← Акыда

Акыда · id 1006

المسائل العقدية المتعلقة باسم الله عز وجل

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (157 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المسألة الثالثة أدلة تفاضل أسماء الله والحاصل أن أسماء الله كثيرة لا تحصر ولا تحد بعدد، وهي متفاضلة غير متساوية في الفضل بعضها أفضل من بعض، وإن كانت أسماء لمسمى واحد، والأدلة على تفاضل أسماء الله متعددة، الدليل الأول: أن النصوص تدل على أن بعض أسمائه سبحانه أفضل من بعض، ففي الآثار ذكر اسمه الأعظم سبحانه وقد وردت روايات متعددة في ذكر الاسم الأعظم، ففي روايات بقول ﷺ : «لقد سأل الله باسمه الأعظم (١) وفي أخرى: «دعا الله باسمه الأعظم (٢)، وفي أخرى: لقد دعا الله باسمه العظيم (٣)، وفي أخرى: (اسم الله الأعظم في كذا (٤)، وفي رواية: «باسمه الأعظم الأكبر (٥)، وفي رواية: أسألك باسمك الأعلى الأعز الأجل الأگرم (٦)، على اختلاف في تعيين الاسم الأعظم ما هو؟ وهي مسألة للناس فيها خلاف معروف في كتب أهل العلم (٧).

стр. 72

ففي هذه الروايات دلالة ظاهرة على تفاضل الأسماء الحسني، لدلالتها على أن في الأسماء الحسنى اسم اعظم يفضلها فهو أعظمها. الدليل الثاني: ومن الأدلة على تفاضل أسمائه سبحانه قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة)) (١)، فخص النبي ﷺ في هذا الحديث الأسماء التسعة والتسعين بهذه الفضيلة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، فاختصت بهذه الفضيلة. وأسماء الله غير محصورة في هذا العدد فله سبحانه أسماء غيرها إذ هذه هي دلالة الحديث التي نقل النووي الاتفاق عليها في قوله: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها" (٢). وقد مثل العلماء لهذا بقول من يملك الف مملوك: إن لي مائة مملوك أعددتهم للجهاد فليس قوله هذا مانع من أن له غيرهم معدون لغير الجهاد، فلا دلالة في الحديث لمن احتج به على حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد وأنه ليس له من الأسماء إلا هذا العدد فقط،

стр. 73

كما فعله ابن حزم (١). الدليل الثالث: ومن الأدلة على تفاوت أسماء الله في الفضل: حديث: (وأسالك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندكأ (٢)، وفي الموطأ عن كعب الأحبار في دعائه: ( … وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم» (٣). ففي هذا دلالة على تفاوتها وعلى اختصاص كل منها بخصيصة. ثم أن كل دليل من كتاب وسنة دل على تفاضل صفات الله التي تدل عليها أسماؤه، هو دليل على تفاضل تلك الأسماء، لتفاضل دلالتها، لأن الاسم يراد لمعناه لا لحروفه. الدليل الرابع: وجوه تفاضل أسماء الله: الناظر في أسماء الله يجد أنها تتفاوت من وجوه عدة يظهر بها تفاضلها، فمن ذلك: أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا پسوغ أن يدعا به مفرداً ومقترناً بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا

стр. 74

غفور، يا رحمن يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعا ونفعاً وضراً وعفوا وانتقاما، وأما أن يثني عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد، الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت، جارية مجرى الأسم الواحد، والله لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه الا مقترنة، فاعلمه، فلو قلت يا مذل يا ضار يا مانع واخبرته عنه بذلك لم تكن مثنياً عليه ولا حامداً له حتي تذكر مقابلها (١)، فهذا وجه من وجوه تناولها يظهر به تفاضلها فليس الإسم الدال على الكمال بمفرده مساوياً للذي لا يدل على الكمال إلا باقترانه بمقابله الدليل الخامس: أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة واحدة كالسميع والبصير، ومنها ما يدل على صفات عديدة لا تختص بصفة معينة كالمجيد والعظيم: فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، وهو موضوع لبلوغ النهاية في كل محمود، ولنبل الشرفي بكرم الفعال، وللكثرة، ولذا قالوا: استمجد المرخ والعفار أي استشرا

стр. 75

من النار حتى تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما (١)، وكذا العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس أرضي الله عنهما: «الصمد، السيد الذي كمل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد (٢)، فهذا وجه من وجوه تفاوت أسماء الله، وهو دال على تفاضلها فليس الاسم المتضمن الصفات عديدة كالدال على صفة واحدة. ومن ذلك: أن من الأسماء ما يتضمن سلب صفة نقص عن الله، وهي الصفة المقابلة للصفة التي يثبتها الاسم، كالبصير مثلا فيها سلب صفة نقص عن الله وهي العمي وتنزه وتقدس. ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض من كل نقص وعيب جملة وتفصيلا فيكون متضمنا للكمال المحض كالقدوس والسلام، وهو وجه قريب من سابقه. ومن ذلك: أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة بعينها، ومنها ما يدل

стр. 76

على تلك الصفة وزيادة، كالعليم يدل على صفة العلم مطلقا، والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة، وكذلك الغني هو الذي استغنى بنفسه عن كل شيء فلا يحتاج إلى شيء، والملك أيضا لا يحتاج إلى شيء ولكنه يحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيد معنى الغني وزيادة (١). ويدل على تفاوت الأسماء الحسنى في الفضل، وجود أسماء منها دالة على صفة واحدة، واشتقاقها واحد، مع الاختلاف في مبانيها، مثل: القدير المقتدر القادر، والغفور الغفار الغافر، والرحمن الرحيم، ونحو ذلك فإن كلا منها معدود اسما مستقلا، وهي متغايرة متفاضلة، دل على تفاضلها صيغ مبانيها، فإن فعال وفعيل وفعلان صيغ مبالغة و (فعال) أبلغ من (فاعل)، ثم (فعلان) أبلغ من (فعيل)، ولذا ذكر ابن جرير أنه لا تمانع بين أهل العلم بلغات العرب أن الرحمن أبلغ من الرحيم (٢)، وهو مذهب أكثر العلماء (٣). فهذه بعض أدلة ووجوه تفاضل أسماء الله فيما بينها، فبعضها أفضل من بعض وهي كلها فاضلة في غاية التمام والكمال ليس فيها نقص، ولذا فإن قولنا بأنها متفاضلة غير قادح في كونها فاضلة كلها متوافرة في الكمال، لأن التفاضل بينها دلالة النصوص كما أرايت ولان التفاضل بين الأشياء الفاضلة الكاملة لا يستلزم نقص المفضول (٤).

стр. 77

المطلب الثاني: الأقوال في تحديد الاسم الأعظم. وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في إثبات اسم الله الأعظم. ذهب جمهور العلماء قديماً وحديثاً إلى إثبات الاسم الأعظم لله تعالى، وذلك لورود النص الصريح بذلك عن النبي ﷺ في غير ما حديث، وهي على النحو التالي: أولًا: حديث عبد الله بن بريدة الأسلمي عن أبيه أنه قال: سمع النبي ﷺ رجلا يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، قال: فقال: (والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). وفي أحد لفظي أبي داود: (لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) (١) وهذا الحديث هو أصح الأحاديث الواردة في إثبات الاسم الأعظم لله ﵎.

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 79

ثانيا: حديث أنس أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل (١) يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ : (لقد دعا باسمه العظيم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى) (٢)

стр. 80

ثالثا: حديث أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: إن النبي ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وفاتحة سورة آل عمران

стр. 81

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) (٢) رابعا: حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن اسم الله الأعظم لفي سور من القرآن ثلاث، البقرة وآل عمران وطه) (٣).

стр. 82

المسألة الثانية: اختلف أهل العلم في " اسم الله الأعظم " من حيث وجوده على أقوال: القول الأول: إنكار وجوده أصلاً. لاعتقادهم بعدم تفضيل اسم من أسماء الله تعالى على آخر، وقد تأول هؤلاء الأحاديث الواردة السابقة فحملوها على وجوه: الوجه الأول: من قال بأن معنى " الأعظم " هو " العظيم " وأنه لا تفاضل بين أسماء الله تعالى. ذهب كل من الإمام أبي جعفر الطبري (١)، وأبي الحسن الأشعري وجماعة بعدهما كأبي حاتم ابن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني (٢) إلى نفي أن يكون لله تعالى اسم أعظم، له مزايا وخصائص تميزه عن غيره من سائر الأسماء.

стр. 83

وقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضهم لمالك لكراهيته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور، لئلا يظن أن بعض القرآن أفضل من بعض (١). • واحتجوا لذلك بما يلي: ١ ـ يلزم من القول بأن لله تعالى اسما أعظم أن ما عداه مفضول والمفضول مظنة النقص والعيب. وليس في أسماء الله تعالى مفضول، بل كلها حسنى. فانتفى تخصيص أحد هذه الأسماء بالأعظمية والأفضلية على غيره. ٢ ـ أن الاسم كلمة مركبة من حروف مخصوصة، اصطلحوا على جعلها معرفة للمسمى، فعلى هذا: الاسم لا يكون له في ذاته شرف ومنقبة، وإنما شرفه ومنقبته بشرف المسمى. وأشرف الموجودات وأكملها هو الله . وكل اسم ذكر العبد ربه به على ما يكون عارفا بعظمة الرب فذلك الاسم هو الاسم الأعظم (٢). ٣ - لو كان الاسم الأعظم موجودًا لدعا به النبي ﷺ في المواقف الصعبة كيوم بدر ويوم الأحزاب وغيرها. ولأجابه الله تعالى في كل ما دعاه ومن ذلك دعاؤه لأمته ﷺ ثلاث دعوات فاستجاب الله تعالى له اثنتين ومنعه الثالثة. كما في حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي ﷺ : (سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) (٣).

стр. 84

فلو كان هناك اسم أعظم لسأل به النبي ﷺ ما منع منه وهو الرحيم بأمته ﵊. ٤ ـ وذهب بعضهم إلى أن ذلك راجع إلى حالة الداعي وليس إلى اسم بعينه. • كما روي عن جعفر الصادق ﵀ أنه قال: (إن كل اسم من أسمائه تعالى يكون في غاية العظمة إلا أن الإنسان إذا ذكر اسم الله عند تعلق قلبه بغير الله لم ينتفع به، وإذا ذكره عند انقطاع طمعه من غير الله كان ذلك الاسم الأعظم) (١). روي ذلك عنه في قصة مفادها أن رجلا سأله عن الاسم الأعظم فأمره أن يغتسل بماء شديد البرودة والزمان شتاء ففعل، فلما أراد أن يخرج منع من الخروج فتضرع إلى المانع حتى انقطع رجاؤه منه، ثم تضرع إلى الله تعالى فخلى سبيله، فجاء إلى جعفر الصادق فقال: الآن علمني اسم الله الأعظم؟ فقال جعفر: يا هذا إنك قد تعلمت الاسم الأعظم، ودعوت الله به، وأجابك. فقال: وكيف ذلك؟ فذكر له الكلام المذكور آنفا. • وروي نحو هذا عن الجنيد في امرأة فقدت ابنها فترددت إليه تسأله أن يدعو لها ليعود ابنها، وهو في كل مرة يقول لها: اذهبي واصطبري. فقالت مرة: عيل صبري، وما بقيت لي طاقة فادع لي.

стр. 85

فقال لها الجنيد: (إن كان كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك) فمضت، ثم عادت تشكر الله فقيل للجنيد: بم عرفت ذلك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل آية ٦٢] (١). • وروي عن أبي يزيد البسطامي أن رجلا قال له: أخبرني عن اسم الله الأعظم؟ فقال: (اسم الله الأعظم ليس له حد محدود، ولكن فرِّغ قلبك لوجه الله لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكر أي اسم شئت (٢). • قال الفخر الرازي بعد ذكر هذه الآثار: (واعلم أنه ظهر من هذا الكلام أن العبد كلما كان انقطاع قلبه عن الخلق أتم، كان الاسم الذي به يذكر الله أعظم) (٣). وحملوا ما ورد في ذلك من الآثار على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله كلها عظيمة وعبارة أبي جعفر الطبري: (اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة، إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه) (٤). الوجه الثاني: أن المراد بالأحاديث السابقة بيان مزيد ثواب من دعا بذلك الاسم. • قال الحافظ ابن حجر: (فكأنه يقول كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى عظيم كما تقدم) (٥).

стр. 86

• وقال ابن حبان: (الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب القاري (١). الوجه الثالث: أن المراد بالاسم الأعظم حالة يكون عليها الداعي، وهي تشمل كل من دعا الله تعالى بأي اسم من أسمائه، إن كان على تلك الحال. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقيل: المراد بالاسم الأعظم: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقاً بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتَّى له ذلك: اأستجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما (٢). القول الثاني: قول من قال بأن الله تعالى قد استأثر بعلم تحديد اسمه الأعظم، وأنه لم يُطلع عليه أحداً من خلقه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم ولم يطلع عليه أحداً من خلقه (٣). القول الثالث: ذهب بعضهم إلى أن الله تعالى يختص بمعرفته من يشاء من الأنبياء والأولياء، دون غيرهم من سائر الناس. قال الغزالي: الاسم الأعظم لا يعرفه الجماهير (٤)، أوقال:

стр. 87

الاسم الأعظم يختص بمعرفته نبي أو ولي (١). القول الرابع: قول من أثبت وجود اسم الله الأعظم وعيَّنه. ذهب جمهور العلماء إلى القول بتعيين الاسم الأعظم استنباطا من الأدلة الواردة في ذلك، لكنهم اختلفوا في هذا التعيين إلى أقوال كثيرة جدا، ذكر الحافظ ابن حجر منها أربعة عشر قولا (٢)، وقد ذكرها السيوطي وأفردها بمصنف (٣) وأوصلها إلى عشرين قولا، وقال الشوكاني: إنها على نحو أربعين قولاً، ولكنه لم يسرد الأقوال واكتفى بذكرها عدداً (٤). وذكر الروحاني أنها تنيف عن ستين قولا (٥) وقد اختلف هؤلاء المعينون في الاسم الأأعظم على أربعة عشر قولاً! وقد ساقها الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه (٦) فقال: الأول: الاسم الأعظم (هو) نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، ؤرء واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لم يقل له أنت قلت كذا: وإنما يقول: هو يقول: تأدبا معه. الثاني: (الله)؛ لأنه اسم لم يطلق على غيره؛ ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه.

стр. 88

الثالث: (الله الرحمن الرحيم)، ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه، عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ أن يعلمها الاسم الأعظم فلم يفعل فصلت ودعت «اللهم إني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك الرحيم وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم» الحديث، وفيه أنه ﷺ قال: «لها إنه لفي الأسماء التي دعوت بها» قلت: وسنده ضعيف وفي الاستدلال به نظر لا يخفى. الرابع: (الرحمن الرحيم الحي القيوم) لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد، أن النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]»، أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، وحسنه الترمذي، وفي نسخة صحيحة وفيه نظر؛ لأنه من رواية شهر بن حوشب. الخامس: (الحي القيوم) أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة، «الاسم الأعظم في ثلاث سور البقرة وآل عمران وطه» قال القاسم: الراوي عن أبي أمامة التمسته منها فعرفت أنه الحي القيوم، وقواه الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما. السادس: (الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم)، ورد ذلك مجموعًا في حديث أنس عند أحمد والحاكم وأصله عند أبي داود والنسائي، وصححه ابن حبان. السابع: (بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام) أخرجه، أبو يعلى من طريق السري بن يحيى عن رجل من طي،

стр. 89

وأثنى عليه قال: "كنت أسأل الله أن يريني الاسم الأعظم فأريته مكتوبًا في الكواكب في السماء". الثامن: (ذو الجلال والإكرام)، أخرج الترمذي من حديث معاذ بن جبل قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: «يا ذا الجلال والإكرام فقال: قد استجيب لك فسل»، واحتج له الفخر بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية، لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام إشارة إلى جميع الإضافات. التاسع: (الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم من حديث بريدة، وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك. العاشر: (رب رب) أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء، وابن عباس: بلفظ "اسم الله الأكبر رب رب"، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة: "إذا قال العبد يا رب يا رب قال الله تعالى: لبيك عبدي سل تعط" رواه مرفوعًا، وموقوفًا. الحادي عشر: (دعوة ذي النون) أخرج النسائي، والحاكم، عن فضالة بن عبيد رفعه: «دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له». الثاني عشر: (هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم) نقل الفخر الرازي عن زين العابدين: "أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فرأى في النوم هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم".

стр. 90

الثالث عشر: (هو مخفي في الأسماء الحسنى)، ويؤيده حديث عائشة المتقدم لما دعت ببعض الأسماء، وبالأسماء الحسنى فقال لها ﷺ : «إنه لفي الأسماء التي دعوت بها». الرابع عشر: (كلمة التوحيد)، نقله عياض (١). سرد الإمام السيوطي أقوال العلماء في اسم الله الأعظم نحو عشرين قولًا في رسالته (الدر المنظم في الاسم الأعظم)، وهي ضمن كتاب الحاوي في الفتاوى للسيوطي (٢): ذكر هذه الأقوال وزاد عليها أقوال أخرى، وهي: الخامس عشر: (اللهم) حكاه الزركشي في شرح جمع الجوامع، واستدل لذلك بأن الله دال على الذات، والميم دالة على الصفات التسعة والتسعين ذكره ابن مظفر، ولهذا قال الحسن البصري: "اللهم مجمع الدعاء"، وقال النضر بن شميل: من قال: "اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه". السادس عشر: (الم) أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: "الم هو اسم الله الأعظم"، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "الم اسم من أسماء الله الأعظم"، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "الم قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى" السابع عشر: قال بأعض الصوفية وغيرهم: اسم الله الأعظم هو (بسم الله الرحمن الرحيم) كلها (٣).

стр. 91

وزاد صاحب كتاب فتح الله بخصائص اسم الله في ذكر بقية الأقوال، ومما ذكره: الثامن عشر: قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] (١). التاسع عشر: أنه في ست آيات في آخر سورة الحشر. العشرون: أنه الدعاء المبارك المنقول عن بعض الأولياء (٢). الحادي والعشرون: (القيوم)، ذهب إليه جمع من العلماء (٣). الثاني والعشرون: قيل: اسم الله الأعظم في البقرة آيتان، وفي آل عمران واحدة، وفي الأنعام ثلاث، وفي الأعراف آيتان، وفي الأنفال آيتان، وفي الرعد آية، وفي مريم آية، وفي طه أربع آيات، وفي المؤمنون آية، وفي الفيل آية، وفي الروم آية، وفي السجدة آية، وفي يس آيتان، وفي غافر ثلاث، وفي الجاثية آية، وفي أالرحمن آيتان، وفي الحشر ثلاث، وفي الملك آية، وفي الإخلاص آيتان. (٤) الثالث والعشرون: حكي عن شريح ﵀ أنه ذهب لرجل يعلمه اسم الله الأعظم، فقال: هو كل ما في القرآن من: • ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. • ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ١ - ٣] الآية.

стр. 92

• ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]. • ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. • ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] الآية. • ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). الرابع والعشرون: أنه (ن) قيل: إنه الاسم الأعظم أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: هو اسم الله الأعظم (٢). الخامس والعشرون: أنه (الرحمن) قاله الألوسي في روح المعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: آية ١١٠] (٣). السادس والعشرون: هو دعاء وقيل: إن كل اسم منها هو اسم الله الأعظم، وهو: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا أحد يا صمد يا ذا الجلال والإكرام يا وهاب يا خير الوارثين يا غفار يا قريب يا سميع يا عليم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين يا أرحم الراحمين يا سميع الدعاء يا ربنا ياربنا أسألك باسمك الله

стр. 93

الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم الم كهيعص طسم طس حم عسق، حسبنا الله ونعم الوكيل أسألك الله بها وبالآيات كلها وبالأسماء كلها وبالاسم الأعظم منها يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أن تصلي وتسلم على سيدنا محمد ﷺ وصحبه (١). السابع والعشرون: ترك المعاصي، روي ذلك عن علي ﵁. الثامن والعشرون: (الأحد الصمد). التاسع والعشرون: (ربنا). الثلاثون: (أرحم الراحمين). الحادي والثلاثون: (الوهاب) لدعاء سليمان ﵇. الثاني والثلاثون: (حسبنا الله ونعم الوكيل). الثالث والثلاثون: (الغفار). الرابع والثلاثون: (خير الوارثين). الخامس والثلاثون: (السميع العليم). السادس والثلاثون: (سميع الدعاء). السابع والثلاثون: أن يقرأ ست آيات من سورة الحديد، وآأخر سورة الحشر، فإذا فرغت من قراءتها قلت يا من هو كذلك افعل لي كذا (٢) الثامن والثلاثون: (القريب).

стр. 94

التاسع والثلاثون: (العلي، العظيم، الحليم، العليم) أي: مجموع الأربعة. الأربعون: (السميع البصير). الحادي والأربعون: (الودود). الثاني والأربعون: (سلام قولًا من رب الرحيم). الثالث والأربعون: أنه في سورة الحج في قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله) [الحج: ٥٨]. الرابع والأربعون: (المانع). الخامس والأربعون: (العلي العظيم). السادس والأربعون: (العليم). السابع والأربعون: أوائل السور أي الأحرف النورانية، وهي أربعة عشر حرفًا. الثامن والأربعون: (اللطيف)، وصرح به بعض العلماء، وأن في هذا الاسم أسررًا لطيفة، وله ثمرات عالية تحصل لمن داوم على ورده (١). التاسع والأربعون: أنه الإنسان نفسه هو الاسم الأعظم فمن عرف نفسه فقد عرف ربه. الخمسون: أنه كمال المائة وليسي في الأسماء التسعة والتسعين، وهو اختيار عبد العزيز الدباغ المصري (٢).

стр. 95

الحادي والخمسون: (المميت). الثاني والخمسون: (يا ظاهر). الثالث والخمسون: (الله الحميد القهار). الرابع والخمسون: حديث ابن عباس (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية وهي: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) إلى آخر الآية. [آل عمران: ٢٦]، وهو حديث عند الطبراني في الكبير، لكنه ضعيف (١). الخامس والخمسون: (الحق) صرح به بعض العلماء (٢). السادس والخمسون: (السريع). السابع والخمسون: (يا الله) (٣). الثامن والخمسون: كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقاً بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتَّى له ذلك: استجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد، وعن غيرهما (٤). التاسع والخمسون: أن الله تعالى قد استأثر بعلم تحديد اسمه الأعظم، وأنه لم يُطلع عليه أحداً من خلقه. الستون: إنكار وجوده أصلاً! لاعتقادهم بعدم تفضيل اسم من أسماء الله تعالى على آخر (٥).

стр. 96

• قال الشيخ الألباني ﵀: واعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين اسم الله الأعظم على أربعة عشر قولاً، ساقها الحافظ في الفتح، وذكر لكل قول دليله، وأكثرها أدلتها من الأحاديث، وبعضها مجرد رأي لا يلتفت إليه، مثل القول الثاني عشر؛ فإن دليله: أن فلاناً سأل الله أن يعلِّمه الاسم الأعظم، فرأى في النوم؛ هو الله، الله، الله، الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم!!. وتلك الأحاديث منها الصحيح، ولكنه ليس صريح الدلالة، ومنها الموقوف كهذا، ومنها الصريح الدلالة؛ وهو قسمان: قسم صحيح صريح، وهو حديث بريدة: «الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد … » إلخ، وقال الحافظ: "وهو أرجح من حيث السند من جميع أما ورد في ذلك "، وهو كما قال ﵀، وأقره الشوكاني في تحفة الذاكرين (١)، وهو مخرج في صحيح أبي داود (١٣٤١). والقسم الآخر: صريح غير صحيح، بعضه مما صرح الحافظ بضعفه؛ كحديث القول الثالث: عن عائشة في ابن ماجه (٣٨٥٩)، وهو في ضعيف ابن ماجه رقم (٨٤١)، وبعضه مما سكت عنه فلم يحسن! كحديث القول الثامن من حديث معاذ بن جبل في الترمذي، وهو مخرج في الضعيفة برقم (٤٥٢٠). وهناك أحاديث أخرى صريحة لم يتعرض الحافظ لذكرها، ولكنها واهية، وهي مخرجة هناك برقم (٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٥) (٢).

стр. 97

الترجيح: والذي يترجح من الأقوال السابق ذكرها قول من أثبت لله الاسم الأعظم لورود النصوص بذلك عن النبي ﷺ على ضعف في بعض طرقها وهي بمجموعها تقوم بها الحجة في إثبات أن لله تعالى اسما أعظم وهو اسم مخصوص من بين سائر أسمائه الحسنى ﵎ والقول بأن من أسماء الله ما هو فاضل لا يعني أن غيرها مفضول بل يعني أن كل أسماء الله فاضلة ولكن بعضها يفضل بعضا. ويمكن أن يجاب على أدلة النفاة بما يلي: ١ ـ أما دعوى أنه يلزم من تفضيل بعض الأسماء على بعض أن يكون هناك فاضل ومفضول والمفضول مظنة النقص والعيب. فهذا اللازم ليس بلازم وإنما يكون هناك فاضل وأفضل وحسن وأحسن وعظيم وأعظم. ٢ ـ أما قولهم بأن الاسم كلمة مركبة من حروف مخصوصة … الخ فيقال إن شرف الاسم ليس راجعا إلى الحروف المركبة المخصوصة؛ وإنما إلى المعاني التي تحملها هذه الحروف الدالة على شرف المسمى . فكلما كان الاسم يحمل معان أكثر دلالة على شرف المسمى كان هذا الاسم أعظم وأشرف. ٣ ـ أما أن يكون المراد النظر إلى حال الداعي ومدى التجائه إلى الله فلا شك أنه كلما كان العبد أكثر التجاء إلى الله تعالى وأعظم تعلقا وأخلص في الدعاء كلما كان أقرب إلى القبول، وأحرى أن يستجيب الله تعالى له ولكن هذا لا ينافي أن يكون بعض الأسماء أعظم من بعض. ٤ ـ أما تفسير الأعظمية بأنها مزيد ثواب الداعي … الخ

стр. 98

فهذا من باب التفسير بالازم، بل إن زيادة ثواب الداعي بذلك الاسم تدل على تميز هذا الاسم وأعظميته والله أعلم. ٥ ـ وأما حمل الروايات الواردة بلفظ الأعظم على معنى عظيم فهذا مردود لأن أسماء الله كلها عظيمة وعليه فلا معنى لهذه الأحاديث لولم يكن لهذا الاسم ميزة يختص بها ثم إن حمل أعظم بمعنى عظيم وأكبر بمعنى كبير وأهون بمعنى هين باطل عند حذاق النحاة كما قال السهيلي. (١) ٦ ـ أما كون النبي ﷺ لم يؤثر عنه أنه دعا بهذا الاسم في تلك المواطن، فلا يعني عدم وجود هذا الاسم، وقد يكون عند النبي ﷺ من الأسباب والحكم المخفية عنا ما منعه من دعاء الله بهذا الاسم والله تعالى أعلم (٢).

стр. 99

المطلب الثالث: القائلين بأن الاسم الأعظم لفظ الجلالة (الله) وأدلتهم. • القائلون بأن لفظ الجلالة هو اسم الله الأعظم: والذي يهمنا هو قول من قال إن لفظ الجلالة هو الاسم الأعظم، وهذا مروي عن ابن عباس (١) ﵄ والشعبي (٢) وجابر (٣) بن زيد وابن المبارك (٤) وأبي حنيفة (٥) والطحاوي (٦)، وابن العربي (٧)، وعبد القادر الجيلاني (٨)، والطرطوشي وقال: (وبهذا المذهب قال معظم العلماء) (٩) وإليه أشار الخطابي (١٠)، والقرطبي (١١). وقال السفاريني

стр. 100

(عند أكثر أهل العلم) (١)، ورجحه المباركفوري (٢)، والأشقر (٣)، وهو مفهوم كلام الحمود (٤)، ورجحه الشيخ عبد الله الغصن (٥). واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ ـ أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم المذكور في كل الأحاديث الواردة (٦). قال أبو جعفر: (فهذه الآثار قد رويت عن رسول الله ﷺ متفقة في اسم الله الأعظم أنه الله جل وعز (٧). وقد جاء لفظ الجلالة الله في بعضها ولفظ اللهم في بعضها الآخر. ولا خلاف أن لفظة اللهم معناها يا الله ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب (٨). فلما حذفوا الياء من أول الحرف زادوا الميم في آخره ليرجع المعنى الذي في يا الله (٩). ٢ ـ لأن هذا الاسم هو المأثور عن السلف ﵃ كابن عباس وجابر بن زيد والشعبي وابن مبارك وعليه جمهور العلماء بعدهم. ٣ ـ لما لهذا الاسم من الخصائص والمزايا المعنوية واللفظية ما لا يوجد في غيره (١٠). مناقشة أدلة القائلين بأن الاسم الأعظم لفظ الجلالة (الله): ١ ـ أما الاستدلال بأن لفظ الجلالة هو الاسم المشترك بين جميع الأحاديث الواردة سواء كان وروده بلفظ الجلالة (الله) أو بلفظ

стр. 101

اللهم ففيه نظر. وذلك أن هذا اللفظ لم يرد في جميع النصوص التي ذكر النبي ﷺ أن الاسم الأعظم فيها ومن ذلك حديث أسماء بنت يزيد (١)، فلفظ الجلالة لم يرد في الآية التالية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة آية ١٦٣]. وإله ليس مرادفا للفظ الجلالة (الله) وإن كان هو أصل اشتقاقه، ولذا فليس لهذا الاسم من الخصائص ما للفظ الجلالة (الله)، فـ (إله) تطلق على غير الله تعالى كقوله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون آية: ٩١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص آية: ٨٨]، وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه آية: ٩٧]. ٢ ـ وأما الاستدلال بأنه المأثور عن السلف رضوان الله عليهم فلم يؤثر عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عباس ﵄ فيما ذكر، وقد أثر عنه غيره مثل الحي القيوم (٢) ورب رب (٣) وغير ذلك.

стр. 102

٣ ـ وأما الاستدلال بالخصائص والمزايا التي تميز بها لفظ الجلالة، فلا شك أن هذه المزايا والخصائص صحيحة، وتدل على شرف هذا الاسم، لكن لا يلزم من ذلك أنها تدل على أنه الاسم الأعظم المعني في الأحاديث الواردة. ٤ ـ ثم لو كان الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة لكان هذا واقعا من كل داعٍ، لأن غالب الداعين لا يخلو دعاؤهم من قول اللهم كما هو معلوم. وعليه فلا معنى لهذا التشويق للدعاء بالاسم الأعظم ما دام واقعا مَدْعُواً به عند أكثر الداعين. ٥ ـ وأيضا لو كان الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة لما كان لتخصيصه ببعض السور معنى، كما في حديث أبي أمامة (١)، ولا معنى أيضا لتخصيصه ببعض الآيات كما في حديث أسماء، لأنه قل أن توجد آية أو سورة في القرآن إلا وقد ورد فيها لفظ الجلالة.

стр. 103

المطلب الرابع: الراجح في المسألة. رجح جمع من أهل العلم أن الأقرب من تلك الأقوال هو " الله "؛ فهو الاسم الجامع لله تعالى الذي يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غير الله تعالى، وعلى هذا أكثر أهل العلم. ١ - قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: "اسم " الله " دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث". (١) ٢ - وقال ابن أمير حاج الحنفي - رحمه الله تعالى: عن محمد بن الحسن قال: سمعتُ أبا حنيفة ﵀ يقول: اسم الله الأعظم هو " الله "، وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء (٢). ٣ - وقال أبو البقاء الفتوحي الحنبلي - رحمه الله تعالى: في قرن الحمد بالجلالة الكريمة - دون سائر أسمائه تعالى- فائدتان: الأولى: أن اسم " الله " علم للذات، ومختص به، فيعم جميع أسمائه الحسنى. الثانية: أنه اسم الله الأعظم عند أكثر أهل العلم الذي هو

стр. 104

متصف بجميع المحامد (١). ٤ - وقال الشربيني الشافعي ﵀: وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن العزيز في ألفين وثلثمائة وستين موضعاً (٢). ٥ - وقال الشيخ عمر الأشقر ﵀: والذي يظهر من المقارنة بين النصوص التي ورد فيها اسم الله الأعظم أنّه: (الله)، فهذا الاسم هو الاسم الوحيد الذي يوجد في جميع النصوص التي قال الرسول ﷺ إنّ اسم الله الأعظم ورد فيها. ومما يُرجِّح أن (الله) هو الاسم الأعظم أنه تكرر في القرآن الكريم (٢٦٩٧) سبعاً وتسعين وستمائة وألفين - حسب إحصاء المعجم المفهرس - وورد بلفظ (اللهم) خمس مرات، في حين أنّ اسماً آخر مما يختص بالله تعالى وهو (الرحمن) لم يرد ذكره إلا سبعاً وخمسين مرة، ويرجحه أيضاً: ما تضمنه هذا الاسم من المعاني العظيمة الكثيرة (٣). ويأتي في الدرجة الثانية من القوة في كونه اسم الله الأعظم (الحي القيوم)، وهو قول طائفة من العلماء، ومنهم النووي، ورجحه الشيخ العثيمين ﵀ (٤). وقال ابن تيمية ﵀ في كلامه عن اسم (الحي): فالحي نفسه

стр. 105

مستلزم لجميع الصفات وهو أصلها ولهذا كان أعظم آية في القرآن: أ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: الآية ٢٥٥] وهو الاسم الأعظم (١). وقد اختار هذا القول الإمام ابن القيم ﵀: وفي تأثير قوله: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) في دفع هذا الداء مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم، ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة القيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال. ونظير هذا توسل النبي ﷺ إلى ربه بربوبيته لجبريل، وميكائيل، وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة. فجبريل: موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب. وميكائيل: بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان. وإسرافيل: بالنفخ في الصور، الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها. فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة

стр. 106

بالحياة له تأثير في حصول المطلوب (١). وأما الشيخ رشيد فله رأي يجمع بين هذين الرأيين فإنه يرى أن اسم الله الأعظم هو (الله الحي القيوم) يقول الشيخ رشيد: وبجمع هذين الاسمين الكريمين هذه المعاني وغيرها من معاني الكمال الأعلى كان القول بأنهما مع اسم الجلالة ما يعبر عنه بالاسم الأعظم هو القول الراجح المختار عندنا (٢). والذي يظهر أن الجزم بتحديد الاسم الأعظم وتعيينه على وجه قطعي من الأمور المتعذرة، لأن العلم به من الأمور الموقوفة على الوحي السماوي لا مجال للاجتهاد فيه، وما ورد عن النبي ﷺ في هذا الموضوع مما يمكن الاحتجاج به ليس صريحا في تعيينه وما روي عمن تقدم من العلماء في تحديده إنما هو اجتهاد منهم في فهم هذه النصوص الواردة. وعليه فإن تحديد هذا الاسم على وجه القطع غير متيسر وقد أخفاه الله عنا بعد أن بين لنا الرسول ﷺ أهم خصائصه وبعض مواطن وجوده وأماكن تحريه لنجتهد في الثناء على الله تعالى بأسمائه والتوسل إليه بأكبر قدر ممكن من أسمائه الحسنى خاصة ذات الشرف والفضل لعلنا نظفر بدعوة لله تعالى بهذا الاسم فتتحقق الإجابة. ونظير ما نحن فيه أن الشارع الحكيم قد أخفى على وجه التحديد بعض الساعات والليالي التي تجاب فيها الدعوة بعد أن أوضح خصائصها ومواطن تحريها كليلة القدر وذلك والله أعلم لحفز الهمم على الاجتهاد في العبادة والدعاء في هذه الأوقات الفاضلة، فلا يبعد أن يكون إخفاء الاسم الأعظم من هذا القبيل. ومما يدل على خفاء الاسم الأعظم قلة الآثار الواردة عن السلف

стр. 107

رضوان الله عليهم في هذا الموضوع سوى ما ذكر عن ابن عباس وابن مسعود ﵄. وكذلك من تكلم فيه من أهل العلم بعدهم قليل جدا ولو كان معروفا لاشتهر وانتشر والله أعلم. ولا ننسى أن الله قد وعد بالإجابة لمن دعاه على وجه الإطلاق قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. [غافر آية ٦٠]، وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة آية ١٨٦]. وهذا دليل قطعي لا مجال للخلاف فيه ووعد مؤكد والله تعالى لا يخلف الميعاد. والإجابة متحققة بإذن الله تعالى عند توفر شروطها وانتفاء موانعها. وأخيرا ينبغي أن يعلم أيضا أن تحديد الاسم الأعظم عند من قال به لا يعني أنه حد من رحمة الله وفضله بل إن تخصيص الاسم الأعظم من باب زيادة الخير للعباد والاستجابة لهم مع أن الأدعية الأخرى التي ليس فيها الاسم الأعظم قد يستجيب الله لها إذ توفرت الشروط وانتفت الموانع. ولا يلزم كذلك أن تجاب كل دعوة دعا بها أحد بالاسم الأعظم لأن لإجابة الدعوة شروطا يجب أن تتوفر من أهمها الإخلاص وأكل الحلال وموانع لابد أن تزول كأكل الحرام ولبس الحرام فمن توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فهو ممن يُرجى قبول دعائه (١).

стр. 108

المبحث الثالث: الذكر بلفظ الجلالة مفرداً. وفيه تمهيد ومطلبان التمهيد: في فضل ذكر الله والمشروع فيه. المطلب الأول: من قال بالذكر المفرد وشبهتهم. المطلب الثاني: الرد عليهم.

стр. 109

التمهيد: في فضل ذكر الله والمشروع فيه. قد دل الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة على جنس المشروع المستحب في ذكر الله ودعائه كسائر العبادات. وبين النبي ﷺ مراتب الأذكار كقوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن سمرة بن جندب ﵁: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت)) (١). وفي صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكلام أفضل؟ قال: ((ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده)) (٢)، وفي كتاب الذكر لابن أبي الدنيا وغيره مرفوعا إلى النبي ﷺ : ((أفضل الذكر: لاإله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله)) (٣).

стр. 110

وفي الموطأ وغيره حديث طلحة بن عبد الله بن كريز عن النبي ﷺ : ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) (١). وفي السنن حديث الذي قال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني في صلاتي فقال: قل: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) (٢). ولهذا قال الفقهاء: إن من عجز عن القراءة في الصلاة انتقل إلى هذه الكلمات الباقيات الصالحات. وإنما الغرض من الذكر والدعاء ما ليس بمشروع الجنس أو هو منهي عنه أو عن صفته كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فلا يدعى إلى بأسمائه الحسنى. ومن المنهي عنه: ما كانوا يقولونه في الجاهلية في تلبيتهم:
следующие страницы →