ليس مرفوعًا (١)، فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن مِنْ غير تقييد بعدد» (٢).
نماذج لاجتهادات أهل العلم في جمع الأسماء الحسنى:
إذا تبيَّن أن الروايات في عدِّ الأسماء ليست من كلام النبي ﷺ ، فإن الحقيقة التي يجب أن تُقرَّر في هذا المقام: أنَّ جميع ما ورد من جمع للأسماء الحسنى إنَّما هو من اجتهاد أهل العلم من خلال استقرائهم للنُّصوص، والملاحظ على تلك الاجتهادات ما يلي:
١ - اقتصار الأغلب في جمعهم على عدِّ تسعةٍ وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى، ولعلَّ المقصود من هذا التَّقَيُّد هو تحصيل الفضل الوارد في الحديث، إذ الفضل قد ورد فيمن أَحْصَى هذا القَدْر من أسماء الله.
٢ - الاقتصار كذلك على تَتبُّع تلك الأسماء في سور القرآن الكريم فقط، دون الرُّجوع إلى السنة الصَّحيحة، ولعل السَّبب يرجع في ذلك إلى صعوبة تتبُّع ما ورد في السُّنَّة؛ إذ أنَّه يحتاج إلى جهدٍ في الاستقصاء، مع ملاحظة أن غالب مَنْ يعتني بعدِّ الأسماء يَقتصر على عدِّ تسعةٍ وتسعين- كما أسلفنا- لتحصيل فضل ما ورد في الحديث، وبما أنهم يستخرجون ذلك العدد من القرآن، فإنهم يَكتفون بذلك.
٣ - الاختلاف في العدِّ بين جمعٍ وآخر، ويَندر أن تجد اتِّفاقًا كليًّا بين جمعين؛ لأن الاستقراء قد يختلف من شخص لآخر، وكذلك الضابط في تعيين ما يَنطبق عليه شرطُ الاسم قد يختلف؛ فهناك مَنْ يتوسَّع، وهناك مَنْ يتقيَّد بشروط مُعيَّنة بحسب ما وصل إليه
стр. 72
اجتهاد كلِّ واحد منهم في المنهج الذي ارتضاه، كما أسلفنا.
وأمَّا الصفاتُ عمومًا فثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نَقص. وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا. وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين.
والله- صفاتُه كمال مَحْض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله، ومُنَزَّهٌ عن الأقسام الثلاثة الأخرى (١).
وتنقسمُ الصِّفات باعتبار ورودها في النُّصوص إلى قسمين:
١ - صفات ثبوتية. ٢ - صفات سلبية (أي: منفية).
القسم الأول: الصفات الثبوتية:
وتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
والصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها.
وتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية:
وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها: الدليل الشرعي السَّمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة.
وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثُّبوتية
стр. 73
يشترك فيها الدَّليلان السَّمعي والعقلي (١)، وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.
ومنها: (العلم، السَّمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة).
وسميت «شرعية عقلية».
فشرعية: لأنَّ الشرع دلَّ عليها أو أرشد إليها.
وعقلية: لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تُعلم إلا بمجرد الخبر.
فإذا أخبر الله بالشييء ودل عليه بالدلالات العقلية- صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليل العقل الذي يُعلم به؛ فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تُسَمَّى الدلالة الشرعية (٢).
القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية:
وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السَّمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتَّسليم (٣).
ومنها: (الوجه- اليد- العين- الرِّضا- الفرح- الغضب- القَدَم- الاستواء- النزول- المجيء- الضحك).
وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - صفات ذاتيَّة؛ مثل: (الوجه- اليد- العين- القَدَم).
стр. 74
٢ - صفات فعلية؛ مثل: (النزول- الاستواء- الغضب- الفرح- الضحك).
القسم الثاني: الصفات السلبية:
وتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه.
ومن أمثلتها: النَّوم- الموت- الجهل- النِّسيان- العجز- التعب- الظلم.
فيجب نفيُها عن الله مع إثبات أنَّ الله موصوف بكمال ضدها.
فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
«وأما ما لم يَرِد إثباتُه ونفيُه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الإخبار فمن السلف مَنْ يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (١).
فَمن شرط الأسماء الحسنى: صحة الإطلاق، بمعنى: أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه بدون متعلق أو قيد.
стр. 75
وهذا الشرط هو الذي يُميز باب الأسماء عن باب الصفات، بخلاف شرط ورود النص بهما؛ فإنه شرط مشترك بين الاثنين؛ فأسماء الله وصفاته لابد من ورود النَّصِّ بهما (١).
وهذا الشرط من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فنحن إذ وقفنا وقفة تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية:
أولًا: أنَّ الله أطلق على نفسه أسماء كـ (السميع) و (البصير)، وأوصافًا كـ (السمع) و (البصر)، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها؛ فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أنَّ مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أيِّ صورةٍ وَرَدَ.
ثانيًا: وأطلق على نفسه أفعالًا كـ (الصُّنع) و (الصِّبغة) و (الفعل) ونحوها؛ قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْمن كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، لكنه لم يَتَّسم ولم يَصف نفسه بها، ولكن أخبر بها عن نفسه، مما يدل على أنَّها تُخالف الأول في الحكم، فوجب الوقوفُ فيها على ما ورد.
ثالثًا: ووصف نفسَه بأفعال في سياقها المدح كـ (يريد) و (يشاء)؛
стр. 76
فقال جل شأنه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، إلَّا أنه لم يشتق له منها أسماء؛ فدل على أنَّ هذا النوع مخالف للقِسمين الأولين، فوجب ردُّه إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ .
رابعًا: ووصف نفسَه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء؛ فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ ولم يَشتق منها أسماء له تعالى؛ فدلَّ ذلك على أنَّ مثل هذه الأفعال لها حكم خاص فوجب الوقوف على ما ورد.
فهذه الحقائق السابقة قَرَّرت عند العلماء النتائج التالية:
١ - أنَّ النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي (باب الأسماء) و (باب الصفات) و (باب الإخبار).
٢ - أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صحَّ اسمًا صَحَّ صفة وصحَّ خبرًا، وليس العكس.
٣ - باب الصِّفات أوسعُ مِنْ باب الأسماء، فما صَحَّ صفة فليس شرطًا أن يصح اسمًا، فقد يصح وقد لا يَصح، مع أن الأسماء جميعها مُشتقة من صفاته.
٤ - أن ما يدخل في باب الإخبار عنه- تعالى- أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته؛ فالله يُخْبر عنه بالاسم وبالصفة، وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ (الشيء) و (الموجود) و (القائم بنفسه) و (المعلوم)، فإنَّه يُخبر بهذه الألفاظ عنه، ولا تَدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العُليا.
стр. 77
والذي يَعنينا هنا من بين تلك النتائج هو تحديد سبب خصوصية باب الأسماء، وما المانع من دخول بعض ألفاظ الصفات وغيرها في هذا الباب، وهذا يتضح لنا عند تحليل ما اشتقت منه أسماء الله.
فَمِنْ المعلوم: أنَّ أسماء الله الحسنى كلها مُشتقة؛ فكلُّ اسم من أسمائه مشتق إمَّا مِنْ صفة من صفاته، أو فِعل قائم به (١)، ولمعرفة صحة الاسم ينطر إلى الصفة أو الفعل الذي اشتُقَّ منه، ولبيان ذلك نقول:
أولًا: باب الصفات أوسع مِنْ باب الأسماء:
فإن كانت الصفة منقسمة إلى كمال ونقص لم تَدخل بمطلقها في أسمائه.
مثال ذلك: (المتكلم- والمُريد- والفاعل- والصانع)، فهذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بهذه الأسماء؟
لأنَّ الكلام والإرادة والفعل والصنع مُنقسمة إلى محمودٍ ومَذموم (٢).
ومِن أجل ذلك كان باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ فالله يُوصف بصفات كـ (الكلام، والإرادة، والاستواء، والنزول، والضحك)، ولا يُشتق له منها أسماء، فلا يُسَمَّى بالمتكلم، والمريد، والمُستوي، والنازل، والضاحك، «فهذه الأسماء التي فيها عُموم وإطلاق لما يُحمد ويُذم- لا تُوجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنَّها لا تدل في حال إطلاقها على ما يُحمد الربُّ به ويُمدح» (٣).
стр. 78
وفي المقابل هناك صفات ورد إطلاق الأسماء منها؛ كـ (العُلُو، والعلم، والرحمة والقدرة)؛ لأنها في نفسها صفات مَدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح» (١)؛ فمن أسمائه: (العَلِي، والعليم، والرحيم، والقدير).
قال ابن القيم ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت مُنقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمُريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاط لا تَدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد؛ فإن الإرادة والفِعل والصُّنع مُنقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (٢).
وقال ﵀: «ومِن هنا يَتبتن لك خطأ مَنْ أطلق عليه اسم (الصانع والفاعل والمُرَبِّي) ونحوها؛ لأن اللفظ الذي أطلقه- سبحانه- على نفسه، وأخبر به عنها أتم مِنْ هذا وأكمل وأجل شأنًا، فإنه يُوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها.
فيُوصف من الإرادة بأكملها وهو الحكمة وحصول كل ما يُريد بإرادته … وكذلك العليم الخبير أكمل مِنْ الفقيه العارف، والكريم الجواد أكمل من السخي، والرَّحيم أكمل من الشفيق، والخالق البارئ المُصور أكمل من الفاعل الصانع.
ولهذا لم تجئ هذه في أسمائه الحسنى؛ فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات والوقوف معها، وعدم إطلاق ما لم يُطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقًا لمعنى
стр. 79
أسمائه وصفاته، وحينئذ فيُطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سِيَّما إذا كان مجملًا أو منقسمًا أو مما يُمدح به غيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا، وهذا كلفظ الفاعل والصانع، فإنه لا يُطلق عليه في أسمائه الحسنى إلا إطلاقًا مقيدًا كما أطلقه على نفسه كقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فإن اسم (الفاعل) و (الصانع) مُنقسم المعنى إلى ما يُمدح عليه ويذم، فلهذا المعنى لم يجئ في الأسماء الحسنى (المريد)، كما جاء فيها (السميع) (البصير)، ولا (المتكلم، الآمر، الناهي)؛ لانقسام مُسَمَّى هذه الأسماء، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومِن هنا يعلم غَلط بعض المتأخرين وزَلَقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه مِنْ كلِّ فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا، وأدخله في أسمائه الحسنى؛ فاشتق منها اسم (الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل)؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا» (١).
وقال ﵀: «وما كان مُسَمَّاه مُنقسمًا إلى كامل وناقص وخير وشَرٍّ- لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى؛ كـ (الشيء والمعلوم)، ولذلك لم يُسَمَّ بالمريد ولا بالمتكلم، وإن كان له الإرادة والكلام؛ لانقسام مسمى (المريد) و (المتكلم)، وهذا مِنْ دقيق فقه الأسماء الحسنى؛ فتأمله، وبالله التوفيق» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأمَّا تَسميته- سبحانه- بأنَّه مُريد وأنه متكلم، فإن هذين الاسمين لم يَرِدَا في القرآن ولا في
стр. 80
الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما حقٌّ، ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يُدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسُّنَّة، وهي التي تَقتضي المدح والثناء بنفسها، والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك هي في نفسها صفات مدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح، وأمَّا الكلام والإرادة فلما كان جِنسه ينقسم إلى محبوب؛ كالصِّدق والعدل، وإلى مَذموم كالظلم والكذب، والله تعالى لا يُوصف إلا بالمحمود دون المذموم- جاء ما يُوضح به من الكلام والإرادة في أسماء تخصُّ المحمود؛ كاسمه (الحكيم والرحيم والصادق والمؤمن والشهيد والرءوف والحليم والفتَّاح) ونحو ذلك.
فلهذا لم يَجِئ في أسمائه الحسنى المأثورة: (المتكلم المُريد)» (١).
وقال ﵀: «إنَّ الله- سبحانه- له الأسماء الحسنى، كما سَمَّى نفسه بذلك، وأنزل كُتَبه، وعَلَّمه مَنْ شاء مِنْ خلقه كاسمِّه (الحق) و (العليم)، و (الرَّحيم) و (الحكيم) و (الأَوَّل) و (الآخِر) و (العَلِي) و (العظيم) و (الكبير)، ونحو ذلك.
وهذه الأسماء كلها أسماء مَدح وحَمد تَدل على ما يُحمد به، ولا يكون معناها مذمومًا، والله له الأسماء الحسنى، وليس له مَثَل السَّوْء قَطُّ؛ فالأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يُحمد ويُذم لا توجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنها لا تدلُّ على ما يُحمد الرب ويُمدح؛ فالإرادة إذا أُخذت مطلقًا، وقيل: (المريد)؛ فالمريد قد يُريد خيرًا، يحمد عليه، وقد يُريد شرًّا يُذم عليه، وإذا أُخذ الكلام وقيل: (متكلم)؛ فالمتكلم قد يتكلم بصدقٍ وعدل، وقد يتكلم بكذب وظلم، ولذلك لم تُذكر مُطلقة» (٢).
стр. 81
ثانيا: باب الأفعال أوسعُ من باب الأسماء:
وأمَّا إذا كان الاسم مشتقًّا مِنْ أفعاله القائمة به، فإن كان الفعل ورد مُقَيَّدًا فإنَّه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يُشتق له منه اسم مُطلق، كما غَلط فيه بعضُ المتأخرين؛ فجعل من أسمائه الحسنى (المُضَل، الفاتن، الماكر)؛ تعالى الله عن قوله، فإنَّ هذه الأسماء لم يُطلق عليه سبحانه منها إلا أفعالًا مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، والله أعلم» (١).
قال ابن القيم ﵀: «الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالًا لم يَتَسَمَّ منها أسماء الفاعل؛ كـ (أراد، وشاء، وأحدث)، ولم يُسَمَّ بـ (المريد والشائي والمحدث)، كما لم يسم نفسه بـ (الصَّانع والفاعل والمُتقن)، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه؛ فبابُ الأفعال أوسع مِنْ باب الأسماء، وقد أخطأ- أقبح خطإ- مَنْ اشتق له مِنْ كل فعل اسمًا، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسَمَّاه (الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد)، ونحو ذلك» (٢).
وقال الشيخ حافظ حَكَمي: (اعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سَبيل الجزاء والعدل والمُقابلة، وهي فيما سِيقت فيه مدح وكمال، لكن لا يجوز أن يُشتق له تعالى منها أسماء، ولا تُطلق عليه في غير ما سِيقت فيه من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾،
стр. 82
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى (مخادع، ماكر، ناس، مُستهزئ)، ونحو ذلك مما تَعالى الله عنه، ولا يُقال: الله يَستهزئ ويُخادع ويَمكر ويَنسى على سبيل الإطلاق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا» (١).
وقال ابنُ القَيِّم ﵀: «إنَّ الله تعالى لم يَصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومَن ظَنَّ مِنْ الجُهَّال المُصَنِّفين في شرح الأسماء الحسنى أنَّ مِنْ أسمائه تعالى (الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد) - فقد فَاهَ بأمرٍ عَظيم تَقشعر منه الجلود، وتَكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغرَّ هذا الجاهل أنه أطلق على نفسه هذه الأفعال؛ فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كلها حسنى؛ فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بـ (الرَّحيم، الودود، الحكيم، الكريم)، وهذا جهل عظيم؛ فإنَّ هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا، بل تُمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقًا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأَوْلَى لا يُشتق له منها أسماء ويُكفى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى (المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع)؛ لأن مُسَمَّياتها تَنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كـ (الحليم والحكيم والعزيز والفَعَّال لما يُريد)، فكيف يكون منها (الماكر والمخادع والمستهزئ).
стр. 83
ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى: الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرَّائد، والنَّاسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف ذلك من التي أَطلق تعالى على نفسه أفعالها في القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل.
والمقصود: أن الله سبحانه لم يَصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لِمَنْ فعل ذلك بغير حقٍّ، وقد علم أنَّ المجازاة على ذلك حَسَنة من المخلوق، فكيف مِنْ الخالق » (١).
قلتُ: ومِن هنا يَتبين لك خطأ ما عَدَّه بعضُهم- ومنهم ابنُ العربي المالكي في كتابه «أحكام القرآن»؛ حيث سَمَّاه بـ (الفاعل والزَّارع)، فإن الفاعل والزارع إذا أُطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما فلا يُفيدان مدحًا، أمَّا في سياقها من الآيات التي ذُكِرت فيها، فهي صفات كمال ومدح وتوحد، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله، وأكبر مصيبة أن عَدَّ في الأسماء الحسنى: رابع ثلاثة، وسادس خمسة، مصرحًا قبل ذلك بقوله: «وفي سورة المجادلة اسمان»؛ فذكرهما. وهذا خطأ فاحش، فإن الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجهٍ؛ لا منطوقًا ولا مفهومًا، فإن الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا
стр. 84
أنى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الآية. وأين في هذا السياق: رابع ثلاثة، سادس خمسة؟ وكان حقه اللائق بمراده أن يقول: رابع كل ثلاثة في نجواهم، وسادس كل خمسة كذلك، فإنَّه- تعالى- يعلم أفعالهم ويسمع أقوالهم، كما هو مفهوم من صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية، والله تعالى أعلم (١).
هذا، وقد زلَّت في هذا الباب فِرَقٌ شتى، وقد أرجع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختلافهم إلى قولين؛ فقال: «والناس متنازعون: هل يُسَمَّى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مشهورين:
١ - فعامة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القَديم) و (الذات) ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يَفْصِل بين الأسماء التي يُدعى بها، وبَين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدلُّ على المدح» (٢).
стр. 85
فالذين خالفوا الحقَّ في هذا الباب هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النَّقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا المعتزلة، فقد ذكر البغداديُّ أنَّ المعتزلة البَصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (١).
وقال أبو الحسن الأشعري: «واختلفت المعتزلة، هل يجوز أن يسمى البارئ عالمًا مَنْ استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه، وإن لم يَأته السمع مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يسميه بهذا الاسم أم لا، على مَقالتين:
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من دَلَّه العقلُ على معناها إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبَل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (٢).
٢ - وأما الأشاعرة، فإنَّ جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على مَعنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (٣).
стр. 86
وتَوَقَّف الجُويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأت، ولذا قال بالتَّوَقُّف (١).
قال السَّفَّاريني: «الجمهور منعوا إطلاق ما لم يَأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقَّف إمامُ الحرمين الجوينى .. » (٢).
غير أنَّ مُعتقد أهل السنة في الأسماء والصفات قد قام على أساس وجوب الإيمان بما وردت به نصوصُ القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:
أولاً: أنَّ طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
فالذي يجب اعتقاده هو أنَّ معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسُّنَّة؛ لأن هذا التوحيد يتطلب أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة؛ «فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته؛ فإنَّه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأبين دليلاً من غيره» (٣)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف
стр. 87
الله به نفسه إثباتًا ونفيًا؛ لأنه لا يُسَمِّي اللهَ أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، فالله هو الذي سَمَّى ووصف نفسه بما جاء في نصِّ كلامه الذي هو القرآن.
ولا يُسَمِّي ويَصف اللهَ بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله ﷺ ، الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلاً على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفَصَّلت ذلك أعظم مِنْ تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
ثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تَبع؛ فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام: أنَّ العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.
فالعقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات؛ فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لأن العقل يَقصر عن إدراك حقيقة المغيبات، حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يُحيط علمًا بحقيقة رُوحه التي بين جَنْبَيْه؛ لمَّا أخفى الله أمرها عنه؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾، فإذا كان الإنسان يجهل أمر رُوحِه، فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يَصلح وما لا يَصلح
стр. 88
لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفيَّة ذاته؟!
فمجمل القول: أن أهل السنة يعتقدون: أن باب الصفات كباب الأسماء يجب الاعتماد فيهما على ما جاء في الكتاب وما ثبت في السنة فقط.
وأن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه؛ فالله قد أخبرنا بذلك بنصِّ كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجب الإيمان بها، والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعُلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تَمَدَّح بها أو أَثنى عليه بها نبيُّه ﷺ : أن يكون مُعَظِّمًا لله جل وعلا غير مُتنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه؛ أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
فالعارفون به ، والمصدقون لرسله، المُقِرُّون بكماله- يُثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات؛ فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل؛ فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهُدًى بين ضلالتين.
стр. 89
وكذلك أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري بتلك الصفات إليه جل وعلا؛ فلا علم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى، كأن يقال: استوى على هيئة كذا، وكلُّ مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله ، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العِباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووضحه، والعِباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما علَّمهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليقف معه، وليمسك عما جهله ولْيَكِل معناه إلى عالمه» (١).
стр. 90
قال المصنف ﵀:
«فَصْلٌ: ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ القُرآنَ، وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ، وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك.
فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَقَوْلُهُ ﷺ : «لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ». (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
«وَقَوْلُهُ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ». (حَدِيثٌ حَسَنٌ).
وقوله ﷺ : «يَضحَكُ اللهُ إلى رَجلينِ يَقتُل أحدُهما الآخَرَ، كلاهما يَدخُل الجنَّة». مُتَّفقٌ عليه.
وقولُه ﷺ : «لا تزالُ جَهنَّمُ يُلقى فيها، وهي تقول: هل مِنْ مَزيد؟ حتى يَضَعَ ربُّ العِزَّة فيها رِجلَه»، وفي رواية: «عليها قَدَمَهُ، فيَنْزَوي
بعضُها إلى بعض، وتقول: قَطٍ قَطٍ». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «يقولُ الله تعالى يا آدمُ، فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْديكَ، فيُنادي بصَوتٍ: إنَّ اللهَ يأمُركَ أنْ تُخرج من ذُرِّيَّتِك بَعْثًا إلى النَّار». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «ما مِنكم من أحدٍ إلا سيُكَلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان».
стр. 91
وقوله في رُقْية المَريض: «ربَّنا اللهُ الذي في السماء، تَقدَّس اسمُك، أَمْرُكَ في السماء والأرض كما رَحْمَتُكَ في السماء، اجعَل رَحْمَتكَ في الأرض، اغفِرْ لنا حُوبَنا وخَطايانا، أنتَ ربُّ الطَّيِّبينَ، أنزِل رحمةً من رَحْمتكَ وشِفاءً من شِفائِك على هذا الوَجَع؛ فيَبْرأُ». حديث حَسَن، رواهُ أبو داود وغيرُه.
وقوله: «ألا تَأْمَنُوني وأنا أمِينُ مَنْ في السماء». حديث صحيح.
وقوله: «والعرشُ فوقَ ذلك، واللهُ فوقَ العرشِ، وهو يَعلم ما أنتُم عليه». حديثٌ حسن، رواه أبو داود وغيرُه.
وقوله للجارية: «أينَ اللهُ؟». قالت: في السَّماء، قال: «مَنْ أنا؟»
قالت: أنتَ رسولُ الله، قال: «أَعْتِقْها فإنَّها مُؤْمِنة». رواه مسلم.
وقوله: «أفضَلُ الإيمانِ أنْ تعلَم أنَّ الله معكَ أيْنَما كنتَ». حديث حسن، أخرجه الطَّبرانيُّ من حديث عُبادة بن الصَّامت.
وقوله: «إذا قام أحدُكم إلى الصلاة فلا يَبصُق قِبَلَ وَجْهِه، ولا عن يَمِينه؛ ولكنْ عن يَسارِه أو تحتَ قَدَمِه». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «اللهم ربَّ السموات السَّبْع وربَّ العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، فالِقَ الحَبِّ والنَّوى، مُنزِلَ التَّوراة والإنجِيل والقرآن، أعوذُ بكَ من شَرِّ نفسي ومن شَرِّ كلِّ دابَّة أنتَ آخِذٌ بناصِيَتها، أنتَ الأوَّل فليس قَبْلكَ شيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بعدَكَ شيءٌ، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَكَ شيءٌ؛ اقْضِ عنِّي الدَّيْن وأَغْنِني من الفَقْر». رواه مسلم.
وقوله لمَّا رفَع الصَّحابةُ أصواتَهم بالذِّكر: «أيُّها النَّاس، ارْبَعوا على أنفُسِكم؛ فإنَّكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائِبًا؛ إنما تَدْعون سميعًا
стр. 92
بصيرًا
قريبًا، إن الذي تَدْعون أقرَبُ إلى أحدِكم من عُنُق راحِلَتِه». مُتَّفقٌ عليه.
وقوله: «إنَّكم ستَرَوْنَ ربَّكم كما تَرَوْنَ القمَر ليلةَ البَدْر، لا تضامُّون في رُؤْيته؛ فإن استَطَعْتم أنْ لا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طُلوع الشمس وصلاةٍ قبل غُروبها، فافْعَلوا»، مُتَّفقٌ عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يُخبر فيها رسولُ الله ﷺ عن ربِّه بما يُخبِر به».
الشرح
بعد أن ذكر المصنف ﵀ أنه لا عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عن سبيل المُرسلين، ومن ذلك: أنَّهم يَصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه؛ ثم دَلَّل على ذلك بأمثلةٍ كثيرة من القرآن- بَيَّنَ بعد ذلك أنه لا عدول لأهل السنة والجماعة كذلك عن وصف الله تعالى بما وصفه به نبيه ﷺ في سُنَّته؛ إذ السُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرآنَ وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ.
ثم أورد جملةً من الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ، وفيها بعض صفاتِ ربِّنا جل وعلا؛ لذا وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا، على ما هو معتقد السلف في ذلك.
والقول الصَّحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة: هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية، حيث قال: «خيرُ القرون القرن الذي بُعثت فيهم، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم» (١)، فالسَّلف الصَّالح هم الصحابة والتَّابعون وتابعو التَّابعين، وكلُّ مَنْ سلك سبيلهم وسار على نَهجهم فهو سلفيٌّ نسبة إليهم.
стр. 93
والسَّلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ والقرون المُفَضَّلة من بعده والذي أخبر النبي ﷺ بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: «لا تَزال طائفةٌ مِنْ أُمَّتي ظاهرين على الحقِّ لا يَضرهم مَنْ خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١).
فيَصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل مَنْ حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.
ويمكن حصرُ ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:
أولًا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.
ثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وذلك يتم بـ:
أ- الاجتهاد في تمييز صحيحِه مِنْ سَقِيمه.
ب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفَهُّمِه (٢).
ثالثًا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكًا وقولًا، والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.
رابعًا: الدعوة إلى ذلك باللِّسان والبَنان.
فمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النَّهج السلفي بإذن الله.
стр. 94
د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:
أولاً: من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵁ مْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
فرضي عن السَّابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾.
فتَوَعَّد الله مَنْ اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
١ - قوله ﷺ : «خيرُ النَّاس قَرْني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يلونهم» (١).
فهذه (الخيرية) التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسَعة عِلمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم بسنة رسوله ﷺ ، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.
٢ - قوله ﷺ : «افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النَّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه ا لأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلا واحدة». قيل: مَنْ هي يا رسول
стр. 95
الله؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، حديث صحيح مشهور (١).
٣ - قوله ﷺ : « … فإنَّه مَنْ يَعِش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المَهديين مِنْ بعدي؛ فتمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢).
فحَثَّ ﷺ بأن يتَّبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.
ثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إنَّا نَقتدي ولا نَبتدي، ونَتَّبع ولا نبتدع، ولن نَضل ما تمسكنا بالأثر» (٣).
وعنه ﵁ قال: «اتَّبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم» (٤).
وقال الأوزاعي: «اصبر نفسك على السُّنَّة، وقِفْ حيث وَقَفَ القومُ، وقل بما قالوا، وكُفَّ عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنَّه يَسعك ما وسعهم» (٥).
وقيل لأبي حنيفة ﵀: «ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟
قال: مقالات الفلاسفة، عليكَ بالأثرِ وطريقة السَّلَف، وإيَّاك
стр. 96
وكلَّ محدثة؛ فإنها بدعة» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: أن يكون أصلُ قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله ﷺ ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة ﵁ م أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يُجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسَلَّمًا إلى عالم واحد وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ ، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.
ولابد أن يكون الصحابة والتابعون يَعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تُنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحقٍّ يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم عَلِم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله- إن كان حقًّا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون- لم يَقله أحدٌ منهم بل قالوا خلافه-
стр. 97
فإنَّه قول باطل» (١).
فأصول أهل السنة والجماعة تقوم من حيث التأصيل على اعتماد الكتاب والسنة باعتبارهما الأصل في كل أمور الدِّين؛ سواء كانت تلك الأمور تتعلق بباب الاعتقاد أو بغير ذلك من أبواب الدِّين.
فصاحب السُّنَّة يُؤمن بأنَّ النبي ﷺ قد قال «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» (٢).
ويعلم أن السنة مصدر من مصادر التشريع في هذا الدِّين، وهي- كما قال المصنف: «تُفَسِّرُ القُرآنَ، وتُبَيِّنُهُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعَبِّرُ عَنْهُ».
فالسُّنَّةُ مُفَسِّرة ومُبينة ودالَّة ومُعبرة عمَّا جاء في القرآن.
وقد ترد بعض أمور الدين في القرآن، ولا ترد في السُّنَّة، وقد ترد في السنة ولا تَرد في القرآن، أو تَرِدُ فيهما معًا.
فصاحب السُّنَّة يُؤمن أن هذا هو الأصل والمَصدر، ولا شكَّ أن في الاعتماد على هذين الأصلين الفلاح والنجاح، وهذا لا يتَّضح إلا إذا نظرنا إلى أصول أهل الباطل وما اعتمدوا عليه.
فمن أهل الباطل مَنْ اعتمد على ما يُسمونه بـ (المعقولات)؛ فاعتمدوا على عقولهم وعلى أفهامهم، وقَدَّسوا تلك المعقولات وتلك الفُهوم، وقَدَّموها على كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ثم طَعنوا في كلام الله وفي كلام رسوله؛ فما استطاعوا أن يَطعنوا فيه ثبوتًا فعلوا ذلك، وما استطاعوا أن يطعنوا فيه دلالة فعلوا ذلك.
وفئة أخرى منهم تعتمد على الرُّؤى والمنامات، ويُسمونه (العلم
стр. 98
اللدني).
إلى غير ذلك من الخزعبلات والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ فضَلَّ هؤلاء وأولئك عن سبيل الله وأَضَلُّوا.
أمَّا صاحب السنة فهو يعلم أن السنة كالقرآن من حيث الاعتماد في التشريع؛ فيؤمن بكل ما جاء في السنة الصحيحة؛ لأنها وحي من الله عز القائل في حق نبيه ﷺ : ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
فالسنة جاءت بإثبات العديد من الصفات أورد المصنف هنا جملة منها:
فقال: «وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالقَبُولِ؛ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك».
وهو هنا يُؤصل لمسألة: أنَّ ما جاءت به السنة الثابتة الصحيحة
فشأنه كشأن القرآن من حيث الاعتقاد، وأما الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة، فهذا لا يُحتج به في باب الاعتقاد.
والنصوص قد جاءت بجملة من هذه الصفات التي إما أن تكون وردت في القرآن أو تكون قد وردت في السنة، ويجب أن نتعامل مع ما ورد من الصفات في نصوص السنة الصحيحة، كما تعاملنا مع ما ورد منها في نصوص القرآن.
كقَوْلِهِ ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ … » الحديث، متفق عليه (١)، وغير هذا الحديث من أحاديث النزول الثابتة الصحيحة، التي قال عنها العلماء: «إنها قد بلغت حدًّا في التواتر،
стр. 99
فقد رواه أكثر من عشرين من الصحابة.
فقد قال شيخُ الإسلام: «إن حديث النُّزول مُتواتِر» (١).
وقال العلَّامة ابن القيِّم: «وتَواترتِ الرِّواية عن رسول الله ﷺ بنُزول الربِّ- ﵎ كلَّ ليلة إلى سماءِ الدنيا» (٢).
وقال أيضًا: «إن نُزول الربِّ ﵎ إلى سماءِ الدُّنيا قد تَواترتِ الأخبارُ به عن رسول الله ﷺ ؛ رواهُ عنه نحوُ ثمانيةٌ وعشرون نَفْسًا من الصَّحابة» (٣).
وقال اللَّالكائيُّ: «سِياق ما رُوِيَ عن النَّبي ﷺ في نُزول الربِّ- ﵎ رَواه عن النَّبي ﷺ عشرون نَفْسًا» (٤).
وقد أجمع سلَفُ الأمَّة على إثبات صِفة النُّزول؛ فقد سُئل شيخ الإسلامِ ﵀ عن رَجُلين أحدهما مُثبِت للنُّزول ومُستدِل بالحديث الوارد في ذلك، والآخر نافٍ للنُّزول، فقال: «الحمدُ لله ربِّ العالَمين، أما القائِلُ الأول الذي ذكَر نصَّ النَّبي ﷺ ، فقد أصابَ فيما قال؛ فإن هذا القول الذي قاله قدِ استَفاضتْ به السُّنَّة عن النَّبي ﷺ ، واتَّفقَ سلَفُ الأمة وأئمتُها وأهل العلم بالسُّنة والحديث على تَصْديق ذلك وتَلقِّيه بالقَبول» (٥).
ونقَل ﵀ عن أبي عمرٍو الطَّلَمَنْكيِّ قولَه: «وأجمَعوا على أن الله يَنزِل كلَّ ليلة إلى سماءِ الدُّنيا على ما أتتْ به الآثارُ كيف شاء» (٦).
стр. 100
وقد قال الشيخ ابن عثيمين عن حديث النزول: «هذا الحديث حديث عظيم ذكر بعض أهل العلم أنه بلغ حَدَّ التواتر عن النبي ﷺ ، ولا شكَّ أنه حديث مُستفيض مشهور، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بكتاب مُستقل (١)؛ لما فيه من الفوائد العظيمة» (٢).
وهكذا أورد أحاديث أخرى مثل قوله ﷺ : «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهُ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ .... »، الحديث، ففيه أثبت صفةَ الفرح لله .
وَكذلك قَوْلُهُ ﷺ : «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزلينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»، وفيه أثبت صفة العَجَب والضحك.
وغير ذلك من الصفات التي جاءت في هذه الأحاديث، وجاءت في غيرها من أحاديث السُّنَّة الصحيحة.
قال العلَّامة ابن القيِّم ﵀: «قال أبو العباس بن سُرَيج: وقد صَحَّ عن جميع أهل الدِّيانة والسُّنَّة إلى زماننا: أنَّ جميعَ الآثار والأخبار الصَّادِقة عن رسول الله ﷺ في الصِّفات، يجِب على المُسلم الإيمانُ بها، وأن السُّؤال عن معانيها بِدْعَة، والجواب كُفْر وزَنْدقة، مثل قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ونظائرها مِما نطَق به القرآنُ كالفَوْقِيَّة والنَّفْس واليَدَين والسَّمع والبصر وصُعود الكلام الطيِّب إليه والضَّحِك والتَّعجب والنُّزول كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنيا» (٣).
وقد ذكر ﵀ أن ابن عبد البَرِّ نقل أن «أهل السُّنَّة مُجمِعون على
стр. 101
الإقرار بالصِّفات الوارِدة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحَملِها على الحقيقة لا على المَجاز؛ لأنهم لا يُكيِّفون شيئًا من ذلك» (١).
ثم قال: «وقال الخَلَّال: أخبَرني عليُّ بن عيسى أن حَنْبلًا حدَّثهم قال: سألتُ أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى أن الله يَنزِل إلى سماء الدُّنيا، وأن الله يُرى، وأنَّ الله يضَع قدَمه … وما أشبه ذلك! فقال أبو عبد الله: نُؤمِن بها ونُصدِّق بها، ولا كَيْفَ ولا مَعنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونَعلم أنَّ ما جاء به الرَّسُولُ حقٌّ إذا كانت بأسانيدَ صِحاحٍ».
فقول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (٢).
«وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (٣).
ثم لا نخوض في كيفية اتصاف الله بتلك الصفة.
стр. 102
فإيماننا بهذه الصفة إيمان وجود؛ فنعلم أن هذه الصفة حقيقية، وأن الله متصف بها حقيقة دون الخوض في كيفية اتصافه جل وعلا بها.
فالصفات التي ذكرها المصنف هنا هي من باب الاستدلال على جانب التأصيل لهذه المسألة، وسيأتي بعد ذلك جانب التقرير عند كلامه عن صفة العلو وعن صفة الكلام.
فإيراد المصنف هنا من باب التأصيل: أنَّ هذه الأسماء وهذه الصفات جاءت في القرآن والسنة لذا وجب الإيمان بها.
كما قال قبلُ: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسَه في كتابه، وما وصفه به رسوله مُحمد ﷺ ، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ».
وبعد أن أورد نصوصًا من الكتاب ونصوصًا من السنة على إثبات هذه الصفات- عاد فقال: «فإنَّ الفِرقة الناجِية أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، يُؤمنون بما أخبَر اللهُ به في كتابه من غير تَحريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومن غير تَكْييف ولا تَمثيل».
فكما نعتمد القرآن أصلًا في هذا الباب (باب الأسماء والصفات)، كذلك نعتمد السنة الصحيحة أصلًا فيه؛ فنؤمن بها ونَقبلها ولا نردُّها، ولا نسعى في تعطيل نصوصها ولا تحريفها ولا الخوض في تكييفها أو تمثيلها.
فإن قيل: ما الأصل عند أهل السنة في هذا الباب؟
نقول: الأصل فيه عندهم أنهم يؤمنون بكل ما ورد في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ من أسمائه تعالى وصفاته مِنْ غير تَحريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومن غير تَكْييف ولا تَمثيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وطريقة سلف الأمة وأئمتها:
стр. 103
أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا ردٌّ على الممثلة. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ على المُعَطِّلَة» (١).
فعمدتهم فيه إثباتًا ونفيًا: الكتاب والسنة.
فهم أبعد الناس عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل. فكل هذا أهل السنة منه بَرَاء ولو حاول مَنْ حاول أن يُنَفِّر عنهم بادعاءات باطلة؛ كقولهم: إنهم مجسمة، أو حشوية، أو مُشبهة.
قال الإمام أحمد ﵀: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة» (٢).
فأهل السنة لم يتجاوزوا القرآن والسنة، وما جاءوا بشيء من كِيسهم، وإنما هي نصوص وردت في القرآن والسنة، كما قال وهب للجعد بن درهم: «ويلك يا جعد، أقصر المسألة؛ إني لأظنك من الهالكين، لو لم يُخبرنا الله في كتابِه أنَّ له يدًا ما قلنا ذلك، وأنَّ له عينًا ما قلنا ذلك» (٣).
فسلك أهل السنة في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة؛ فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات؛ فيجب بذلك إثباتها.
وأمَّا النفي فهو أن يُنفى عن الله كل ما يضاد كماله من أنواع
стр. 104
العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضِدِّ ذلك المنفي.
قال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر … » (١).
ومجمل القول أن أهل السنة يعتقدون: أن باب الصفات كباب الأسماء يجب الاعتماد فيهما على ما جاء في الكتاب وما ثبت في السنة فقط.
وأن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه؛ فالله قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجب الإيمان بها، والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تَمَدَّح بها أو أَثنى عليه بها نبيُّه ﷺ : أن يكون مُعَظِّمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه؛ أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
стр. 105
قال المصنف ﵀:
«فإنَّ الفِرقة الناجِية أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة، يُؤمنون بما أخبَر اللهُ به في كتابه من غير تَحريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومن غير تَكْييف ولا تَمثيل.
بل هُمْ الوَسَطُ في فِرَق الأُمَّة، كما أنَّ الأُمَّةَ هي الوَسَطُ في الأُمَم.
فهُم وسطٌ في باب صفات الله بين أهلِ التَّعْطِيل الجَهْميَّة وأهل التَّمْثِيل المُشبِّهة، وهم وسطٌ في باب أفعال الله بين الجَبْريَّة والقَدَريَّة وغيرِهم، وفي باب وعيدِ الله بين المُرجِئة والوَعِيديَّة من القَدريَّة وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدِّين بين الحَرِوريَّة والمُعتَزِلة وبين المُرجئة والجَهْميَّة، وفي باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الرَّافِضة والخَوارِج».
الشرح
أمة الإسلام وسط بين الأمم، والمقصود بالأمم: أهل الكتاب (اليهود والنصارى).
فمثلًا في باب الصفات: اليهود وصفوا الله بصفات النقص، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، والنَّصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق، فأعطوا المخلوق (عيسى ﵇ - بل وأحبارهم ورهبانهم- بعض خصائص الله .
أما أهل الإسلام فهم الذين وَحَّدوا الله ، ووصفوه بما يليق
стр. 106
بجلاله ، ووصفوه بالكمال التي لا يُماثله فيه أحد من خلقه، وكذلك لم يُعطوا المخلوق بعض صفات الخالق؛ فكانوا وسطًا في هذا الباب.
كذلك ما يتعلق بالأنبياء: اليهود قتلوهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾، وكذلك تنقَّصُوهم، وفي التوراة المحرفة وصفوهم بأمور يترفع عنها أقل الناس قدرًا.
وأمَّا النَّصارى فعبدوهم من دون الله ، بل جعلوا الحواريين- الذين ليسوا بأنبياء ولا رسل- جعلوهم رسلًا، وتجاوزوا بهم القَدْر.
فاليهود تنقصوا والنصارى غَلوا.
وفي جانب الشَّرائع: اليهود أهل كذب وباطل وشهوات، فتجد أنهم حتى في الشرائع مُفَرِّطون، حتى في السَّبت الذي زعموا أنهم لا يعملون فيه، ويتفرغون للعبادة- قضوه في شهواتهم.
واليهود حَرَّموا على أنفسهم طيبات أُحِلَّت لهم، والنصارى لا يحرمون ما حرَّم الله؛ بل يستحلون الخبائث؛ كالميتة والدم ولحم الخنزير، فيعلمون أن هذا لا يجوز في شريعتهم، ومع ذلك يستبيحونه.
فاليهود مُتحللون من الشَّرائع، والنَّصارى ابتدعوا الرهبانية، وجاءوا بأمور ما شرعها الله .
فحصل ضلالٌ مِنْ هؤلاء وهؤلاء.
فاليهود مكذبون للحق، والنَّصارى ضُلَّال يعبدون الله بغير علم.
وأهل الإسلام اتبعوا ما شرع الله، ولم يشرعوا في دينه ما لم يأذن به .
فهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء.
стр. 107
والشاهد- كما ذكر المصنف- أن الأُمَّة وَسَط في الأُمَم.
فهذه الأمة قد اختارها الله ؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وجعلها أمة وسطًا، قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وبالتالي توسطوا فما فعلوا كاليهود ولا فعلوا كالنصارى، لذلك قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]؛ فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضَّالُّون هم النَّصارى.
قال ابن القيم ﵀: «فَذكر الْهِدَايَة وَالنعْمَة وهما الْهدى والفلاح، ثمَّ قَالَ: ﴿غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾، فَذكر المغضوب عَلَيْهِم وهم أهل الشَّقَاء، والضَّالِّين وهم أهل الضلال، وكل من الطَّائِفَتَيْنِ لَهُ الضلال والشقاء، لَكِن ذكر الوصفين مَعًا لتكن الدّلَالَة على كلٍّ مِنْهُمَا بِصَرِيح لَفظه، وأيضًا فَإِنَّهُ ذكر ماهو أظهر الوصفين فِي كل طَائِفَة، فَإِنْ الْغَضَب على الْيَهُود أظهر لعنادهم الْحق بعد معرفته، والضلال فِي النَّصَارَى أظهر لغَلَبَة الْجَهْل فيهم» (١).
وهذا معلوم لمن تتبع حال اليهود والنصارى وحال الأمة، يجد البون شاسعًا بينها.
فأمة الإسلام هي أمة وسط بين الأمم.
فهم وسط بما يتعلق بالإيمان بالله ، وبما يتعلق بالأنبياء، وبما يتعلق بالشرائع.
стр. 108
وكما أن الأمة وسط بين الأمم فكذلك أهلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بين الفرق، وقد بين المصنف هنا أنها وسط في عدة مسائل؛ منها ما يتعلق بصفات الله ، وما يتعلق بأفعال الله (باب القدر)، ثم باب الوعد والوعيد وما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة ثم بعد ذلك جاء إلى باب الإيمان.
أولًا: في باب الصفات:
قال المصنف: «فهُمْ وسطٌ في باب صِفات الله بين أهل التَّعْطِيل الجَهْمية وأهلِ التَّمْثِيل المُشبِّهة».
فأهل التَّعْطِيل على قسمين:
القسم الأول: الفلاسفة:
فالفلاسفة سلكوا مسلكًا في التعطيل يقوم على أساس التخييل؛ فنفوا اتصاف الله بهذه الصفات جملة وتفصيلًا، وقال مَنْ قال من الفلاسفة: إن هذا مجرد وهم وتخييل، وأن هذا خطاب للعوام، وأما الخواص فهم في غنى عنها وهم في الأصل يقولون: إن النبوة اكتساب.
القسم الثاني: أهل الكلام، الذين لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.
فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.
فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم
стр. 109
يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولاً نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولاً مشبهًا، وثانيًا معطلاً ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (١).
وأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
لذلك يقول ابن القيم ﵀: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تشبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شَبَّهوها بصفات خلقه، فَجَمَعَهُم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته، ولم يُشبهوها بصفات خلقه، ولم يَعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريًّا من التَّشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شَبَّه حتى كأنه يَعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا، وأهل السنة وسطٌ في النِّحَلِ، كما أنَّ أهل الإسلام وسطٌ في المِلل» (٢).
وقال أيضًا ﵀: «هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة
стр. 110
المُثلى فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات؛ فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين، كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشَّاربين، وقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات ونفي مشابهة المخلوقات؛ فلا نُعطل ولا نؤول، ولا نُمَثِّل ولا نجهل، ولا نقول: ليس لله يدان ولا وجه ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استوى على عرشه، ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوق ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستوى كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم، بل نقول: له ذات حقيقة ليست كالذوات، وله صفات حقيقة لا مجازًا ليست كصفات المخلوقين» (١).
فأهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة قد جعلوا هذا الباب قائمًا على أُسُس ثلاثة:
الأول: إثبات بلا تَمْثيل.
الثاني: تَنْزِيه بلا تَعْطيل.
الثالث: قَطْعُ الطَّمَع عن إدراك كيفية اتصاف الله بها؛ لأنَّ اللهَ أخبَرنا عن صفاته ولم يُخبِرنا عن كيفية صِفاته.
فيُؤمن أهلُ السُّنَّة والجَمَاعَة بما وصَف اللهُ به نفسَه، وما وصَفهُ به رسولُ الله ﷺ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل.