بجلاله ، ووصفوه بالكمال التي لا يُماثله فيه أحد من خلقه، وكذلك لم يُعطوا المخلوق بعض صفات الخالق؛ فكانوا وسطًا في هذا الباب.
كذلك ما يتعلق بالأنبياء: اليهود قتلوهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، وكذلك تنقَّصُوهم، وفي التوراة المحرفة وصفوهم بأمور يترفع عنها أقل الناس قدرًا.
وأمَّا النَّصارى فعبدوهم من دون الله ، بل جعلوا الحواريين- الذين ليسوا بأنبياء ولا رسل- جعلوهم رسلًا، وتجاوزوا بهم القَدْر.
فاليهود تنقصوا والنصارى غَلوا.
وفي جانب الشَّرائع: اليهود أهل كذب وباطل وشهوات، فتجد أنهم حتى في الشرائع مُفَرِّطون، حتى في السَّبت الذي زعموا أنهم لا يعملون فيه، ويتفرغون للعبادة- قضوه في شهواتهم.
واليهود حَرَّموا على أنفسهم طيبات أُحِلَّت لهم، والنصارى لا يحرمون ما حرَّم الله؛ بل يستحلون الخبائث؛ كالميتة والدم ولحم الخنزير، فيعلمون أن هذا لا يجوز في شريعتهم، ومع ذلك يستبيحونه.
فاليهود مُتحللون من الشَّرائع، والنَّصارى ابتدعوا الرهبانية، وجاءوا بأمور ما شرعها الله .
فحصل ضلالٌ مِنْ هؤلاء وهؤلاء.
فاليهود مكذبون للحق، والنَّصارى ضُلَّال يعبدون الله بغير علم.
وأهل الإسلام اتبعوا ما شرع الله، ولم يشرعوا في دينه ما لم يأذن به .
فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء.
стр. 107
والشاهد- كما ذكر المصنف- أن الأُمَّة وَسَط في الأُمَم.
فهذه الأمة قد اختارها الله ؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وجعلها أمة وسطًا، قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وبالتالي توسطوا فما فعلوا كاليهود ولا فعلوا كالنصارى، لذلك قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]؛ فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضَّالُّون هم النَّصارى.
قال ابن القيم ﵀: «فَذكر الْهِدَايَة وَالنعْمَة وهما الْهدى والفلاح، ثمَّ قَالَ: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾، فَذكر المغضوب عَلَيْهِم وهم أهل الشَّقَاء، والضَّالِّين وهم أهل الضلال، وكل من الطَّائِفَتَيْنِ لَهُ الضلال والشقاء، لَكِن ذكر الوصفين مَعًا لتكن الدّلَالَة على كلٍّ مِنْهُمَا بِصَرِيح لَفظه، وأيضًا فَإِنَّهُ ذكر ماهو أظهر الوصفين فِي كل طَائِفَة، فَإِنْ الْغَضَب على الْيَهُود أظهر لعنادهم الْحق بعد معرفته، والضلال فِي النَّصَارَى أظهر لغَلَبَة الْجَهْل فيهم» (١).
وهذا معلوم لمن تتبع حال اليهود والنصارى وحال الأمة، يجد البون شاسعًا بينها.
فأمة الإسلام هي أمة وسط بين الأمم.
فهم وسط بما يتعلق بالإيمان بالله ، وبما يتعلق بالأنبياء، وبما يتعلق بالشرائع.
стр. 108
وكما أن الأمة وسط بين الأمم فكذلك أهلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بين الفرق، وقد بين المصنف هنا أنها وسط في عدة مسائل؛ منها ما يتعلق بصفات الله ، وما يتعلق بأفعال الله (باب القدر)، ثم باب الوعد والوعيد وما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة ثم بعد ذلك جاء إلى باب الإيمان.
أولًا: في باب الصفات:
قال المصنف: «فهُمْ وسطٌ في باب صِفات الله بين أهل التَّعْطِيل الجَهْمية وأهلِ التَّمْثِيل المُشبِّهة».
فأهل التَّعْطِيل على قسمين:
القسم الأول: الفلاسفة:
فالفلاسفة سلكوا مسلكًا في التعطيل يقوم على أساس التخييل؛ فنفوا اتصاف الله بهذه الصفات جملة وتفصيلًا، وقال مَنْ قال من الفلاسفة: إن هذا مجرد وهم وتخييل، وأن هذا خطاب للعوام، وأما الخواص فهم في غنى عنها وهم في الأصل يقولون: إن النبوة اكتساب.
القسم الثاني: أهل الكلام، الذين لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.
فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.
فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم
стр. 109
يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولاً نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولاً مشبهًا، وثانيًا معطلاً ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (١).
وأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
لذلك يقول ابن القيم ﵀: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تشبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شَبَّهوها بصفات خلقه، فَجَمَعَهُم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته، ولم يُشبهوها بصفات خلقه، ولم يَعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريًّا من التَّشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شَبَّه حتى كأنه يَعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا، وأهل السنة وسطٌ في النِّحَلِ، كما أنَّ أهل الإسلام وسطٌ في المِلل» (٢).
وقال أيضًا ﵀: «هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة
стр. 110
المُثلى فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين، كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشَّاربين، وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات؛ فلا نُعطل ولا نؤول، ولا نُمَثِّل ولا نجهل، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوى على عرشه، ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوق ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستوى كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم، بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازًا ليست كصفات المخلوقين» (١).
فأهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة قد جعلوا هذا الباب قائمًا على أُسُس ثلاثة:
الأول: إثبات بلا تَمْثيل.
الثاني: تَنْزِيه بلا تَعْطيل.
الثالث: قَطْعُ الطَّمَع عن إدراك كيفية اتصاف الله بها؛ لأنَّ اللهَ أخبَرنا عن صفاته ولم يُخبِرنا عن كيفية صِفاته.
فيُؤمن أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة بما وصَف اللهُ به نفسَه، وما وصَفهُ به رسولُ الله ﷺ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل.
стр. 111
ثانيًا: في باب أفعال الله:
قال المصنف: «وهم وسَطٌ في باب أفعال الله بين الجَبْريَّة والقدَرية وغيرهم».
قد ضَلَّ في هذا الباب (باب أفعال الله) الجبريةُ والقدريةُ، وما زال إلى يوم الناس هذا مَنْ يَخبط فيه بين قائل بأن العبد مجبر على أفعاله، وبين قائل بأن العبد لا فِعل له ولا اختيار، وإنما هو كالريشة في مَهَبِّ الرِّيح، وأهل السنة والجماعة وسطٌ بين هذا وذاك.
وقد أوضَح شيخُ الإسلامِ ﵀ هذا في «مَجموع الفَتاوى» فقال: «وهم في باب خَلقِ الله وأمرِه وسطٌ بين المُكذِّبين بقُدرة الله الذين لا يُؤمنون بقُدرتِه الكاملة ومَشِيئته الشاملة وخَلقِه لكل شيء، وبين المُفسدين لدِين الله الذين يَجعلون العبدَ ليس له مَشِيئةٌ ولا قُدرة ولا عمل، فيُعطِّلون الأمر والنهي والثوابَ والعقاب، فيَصِيرون بمَنزِلة المُشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
فيُؤمن أهل السُّنَّة بأنَّ الله على كل شيء قدير، فيَقدر أن يهدي العبادَ ويُقلِّب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في مُلكِه ما لا يُريد، ولا يَعجَز عن إنفاذ مُرادِه، وأنه خالِق كلِّ شيء من الأعيان والصِّفات والحَرَكات.
ويُؤمنون أن العبدَ له قُدرة ومشيئة وعملٌ، وأنه مُختار ولا يُسمُّونه مَجْبورًا؛ إذ المَجْبور مَنْ أُكْرِه على خلاف اختِياره، والله جعَل العبدَ مُختارًا لِمَا يفعله، فهو مختارٌ مُريد، والله خالِقُه وخالِقُ اختياره، وهذا ليس له نَظِيرٌ؛ فإن الله ليس كمثله شيءٌ، لا في ذاتِه ولا في صفاته ولا في أفعاله» (١).
стр. 112
وقال العلَّامة السِّعْدي ﵀: «وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجبريَّة والقَدَرية؛ فإن الجبريةَ يَزعمون أن العبد مَجْبُور على أفعاله لا قُدْرة له عليها، وأن أفعاله بمَنزِلة حرَكات الأشجار، وكل هذا غُلوٌّ منهم في إثبات القدَر.
والقدريَّةُ قابَلوهم فنَفَوْا مُتعلق قدرة الله بأفعال العباد تنزيهًا لله- بزَعْمهم.
فأفعالُ العباد عندهم لا تَدخُل تحت مشيئة الله وإرادته، وكلٌّ مِنْ هاتين الطائِفتين ردَّتْ طائفةً كبيرة من نصوص الكتاب والسُّنة.
وهدَى الله أهلَ السُّنَّة والجَمَاعَة للتوسُّط بين الطائفتين المُنحرفتينِ، فآمَنوا بقضاء الله وقدَره وشُمولهما للأعيان والأوصاف والأفعال التي مِنْ جُملتِها أفعالُ المُكلَّفين وغيرهم، وآمَنوا بأنه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن، وآمنوا مع ذلك بأن الله تعالى جعَل للعِباد قُدرة وإرادة تقَعُ بها أقوالُهم وأفعالهم على حسب اختِيارهم وإرادتهم، فآمَنوا بكلِّ نصٍّ فيه تعميمُ قدرة ومشيئة، وبكلِّ نصٍّ فيه إثباتُ أنَّ العباد يعملون ويفعلون كلَّ الأفعال الكبيرة والصغيرة بإرادتهم وقُدْرَتِهم، وعَلِموا أن الأمرينِ لا يَتنافيانِ» (١).
ثالثًا: في باب الوعيد:
قال المصنف: «وفي بابِ وَعِيد الله بين المُرْجِئة والوَعِيديَّة من القَدريَّة وغيرِهم».
الوَعِيديَّةُ من المُعتَزِلة والقدرية والخَوارج قالوا: إن مَنْ تَوعَّده اللهُ على ذنبٍ فلا بد من إنفاذِ ذلك الوعيد، ولا يجوز إخلافُ ذلك على
стр. 113
الله ما لم يَتُبْ فاعِلُه في الدُّنيا، وحكَموا على مُرتَكِب الكبيرة- إن لم يتب منها- بالخُلود في النار؛ فكفروا بالمعاصي، وأوجبوا الوعيد.
وجاءت المُرْجِئة على نقيضهم فقالوا: إن إيمانَ الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، وإن الأعمال الصَّالحة ليست من الدِّين والإيمان، وكَذَّبوا بالوعيد والعِقاب.
وكلاهما جانَبَ الحق والصواب وما وُفِّق للجَمْع بين النصوص، وما فَقُه طريق السَّلف الصالح من الصَّحابة ومَن تَبِعهم بإحسان.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة ﵀: «وهم-أهل السُّنَّة- في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي ﷺ .
وبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.
فيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي ﷺ ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (١).
فأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل
стр. 114
يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك (١).
فهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.
رابعًا: في أسماءِ الإيمان والدِّين:
قال المصنف: «وفي باب أسماءِ الإيمان والدِّين بين الحَرُوريَّة والمُعتَزِلة وبين المُرْجِئة والجَهْمِيَّة».
المراد بالأسماء هنا: أسماء الدِّين مثل؛ الإيمان، والإسلام، والكفر، والفسق. والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.
وقد نشأ نزاع قديم بين طوائف الأمة في حقيقة هذه الأسماء، وهل تزيد وتنقص، وهل تتبعض أم لا؟
يقول محمد باكريم: «الخلاف في هذا الباب قديم؛ فهو من أوائل ما حصل فيه النزاع بين الفرق المنتمية إلى الإسلام، وأول من أظهر الخلاف في ذلك وخالف جماعة المسلمين الخوارج، ثم قابلهم المرجئة، ثم خرجت المعتزلة وجاءوا في هذا بما لم يأت به أولئك، والجميع دائر بين إفراط وتفريط.
ولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ، وسنة
стр. 115
رسوله ﷺ ، والقول بما دلَّا عليه وأَدَّيا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال وتفريط أهل الإرجاء» (١).
فالإيمان عند المعتزلة والخوارج: قولٌ وعمل وعقيدة، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، وعندهم أن الإنسان إذا ترك واجبًا؛ فإنه يكون خارجًا من الدين.
والمعتزلة لا يدخلونه في الكفر، والخوارج يدخلونه في الكفر ويخرجونه من الدين، أما المعتزلة فهم يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر.
فالمعتزلةُ قالوا: إنَّ أصحابَ الكبائرِ لا مُسلمونَ ولا كفارَ، بل هم في منزلةٍ بينَ المَنزلتينِ، واتَّفقوا معَ الخوارجِ في الحكمِ الأُخرويِّ على صاحبِ الكبيرةِ: أنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ.
وهذه أول بدعة ظهرت في الإسلام، وإنما أحدثوا هذا المُعتقد من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب (٢).
وأما الإيمان عند المرجئة: فشيءٌ واحد لا يتفاوت، بل إيمان أفسق الناس مثل إيمان جبريل بلا فرق، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض عندهم سواء، ولا يكون زائدًا ولا ناقصًا، وأخرجوا جميع الأعمال من الإيمان.
قال المصنف في «مَجموع الفَتاوى»: «تنازَع النَّاس في الأسماء
стр. 116
والأحكام؛ أي: في أسماء الدِّين، مثل: مُسلِمٍ ومُؤمِنٍ وكافِرٍ وفاسِقٍ، وفي أحكام هؤلاء في الدُّنيا والآخرة، فالمُعتَزِلة وافَقوا الخَوارِجَ على حُكْمِهم في الآخِرَة دون الدُّنيا؛ فلم يَستَحِلُّوا مِنْ دمائِهم وأموالهم ما استَحَلَّتْهُ الخوارجُ، وفي الأسماء أحدَثوا المَنزِلةَ بين المَنْزِلتينِ، وهذه خاصَّة المُعتَزِلة التي انفَردوا بها، وسائِرُ أقوالهم قد شارَكهم فيها غيرُهم» (١).
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
فجاء اعتقاد أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.
فهم وَسَطٌ بينَ الخوارجِ والمُعتزلةِ، وبينَ المُرجئةِ والجهميَّةِ.
«وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (٢)، وأسعدُ النَّاسِ بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
стр. 117
خامسًا: في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ :
قال المصنف ﵀: «وفي بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ».
الرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا.
وأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.
أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة ﵁ م ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (١).
стр. 118
ومحبتهم لأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ محبةٌ شرعيَّة دونَ إفراطٍ أو تَفْريطٍ؛ فهم يَعْرِفُونَ لهم حَقَّهم، ويَحفظونَ وَصِيَّةَ رسولِ اللهِ فيهم، ولا يُغالونَ في مَحَبَّتِهِم؛ ولا يَرفعونهم فوق منزلتهم البشرية غلوًّا فيهم، وكذلك لا ينتقصونهم قدرهم جفاء لهم.
وما وقع بين الأصحاب الكرام من خلاف فيجب الإمساك عن الخوض فيه، والتماس العذر لهم؛ يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: «موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة ﵁ م: موقفهم في ذلك: أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين، وليس عن سوء قصد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس ما جرى بينهم صادر عن إرادة علو ولا فساد في الأرض؛ لأنَّ حال الصحابة ﵁ م تأبى ذلك، فإنهم أوفر الناس عقولًا، وأقواهم إيمانًا أشدهم طلبًا للحق، كما قال النبي ﷺ : «خيرُ النَّاس قَرْني» (١). وعلى هذا فطريق السلامة: أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم، ونَرُدَّ أمرهم إلى الله؛ لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم» (٢).
فأهل السنة والجماعة يتميزون بالوسطية والاعتدال بين الفرق الأخرى التي تقف على طرفي نقيض؛ فتتجه إحداهما لأقصى اليمين، وتنحدر الأخرى لأقصى اليسار، والحق بين هذا وذاك، وتلكم هي الوسطية والطريقة السوية.
ر
[الحج: ٦٥]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]».
الشرح
ذكر المصنف ﵀ في هذا الموضع ما يتعلق بصفة العلو، وما يتصل بهذه الصفة من جملةِ صفاتٍ.
وأعظم مسألتين في باب أسماء الله وصفاته: هما صفة العلو وصفة الكلام، ولذلك خصهما هنا شيخ الإسلام بالذِّكر؛ فتكلم- أولًا- عن صفة العلو وما يتعلق بها، ثم أعقب ذلك بالحديث عن صفة الكلام، وهذا لأهمية هاتين المسألتين في هذا الباب؛ لأن أهل الباطل من المعطلة أَصَّلوا قولهم في صفة العلو بناء على أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد، فكذَّبوا بكل غيب، ولذلك أنكروا عُلُوَّ الله ؛ وهو أعظم غيب، وهم بذلك يُريدون الوصول إلى إنكار وجوده؛ لأن في إثبات علوه إثباتًا لوجوده جل وعلا، وإثبات وجوده إثبات لأعظم الغيب.
وكذلك أرادوا أن يتسلطوا على صفة الكلام؛ لأن في إثباتها إثبات للوحي، وهو مصدر العلم الشرعي، فهم يريدون أن يُفسدوا هذا الباب؛ ليقصروا مصدر العلم على نفوسهم، وبالتالي يريدون أن يُسووا بين قولهم وقول رسول الله ﷺ باعتبار أن مصدر الاثنين واحد.
وبالتالي، فمسألة العلو من أعظم المسائل؛ لذلك نجد أن النصوص التي أثبتت هذه الصفة متواترة ومتنوعة ومتعددة، حتى إنَّ العلماء يذكرون أن في كتاب الله أكثر من ثلاثمائة آية تتكلم عن علوِّ الله بأساليب متنوعة ومتعددة؛ فالله تارة يُخبر بعلوه، وتارة يُخبر باستوائه، وتارة يُخبر بنزوله، وتارة يُخبر بصعود الأشياء إليه، وتارة يخبر بنزولها من عنده، وتارة يخبر بعروجها إليه، وهكذا.
стр. 121
وقد دلَّ على عُلُوِّ اللهِ على خلقِهِ بذاته- الكتابُ بدلالاتٍ متنوعةٍ، والسُّنَّةُ بدلالاتِهَا الثلاثِ: (القوليَّة، والفعليَّة، والتقريريَّة)، والإجماعِ، والعقلِ، والفطرةِ.
وقالَ العلَّامةُ السّعْدي بعدَ أن أَوْرَدَ كلامَ شيخِ الإسلامِ السابقِ: «في هذا الفصلِ مسألة علو اللهِ واستوائِهِ على عرشِهِ، وأن ذلكَ داخلٌ في الإيمانِ باللهِ، وذلكَ لِمَا حَصَلَ في هذِهِ المسألةِ مِنَ الاختلافِ والمُخَاصماتِ الطويلةِ بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ وبينَ طوائِفِ الجهميَّةِ والمُعتزلةِ ومَن تَبِعَهُم في هَذِهِ المَسألةِ مِنَ الأشعريَّةِ ونحوهم.
فإنَّ مَسألةَ العلوِّ صُنِّفَت فيها المُصَنَّفات المُستقلَّة، وأَوْرَدَ فيها أهلُ السُّنَّة ما لا يمكنُ دفعُهُ أو دفع بعضِهِ، وحقَّقوا ذلكَ بالعقلِ الصحيحِ، وأنَّ الفِطَر والعقولَ مُعترفة، بل ومضطرة إلى الإيمانِ بعلوِّ اللهِ إلَّا مَنْ غَيَّرَت فِطَرتَه العقائِدُ الباطِلةُ.
وقد بيَّن المُصَنِّفُ في هذا الموضوعِ الجمعَ بينَ الإيمانِ بعلوِّ اللهِ وإثباتِ مَعِيَّته وعِلْمِهِ المُحيط، وحَقَّقه في كلامٍ واضحٍ مُبَيَّنٍ بالأمثلةِ المُقَرِّبةِ للمعاني بما لا مَزِيدَ علِيهِ» (١).
فصفة العلو صفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، بل وثابتة بالفطرة، وثابتة بالعقل.
قال العَلَّامةُ ابنُ القَيِّم ﵀: «قالَ شيخُ الإسلامِ: وَهَذَا كتابُ اللهِ من أوَّلهِ إلى آخرِهِ، وسُنَّة رسولهِ ﷺ ، وعامَّة كلام الصَّحابةِ والتَّابعينَ وكلام سائرِ الأئمَّة مَمْلُوءٌ بما هُوَ نصٌّ أو ظَاهِرٌ في أنَّ اللهَ
стр. 122
سبحانه وتعالى فوقَ كلِّ شيءٍ، وأنَّه فوقَ السَّماوات مُسْتَوٍ عَلَى عرشِهِ» (١).
وقال- أيضًا- ابن القيم ﵀ كما: « … حتى قيل: إن الآياتِ والأخبارَ الدَّالّةَ على عُلُوِّ الرَّبِّ على خلقه واستوائه على عرشه تقاربُ الألوفَ، وقد أجمعت عليها الرسلُ مِنْ أولهم إلى آخرهم» (٢).
وقد تَنَوَّعَتْ دلالةُ القرآنِ على عُلُوِّ الله على وجوهٍ كثيرةٍ، منها:
١ ـ التَّصْرِيحُ بِالفَوْقِيَّةِ مَقْرُونَةٌ بأداةِ «مِنْ» المُعَيِّنَةِ لِفَوْقِيَّةِ الذَّاتِ، نحو ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
٢ ـ التصريح بالفوقيَّة مُجَرَّدَة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
٣ - التَّصْرِيح بالعروج إليه؛ نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
٤ - التصريح بالصُّعود إليه؛ كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
٥ - التَّصريح برفعه بعضَ المخلوقاتِ إليه؛ كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
٦ - التَّصريح بالعُلُوِّ المطلقِ الدَّالِّ على جميع مراتب العلو، ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
٧ - التَّصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ
стр. 123
نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، وهذا يدل على شيئين:
الأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.
الثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.
٨ - التَّصريحُ باخْتِصَاصِ بعضِ المخلوقات بأنها عنده، وأنَّ بَعْضَهَا أَقْرَبُ إليه من بعضٍ، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.
٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:
إما أن تكون «في» بمعنى «على».
وإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.
١٠ - التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.
١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]،
стр. 124
فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (١).
وفي قوله : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ - بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.
وكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.
أما دلالة السُّنَّة على العلو، فقد قال شيخ الإسلام: «وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يُحصيها إلا الله تعالى» (٢).
فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية).
أما السُّنَّة القولية فمنها:
١ - ما رواه أنس ﵁ في حديث الخَوَارِجِ: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «ألا تَأْمَنُونِي، وأَنا أَمِينُ مَنْ في السَّمَاءِ؟!» (٣).
٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله تعالى طَيِّبٌ لا يقبل إلا طَيِّبًا … »، إلى أن قال: «ثم ذكر الرجلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماء: يا رب، يا رب، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك؟» (٤).
стр. 125
٣ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَتَعاقَبُونَ فيكم ملائكةٌ باللَّيْلِ وملائكةٌ في النهار، ويجتمعون في صلاة الصُّبحِ وصلاةِ العصرِ، ثم يَعْرُجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيقولون: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١).
وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية فمنها:
١ - ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن رسول الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا … »، إلى أن قال جابر ﵁: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (٢).
قال العَلَّامة ابن القَيِّم ﵀ مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (٣).
٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه ﷺ يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (٤). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك.
ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة وأشهرها:
ما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد
стр. 126
ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: «ثم عن السَّلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمِعَ لَبَلَغَ مِئِينَ أَوْ أُلُوفًا.
ثُمَّ لَيْسَ في كتاب الله ولا في سُنَّةِ رسوله ﷺ ولا عن أحدٍ من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرفٌ واحدٌ يخالف ذلك لا نَصًّا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إنَّ الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إنه لا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسيَّة إليه بالأصابع ونحوها» (٢).
وأما دلالة الإجماع: فقد قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فالسَّلَفُ والأَئِمَّةُ يقولون: إن الله فوق سماواته مُسْتَوٍ على عرشه بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، كما دَلَّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، عُلِمَ المُبَايَنَةُ والعُلُوُّ بالمعقولِ الصَّريح الموافق للمنقول الصحيح، وكما فَطَرَ اللهُ على ذلك خَلْقَهُ» (٣).
стр. 127
وأما دلالة الفِطْرَةِ على عُلُوِّ الله بذاته:
فقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.
وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (٢).
فالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبوجعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (٣).
стр. 128
فالله فطر هذه القلوب على إثبات علوه فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي ﷺ لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال ﷺ : «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (١).
وأَمَّا دَلَالَةُ العَقْلِ على إثبات العُلُوِّ لله، فقد قال العَلَّامة ابن عثيمين ﵀، فقال: «وأما العقلُ فقد دَلَّ على وجوب صفة الكمالِ لله تعالى، وتنزيهِه عن النقصِ، والعُلُوُّ صفةُ كمالٍ، والسُّفْلُ نَقْصٌ، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده» (٢).
وكذلك العلو ثابت بالعقل، ولذلك يقول الإمام أحمد: «يقال للجهمي: إنَّ الله إذا كان معنا بعظمة نفسه. فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال: نعم. فقد زعم أن الله بائن مِنْ خلقه، وأن خلقه دونه. وإن قال: لا، كفر. وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه، أو خارج عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل لا بد له من واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الخلق والشياطين وإبليس في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش وقذر. وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع
стр. 129
عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة» (١).
ونحن نُنَزِّه الله أن يُذكر في الخلاء فضلًا عن أن يكون هو- في هذا المكان.
فالله عال على خلقه، مستو على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه.
ومقصود أهل السنة بإثبات صفة العلو: أنه ليس بعد هذا العالم إلا الله.
وإثبات الاستواء جاء في القرآن في سبعة مواضع؛ في ستة مواضع: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وفي واحد منها: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ فأخبر باستوائه في هذه المواضع.
وذِكر العرش جاء في واحد وعشرين موضعًا، وهو أكبر مخلوقات الله ، وأثقلها وزنًا وأعظمها خلقًا، وهو- كما يقولون-: سقف الجَنَّة.
فإثبات العلو والاستواء أمرٌ جاءت به النصوص، ولا تعارض بين نصوص العلو والاستواء ونصوص المعية.
الفرق بين العلو والاستواء:
١ - العُلُوُّ مِنْ الصِّفَات المعلومة بالسَّمع مع العقل، وأما الاستواء فمن الصفات المعلومة بالسَّمع دون العقل (٢).
٢ - أنَّ العُلُوَّ صفةٌ ذاتيةٌ، والاستواء صفة فعلية؛ فالاستواء علو خاص، خَصَّه الله بالعرش.
أما العلو فإنَّ الله عالٍ على جميع خلقه بما في ذلك
стр. 130
العرش الذي خصه الله بالاستواء عليه.
ومعنى استوى: علا وارتفع.
لأن استوى إمَّا أن تَرِد مُطلقة وإمَّا أن ترد مقيدة، فإذا أطلقت مثل أن تقول: استوى الطعام، أو استوى النبات، والمعنى: كمل وتم.
وإذا قيدت فإمَّا أن تقيد بإلى أو تقيد بعلى أو تقيد بواو (مع)، فإذا قيدت بإلى فقد جاءت في القرآن- بالنسبة إلى الله في موضعين؛ في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى الله فسواهن سبع سماوات﴾،. وقوله: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾.
وإذا قيدت بإلى فقد قال العلماء في معانيها: إنها بمعنى (عمد وقصد وأقبل وعلا، وصعد)، وهي من لوازم علا.
أما إذا قيدت بعلى فليس لها في لغة العرب إلا معنى واحدًا، وهو علا وارتفع، وآيات الاستواء كلها قُيِّدت بعلى: وهي قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾.
أمَّا إذا قيدت بواو (مع) فهي تعني المساواة مثل أن تقول: استوى الماء والخشب، أو استوى فلان وفلان في النتيجة، فمعناها المساواة.
والعرب لا تعرف من معاني (استوى): استولى.
فمن فَسَّر استوى بالاستيلاء فليس من لغة العرب في شيء.
ثم ما يتعلق بأمر العلو وأمر المعية فلا تعارض بينهما، والله قد جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
стр. 131
ونصوص المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة:
المعية العامة، كما في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]
وفي سورة المجادلة في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
والمعية الخاصة، مثل قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ونحو ذلك من الآيات، فتلك من نصوص المعية الخاصة.
ولفظ (مع) في لغة العرب يُفيد المصاحبة، ثم إنَّ المصاحبة تختلف بحسب السياق، وهي مِنْ الألفاظ المشتركة بمعنى: أن السياق هو الذي يُحَدِّدها، فقد تكون المعية بمعنى النصرة، وقد تكون بمعنى مصاحبة الذات، وقد تكون غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أُطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة؛ من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال؛ فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي
стр. 132
لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة» (١).
وليس هنا تعارض بين نصوص المعية ونصوص العلو.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته. ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضا البتة؛ مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾، وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنَّ الله قِبَل وجهه» (٢)، ونحو ذلك فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾. فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا» (٣).
ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾ إلى قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم؛ شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول
стр. 133
السلف: إنه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وكذلك في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿هو معهم أين ما كانوا﴾ الآية، ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: «لا تحزن إن الله معنا» كان هذا- أيضا- حقًّا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد (١).
فليس المراد مصاحبة اختلاط، إذ لفظ (المعية) قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر؛ فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها - وإن امتاز كل موضع بخاصية - فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها (٢).
قال الشيخ الأمين الشنقيطي: «قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، ذكر- جل وعلا- في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين، وهذه المعية بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر; كقوله: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقوله: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾، وقوله: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، وقوله: ﴿قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم،
стр. 134
ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته- جل وعلا- فالكائنات في يده - جل وعلا - أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة- أيضًا- في آيات كثيرة; كقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ الآية، وقوله: ﴿وهو معكم أين ما﴾ الآية، وقوله: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾، وقوله: ﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
فهو- جل وعلا- مستو على عرشه كما قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» (١).
وهنا مسألة ينبغي التنبه لها، وهي أن أهل السنة إذا تعاملوا مع النصوص التي أُضيفت لله تعالى، فإنهم يتعاملون معها بموجب ما دل عليه السياق، فلا يُقال لأهل السنة هنا: قد وقعتم في التأويل؛ لأن الآية قد لا تكون متعلقة بهذه الصفة التي قد يفهمها البعض منها، وإنما تكون متعلقة بصفة أخرى؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، فالأيد هنا ليس جمع يد، وإنما جمع آد، والآد: هو القوة، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾، فهل كان لداود ﵇ عدة أياد، أو المعنى: أنه صاحب القُوى.
стр. 135
وكذلك في قوله تعالى: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ فالسياق لا يدل على إثبات صفة الجنب لله ، وإنما المعنى: التحسر على التفريط الذي وقع في حق الله .
ومثل قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فليس المراد هنا صفة الوجه، وإنما المراد: القِبلة، لأنَّ الوجه هنا بمعنى: الجهة.
والأمثلة على ذلك كثيرة في النصوص، وليست هذه الآيات ونحوها من نصوص الصفات.
والسلف هنا لم يؤولوا هذه النصوص ولم يحملوا ما لا تحتمله، وإنما كان من منهجهم النظر إلى سياقها وما دلَّت عليه، فقد يكون من باب الصفات وقد لا يكون من بابها، وليس في هذا تأويل، أي: تحريف للنص عن ظاهره أو معناه، ولكن بعض الناس قد يتوهم أمرًا والنص لا يدل عليه ولا يُرشد إليها، وهذا في باب الصفات وفي غيره، وهو ما يسمى بالاشتباه النِّسبي.
فمثلًا أخبر الله أن القرآن كله محكم في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وأخبر أن كله متشابه فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وأخبر أن منه محكم ومنه متشابه؛ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
فلا يُمكن أن يقال: هذا تناقض، والحق أنه ليس من التناقض في شيء، فقوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بمعنى: أتقنت، فالقرآن كله محكم، بمعنى: متقن، ليس فيه اختلاف ولا تضاد، كما قال : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
стр. 136
وفي الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، والمتشابه هنا بمعنى المتماثل المتناسب الذي ليس فيه اختلاف ولا تضاد، وهذا يؤكد ما في الآية السابقة؛ لأن من إتقانه أنه لا تضاد فيه ولا اختلاف؟
قال المصنف ﵀: «ومَن هداه الله فرَّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه وعلم ما بينهما من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام؛ لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق.
وهذا كما أن لفظ (إنا) و (نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون به لا شركاء له، فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ ونحو ذلك مما لا يحصل إلا معنى واحدًا يُزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينًا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطائفة المخلوقات من الملائكة وغيرهم» (١).
ففي قوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، وصيغة الجمع لها استعمال على أنها صيغة جمع، واستعمال على أنها للتعظيم.
والله أحق ان يُعَظَّم؛ فبالتالي جاء هذا الاستعمال للتعظيم.
وفي قوله تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
стр. 137
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ - كذب النصارى على الله في أمر عيسى، وذلك أنهم قالوا: عيسى روح الله من ذات الله، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب.
وقلنا نحن: إنَّ عيسى بالكلمة كان وليس هو الكلمة. قال: وقول الله: ﴿وروح منه﴾ يقول: مِنْ أمره كان الروح فيه، كقوله: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ يقول: من أمره. وتفسير روح الله: أنها روح بكلمة الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله وسماء الله، فقد ذكر الإمام أحمد أن زنادقة النصارى هم الذين يقولون: إن روح عيسى من ذات الله، وبَيَّن أن إضافة الرُّوح إليه إضافة مُلك وخَلق، كقولك: عبد الله وسماء الله؛ لا إضافة صفة إلى موصوف؛ فكيف بأرواح سائر الآدميين؟! (١).
فـ (من) في قوله تعالى: ﴿وروح منه﴾: تبعيضية.
و (من) لها ستة استعمالات؛ فترد تبعيضية واستفهامية وبيانية وغير ذلك.
فالشاهد: أن من الآيات ما يدل على معنى واحد، ومنها ما قد يكون في السياق ما يُبين المراد والمقصود منها، وذلك بتخصيص معنى من المعاني، أما في أصل اللغة فقد يكون للفظ عدة استعمالات، والسياق هو الذي يحدد المراد.
قَعِيدٌ﴾، ثُمَّ قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾؛ أي: شاهدٌ لا يُغِيب. فهذا كله خبر عن الملائكة» (١).
فسياق الآيتين يدلُّ على أنَّ المرادَ هنا: الملائكةُ، فإنَّهُ قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨].
فقيدُ القربِ بِهَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ زَمان تَلَقِّي المُتَلَقِّيَين؛ قعيد عنِ اليمينِ، وقعيد عنِ الشِّمالِ، وهما المَلَكَانِ الحافظانِ اللذانِ يَكتبانِ، كَمَا قَالَ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
ومعلومٌ: أنَّهُ لو كانَ المرادُ قربَ ذاتِ الربِّ لم يختصَّ ذلكَ بهذِهِ الحالِ، ولم يكن لِذِكرِ القَعِيدينِ والرَّقيب والعَتيد معنى مناسب.
وَكَذَلِكَ قوله فِي الآيةِ الأخرى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥].
فلو أرادَ قربَ ذاتِه لم يخصَّ ذلكَ بهذِهِ الحالِ، ولا قالَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، فإنَّ هذا إنَّما يقالُ إذا كانَ هناكَ مَنْ يجوزُ أَنْ يُبصرَ في بعضِ الأحوالِ، ولكن نحنُ لا نبصرُهُ، والربُّ- تعالى- لا يراهُ في هذِهِ الحالِ ولا الملائكةِ ولا البَشر.
وأيضًا، فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾، فأخبرَ عمَّن هُوَ أقربُ إلى المُحتضرِ مِنَ النَّاسِ الذينَ عندَهُ في هذِهِ الحالِ (٢).
стр. 143
قال المصنف ﵀:
«وَمِنَ الإيمانِ بِاللهِ وَكُتبِهِ: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ منزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ؛ منهُ بَدَأَ، وَإِلَيهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا القرآنَ الذي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد ﷺ هُوَ كلامُ اللهِ حَقِيقَةً لَا كَلام غَيرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إِطلَاقُ القَولِ بِأَنَّهُ حكايةٌ عَنْ كلامِ اللهِ أَوْ عِبَارةٌ، بَلْ إِذَا قَرأهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المصاحفِ لَم يَخرج بِذَلِكَ عَلَى أَنْ يكونَ كلامَ اللهِ- تعالى- حَقيقةً، فَإِنَّ الكلامَ إِنَّما يُضافُ حقيقةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِأ، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُروفُهُ ومعانيه، لَيسَ كَلام اللهِ الحُرُوف دُونَ المَعَانِي، وَلَا المَعَاني دُونَ الحُرُوفِ».
الشرح
صفة الكلام تأتي- من حيث الأهمية- بعد صفة العُلو لله ؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا- أيضًا- على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله.
فالمُعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، ونحن نؤمن أن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.
стр. 144
ومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (١).
ومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.
والقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان- بالضم- كالغُفران والشُّكران (٢).
وفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (٣).
والقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵁ ما أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛
стр. 145
لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (١).
وَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ .
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ » (٢).
ثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم- أي: عن الصحابة والتابعين- بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود».
وأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق- الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان.
وأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض،