← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ١ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) ﴾ شرح الكلمات: الحلال: ما انحلت عقدة الحظر عنه وهو ما أذن الله تعالى فيه. الطيب: ما كان طاهراً غير نجس، ولا مستقذر تعافه النفوس. خطوات الشيطان: الخطوات: جمع خطوة وهي المسافة بين قدمي الماشي، والمراد بها هنا: مسالك الشيطان، وطرقه المفضية بالعبد إلى تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم. عدو مبين: عداوته بينة وكيف وهو الذي أخرج أبوينا آدم وحواء من الجنة وأكثر الشرور والمفاسد في الدنيا إنما هي بوسواسه وإغوائه. السوء٢: كل ما يسوء النفس ويصيبها بالحزن والغم ويدخل فيها سائر الذنوب. الفحشاء٣: كل خصلة قبيحة؛ كالزنا، واللواط، والبخل، وسائر المعاصي ذات القبح الشديد. ألفينا: وجدنا. معنى الآيات: بعد ذلك العرض لأحوال أهل الشرك والمعاصي والنهاية المرة التي انتهوا إليها، وهي الخلود في عذاب النار نادى الرب ذو الرحمة الواسعة البشرية٤ جمعاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي

стр. 142

الأَرْض﴾ ، وهوِ عطاؤه وإفضاله، حلالاً طيباً١ حيث أذن لهم فيه، وأما ما لم يأذن لهم فيه فإنه لا خير لهم في أكله لما فيه من الأذي لأبدانهم وأرواحهم معاً، ثم نهاهم عن اتباع آثار عدوه وعدوهم فإنهم إن اتبعوا خطواته قادهم إلى حيث شقاؤهم وهلاكهم، وأعلمهم وهو ربهم أن الشيطان لا يأمرهم إلا بما يضر أبدانهم وأرواحهم والسوء وهو كل ما يسوء النفس والفحشاء وهي أقبح الأفعال وأردى الأخلاق وأفظع من ذلك أن يأمرهم بأن يكذبوا على الله فيقولوا عليه ما لا يعلمون فيحرمون ويحللون ويشرعون باسم الله، والله في ذلك بريء، وهذه قاصمة الظهر والعياذ بالله تعالى، حتى إذا أعرضوا عن إرشاد ربهم واتبعوا خطوات الشيطان عدوهم ففعلوا السوء وارتكبوا الفواحش وحللوا وشرعوا ما لم يأذن به الله ربهم، وقال لهم رسول الله اتبعوا ما أنزل الله قالوا لا، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، يا سبحان الله يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ولو كان باطلاً، أيقلدون٢ آباءهم ولو كان آباءهم لا يعقلون شيئاً من أمور الشرع والدين، ولا يهتدون إلى ما فيه الصلاح والخير. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب طلب الحلال والاقتصار على العيش منه ولو كان ضيقاً قليلاً. ٢- الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرمه الله تعالى فلا يستقل العقل بشيء من ذلك. ٣- حرمة اتباع مسالك الشيطان وهي كل معتقد أو قول أو عمل نهى الله تعالى عنه. ٤- وجوب الابتعاد عن كل سوء وفحش لأنهما مما يأمر بهما الشيطان. ٥- حرمة تقليد من لا علم له ولا بصيرة في الدين. ٦- جواز اتباع أهل العلم والأخذ بأقوالهم وآرائهم المستقاة من الوحي الإلهي الكتاب والسنة.

стр. 143

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) ﴾ شرح الكلمات: مثل: المثل: الصفة والحال. ينعق: يصيح: والاسم النعيق١ وهو الصياح ورفع الصوت. الدعاء: طلب القريب؛ كدعاء المؤمن ربه: يارب. يارب. النداء٢: طلب البعيد؛ كأذان الصلاة. الصم: جمع أصم فاقد حاسة السمع فهو لا يسمع. البكم: جمع أبكم فاقد حاسة النطق فهو لا ينطق. لا يعقلون: لا يدركون معنى الكلام ولا يميزون بين الأشياء لتعطل آلة الإدراك عندهم، وهي العقل. معنى الآية الكريمة: لما نددت الآية قبل هذه (١٧٠) بالتقليد والمقلدين الذي يعطلون حواسهم ومداركهم ويفعلون ما يقول لهم رؤساؤهم ويطيقون ما يأمرونهم به مسلمين به لا يعرفون لم فعلوا ولم تركوا جاءت هذه الآية بصورة عجيبة ومثل غريب للذين يعطلون قواهم العقلية ويكتفون بالتبعية في كل شيء حتى أصبحوا؛ كالشياه من الغنم يسوقها راعيها، حيث شاء فإذا نعق بها داعياً لها أجابته ولو كان دعاؤه إياها لذبحها، وكذا إذا ناداها بأن كانت بعيدة أجابته وهي لا تدري لم نوديت، إذ هي لا تسمع ولا تفهم إلا مجرد الصوت الذي ألفته بالتقليد٣ الطويل والاتباع بدون دليل.

стр. 144

فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في جمودهم وتقليد آبائهم في الشرك والضلال كمثل غنم١ ينعق بها راعيها فهو إذا صاح فيها داعياً لها أو منادياً لها سمعت الصوت وأجابت ولكن لا تدري لماذا دعيت ولا لماذا نوديت لفقدها العق. وهذا المثل صالح لكل من يدعو أهل الكفر والضلال إلى الإيمان والهداية فهو مع من يدعوهم من الكفرة والمقلدين والضلال الجامدين كمثل الذي نعق إلخ.... هداية الآية: من هداية الآية الكريمة: ١- تسلية الدعاة إلى الله تعالى عندما يواجهون المقلدة من أهل الشرك والضلال. ٢- حرمة التقليد لأهل الأهواء والبدع. ٣- وجوب طلب العلم والمعرفة حتى لا يفعل المؤمن ولا يترك إلا على علم بما فعل وبما ترك. ٤- لا يتابع إلا أهل العلم والبصيرة في الدين؛ لأن اتباع الجهال يعتبر تقليداً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا٢ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ٣ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) ﴾

стр. 145

شرح الكلمات: الطيبات: جمع طيب وهو الحلال. واشكروا لله: اعترفوا بنعم الله عليكم واحمدوه عليها واصرفوها في مرضاته إن كنتم إياه تعبدون: إن كنتم مطيعين لله منقادين لأمره ونهيه. حرم: حظر ومنع. الميتة: ما مات من الحيوان حتف أنفه بدون تذكية. الدم: المسفوح السائل، لا المختلط باللحم. الخنزير: حيوان خبيث معروف بأكل العذرة ولا يغار على أنثاه. وما أهل به لغير الله: الإهلال: رفع الصوت باسم من تذبح له من الآلهة. اضطر: ألجئ وأكره بحكم الضرر الذي لحقه من الجوع أو الضرب. غير باغ ولا عاد: الباغي الظالم الطالب لما لا يحل له والعادي المعتدي المجاوز لما له إلى ما ليس له. الإثم: أثر المعصية على النفس بالظلمة والتدسية. معنى الآيتين الكريمتين: بعد أن بينت الآية السابقة (١٧١) حال الكفرة المقلدة لآبائهم في الشرك وتحريم ما أحل الله من الأنعام حيث سيبوا للآلهة السوائب، وحموا لها الحامات، وبحروا لها البحائر، نادى الجبار عباده المؤمنين: يا أيها الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ربكم ما أنعم به عليكم من حلال اللحوم، ولا تحرموها كما حرمها مقلدة المشركين، فإنه تعالى لم يحرم عليكم١ إلا أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغيره تعالى. ومع هذا من ألجأته الضرورة فخاف على نفسه الهلاك فأكل فلا إثم عليه على شرط أن لا يكون في سفره باغياً على المسلمين ولا عادياً بقطع الطريق عليهم وذلك؛ لأن الله غفور لأوليائه التائبين إليه رحيم بهم لا يتركهم في ضيق ولا حرج.

стр. 146

هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- الندب إلى أكل الطيبات من رزق الله تعالى في غير إسراف. ٢- وجوب شكر الله تعالى بالاعتراف بالنعمة له وحمده عليها وعدم صرفها في معاصيه. ٣- حرمة أكل الميتة١، والدم المسفوح، ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى. ٤- جواز الأكل من المذكورات عند الضرورة٢ وهي خوف الهلاك مع مراعاة الاستثناء في الآية وهو ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ . ٥- أذن النبي ﷺ في أكل السمك٣ والجراد وهما من الميتة، وحرم أكل كل ذي ناب٤ من السباع وذي مخلب من الطيور. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ٥ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) ﴾

стр. 147

شرح الكلمات: يكتمون: يجحدون ويخفون. ما أنزل الله من الكتاب: الكتاب: التوراة وما أنزل الله فيه صفة النبي محمد ﷺ والأمر بالإيمان به. لا يكلمهم الله١: لسخطه عليهم ولعنه لهم. ولا يزكيهم: لا يطهرهم من ذنوبهم لعدم رضاه عليهم. الضلالة: العماية المانعة من الهداية إلى المطلوب. الشقاق: التنازع والعداء حتى يكون صاحبه في شق، ومنازعة في آخر. بعيد: يصعب إنهاؤه والوفاق بعده. معنى الآيات: هذه الآيات الثلاث نزلت قطعاً في أحبار٢ أهل الكتاب تندد بصنيعهم وتريهم جزاء كتمانهم الحق وبيعهم العلم الذي أخذ عليهم أن يبينوه بعرض خسيس٣ من الدنيا يجحدون أمر النبي ﷺ ودينه إرضاء للعوام حتى لا يقطعوا هداياهم ومساعدتهم المالية، وحتى يبقى لهم السلطان الروحي عليهم، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ، وأخبر تعالى أن ما يأكلونه من رشوة في بطونهم إنما هو النار إذ هو مسببها ومع النار غضب الجبار فلا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. كما أخبر تعالى عنهم في الآية (١٧٥) أنهم وهم البعداء اشتروا الضلالة بالهدى أي الكفر بالإيمان، والعذاب بالمغفرة أي النار بالجنة، فما أجرأ هؤلاء على معاصي الله، وعلى التقحم في النار، فلذا قال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ٤ عَلَى النَّارِ﴾ . وكل هذا الذي تم مما توعد الله به هؤلاء

стр. 148

الكفرة؛ لأن الله نزل الكتاب بالحق مبيناً فيه سبيل الهداية وما يحقق لسالكيه من النعيم المقيم ومبيناً سبيل الغواية وما يفضي بسالكيه إلى غضب الله وأليم عذابه. وفي الآية الآخيرة (١٧٦) أخبر تعالى أن الذين اختلفوا في الكتاب التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى١ لفي عداء واختلاف بينهم بعيد، وصدق الله فما زال اليهود والنصارى مختلفين متعادين إلى اليوم، ثمرة اختلافهم في الحق الذي أنزله الله وأمرهم بالأخذ به فتركوه وأخذوا بالباطل فأثمر لهم الشقاق البعيد. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة كتمان الحق٢، لا سيما إذا كان للحصول على منافع دنيوية مالاً أو رياسة. ٢- تحذير علماء الإسلام من سلوك مسالك علماء أهل الكتاب بكتمانهم الحق وإفتاء٣ الناس بالباطل للحصول على منافع مادية معينة. ٣- التحذير من الاختلاف في القرآن الكريم لما يفضي إليه من العداء والشقاق البعيد بين المسلمين. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا

стр. 149

وَالصَّابِرِينَ١ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) ﴾ شرح الكلمات: البر: اسمُ جامع لكل خير وطاعة لله ورسوله محمد ﷺ . ولكن البر من آمن بالله: البر: الحق برُ من آمن بالله واليوم الآخر إلى آخر الصفات. وأتى المال على حبه: أعطى المال٢ حيث تعين اعطاؤه مع شدة حبه٣ له فآثر ما يحب الله على ما يحب. ذوي القربى: أصحاب القرابات، الأقرب فالأقرب. اليتامى: جمع يتيم وهو من مات والده وهو لم يبلغ الحنث. ﴿المساكين﴾ : جمع مسكين، فقير معدم أسكنته الحاجة فلم يقدر على التصرف. ابن السبيل: المسافر البعيد الدار المنقطع عن أهله وماله. السائلين: جمع سائل: الفقير المحتاج الذي أذن له في السؤال لدفع غائلة الحاجة عن نفسه. في الرقاب: الرقاب: جمع رقبة والإنفاق منها معناه في عتقها. الباساء والضراء: البأساء: شدة البؤس من الفقر، والضراء: شدة الضر أو المرض. وحين البأس: عند القتال واشتداده في سبيل الله تعالى. أولئك الذين صدقوا٤: أي في دعواهم الإيمان والبر والبرور. معنى الآية الكريمة: في الآيات الثلاث السابقة لهذه الآية ندد الله ﵎ بأحبار أهل الكتاب وذكر ما توعدهم به من غضبه وأليم عقابه يوم القيامة كما تضمن ذلك تخويف علماء الإسلام من أن

стр. 150

يكتموا العلم على الناس طلباً لحظوظ الدنيا الفانية، وفي هذه الآية رد الله تعالى على أهل الكتاب أيضاً تبجحهم بالقبلة وادعاءهم الإيمان والكمال فيه لمجرد أنهم يصلون إلى قبلتهم بين المقدس بالمغرب أو طلوع الشمس بالمشرق، إذ الأولى قبلة اليهود، والثانية قبلة النصارى، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ١ الْبِرَّ﴾ كل البر ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ، وفي هذا تنبيه عظيم للمسلم الذي يقصر إسلامه على الصلاة ولا يبالي بعدها ما ترك من واجبات وما ارتكب من منهيات، بين تعالى لهم البار الحق في دعوى الإيمان والإسلام والإحسان فقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ ٢ أي: ذا البر أو البار حق هو ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وذكر أركان الإيمان إلا السادس منها "القضاء والقدر"، ﴿الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ وهما من أعظم أركان الإسلام، وأنفق المال في سبيل الله مع حبه له وضنه به ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فهو ينفق ماله على من لا يرجو منه جزاء ولا مدحاً ولا ثناء؛ كالمساكين وأبناء السبيل والسائلين من ذوي الخصاصة والمسغبة، وفي تحرير الأرقاء وفكاك الأسر وأقام الصلاة أدامها وعلى الوجه الأكمل في أدائها وأتى الزكاة المستحقين لها، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من أعظم قواعد الإسلام، وذكر من صفاتهم الوفاء بالعهود والصبر في أصعب الظروف وأشد الأحوال، فقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وهذا هو مبدأ الإحسان وهو مراقبة الله تعالى والنظر إليه وهو يزاول عبادته، ومن هنا قرر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في دعوى الإيمان والإسلام، وهم المتقون بحق غضب الله وأليم عذابه، جعلنا الله منهم، فقال تعالى مشيراً لهم بلام البعد وكاف الخطاب ليعد مكانتهم وارتفاع درجاتهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ٣. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: ١- الاكتفاء ببعض أمور الدين دون القيام ببعض لا يعتبر صاحبه٤ مؤمناً ولا ناجياً.

стр. 151

٢- أركان١ الإيمان هي المذكورة في هذه الآية، والمراد بالكتاب٢ في الآية الكتب. ٣- بيان وجوه الانفاق المرجو ثوابه يوم القيامة وهو ذوي القربى إلخ.... ٤- بيان عظم شأن الصلا والزكاة. ٥- وجوب الوفاء بالعهود. ٦- وجوب الصبر وخاصة عند القتال. ٧- التقوى هي ملاك الأمر، والغاية التي ما بعدها للعاملين غاية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) ﴾ شرح الكلمات: كتب٣ عليكم القصاص٤ : كتب: فرض، والقصاص: إذا لم يرض ولي الدم بالدية ولم يعف. في القتلى : الفاء سببية، أي بسبب القتل، والقتلى: جمع قتيل وهو الذي أزهقت روحه فمات بأي آلة.

стр. 152

الحر: الحر خلاف العبد١ والعبد، هو: الرقيق المملوك. فمن عفي له من أخيه شيء: فمن تنازل له ولي الدم عن القود إلى الدية أو العفو. فاتباع بمعروف: فالواجب أن تكون مطالبة الدية بالمعروف بالرفق واللين. وأداء إليه بإحسان: وأن يكون أداء الدية بإحسان خالياً من المماطلة والنقص. ذلك تخفيف من ربكم: أي ذلك الحكم العادل الرحيم وهو جواز أخذ الدية بدلاً من القصاص تخفيف عنكم من ربكم إذ كان في شرع من قبلكم القصاص فقط أو الدية فقط، وأنتم مخبرون بين العفو والدية والقصاص. فمن اعتدى بعد ذلك: يريد من أخذ الدية ثم قتل فإنه يتعين قتله٢ لا غير. القصاص: المساواة في القتل والجراحات وفي آلة القتل أيضاً. حياة: إبقاء شامل عميم، إذ من يريد أن يقتل، يذكر أنه سيقتل فيترك القتل فيحيا، ويحيا من أراد قتله، ويحيا بحياتهما خلق كثير وعدد كبير. أولي الألباب: أصحاب العقول الراجحة، واحد الألباب: لبٌ: وهو في الإنسان العقل. لعلكم تتقون: ليعدكم بهذا التشريع الحكيم لاتقاء ما يضر ولا يسر في الدنيا والآخرة. معنى الآية الكريمة: هذه الآية نزلت في حين من العرب كان أحد الحيين يرى أنه أشرف من الآخر، فلذا يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة تطاولاً وكبرياء، فحدث بين الحيين قتل وهم في الإسلام، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية تبطل ذحل٣ الجاهلية وتقرر مبدأ العدل

стр. 153

والمساواة١ في الإسلام فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى٢ بِالأُنْثَى﴾ ، فلا يقتل بالرجل رجلان، ولا بالمرأة رجل ولا امرأتان ولا بالعبد حر ولا عبدان. فمن تنازل له أخوه٣ وهو ولي الدم عن القصاص إلى الدية أو العفو مطلقاً فليتبع ذلك ولا يقل: لا أقبل إلا القصاص، بل عليه أن يقبل ما عفا عنه أخوه له من قصاص أو دية أو عفو، وليطلب ولي الدم الدية بالرفق والأدب، وليؤد القاتل الدية بإحسان بحيث لا يماطل ولا ينقص منه شيئاً. ثم ذكر تعالى منته على المسلمين حيث وسع عليهم في هذه المسألة فجعل ولي الدم مخيراً بين ثلاثة: العفو، أو الدية، أو القود "القصاص" في حين أن اليهود كان مفروضاً عليهم القصاص فقط، والنصارى الدية فقط، وأخبر تعالى بحكم أخير في هذه القصة، وهو أن من أخذ الدية وعفا عن القتل ثم تراجع وقتل فقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . واختلف في هذا العذاب الأليم هل هو عذاب الدنيا، أو هو عذاب الآخرة، ومن هنا قال مالك والشافعي: حكم هذا المعتدي كحكم القاتل ابتداء إن عفي عنه قبل، وإن طولب بالقود أو الدية أعطى، وقال آخرون: ترد منه الدية ويترك لأمر الله، وقال عمر بن العزيز –﵀: يرد أمره إلى الإمام يحكم فيه يحقق المصلحة العامة. ثم أخبر تعالى: أن في القصاص الذي شرع لنا، وكتبه علينا مع التخفيف حياة عظيمة لما فيه من الكف عن إزهاق الأرواح وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: ١- حكم القصاص في الإسلام وهو المساواة والمماثلة فيقتل٤ الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة

стр. 154

والمرأة بالرجل والرجل بالمرأة، ويقتل القاتل بما قتل به مماثلة لحديث: "المرء مقتول بما قتل به". ولما كان العبد مقوماً بالمال فإنه لا يقتل به الحر، بل يدفع إلى سيده مال. وبهذا حكم الصحابة والتابعون وعليه الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف أبو حنيفة فرأى القود فيقتل الحر بالعبد أخذاً بظاهر هذه الآية. ٢- محاسن الشرع الإسلامي وما فيه من اليسر والرحمة حيث أجاز العفو١ والدية بدل القصاص. ٣- بلاغة القرآن الكريم، إذ كان حكماء العرب في الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل، فقال القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ . فلم يذكر لفظ القتل بالمرة فنفاه لفظاً وواقعاً. ﴿كُتِبَ٢ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ٣ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) ﴾ شرح الكلمات: كتب: فرض وأثبت. خيراً: مالاً نقداً، أو عرضاً، أو عقاراً. الوصية: الوصية ما يوصى به من مال وغيره.

стр. 155

المعروف: ما تعارف عليه الناس كثيراً أو قليلاً بحيث لا يزيد على الثلث. التبديل: التغيير للشيء بآخر. جنفاً أو إثماً: الجنف: الميل عن الحق خطأ، والإثم: تعمد الخروج عن الحق والعدل. معنى الآيات: بمناسبة ذكر آية القصاص وفيها أن القاتل عرضة للقتل، والمفروض فيه أن يوصي في ماله قبل قتله، ذكر تعالى آية الوصية هنا فقال تعالى: كتب عليكم أيها المسلمون إذا حضر أحدكم الموت إن ترك مالاً الوصية١، أي: الإيصاء للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين، ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بآية المواريث٢، ويقول رسول الله ﷺ : "فلا وصية لوارث" ٣، ونسخ الوجوب وبقي الاستحباب ولكن لغير الوالدين والأقربين الوارثين إلا أن يجيز ذلك الورثة وأن تكون الوصية ثلثاً فأقل، فإن زادت وأجازها الورثة جازت لحديث ابن عباس عند الدارقطني لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة، ودليل استحباب الوصية حديث سعد في الصحيح حيث أذن له الرسول في الوصية بالثلث، وقد تكون الوصية واجبة على المسلم وذلك إن ترك ديوناً لازمة، وحقوقاً واجبة في ذمته فيجب أن يوصي بقضائها واقتضائها بعد موته لحديث ابن عمر في الصحيح: " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٨٠) ، وأما الآية الثانية٤ (١٨١) فيقول تعالى لعباده المؤمنين فمن بدل إيصاء مؤمن أوصى به بأن زاد فيه أو نقص أو غيره أو بدل نوعاً بآخر فلا إثم على الموصي ولكن الإثم على من بدل وغير، وختم هذا الحكم بقوله: أن الله سميع عليم، تهديداً ووعيداً لمن يقدم على تغيير الوصايا لغرض فاسد وهوى سيء، وفي الآية الأخيرة (١٨٢) أخر تعالى أن من خاف٥ من موص جنفاً أو ميلاً عن الحق والعدل بأن جار في وصيته بدون تعمد الجور ولكن خطأ أو خاف إيماً على الموصى حيث جار

стр. 156

وتعدى على علم في وصيته فأصلح١ بينهم، أي: بين الموصي والموصى لهم فلا إثم عليه في إصلاح الخطأ وتصويب الخطأ والغلط، وختم هذا الحكم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعداً بالمغفرة والرحمة لمن أخطأ غير عامد. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- نسخ الوصية للوارثين مطلقاً بإجازة٢ الورثة. ٢- استحباب٣ الوصية بالمال لمن ترك مالاً كثيراً يوصي به في وجوه البر والخير. ٣- تأكد الوصية حضر٤ الموت أو لم يحضر لمن له أو عليه حقوق خشية أن يموت فتضيع الحقوق فيأثم بإضاعتها. ٤- حرمة تبديل الوصية وتغييرها إلى غير٥ الصالح. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) ﴾ شرح الكلمات: كتب : فرض وأثبت.

стр. 157

الصيام: لغة الإمساك، والمراد به هنا: الامتناع عن الأكل والشرب وغشيان النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس١. أياماً معدودات: تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً بحسب شهر رمضان. فعدة من أيام أخر: فعل من أفطر لعذر المرض أو السفر فعليه صيام أيام أخر بعدد الأيام التي أفطر فيها. يطيقونه: أي: يتحملونه بمشقة لكبر سن أو مرض لا يرجأ برؤه. فدية طعام مسكين: فالواجب على من أفطر لعذر مما ذكر أن يطعم على كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه. فمن تطوع خيراً: أي: زاد على المُدّين٢ أو أطعم أكثر من مسكين فهو خير له. وأن تصوموا خيراً: الصيام على من يطيقه ولو بمشقة خير من الإفطار مع الطعام. معنى الآيتين: لما هاجر الرسول ﷺ وأصبحت دار إسلام أخذ التشريع ينزل ويتوالى، ففي الآيات السابقة كان حكم القصاص والوصية ومراقبة الله في ذلك، وكان من أعظم ما يكون في المؤمن من ملكة التقوى الصيام، فأنزل الله تعالى فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة، فناداهم بعنوان الإيمان: يا أيها الذين آمنوا. وأعلمهم أنه كتب عليهم الصيام كما كتبه على الذين من قبلهم من الأمم السابقة، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ﴾ علل ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: ليعدكم به للتقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لما في الصيام من مراقبة الله تعالى، وقوله: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكره ليهون به عليهم كلفة الصوم ومشقته، إذ لم يجعله شهوراً ولا أعواماً. وزاد في التخفيف أن أذن للمريض والمسافر أن يفطر ويقضي بعد الصحة أو العودة من السفر فقال لهم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى٣ سَفَرٍ٤ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ كما أن غير المريض والمسافر إذا

стр. 158

كان يطيق الصيام بمشقة وكلفة شديدة له أن يفطر ويطعم على كل يوم مسكيناً، وأعلمهم أن الصيام في هذه الحال خير. ثم نسخ هذا الحكم الأخير بقوله في الآية الآتية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يريد: تعلمون فوائد الصوم الدنيوية والآخروية، وهي كثيرة أجلها مغفرة الذنوب وذهاب الأمراض. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فرضية الصيام وهو شهر رمضان. ٢- الصيام يربي ملكة التقوى في المؤمن. ٣- الصيام يكفر الذنوب لحديث: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". ٤- رخصة الإفطار للمريض١ والمسافر. ٥- المرأة الحامل أو المرضع دل قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أنه يجوز لهما الإفطار مع القضاء، وكذا الشيخ الكبير فإنه يفطر ولا يقضي، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كذلك. إلا أن عليهما أن يطعما عن كل يوم مسكيناً بإعطائه حفنتي طعام كما أن المرأة الحامل والمرضع٢ إذا خافت على حملها أو طفلها أو على نفسها أن عليها أن تطعم مع كل صوم تصومه قضاء مسكيناً. ٦- في الصيام فوائد دينية واجتماعية عظيمة أشير إليها بلفظ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . من هذه الفوائد: ١- يعود الصائم الخشية من الله تعالى في السر والعلن. ٢- كسر حدة الشهوة، ولذا أرشد العازب٣ إلى الصوم. ٣- يربي الشفقة والرحمة في النفس. ٤- فيه المساواة بين الأغنياء والفقراء والأشراف٤ والأوضاع.

стр. 159

٥- تعويد الأمة النظام والوحدة والوئام. ٦- يذهب المواد المترسبة في البدن، وبذلك تتحسن١ صحة الصائم. ﴿شَهْرُ٢ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ٣ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ : هو الشهر التاسع من شهور السنة القمرية، ولفظ الشهر مأخوذ من الشهرة، ورمضان مأخوذ من رمض الصائم إذا جر جوفه من العطش٤. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ : هذه آية فضله على غيره من سائر الشهور حيث أنزل فيه القرآن، وذلك في ليلة القدر منه لآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ، أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم نزل نجماً بعد نجم، وابتدئ نزوله على رسول الله ﷺ في رمضان أيضاً.

стр. 160

﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ : هادياً للناس إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم في الدارين. ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ : البينات: جمع بينة، والهدى: الإرشاد، والمراد أن القرآن نزل هادياً للناس ومبيناً لهم سبيل الهدى موضحاً طريق الفوز والنجاة فارقاً لهم بين الحق والباطل في كل شؤون الحياة. شهد الشهر١: حضر الإعلان٢ عن رؤيته. ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ : فعليه القضاء بعدد الأيام التي أفطرها مريضاً أو مسافراً. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ : وجب القضاء من أجل إكمال عدة الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرون يوماً. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ : وذلك عند إتمام صيام رمضان من رؤية الهلال إلى العودة من صلاة العيد والتكبير مشروع وفيه أجر كبير، وصفته المشهورة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ : فرض عليكم الصوم وندبكم إلى التكبير لتكونوا بذلك من الشاكرين لله تعالى على نعمه؛ لأن الشكر٣ هو الطاعة. معنى الآية الكريمة: لما ذكر تعالى أنه كتب على أمة الإسلام الصيام في الآية السابقة وأنه أيام معدودات بين في هذه الآية أن المراد من الأيام المعدودات أيام شهر رمضان المبارك الذي أنزل فيه القرآن هادياً موضحاً طرق الهداية، وفارقاً به بين الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿شَهْرُ٤ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ يريد شهر رمضان، ومعنى: شهد، كان حاضراً غير مسافر لما أعلن عن رؤية هلال رمضان، فليصمه على سبيل الوجوب إن كان مكلفاً. ثم ذكر عذر المرض والسفر، وأن على من أفطر بهما قضاء ما

стр. 161

أفطر بعدده، وأخبر تعالى أنه يريد بالإذن في الإفطار للمريض والمسافر ليس بالأمة، ولا يريد بها العسر فله الحمد وله المنة، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . ثم علل تعالى للقضاء بقوله ولتكملوا العدة، أي: عدة أيام رمضان، هذا أولاً، وثانياً: لتكبروا الله على ما هداكم عندما تكملون الصيام برؤية هلال شوال وأخيراً ليعدكم بالصيام والذكر للشكر، وقال : ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . هداية الآية من هداية الآية: ١- فضل١ شهر رمضان وفضل القرآن. ٢- وجوب صيام رمضان على المكلفين، والمكلف هو: المسلم العاقل مع سلامة المرأة من دمي الحيض والنفاس. ٣- الرخصة للمريض الذي يخاف تأخر برئه أو زيادة مرضه، والمسافر مسافة٢ قصر. ٤- وجوب القضاء على من أفطر لعذر٣. ٥- يسر الشريعة الإسلامية وخلوها من العسر٤ والحرج. ٦- مشروعية التكبير ليلة العيد ويومه، وهذا التكبير جزء لشكر نعمة الهداية إلى الإسلام. ٧- الطاعات: هي الشكر، فمن لم يطع الله ورسوله لم يكن شاكراً فيعد مع الشاكرين. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) ﴾

стр. 162

شرح الكلمات: الداعي: السائل ربه حاجته ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ : أي: يجيبوا ندائي إذا دعوتهم لطاعتي وطاعة رسولي بفعل المأمور وترك المنهي والتقرب إليّ بفعل القرب وترك ما يوجب السخط. ﴿يَرْشُدُونَ﴾ : بكمال القوتين العلمية والعملية، إذ الرشد: هو العلم بمحاب الله ومساخطه، وفعل المحاب وترك المساخط، ومن لا علم له ولا عمل فهو السفيه الغاوي والضال الهالك. معنى الآية الكريمة: ورد أن جماعة من الصحابة سألوا النبي قائلين: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ١ الدَّاعِ﴾ الآية، ومعنى المناجاة: المكالمة بخفض الصوت، والمناداة برفع الصوت، وإجابة الله دعوة عبده قبول طلبه وإعطاؤه مطلوبه٢. وما على العباد إلا أن يستجيبوا لربهم بالإيمان به وبطاعته في أمره ونهيه، وبذلك يتم رشدهم ويتأهلون للكمال والإسعاد في الدارين الدنيا والآخرة. هداية الآية من هداية الآية: ١- قرب الله تعالى من عباده إذ العوالم كلها في قبضته وتحت سلطانه ولا يبعد عن الله شيء من خلقه إذ ما من كائن إلا والله يراه ويسمعه ويقدر عليه، وهذه حقيقة القرب. ٢- كراهية رفع٣ الصوت بالعبادات إلا ما كان في التلبية والأذان٤ والإقامة. ٣- وجوب الاستجابة لله تعالى بالإيمان وصالح الأعمال. ٤- الرشد في طاعة الله والغي والسفه في معصيته تعالى.

стр. 163

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ١﴾ : الليلة التي يصبح العبد بعدها صائماً. ﴿الرَّفَثُ﴾ : الجماع. ﴿لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ : كناية عن اختلاط بعضكم ببعض؛ كاختلاط الثوب بالبدن. ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ : بتعريضها للعقاب، ونقصان حظها من الثواب بالجماع ليلة الصيام قبل أن يحل الله لكم ذلك. ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ : جامعوهن، أباح لهم ذلك ليلاً. ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ : اطلبوا بالجماع الولد إن كان قد كتب لكم٢، ولا يكن الجماع لمجرد الشهوة. ﴿الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ : الفجر الكاذب وهو بياض٣ يلوح في الأفق؛ كذنب السرحان٤.

стр. 164

﴿الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ : سواد يأتي بعد البياض الأول فينسخه تماماً. ﴿الْفَجْرِ﴾ : انتشار الضوء أفقياً ينسخ سواد الخيط الأسود ويعم الضياء الأفق كله. ﴿عَاكِفُونَ١ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ : منقطعون إلى العبادة في المسجد تقرباً إلى الله تعالى. ﴿حُدُودُ اللهِ﴾ : جمع حد وهو ما شرع الله تعالى من الطاعات فعلاً أو تركاً. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ﴾ : أي كما بين أحكام الصيام يبين أحكام سائر العبادات من أفعال وتروك ليهيئهم للتقوى التي هي السبب المورث للجنة. معنى الآية الكريمة: كان في بداية فرض الصيام أن من نام بالليل لم يأكل ولم يشرب ولم يقرب امرأته حتى الليلة الآتية. كأن الصيام يبتدئ من النوم لا من طلوع الفجر، ثم إن ناساً أتوا نسائهم وأخبروا ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة تبيح لهم الأكل والشرب والجماع طوال الليل إلى طلوع الفجر، فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الاختلاط بهن، إذ لا غنى للرجل عن امرأته ولا المرأة عن زوجها ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ . يسترها وتستره؛ كالثوب يستر الجسم، وأعلمهم أنه تعالى علم منهم ما فعلوه من إتيان نسائهم ليلاً بعد النوم قبل أن ينزل حكم الله فيه بالإباحة أو المنع، فكان ذلك منهم خيانة لأنفسهم فقال تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ . وأعلن لهم عن الإباحة بقوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ . يريد من الولد٢، لأن الجماع لا يكون لمجرد قضاء الشهوة بل للإنجاب والولد. وحدد لهم الظرف الذي يصومون فيه وهو النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ٣ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وحرم على المعتكفين في المساجد مباشرة نسائهم فلا يحل للرجل وهو

стр. 165

معتكف أن يخرج من المسجد ويغشى امرأته وإن فعل أثم وفسد اعتكافه وجب عليه قضاؤه. قال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ١ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وأخبرهم أن ما بينه لهم من الواجبات والمحرمات هي حدوده تعالى فلا يحل القرب منها ولا تعديها فقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فامتن تعالى على المسلمين بهذه النعمة وهي بيان الشرائع والأحكام والحدود بما يوحيه إلى رسوله من الكتاب والسنة ليعد بذلك المؤمنين للتقوى، إذ لا يمكن أن تكون تقوى ما لم تكن شرائع تتبع وحدود تحترم. وقد فعل فله الحمد وله المنة. هداية الآية من هداية الآية: ١- إباحة الأكل والشرب والجماع في ليال الصيام من غروب الشمس٢ إلى طلوع الفجر. ٢- بيان ظرف الصيام وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ٣- بيان ما يسمك عنه الصائم وهو الأكل الشرب والجماع. ٤- مشروعية الاعتكاف وخاصة في رمضان، وأن المعتكف لا يحل له مخالطة امرأته وهو معتكف حتى تنتهي مدة اعتكافه التي عزم أن يعتكفها. ٥- استعمال الكتابة بدل التصريح فيما يتسحي من ذكره، حيث كنى بالمباشرة عن الوطء. ٦- حرمة انتهاك حرمات الشرع وتعدي حدوده. ٧- بيان الغاية من إنزال الشرائع ووضع الحدود وهي تقوى الله . ٨- ثبت بالسنة: سنة٣ السحور واستحباب تأخيره ما لم يخش طلوع الفجر، واستحباب تعجيل الفطر٤. ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ

стр. 166

أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) ﴾ شرح الكلمات: الْبَاطِلَ: خلاف الحق١. َتُدْلُوا: الإدلاء بالشيء، إلقاؤه٢، والمراد هنا: إعطاء القضاة والحكام الرشوة ليحكموا لهم بالباطل حتى يتوصلوا إلى أموال غيرهم. ﴿فَرِيقاً﴾ : أي: طائفة وقطعة من المال. ﴿بِالأِثْمِ﴾ : المراد به هنا: بالرشوة وشهادة الزور، واليمين الفاجرة أي الحلف بالكذب ليقضي القاضي لكم بالباطل في صورة حق. معنى الآية الكريمة: لما أخر تعالى في الآية السباقة أنه يبين للناس٣ أحكام دينه ليتقوه بفعل المأمور وترك المنهي بين في هذه الآية حكم أكل أموال المسلمين بالباطل، وأنه حرام فلا يحل لمسلم أن يأكل مال أخيه بغير طيب نفس منه. وذكر نوعاً هو شر أنواع أكل المال بالباطل، وهو دفع الرشوة إلى القضاة والحاكمين ليحكموا لهم بغير الحق فيورطوا القضاة في الحكم بغير الحق ليأكلوا أمال إخوانهم بشهادة الزور واليمين الغموس الفاجرة وهي التي يحلف فيها المرء كاذباً. وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتم تعلمون حرمة ذلك. هداية الآية: من هداية الآية: ١- حرمة أكل مال المسلم بغير حق سواء كان بسرقة أو بغصب أو غش أو احتيال ومغالطة.

стр. 167

٢- حرمة الرشوة تدفع للحاكم ليحكم١ بغير الحق. ٣- مال الكافر غير المحارب كمال المسلم في الحرمة إلا أن مال المسلم أشد حرمة لحديث: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله "٢. ولقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ وهو يخاطب المسلمين. ﴿يَسْأَلونَكَ٣ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ٤ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ٥ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الأَهِلَّةِ﴾ : جمع هلال: وهو القمر في بداية ظهوره في الثلاثة الأيام الأولى من الشهر؛ لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم الهلال الهلال. المواقيت: جمع ميقات: الوقت المحدد المعلوم للناس. إتيان البيوت من ظهورها: أن يتسور الجدار ويدخل البيت تحاشياً أن يدخل من الباب. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ : البر الموصل إلى رضوان الله. بر عبد: اتقى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه ليس البر دخول البيوت من ظهورها. الفلاح: الفوز: وهو النجاة من النار ودخول الجنة.

стр. 168

معنى الآية الكريمة: روى أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله ﷺ قائلين: ما بال الهلال يبدوا دقيقاً، ثم يزيد حتى يعظم ويصبح بدراً، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما كان أول بدئه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ وأمر رسوله ﷺ أن يقول لهم: هي مواقيت للناس، وعلة بدءها صغيرة ثم تتكامل ثم تنقص حتى المحاق: هي أن يعرف الناس بها مواقيتهم التي يؤقتونها لأعمالهم١ فبوجود القمر على هذه الأحوال تعرف عدة النساء وتعرف الشهور، فنعرف رمضان٢ ونعرف شهر الحج ووقته، كما نعرف آجال العقود في البيع والإيجار، وسداد الديون وما إلى ذلك. وكان الأنصار في الجاهلية إذا أحرم أحدهم بحج أو عمرة وخرج من بيته وأراد أن يدخل لغرض خاص لا يدخل من الباب حتى لا يظله نجف الباب فيتسور الجدار ويدخل من ظهر البيت لا من بابه وكانوا يرون هذا طاعة وبراً، فأبطل الله تعالى هذا التعبد الجاهلي بقوله : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ . بر أهل التقوى والصلاح. وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها فقال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ، وأمرهم بتقواه ليفلحوا في الدنيا والآخرة. فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . هداية الآية الكريمة من هداية الآية: ١- أن يسأل المرء عما ينفعه ويترك السؤال٣ عما لا يعنيه. ٢- فائدة الشهور القمرية عظيمة إذ بها تعرف كثير من العبادات. ٣- حرمة الابتداع في الدين٤ ولو كان برغبة في طاعة الله تعالى وحصول الأجر. ٤- الأمر بالتقوى المفضية إلى فلاح العبد ونجاته في الدارين.

стр. 169

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ١ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ : الطريق الموصل إلى رضوانه وهو الإسلام، والمراد إعلاء كلمة٢ الله. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ : المشركون الذين يبدؤونكم بالقتال. ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٣: لا تجاوزوا الحد فتقتلوا النساء والأطفال ومن اعتزل القتال. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ : تمكنتم من قتالهم. ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ : الشرك٤. ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ : المراد به مكة والحرم من حولها. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ : بأن لم يبق من يعبد غير الله تعالى. ﴿فَلا عُدْوَانَ﴾ : أي: لا اعتداء بالقتل والمحاربة إلا على الظالمين. أما من أسلم فلا يقاتل. معنى الآيات: هذه الآيات الثلاث: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ من أوائل ما نزل في شأن قتال المشركين

стр. 170

وهي متضمنة الأذن لرسول الله ﷺ والمؤمنين بقتال من يقاتلهم والكف عمن يكف عنهم، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في سبيل إعلاء كلمة الله ليعبد وحده. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ، واقتلوهم حيث تمكنتم منه، وأخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم أيها المهاجرون من دياركم، ولا تتحرجوا من القتل، فإن فتنتهم للمؤمنين لحملهم على الكفر بالاضطهاد والتعذيب أشد من القتل: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ١ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ فلا تكونوا البادئين فإن قاتلوكم فاقتلوهم. كذلك القتل والإخراج الواقع منكم لهم يكون جزاء كل كافر يعتدي ويظلم. فإن انتهوا عن الشرك والكفر وأسلموا فإن الله يغفر لهم ويرحمهم؛ لأن الله تعالى غفور رحيم. أما الآية الرابعة (١٩٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فهي مقررة لحكم سابقاتها، إذ فيها الأمر بقتال المشركين الذين قاتلوهم قتالاً يستمر حتى لا يبقى في مكة من يضطهد في دينه ويفتن فيه ويكون الدين كله لله فلا يعبد غيره، وقوله فإن انتهوا من الشرك بأن اسلموا ووحدوا فكفوا عنهم ولا تقاتلوهم، إذ لا عدوان٢ إلا على الظالمين وهم بعد إسلامهم ما أصبحوا ظالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب قتال من يقاتل المسلمين، والكف عمن يكف عن قتالهم، وهذا قبل نسخ هذه الآية. ٢- حرمة الاعتداء في القتال بقتل الأطفال والشيوخ والنساء إلا أن يقاتلن. ٣- حرمة القتال عند المسجد الحرام، أي مكة والحرم إلا أن يبدأ العدو بالقتال فيه فيقاتل. ٤- الإسلام يجب ما قبله لقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ٥- وجوب الجهاد وهو فرض كفاية ما وجد مؤمن يضطهد لإسلامه أو يفتن في دينه.

стр. 171

﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ١ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ٢ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ : الشهر المحرم القتال فيه والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد. فالثلاثة هي القعدة والحجة ومحرم، والرابع الفرد: رجب. الحرمات: جمع حرمة؛ كالشهر الحرام، والبلد الحرام، والإحرام. ﴿أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ : المتقون: هم المؤمنون الذين يتقون معاصي الله تعالى ومخالفة سنته في الحياة وكونه تعالى معهم: يسددهم ويعينهم وينصرهم. ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ : الهلكة والهلاك مثلها. الإحسان: اتقان الطاعة وتخليصها من شوائب الشرك، وفعل الخير٣ أيضاً. معنى الآيتين: الآية الأولى (١٩٤) في سياق ما قبلها تشجع المؤمنين المعتدى عليهم على قتال أعدائهم وتعلمهم أن من قاتلهم في الشهر الحرام فليقاتلوه في الشهر الحرام، ومن قاتلهم في الحرم فليقاتلوه في الحرم، ومن قاتلهم وهم محرمون فليقاتلوه وهو محرم، وهكذا الحرمات قصاص

стр. 172

بينهم ومساواة. ومن اعتدى عليهم فليعتدوا عليه مثل اعتدائه عليهم، وأمرهم بتقواه وأعلمهم أنه معهم ما اتقوه بالتسديد والعون والنصر. وأما الآية١ (١٩٥) فقد أمرهم بإنفاق المال للجهاد لإعداد العدة وتسيير السرايا ولمقاتلين ونهاهم أن يتركوا الإنفاق في سبيل الله الذي هو الجهاد فإنهم متى تركوا الإنفاق والجهاد كانوا كمن ألقى بيده في الهلاك، وذلك أن العدو المتربص بهم إذا رآهم قعدوا عن الجهاد غزاهم وقاتلهم وانتصر عليهم فهلكوا. كما أمرهم بالإحسان في أعمالهم كافة وإحسان الأعمال إتقانها وتجويدها، وتنقيتها من الخلل والفساد، وواعدهم إن هم أحسنوا أعمالهم بتأييدهم ونصرهم، فقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ومن أحبه الله أكرمه ونصره وما أهانه ولا خذله. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- احترام الشهر الحرام وسائر الحرمات. ٢- جواز المقاصة والمجازاة لمن اعتدى بحيث يعامل بما عامل به سواء بسواء. ٣- رد الاعتداء والنيل من المعتدي الظالم البادي٢ بالظلم والاعتداء. ٤- معية الله تعالى لأهل الإيمان والتقوى والإحسان. ٥- فضيلة الإحسان لحب الله تعالى للمحسنين. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ٣ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ

стр. 173

الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ : فإتمامهما١ أن يحرم بهما من الميقات وأن يأتي بأركانهما وواجباتهما على الوجه المطلوب من الشارع، وأن يخلص فيهما لله تعالى. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ : الحصر والإحصار٢ أن يعجز الحاج أو المعتمر عن إتمام حجه أو عمرته إما بعدو يصده عن دخول مكة أو مرض شديد لا يقدر معه على مواصلة السير إلى مكة٣. ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ : أي فالواجب على من أحصر ما تيسر له من الهدي شاة أو بقرة أو بعير. ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ﴾ : لا يتحلل المحصر من إحرامه حتى يذبح ما تيسر له من الهدي فإن ذبح تحلل بحلق رأسه. ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ : فالواجب هو فدية من صيام أو صدقة أو نسك. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ : فمن أحرم بعمرة في أشهر الحج وتحلل وبقي في مكة ينتظر الحج وحج فعلاً فالواجب ما استيسر من الهدي.

стр. 174

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ : فمن تمتع بالعمرة ولم يجد هدياً لعجزه عنه، فالواجب صيام عشرة أيام ثلاثة في مكة وسبعة في بلده. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ : أي ما وجب من الهدي أو الصيام عند العجز وهو لغير أهل الحرم أما سكان مكة والحرم١ حولها وهم أهل الحرم فلا يجب عليهم شيء إن تمتعوا. معنى الآية الكريمة: يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يتموا الحج والعمرة له فيأتوا بها على الوجه المطلوب وأن يريدوا بهما الله تعالى، ويخبرهم أنهم إذا أحصروا فلم يتمكنوا من إتمامها، فالواجب عليهم أن يذبحوا ما تيسر لهم، فإذا ذبحوا أو نحروا حلوا من إحرامهم، وذلك بحلق شعر رؤوسهم أو تقصيره، كما أعلمهم أن من كان منهم مريضاً أو به أذى من رأسه واضطر إلى حلق شعر رأسه أو لبس ثوب أو تغطية رأس، فالواجب بعد أن يفعل ذلك فدية وهي واحد من ثلاثة على التخيير: صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين حفنتان٢ من طعام، أو ذبح شاة. كما أعلمهم أن من تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يكن من سكان الحرم أن عليه ما استيسر من الهدي شاة أو بقرة أو بعير فإن لم يجد ذلك صام ثلاثة أيام في الحج من أول شهر الحجة إلى يوم التاسع منه وسبعة أيام إذا رجع إلى بلاده. وأمرهم بتقواه وهي امتثال أوامره والأخذ بتشريعه وحذرهم من إهمال أمره والاستخفاف بشرعه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هداية الآية: من هداية الآية: ١- وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما بالإحرام من الميقات، وإن كان الحج٣ تطوعاً والعمرة غير واجبة.

стр. 175

٢- بيان حكم الإحصار١، وهو ذبح شاة من مكان الإحصار ثم التحلل بالحلق أو التقصير، ثم القضاء من قابل إن تيسر ذلك للعبد، لأن الرسول ﷺ قضى هو وأصحابه العمرة التي صدوا فيها عن المسجد الحرام عام الحديبية. ٣- بيان فدية الأذى: وهي أن من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام بأن حلق أو لبس مخيطاً أو غطى رأسه لعذر وجب عليه فدية وهي صيام أو إطعام أو ذبح شاة. ٤- بيان حكم التمتع٢، وهو أن من كان من غير سكان مكة والحرم حولها إذا أحرم بعمرة في أشهر الحج وتحلل منها وبقي في مكة وحج من عامه أن عليه ذبح٣ شاة فإن عجز صام ثلاثة أيام في مكة وسبعة في بلاده. ٥- الأمر بالتقوى وهي طاعة الله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه، والتحذير من "تركها لما يترتب عليه من العقاب الشديد" ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ٤ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ

стр. 176

لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ : هي شوال والقعدة وعشر١ ليال من الحجة هذه هي الأشهر التي يحرم فيها بالحج. ﴿فَرَضَ﴾ : نوى الحج وأحرم٢ به. ﴿فَلا رَفَثَ﴾ : الرفث: الجماع ومقدماته. ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ : الفسق والفسوق: الخروج عن طاعة الله بترك واجب أو فعل حرام. الجدال: المخاصمة والمنازعة. الجناح: الإثم. ﴿تَبْتَغُوا فَضْلاً﴾ : تطلبوا ربحاً في التجارة من الحج. ﴿أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ : الإفاضة من عرفات تكون بعد الوقوف بعرفة يوم الحج وذلك بعد غروب الشمس من يوم التاسع من شهر الحجة. ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ : مزدلفة وذكر الله تعالى عندها: هو صلاة المغرب والعشاء جمعاً بها وصلاة الصبح. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أحكام الحج والعمرة فأخبر تعالى أن الحج له أشهر٣ معلومة وهي شوال والقعدة وعشر ليال من الحجة فلا يحرم بالحج إلا فيها. وأن من أحرم بالحج يجب عليه أن يتجنب الرفث والفسق٤ والجدال٥ حتى لا يفسد حجه أو ينقص أجره، وانتدب الجاج

стр. 177

إلى فعل الخير من صدقة وغيرها فقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ ولازمه أنه يثيب عليه ويجزي به. وأمر الحجاج أن يتزودوا لسفرهم في الحج بطعام وشراب يكفون به وجوههم عن السؤال فقال: وتزودوا، وأرشد إلى خير الزاد، وهو التقوى، ومن التقوى عدم سؤال الناس أموالهم والعبد غير محتاج وأمرهم بتقواه ، أي بالخوف منه حتى لا يعصوه في أمره ونهيه فقال: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ ، والله أحق أن يتقى؛ لأنه الواحد القهار، ثم أباح لهم الاتجار أثناء وجودهم في مكة ومنى فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد رزقاً حلالاً بطريق التجارة المباحة، ثم أمرهم بذكر الله تعالى في مزدلفة بصلاة المغرب والعشاء والصبح فيها وذلك بعد إفاضتهم من عرفة بعد غروب الشمس فقال عز من قائل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ١ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ثم ذكرهم بنعمة هدايته لهم بعد الضلال الذي كانوا فيه وانتدبهم إلى شكره وذلك بالإكثار من ذكره فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ ثم أمرهم بالمساواة في الوقوف بعرفة والإفاضة منها فليقفوا كلهم بعرفات، وليفيضوا جميعاً منها فقال : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ، وذلك أن الحمس٢ كانوا يفيضون من أدنى عرفات حتى ينجوا من الزحمة ويسلموا الحطمة. وأخيراً أمرهم باستغفار الله أي: طلب المغفرة منه ووعدهم بالمغفرة بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة الرفث والفسوق والجدال في الإحرام. ٢- استحباب فعل الخيرات للحاج أثناء حجه ليعظم أجره ويبر حجه. ٣- إباحة الاتجار والعمل للحاج طلباً للرزق على أن لا يحج لأجل ذلك. ٤- وجوب٣ المبيت بمزدلفة لذكر الله تعالى.

стр. 178

٥- وجوب شكر الله تعالى بذكره وطاعته على هدايته وإنعامه. ٦- وجوب المساواة في أداء مناسك الحج بين سائر الحجاج فلا يتميز بعضهم عن بعض في أي شعيرة من شعائر الحج. ٧- الترغيب في الاستغفار١ والإكثار منه. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ٢ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً٣ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿قَضَيْتُمْ﴾ : أديتم وفرغتم منها. المناسك: جمع منسك وهي عبادات الحج المختلفة. الخلاق: الحظ والنصيب.

стр. 179

﴿حَسَنَةً﴾ : حسنة الدنيا: كل ما يسر ولا يضر من زوجة صالحة وولد صالح ورزق حلال وحسنة الآخرة النجاة من النار ودخول الجنان. ﴿وَقِنَا﴾ : احفظنا ونجنا من عذاب النار. ﴿نَصِيبٌ﴾ : حظ وقسط من أعمالهم الصالحة ودعائهم الصالح. الأيام المعدودات١: أيام التشريق الثلاثة بعد يوم العيد. ﴿تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ : رمى يوم الأول والثاني وسافر. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ : رمى الأيام الثلاثة كلها. ﴿فَلا إِثْمَ﴾ : أي لا ذنب في التعجل ولا في التأخر. ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ : للذي اتقى ربه بعدم ترك واجب أوجبه أو فعل حرام حرمه. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ : تجمعون للحساب والجزاء يوم القيامة. معنى الآيات: بهذا الآيات الأربع انتهى الكلام على أحكام الحج، ففي الآية الأولى (٢٠٠) يرشد تعالى المؤمنين إذا فرغوا من مناسكهم بأن رموا جمرة العقبة ونحروا وطافوا طواف الإفاضة، واستقروا بمنى للراحة والاستجمام أن يكثروا من ذكر الله تعالى عند رمي الجمرات، وعند الخروج من الصلوات ذكراً مبالغاً في الكثرة منه على النحو الذي كانوا في الجاهلية يذكرون فيه مفاخر آبائهم٢ وأحساب أجدادهم. وبين تعالى حالهم وهي أن منهم من همه الدنيا فهو لا يسأل الله تعالى إلا ما يهمه منها، وهذا كان عليه أكثر الحجاج في الجاهلية، وأن منهم من يسأل الله تعالى خير الدنيا والآخرة، وهم المؤمنون الموحدون فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي٣ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، وهذا متضمن تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى هذا الدعاء الجامع والقصد الصالح النافع فلله الحمد والمنة، وفي الآية (٢٠٢) يخبر تعالى أن لأهل الدعاء الصالح وهم المؤمنون الموحدون نصيباً من الأجر على أعمالهم التي كسبوها في الدنيا،

стр. 180

وهو تعالى سريع الحساب فيعجل لهم تقديم الثواب وهو الجنة، وفي الآية (٢٠٣) يأمر تعالى عباده الحجاج المؤمنين بذكره تعالى في أيام التشريق عند رمي الجمار وبعد الصلوات الخمس قائلين: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ألله أكبر ولله الحمد ثلاث مرات إلى عصر اليوم الثالث في أيام التشريق١ ثم أخبرهم الله تعالى بأنه لا حرج على من تعجل السفر إلى أهله بعد رمي اليوم الثاني، كما لا حرج على من تأخر فرمى اليوم الثالث فقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ٢ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فالأمر على التخيير وقيد نفي الإثم بتقواه فمن ترك واجباً أو فعل محرماً فإن عليه إثم معصيته ولا يطهره منها إلا التوبة ففي الإثم مقيد بالتعجل ودعمه فقط. فكان قوله تعالى لمن اتقى قيدا ً جميلاً، ولذا أمرهم بتقواه ، ونبههم إلى مصيرهم الحتمي، وهو الوقوف بين يديه ، فليستعدوا لذلك بذكره وشكره والحرص على طاعته. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الذكر بمنى عند رمس الجمرات إذ يكبر مع كل حصاة قائلاً: الله أكبر. ٢- فضيلة الذكر٣ والرغبة فيه؛ لأنه من محاب الله تعالى. ٣- فضيلة سؤال الله تعالى الخيرين وعدم الاقتصار على أحدهما، وشره الاقتصار على طلب الدنيا وحطامها. ٤- فضيلة دعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . فهي جامعة للخيرين معاً، فكان النبي ﷺ إذا طاف بالبيت يختم بها كل شوط. ٥- وجوب المبيت ثلاث ليال بمنى ووجوب الحمرات إذ بها يتأتى ذكر الله في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق. ٦- الرخصة في التعجل لمن رمى اليوم الثاني. ٧- الأمر بتقوى الله وذكر الحشر والحساب والجزاء، إذ هذا الذكر يساعد على تقوى الله .
следующие страницы →