وسير المطالعة، فلم يشعر إلا وتقليد ابن صصرى قد كتب، ولم يكن في ظن أحد ذلك، فتغيظ ابن الزملكاني وابن الوكيل لذلك وعز عليهما، وباشر ابن صصرى القضاء، ثم بعد ذلك طلبت الفرس وقيل له: قد أجبنا سؤالك إلى ما أردت، وسير لنا ما ذكرت من الفرس، فقال: أنا لم أعلم بذلك ولا لي غرض، فسيروا إليه المطالعة فوجدت بخط ابن غانم، فرسم إليه في الغد برايه ليقطع في بكرة النهار يده، وشاع ذلك، فلما كان سحر ذلك اليوم طلبه الأفرم وقال له: من أول الليل إلى آخره كلما أردت النوم يأتيني شخص في يده رمح - قال أو حربة - ويقول: لا تعرض لابن غانم بسوء وإلا قتلتك بهذه الحربة، وقال له: ما حملك على ذلك؟ قال: حبي لابن صصرى، ولا عدت إلى مثلها،
стр. 966
فعفا عنه وخلع عليه، وكمد عداه لذلك، واستقل ابن صصرى بالقضاء، وعظمت منزلة ابن غانم عند ابن صصرى مع عظمها قبل ذلك، وكان زائد الإدلال عليه وتضاعف إدلاله، وكان ابن صصرى إذا عزل لا يولي، وإذا ذاكر في أمر لا يرجع عنه، واتفق أن قاضي نوى كان له أعداء تكلموا فيه بسوء، جرحوه بالباطل وتحاملوا عليه عند قاضي القضاة نجم الدين، فاستحضره وعزله وانتهره في المجلس، وخرج من بين يديه منكسر الخاطر، وكان علاء الدين ابن غانم يقرأ بين المغرب والعشاء في السبع بالحائط الشمالي، عند باب النظامين، فقيل لذلك الرجل: ما لك إلا علاء الدين ابن غانم فله إدلال عظيم على القاضي، وأعلموه أنه بين العشاءين يقرأ في السبع المذكور، فاتفق أن ذلك الرجل جاء إلى علاء الدين ولم يكن يعرفه، فسأله عن علاء الدين وقال: لي إليه حاجة فدلني عليه، فقال علاء الدين: قل لي حاجتك، فإن كان يمكن قضاؤها تحدثت لك مع ابن غانم فهو ما يخالفني إن شاء الله تعالى، فقال له: يا مولانا أنا والله فقير الحال ولي عائلة، ورجل كبير، والله ما معي درهم ولا ما أتعشى به وبكى وقال: أنا قاض من قضاة البر، وكأن بعض من يحسدني وشى عنده ونقل إليه بأنني أرتشي، وحمله علي فاستحضرني وعزلني، والله ما لي درهم واحد ولا دابة أحضر عليها أهلي، وقصدت أن أجلس بين الشهود فما مكنني، فقيل لي: إن علاء الدين ابن غانم واسطة خير، وله عليه إدلال عظيم، ودلوني إلى هذا المكان، وبكى، فقال له: اقعد هنا لأكشف لك خبر ابن غانم، وأرجو من الله إصلاح أمرك، فأجلسه وانطلق من وقته فدخل على ابن صصرى وكلمه بإدلاله بحيث قال له: أنت قاسي القلب، وأنت أنت، فقال له: ما الخبر؟ فقال: هذا القاضي الفلاني، أي شيء ذنبه حتى عزلته؟ فقال: من صفته كذا وكذا وقيل عنه كذا وكذا، فقال: والله كذب عليه، وأنا والله ما أعرفه، ودل علي، وحلف أنه ما ارتشى قط ولا له ما يتعشى
стр. 967
به، ورق قلبي له، ووالله العظيم لا خرجت من عندك حتى توليه وظيفته، وتكتب تقليده وتكبت عدوه فقال: هذا ما يمكن، وما لي عادة إذا عزلت أحداً أعود إليه، فقال: والله ما أخرج حتى توليه، وإن لم تسمع مني لا عدت أكلمك أبداً، فلم يزل حتى ولاه من ساعته، وكتب تقليده وأشهد عليه بذلك، فقال: وتعطيه عمامتك وفرجيتك خلعة عليه، فلم يمكنه مخالفته، ثم قال: وتكتب له عن الصدقات خمسمائة درهم، ففعل ذلك جميعه، وأتى إلى منزله فأخذ ثوباً ودلقاً له ووضع الجميع في بقجة وأتى إليه وهو ينتظره، فحين رآه قال له: إيش قال لك ابن غانم؟ فأخرج التوقيع، وكان في ذهنه أن يسعى له في الجلوس بين الشهود، فلما قرأ التوقيع كاد يموت فرحاً، ثم أعطاه العمامة والفرجية والخمسمائة وقال: هذا من قاضي القضاة، وهذا الدلق والغلالة مني، فأكب على يديه يقبلهما، فلم يمكنه وقال: أنا والله ما عملت معك هذا إلا لله تعالى، فابتهل بالدعاء له.
وله من هذا وأشباهه ما لا يكاد ينضبط، ولو بسطت مناقبه لطال الفصل " (١) .
وكان وقوراً مليح الهيبة منور الشيبة، ملازم الجماعة مطرح الكلف؛ حدث عن ابن عبد الدايم والزين خالد وابن النشبي وجماعة؛ وكان بيته رحمه الله تعالى مأوى كل غريب، وبابه مقصد كل ملهوف. وله النظم والنثر، ومدحه شعراء عصره؛ وكان آخر ما بقي من رؤساء دمشق.
كتب إلى العلامة شهاب الدين محمود:
لقد غبت عنا والذي غاب محسود ... وأنت على ما اخترت من ذاك محمود (٢)
حللنا محلاً بعد بعدك ممحلاً ... به كل شيء ما خلا الشر مفقود
به الباب مفتوح إلى كل شقوة ... ولكن به باب السعادة مسدود
стр. 968
فكتب إليه شهاب الدين محمد الجواب:
أأحبابنا بنتم وشط مزاركم ... برغمي وحالت دون وصلكم البيد
وروعتم روض الحمى بفراقكم ... فشابت نواصي بانه وهو مولود
ومن لم تهجه الورق وجداً عليكم ... توهم أن النوح في الدوح تغريد وكتب إليه السيخ نجم الدين الصفدي:
شنف الأسماع بالنظم الذي ... قد حكى الأنجم في ظلمائها
وبدا كالشمس إلا أنه ... زاد في النور على لألائها فأجاب:
ليس للملوك إلا مدحه ... في معاليك وفي آلائها
وبحار الفضل تجري منك لي ... فمقالي قطرة من مائها وقال رحمه الله تعالى: عتبني شهاب الدين محمود وهو صاحب الديوان وقال: بلغني أن جماعة كتاب الإنشاء يذمونني وأنت حاضر ما ترد غيبتي، فكتبت إليه:
ومن قال إن القوم ذموك كاذب ... وما منك إلا الفضل يوجد والجود
وما أحد إلا لفضلك حامد ... وهل عيب بين الناس أو ذم محمود فأجاب بأبيات منها:
علمت بأني لم أذم بمجلس ... وفيه كريم القوم مثلك موجود
ولست أزكي النفس إذ ليس نافعي ... إذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمه ... وقد آن أن يبلى ويأكله الدود قال: ولم يكن " بعد " ذلك إلا أيام قلائل حتى توفي، رحمه الله تعالى، وأكله الدود.
стр. 969
ومن شعر علاء الدين ابن غانم لما أمسك كراي المنصوري نائب الشام (١) :
أنا راض بحالتي لا مزيد ... وبأن لا أزال عبد الحميد
لي (٢) في أمر كافل الملك بالشا ... م عظات للحازم المستفيد
جاءه بالتقليد أرغون بالأم ... س وولى وعاد بالتقييد ومنه:
وكم سرحة لي بالربى زمن الصبا ... أشاهد مرأى حسنها متمليا
ويسكرني عرف الشذا من نسيمها ... فأقضي هوى من طيبه حتف أنفيا
وأسأل فيها مبسم الروض قبلة ... فيبرز من أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزهاً ... فأبدى لعيني حسن مرأى بلا ريا
غدا الغصن فيه راقصاً ونسيمه ... يكر على من زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خر إذ ... نسيم الصبا أضحى به متمشيا
تغني لديه الورق والغصن راقص ... فيعرق وجه الأرض من كثرة الحيا وقال:
فعد نفسك من أهل القبور بها ... فعن قليل إليها سوف تنتقل
واذكر مصارع قوم قد قضوا ومضوا ... كأنهم لم يكونوا بعد ما رحلوا
يا ليت شعري ما قالوا وقيل لهم ... وما الذي قد أجابوا عندما سئلوا ومن نثره في صفة قلعة ذات أودية ومحاجز: لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق (٣)
стр. 970
يحفها كالبحر إلا أن هذا فرات وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر، وقد توعرت مسالكه فلا يداس فيه إلا على المحاجر، وتفوت ما بين مرآه العلي وبين قراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه فكأنما خر من السماء أو تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.
٣٥٦ - (١)
ابن خروف النحوي
علي بن محمد بن خروف، نظلم الدين أبو الحسن ابن خروف الأندلسي؛ حضر من إشبيلية، وكان إماماً في العربية، محققاً مدققاً ماهراً مشاركاً في علم الأصول، صنف شرحاً لكتاب سيبويه جليل الفائدة، حمله إلى صاحب الغرب فأعطاه ألف دينار، وشرحاً للجمل، وكتاباً (٢) في الفرائض، وله رد على أبي زيد السهيلي وعلى جماعة في العربية. أقرأ النحو بعدة بلاد،
стр. 971
وأقام في حلب مدة، واختل عقله بأخرة حتى مشى في الأسواق عرياناً بادي العورة مكشوف الرأس، وتوفي سنة تسع وستمائة.
ومن شعره في كاس:
أنا جسم للحميا ... والحميا لي روح
بين أهل الظرف أغدو ... كل يوم وأروح وقال في صبي مليح حبسه القاضي:
أقاضي المسلمين حكمت حكماً ... أتى وجه الزمان به عبوسا
حبست على الدراهم ذا جمال ... ولم تحبسه إذ سلب النفوسا وكتب إلى قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي يستقيله من مشارفة مارستان نور الدين، وكان بوابه يسمى السيد، وهو في اللغة الذئب:
مولاي مولاي أجرني فقد ... أصبحت في دار الأسى والحتوف
وليس لي صبر على منزل ... بوابه السيد وجدي خروف ودعاه نجم الدين ابن اللهيب إلى طعامه فلم يجبه، وكتب إليه:
ابن اللهيب دعاني ... دعاء غير نبيه
إن سرت يوماً إليه ... فوالدي في أبيه وقال فيه:
يا ابن اللهيب جعلت مذهب مالك ... يدعو الأنام إلى أبيك ومالك
يبكي الهدى ملء الجفون وإنما ... ضحك الفساد من الصلاح الهالك وقد قال فيه أيضاً:
لابن اللهيب مذهب ... في كل غي قد ذهب
يتلو الذي يبصره ... " تبت يدا أبي لهب "
стр. 972
وكتب إلى القاضي بهاء الدين بن شداد يطلب منه فروة قرض (١) :
بهاء الدين والدنيا ... ونوء المجد والحسب
طلبت مخافة الأنوا ... ء من نعماك جلد أبي
وفضلك عالم أني ... خروف بارع الأدب
حلبت الدهر أشطره ... وفي حلب صفا حلبي وقال في نيل مصر:
ما أعجب النيل ما أحلى شمائله ... في ضفتيه من الأشجار أدواح
من جنة الخلد فياض على ترع ... تهب فيها هبوب الريح أرواح
ليست زيادته ماء كما زعموا ... وإنما هي أرزاق وأرواح وقال:
واشربوا كل صباح لبناً ... واشربوا كل أصيل عسلا
واعلسوا (٢) ذاك إلى أعدائكم ... من قسي النبل أو رقش الفلا وقال:
لا ترجون لمثلي ... من هذه الراحة توبه
فإنما هي ليلى ... وإنما أنا توبه قال القوصي: وقع ابن خروف في جب يحلب ليلاً فمات، وذلك في سنة تسع وستمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 973
٣٥٧ - (١)
مجد العرب
علي بن محمد بن غالب، أبو فراس العامري المعروف بمجد العرب؛ شاعر جال ما بين العراق والشام ومدح الملوك والأكابر، ولبس أخيراً لبس الأتراك، وتوفي بالموصل سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
ومن شعره:
أمتعب ما رق من جسمه ... بحمل السيوف وثقل الرماح
علام تكلفت حملانها ... وبين جفونك أمضى سلاح وقال أيضاً:
فارق تجد عوضاً عمن تفارقه ... في الأرض وانصب تلاق (٢) الرشد في النصب
فالأسد لولا فراق الغاب ما فرست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب ٣٥٨ (٣)
ابن الأعمى
علي بن محمد بن المبارك، الأديب كمال الدين ابن الأعمى الشاعر، صاحب المقامة التي في الفقراء المجردين، وكان شيخاً كبيراً من بقايا شعراء
стр. 974
الدولة الناصرية، انقطع في آخر عمره بالقليجية (١) ، وكان مقرئاً بالتربة الأشرفية، ووالده الشيخ ظهير الدين الأعمى كان خطيب القدس؛ وكانت وفاة كمال الدين سنة اثنتين وتسعين وستمائة.
ومن شعره:
أنا في حالة النوى والتداني ... لست أثني عن الغرام عناني
لا يروم السلو قلبي ولا يف ... تر عن ذكر من أحب لساني
وسواء إذا المودة دامت ... نظري بالعيان أو بالجنان
فاقترب الديار لفظ وقرب ال ... ود معنى، فاسلك سبيل المعاني
لست ممن يرضى بطيف خيال ... قانعاً في هواهم بالهوان
إن طيف الخيال دل على أن ... الكرى قد يلم بالأجفان
غير أني تشتاق عيني إلى من ... حل من مهجتي أعز مكان
وبروحي ظبياً تغار غصون ال ... بان منه ويخجل النيران
ذو قوام يغنيه عن حمله الرم ... ح وجفن وسنانه كالسنان
كتب الحسن فوق خديه بين ال ... ماء والنار فيهما جنتان
حرس الورد منهما نرجس اللح ... ظ فلم سيجوه بالريحان
عارض عوذته ياسين لما ... أن تبدى كالنمل أو كالدخان
يلبس الحسن كل وقت (٢) جديداً ... فلهذا أخلقت ثوب التواني
يا خليلي خلياني ووجدي ... وامزجا لي بذكره واسقياني
وإذا ما قضيت سكراً من الوج ... د فلا تحزنا ولا تدفناني
فأيادي ذا الناصر الملك تحيي ... ني كإحيائها الندى وهو فاني وقال يذم دار سكناه ويبالغ فيها:
стр. 975
دار سكنت بها أقل صفاتها ... أن تكثر الحسرات من حشراتها
الخير عنها نازح متباعد ... والشر دان من جميع جهاتها
من بعض ما فيها البعوض عدمته ... كم أعدم الأجفان طيب سناتها
وتبين تسعدها براغيث متى ... غنت لها رقصت على نغماتها
رقص بتيقيظ (١) ولكن قافه ... قد قدمت فيه على أخواتها
وبها ذباب كالضباب يسد عي ... ن الشمس ما طربي سوى غناتها
أين الصوارم والقنا من فتكها ... فينا وأين الأسد من وثباتها
وبها من الخطاف ما هو معجز ... أبصارنا عن حصر كيفياتها
تعشي العيون بمرها ومجيئها ... وتصم سمع الخلد من أصواتها
وبها خفافيش تطير نهارها ... مع ليلها ليست على عاداتها
شبهتها بقنافذ مطبوخة ... نزع الطهاة بنضجها شوكاتها
شوكاتها فاقت على سمر القنا ... في لونها وتمامها وشياتها
وبها من الجرذان ما قد قصرت ... عنه العتاق الجرد في حملاتها
فترى أبا غزوان منها هارباً ... وأبا الحصين يروغ عن طرقاتها
وبها خنافس كالطنافس أفرشت ... في أرضها وعلت على جنباتها
لو شم أهل الحرب منتن فسوها ... أردى الكماة الصيد عن صهواتها
وبنات وردان وأشكال لها ... مما يفوت العين كنه ذواتها
متزاحم متراكم متحارب ... متراكب في الأرض مثل نباتها
وبها قراد لا اندمال لجرحها ... لا يفعل المشراط مثل أداتها
أبداً تمص دماءنا فكأنها ... حجامة لبدت على كاساتها
وبها من النمل السليماني ما ... قد قل ذر الشمس عن ذراتها
لا يدخلون مساكناً بل يحطمو ... ن جلودنا؛ فالعقر (٢) من سطواتها
стр. 976
ما راعني شيء (١) سوى وزغاتها ... فنعوذ بالرحمن من نزعاتها
سجعت على أوكارها فظننتها ... ورق الحمام سجعن في شجراتها
وبها زنابير تظن عقارباً ... لا برء للمسموم من لدغاتها
فكأنما حيطانها كغرابل ... أطلعن أرؤسهن من طاقاتها
كيف السبيل إلى النجاة ولا نجا ... ة ولا حياة لمن رأى حياتها
السم في نفثاتها والمكر في ... فلتاتها والموت في لفتاتها
منسوجة بالعنكبوت سماؤها ... والأرض قد نسجت ببزاقاتها
ولقد رأينا في الشتاء سماؤها ... والصيف لا تنفك من صعقاتها
فضجيجها كالرعد في جنباتها ... وترابها كالوبل في خشباتها
والبوم عاكفة على أرجائها ... والآل يلمع في ثرى عرصاتها
والنار جزء من تلهب حرها ... وجهنم تعزى إلى لفحاتها
قد رممت من قبل أن يلقى لآدم ... أمنا حواء في عرفاتها
شاهدت مكتوباً على أرجائها ... ورأيت مسطوراً على عتباتها
لا تقربوا منها وخافوها ولا ... تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها
أبداً يقول الداخلون ببابها ... يا رب نج الناس من آفاتها
قالوا إذا ندب الغراب منازلاً ... تتفرق السكان من ساحاتها
وبدارنا ألفا غراب ناعق ... كذب الرواة فأين صدق رواتها
صبراً لعل الله يعقب راحة ... للنفس إذ غلبت على شهواتها
دار تبيت الجن تحرس نفسها ... فيها وتنذر باختلاف لغاتها
كم بت فيها مفرداً والعين شو ... قاً للصباح تسح من عبراتها
وأقول: يا رب السموات العلى ... يا رازقاً للوحش في فلواتها
стр. 977
أسكنتني بجهنم الدنيا ففي ... أخراي هب لي الخلد في جناتها
واجمع بمن أهواه شملي عاجلاً ... يا جامع الأرواح بعد شتاتها وكتب إلى الملك الحافظ (١) يستهدي نطعاً:
يا ملكاً قد خلقت كفه ... للفرق بين الضر والنفع
وملكاُ صيرني عبده ... إحسانه في القول والصنع
وماجداً أنوار أسيافه ... مشرقة في ظلم النقع
نحن بحمد الله في عيشة ... مرضية بالعقل والشرع
إذا شبعنا بعد طول الطوى ... ليس لنا نقل سمى الصفع
والشغل قد دار على رسمه ... والوقت محتاج إلى النطع وله في حمام ضيق شديد الحر ليس فيه ماء بارد:
إن حمامنا الذي نحن فيه ... قد أناخ العذاب فيه وخيم
مظلم الأرض والسما والنواحي ... كل عيب من عيبه يتعلم
حرج بابه كطاقة سجن ... شهد الله من يجز فيه يندم
وله مالك غدا خازن النا ... ر بلى مالك أرق وأرحم
كلما قلت قد أطلت عذابي ... قال لي اخسأ فيه ولا تتكلم
قلت لما رأيته يتلظى ... ربنا اصرف عنا عذاب جهنم وأهدى إليه صاحب صحن حلاوة ولم يكن جيداً، فكتب إليه:
إن في صحنك المسمى حلاوه ... رقة تورث القلوب قساوه
كم حفرنا فلم نجد غير أرض ال ... صحن يبساً كمثل أرض السماوه
لست أدري من سكر كان أم من ... عسل حين لم تشبه نداوه
غير أني رأيت صحناً صغيراً ... ما عليه من النعيم طلاوه
стр. 978
شبهته العيون حين أتانا ... وجه مولودة عليه غشاوه
لا تكن تحسب الصداقة هذا ... ليس هذا صداقة بل عداوة ٣٥٩ (١)
ابن بسام البغدادي
علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام، أبو الحسن البغدادي، أحد الشعراء، ابن أخت ابن حمدون النديم، وله هجاء خبيث، استفرغ شعره في هجاء والده، وهجا جماعة من الوزراء كالقاسم بن عبيد الله و " أبي " جعفر ابن الزيات.
وتوفي سنة اثنتين وثلاثمائة.
وهو من بيت كتابة، وله من الكتب كتاب " أخبار عمر بن أبي ربيعة " وكتاب " المعاقرين " وكتاب " مناقضات الشعراء " وكتاب " أخبار الأحوص " وديوان رسائله.
ومن شعره في وزارة بني الفرات:
إذا حكم النصارى في الفروج ... وتاهوا بالبغال وبالسروج
فقل للأعور الدجال هذا ... أوانك إن عزمت على الخروج وقال: كنت أتعشق غلاماً لخالي أحمد بن حمدون، فقمت ليلة الأدب
стр. 979
عليه، فلما قربت منه لسبتني عقرب، فصرخت فانتبه خالي وقال: ما تصنع هاهنا؟ فقلت: جئت لأبول، صدقت، في است غلامي فقلت لوقتي:
ولقد سريت على الظلام لموعد ... حصلته من غادر كذاب
فإذا على ظهر الطريق معدة ... سوداء قد عرفت أوان ذهابي
لا بارك الرحمن فيها عقرباً ... دبابة دبت على دباب فقال خالي: قبحك الله، لو تركت المجون يوماً لتركته في هذا الحال.
وقال: كنت أتقلد البريد في أيام عبيد الله بن سليمان بن وهب، والعامل بها أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد، فأهدى إلي ليلة عيد الأضحى بقرة، فاستقللتها ورددتها وكتبت إليه:
كم من يد لي إليك سالفة ... وأنت بالحق غير معترف
نفسك أهديتها لأذبحها ... فصنتها عن مواقع التلف ٣٦٠ (١)
علاء الدين ابن الكلاس
علي بن محمد، علاء الدين الدواداري، يعرف بابن الريس وابن الكلاس؛ كان جندياً بدمشق، رأيته بسوق الكتب غير مرة؛ كان فاضلاً أديباً ناظماً ناثراً، له تعاليق ومجامع تدل على حسن اختياره فيها على فضله (٢) ؛ توفي بحطين
стр. 980
- قرية من قرى صفد - في سنة ثلاثين وسبعمائة.
ومن شعره:
خليلي ما أحلى الهوى وأمره ... وأعلمني بالحلو منه وبالمر
بما بيننا من حرمة هل رأيتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر وقال أيضاً:
تقدمت فضلاً من تأخر مدة ... بوادي الحيا طل عقباه وابل
وقد جاء وتراً في الصلاة مؤخراً ... به ختمت تلك الشفوع الأوائل وقال:
فكرت في الأمر الذي أنا قاصد ... تحصيله فوجدته لا ينجح
وعلمت من نصف الطريق بأن من ... أرجوه يقضي حاجتي لا يفلح وقال لغزاً في رغيف:
ومستدير الوجه كالترس ... يجلس للناس على كرسي
يدخل مثل البدر حمامه ... وبعدها يخرج كالشمس
يوصل السلطان في دسته ... واللص في هاوية الحبس
لو غاب عن عنترة ليلة ... وهت قوى عنترة العبسي وقال:
من مبلغ غربيل (١) أن رحيله ... جلب السرور وأذهب الأحزانا
والناس من فرط الشماتة خلفه ... كسروا القدور وأوقدوا النيرانا وقال:
وأهيف تحكي البدر طلعة وجهه ... وإن لم يكن في حسن صورته البدر
стр. 981
خلوت به ليلاً يدير مدامة ... وجنح الدجى دون الرقيب لنا ستر
فلما سرت كأس الحميا بعطفه ... ومالت به تيهاً ورنحه السكر
هممت بلثم (١) الثغر منه فصدني ... عذار له في منع تقبيله عذر
حمى ثغره المعسول نمل عذاره ... ومن عجب نمل يصان به ثغر ٣٦١ (٢)
علاء الدين الشاعر المنجم
علي بن محمود بن حسن بن نبهان بن سند، علاء الدين أبو الحسن اليشكري الربعي البغدادي الأصل البصري المولد، الشاعر المنجم؛ ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وستمائة.
سمع بدمشق من ابن طبرزد والكندي، أخذ عنه الدمياطي وغيره، وسمع منه البرزالي، وكانت له يد طولى في علم الفلك وحل التقاويم، مع النظم وحسن الخط، وكانت وفاته بدمشق.
ومن شعره:
ولما دهاني الخطب من كل جهة ... وأصبح حالي حائلاً متبدلاً (٣)
عكفت على الأفلاك أرجو معونة ... بها أو بسعد للكواكب يجتلى
فخاطب منها المشتري بعد زهرة ... فما ازددت إلا حيرة وتقلقلا
أما والعلا لو كنت خاطبت عاقلاً ... لأصغى إلى ما قلته وتأملا
стр. 982
ولكن خطابي أطلساً (١) غير سامع ... مقالي له " ... " (٢)
فلا فلك التدوير للقول يرعوي ... ولا الكوكب الدري يفهم مقولا
وليس سوى الخلاق ﷻ ... أوجه وجهي نحوه متوسلا (٣) وقال:
إني أغار من النسيم إذا سرى ... بأريج عرفك خيفة من ناشق
وأود لو سهدت لا من علة ... خوفاً عليك من الخيال الطارق وقال:
من لي بمقتبل العذار كأنه ... مسك بوردة خده مفتوت
وتخال جمر الخد يحرق خاله الن ... دي إلا أنه ياقوت وقال أيضاً:
وسرب من الغيد الحسان عرضن لي ... فخلت ظباء بالصريم نوافرا
تكحلن سحراً واعتجزن دياجياً ... ولحن صباحاً وابتسمن جواهرا
وأقبلن في خضر الحلى فكأنما ... سلبن غصوناً أو لبسن مرائرا
نصبت لها أشراك عيني طماعة ... وقد رفعت خمراً وجرت غدائرا
فغادرن قلبي في الحبائل واقعاً ... وإن كان لبي بالصبابة طائرا وقال في صبي لعب وعرق وأخذ المرآة ينظر وجهه فيها:
لما غدا تعباً وكل ... ل وجهه عرق المراح
أخذ المراءة فاجتلى ... في الورد نوار الأقاح
لا بل حباب قد طفا ... من وجنتيه فوق راح
стр. 983
وقال:
ولما أتاني (١) العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمي قارض
وقد بهتوا لما رأوني شاحباً ... وقالوا به عين فقلت وعارض وقال:
أشممت من عرف الصبا المتضوع ... طيباً تأرج عن ظباء الأجرع
وافى يقص علي أخبار الغضا ... ففهمت من رياه ما لم أسمع
رقصت قدود الدوح عند هبوبه ... وترنمت ورق الحمام السجع
وسرى عليلاً إذ براه هواهم ... من لم يطق حمل الهوى يتوجع
فسقى حيا جفني إذا ضن (٢) الحيا ... داراً (٣) لهم بين العذيب ولعلع
أوطان لهو قد قضت أوطارنا ... غفلات أيام لنا لم ترجع
وبمهجتي قاس علي وإنه ... ليميله نفس النسيم المولع
جذلان مقتبل الشباب بطرفه ... نظر الأبي وكسرة المتخضع
متمنع لما سألت وصاله ... واذلتي من عزه المتمنع
لقضيتي في الحب سقم شاهد ... لو تسمع الشكوى ودمع مدعي وقال:
ومعذر غاض الجمال بوجهه ... من بعد ما قد كان ليس بغائض
وعذاره بالنتف يصبح واقعاً ... فكأن عارضه أصيب بعارض وقال:
لا تضع بالفصاد من دمك الطي ... ب واستبقه فما ذاك رشد
فهو إن حال ريقه كان خمراً ... وإذا جال في الخدود فورد
стр. 984
وقال ذوبيت:
يا ليلة وصلنا سقتك السحب ... عودي فعسى يقر هذا القلب
إذا طاب عتابنا فيا فوزي لو ... أكثرت ذنوباً كي يطول العتب وقال أيضاً:
أهوى قمراً تحار منه الحور ... كالصبح سناً وفرعه ديجور
يزور مقطباً إذا أبصرني (١) ... كالكأس إذا عاينها المخمور وقال:
قم نشربها فقد أضاء الشرق ... والصبح فقد بدا لنا ينشق
قم نسلب روح الزق حتى نحيا ... سكراً ويموت بالفراق الزق ٣٦٢ (٢)
علاء الدين الوداعي
علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد، الأديب البارع المقرئ المحدث الكاتب المنشئ، علاء الدين الكندي المعروف بالوداعي كاتب ابن وداعة؛ ولد سنة أربعين وستمائة تقريباً، وتوفي سنة ست عشرة وسبعمائة.
تلا بالسبع على القاسم الأندلسي، وطلب الحديث ونسخ الأجزاء، وسمع من الخشوعي والكفرطابي والصدر والبكري وعثمان ابن خطيب
стр. 985
القرافة والنقيب ابن أبي الجن وابن عبد الدايم وغيرهم، ونظر في العربية، وحفظ كثيراً من أشعار العرب، وكتب المنسوب، وخدم موقعاً بالحصون، وتحول إلى دمشق، وهو صاحب " التذكرة الكندية " الموقوفة بالسميساطية في خمسين مجلد (١) بخطه، فيها عدة فنون، وتوفي ببستانه عند قبة المسجف، وكان شيعياً، وكان شاهداً بديوان الجامع الأموي، وولي مشيخة النفيسية (٢) وكانت له ذؤابة بيضاء إلى أن مات.
ومن شعره فيها:
يا عائباً مني بقاء ذؤابتي ... مهلاً فقد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتي ... فعلام أقطعها زمان مشيبها؟ وقال:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروي محاسن ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن وقال:
وذي دلال أحور أهيف ... أصبح في عقد الهوى شرطي
طاف على القوم بكاساته ... وقال ساقي قلت في وسطي وقال:
ولم أرد الوادي ولا عدت صادراً ... مع الركب إلا قلت يا حادي النوق
فديتك عرج بي وعرس هنيهة ... لعلي أبل الشوق من آبل السوق وقال: