← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

معنى الآيتين: يعظ الرحمن اليهود فيناديهم١ بأشرف ألقابهم ويأمرهم نعمه تعالى عليهم وهي كثيرة، ويأمرهم أن يذكروا تفضيله تعالى لهم على عالمي زمانهم، والمراد من ذكر النعم شكرها، فهو تعالى في الحقيقة يأمرهم بشكر نعمه، وذلك بالإيمان به وبرسوله والدخول في دينه الحق (الإسلام) . كما يأمرهم باتقاء عذاب يوم القيامة حيث لا تغني نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها فداء ولا تنفعها شفاعة، وهذه هي نفس الكافر المشرك، حيث لا شفاعة تنال الكافر أو المشرك، ولا يوجد لهم ناصر ينصرهم فيدفع عنهم العذاب، إذ اتقاء عذاب يوم القيامة يكون بالإيمان بالله ورسوله والعمل الصالح، بعد التخلي عن الكفر والمعاصي. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- وجوب ذكر نعم الله على العبد ليجد بذلك دافعاً نفسياً لشكوها، إذ غاية الذكر هي الشكر. ٢- وجوب اتقاء عذاب يوم القيامة بالإيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والعصيان. ٣- استحالة الفداء يوم القيامة، وتعذر وجود شافع يشفع لمن مات على الشرك لا بإخراجه من النار، ولا بتخفيف العذاب عنه. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ٢ رَبُّهُ٣ بِكَلِمَات٤ٍ

стр. 107

فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) ﴾ شرح الكلمات: ابتلى: اختبره بتكليفه بأمور شاقة عليه. بكلمات: متضمنة أوامر ونواهي. أتمهن: قام بهن وأداهن على أكمل الوجوه وأتمها. إماماً: قدوة صالحة يقتدى به في الخير والكمال. الظالمين: الكافرين والمشركين والفاسقين المعتدين على الناس. معنى الآية الكريمة: بعد ذلك الحجاج الطويل الذي عاشه رسول الله مع طائفتي أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذا المشركين في الآيات السابقة لهذه الآية، أمر تعالى رسوله أن يذكر ابتلاءه تعالى لنبيه وخليله إبراهيم ﵇ بما كلفه من أوامر ونواهي، فقام بها خير قيام فأنعم عليه بأكبر إنعام، وهو أنه جعله إماماً للناس، ومن أبرز تلك التكاليف وقوفه في وجه الوثنيين، وتحطيم أوثانهم، والهجرة من ديارهم والهم بذبح ولده إسماعيل قرباناً لله، وبناء البيت، وحجة الدعوة إليه مما استحق به الإمامة للناس كافة، وفي هذا تبكيت للفرق الثلاثة: العرب المشركين، واليهود، والنصارى. إذ كلهم يدعي انتماءه لإبراهيم والعيش على ملته فها هو ذا إبراهيم موحد وهم مشركون، عادل وهم ظالمون، مُتبع للوحي الإلهي وهم به كافرون ولصاحبه مكذبون، وفي الآية بيان رغبة إبراهيم في أن تكون الإمامة في ذريته وهي رغبة صالحة فجعلها الله تعالى في ذريته١ ٢ كما رغب واستثنى تعالى الظالمين فإنهم لا يستحقونها فهي لا تكون إلا في أهل الخير والعدل والرحمة لا تكون في الجبابرة القساة ولا الظالمين العتاة.

стр. 108

هداية الآية: من هداية الآية: ١- الإمامة لا تنال إلا بصحة اليقين١ والصبر على سلوك سبيل المهتدين. ٢- مشروعية ولاية العهد، بشرط أن لا يعهد إلا إلى من كان على غاية من الإيمان والعلم والعمل والعدل والصبر. ٣- القيام بالتكاليف الشرعية قولاً وعملاً٢ يؤهل لأن يكون صاحبه قدوة صالحة للناس. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً٣ لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) ﴾ شرح الكلمات: البيت: الكعبة التي هي البيت الحرام بمكة المكرمة. مثابة: مرجعاً يثوب إليه العمار والحجاج. أمناً: مكاناً آمناً يأمن فيه كل من دخله مقام إبراهيم: الحجر الذي كان قد قام عليه إبراهيم أيام كان يبني البيت وذلك أنه لما ارتفع البناء احتاج إبراهيم إلى حجر عال يرقى عليه ليواصل بناء الجدران، فجيء بهذا الحجر فقام عليه فسمي مقام إبراهيم.

стр. 109

مصلى: مكاناً يصلى فيه أو عنده أو إليه. عهدنا: وصينا وأمرنا. تطهير البيت: تنزيه عن الأقذار الحسية؛ كالدماء والأبوال. ومعنوية؛ كالشرك والبدع والمفاسد. اضطره: ألجأه مكرهاً إلى العذاب. معنى الآيتين: ما زال السياق في تذكير المشركين وأهل الكتاب معاً بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم ﵇، ومآثره الطيبة الحميدة، ومواقفه الإيمانية العظيمة ليتجلى بذلك بطلان دعوى كل من أهل الكتاب والمشركين في انتسابهم إلى إبراهيم كذباً وزوراً، إذ هو موحد وهم مشركون، وهو مؤمن وهم كافرون، فقال تعالى لنبيه ﷺ : اذكر لهم كيف جعلنا البيت مثابة للناس١ يثوبون إليه في كل زمان حجاجاً وعماراً، وأمناً دائماً من دخله، أمن على نفسه وماله وعرض. وقلنا لمن حجوا البيت أو اعتمروا اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فكان من سنة من طاف بالبيت أن يصلي خلف المقام ركعتين، كما أوصينا٢ من قبل إبراهيم وولده إسماعيل بتطهير البيت من كل رجز معنوياً؛ كالأصنام وعبادة غير الله تعالى، أو حسياً؛ كالأقذار والأوساخ من دم أو بول حتى يتمكن الطائفون والعاكفون٣ والمصلون من آداء هذه العبادات بلا أي أذى يلحقهم أو يضايقهم. هذه ما تضمنته الآية الأولى (١٢٥) ، أما الآية الثانية (١٢٦) فقد تضمنت أمر الله تعالى لرسوله أن يذكر دعوة إبراهيم ربه بأن يجعل بلداً آمنا٤ من دخله يأمن فيه٥ على نفسه وماله وعرضه، وأن يرزق أهله وسكانه المؤمنين من الثمرات وأن الله قد استجاب لإبراهيم دعوته إلا إن الكافرين لا يحرمون الرزق في الدنيا ولكن يحرمون الجنة في الدار الآخرة حيث

стр. 110

يلجئهم تعالى مضطراً لهم إلى عذاب النار الغليظ وبئس هذا المصير الذي يصيرون إليه –وهو النار- من مصير. هداية الآيات: من هداية الآيتين: ١- منة الله تعالى بجعل البيت مثابة للناس وأمناً توجب حمد الله على كل مؤمن. ٢- سنة صلاة ركعتين خلف المقام لمن١ طاف البيت. ٣- وجوب حماية البيت والمسجد الحرام من أي ضرر يلحق من يوجد فيه من طائف وعاكف وقائم وراكع وساجد. ٤- بركة دعوة إبراهيم لأهل مكة، واستجابة الله تعالى له دعوته فلله الحمد والمنة. ٥- الكافر لا يحرم الرزق لكفره٢ بل له الحق في الحياة إلا أن يحارب فيقتل أو يسلم. ٦- مصير من مات كافراً إلى النار، لا محالة، والموت في الحرم لا يغني عن الكافر شيئاً. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ٣ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ٤ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ٥ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

стр. 111

وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) ﴾ شرح الكلمات: وإذ: ظرف لما مضى من الزمان ويعلق بمحذوف تقديره: أذكر وقت كذا وكذا. القواعد: جمع قاعدة ما يبنى عليه الجدار من أساس ونحوه. البيت: الكعبة حماها الله وطهرها. إنك أنت السميع العليم: هذه الجملة وسيلة توسل بها إبراهيم وولده لقبول دعائهم. مسلمين: منقادين لك خاضعين لأمرك ونهيك، راضين بحكمك، عابدين لك. أرنا مناسكنا: علمنا كيف نحج بيتك، تمسكاً وتعبداً لك. تب علينا: وفقنا للتوبة إذا زللنا وأقبلها منا. وابعث فيهم رسولاً: هذا الدعاء استجابه الله تعالى، ومحمد ﷺ هو ما طلباه. الكتاب: القرآن. الحكمة: السنة وأسرار الشرع والإصابة في الأمور كلها. يزكيهم: يطهر أرواحهم ويكمل عقولهم، ويهذب أخلاقهم بما يعلمهم من الكتاب والحكمة، وما بينه لهم من ضروب الطاعات. العزيز الحكيم: العزيز الغالب الذي لا يغلب. الحكيم في صنعه وتدبيره بوضع كل شيء في موضعه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر مآثر إبراهيم ﵇ المنبئة عن مكانته السامية في كمال الإيمان والطاعة، وعظيم الرغبة في الخير والرحمة، فقد تضمنت الآيات الثلاث ذكر إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان البيت برفع قواعده وهما يدعوان الله تعالى بأن يتقبل١ منهما عملهما متوسلين إليه بأسمائه وصفاته: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .

стр. 112

كما يسألانه أن يجعلها مسلمين له، وأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة١ له مؤمنة به موحدة له ومنقادة لأمره ونهيه مطيعة، وأن يعلمهما مناسك٢ حج بيته العتيق ليحجاه على علم، ويتوب عليهما، كما سألاه أن يبعث في ذريتهم رسولاً منهم يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم الإيمان وصالح الأعمال، وجميل الخلال وطيب الخصال. وقد استجاب الله تعالى دعاؤهما فبعث في ذريتهما من أولاد إسماعيل إمام المسلمين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد ﷺ ، وقد قرر هذا ﷺ بقوله: "أنا دعوة٣ أبي إبراهيم وبشارة عيسى ... " عليهم جميعاً السلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- فضل الإسهام بالنفس في بناء المساجد٤. ٢- المؤمن البصير في دينه يفعل الخير وهو خائف ألا يقبل منه فيسأل الله تعالى ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته أن يتقبله منه. ٣- مشروعية سؤال الله للنفس وللذرية الثبات على الإسلام حتى الموت عليه. ٤- وجوب تعلم مناسك الحج والعمرة على من أراد أن يحج أو يعتمر. ٥- وجوب طلب تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح، وتهذيب الأخلاق بالعلم والحكمة. ٦- مشروعية التوسل إلى الله تعالى في قبول الدعاء، وذلك بأسمائه تعالى وصفاته لا بحق فلان وجاه فلان، كما هو شأن المبتدعة والضلال. ففي هذه الآيات الثلاث توسل إبراهيم وإسماعيل بالجمل التالية: ١- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

стр. 113

٢- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . ٣- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ١ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ٢ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى٣ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ٤ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) ﴾ شرح الكلمات: ومن يرغب عن ملة إبراهيم: الرغبة عن الشيء عدم حبه وترك طلبه، وملة إبراهيم هي عبادة الله وحده بما شرع لعباده.

стр. 114

إلا من سفه١ نفسه: لا يرغب عن ملة إبراهيم التي هي دين الإسلام إلا عبد جهل قدر نفسه فأزلها وأهانها بترك سبيل عزها وكمالها وإسعادها، وهي: الإسلام. اصطفيناه: اخترناه لرسالتنا والبلاغ عنا، ومن ثم رفعنا شأنه وأعلينا مقامه. أسلم: أنقد لأمرنا ونهينا، فاعبدنا وحدنا ولا تلتفت إلى غيرنا. اصطفى لكم الدين: اختار لكم الدين الإسلامي ورضيه لكم، فلا تموتن٢ إلا وأنتم مسلمون. يعقوب: هو إسرائيل ابن إسحق بن إبراهيم، وبنوه هم: يوسف وأخوته. أمة خلت: جماعة أمرها واحد. خلت: مضت إلى الدار الآخرة. لها ما كسبت: أجر ما كسبته من الخير. ولكم ما كسبتم: من خير٣ أو غيره. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة مواقف إبراهيم السليمة الصحيحة عقيدة وإخلاصاً وعملاً صالحاً وصدقاً ووفاءاً فوضح بذلك ما كان عليه إبراهيم من الدين الصحيح، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ تلك الملة الحنيفية الواضحة السهلة. اللهم لا أحد يرغب عنها إلا عبد جهل قدر نفسه، ولم يعرف لها حقها في الطهارة والصفاء والإكمال والإسعاد، وضمن هذا الخبر ذكر تعالى إنعامه على إبراهيم وما تفضل به عليه من الاصطفاء في الدنيا والإسعاد في الآخرة في جملة الصالحين. وفي الآية الثانية (١٣١) يذكر تعالى إن ذاك إلا اصطفاء تم لإبراهيم عند استجابته لأمر ربه بالإسلام، حيث أسلم ولم يتردد. وفي الآية الثالثة (١٣٢) يذكر تعالى إقامة الحجة على

стр. 115

المشركين وأهل الكتاب معاً، إذ ملة الإسلام القائمة على التوحيد وصى بها إبراهيم بنيه، كما وصى بها يعقوب بنيه وقال لهم: لا تموتن إلا على الإسلام، فأين الوثنية العربية واليهودية والنصرانية من ملة إبراهيم، إلا فليثب العقلاء إلى رشدهم. وفي الآية الرابعة (١٣٣) يوبخ تعالى اليهود القائلين كذباً وزوراً للنبي ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب وصى بنيه باليهودية، فقال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ أي: كنتم حاضرين لما حضر يعقوب الموت فقال لبنيه مستفهماً إياهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ ؟ فأجابوه بلسان واحد: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ١ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً٢ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . فإن قالوا كنا حاضرين فقد كذبوا وبهتوا ولعنوا، وإن قالوا لم نحضر بطلت دعواهم أن يعقوب وصى بنيه باليهودية، وثبت أنه وصاهم بالإسلام لا باليهودية. وفي الآية الأخيرة (١٣٤) ينهى تعالى جدل اليهود الفارغ فيقول لهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ –يعني إبراهيم وأولاده- لها ما كسبت من الإيمان وصالح الأعمال، ولكم أنتم معشر يهود ما اكتسبتم من الكفر والمعاصي وسوف لا تسألون يوم القيامة عن أعمال غيركم وإنما تسألون عن أعمالكم وتجزون بها، فاتركوا الجدل وأقبلوا على ما ينفعكم في أخرتكم وهو الإيمان الصحيح والعمل الصالح، ولا يتم لكم هذا إلا بالإسلام، فاسلموا. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- لا يرغب عن الإسلام بتركه أو طلب غيره من الأديان إلا سفيه لا يعرف قدر نفسه. ٢- الإسلام دين البشرية٣ جمعاء، وما عداه فهي أديان مبتدعة باطلة. ٣- استحباب الوصية للمريض يوصي فيها بنيه وسائر أفراد أسرته بالإسلام حتى الموت عليه. ٤- كذب اليهود وبهتانهم وصدق من قال: اليهود قوم بهت.

стр. 116

٥- يحسن بالمرء ترك الاعتزاز بشرف وصلاح١ الماضين٢، والإقبال على نفسه بتزكيتها وتطهيرها. ٦- سنة الله في الخلق أن المرء يجزى بعمله، ولا يسأل عن عمل غيره. ٧- يطلق لفظ الأب على العم تغليباً وتعظيماً. ﴿وَقَالُوا٣ كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا٤ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ٥ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴾ شرح الكلمات: تهتدوا: تصيبوا طريق الحق.

стр. 117

ملة إبراهيم: دين إبراهيم الذي كان عليه. حنيفاً١: مستقيماً على دين الله موحداً فيه لا يشرك بالله شيئاً. ما أوتي موسى: التوراة. وما أوتي عيسى: الإنجيل. في شقاق: خلاف وفراق وعداء لك وحرب عليك. صبغة الله: دينه الذي طهرنا به ظاهراً وباطناً فظهرت آثاره علينا كما يظهر أثر الصبغ على الثوب المصبوغ. معنى الآيات: ما زال السياق في حجاج أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام فقد قال اليهود للرسول ﷺ وأصحابه. كونوا يهوداً تهتدوا إلى الحق، وقالت النصارى من وفد نجران، كذلك كونوا نصارى تهتدوا. فحكى الله تعالى قولهم، وعلم رسوله أن يقول لهم لا تتبع يهودية ولا نصرانية بل تتبع دين إبراهيم الحنيف المفضي بصاحبه إلى السعادة والكمال. وفي الآية الثانية (١٣٦) أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين أن يعلنوا في وضوح عن عقيدتهم الحقة، وهي الإيمان بالله وما أنزل من القرآن، وما أنزل على الأنبياء كافة، وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل خاصة، مع عدم التفرقة بين رسول ورسول والإسلام الظاهر والباطن لله رب العالمين. وفي الآية الثالثة (١٣٧) يقول تعالى لرسوله والمؤمنين إن آمن اليهود والنصارى إيماناً صحيحاً كإيمانكم٢ فقد اهتدوا، وإن أبوا فتولوا وأعرضوا فأمرهم لا يعدو شقاقاً وحرباً لله ورسوله، والله تعالى سيكفيكهم بما شاء وهو السميع لأقوالهم الباطلة العليم بأعمالهم الفاسدة، وقد أنجز٣ تعالى وعده لرسوله فأخرج اليهود من المدينة بل ومن الحجاز مع ما

стр. 118

جللهم به من الخزي والعار. وفي الآية الرابعة (١٣٨ يقول تعالى لرسوله رداً على اليهود والنصارى قولوا لهم: نتبع١ صبغة الله بها وفطرته عليها وهي الإسلام، ونحن له تعالى عابدون. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- لا هداية إلا في الإسلام ولا سعادة ولا كمال إلا بالإسلام. ٢- الكفر برسول، كفر بكل الرسل فقد كفر اليهود بعيسى، وكفر النصاري بمحمد ﷺ فأصبحوا بذلك كافرين، وآمن المسلمون بكل الرسل فأصبحوا بذلك مؤمنين. ٣- لا يزال اليهود والنصارى في عداء للإسلام وحرب على المسلمين، والمسلمون يكفيهم الله تعالى شرهم إذا هم استقاموا على الإسلام عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباً وحكماً. ٤- الواجب على من دخل الإسلام أن يغتسل غسلاً كغسل الجنابة إذ هذا من صبغة٢ الله تعالى، لا المعمودية النصرانية التي هي غمس المولود يوم السابع من ولادته في ماء يقال له المعمودي وإدعاء أنه طهر بذلك ولا يحتاج إلى الختان. ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ

стр. 119

وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ١ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً٢ عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون (١٤١) ﴾ شرح الكلمات: أتحاجوننا٣ في الله: أتجادلوننا في دينه والإيمان به وبرسوله، والاستفهام للإنكار. له مخلصون٤: مخلصون العبادة له، لا نشرك غيره فيها، وأنتم مشركون. شهادة عنده من الله: المراد بهذه الشهادة ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان بالنبي محمد ﷺ عند ظهوره. الغافل: من لا يتفطن للأمور لعدم مبالاته بها. معنى الآيات: يأمر تعالى رسوله أن ينكر على أهل الكتاب جدالهم في الله تعالى إذ ادعوا أنهم أولى بالله من الرسول والمؤمنين، وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، فعلّم الله رسوله كيف يرد عليهم منكراً عليهم دعواهم الباطلة. كما أفحمهم وقطع حجتهم في دعواهم أن إبراهيم والأنبياء بعده كانوا هوداً أو نصارى٥، إذ قال له: قل لهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ؟﴾ فإن قالوا نحن أعلم، كفروا، وإن قالوا الله أعلم انقطعوا؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم ما كانوا أبداً يهوداً ولا نصارى، ولكن كانوا مسلمين، ثم هددهم تعالى بجريمتهم الكبرى وهي كتمانهم الحق وجحودهم

стр. 120

نعوت الرسول والأمر بالإيمان به عند ظهوره فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . ثم أعاد لهم ما أدبهم به في الآيات السابقة مبالغة في تأديبهم وإصلاحهم لو كانوا أهلاً لذلك، فأعلمهم أن التمسح بأعتاب الماضين والتشبث بالنسب الفارغة إلى الأولين غير مجد لهم ولا نافع، فليقبلوا على إنقاذ أنفسهم من الجهل والكفر بالإيمان والإسلام والإحسان، أما من مضوا فهم أمة قد أفضوا إلى ما كسبوا وسيجزون به، وأنتم لكم ما كسبتم وستجزون به، ولا تجزون بعمل غيركم ولا تسألون عنه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- فضيلة الإخلاص وهو عدم الالتفات إلى غير الله تعالى عند القيام بالعبادات. ٢- كل امرئ يجزى بعمله، وغير مسئول عن عمل غيره، إلا إذا كان سبباً فيه. ٣- اليهودية والنصرانية١ بدعة ابتدعها اليهود والنصارى. ٤- تفاوت الظلم بحسب الآثار المترتبة عليه. ٥- حرمة٢ كتمان الشهادة لا سيما شهادة من الله تعالى. ٦- عدم الاتكال على حسب الآباء والأجداد ووجوب الإقبال على النفس لتزكيتها وتطهيرها بالإيمان الصحيح والعمل الصالح.

стр. 121

الجزء الثاني ﴿سَيَقُولُ١ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ٢ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ٣ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) ﴾ شرح الكلمات: السفهاء: جمع سفيه، وهو من به ضعف عقلي لتقليده وإعراضه عن النظر نجم عنه فساد خُلق وسوء سلوك. ما ولاهم: ما صرفهم عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة بمكة. القبلة: الجهة التي يستقبلها المرء وتكون قبالته في صلاته. أمة وسطاً: وسط كل شيء خياره، والمراد منه أن أمة محمد ﷺ خير الأمم وأعدلها. ينقلب على عقبيه: يرجع إلى الكفر بعد الإيمان. لكبيرة: شاقة على النفس صعبة لا تطاق إلا بجهاد كبير، وهي التحويلة من قبلة مألوفة إلى قبلة حديثة.

стр. 122

إيمانكم: صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل التحول إلى الكعبة. رؤوف رحيم: يدفع الضرر عنكم ويفيض الإحسان عليكم. معنى الآيتين: يخبر الله تعالى بأمر يعلمه قبل وقوعه، وحكمة الإخبار به قبل وقوعه تخفيف أثره على نفوس المؤمنين، إذ يفقد نقدهم المرير عنصر المفاجأة فيه فلا تضطرب له نفوس المؤمنين. فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ﴾ ؟ وحصل هذا لما حول الله تعالى رسوله والمؤمنين من استقبال بيت المقدس١ في الصلاة إلى الكعبة تحقيقاً لرغبة رسول الله ﷺ في ذلك ولعلة الاختبار٢ التي تضمنتها الآية التالية فأخبر تعالى بما سيقوله السفهاء من اليهود والمنافقين والمشركين وعلَّم المؤمنين كيف يردون على السفهاء، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فلا اعتراض عليه يوجه عباده حيث يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وفي الآية الثانية (١٤٣) يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ خياراً عدولاً٣ أي: كما هديناكم إلى أفضل قبلة وهي الكعبة قبلة إبراهيم ﵇ جعلناكم خير أمة وأعدلها فأهلناكم بذلك للشهادة على الأمم يوم القيامة إذا أنكروا أن رسلهم قد بلغتهم رسالات ربهم، وأنتم لذلك لا تشهد عليكم الأمم ولكن يشهد عليكم رسولكم، وفي هذا من التكريم والإنعام ما الله به٤ عليم. ثم ذكر تعالى العلة في تحويل القبلة فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُول﴾ فثبت على إيمانه وطاعته وانقياده لله ولرسوله ممن يؤثر فيه نقد السفهاء فتضطرب نفسه ويجازي السفهاء فيهلك بالردة معهم. ثم أخبر تعالى أن هذه التحويلة من بيت المقدس إلى الكعبة شاقة على النفس إلا على الذين هداهم الله

стр. 123

إلى معرفته ومعرفة محابه ومكارهه فهم لذلك لا يجدون أي صعوبة في الانتقال من طاعة إلى طاعة ومن قبلة إلى قبلة، ما دام ربهم قد أحب ذلك وأمر به. وأخيراً طمأنهم تعالى على أجور صلاتهم التي صلوها إلى بيت١ المقدس وهي صلاة قرابة سبعة عشر شهراً لا يُضيعها لهم بل يجزيهم بها كاملة سواء من مات منهم وهو يصلي إلى بيت المقدس أو من حي حتى صلى إلى الكعبة، وهذا مظهر من مظاهر رأفته تعالى بعباده ورحمته. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- جواز النسخ في الإسلام فهذا نسخ إلى بدل من الصلاة إلى بيت المقدس إلى الصلاة إلى الكعبة في مكة المكرمة. ٢- الأراجيف وافتعال الأزمات وتهويل الأمور شأن الكفار إزاء المسلمين طوال الحياة، فعلى المؤمنين أن يثبتوا ولا يتزعزوا حتى يظهر الباطل وينكشف والزيف وتنتهي الفتنة. ٣- أفضلية أمة الإسلام على سائر الأمم لكونها أمة الوسط والوسطية شعارها. ٤- جواز امتحان المؤمن وجريانه عليه. ٥- صحة صلاة من صلى إلى غير القبلة وهو لا يعلم ذلك وله أجرها وليس عليه إعادتها ولو صلى شهوراً إلى غير القبلة ما دام قد اجتهد في معرفة القبلة ثم صلى إلى حيث أداه اجتهاده. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ٢ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ٣ شَطْرَ الْمَسْجِدِ

стр. 124

الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ١ شَطْرَهُ٢ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ٣ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) ﴾ شرح الكلمات: تقلب وجهك في السماء: تردده بالنظر إليها مرة بعد أخرى انتظاراً لنزول الوحي. فلنولينك قبلة ترضاها: فلنحولنك إلى القبلة التي تحبها وهي الكعبة. فول وجهك شطر المسجد: حول وجهك جهة المسجد الحرام بمكة. الحرام: بمعنى: المحرم لا يسفك فيه دم ولا يقتل فيه أحد. الشطر: هنا الجهة واستقبال الجهة يحصل به استقبال بعض البيت في المسجد الحرام، لأن الشطر لغة: النصف أو الجزء مطلقاً. أنه الحق من ربهم: أي تحول القبلة جاء منصوصاً عليه في الكتب السابقة.

стр. 125

آية: حجة وبرهان. يعرفونه: الضمير عائد إلى رسول الله ﷺ ، أي: يعلمون أنه نبي الله ورسوله لما في كتبهم من صفاته الواضحة القطعية. من الممترين: الشاكين والامتراء: الشك وعدم التصديق. معنى الآيات: يعلم الله تعالى رسوله أنه كان يراه وهو يقلب وجهه في السماء انتظاراً لوحي يؤمر فيه باستقبال الكعبة بدل بيت المقدس لرغبته في مخالفة اليهود لقبلة أبيه إبراهيم، إذ هي أول قبلة وأفضلها فبناء على ذلك ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ١الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، وبهذا المر الإلهي تحولت القبلة، وروي أنه كان يصلي الظهر في مسجد بني سلمة المعروف الآن بمسجد القبلتين فصلى الرسول والمؤمنون وراءه ركعتين إلى بيت المقدس، وركعتين إلى الكعبة، وكيلا تكون القبلة خاصة بمن كان بالمدينة، قال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: في نواحي البلاد وأقطار الأرض ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي شطر المسجد الحرام، كما أخبر تعالى في هذه الآية أن علماء أهل الكتاب يعرفون أن تحول القبلة حق وأنه بأمر الله تعالى وما أحدثوه من التشويش والتشويه إزاء تحول القبلة، فقد علمه وسيجزيهم به إذ لم يكن تعالى بغاف عما يعملونه. وفي الآية الثانية (١٤٥) يخبر تعالى بحقيقة ثابتة وهي أن النبي ﷺ لو أتى٢ اليهود والنصارى بكل آية تدل على صدقه أو حقيقة القبلة إلى الكعبة ما كانوا ليتابعوه على ذلك وصلوا إلى قبلته، كما إن النصارى لم يكونوا ليصلوا إلى بيت المقدس قبلة اليهود، ولا اليهود ليصلوا إلى مطلع الشمس قبلة النصارى، كما أن النبي ﷺ والمؤمنين لم يكونوا أبداً ليتابعوا أهل الكتاب على قبلتهم بعد أن هداهم الله إلى أفضل قبلة وأحبها إليهم. وأخيراً يحذر الله رسوله أن يتبع أهواء اليهود فيوافقهم على بدعهم وضلالاتهم بعد الذي أعطاه من العلم وهداه إليه من الحق، وحاشاه ﷺ أن يفعل، ولو فعل لكان من الظالمين.

стр. 126

وفي الآية الثالثة (١٤٦) يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون أن الرسول حق وأن ما حاء به هو الحق معرفة تامة كمعرفتهم لأبنائهم، ولكن فريقاً كبيراً يكتمون الحق وهم يعلمون إنه الحق، وفي الآية الرابعة (١٤٧) يخبر تعالى رسوله بأن ما هو عليه من الدين الحق هو الحق الوارد إليه من ربه فلا ينبغي أن يكون من الشاكين١ بحال من الأحوال. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب استقبال القبلة في الصلاة وفي أي مكان كان المصلي عليه أن يتجه٢ إلى جهة مكة. ٢- كفر كثير من أهل الكتاب كان على علم إيثاراً للدنيا على الآخرة. ٣- حرمة موافقة المسلمين أهل الكتاب على بدعة من بدعهم الدينية مهما كانت. ٤- علماء أهل الكتاب المعاصرون للنبي ﷺ يعرفون أنه النبي المبشر به وأنه النبي الخاتم وأعرضوا عن الإيمان به وعن متابعته إيثاراً للدنيا على الآخرة. ﴿وَلِكُلٍّ٣ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ٤ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا

стр. 127

اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ١ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا٢ فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي٣ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) ﴾ شرح الكلمات: ولكلٍ وجهة هو موليها: التنوين في (كل) دال على محذوف، هو لكل أهل ملة؛ كالإسلام، واليهودية، والنصرانية قبلة يولون وجوههم لها في صلاتهم. الخيرات: البر والطاعة لله ورسوله. الحجة: الدليل القوي الذي يظهر صاحبه على من يخاصمه. نعمتي: نعم الله كثيرة وأعظمها نعمة الإسلام وإتمامها بمواصلة التشريع والعمل به إلى نهاية الكمال، وكان ذلك في حجة الوداع بعرفات حيث نزلت آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ .

стр. 128

رسولاً: هو محمد ﷺ والتنكير فيه للتعظيم. يزكيكم: يطهركم من الذنوب والأخلاق السيئة والملكات الرديئة. الحكمة: السنة وهي كل قول صالح لا ينتهي صلاحه ونفعه بمرور الزمن. الشكر: إظهار النعمة١ بصرفها فيما من أجله وهبها الله تعالى لعباده. والكفر: جحد النعمة وإخفائها وصرفها في غير ما يحبه الله تعالى. معنى الآيات: بعد تقرير تلك الحقيقة التي تضمنتها آية: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ... إلخ. وهي أن النبي ﷺ لو أتى أهل الكتاب بكل آية تدل على صدقه في أمر القبلة ما اتبعوا قبلته، وما هو بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، فلا اليهود يستقبلون مطلع الشمس، ولا النصارى يستقبلون بيت المقدس. أخبر تعالى أن لكل أمة قبلة مولية وجهها إليها في صلاتها، فاتركوا أيها المسلمون أهل تلك الملل الضالة وسابقوا في الخيرات ونافسوا في الصالحات شكراً لربكم على نعمة هدايته لكم لقبلة أبيكم إبراهيم فإنه تعالى جامعكم ليوم القيامة وسائلكم ومجازيكم بأعمالكم إنه على كل شيء قدير، هذا ثم أمر الله رسوله أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام حيثما كان في الحضر كان أو في السفر وأعلمه أن تحوله إلى الكعبة حق ثابت من ربه تعالى فلا يتردد فيه. هذا ما تضمنته الآيتان (١٤٨-١٤٩) وأما الآية (١٥٠) فإنه تعالى أمر رسوله والمؤمنين بأن يولوا وجههم شطر المسجد٢ الحرام حيثما كانوا وأينما وجدوا ويثبتوا على ذلك حتى لا يكون لأعدائهم من اليهود والمشركين حجة، إذ يقول اليهود: ينكرون ديننا ويستقبلون قبلتنا، ويقول المشركون: يدعون إنهم على ملة إبراهيم ويخالفون قبلته. هذا بالنسبة للمعتدلين منهم، أما الظالمون والمكابرون فإنه لا سبيل إلى إقناعهم إذ قالوا بالفعل: ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين آبائه ويوشك أن يرجع إليه، فمثل هؤلاء ولا يبالي بهم ولا يلتفت إليهم كما قال تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ٣ وَاخْشَوْنِي﴾ . فاثبتوا على قبلتكم الحق

стр. 129

لأتم نعمتي عليم بهدايتكم إلى أحسن الشرائع وأقومها، ولأهيئكم لكل خير وكمال مثل ما أنعمت عليكم بإرسال رسولي، يزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه من أمور الدين والدنيا معاً، وفي الآية الأخيرة (١٥٢) أمر تعالى المؤمنين بذكره وشكره، ونهاهم عن نسيانه وكفره، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ١ لما في ذكره بأسمائه وصفاته ووعده ووعيده من موجبات محبته ورضاه ولما في شكره بإقامة الصلاة وأداء سائر العبادات من مقتضيات رحمته وفضله، ولما في نسيانه وكفرانه من التعرض لغضبه وشديد عقابه وأليم عذابه. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الإعراض عن جدل المعاندين، والإقبال على الطاعات تنافساً فيها وتسابقاً إليها إذ هو أنفع وأجدى من الجدل والخصومات مع من لا يرجى رجوعه إلى الحق. ٢- وجوب استقبال القبلة في الصلاة وسواء كان في السفر أو في الحضر إلا أن المسافر يجوز أن يصلي النافلة حيث توجهت دابته أو طيارته أو سيارته إلى القبلة وإلى غيرها. ٣- حرمة خشية الناس٢ ووجوب خشية الله تعالى. ٤- وجوب شكر الله تعالى على نعمه الظاهرة والباطنة. ٥- وجوب٣ تعلم العلم الضروري ليتمكن العبد من عبادة الله عبادة تزكي نفسه. ٦- وجوب٤ ذكر الله بالتهليل والتكبير والتسبيح ووجوب شكره بطاعته. ٧- حرمة نسيان ذكر الله، وكفران نعمه بترك شكرها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) ﴾

стр. 130

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ١ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ٢ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) ﴾ شرح الكلمات: الاستعانة: طلب المعونة والقدرة على القول أو العمل. الصبر: حمل النفس على المكروه وتوطينها على احتمال المكاره. الشعور: الإحساس بالشيء المفضي إلى العلم به. الابتلاء: الاختبار والامتحان لإظهار ما عليه الممتحن من قوة أو ضعف. الأموال: جمع مال وقد يكون ناطقاً وهو المواشي، ويكون صامتاً وهو النقدان وغيرها. المصيبة: ما يصيب العبد من ضرر في نفسه أو أهله أو ماله. الصلوات: جمع صلاة وهي من الله تعالى هنا المغفرة لعطف الرحمة عليها. ورحمة: الرحمة: الإنعام وهو جلب ما يسر، ودفع ما يضر، وأعظم ذلك دخول الجنة بعد النجاة من النار. المهتدون: إلى طريق السعادة والكمال بإيمانهم وابتلاء الله تعالى لهم وصبرهم على ذلك. معنى الآيات: نادى الرب تعالى عباده المؤمنين وهم أهل ملة الإسلام المسلمون ليرشدهم إلى

стр. 131

ما يكون عوناً لهم على الثبات على قبلتهم التي اختارها لهم، وعلى ذكر ربهم وشكره وعدم نسيانه وكفره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ أي على ما طلب منكم من الثبات والذكر والشكر، وترك النسيان والكفر بالصبر الذي هو توطين النفس وحملها على أمر الله تعالى به وبإقام الصلاة، وأعلمهم أنه مع الصابرين يمدهم بالعون والقوة، فإذا صبروا نالهم عون الله تعالى وتقويته وهذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٣) . أما الآية الثانية (١٥٤) فقد تضمنت نهيه تعالى لهم أن يقولوا معتقدين أن من قتل في سبيل الله إذ هو حي في البرزخ وليس بميت، بل هو حي يرزق في الجنة كما قال ﷺ : "أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش". (رواه مسلم) . فلذا لا يقال لمن قتل في سبيل الله: مات١ ولكن استشهد وهو شهيد وحي عند ربه حياة لا نحسها ولا نشعر بها بمفارقتها للحياة في هذه الدار. وأما الآية الثالثة (١٥٥) فإنه يقسم٢ تعالى لعباده المؤمنين على أنه يبتليهم بشيء من الخوف٣ بواسطة أعداءه وأعدائهم وهم الكفار عندما يشنون الحروب عليهم وبالجوع لحصار العدو ولغيره من الأسباب، وبنقص الأموال الماشية للحرب والقحط، وبالأنفس؛ كموت الرجال، وبفساد الثمار بالجوائح، كل ذلك لإظهار من يصبر على إيمانه وطاعة ربه بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومن لا يصبر فيحرم ولاية الله وأجره، ثم أمره رسوله بأن يبشر الصابرين، وبين في الآية الرابعة (١٥٦) حال الصابرين وهي أنهم إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله، فله أن يصيبنا بما شاء لأن ملكه وعبيده، وإن إليه راجعون بالموت، فلا جزع إذاً ولكن تسليم لحكمه٤ ورضاً بقضاءه وقدره، وفي الآية الخامسة (١٥٧) أخبر تعالى مبشراً أولئك الصابرين بمغفرة ذنوبهم وبرحمة من ربهم، وإنهم المهتدون إلى سعادتهم وكمالهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .

стр. 132

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- فضيلة الصبر والأمر به والاستعانة بالصبر والصلاة على المصائب والتكاليف في الحديث كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ٢- فضل الشهداء على غيرهم بحياتهم عند ربهم حياة أكمل من حياة غيرهم في الجنة. ٣- قد يبتلى المؤمن بالمصائب في النفس والأهل والمال فيصبر فترتفع درجته ويعلو مقامه عند ربه. ٤- فضيلة الاسترجاع عند المصيبة وهو قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وفي الصحيح يقول ﷺ : "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها" (رواه مسلم) . ﴿إِنَّ الصَّفَا١ وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) ﴾ شرح الكلمات: الصفا والمروة٢: جبل مقابل البيت في الجهة الشرقية الجنوبية، والمروة: جبل آخر مقابل الصفا من الجهة الشمالية والمسافة بينهما قرابة (٧٦٠) ذراعاً. شعائر الله: أعلام دينية جمع شعيرة، وهي العلامة على عبادة الله تعالى، فالسعي بين الصفا والمروة شعيرة لأنه دال على طاعة الله تعالى. الحج٣: زيارة بيت الله تعالى لأداء عبادات معينة تسمى نسكاً.

стр. 133

العمرة: زيارة بيت الله تعالى للطواف به والسعي بين الصفا والمروة والتحلل بحلق شعر الرأس أو تقصيره. الجناح: الإثم وما يترتب على المخالفة بترك الواجب أو بفعل المنهي عنه. يطوف: يسعى بينهما ذاهباً جائياً. خيراً: الخير: اسم لكل ما يجلب المسرة، ويدفع المضرة، والمراد به هنا العمل الصالح. معنى الآية الكريمة: يخبر الله تعالى مقرراً فريضة١ السعي بين الصفا والمروة، ودافعاً ما توهمه بعض المؤمنين من وجود إثم في السعي بينهما نظراً إلى أنه كان في الجاهلية على الصفا صنم يقال له: إساف، وآخر على المروة يقال له: نائلة، يتمسح بهما من يسعى بين الصفا والمروة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ يعني السعي بينهما من شعائر الله: أي عبادة من عبادته إذ تعبد بالسعي بينهما نبينه إبراهيم وولده إسماعيل والمسلمون من ذريتهما. فمن حج البيت لأداء فريضة الحج أو اعتمر لأداء واجب العمرة فليسعى بينهما أداءً لركن الحج والعمرة ولا إثم عليه في كون المشركين كانوا يسعون بينهما لأجل الصنمين: إساف ونائلة. ثم أخبر تعالى واعداً عباده المؤمنين أن من يتطوع منهم بفعل خير من الخيرات يجزه به ويثبه عليه، لأنه تعالى يشكر لعباده المؤمنين أعمالهم الصالحة ويثيبهم عليها لعلمه بتلك الأعمال ونيات أصحابها، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ . هداية الآية الكريمة: من هداية هذه الآية: ١- وجوب السعي بين الصفا٢ والمروة لكل من طاف بالبيت حاجاً أو معتمراً، وقد قال رسول الله ﷺ : "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" ٣. (رواه الدارقطني، ولم يعل) وسعى

стр. 134

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عمرته كلها وفي حجه كذلك. ٢- لا حرج في الصلاة في كنيسة حولت مسجداً، ولا يضر كونها كانت معبداً للكفار. ٣- الترغيب في فعل الخيرات من غير الواجبات، وذلك من سائر النوافل؛ كالطواف والصلاة والصيام والصدقات والرباط والجهاد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (١٥٩) إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا١ وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) ﴾ شرح الكلمات: يكتمون٢: يخفون ويغطون حتى لا يظهر الشيء المكتوم ولا يعرف فيؤخذ به. البينات: جمع بينة وهي ما يثبت به شيء المراد إثباته، والمراد به هنا ما يثبت نبوة محمد ﷺ من نعوت وصفات جاءت في كتاب أهل الكتاب. الهدى: ما يدل على المطلب الصحيح ويساعد على الوصول إليه والمراد به هنا ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الصحيح المفضي بالأخذ به إلى الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 135

في الكتاب: التوراة والإنجيل. اللعنة: الطرد والبعد من كل خير ورحمة. اللاعنون: من يصدر عنهم اللعن؛ كالملائكة والمؤمنين. أصلحوا: ما أفسدوه من عقائد الناس وأمور دينهم بإظهار ما كتموه والإيمان بما كذبوا به وأنكروه. ولا هم ينظرون: أي بأن يمهلوا ليعتذروا، كقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ . معنى الآيات: عاد الساق بعد الإجابة عن تحرج بعض المسلمين من السعي بين الصفا والمروة عاد إلى التنديد بجرائم علماء أهل الكتاب، ودعوتهم إلى التوبة بإظهار الحق والإيمان به فأخبره تعالى أن الذين يكتمون ما أنزله١ من البينات والهدى في التوراة والإنجيل من صفات الرسول محمد ﷺ والأمر بالإيمان به وبما جاء به من الدين، هؤلاء البعداء يلعنهم الله تعالى وتلعنهم الملائكة والمؤمنون٢. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٩) وفي الآية الثانية (١٦٠) استثنى تعالى من المبعدين من رحمته من تاب من أولئك الكاتمين للحق بعد ما عرفوه فينوا وأصلحوا فهؤلاء يتوب عليهم ويرحمهم وهو التواب الرحيم. وفي الآية الثالثة (١٦١) والرابعة (١٦٢) أخبر تعالى أن الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم بنبيه ودينه ولم يتوبوا فماتوا على كفرهم أن عليهم٣ لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ولذا فهم مطردون مبعدون من الرحمة الإلهية وهي الجنة خالدون في جهنم لا يخفف عنهم عذابها، ولا يمهلون فيعتذرون.

стр. 136

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة كتمان العلم وفي الحديث الصحيح: "من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار". وقال أبو هريرة ﵁ في ظروف معينة: "لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم حديثاً" وتلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلخ ... ٢- يشترط لتوبة من أفسد في ظلمه وجهله إصلاح ما أفسد ببيان ما حرف أو بدل وغيره، وإظهار ما كتم، وأداء ما أخذه بغير الحق. ٣- من كفر ومات على كفره من سائر الناس يلقى في جهنم بعد موته خالداً في العذاب مخلداً لا يخفف عنه ولا ينظر فيعتذر، ولا يفتر عنه العذاب فيستريح. ٤- جواز لعن١ المجاهرين بالمعاصي؛ كشراب الخمر، والمرابين٢، والمتشبهين من الرجال بالنساء ومن النساء بالرجال. ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) ﴾ شرح الكلمات: الإله: المعبود بحق٣ أو باطل، والله هو الإله الحق المعبود بحق.

стр. 137

وإلهكم إله واحد: في ذاته وصفاته، وفي ربوبيته فلا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون والحياة إلا هو وفي ألوهيته أي في عبادته فلا معبود بحق سواه. اختلاف الليل والنهار: بوجود أحدهما وغياب الثاني لمنافع العباد بحيث لا يكون النهار دائماً ولا الليل دائماً. وبث فيها من كل دابة: وفرق في الأرض ونشر فيها من سائر أنواع الدواب. تصريف الرياح: باختلاف مهابها مرة صبا، ومرة دبور، ومرة شمالية، ومرة غربية، أو مرة ملقحة، ومرة عقيم. معنى الآيتين: لما أوجب الله على العلماء بيان العلم والهدى وحرم كتمانهما أخبر أنه الإله الواحد الرحمن الرحيم، وأن هذا أول ما على العلماء أن يبينوه للناس وهو توحيده تعالى في ربوبيته وعبادته، وأسمائه وصفاته، ولما سمع بعض المشركين تقرير هذه الحقيقة: وإلهكك إله واحد، قالوا: هل من دليل –يريدون على أنه لا إله إلا الله١- فانزل الله تعالى هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ مشتملة على ست آيات كونية كل آية برهان ساطع ودليل قاطع على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته، وهي كلها موجبة لعبادته وحده دون من سواه. الأولى: خلق السموات٢ الأرض وهو خلق عظيم لا يتأتى إلا للقادر الذي لا يعجزه شيء. الثانية: اختلاف الليل والنهار بتعاقبهما وطول هذا وقصر ذاك. الثالثة: جريان٣ الفلك –السفن- في البحر على ضخامتها وكبرها وهي تحمل مئات الأطنان من الأرزاق وما ينتفع به الناس في حياتهم. الرابعة: إنزاله تعالى المطر من السماء لحياة الأرض بالنباتات والزروع بعد جدبها وموتها.

стр. 138

الخامسة: تصريف الرياح١ حارة وباردة ملقحة وغير ملقحة، شرقية وغربية وشمالية وجنوبية بحسب حاجة الناس وما تطلبه حياتهم. السادسة: السحاب٢ المسخر بين السماء والأرض تكوينه وسوقه من بلد إلى آخر ليمطر هنا ولا يمطر هناك حسب إرادة العزيز الحكيم. ففي هذه الآيات الست أكبر برهان وأقوى دليل على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته، وهو لذلك رب العالمين وإله الأولين والآخرين ولا رب غيره، ولا إله سواه. إلا أن الذي يجد هذه الأدلة ويراها ماثلة في الآيات المذكورة هو العاقل، أما من لا عقل له؛ لأنه عطل عقله فلم يستعمله في التفكير والفهم والإدراك، واستعمل بدل العقل الهوى فإنه أعمى لا يبصر شيئاَ وأصم لا يسمع شيئاً، وأحمق لا يعقل شيئاً، والعياذ بالله تعالى. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- لا إله إلا الله فلا تصح العبادة لغير الله تعالى، لأنه لا إله حق٣ إلا هو. ٢- الآيات الكونية في السموات والأرض تثبت وجود الله تعالى رباً وإلهاً موصوفاً بكل كمال منزهاً عن كل نقصان. ٣- الآيات التنزيلية القرآنية٤ تثبت وجود الله رباً وإليهاً وتثبت النبوة المحمدية وتقرر رسالته ﷺ . ٤- الانتفاع بالآيات مطلقاً –آيات الكتاب أو آيات الكون- خاص بمن يستعملون عقولهم دون أوهوائهم. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ

стр. 139

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ﴾ شرح الكلمات: أنداداً: جمع ند، وهو المثل والنظير، والمراد بالأنداد هنا: الشركاء يعبدونها بحبها والتقرب إليها بأنواع العبادات؛ كالدعاء والنذر لها والحلف بها. التبرؤ: التنصل من الشيء والتباعد عنه لكرهه. الذين اتبعوا: المعبودون والرؤساء المضلون. الذين اتبعوا: المشركون والمقلدون لرؤسائهم في الضلال. الأسباب: جمع سبب وهي لغة الحبل ثم استعمل في كل ما يربط بين شيئين وفي كل ما يتوصل به إلى مقصد وغرض خاص. كرة: رجعة وعودة إلى الحياة الدنيا. الحسرات: جمع حسرة وهي الندم الشديد الذي يكاد يحسر صاحبه فيقعد به عن الحركة والعمل. معنى الآيات: لما تقرر في الآيتين السابقتين بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة أن إله الناس أي ربهم ومعبودهم واحد وهو الله ﷻ وعظم سلطانه أخبر تعالى أنه مع هذا البيان والوضوح

стр. 140

يوجد ناس يتخذون من دون١ الله آلهة أصناماً ورؤساء يحبونهم٢ كحبهم٣ لله تعالى، أي يسوون٤ بين حبهم وحب الله تعالى، والمؤمنون أشد منهم حباً لله تعالى، كما أخبر تعالى أنه لو يرى المشركون عند معاينتهم العذاب يوم القيامة لرأوا أمراً فظيعاً يعجز الوصف عنه، ولعلموا أن القوة لله وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ المتبعون وهم الرؤساء الظلمة دعاة الشرك والضلالة من متبوعيهم الجهلة المقلدين وعاينوا٥ العذاب أمامهم وتقطعت لك الروابط التي كانت تربط بينهم، وتمنى التابعون العودة إلى الحياة الدنيا لينتقموا من رؤسائهم في الضلالة فيتبرءوا منهم في الدنيا كما تبرءوا منهم في الآخرة، وكما أراهم الله تعالى العذاب فعاينوه، يريهم أعمالهم القبيحة من الشرك والمعاصي فتعظم حسرتهم ويشتد كربهم ويدخلون بها النار فلا يخرجونهم منها أبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب حب٦ الله وحب كل ما يُحب الله بحبه تعالى. ٢- من الشرك الحب٧ مع الله تعالى، ومن التوحيد الحب بحب الله . ٣- يوم القيامة تنحل جميع الروابط من صداقة ونسب ولم تبق إلا رابطة الإيمان والأخوة فيه. ٤- تبرؤ٨ رؤساء الشرك والضلال ودعاة الشر والفساد ممن أطاعوهم في الدنيا واتبعوهم على الظلم والشر والفساد، وليس بنافعهم ذلك شيئاً. ﴿يَا أَيُّهَا٩ النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا

стр. 141

خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ١ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) ﴾ شرح الكلمات: الحلال: ما انحلت عقدة الحظر عنه وهو ما أذن الله تعالى فيه. الطيب: ما كان طاهراً غير نجس، ولا مستقذر تعافه النفوس. خطوات الشيطان: الخطوات: جمع خطوة وهي المسافة بين قدمي الماشي، والمراد بها هنا: مسالك الشيطان، وطرقه المفضية بالعبد إلى تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم. عدو مبين: عداوته بينة وكيف وهو الذي أخرج أبوينا آدم وحواء من الجنة وأكثر الشرور والمفاسد في الدنيا إنما هي بوسواسه وإغوائه. السوء٢: كل ما يسوء النفس ويصيبها بالحزن والغم ويدخل فيها سائر الذنوب. الفحشاء٣: كل خصلة قبيحة؛ كالزنا، واللواط، والبخل، وسائر المعاصي ذات القبح الشديد. ألفينا: وجدنا. معنى الآيات: بعد ذلك العرض لأحوال أهل الشرك والمعاصي والنهاية المرة التي انتهوا إليها، وهي الخلود في عذاب النار نادى الرب ذو الرحمة الواسعة البشرية٤ جمعاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي

стр. 142

الأَرْض﴾ ، وهوِ عطاؤه وإفضاله، حلالاً طيباً١ حيث أذن لهم فيه، وأما ما لم يأذن لهم فيه فإنه لا خير لهم في أكله لما فيه من الأذي لأبدانهم وأرواحهم معاً، ثم نهاهم عن اتباع آثار عدوه وعدوهم فإنهم إن اتبعوا خطواته قادهم إلى حيث شقاؤهم وهلاكهم، وأعلمهم وهو ربهم أن الشيطان لا يأمرهم إلا بما يضر أبدانهم وأرواحهم والسوء وهو كل ما يسوء النفس والفحشاء وهي أقبح الأفعال وأردى الأخلاق وأفظع من ذلك أن يأمرهم بأن يكذبوا على الله فيقولوا عليه ما لا يعلمون فيحرمون ويحللون ويشرعون باسم الله، والله في ذلك بريء، وهذه قاصمة الظهر والعياذ بالله تعالى، حتى إذا أعرضوا عن إرشاد ربهم واتبعوا خطوات الشيطان عدوهم ففعلوا السوء وارتكبوا الفواحش وحللوا وشرعوا ما لم يأذن به الله ربهم، وقال لهم رسول الله اتبعوا ما أنزل الله قالوا لا، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، يا سبحان الله يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان باطلاً، أيقلدون٢ آباءهم ولو كان آباءهم لا يعقلون شيئاً من أمور الشرع والدين، ولا يهتدون إلى ما فيه الصلاح والخير. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب طلب الحلال والاقتصار على العيش منه ولو كان ضيقاً قليلاً. ٢- الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرمه الله تعالى فلا يستقل العقل بشيء من ذلك. ٣- حرمة اتباع مسالك الشيطان وهي كل معتقد أو قول أو عمل نهى الله تعالى عنه. ٤- وجوب الابتعاد عن كل سوء وفحش لأنهما مما يأمر بهما الشيطان. ٥- حرمة تقليد من لا علم له ولا بصيرة في الدين. ٦- جواز اتباع أهل العلم والأخذ بأقوالهم وآرائهم المستقاة من الوحي الإلهي الكتاب والسنة.

стр. 143

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) ﴾ شرح الكلمات: مثل: المثل: الصفة والحال. ينعق: يصيح: والاسم النعيق١ وهو الصياح ورفع الصوت. الدعاء: طلب القريب؛ كدعاء المؤمن ربه: يارب. يارب. النداء٢: طلب البعيد؛ كأذان الصلاة. الصم: جمع أصم فاقد حاسة السمع فهو لا يسمع. البكم: جمع أبكم فاقد حاسة النطق فهو لا ينطق. لا يعقلون: لا يدركون معنى الكلام ولا يميزون بين الأشياء لتعطل آلة الإدراك عندهم، وهي العقل. معنى الآية الكريمة: لما نددت الآية قبل هذه (١٧٠) بالتقليد والمقلدين الذي يعطلون حواسهم ومداركهم ويفعلون ما يقول لهم رؤساؤهم ويطيقون ما يأمرونهم به مسلمين به لا يعرفون لم فعلوا ولم تركوا جاءت هذه الآية بصورة عجيبة ومثل غريب للذين يعطلون قواهم العقلية ويكتفون بالتبعية في كل شيء حتى أصبحوا؛ كالشياه من الغنم يسوقها راعيها، حيث شاء فإذا نعق بها داعياً لها أجابته ولو كان دعاؤه إياها لذبحها، وكذا إذا ناداها بأن كانت بعيدة أجابته وهي لا تدري لم نوديت، إذ هي لا تسمع ولا تفهم إلا مجرد الصوت الذي ألفته بالتقليد٣ الطويل والاتباع بدون دليل.

стр. 144

فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في جمودهم وتقليد آبائهم في الشرك والضلال كمثل غنم١ ينعق بها راعيها فهو إذا صاح فيها داعياً لها أو منادياً لها سمعت الصوت وأجابت ولكن لا تدري لماذا دعيت ولا لماذا نوديت لفقدها العق. وهذا المثل صالح لكل من يدعو أهل الكفر والضلال إلى الإيمان والهداية فهو مع من يدعوهم من الكفرة والمقلدين والضلال الجامدين كمثل الذي نعق إلخ.... هداية الآية: من هداية الآية الكريمة: ١- تسلية الدعاة إلى الله تعالى عندما يواجهون المقلدة من أهل الشرك والضلال. ٢- حرمة التقليد لأهل الأهواء والبدع. ٣- وجوب طلب العلم والمعرفة حتى لا يفعل المؤمن ولا يترك إلا على علم بما فعل وبما ترك. ٤- لا يتابع إلا أهل العلم والبصيرة في الدين؛ لأن اتباع الجهال يعتبر تقليداً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا٢ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ٣ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) ﴾

стр. 145

شرح الكلمات: الطيبات: جمع طيب وهو الحلال. واشكروا لله: اعترفوا بنعم الله عليكم واحمدوه عليها واصرفوها في مرضاته إن كنتم إياه تعبدون: إن كنتم مطيعين لله منقادين لأمره ونهيه. حرم: حظر ومنع. الميتة: ما مات من الحيوان حتف أنفه بدون تذكية. الدم: المسفوح السائل، لا المختلط باللحم. الخنزير: حيوان خبيث معروف بأكل العذرة ولا يغار على أنثاه. وما أهل به لغير الله: الإهلال: رفع الصوت باسم من تذبح له من الآلهة. اضطر: ألجئ وأكره بحكم الضرر الذي لحقه من الجوع أو الضرب. غير باغ ولا عاد: الباغي الظالم الطالب لما لا يحل له والعادي المعتدي المجاوز لما له إلى ما ليس له. الإثم: أثر المعصية على النفس بالظلمة والتدسية. معنى الآيتين الكريمتين: بعد أن بينت الآية السابقة (١٧١) حال الكفرة المقلدة لآبائهم في الشرك وتحريم ما أحل الله من الأنعام حيث سيبوا للآلهة السوائب، وحموا لها الحامات، وبحروا لها البحائر، نادى الجبار عباده المؤمنين: يا أيها الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ربكم ما أنعم به عليكم من حلال اللحوم، ولا تحرموها كما حرمها مقلدة المشركين، فإنه تعالى لم يحرم عليكم١ إلا أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغيره تعالى. ومع هذا من ألجأته الضرورة فخاف على نفسه الهلاك فأكل فلا إثم عليه على شرط أن لا يكون في سفره باغياً على المسلمين ولا عادياً بقطع الطريق عليهم وذلك؛ لأن الله غفور لأوليائه التائبين إليه رحيم بهم لا يتركهم في ضيق ولا حرج.
следующие страницы →