قال الدكتور موفق عبد القادر في مقدمته لسؤالات السجزي (ص ١٦): ونحن هنا نتساءل: هل الحاكم هو الوحيد الذي أخرج حديث الطير أم سبقه إلى ذلك غيره من الحفاظ؟ كما رواه الترمذي في المناقب والنسائي في
_________
= قال أبو نعيم بن الحداد: سمعت الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ: سمعت أبا عبد الرحمن الشاذياخاني الحاكم يقول: كنا في مجلس السيد أبي الحسن، فسُئل أبو عبد الله الحاكم عن حديث الطير، فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحدٌ أفضل من علي بعد النبي ﷺ .
قال الذهبي: هذه الحكاية سندها صحيح، فما باله أخرج حديث "الطير" في المستدرك؟ فلعله تغيّر رأيه. اهـ.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٦): قال ابن طاهر: قد سمعت أبا محمَّد بن السمرقندي يقول: بلغني أن "مستدرك" الحاكم ذُكِر بين يدي الدارقطني، فقال: نعم، يستدرك عليهما حديث "الطير"! فبلغ ذلك الحاكم فأخرج الحديث من الكتاب.
قال الذهبي: هذه حكاية منقطعة، بل لم تقع، فإن الحاكم إنما ألَّف "المستخرج" في أواخر عمره، بعد موت الدارقطني بمدة، وحديث "الطير" ففي الكتاب لم يُحَوَّل منه، بل هو أيضًا في "جامع الترمذي". اهـ.
٢ - ابن تيمية: قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٣٧١): "إن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل. قال أبو موسى المديني: قد جمع غير واحد من الحفَّاظ أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النيسابوري، وأبي نعيم، وابن مردويه. وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصح". اهـ.
٣ - ابن كثير: قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (فضائل علي) - بعد أن ساق بعض روايات وطرق حديث "الطير" -: "وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر، وإنْ كثرت طرقه". اهـ.
٤ - صلاح الدين العلائي: قال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٩ - ١٧٠): "وأما الحكم على حديث الطير بالوضع فغير جيد، ورأيت لصاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي عليه كلامًا، قال فيه: إن الحقَّ في الحديث أنه ربما ينتهي إلى درجة الحسن، أو يكون ضعيفًا يحتمل ضعفه، فأما كونه ينتهي إلى أنه موضوع من جميع طرقه، فلا". اهـ.
٥ - الذهبي: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٣٣): "وحديث الطير - على ضعفه - فله طُرُق جمَّة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه". اهـ.
٦ - الألباني: ذكر عصام هادي في تحقيقه لـ "مشيخة ابن شاذان الصغرى" (ص ١٧) أن للألباني بحث يقع في أربعة عشر صفحة - بخط يده - في السلسلة الضعيفة (٦٥٧٥)، انتهى فيه إلى أنه حديث منكر.
стр. 72
"خصائص علي"، فلماذا يُتَّهم الحاكم لروايته حديث الطير بالتشيع وتُثار حوله الشبهات .. ولا تُثار على الذين سبقوه من الأئمة الحفاظ؟!!
… وأما حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" فهو حديث صحيح رواه الإِمام أحمد وغيره كما تقدَّم تخريجه، فلماذا يُنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، "ولم يلتفتوا فيه إلى قوله ولا صوَّبوه في فعله"، ولم يُنكروا على الإِمام أحمد رحمه الله تعالى وعلى غيره من الحفاظ الذين أخرجوه؟!! والأدهى من ذلك وأمرّ أنه حديث صحيح كما تقدَّم تخريجه". اهـ.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٤٧ - ١٧٥): "أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمَّد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمَّد الهروي عن أبي عبد الله الحاكم، فقال: ثقةٌ في الحديث، رافضي خبيث.
قلتُ: كلا ليس هو رافضيًّا، بلى يتشيَّع.
قال ابن طاهر: كان شديدَ التعصُّب للشيعة في الباطن، وكان يُظهر التسنُّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفًا غاليًا عن معاوية ﵁، وعن أهل بيته (١)، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح سمكويه بَهَراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمي يقول: دخلتُ على الحاكم وهو في داره، لا يُمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرَّام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوهُ من الخروج، فقلتُ له: لو خرجت وأمليتَ في فضائل هذا الرجل حديثًا، لاسترحتَ من المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي" (٢).
_________
(١) أساء الدكتور موفق فهم عبارة ابن طاهر في مقدمته لسؤالات السجزي (ص ١٢)، فأنكر على ابن طاهر أنه يترضى عن أهل بيت معاوية (ومن بينهم يزيد ابنه)، قلتُ: إن ابن طاهر لو قصد الترضي لكانت عبارته (كان منحرفًا غاليًا عن معاوية وعن أهل بيته ﵃)، ولكنه قصد أن يقول: (كان منحرفًا غاليًا عن معاوية ﵁، وكان منحرفًا غاليًا عن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه).
(٢) قال الذهبي في تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣٢): يعني معاوية. قال الدكتور =
стр. 73
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (٧/ ٣٧٣) "إن الحاكم منسوب إلى التشيُّع، وقد طُلب منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي، وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل. وهو يروي في "الأربعين" أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أئمة الحديث، كقوله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، لكن تشيّعه وتشيّع أمثاله من أهل العلم بالحديث، كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما، لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر، فلا يُعرف في علماء الحديث من يفضِّله عليهما، بل غاية المتشيّع منهم أن يفضِّله على عثمان، أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن مَنْ قَاتَله ونحو ذلك، لأن علماء الحديث قد عَصَمَهم وقَيَّدَهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين".
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "هو صدوق من الأثبات، ولكن فيه تشيع وتصحيح واهيات" (١).
قال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٧ - ١٦٨) - بعد أن نقل ترجمة الخطيب للحاكم -: "الخطيب ثقةٌ ضابط، فتأمَّلْتُ، مع ما في النفس من الحاكم من تخريجه حديث "الطير" في المستدرك، وإنْ كان خرَّجَ أشياء
_________
= موفق عبد القادر في مقدمته لسؤالات السجزي (ص ١٨): "لا أدري ما علاقة هذه الحكاية بتشيُّع الإمام الحاكم رحمه الله تعالى .. إن هذه الحكاية دليلٌ على صدق الإِمام الحاكم وسلامة عقيدته، وأنه رفض أن يُنافق ويُملي في فضائل "محمَّد بن كرّام". اهـ. قلت: سبق الكلام على ميل الحاكم إلى الكرّامية (ص ٦٣ - ٦٦) حيث عظّم محمَّد بن كرّام في تاريخ نيسابور وزكَّى مشايخه من الكرّامية، وذكر الحاكم في لاحقة تاريخه أنه انتهى من تأليف تاريخ نيسابور في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، أي: وهو ابن سبع وستين سنة. فليست مشكلته مع ابن كرّام ولكن مشكلته مع معاوية ﵁، ففي كتاب معرفة الصحابة - الذي يُعَدُّ ربعَ المستدرك - ترجم الحاكم لأكثر من عشر وثلاثمائة رجلًا من الصحابة، ولم يضمِّن كتابه "ذكر مناقب معاوية" أو على الأقل "ذكر معاوية" ليعرِّف به كما فعل مع كثير من الصحابة الغير مشهورين، وهذا وحده دليل كافٍ على انحرافه عن معاوية ﵁.
(١) شذرات الذهب (٣/ ١٧٦ - ١٧٧).
стр. 74
غيرَه موضوعة لا تَعَلُّق لها بتشيُّع ولا غيره، فأوقع اللهُ في نفسي أنَّ الرجلَ كان عنده مَيْلٌ إلى عليِّ ﵁ يزيدُ على الميل الذي يُطلَب شرعًا، ولا أقول: إنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكرٍ وعمر وعثمان ﵃، ولا إنه يفضِّل عليًّا على الشيخين، بل أستَبْعِدُ أن يفضِّلهُ على عثمان ﵄، فإني رأيتُه في كتابه "الأربعين" عقد بابًا لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، واختصَّهم من بين الصحابة، وقدَّم في المستدرك ذِكر عثمان على عليِّ ﵄، وروى فيه (١) من حديث أحمد ابن أخي ابن وهب: حدثنا عمي، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أول حجر حمله النبي ﷺ لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر، ثم حمل عمر حجرًا، ثم حمل عثمان حجرًا، فقلت: يا رسول الله، ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ فقال: "يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي". قال الحاكم: على شرطهما، وإنما اشتهر من رواية محمَّد بن الفضل بن عطية، فلذلك هُجِرَ.
قلتُ (٢): وقد حكم شيخُنا الذهبي في كتابه "تلخيص المستدرك" بأن هذا الحديث لا يصح؛ لأن عائشة لم يكن النبيُّ ﷺ دخل بها إذْ ذاك. قال: وأحمد منكر الحديث، وإنْ كان مسلم خرَّج له في الصحيح، ويحيى وإنْ كان ثقة فيه ضعف.
قلتُ: فمن يخرِّج هذا الحديث، الذي يكاد يكون نصًّا في خلافة الثلاثة، مع ما في إخراجه من الاعتراض عليه، يُظَنُّ به الرَّفض!
وخرَّج أيضًا في فضائل عثمان (٣) حديث "ليَنْهَضْ كُلُّ رجلٍ منكم إلى كُفْئِه"، فنهض النبي ﷺ إلى عثمان وقال: "أنت وليِّي في الدنيا والآخرة"، وصحَّحه، مع أن في سنده مقالات.
وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدّالة على أفضلية عثمان، مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن
_________
(١) المستدرك (٣/ ٩٦).
(٢) أي: السبكي.
(٣) المستدرك (٣/ ٩٧).
стр. 75
العاص (١)، فقد غَلَبَ على الظَّن أنه ليس فيه، ولله الحمد، شيء مما يُسْتَنكر عليه (٢)، إفراطٌ في ميلٍ لا ينتهي إلى بدعة.
وأنا أجوِّز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك، ولذلك حكم بأن الحاكم ثقة، ولو كان يعتقد فيه رفضًا لجرَّحه به، لا سيَّما على مذهب من يرى رَدَّ رواية المبتدع مطلقًا، فكلام الخطيب عندنا يقرب من الصواب" اهـ.
وأزيدُ على السبكي ما ذكره الحاكم في تاريخه (٣) في ترجمة شيخه الحسين بن داود العلوي مشيرًا إلى حبِّ شيخه للصحابة، قال: "صحبته برهة من الدهر فما سمعته ذكر عثمان إلا قال: الشهيد؛ وبكى، وما سمعته يذكر عائشة إلا قال: الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق حبيبة حبيب رسول الله؛ وبكى".
وقال الحاكم في تاريخه (٤): "سمعتُ حمزة بن محمَّد العلوي - وجرى بحضرته ذكر يزيد بن معاوية - فقال: أنا لا أكفِّر يزيد لقولِ رسول الله ﷺ : "إني سألتُ الله أن لا يسلَّط على أمتي أحدًا من غيرهم، فأعطاني ذلك" (٥).
* * *
_________
(١) هكذا في الطبقات، وأرجّح أن السبكي أراد كتابة (عمرو بن العاص) فسبقه قلمه وكتب (عبد الله بن عمرو بن العاص).
(٢) نعم، إلا إعراضه عن ذكر معاوية ﵁ في كتاب "معرفة الصحابة" كما مضى في الحاشية (ص ٧٥).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٤٧).
(٤) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٢٦٨).
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) بنحوه.
стр. 76
الفصل التاسع: مؤلفاته
أ - الثناء على مؤلفاته:
ابتدأ الحاكم في التأليف باكرًا، وهو في السادسة عشر من عمره، وبارك اللهُ في عمره، فعاش أربعًا وثمانين عامًا، وبلغت تآليفه ما بين خمسمائة إلى ألف وخمسمائة جزء.
قال عبد الغافر الفارسي: "وأخذ الحاكم في التصنيف سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فاتفق له من التصانيف ما لعله يبلغ قريبًا من ألف جزء، من تخريج الصحيحين والعلل والتراجم والأبواب والشيوخ" (١).
وقال: "ومن تأمّل كلامه في تصانيفه، وتصرُّفه في أماليه، ونظره في طُرُق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزيَّة على من تَقَدَّمه، وإتعابه مَنْ بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه، وعاش حميدًا، ولم يُخَلِّف في وقته مثله" (٢).
وقال أبو حازم العبدوي: "وقع من تصانيفه المسموعة في أيدي الناس ما يبلغ ألفًا وخمسمائة جزء" (٣).
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٧).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٠ - ١٧١).
(٣) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
стр. 77
وقال أبو يعلى الخليلي القزويني: "بلغت تصانيفُهُ الكتبَ الطوال، والأبواب، وجمع الشيوخ المكثرين والمُقِلِّين، قريبًا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلَّف الغَثَّ والسَّمين، ثم يتكلم عليه فيبيِّن ذلك" (١).
وقال ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (١/ ١٩٧): "بلغت تصانيفه قريبًا من خمسمائة جزء، وقيل: ألف جزء، وقيل: ألف وخمسمائة جزء".
ونقل الذهبي عن محمَّد بن طاهر الحافظ قال: "سألتُ أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكّة، قلت له: أربعة من الحفّاظ تعاصروا، أيّهم أحفظ؟ فقال: مَنْ؟ قلت: الدارقطني ببغداد، وعبد الغني بمصر، وأبو عبد الله بن مندة بأصبهان، وأبو عبد الله الحاكم بنيسابور. فسكت، فألححتُ عليه، فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبد الغني فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن مندة فأكثرهم حديثًا مع معرفة تامة، وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفًا" (٢).
ب - دعاء الحاكم أن يرزقه الله حُسن التصنيف:
قال أبو حازم العبدوي: "سمعت الحاكم يقول: شربتُ ماء زمزم، وسألتُ اللهَ أن يرزقني حُسْنَ التصنيف" (٣).
ويقصد الحاكم ما رواه في المستدرك (٤) من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ماءُ زمزم لِما شُرِبَ له". وأظن أن الحاكم تبع - بعد اقتدائه بهدي النبي ﷺ الإِمام ابن خزيمة في دعائه عند شرب زمزم، إذ قال في ترجمته في تاريخه: "أخبرنا أبو بكر محمَّد بن جعفر، سمعتُ
_________
(١) الإرشاد (ص ٨٥٢).
(٢) تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣١).
(٣) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
(٤) (١/ ٤٧٣) وقال: صحيح الإسناد إنْ سلم من الجارودي. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١١٦٤): حسن لغيره.
стр. 78
ابنَ خزيمة وسُئِل: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "ماءُ زمزم لِما شُرِبَ له". وإني لمّا شربتُه سألتُ اللهَ علمًا نافعًا" (١).
وقد ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢) أن الخطيب البغدادي كان يذكر أنه لما حجَّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات؛ وقد قُضِيَت.
ج - صلاة الحاكم "الاستخارة" قبل التأليف:
قال الحاكم في تاريخه: "وكنت أستخير الله في إخراج إسماعيل بن محمَّد الشعراني في الصحيح، فوقعت الخيرة على ذلك" (٣).
وكذلك عندما طلب منه إخوانه ببغداد أن يبيِّن محل جماعةٍ من الخراسانيين من الجرح والتعديل قال: "فاستخرتُ الله تعالى في ذلك، فوقعت الخيرةُ على ما في أحوالهم، وأنا أستعينُ الله عليه وأبرأ إليه من حولي وقوتي، وهو حسبي ونعم الوكيل" (٤).
د - وَقْف الحاكم أحد مؤلفاته على أصحاب الحديث:
جاء في إحدى نسخ كتاب "معرفة علوم الحديث": "صورة ما وجدت بخط الحافظ أبي عبد الله ابن السمرقندي: نُقِلَت هذه النسخة بنيسابور من أصل الحاكم أبي عبد الله الذي وَقَفَه على أصحاب الحديث ودفعه إلى وصيه الشيخ المعتمد أبي عبد الرحمن السلمي" (٥).
وهذا يدل على اهتمام الحاكم بنشر العلم ومراعاته لأحوال الطالب المادية.
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٠).
(٢) تاريخ دمشق (٥/ ٣٤).
(٣) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ١٧٩).
(٤) سؤالات السجزي (ص ٥٣).
(٥) مقدمة المحقق لكتاب "معرفة علوم الحديث" (ص ٣١/ ط. دار إحياء العلوم).
стр. 79
هـ - ذكر مؤلفاته:
تنوّعت مؤلفات الحاكم بين كتب مطوّلة، ومتوسطة الحجم، إلى رسائل صغيرة، طُبع بعضها، وبعضها ما زال مخطوطًا محفوظًا في مكتبات العالم، والكثير منها ما زال مفقودًا، لم يُعْثَر عليه إلا إشارةً في كتبه أو كتب تلاميذه ومترجميه، وسأبدأ بذكر "تاريخ نيسابور" لأهميته في هذا المؤلَّف، ثم أسرد ما وقفتُ عليه من مؤلفاته:
١ - " تاريخ نيسابور":
سمّاه أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨): "تاريخ علماء أهل نيسابور".
سبب تأليف الحاكم للكتاب:
قال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد (ص ٨٥٣): قال لي الحاكم: "اعْلَم بأن خراسان وما وراء النهر، لكل بلدةٍ تاريخٌ صنَّفه عالمٌ منها، ووجدتُ نيسابور مع كثرة العلماء بها والحفاظ لم يصنِّفوا فيه شيئًا (١)، فدعاني ذلك إلى أن صنفتُ تاريخ النيسابوريين"، فتأمّلته، ولم يسبقه إلى ذلك أحد.
محتوى الكتاب:
ابتدأ الحاكم كتابه بـ "ذكر مفاخر خراسان بإشارة آيات وأحاديث وأخبار"، فذكر قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وما ورد في
_________
(١) قال الدكتور أكرم العمري في موارد الخطيب البغدادي (ص ٢٧٠): "أغفل الحاكم كتاب (تاريخ نيسابور) لعبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري (ت ٣٢٠ هـ) ويصعب قبول عدم معرفته به". اهـ.
قلت: نقل الدكتور العمري هذه المعلومة عن الكتاني في الرسالة المستطرفة (ص ١٣٠)، ولكن الكتاني قال: "تاريخ أبي محمَّد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري الحافظ) ولم يسقه (تاريخ نيسابور). ومن باب الفائدة، قال علي بن زيد البيهقي في تاريخ بيهق (ص ١١٥): تاريخ نيسابور، واحد من تأليف أبي القاسم الكعبي البلخي - وهو من رؤوس المعتزلة، ت ٣١٩ هـ - وقد احترق، وأصله في مكتبة مسجد عقيل. اهـ.
стр. 80
تفسيرها، ثم ذكر أحاديث في فضل فارس، ثم ذكر "آثار سلف عظام رضي [الله عنهم]، ثم ذكر ما ورد في فضائل نيسابور، ثم قسَّم كتابه إلى سبع طبقات ولاحقة:
الطبقة الأولى: ذكر الصحابة الكبار ﵃ بنيسابور.
وذكر الحاكم فيها ثمانٍ وعشرين صحابيًّا.
الطبقة الثانية: ذكر من كان بنيسابور من علماء وأشراف تابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
وذكر الحاكم فيها قرابة سبعين شخصًا.
الطبقة الثالثة: ذكر أتباع التابعين من النيسابوريين ومن وردها أو سكنها أو حدّث بها، من علماء الإِسلام.
وذكر الحاكم فيها أربع وثمانين شخصًا.
الطبقة الرابعة: أتباع الأتباع بعد الصحابة وهو القرن الرابع بعد النبوّة والثالث بعد الصحابة.
وذكر الحاكم فيها ستمائة واثنا عشر شخصًا.
الطبقة الخامسة: ذكر الطبقة الخامسة من علماء نيسابور ومن دخلها ونشر علمه.
وذكر الحاكم فيها خمسمائة وإحدى عشرة شخصًا.
الطبقة السادسة: ذكر الطبقة السادسة من العلماء النيسابوريين ومن سكنها وحدّث فيها من علماء المسلمين.
وذكر الحاكم فيها ثلاثمائة وثلاث وعشرين شخصًا.
الطبقة السابعة (١): قال الحاكم ﵁: هذه أسامي المشايخ الذين ما رُزِقْتُ السَّماع منهم من هذه الطبقة (أي: السادسة)، فنشرع الآن في أسامي
_________
(١) وهي طبقة شيوخ الحاكم التي استفدت منها في هذا المؤلَّف.
стр. 81
الذين أدركتهم ورُزِقت السَّماع منهم بنيسابور من هذه الطبقة أيضًا على الترتيب المذكور.
وذكر الحاكم فيها قرابة تسعمائة وخمسين شخصًا.
اللاحقة (١): وهي ملحق ترجم فيها الحاكم لمن توفي من شيوخه وإخوانه بعد انتهائه من تاريخ نيسابور، فذكر فيها قرابة خمس وتسعين شخصًا.
فعدد التراجم في تاريخ نيسابور يبلغ قرابة الألفين وسبعمائة ترجمة.
تاريخ انتهاء الحاكم من تأليف "تاريخ نيسابور":
قال الحاكم في بداية اللاحقة (٢): "وقع الفراغ بعون الله وحسن تقديره [في] شهر رمضان من سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، فذكرت بعد الأربعين سنة (!) منها شيوخي وإخواني الذين استفدت عنهم حديثًا أو حكاية أو إنشادًا أو [] من العلوم إلى هذا الشهر، فعلّقتُ وفاة من توفي من هذا الوقت". اهـ.
فالحاكم انتهى من تأليف تاريخ نيسابور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ولكنه ترجم في الطبقة السابعة لأشخاص لم يتوفوا قبل ذلك التاريخ، فكان يرجع إلى تاريخه ليقيِّد وفاة من مات بعد سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، بل ترجم الحاكم في الطبقة السابعة لأشخاصٍ توفوا بعده، أي بعد سنة خمس وأربعمائة، كأمثال: حمزة بن عبد العزيز المهلبي (ت ٤٠٦)، وعمر بن أحمد العبدوي (ت ٤١٧)، ومحمد بن الحسين السُّلَمي (ت ٤١٢)، وأحمد بن الحسن الحيري (ت ٤٢١).
عدد أجزاء "تاريخ نيسابور":
اختلفت الأقوال في عدد أجزاء تاريخ نيسابور، فذكر السخاوي (٣)
_________
(١) هكذا سمَّاها ابن الصلاح في طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ٢٣٦ و ٢٦٦).
(٢) مخطوطة مختصر تاريخ نيسابور (٥٥ أ).
(٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ التاريخ (ص ٢٨٤).
стр. 82
والسيوطي (١) أنه في ست مجلدات، وذكر السمعاني (٢) أنه في ثمان مجلدات ضخمة، وذكر علي بن زيد البيهقي (٣) أنه في اثني عشر مجلدًا.
قالوا في "تاريخ نيسابور":
قال الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٤): "حدثني بعض أصحابنا عن أبي الفضل بن الفلكي الهمذاني - وكان رحل إلى نيسابور وأقام بها - أنه قال: كان كتاب تاريخ النيسابوريين الذي صنّفه الحاكم أحد ما رحلت إلى نيسابور بسببه".
وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ١٧٣): "كانت نيسابور من أجلِّ البلاد وأعظمها، ولم يكن بعد بغداد مثلها. وقد عمل لها الحافظ أبو عبد الله الحاكم تاريخًا تخضع له جهابذة الحفاظ، وهو عندي سيد التواريخ".
وقال في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٥٥): "وهو عندي أعْوَد التواريخ على الفقهاء بفائدة، ومن نَظَرَه عرف تَفَنُّن الرجل في العلوم جميعها".
فقدان "تاريخ نيسابور":
آخر من ذكر رؤيته لكتاب "تاريخ نيسابور" هو مصطفى حاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في كتابه كشف الظنون (١/ ٣٠٨)، وإلى تاريخ كتابة هذه السطور، لم يُعْثَر في هذا العصر على مخطوطة لـ "تاريخ نيسابور" يقينًا، فهو مفقود، ولم يوجَد منه إلا ترجمة فارسية مختصرة، أعدَّها مصنَّف اسمه محمَّد بن حسين بن أحمد المعروف بالخليفة النيسابوري (كان حيًّا في سنة ٧١٧ هـ).
* * *
_________
(١) بغية الوعاة (١/ ٤).
(٢) الأنساب (مادة: النيسابوري).
(٣) تاريخ بيهق (ص ١١٥ - ١١٦).
стр. 83
٢ - " الأربعين":
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧)، والسبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٦٧) - وقال: "رأيته في كتابه الأربعين عقد بابًا لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، واختصهم من بين الصحابة" -، وابن حجر في فتح الباري (١/ ١٤٠) و (٢/ ٥٨٣)، والسخاوي في الجواهر والدرر في ترجمة ابن حجر (١/ ١٥٢)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٦٣٦١).
٣ - " أصحاب الصُّفَّة":
ذكره ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٣٦) فقال: "وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة: ابن الأعرابي، والسُّلَمي، والحاكم، وأبو نعيم". وذكره السخاوي في رجحان الكفة في بيان نبذة من أخبار أهل الصفة (ص ١٤٤).
٤ - " الإكليل":
سمّاه أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨): "الإكليل في دلائل النبوة"، وقال الخليلي في الإرشاد (ص ٨٥٤): "وصنَّف لأبي علي بن سيمجور (١) كتابًا في أيام النبي ﷺ وأزواجه، ومسنداته وأحاديثه، وسمّاه "الإكليل"، لم أَرَ أحدًا رَتَّبَ ذلك الترتيب".
قال الحاكم في مقدمة كتاب "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" (٢): "الحمد لله الذي علّمني ما لم أعلم، وكان فضله عليَّ كثيرًا، وصلَّى الله على خير الطاهرين محمَّد سيدنا وعلى آله وسلَّم تسليمًا. أما بعد، فإن همَّة الأمير الأجل المظفر، عماد الدولة، صاحب الجيش أدام سلطانه، دَعَتْه إلى معرفة أحوال الشريعة عند ابتدائها، ومراتب الصحابة إلى انتهائها، بالأسانيد التي هي المرقاة إلى الوصول إليها".
وقال (٣): "ولما استكفاني الأمير أبو علي محمَّد بن محمَّد بن إبراهيم
_________
(١) ترجم له الحاكم في تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٨٦٧).
(٢) (ص ٥٢). طبعة دار ابن حزم/ ١٤٢٣ هـ.
(٣) (ص ٦٢).
стр. 84
لجمع هذا الكتاب، الذي يجمع بيان ما استدعاه، وجمعت منه بعون الله، ثم بدولته العالية ما انتهى إليه علمي، وسمّيته كتاب الإكليل".
٥ - " الأحاديث الألف التي يعز وجودها":
ذكره ابن ناصر الدين الدمشقي في "النكت الأثرية على الأحاديث الجزرية".
٦ - " أمالي العشيات":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
٧ - " الأمالي":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨) والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢١١، ٣٣٤).
٨ - " أخبار علماء خراسان":
ذكره السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ التاريخ" (ص ٢٦١).
٩ - " تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم وما انفرد به كل واحدٍ منهما":
ذكره الحاكم في كتاب "المدخل إلى معرفة الإكليل" فقال: "وقد جمعت أنا أسامي من روى عنه البخاري ومسلم وما اختلفا فيه فاحتج به الآخر، فلم يبلغوا ألفي رجل وامرأة".
وذكره ابن حجر في "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" (ص ٧)، وقد طُبع الكتاب في مؤسسة الكتب الثقافية ببيروت (سنة ١٤٠٧ هـ)، وقال الحاكم في مقدمته: "أنا مبين إن شاء الله بمشيئة الله أسامي من أخرجهم البخاري في الجامع الصحيح، ومسلم في المسند الصحيح على ثلاثة أوجه: ما اتفقا عليه، ثم ما تفرّد بإخراجه البخاري، ثم ما تفرد بإخراجه مسلم، على حروف المعجم، وأجدّ في اختصاره بمشيئة الله ".
وذكر الدكتور الحسين شواط في "منهجية فقه الحديث عند القاضي عياض" (ص ٦٠) أن هذا الكتاب جزء من كتاب "المدخل إلى كتاب الإكليل" وليس كتابًا مستقلًّا.
стр. 85
١٠ - " التفسير":
ذكره السيوطي في "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي" (ص ٦٤٣).
١١ - " التلخيص":
ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٧٨)، وذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
١٢ - " تراجم المسند على شرط الصحيحين":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨). ونقل أبو موسى المديني في "خصائص المسند" (١) عن أبي بكر بن مردويه قال: كتب إليَّ أبو حازم العبدوي، يذكر أنه سمع الحاكم أبا عبد الله عند منصرفه من بخارى يقول: كنت عند أبي محمَّد المزني، فقدم عليه إنسان علويّ من بغداد، وكان أقام ببغداد على كتابة الحديث، فسأله أبو محمَّد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فذكر في جملة ما ذكر: سمعت مسند أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالك في مائة جزء وخمسين جزءًا، فعجب أبو محمَّد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون جزءًا من حديث أحمد بن حنبل؟! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا المسند الجليل! فعزم الحاكم على إخراج الصحيحين، ولم يكن عنده مسند إسحاق الحنظلي، ولا مسند عبد الله بن شيرويه، ولا مسند أبي العباس السراج، وكان في قلبه ما سمعه من أبي محمَّد المزني، فعزم على أن يخرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين، فلما ورد في سنة ثمان وستين، أقام بعد الحج ببغداد أشهرًا، وسمع جملة المسند من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومد يده إلى إخراج الصحيحين على تراجم المسند". اهـ.
_________
(١) طبعه أحمد شاكر ضمن مقدمته لمسند الإِمام أحمد بن حنبل/ المجلد الأول/ مكتبة التراث الإِسلامي.
стр. 86
تعقيب:
قال أحمد شاكر في الحاشية: أظنه يريد: إخراج المستدرك على الصحيحين، وهو مستدرك الحاكم المعروف. اهـ.
ولا أوافق الشيخ على ظنه لأن أبا حازم العبدوي ذكر كلًّا من (المستدرك على الصحيحين) و (تراجم المسند على شرط الصحيحين)، فميّز بينهما.
١٣ - ١٤ - ١٥ - " جزء في بطلان الكفارة في حق الموطوءة".
قال ابن حجر في فتح الباري (٤/ ١٧٠): "وقد ذكر البيهقي أن للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء".
١٦ - " جزء في حديث الطير":
ذكره ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٣٧١) نقلًا عن أبي موسى الديني، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (فضائل علي).
١٧ - " جزء في فضل صلاة الضحى":
ذكره العراقي في تخريجه لـ "إحياء علوم الدين" (١/ ١٩٦)، وابن حجر في فتح الباري (٣/ ٥٣ - ٥٤)، والكتاني في الرسالة المستطرفة (ص ٤٤).
١٨ - " الدعاء":
ذُكِر في "فهرست فهرست الكتب من مرويات الحافظ ابن حجر" (ص ١٣٠/ ط. دار اليمامة) لمؤلف مجهول.
١٩ - " سؤالات الحاكم للدارقطني في الجرح والتعديل":
قال الحاكم في رحلته الثالثة إلى العراق والحجاز في سنة سبع وستين وثلاثمائة: "سألت الدارقطني عن العلل والشيوخ، ودوَّنتُ أجوبته عن سؤالاتي، وقد سمعها مني أصحابي" (١).
_________
(١) تاريخ دمشق (٤٣/ ٩٦).
стр. 87
وقال الحاكم في مقدمة سؤالاته: "ذكر أسامي مشايخ من أهل العراق خفي عليَّ أحوالهم في الجرح والتعديل، علَّقت أساميهم وعرضته على شيخنا أبي الحسن الدارقطني ﵀، فعلَّق بخطه تحت أساميهم ما صحَّ له من أحوالهم، ثم سألته فشافهني بها" (١).
٢٠ - " سؤالات مسعود السجزي للحاكم":
نقل مسعود السجزي عن الحاكم أنه قال: "أدَّى أبو محمَّد العَمَّاري عند الفراغ من المجلس رسالة إخواننا من أهل المعرفة بالحديث ببغداد. إنا قد نَشَطنا في الصحيح، وقد ابتدأ جماعة في طلبه، وإنا قد كتبنا عن جماعة من الخراسانيين من الحاج وغيرهم، ولم نقف على محلِّهم من الجرح والتعديل، ومن يصلح منهم للرواية عنه في الصحيح، ومن لا يصلح، … فرجعنا إليك في السؤال عنهم لتُملي على أبي محمَّد تحت اسم كل واحدٍ ما يُعْتَمَدُ فيه خطّه بإملائك عليه.
فاسْتَخَرْتُ الله تعالى في ذلك فوقعت الخيرة على ما في أحوالهم، … وهذه نسخة ما كتبوا في الجزء الصغير، وجوابي عن كلِّ منهم تحت اسمه". وكان هذا يوم الإثنين الثالث والعشرين من جُمادى الآخرة من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
٢١ - " الضعفاء":
ذكره الذهبي في مقدمة كتابه "المغني في الضعفاء" وابن حجر في لسان الميزان (٥/ ٢٣٣) والنكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ١٧٠)، والسخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ التاريخ" (ص ٢١٩).
وقال الحاكم في آخر الكتاب: "فهؤلاء الذين ذكرتهم في هذا الكتاب ثبت عندي جرحهم، لأنني لا أستحل الجرح إلا مبينًا ولا أجيزه تقليدًا، والذي أختار لطالب العلم أن لا يكتب حديث هؤلاء أصلًا" (٢).
_________
(١) (ص ٨٤) من المطبوع، وقد طُبع بمكتبة المعارف، الرياض.
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ١٧١)، لسان الميزان (٥/ ٢٣٣).
стр. 88
٢٢ - " العلل":
قال الحاكم في كتابه "المدخل إلى الصحيح" (١): "وأما الأخبار الواردة فيه (أي: ضرورة علم الجرح والتعديل) عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وإلى وقتنا هذا، فإني أوردتها في أول كتاب "العلل"".
وذكره أبو حازم العبدوي في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
٢٣ - " علامات أهل التحقيق":
ذكره العراقي في تخريجه لـ "إحياء علوم الدين" (٤/ ١٩٣).
٢٤ - " غرائب الشيوخ":
ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٩١٧١).
٢٥ - " فضائل فاطمة":
ذكره الذهبي في تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣٢)، ومصطفى حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٢٧٧).
٢٦ - " فوائد الخراسانيين":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
٢٧ - " فوائد الشيوخ":
ذكره أبو حازم العبدوي في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨)، ومصطفى حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٢٩٨).
٢٨ - "فوائد الفوائد" أو "المائة":
ذكره ابن ناصر الدين الدمشقي في "النكت الأثرية على الأحاديث الجزرية" فقال: قال الحاكم أبو عبد الله في جزئه المعروف بـ "المائة" وسمَّاه "فوائد الفوائد".
_________
(١) (ص ١١٠)، وقد طُبع في مؤسسة الرسالة، بيروت.
стр. 89
٢٩ - " القنوت":
ذكره ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢٤٤)، وقال (١/ ٢٤٥): "عزاه النووي إلى المستدرك للحاكم وليس هو فيه، وإنما أورده وصححه في جزءٍ له مفرد في القنوت".
٣٠ - " ما تفرد بإخراجه كل واحد من الإمامين":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨).
٣١ - " المخرّج على كتاب البخاري":
ذكره البيهقي في كتاب "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" (ص ٣٢٩).
٣٢ - " المخرّج على كتاب مسلم":
ذكره البيهقي في كتاب "الاعتقاد" (ص ١٩٣) فقال: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في "المخرّج على كتاب مسلم"، ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب … ". والبيهقي إذا أطلق عبارة (أبي عبد الله الحافظ) فإنما يريد بها شيخه الحاكم كما فعل آلاف المرات في كتبه.
٣٣ - " المدخل إلى معرفة الصحيح":
ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٩٩) وسمّاه أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨): "المدخل إلى علم الصحيح"، وقد طُبع الكتاب باسم "المدخل إلى الصحيح" في مؤسسة الرسالة ببيروت (سنة ١٤٠٤ هـ) بتحقيق الدكتور ربيع المدخلي. وقد ألّف الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري (ت ٤٠٩) كتاب "كشف الأوهام التي في مدخل الحاكم" قال في مقدمته: "أما بعد، فإني نظرت في كتاب المدخل الذي صنفه الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله النيسابوري … فإذا فيه أغلاط وتصحيفات أعظمت أن تكون غابت عنه، وأكبرت جوازها عليه، وجوَّزت أن يكون جرى من ناقل الكتاب له أو حامله عنه، مع أنه لا يعرا بشر من السهو والغلط. فاستخرت الله جل وعلا وحررت ذلك في هذه الأوراق وبيَّنته ووضحته واستشهدت عليه بأقاويل العلماء مجتهدًا في تصحيحه متوخيًا إظهار الصواب فيه". اهـ.
стр. 90
وقد طُبع كتاب "كشف الأوهام" في مكتبة المنار سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق مشهور سلمان.
٣٤ - " المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل":
ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٠٠)، وقد طُبع الكتاب لأول مرة في حلب سنة ١٣٥١ هـ تحت اسم "المدخل في أصول الحديث"، وطُبع في دار ابن حزم ببيروت (سنة ١٤٢٣ هـ).
٣٥ - " المدخل إلى معرفة المستدرك":
ذكره ابن الصلاح في كتابه "صيانة صحيح مسلم" (ص ١٤).
٣٦ - " المزكي لرواة الأخبار":
هكذا ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ٩٩)، وسمّاه أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٥٨): "مزكي الأخبار" وسمّاه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٧٧): "الجامع لذكر أئمة الأعصار المزكِّين لرواة الأخبار".
٣٧ - " المستدرك على الصحيحين":
قال الحاكم في المستدرك (١/ ٢): "قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشْمتون برواة الآثار، بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة. وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمَّد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما.
وقد خرّج جماعة من علماء عصرهما ومَن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها، وهي معلولة، وقد جهدت في الذب عنهما في "المدخل إلى الصحيح" بما رضيه أهل الصنعة، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط
стр. 91
الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإِسلام أن الزيادة في الأسانيد أو المتون من الثقات مقبولة، والله المعين على ما قصدته، وهو حسبي ونعم الوكيل". اهـ.
ولكن قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٥٣٦): "إن مستدرك الحاكم فيه أوهام كثيرة في الرجال والأسانيد كما يعرف ذلك من له عناية بدراسته ومعرفة برجاله، كما وقعت له أخطاء كثيرة في تصحيح كثير من أسانيده، وعلّلوا ذلك بأنه لم يتح له أن يبيِّضه" (١).
هذا وقد طُبع المستدرك الطبعة الأولى في حيدر آباد الدكن، عن دائرة المعارف العثمانية، سنة ١٣٣٤، في أربعة مجلدات، وطُبع بهامشها "تلخيص المستدرك" للذهبي، وقد وقع فيها الكثير من التصحيف والتحريف، وللأسف عول عليها معظم - أو جميع - دور النشر في طباعتهم "طبعة جديدة محققة ومصححة (!!) " للمستدرك.
٣٨ - " مشائخ الشافعي":
ذكره البيهقي في كتاب "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" فقال: "ذكره شيخنا أبو عبد الله ﵀ في "مشائخ الشافعي""، وقد نقل البيهقي عنه ثلاث نقول في (ص ٣٠٦ - ٣٠٧) و (ص ٣٠٨ - ٣٠٩) و (ص ٣١٢ - ٣١٤). ويظهر أن الحاكم في هذا الكتاب عدَّد مشايخ الشافعي الذين سمع منهم، وذكر تحت اسم كل شيخ حديثًا اتصل به من رواية الشافعي عنه، ويعرِّف بالشيخ إذا لم يوضحه الشافعي، وقد يتعقَّب الشافعي بما يراه مناسبًا.
وأرجِّح أن هذا الكتاب هو غير كتاب "مناقب الشافعي"، لأن البيهقي قال (ص ٣١٦): "أخبرنا شيخنا أبو عبد الله الحافظ في كتاب "المناقب"" اهـ. ففرَّق بينهما.
٣٩ - " معرفة علوم الحديث":
قال الحاكم في مقدمة الكتاب: "أما بعد، فإني لمّا رأيت البدع في
_________
(١) وللتفصيل حول ما وقع في مستدرك الحاكم من التساهل والأخطاء، انظر: كلام المعلمي اليماني في "التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل" (١/ ٤٦٩ - ٤٧٣).
стр. 92
زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث مما يحتاج إليه طلبة الأخبار، المواظبون على كتابة الآثار، وأعتمد في ذلك سلوك الاختصار، دون الإطناب في الإكثار، والله الموفق لما قصدته والمانّ في بيان ما أردته، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم".
وقال الذهبي: "رأيتُ عجيبةً وهي أن محدِّث الأندلس أبا عمر الطَّلَمَنْكي قد كتب كتاب "علوم الحديث" للحاكم في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، عن شيخٍ سمّاه، عن رجلٍ آخر، عن الحاكم" (١).
وقد طُبع الكتاب عدة طبعات، ومخطوطاته كثيرة، فقد طبعته دار إحياء العلوم ببيروت على إحدى عشرة مخطوطة، وقال ابن خلدون في مقدمته: "وقد ألّف الناس في علوم الحديث وأكثروا، ومن فحول علمائه وأئمتهم أبو عبد الله الحاكم، وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي هذّبه وأظهر محاسنه".
٤٠ - " المعرفة في ذكر المخضرمين":
ذكره الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤).
٤١ - " مقتل الحسين":
ذكره الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٧).
٤٢ - " مناقب" أو "فضائل الشافعي":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨)، والبيهقي في بيان خطأ من أخطأ على الشافعي (ص ٣١٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٩٨)، وابن حجر في فتح الباري (١/ ٤٧) و (٨/ ١٩١)، والسخاوي في الجواهر والدرر (٣/ ١٢٥٩).
_________
(١) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٥ - ١٦٦).
стр. 93
٤٣ - " معجم الشيوخ":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨)، وابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٨٣)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٤٢٥٩٧).
٤٤ - " صحيح الحاكم":
ذكره أبو حازم العبدوي كما في تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٨) تحت اسم "الصحيحين" - فلعله نفسه -، وذُكِر في "فهرست فهرست الكتب من مرويات الحافظ ابن حجر" (ص ١٣٤/ ط. دار اليمامة) لمؤلف مجهول.
٤٥ - " عوالي سفيان بن عيينة":
ذكره السمعاني في الأنساب (مادة: البرنوذي)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٦٦).
٤٦ - " المغازي":
ذكره البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣١) و (٥/ ٢١١، ٣٠٩).
٤٧ - " المعجزات":
ذكره البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٨) والسيوطي في الخصائص النبوية (٢/ ٦٥).
٤٨ - " الكنى":
ذُكِر في "فهرست فهرست الكتب من مرويات الحافظ ابن حجر" (ص ١٣٩/ ط. دار اليمامة) لمؤلف مجهول، و"ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٣٠٣).
٤٩ - " جزء في قتل من خرج على الأُمَّة وأمرها جميع":
ذكره الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٦).
٥٠ - " جزء في خطبة عمر":
ذكره الحاكم في المستدرك (٢/ ١٧٧).
стр. 94
٥١ - " حديث شعبة":
ذكره البيهقي في السنن الكبير (٢/ ٥٨).
٥٢ - " أحاديث مالك":
ذكره البيهقي في السنن الكبير (١٠/ ٢٥٣).
стр. 95
الفصل العاشر: أخبار متفرقة من حياة الحاكم
الوظائف التي تقلّدها الحاكم:
١ - تولَّيه أمور دار السنة وأوقاف أبي بكر الصبغي وهو دون الحادي والعشرين من العمر:
قال عبد الغافر الفارسي: "وأدّى اختصاص أبي بكر الصَّبغي بالحاكم واعتماده أنه أوصى إليه في أمور مدرسته دار السنة، وفوّض إليه تولية أوقافه، واستضاء برأيه في أموره اعتمادًا على حسن ديانته ووفور أمانته" (١).
٢ - تولّيه قضاء نسَا وهو في الثامن والثلاثين من العمر:
قال أبو حازم العبدوي: "قُلِّد الحاكم القضاء - يعني بنسَا - سنة تسع وخمسين في أيام حشمة السامانية ووزارة العتبي.
ودخل الخليل بن أحمد السجزي القاضي على أبي جعفر العتبي يوم الثاني من مفارقته الحضرة فقال: هنَّأ الله الشيخ! فقد جهَّز إلى نسَا ثلاثمائة ألف حديث لرسول الله ﷺ . فتهلَّل وجهه" (٢).
_________
(١) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٦).
(٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
стр. 96
٣ - تولّيه قضاء جرجان:
قال أبو حازم العبدوي: "وقلّد الحاكم بعد ذلك قضاء جرجان فامتنع" (١).
٤ - عمله سفيرًا للدولة السامانية:
قال أبو حازم العبدوي: "وكان الأمير أبو الحسن يستعين برأيه وينفذه للسفارة بينهم وبين البويهية" (٢).
تقرُّح وجه الحاكم في آخر عمره ثم شفاؤه:
قال أبو بكر البيهقي: "قَرحَ وجه شيخنا أبي عبد الله الحاكم وعالجه بأنواع المعالجة، فلم يذهب، وبقي فيه قريبًا من سنة، فسأل الأستاذ الإِمام أبو عثمان الصابوني أنْ يدعو له في مجلسه يوم الجمعة فدعا له، وأكثر الناسُ التأمينَ، فلما كان من الجمعة الأخرى ألقت امرأة في المجلس رقعة: بأنها عادت إلى بيتها، واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله ﷺ كأنه يقول لها: "قولي لأبي عبد الله يوسِّع الماء على المسلمين". فجئتُ (٣) بالرقعة إلى الحاكم، فأمر بسقاية بُنِيَت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها، أمر بصبِّ الماء فيها، وطرح الجَمْد في الماء، وأخذ الناس في الشرب، فما مَرَّ عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء، وزالت تلك القروح وعاد وجهه إلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين" (٤).
بين الحاكم وبديع الزمان الهمذاني:
قال الذهبي: "قال أبو موسى الحافظ، أنا الحسين بن عبد الملك، عن أبي القاسم سعد بن علي، أنه سمع أبا نصر الوائلي يقول: لمّا ورد أبو
_________
(١) و (٢) تبيين كذب المفتري (ص ٢٢٩).
(٣) أي البيهقي، وابتدأ سماعه وهو ابن خمس عشرة سنة، فمرض الحاكم وقع قريبًا من سنة أربعمائة.
(٤) شعب الإيمان (٣/ ٢٢١) للبيهقي.
стр. 97
الفضل الهمذاني إلى نيسابور، تعَصَّبوا له، ولقّبوه "بديع الزمان"، فأُعْجِب بنفسه، إذ كان يحفظ المئة بيتٍ إذا أُنْشِدت مرةً بين يديه، ويُنْشِدُها من آخرها إلى أولها مقلوبةً. فأنكر على الناس قولهم: فلان الحافظ في الحديث، ثم قال: وحِفْظُ الحديث مما يُذْكَر؟!
فسمع به الحاكم ابن البيِّع، فوجَّه إليه بجزء، وأَجَّلَ له جُمعةً في حفظه، فردَّ إليه الجزء بعد جمعة، وقال: مَن يحفظ هذا؟ محمَّد بن فلان، وجعفر بن فلان، عن فلان؟ أسامي مختلفة، وألفاظ متباينة؟ فقال له الحاكم: فاعرف نفسَك، واعلم أن حِفْظ هذا أصعب مما أنت فيه" (١).
بين الحاكم وأبي بكر الشيرازي (مصنِّف كتاب "الألقاب"):
قال السمعاني في الأنساب (مادة: الحَدَثي): أخبرنا محمَّد بن عبد الله الكشي بسمرقند، أنا أبو علي النسفي في كتابه، أنا أبو العباس المستغفري الحافظ، سمعت أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي يقول: "وقعت بيني وبين أبي عبد الله ابن البيِّع الحافظ بنيسابور منازعة في عمرو بن زرارة وعمر بن زرارة، فكنت أقول: هما اثنان، وكان يقول: هما واحد، فتحاكمنا إلى الشيخ أبي أحمد الحافظ الكرابيسي فقلت له: ما قول الشيخ فيمن يقول عمرو بن زرارة وعمر بن زرارة واحد؟ قال: فقال أبو أحمد: من هذا الطبلُ الذي لا يفصل بينهما! هما اثنان: عمرو بن زرارة بن واقد نيسابوري كنيته أبو محمَّد، وعمر بن زرارة الحدثي من أهل الحديثة حدَّث ببغداد كنيته أبو حفص.
فخجل أبو عبد الله من ذلك وتشوَّر، فقلتُ في ذلك أبياتًا وهو قولي فيه:
قل لمن يزعم جهلًا … أنه كابن حراره
ثم لا يفصل عمرًا … من عمر بن زراره
حافظًا تدعى ولكن … أنت عدل للغراره
_________
(١) تاريخ الإِسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٣).
стр. 98
قال: فبلغت الأبيات الشيخ أبا أحمد فقال لي: اعف عنه بشفاعتي ولا تذكرها بعد هذا، أو كما قال".
المنامات التي رآها الحاكم:
قال الحاكم في تاريخه (١): "رأيتُ أبا الأصبغ عبد العزيز بن عبد الملك الأندلسي في المنام وهو يمشي بزيّ أحسن ما يكون، فقلتُ له: أنت أبو الأصبغ؟ قال: نعم، قلتُ: ادعُ اللهَ أن يجمعني وإيّاك في الجنة. فقال: إن إمام الجنة هؤلاء، ثم رفع يديه فقال: اللهم اجمعه معي في الجنة بعد عمرٍ طويل.
ورأيتُ أبا الأصبغ مرةً أخرى في بستان فيه خضرة ومياه جارية وفُرُش كثيرة، وكأني أقول الهالة، فقلت: يا أبا الأصبغ، بماذا وصلت إليه؟ أبالحديث؟ فقال: أي والله، هل نجوتُ إلا بالحديث".
وقال أبو زكريا ابن منده في "جزء فيه ذكر أبي القاسم الطبراني" (ص ٤٠):
"رأيت بخط الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله البيِّع: رأيتُ الطبراني ﵀ في المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في المنام وجماعة يقرؤون عليه، فقال القارئ:
اذكر إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
فقلت: يا أبا القاسم كتبتَ عنه؟
فقال: هو إجازة".
المنامات التي رؤيت للحاكم:
قال أبو حازم العبدوي: "حكى القاضي أبو بكر الحيري أن شيخًا من الصالحين حكى أنه رأى النبي ﷺ في المنام، قال: فقلت له: يا رسول الله! بلغني أنك قد قلت: "وُلِدْتُ في زمن الملك العادل"، وإني سألت الحاكم أبا عبد الله عن هذا الحديث، فقال: هذا كذب ولم يقله رسول الله ﷺ . فقال لي: صدق أبو
_________
(١) تاريخ نيسابور (ترجمة/ ٤٤٨).
стр. 99
عبد الله" (١).
وقال الحسن بن أشعث القرشي (٢): "رأيتُ الحاكم في المنام على فرس في هيئة حسنة، وهو يقول: النَّجاة. فقلت له: أيها الحاكم، في ماذا؟ قال: في كِتْبَةِ الحديث" (٣).
من شِعر الحاكم:
قال الأستاذ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني: أنشدني الحاكم أبو عبد الله الحافظ في مجلس الأستاذ أبي منصور الحمشاذي على حُجْرَته في قتلِ الحسين بن علي ﵄:
جاءوا برأسِكَ يا ابنَ بنت محمد … مُتَزَمِّلًا بدمائه تَزْميلا
وكأنما بك يا ابنَ بنت محمدًا … قتلوا جَهَارًا عامِدين رسولا
قتلوك عطشانًا ولم يَتَرَقّبوا … في قتلك التَّنْزيلَ والتأويلا
ويُكبِّرونَ بأنْ قُتِلْتَ، وإنما … قتلوا بك التكبيرَ والتَّهليلا (٤)
_________
(١) تبيين كذب المفتري (ص ٢٣٠).
(٢) ذكر عبد الغافر الفارسي في السياق (المنتخب/ ص ١٨٥) أنه توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
(٣) ذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣٠) وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٣).
(٤) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (خاتمة ترجمة الحسين بن علي ﵄.
стр. 100
الفصل الحادي عشر: وفاة الحاكم
قال الذهبي: "روى أبو موسى المديني: أنَّ الحاكم دخل الحمّام، فاغتسل وخرج، ثم قال: آه. وقُبضَت روحُه وهو مُتَّزِر لم يلبس قميصه بعد، ودُفِنَ بعد العصر يوم الأربعاء. وصَلَّى عليه القاضي أبو بكر الحيري" (١).
وقال عبد الغافر الفارسي: "مضى إلى رحمة الله، ولم يخلِّف في وقته مثله، في صفر يوم الثلاثاء الثالث (٢) منه سنة خمس وأربعمائة" (٣).
ونقل الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٤) عن الأزهري ومحمد بن يحيى بن إبراهيم المزكي أنهما قالا: "مات أبو عبد الله بن البيع في سنة خمس وأربعمائة". قال محمد: "في صفر". وكذلك ذكر السمعاني في الأنساب (مادة: البيِّع).
وشَذَّ الخليلي في ترجمته للحاكم في كتابه "الإرشاد" (ص ٥٢) فقال: "توفي سنة ثلاث وأربعمائة". قال الذهبي: "وهم الخليل في وفاته" (٤).
_________
(١) تاريخ الإسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٣).
(٢) في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء: الثامن.
(٣) السياق لتاريخ نيسابور (المنتخب/ ص ١٧)، ونقله ابن عساكر عنه في تبيين كذب المفتري (ص ٢٣١).
(٤) تاريخ الإسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٢٦).
стр. 101
تأليفُ جزءٍ مفردٍ في ترجمة الحاكم:
قال ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (١/ ١٩٨): "وقد ترجمه الحافظ أبو موسى المديني في مصنّف مفرد". وقد نقل الذهبي من هذا المصنَّف عدَّة نقولات في ترجمته للحاكم في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء وغيرهما، وقال في تاريخ الإسلام (٤٠١ - ٤٢٠ هـ) (ص ١٣١): رواها أبو موسى المديني في "ترجمة الحاكم".
وأبو موسى هو محمد بن عمر بن أحمد بن عمر المديني، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وقال الذهبي في ترجمته: "كان حافظَ المشرق في زمانه" (١).
* * *
_________
(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٥٢).
стр. 102
المصادر والمراجع
القسم الأول: مؤلَّفات الحاكم:
١ - تاريخ نيسابور (انظر الكلام عليه في فصل/ مؤلفات الحاكم).
٢ - تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم وما انفرد به كل واحدٍ منهم؛ مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.
٣ - سؤالات الحاكم للدارقطني في الجرح والتعديل؛ مكتبة المعارف، الرياض.
٤ - سؤالات مسعود السجزي للحاكم؛ دار الغرب الإسلامي، بيروت، وقد طُبع والكتاب السابق بتحقيق الدكتور موفق بن عبد الله.
٥ - المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل؛ دار ابن حزم، بيروت.
٦ - المدخل إلى معرفة الصحيح؛ تحقيق الدكتور ربيع المدخلي، مؤسسة الرسالة، بيروت.
٧ - المستدرك على الصحيحين؛ طبعة مصورة عن الطبعة الأولى لدائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن.
٨ - معرفة علوم الحديث؛ دار إحياء العلوم، بيروت.
القسم الثاني: المؤلفات الأخرى:
٩ - الإرشاد في معرفة علماء البلاد؛ الخليل بن عبد الله القزويني (ت ٤٤٦)، مكتبة الرشد، الرياض.
١٠ - الأنساب؛ عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت ٥٦٢)، دار الفكر، بيروت.
١١ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام؛ محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨)، دار الكتاب العربي، بيروت.
стр. 103
١٢ - تاريخ بغداد؛ أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣)، دار الفكر، بيروت.
١٣ - تاريخ بيهق؛ علي بن زيد البيهقي (ت ٥٦٥)، دار اقرأ، دمشق.
١٤ - تاريخ دمشق؛ علي بن الحسن ابن عساكر (ت ٥٧١)، دار الفكر، بيروت.
١٥ - تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعرى؛ علي بن الحسن ابن عساكر (ت ٥٧١)، دار الكتاب العربي، بيروت.
١٦ - سير أعلام النبلاء؛ محمد بن أحمد الذهبي (ت ٧٤٨)، مؤسسة الرسالة، بيروت.
١٧ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب؛ عبد الحي ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩)، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٨ - طبقات الشافعية الكبرى؛ عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١)، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.
١٩ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون؛ مصطفى حاجي خليفة (ت ١٠٦٧)، مكتبة المثنى، بغداد.
٢٠ - لسان الميزان؛ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)، دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد الدكن.
٢١ - معجم البلدان، ياقوت الرومي الحموي (ت ٦٢٦)، دار صادر، بيروت.
٢٢ - المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور، تأليف عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي (ت ٥٢٩)، انتخبه إبراهيم بن محمد الصريفيني، دار الكتب العلمية، بيروت.
* * *
стр. 104
تَارِيخ نَيْسابور
طبقة شيوخ الحاكم
تأليف
الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النَّيسابُوري
(٣٢١ - ٤٠٥ هـ)
جمع وتحقيق ودراسة
أبي معاوية
مازن بن عبد الرحمن البحصلي البيروتي
стр. 105
قال الحاكم ﵁:
[٣٦/ ب] نشرع الآن في أسامي الذين أدركتهم ورُزِقْتُ السَّماع منهم بنيسابور في هذه الطبقة أيضًا على الترتيب المذكور.
стр. 106
[حرف الألف] (*)
[١] أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد بن عبد الرحمن بن نوح النيسابوري الفقيه، أبو بكر الإمام المفتي المتكلم الغازي الرئيس الزكي، واحد عصره ﵁.
وتوفي [في] (١) شعبان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وهو ابن أربع وثمانين وأشهر، ومناقبه كثيرة في الفقه والأصول والحديث [و] (١) الفروسية، مقدَّم في عصره في جميعها بلا مدافعة.
[س] قال الحاكم: سمعته يقول: لمّا ترَعْرَعْت اشتغلت بتعلّم الفروسية، ولم أسمع حرفًا، وحُمِلت إلى الرَّي، وأبو حاتم حيّ، وسألته عن مسألةٍ في ميراثِ أبي، ثم رجعنا إلى نيسابور في سنة ثمانين ومائتين، فبينا أنا على بابِ دارنا، وأبو حامد ابن الشرقي وأبو حامد ابن حَسْنُويه جالسَين، فقالا لي: اشتغل بسماع الحديث، قلتُ: ممَّن؟ قالا: من إسماعيل بن قتيبة. فذهبتُ إليه، وسمعتُ، فرغِبتُ في الحديث، ثم خرجت إلى العراق بعدُ بسنة.
[ت س] أقام (٢) يُفْتِي نيِّفًا وخمسين سنة، لم يؤخذ عليه في فتاويه مسألة وهِمَ فيها.
[وش] وله الكتب المطوَّلة (٣) مثل: "الطهارة"، و"الصلاة"، و"الزكاة"، ثم كذلك إلى آخر كتاب "المبسوط".
[س ت و] سمعتُ أبا الفضل بن إبراهيم يقول: كان أبو بكر بن إسحاق يخلُفُ إمامَ الأئمة ابنَ خُزَيمة في الفتوى بضع عشرة سنة في الجامع وغيره.
стр. 107
سمعتُ الشيخَ أبا بكرٍ يقول: رأيت في منامي كأني في دارٍ فيها عُمَر، وقد اجتمع الناسُ عليه يسألونه المسائل، فأشار إليَّ أن أجِيبَهم، فما زِلْتُ أُسأل وأَجيب وهو يقول لي: أَصَبْتَ، امضِ، أَصَبْتَ، امضِ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، ما النَّجاةَ مِنَ الدُّنيا أو المخرج منها؟ فقال لي بإصْبعه: الدُّعاء، فأعدت عليه السؤال، فَجَمَع نَفْسَه كأنَّه ساجدٌ لخضوعه. ثم قال: الدُّعاء.
وسمعته يقول: رأيت في منامي كأني في دار وأنا أظن أن أبا بكرٍ الصديق ﵁ فيها، فدخلت وفي الدار بستان أردت دخوله، فاستقبلني أبو بكر الصديق ﵁ فعانقني وقبّل وجهي ودعا لي، وهذا عند ابتدائي في تصنيف كتاب "الفضائل".
وسمعته يقول: لما فرغت من تصنيف كتاب "الفضائل" رأيت في المنام كأني خارج من منزل شخص - ذَكَرَه - واستقبلني النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان أو علي ﵃ أحدهما فإني شككت ولم أَشُكَّ في أنهم كانوا أربعة -، فتقدّمت فسلَّمتُ على رسولِ الله ﷺ فردَّ عليَّ السلام، ثم تقدّمت إلى أبي بكر ﵁ فقبّل بين عينيّ وقال: جزاك الله عن نبيّه خيرًا وعنّا خيرًا، قال أبو بكر (١): فأخرجت خاتمي هذا من أُصبعي وجعلته في أصبع رسول الله ﷺ ، ثم نزعته فجعلته في أصبع أبي بكر ثم إلى آخر الأربعة، ثم قلت: يا رسولَ الله قد عظمت بركة هذا الخاتم إذ دخل أصابعكم؛ ثم انتبهت.
وقد كان الشيخ أوصى أن يُدْفَن ذلك الخاتم معه.
وكَتَبَ علي بن أبي هريرة إلى نيسابور ليُكتب له "فضائل الأربعة" وكتاب "الأحكام"، فكُتِبَ وحُمِلَ إلى مدينة السلام (٢) فأكثر الثناء عليه.
ومصنفاته في الفقه من أدل الدليل على علمه، ومصنفاته في الكلام لم يسبقه إلى مثلها أحد من مشايخ أهل الحديث.
سمعته وسُئِل عن حديث ابن عباس؛ أنَّ رجلين صلَّيا مع النبي ﷺ فقال لهما: "أعيدا وضوءكما"، قالا: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "اغتبتما فلانًا" (٣). قال (٤):
стр. 108
يجوز أن يكون أمرهما بالوضوء ليكون كفارة لمعصيتهما وتطهيرًا لذنوبهما، لأن النبي ﷺ أخبر أن الوضوء يحُطّ الخطايا.
[ش] وسمعته وسُئِل عن قوله ﷺ : "مَن غَسَّل ميتًا فليَغْتَسِل، ومن حمله فليتوضأ" (١)، قال: إن صحَّ هذا الخبر فمعناه أن يتوضأ قبل حمله شفقة أن تفوته الصلاة بعد الحمل، كما قال ﷺ : "من راح إلى الجمعة فليغتسل" (٢) أي: قبل الرواح.
[س ت و] وله كتاب "الأسماء والصفات" (٣)، وكتاب "الإيمان والقدر" (٤)، وكتاب "فضل الخلفاء الأربعة"، وكتاب "الرؤية"، وكتاب "الأحكام" - وحُمِلَ إلى بغداد، فكثر الثناء عليه -، وكتاب "الإمامة".
[س ت و] وسمعته وهو يخاطب فقيهًا (٥) فقال: حدّثونا عن سليمان بن حرب. فقال ذلك الفقيه: دَعْنَا من حدَّثنا، إلى متى حدَّثنا وأخبرنا؟ فقال: يا هذا، لستُ أشمُّ من كلامك رائحةَ الإيمان، ولا يَحِلُّ لك أن تدخل هذه الدار، ثم هَجَره حتى مات.
[س ت ش] سمعت محمد بن حمدون يقول: صَحِبْتُ أبا بكر بن إسحاق سنين، فما رأيته قطُّ تَرَكَ قيام الليل، لا في سَفَرٍ ولا حَضَر.
[س ت ش] رأيتُ أبا بكر غير مرَّة إذا أذَّن المؤذّن يدعو بين الأذان والإقامة ثم يبكي (٦)، وربّما كان يضرب برأسه الحائط، حتى خشِيْتُ يومًا أن يدْمى رأسه، وما رأيتُ في جماعة مشايخنا أحسنَ صلاةً منه، وكان لا يدع أحدًا يغتاب في مجلسه.
[س ت ش] وسمعته غيرَ مرَّة إذا أنشد بيتًا، يفسده ويغيِّره حتى يُذْهِبَ الوَزْن.
[س ت ش] وكان يُضْرَب المثل بعقله ورأيه.
[س ت] وسُئل عمَّن يدرك الركوع ولم يقرأ الفاتحة، فقال: يُعيد الركعة.
стр. 109
[وكان يرى أن الرجل إذا أتى والإمام راكع أنه لا يعتدّ بتلك الركعة، وروى ذلك عن أبي هريرة (١) وجماعة من التابعين، وصنّف فيه مصنّفًا] (٢).
[س] حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب القزويني، حدثنا سعيد بن يحيى الأصبهاني، حدثنا سُعَيْر بن الخِمْس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدِ الله قال: "من أحب أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادَى بهن" (٣).
[ت س] كتب عني الدارقطني هذا، وقال: ما كتبته عن أحدٍ قَطُّ.
[حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا الحسين بن محمد اللبان، حدثنا محمد بن صدران، حدثنا عبد الله بن العباس الحارثي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد الزنا لا يرث ولا يورث"] (٤).
[حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا سليمان بن عيسى السجزي، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذكروني في ثلاث مواطن؛ عند العطاس، وعند الذبيحة، وعند التعجب"] (٥).
стр. 110
[ت س] وسمعت أبا بكر بن إسحاق يقول: خرجنا من مجلس إبراهيم الحربي، ومعنا رجل كثيرُ المُجون، فرأى أمرَد، فتقدَّم، فقال: السَّلام عليك، وصافحه، وقبَّل عينيه وخدَّه، ثم قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري بصَنْعاء، [ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه] (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحبَّ أحدُكم أخاه فليُعْلِمه"، فقلت له: ألا تستحي؟ تلوطُ وتكذب في الحديث. [فقال: يا سيدي، والحديث كما يجيء] (٢).
[ت س هـ] توفي أبو بكر الصَّبغي في شعبان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
[٢] أحمد بن إسحاق بن ابراهيم المعدّل الصيدلاني، أبو بكر النيسابوري.
قال الحاكم: توفي في رمضان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
[حدثنا أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الصيدلاني، حدثنا إبراهيم بن عيسى الذهلي، حدثنا أحمد بن عمرو بن سعيد الحرشي، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "المساجدُ بيوتُ اللهِ، والمؤمنون يزورون الله، وحق على المزور أن يكرمَ زائره"] (٣).
[حدثنا أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الصيدلاني، حدثنا الحسن بن الفضل، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا الرجا بن رجاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا خيرَ فيمن لا يحب المال؛ يَصِلُ به رحمه، ويؤدي به عن أمانته، ويستغني عن الخلق به"] (٤).