٢- آية صالح ﵇ من أعظم الآيات ولم يؤمن عليها قومه.
٣- إقامة ثلاثة أيام لا يعد صاحبها مقيما وعليه أن يقصر الصلاة.
٤- شؤم الظلم وسوء عاقبة أهله.
وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (٧٣)
شرح الكلمات:
بالبشري: أي بإسحاق ومن وراء اسحق يعقوب.
فما لبث: أي ما أبطأ.
بعجل حنيذ: أي مشوي على الحجارة.
لا تصل إليه: أي لم يتناولوه فيأكلوا منه.
نكرهم: أي لم يعرفهم.
وأوجس: أي أحس بالخوف وشعر به.
لوط: هو ابن هاران أخي إبراهيم ﵇.
يا ويلتا: أي ياويلتي احضري هذا أوان حضورك.
وهذا بعلي شيخا: إشارة إلى إبراهيم إذ هو بعلها أي زوجها.
إن هذا لشيء عجيب: أي أمر يتعجب منه استبعاداً له واستغراباً.
стр. 1227
معنى الآيات:
هذه بشارة إبراهيم ﵇ التي بشره الله تعالى بها إذ قال تعالى ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى١﴾ والمراد بالرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل، إذ دخلوا عليه داره فسلموا عليه فرد ﵈ وهو معنى قوله تعالى ﴿قالوا سلاما٢ فقال سلام﴾ وقوله تعالى ﴿فما لبث أن جاء٣ بعجل حنيذ﴾ أي لم يبطأ حتى جاء بعجل٤ مشوي فحنيذ بمعنى محنوذ وهو المشوي على الحجارة. فقربه إليهم وعرض عليهم الأكل بقوله ﴿ألا تأكلون٥﴾ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه أي لم يتناولوه نكرهم بمعنى أنكرهم وأوجس منهم خيفة لأن العادة أن الضيف إذا نزل على أحد فقدم إليه طعاماً فلم يأكل عرف أنه ينوي شراً ولما رأت الملائكة ذلك منه قالوا له لا تخف وبينوا له سبب مجيئهم فقالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط أي لإهلاكهم وتدميرهم بسبب إجرامهم. وكانت امرأته قائمة وراء الستار تخدمهم مع إبراهيم. فلما سمعت بنبأ هلاك قوم لوط ضحكت فرحاً بهلاك أهل الخبث فعندئذ بشرها الله تعالى على لسان الملائكة بإسحق ومن بعده يعقوب أي بولد وولد ولد، فلما سمعت البشرى صكت وجهها تعجباً على عادة النساء وقالت ﴿ياويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي﴾ تشير إلى زوجها إبراهيم ﴿شيخا﴾ أي كبير السن إذ كان سنه يومئذ مائة سنة وسنها فوق التسعين. ﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ أي ولادتي في هذه السن أمر يتعجب منه. قالوا أتعجبين من أمر٦ الله ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ أي بيت إبراهيم، ﴿إنه حميد مجيد﴾ أي محمود بإفضاله وإنعامه عليكم ﴿مجيد﴾ أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة إبراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم ﵇، والبشارة هنا لإبراهيم ﴿إنه حميد مجيد﴾ أي محمود بإِفضاله وإنعامه عليكم ﴿مجيد﴾ أي ذو مجد وثناء وكرم. وامرأة ابراهيم المبشرة هي سارة بنت عم إبراهيم ﵇، والبشارة هنا لإبراهيم، وزوجه سارة معاً وهي مزدوجة إذ هي بهلاك الظالمين، وبإسحاق ويعقوب.
стр. 1228
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- استحباب تبشير المؤمن بما هو خير له ولو بالرؤيا الصالحة.
٢- مشروعية السلام١ لمن دخل على غيره أو وقف عليه أو مرّ به ووجوب رد السلام.
٣- مشروعية خدمة أهل البيت٢ لضيوفهم ووجوب إكرام الضيف وفي الحديث الصحيح "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
٤- شرف أهل بيت إبراهيم ﵇.
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
شرح الكلمات:
الروع٣: الفزع والخوف.
البشرى: أي الخبر السار المفرح للقلب.
يجادلنا: أي يخاصمنا.
في قوم لوط: أي في شأن هلاك قوم لوط، ولوط هو رسول الله لوط بن هاران بن عم إبراهيم.
حليم أواه: الحليم الذي لا يعامل بالعقوبة والأواه كثير التأوه مما يسيء ويحزن.
أعرض عن هذا: أي اترك الجدال في قوم لوط.
стр. 1229
غير مردود: أي لا يستطيع أحد رده لأن الله تعالى قد قضى به فهو واقع لا محالة.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في الحديث عن بشارة إبراهيم قال تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع أي الفزع والخوف من الملائكة قبل أن يعرفهم وجاءته البشرى بالولد وبهلاك قوم لوط أخذ يجادل الملائكة في شأن هلاك قوم لوط لأجل ما بينهم من المؤمنين فقال إن فيها لوطاً فأجابوه بقولهم الذي ذكر تعالى في سورة العنكبوت ﴿نحن أعلم بمن فيها لننجيّنه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ وقوله تعالى ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾ ١ تعليل لمجادلة إبراهيم الملائكة في قوم لوط، وذلك أن إبراهيم رقيق القلب حليم لا يعامل بالعقوبة فأراد تأخير العذاب عنهم لعلهم يتوبون، وكان أواهاً ضارعا قانتا يكثر من قول آه إذا رأى أو سمع٢ ما يسوء ومنيباً أي توابا رجاعاً إلى ربّه في كل وقت. ولما الحّ إبراهيم في مراجعة الملائكة قالوا له يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال إنه قد جاء٣ أمر ربك أي بهلاك القوم. ﴿وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ أي غير مدفوع من أحد وهو ما سَيُذْكَرُ في السياق بعد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الجدال عمن يُرجى له الخير من الناس، وذلك في غير الحدود الشرعية إذا رفعت إلى الحاكم.
٢- فضيلة خلق الحلم.
٣- فضل الإنابة إلى الله تعالى.
٤- قضاء الله لا يرد أي ما حكم الله به لابد واقع.
стр. 1230
وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٨) قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)
شرح الكلمات
سيء بهم: أي حصل له غم وهم بمجيئهم إليه.
وضاق بهم ذرعا١: أي عجزت طاقته عن تحمل الأمر.
يوم عصيب: أي شديد لا يحتمل.
يهرعون إليه: أي مدفوعين بدافع الشهوة يمشون مسرعين في غير اتزان.
السيئات: أي كبائر الذنوب بإتيان الذكور.
ولا تخزون في ضيفي: أي لا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض لضيفي.
رجل رشيد: أي ذو رشد وعقل ومعرفة بالأمور وعواقبها.
أو آوى إلى ركن شديد: أي إلى عشيرة قوية تمنعني منكم. ولم تكن له عشيرة لأنه من غير ديارهم.
معنى الآيات:.
هذه فاتحة حديث لوط ﵇ مع الملائكة ثم مع قومه قال تعالى ﴿ولما جاءت
стр. 1231
رسلنا﴾ وهم ضيف إبراهيم ﵇ ﴿لوطاً سيىء بهم﴾ أي تضايق وحصل له هم وغم خوفا عليهم من مجرمي قومه. وقال هذا يوم عصيب أي شديد لما قد يحدث فيه من تعرض ضيفه للمذلة والمهانة وهو بينهم هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٧٧) أما الثانية (٧٨) فقد أخبر تعالى عن مجيء قوم لوط إليه وهو في ذلك اليوم الصعب والساعة الحرجة فقال ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه١﴾ أي مدفوعين بدافع الشهوة البهيمية مسرعين ومن قبل٢ كانوا يعملون السيئات أي من قبل مجيئهم كانوا يأتون الرجال في أدبارهم فأراد أن يصرفهم عن الضيف فقال ﴿يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم٣﴾ أي هؤلاء نساء الأمة هن أطهر لكم فتزوجوهن. واتقوا الله أي خافوا نقمته ولا تخزوني في ضيفي أي لا تهينوني ولا تذلوني فيهم. أليس منكم رجل رشيد؟ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فأجابوه لعنهم الله قائلين: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق أي من رغبة وحاجة٤، وإنك لتعلم ما نريد أي من إتيان الفاحشة في الرجال. وهنا قال لوط ﵇: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ أي أنصاراً ينصرونني وأعواناً يعينوني لحلت بينكم وبين ما تشتهون، أو آوي إلى ركن شديد يريد عشيرة قوية يحتمي بها فتحميه وضيفه من قومه المجرمين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فضيلة إكرام الضيف وحمايته من كل ما يسوءه..
٢- فظاعة العادات السيئة وما تحدثه من تغير في الإنسان.
٣- بذل ما يمكن لدفع الشر لوقاية لوط ضيفه ببناته٥.
٤- أسوأ الحياة أن لا يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
٥- إظهار الرغبة في القوة لدفع الشر وإبعاد المكروه ممدوح.
стр. 1232
قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (٨٢) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
شرح الكلمات:
فأسر بأهلك: أي اخرج بهم من البلد ليلا.
بقطع من الليل: أي بجزء وطائفة من الليل.
الصبح: هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
جعلنا عاليها: أي عالي القرية سافلها.
من سجيل: أي من طين متحجر.
منضود: أي منظم واحدة فوق أخرى بانتظام.
مسومة: أي معلمة بعلامة خاصة.
عند ربك: أي معلمة من عند الله تعالى.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن ضيف لوط مع قومه إنه بعد أن اشتد بلوط الخوف وتأسف من عدم القدرة على حماية الضيف الكريم وقال متمنياً لو أنّ لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد. هنا قالت له الملائكة١ ﴿يا لوط إنا رسل ربك إليك لنُنَجِيّنَّكَ ونهلك قومك لن
стр. 1233
يصلوا إليك أي بأي سوء أو بأدنى أذى فأسر١ بأهلك أي فاخرج بهم بقطع من الليل أي بطائفة وجزء من الليل ولا يلتفت٢ منكم أحد كراهة أن يرى ما ينزل بالقوم من العذاب فيصيبه كرب من ذلك إلا امرأتك وهي عجوز السوء فخلفها في القرية وإن خرجت دعها تلتفت فإنها مصيبها ما أصابهم. وسأل لوط عن موعد نزول العذاب بالقوم فقالوا إن موعدهم الصبح، وكان لوط قد استبطأ الوقت فقالوا له: أليس الصبح بقريب؟ وقول تعالى: ﴿فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها﴾ ٣ أي فلما جاء أمر الله بعذاب القوم أمر جبريل ﵇ فقلبها على أهلها فجعل عالي القرية سافلها، وسافلها عاليها وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل فمن كان خارج القرية أصابه حجر فأهلكه وقوله تعالى ﴿منضود مسومة﴾ أي مركب بعضها فوق بعض معلمة كل حجر عليها اسم من يرمى به، وقوله ﴿عند ربك﴾ أي معلمة من عند ربك يا رسول الله، وما هي من الظالمين ببعيد أي وما تلك القرية الهالكة من الظالمين وهم مشركو العرب ببعيد، أو وما تلك الحجارة التي أهلك بها قوم لوط ببعيد نزولها بالظالمين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- استحباب السير في الليل لما فيه من البركة بقطع المسافات البعيدة بدون تعب.
٢- كراهة التأسف لهلاك الظالمين.
٣- مظاهر قدرة الله تعالى في قلب أربع مدن في ساعة فكان الأعلى أسفل٤ والأسفل أعلى.
٤- وعيد الظالمين في كل زمان ومكان بأشد العقوبات وأفظعها.
стр. 1234
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (٨٦)
شرح الكلمات:
وإلى مدين: أي أرسلنا إلى مدين١ إلى أهل مدين.
المكيال والميزان: أي إذا بعتم لأحد فلا تنقصوا المكيال والميزان.
عذاب يوم محيط: أي يحيط بكم من جميع جهاتكم فلا ينجو منه أحد منكم.
بالقسط: أي بالعدل أي بالمساواة والتساوي في البيع والشراء على حد سواء.
ولا تبخسوا: أي لا تنقصوهم حقوقهم التي هي لهم عليكم في الكيل والوزن وفي غير ذلك.
ولا تعثوا في الأرض: أي ولا تعثوا في الأرض بالفساد.
بقية الله خير لكم: أي ما يبقى لكم بعد توفية المكيال والميزان خير لكم من الحرام الذي حرم الله عليكم.
وما أنا عليكم بحفيظ: أي رقيب أراقب وزنكم وكيلكم وإنما أنا واعظ لكم وناصح لا غير.
стр. 1235
معنى الآيات:
هذا بداية قصص شعيب ﵇ مع قومه أهل مدين قال تعالى ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا﴾ أي وأرسلنا إلى قبيلة مدين أخاهم في النسب شعيباً ﴿قال يا قوم اعبدوا الله ما١ لكم من إله غيره﴾ أي وحّدوا الله تعالى ليس لكم إله تعبدونه بحق إلا هو إذ هو ربكم الذي خلقكم ورزقكم ويدبر أمركم. وقوله ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ أي لا تنقصوا المكيال إذا كلتم لغيركم، والميزان إذا وزنتم لغيركم. وقوله ﴿إني أراكم بخير﴾ أي في رخاء وسعة من الرزق، ﴿واني أخاف عليكم عذاب يوم محيط٢﴾ إن أصررتم على الشرك والنقص والبخس٣ وهو عذاب يحيط بكم فلا يفلت منكم أحد. وقوله ﴿يا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط﴾ أمر بتوفية المكيال والميزان بالعدل بعد أن نهاهم عن النقص تأكيداً لما نهاهم عنه وليعطف عليه نهيا آخر وهو النهي عن بخس الناس أشياءهم إذ قال ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ أي تنقصوهم حقوقهم وما هو لهم بحق من سائر الحقوق.
ونهاهم عما هو أعم من ذلك فقال ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أي ولا تسعوا في الأرض بالفساد وهو شامل لكل المعاصي والمحرمات. وقوله ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم٤ مؤمنين﴾ أي وما يبقى لكم بعد توفية الناس حقوقهم خير لكم مما تأخذونه بالنقص والبخس لما في الأول من البركة ولما في الثاني من المحق إن كنتم مؤمنين بشرع الله ووعده ووعيده وقوله ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ أي بمراقب لكم حين تبيعون وتشترون، ولا بحاسب مُحصرٍ عليكم ظلمكم فأجازيكم به، وإنما أنا واعظ لكم ناصح ليس غير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وحدة دعوة الرسل وهي البداية بتوحيد الله تعالى أولا ثم الأمر والنهي لإكمال الإنسان
стр. 1236
وإسعاده بعد نجاته من الخسران.
٢- حرمة نقص الكيل والوزن أشد حرمة١.
٣- وجوب الرضا بالحلال وإن قل، وسخط الحرام وإن كثر.
٤- حرمة بخس الناس حقوقهم كأجور العمال، وأسعار البضائع ونحو ذلك.
٥- حرمة السعي بالفساد في الأرض بأي نوع من الفساد وأعظمه تعطيل شرائع الله تعالى.
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)
شرح الكلمات:
أصلاتك٢: أي كثرة الصلاة التي تصليها هي التي أثرت على عقلك فأصبحت تأمرنا بما لا ينبغي من ترك عبادة آلهتنا والتصرف في أموالنا.
стр. 1237
الحليم الرشيد: أي ذو الحلم والرشد، والحلم ضد الطيش والرشد ضد السفه ولم يكن قولهم هذا مدحاً له وإنما هو استهزاء به.
أن أخالفكم: أي لا أريد أن أنهاكم عن الشيء لتتركوه ثم أفعله بعدكم.
إن أريد إلا الإصلاح:: أي ما أريد إلا الإصلاح لكم.
وما توفيقي إلا بالله:: أي وما توفيقي للعمل الإصلاحي والقيام به إلا بفضل الله عليّ.
وإليه أنيب:: أي ارجع في أمري كله.
لا يجرمنكم شقاقي: أي لا تكسبنكم مخالفتي أن يحل بكم من العذاب ما حل بقوم نوح والأقوام من بعدهم.
وما قوم لوط منكم ببعيد:: أي في الزمن والمكان إذ بحيرة لوط قريبة من بلاد مدين التي هي بين معان والأردن.
رحيم ودود:: أي رحيم بالمؤمنين ودود محب للمتقين.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في الحديث عن شعيب ﵇ مع قومه أهل مدين إنه لما أمرهم بعبادة الله تعالى وحده ونهاهم نقص الكيل والوزن وبخس الناس أشياءهم والسعي في الأرض بالفساد، إذ كانوا يكسرون الدراهم وينشرونها ويقطعون الطريق. فردوا عليه قوله بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في١ أموالنا ما نشاء﴾ ؟ إنهم بهذا الخطاب ينكرون عليه نهيه لهم عن عبادة الأوثان والأصنام التي كان يعبدها آباؤهم من قبلهم كما ينكرون عليه نهيه لهم عن نقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم وأمره إياهم بالتزام الحق والعدل في ذلك، ينكرون عليه نهيه لهم وأمره إياهم وينسبون ذلك إلى كثرة صلاته فهي التي في نظرهم قد أصابته بضعف العقل وقلة الإدراك، وقولهم له ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ إنما هو تهكم٢.
стр. 1238
واستهزاء منهم لا أنهم يعتقدون حلم شعيب ورشده وإن كان في الواقع هو كما قالوا حليم رشيد إذ الحليم هو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل مالا يفعله في حال الرضا والرشيد خلاف السفيه الذي لا يحسن التصرف في المال وغيره هذا ما تضمنته الآية الأولى (٨٧) وأما الآيات الثلاث بعدها فقد تضمنت رد شعيب ﵇ على مقالتهم السابقة إذ قال ﴿يا قوم أرأيتم﴾ أي أخبروني ﴿إن كنت على بيّنة من ربي﴾ أي على برهان وعلم يقيني بألوهيته ومحابه ومساخطه ووعده لأوليائه ووعيده لأعدائه، ورزقي منه رزقاً حسناً أي حلالاً طيباً أخبروني فهل يليق بي أن أتنكر لهذا الحق والخير وأٌجَارِيكًمْ على باطلكم. اللهم لا، وشيء آخر وهو أني ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فإني لا آمركم بتوفية الكيل والوزن وأنقصها ولا بترك عبادة الأوثان وأعبدها، ولا أنهاكم عن كسر الدراهم١ وأكسرها فأكون كمن يأمر بالشيء ولا يفعله، وينهى عن الشيء ويفعله فيستحق اللوم والعتاب ونزع الثقة منه، وعدم اعتباره فلا يؤخذ بقوله ولا يعمل برأيه. وأمر آخر هو أني ما أريد بما أمرتكم به ولا بما نهيتكم عنه إلا الإصلاح لكم ما استطعت ذلك وقدرت عليه.
وما توفيقي في ذلك إلا بالله ربّي وربكم عليه توكلت في أمري كله وإليه وحده أنيب أي أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة. ثم ناداهم محذراً إياهم من اللجاج والعناد فقال: ويا قوم لا يجرمنكم أي لا يحملنكم شقاقي أي خلافي على الاستمرار في الكفر والعصيان فيصيبكم عذاب مثل عذاب قوم نوح وهو الغرق أو قوم هود وهو الريح المدمرة أو قوم صالح وهو الصيحة المرجفة ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ في الزمن والمكان وقد علمتم ما حل بهم من دمار وخراب. أي لا يحملنكم شقاقي وعداوتي على أن ينزل بكم العذاب، واستغفروا ربكم مما أنتم عليه من الشرك والمعاصي، ثم توبوا إليه بالطاعة، ﴿إن ربي رحيم﴾ لا يعذب من تاب إليه ودود٢ يحب من أناب إليه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التعريض القريب يُعطي حكم القذف الصريح.
٢- كراهية إتيان الشيء بعد النهى عنه، وترك الشيء بعد الأمر به والحث عليه.
стр. 1239
٣- كراهية اللجاج والعناد لما يمنع من الاعتراف بالحق والالتزام به.
٤- وجوب لاستغفار والتوبة من الذنوب.
٥- وصف الرب تعالى بالرحمن والمودة.
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
شرح الكلمات:
ما نفقه: أي ما نفهم بدقة كثيراً من كلامك.
ولولا رهطك: أي أفراد عشيرتك.
وما أنت علينا بعزيز: أي بقوي ممتنع.
ظهرياً١: أي لم تأبهوا به ولم تلتفتوا إليه كالشيء الملقى وراء الظهر.
стр. 1240
على مكانتكم: أي على ما أنتم عليه من حال التمكن والقدرة.
الصيحة: أي صحة العذاب التي أخذتهم.
جاثمين: أي على ركبهم.
كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يقيموا بها يوماً.
ألا بعداً لمدين: أي هلاكاً لمدين قوم شعيب
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن شعيب وقومه إنه بعد الحوار الذي دار بين شعيب وقومه يقول ويقولون وكان ﵇ فصيحاً مؤيداً من الله تعالى فيما يقول فأفحمهم وقطع الحجة عليهم لجأوا إلى أسلوب القوة والتهديد بل والشتم والإهانة وكان هذا منهم إيذاناً بقرب ساعة هلاكهم فقالوا فيما قص تعالى عنهم في هذه الآيات ﴿يا شعيب١ ما نفقه كثيراً مما تقول﴾ فقد نادوه ليسمع منهم ثم أعلموه أنهم لا يفقهون كثيراً من كلامه مع أنه يخاطبهم بلغتهم، ولكنه الصلف والكبرياء فإن صاحبها لا يفهم ما يقوله الضعفاء. وقالوا له: وإنا لنراك فينا ضعيفاً وهو احتقار منهم له، وقالوا: ولولا رهطك لرجمناك٢ أي ولولا وجود جماعة من عشيرتك نحترمهم لرجمناك أي لقتلناك رمياً بالحجارة، وأخيراً وما أنت علينا بعزيز أي بممتنع لو أردناك. وهنا رد شعيب ﵇ علمهم بقوله فقال ما أخبر تعالى به عنه ﴿قال يا قوم أرهطي٣ أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريّاً﴾ أي غير مبالين بأمره ولا نهيه كما جعلتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تسمعون منه ولا تطيعونه، يا ويلكم ﴿إنّ ربّي بما تعملون محيط﴾ أي علمه فأعمالكم معلومة له لا يخفى منها عليه شيء ولسوف يجزيكم بها عاجلا أو آجلا وقابل تهديدهم له بمثله فقال لهم ﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ أي على تمكنكم من عملكم ﴿إني عامل﴾ أي على تمكني من العمل الذي أعمله ﴿سوف تعلمون بعد من يأتيه عذاب يخزيه﴾ يذله ويهينه ومن هو كاذب منا فيعذب ويخزى ويذل ويهان أيضاً وعليه فارتقبوا يومذاك ﴿وارتقبوا فإني
стр. 1241
معكم رقيب﴾ منتظر قال تعالى ﴿ولما جاء أمرنا﴾ أي بالعذاب ﴿نجيّنا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا﴾ أي بفضل منا ونعمة من عندنا، ﴿وأخذت الذين ظلموا﴾ أي بالشرك والعصيان ﴿الصيحة﴾ أي صيحة العذاب١ التي ارتجفت لها قلوبهم وانخلعت فبركوا على ركبهم جاثمين هلكي لا يتحركون. قال تعالى في بيان حالهم ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ أي كأن لم يقيموا في تلك الديار ويعمروها زمنا طويلا. ثم لعنهم فقال: ﴿ألا بعداً لمدين﴾ بعداً لها من الرحمة وهلاكاً، كما بعدت٢ قبلها ثمود وهلكت.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ما أوتي نبي الله شعيب العربي من فصاحة وبيان حتى قيل فيه خطيب الأنبياء.
٢- اشتداد الأزمات مؤذن بقرب انفراجها٣.
٣- بيان فساد عقل من يهتم بتنفيذ أوامر الناس ويهمل أوامر الله تعالى ولا يلتفت إليها.
٤- فضل انتظار الفرج من الله تعالى وهو الرجاء المأمور به.
٥- صدق وعد الله رسله وعدم تخلفّه أبداً.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)
стр. 1242
شرح الكلمات:
موسى: هو موسى بن عمران كليم الله ورسوله إلى بني إسرائيل.
بآياتنا: هي التسع الآيات التي ذكر أكثرها في آية الأعراف.
وسلطان مبين: أي بحجة قوية على عدو الله فرعون فهزمه بها.
وملئه: أي أشرف رجال دولة فرعون.
وما أمر فرعون برشيد: أي بذي رشد بل هو السفه كله.
يقدم قومه: أي تقدمهم إلى النار فأوردهم النار.
بئس الورد المورود: أي قبح وساء ورداً يورد النار.
وأتبعوا في هذه لعنة: أي ألحقتهم في دار الدنيا لعنة وهي غرقهم.
بئس الرفد المرفود: أي قبح الرفد الذي هو العطاء المرفود به أي المعطى لهم. والمراد لعنة الدنيا ولعنة الآخرة.
معنى الآيات:
هذه لمحة خاطفة لقصة موسى ﵇ مع فرعون تضمنتها أربع آيات قصار قال تعالى ﴿ولقد أرسلنا موسى﴾ أي بعد إرسالنا١ شعيباً إلى أهل مدين أرسلنا موسى بن عمران مصحوباً بآياتنا الدالة٢ على إرسالنا له وصدق ما يدعوا إليه ويطالب به وسلطان مبين٣ أي وحجة قوية ظاهرة على وجوب توحيد الله تعالى وبطلان أولوهية من عداه كفرعون عليه لعائن الله ﴿إذ قال ما علمت لكم من إله غيري﴾ وقوله تعالى ﴿إلى فرعون وملئه﴾ أرسلناه بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وأشراف جنده وزعماء دولته فأمرهم موسى بإتباع الحق وترك الباطل فأبوا واتبعوا أمر فرعون فأضلهم. ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ حتى يهدي إلى الفلاح من اتبعه. قال تعالى (يقدم قومه٤ يوم القيامة﴾ أي لتقدمهم إلى النار فيوردهم حياضها ﴿وبئس الورد المورود﴾ أي نار جهنم قوله تعالى ﴿واتبعوا في هذه لعنة﴾ أي فرعون وقومه لعنوا في الدنيا، ويوم القيامة يلعنون أيضاً ﴿فبئس الرفد المرفود٥﴾ وهما لعنة الدنيا ولعنة الآخرة، والرفد العون والعطاء والمرفود به هو المعان به والمعطى لمن
стр. 1243
يرفد من الناس
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- من كتب الله شقاءه لا يؤمن بالآيات بل يردها ويكذب بها حتى يهلك.
٢- قوة الحجج وكثرة البراهين لا تستلزم إذعان الناس وإيمانهم.
٣- التحذير من اتباع رؤساء الشر وأئمة الفساد والضلال.
٤- ذم موارد الباطل والشر والفساد.
٥- شر المعذبين من جمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)
شرح الكلمات:
ذلك: الإشارة إلى قصص الأنبياء الذي تقدم في السورة.
من أنباء القرى: أي أخبار أهل القرى قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون.
منها قائم وحصيد: منها مدن بقيت آثارها كمدائن صالح، ومنها مدن لم يبق منها شيء كديار عاد.
التي يدعون: أي يعبدونها بالدعاء وغيره كالذبح لها والنذور والحلف بها.
غير تتبيب: أي تخسير وهلاك.
стр. 1244
إذا أخذ القرى: أي عاقبها بذنوبها.
أليم شديد: أي موجع شديد الإيجاع.
معنى الآيات:
لما قص تعالى على رسوله في هذه السورة ما قص من أخبار الأمم السابقة خاطبه قائلا ﴿١ذلك﴾ أي ما تقدم في السياق ﴿من أنباء القرى﴾ أي أهلها نقصه عليك تقريراً لنبوتك وإثباتاً لرسالتك وتثبيتاً لفؤادك وتسلية لك. وقوله تعالى ﴿منها قائم وحصيد٢﴾ أي ومن تلك القرى البائدة منها آثار قائمة من جدران وأطلال، ومنها ما هو كالحصيد ليس فيه قائم ولا شاخص لاندراسها وذهاب آثارها. وقوله تعالى ﴿وما ظلمناهم﴾ بإهلاكنا إياهم ولكن هم ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي والمجاحدة لآياتنا والمكابرة لرسولنا. وقوله تعالى ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء٣﴾ أي لم تغن عنهم أصنامهم التي اتخذوها آلهة فعبدوها بأنواع العبادات من دعاء ونذر وذبح وتعظيم إذ لم تغن عنهم شيئاً من الإغناء ﴿لما جاء أمر ربك﴾ بعذابهم ﴿وما زادوهم غير تتبيب٤﴾ أي تخسير ودمار وهلاك. ثم في الآية الأخيرة قال تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿وكذلك أخذ ربك﴾ أي وكذلك الأخذ المذكور أخذ ربك ﴿إذا أخذ القرى﴾ أي العواصم والحواضر بمن فيها والحال٥ أنها ظالمة بالشرك والمعاصي. ﴿إن أخذه أليم شديد﴾ أي ذو وجع شديد لا يطاق فهل يعتبر المشركون والكافرون والظالمون اليوم فيترك المشركون شركهم والكافرون كفرهم والظالمون ظلمهم قبل أن يأخذهم الله كما أخذ من قبلهم؟.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة محمد ﷺ ونشر رسالته وتسليته بما يقص الله عليه من أنباء السابقين.
стр. 1245
٢- تنزه الله تعالى عن الظلم في إهلاك أهل الشرك والمعاصي.
٣- آلهة المشركين لم تغن عنهم عند حلول النقمة بهم شيئاً.
٤- التنديد بالظلم وسوء عاقبة الظالمين.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ (١٠٩)
شرح الكلمات:
لآية: أي علامة على أن الذي عذب في الدنيا قادر على أن يعذب في الآخرة.
يوم مشهود: أي يشهد جميع الخلائق وهو يوم القيامة.
إلا لأجل معدود: أي أجل الدنيا المعدود الأيام والساعات.
إلا بإذنه: أي إلا بإذن الله تعالى.
شقي وسعيد: أي فمن أهل الموقف من هو شقي أزلاً وسيدخل النار، ومنهم سعيد أزلاً وسيدخل الجنة.
стр. 1246
زفير وشهيق: أي صوت شديد وهو الزفير وصوت ضعيف وهو الشهيق.
عطاء غير مجذوذ: أي غير مقطوع بل هو دائم أبداً.
فلا تك شك في مرية مما يعبد هؤلاء: أي في شك من بطلان عبادة هؤلاء المشركين.
نصيبهم غير منقوص: ما قدر لهم من خير أو شر رحمة أو عذاب.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي إن في أخذ الله تعالى للأمم الظالمة وتعذيبها بأشد أنواع العذاب آية أي علامة واضحة على أن من عذّب في الدنيا قادر على أن يعذب في الآخرة فالمؤمنون بلقاء الله تعالى يجدون فيما أخبر تعالى به من إهلاك الأمم الظالمة آية هي عبرة لهم فيواصلون تقواهم لله تعالى حتى يلاقوه وهم به مؤمنون ولأوامره ونواهيه مطيعون. وقوله تعالى ﴿ذلك يوم مجموع١ له الناس وذلك يوم مشهود﴾ أي ذلك التي فيه عذاب الآخرة هو يوم القيامة حيث يجمع فيه الناس لفصل القضاء ﴿وذلك يوم مشهود﴾ إذ تشهده الخلائق كلها وقوله تعالى ﴿وما نؤخره إلا لأجل معدود﴾ أي وما يؤخر يوم القيامة إلا لإكمال عمر الدنيا المعدود السين والأيام بل والساعات. وقوله تعالى ﴿يوم يأتي﴾ أي٢ يوم القيامة ﴿لا تكلّم نفس٣ إلا بإذنه﴾ أي٤ بإذن الله تعالى وقوله ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ أي والناس فيه ما بين شقي وسعيد، وذلك عائد إلى ما كتب لكل إنسان من شقاوة أو سعادة في كتاب المقادير، أولاً، ولما كسبوا من خير وشر ثانياً. وقوله تعالى ﴿فأما الذين شقوا﴾ أي في حكم الله وقضائه ففي النار لهم فيها زفير وهو صوت شديد وشهيق٥ وهو صوت ضعيف والصوتان متلازمان إذ هما كأول النهيق وآخره عند الحمار. وقوله تعالى ﴿خالدين فيها﴾ أي في النار ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ أي مدة دوامهما، وقوله ﴿إلا ما شاء ربك﴾ أن لا يخلد فيها وهم أهل التوحيد ممن ماتوا على كبائر الذنوب. وقوله تعالى ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ أي إن ربك أيها الإنسان فعال لما يريد إذا أراد شيئا فعله
стр. 1247
لا يحال بينه وبين فعله١. وقوله ﴿وأما الذين سعدوا﴾ أي حكم الله تعالى بسعادتهم لما وفقهم الله من الإيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي ﴿ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات٢ والأرض إلا ما شاء رَبَّك﴾ إذ إرادة الله مطلقة لا تحد إلا بمشيئته العليا وقوله ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ أي عطاء من ربك لأهل طاعته غير مقطوع أبداً وهذا دليل خلودهم فيها أبداً. وقوله تعالى ﴿فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء﴾ هو خطاب لرسول الله ﷺ ينهاه ربه تعالى أن يشك في بطلان عبادة المشركين أصنامهم فإنهم لا دليل لهم على صحة عبادتها وإنما هم مقلدون لآبائهم يعبدون ما كانوا يعبدون من الأصنام والأوثان، وقوله تعالى ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ يخبر تعالى انه موفي المشركين ما كتب لهم من خير وشر أو رحمة وعذاب توفية كاملة لا نقص فيها بحال.
هداية الآيات:.
من هداية الآيات:
١- فضل وفضيلة الإيمان بالآخرة.
٢-حتمية البعث الآخر وأنه لا شك فيه.
٣- الشقاوة والسعادة مضى بهما القضاء والقدر قبل وجود الأشقياء والسعداء.
٤- عجز كل نفس عن الكلام يوم القيامة حتى يؤذن لها به.
٥- إرادة الله مطلقة، لو شاء أن يخرج أهل النار لأخرجهم منها ولو شاء أن يخرج أهل الجنة لأخرجهم إلا أنه حكم بما أخبر به وهو العزيز الحكيم.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
стр. 1248
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (١١٣)
شرح الكلمات:
الكتاب: أي التوراة.
ولولا كلمة سبقت: أي لولا ما جرى به قلم القدر من تأخير الحساب والجزاء إلى يوم القيامة.
لفي شك منه مريب: أي موقع في الريب الذي هو اضطراب النفس وقلقها.
فاستقم كما أمرت: أي على الأمر والنهي كما أمرك ربك بدون تقصير.
ولا تطغوا: أي لا تجاوزوا حدود الله.
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا: أي لا تميلوا إليهم بموادة أو رضا بأعمالهم.
فتمسكم النار: أي تصيبكم ولازم ذلك دخولها.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في تسلية النبي ﷺ وحمله على الصبر والثبات وهو يبلغ دعوة الله تعالى ويدعو إلى توحيده مواجها صلف المشركين وعنادهم فيقول له ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب١﴾ أي التوراة كما أنزلنا عليك القرآن. فاختلفت اليهود في التوراة فمنهم من آمن بها ومنهم من كفر كما اختلف قومك في القرآن فمنهم من آمن به ومنهم من كفر إذاً فلا تحزن. وقوله تعالى ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ وهي تأخير الجزاء على الأعمال في الدنيا إلى يوم القيامة ﴿لقضي بينهم﴾ فنجى المؤمنين وأهلك الكافرين. وقوله تعالى ﴿وإنهم لفي شك منه مريب﴾ وإن قومك من مشركي العرب لفي شك من القرآن هل هو وحي الله وكلامه أو هو غير ذلك مريب أي موقع في الريب الذي هو شك مع اضطراب النفس وقلقها وحيرتها وقوله تعالى ﴿وإن كلاّ لما ليوفينهم٢ ربك
стр. 1249
أعمالهم﴾ أي وان كل واحد من العباد مؤمناً كان أو كافراً باراً أو فاجراً ليوفيّنه جزاء عمله يوم القيامة ولا ينقصه من عمله شيئاً وقوله ﴿إنه بما يعملون خبير﴾ تقرير لما أخبر به من الجزاء العادل إذ العلم بالعمل والخبرة التامة به لابد منهما للتوفية العادلة. وقوله تعالى ﴿فاستقم١ كما أمرت ومن تاب معك﴾ أي بناء على ذلك فاستقم كما أمرك ربك في كتابه فاعتقد الحق واعمل الصالح واترك الباطل ولا تعمل الطالح أنت ومن معك من المؤمنين لكون جزاؤكم خير جزاء يوم الحساب والجزاء. وقوله ﴿ولا تطغوا﴾ أي لا تتجاوزوا ما حد لكم في الاعتقاد والقول والعمل وقوله ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ تحذير لهم من الطغيان الذي نهوا عنه، وتهديد لمن طغى فتجاوز منهج الاعتدال المأمور بالتزامه. وقوله تعالى ﴿ولا تركنوا٢ إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ أي لا تميلوا إلى المشركين بمداهنتهم أو الرضا بشركهم فتكونوا مثلهم فتدخلوا النار مثلهم فتمسكم النار كما مستهم، وقوله تعالى ﴿وما لكم من دون الله من٣ أولياء ثم لا تنصرون﴾ أي إن أنتم ركنتم إلى الذين ظلموا بالشرك بربهم فكنتم في النار مثلهم فإنكم لا تجدون من دون الله وليّاً يتولى أمر الدفاع عنكم ليخرجكم من النار ثم لا تنصرون بحال من الأحوال، وهذا التحذير وإن وجه إلى الرسول ﷺ ابتداء فإن المقصود به أمته إذ هي التي يمكنها فعل ذلك أما الرسول ﷺ فهو معصوم من أقل من الشرك فكيف بالشرك.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تسلية الرسول ﷺ والتخفيف عنه مما يجده من جحود الكافرين.
٢- بيان سبب تأخر العذاب في الدنيا، وهو أن الجزاء في الآخرة لا في الدنيا.
٣- الجزاء الأخروي حتمي لا يتخلف أبداً إذ به حكم الحق .
٤- وجوب الاستقامة على دين الله تعالى عقيدة وعبادة وحكماً وأدباً.
стр. 1250
٥- حرمة الغلو وتجاوز ما حد الله تعالى في شرعه.
٦- حرمة مداهنة المشركين١ أو الرضا بهم أو بعملهم، لأن الرضا بالكفر كفر.
وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
شرح الكلمات:
وأقم الصلاة: أي صل الصلاة المفروضة.
طرفي النهار: أي الصبح، وهي في الطرف الأول، والظهر والعصر وهما في الطرف الثاني.
وزلفاً من الليل: أي ساعات الليل والمراد صلاة المغرب وصلاة العشاء.
إن الحسنات يذهبن السيئات: أي حسنات الصلوات الخمس يذهبن صغائر الذنوب التي تقع بينهن.
ذلك ذكرى للذاكرين: أي ذلك المذكور من قوله وأقم الصلاة عظة للمتعظين.
المحسنين: أي الذين يحسنون نياتهم وأقوالهم وأعمالهم بالإخلاص فيها لله وأدائها على نحو ما شرع الله وبيّن رسول الله ﷺ .
معنى الآيتين:
ما زال السياق الكريم في توجيه الرسول ﷺ والمؤمنين وهدايتهم إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم فقال تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفي٢ النهار وزلفاً من الليل٣﴾ أقمها في
стр. 1251
هذه الأوقات الخمس وهي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ومعنى أقمها أدها على الوجه الأكمل لأدائها، فيكون ذلك الأداء حسنات يمحو١ الله تعالى بها السيئات٢، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي المأمور به وما يترتب عليه ﴿ذكرى﴾ أي عظة ﴿للذاكرين﴾ أي المتعظين وقوله ﴿واصبر﴾ أي على الطاعات فعلاً وتركاً وعلى أذي المشركين ولا تجزع ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ أي جزاءهم يوم القيامة، والمحسنون هم الذين يخلصون أعمالهم لله تعالى ويؤدونها على الوجه الأكمل في أدائها فتنتج لهم الحسنات التي يذهب الله بها السيئات.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- بيان أوقات الصلوات الخمس إذ طرفي النهار هما الصبح وفيها صلاة الصبح والعشيّ وفيها صلاة الظهر والعصر كما أن زلفاً من الليل هي ساعاته فيها صلاة المغرب والعشاء.
٢- بيان سنة الله تعالى في أن الحسنة تمحو السيئة وفي الحديث " الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها ما لم تغش الكبائر".
٣- وجوب الصبر والإحسان وأنهما من أفضل الأعمال.
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
стр. 1252
(١١٨) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)
شرح الكلمات:
فلولا: لولا كلمة تفيد الحض على الفعل والحث عليه.
من القرون: أي أهل القرون والقرن مائة سنة.
أولو بقية: أي أصحاب بقيّة أي دين وفضل.
ما أترفوا فيه: أي ما نعموا فيه من طعام وشراب ولباس ومتع.
وكانوا مجرمين: أي لأنفسهم بارتكاب المعاصي ولغيرهم بحملهم على ذلك.
بظلم: أي منه لها بدون ما ذنب اقترفته.
أمة واحدة: أي على دين واحد وهو الإسلام.
ولذلك خلقهم: أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف وأهل الرحمة للرحمة.
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله ﴿فلولا كان من القرون﴾ من قبلكم أيها الرسول والمؤمنون ﴿أولو١ بقيّة﴾ من فهم وعقل وفضل ودين ينهون عن الشرك والتكذيب والمعاصي أي فهلاّ كان ذلك إنه لم يكن اللهم إلا قليلا ممن أنجى الله تعالى من إتباع الرسل عند إهلاك أممهم وقوله تعالى ﴿واتبع الذين ظلموا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين٢﴾ أي لم يكن بينهم أولو بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجى الله وما عداهم كانوا ظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصي متبعين ما اترفوا فيه من ملاذ الحياة الدنيا وبذلك كانوا مجرمين فأهلكهم الله تعالى ونجى رسله والمؤمنين كما تقدم ذكره في قصة نوح وهود وصالح وشعيب
стр. 1253
عليهم السلام. وقوله تعالى ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون١﴾ أي لم يكن من شأن ربّك أيها الرسول أن يهلك القرى بظلم منه وأهلها مصلحون، ولكن يهلكهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك والتكذيب والمعاصي. وما تضمنته هذه الآية هو بيان لسنة الله تعالى في إهلاك الأمم السابقة ممن قص تعالى أنباءهم في هذه السورة. وقوله تعالى ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة٢﴾ أي على الإسلام بأن خلق الهداية في قلوبهم وصرف عنهم الموانع. ولما لم يشأ ذلك لا يزالون مختلفين على أديان شتى من يهودية ونصرانية ومجوسية وأهل الدين الواحد يختلفون إلى طوائف ومذاهب مختلفة وقوله ﴿إلا من رحم ربك٣﴾ أيها الرسول فإنهم لا يختلفون بل يؤمنون بالله ورسوله ويعملون بطاعتهما فلا فرقة ولا خلاف بينهم دينهم واحد وأمرهم واحد. وقوله ﴿ولذلك خلقهم﴾ أي وعلى ذلك خلقهم فمنهم كافر ومنهم مؤمن، والكافر شقي والمؤمن سعيد، وقوله ﴿وتمت كلمة﴾ أي حقت ووجبت وهي ﴿لأملأن جهنم٤ من الجنة والناس٥ أجمعين﴾ ولذا كان اختلاقهم مُهيّئاً لهم لدخول جهنم حيث قضى الله تعالى بامتلاء جهنم من الجن والإنس أجمعين فهو أمر لابد كائن.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- ما يزال الناس بخير ما وجد بينهم أولو الفضل والخير يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن الفساد والشر.
٢- الترف كثيراً ما يقود إلى الإجرام على النفس بإتباع الشهوات وترك الصالحات.
٣- متى كان أهل القرى صالحين فهم آمنون من كل المخاوف.
٤- الاتفاق رحمة والخلاف عذاب.
стр. 1254
وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)
شرح الكلمات:
وكلاً نقص: أي وكل ما تحتاج إليه من أنباء الرسل نقصه علبك تثبيتاً لفؤادك.
ما نثبت به فؤادك: أي نقص عليك من القصص ما نثبت به قلبك لتصبر على دعوتنا وتبليغها.
وجاءك في هذه الحق: أي في هذه السورة الحق الثابت من الله تعالى كما جاءك في غيرها.
وموعظة وذكرى: أي وجاءك فيها موعظة وذكرى للمؤمنين إذ هم المنتفعون بها.
ولله غيب السموات والأرض: أي ما غاب علمه فيهما فالله يعلمه وحده وليس لغيره فيه علم.
فاعبده: أي وَحِّدْهُ في العبادة ولا تشرك به شيئاً.
وتوكل عليه: أي فوض أمرك إليه وثق تمام الثقة فيه فإنه يكفيك.
معنى الآيات:
لما قص تعالى على رسوله في هذه السورة الشريفة ما قصه من أنباء الرسل مع أممهم مبيناً ما لاقت الرسل من أفراد أممهم من تكذيب وعناد ومجاحدة وكيف صبرت الرسل
стр. 1255
حتى جاءها النصر أخبر تعالى رسوله بقوله ﴿وكلاً١ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ أي ونقص عليك كل ما تحتاج إليه في تدعيم موقفك وقوة عزيمتك من أنباء الرسل أي من أخبارها مع أممها الشىء الذي نثبت به قلبك حتى تواصل دعوتك وتبلغ رسالتك. وقوله ﴿وجاءك في هذه﴾ أي السورة الحق٢ من الأخبار كما جاءك في غيرها ﴿وموعظة﴾ لك٣ تعظ بها غيرك، ﴿وذكرى﴾ يتذكر بها المؤمنون فيثبتون على الحق ويصبرون على الطاعة والبلاء فلا يجزعوا ولا يملوا، وقوله ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾ أي وقل يا رسولنا للذين لا يؤمنون من قومك ممن هم مصرون على التكذيب والشرك والعصيان اعملوا على حالكم وما أننم متمكنون منه إنا عاملون على حالنا كذلك، وانتظروا أينا ينتصر في النهاية أو ينكسر. وقوله ولله غيب٤ السموات والأرض فهو وحده يعلم متى يجيء النصر ومتى تحق الهزيمة. وإليه برجع الأمر كله أمر الانتصار والانكسار كأمر الهداية والاضلال والإسعاد والاشقاء، وعليه فاعبده يا رسولنا وحده وتوكل٥ عليه وحده، فإنه كافيك كل ما يهمك من الدنيا والآخرة، وما ربك بغافل عما تعملون أيها الناس وسيجزي كلاّ بما عمل من خَيْرٍ أو غيرٍ وهو على كل شيء قدير.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان فائدة القصص القرآني وهي أمور منها:
أ) تثبيت قلب النبي ﷺ
ب) إيجاد مواعظ وعبر للمؤمنين.
جـ) تقرير نبوة الرسول ﷺ .
٢- علم الغيب لله وحده لا يعلمه غيره.
٣- مرد الأمور كلها لله بدءاً وعوداً ونهاية.
стр. 1256
٤- وجوب١ عبادة الله تعالى والتوكل عليه.
стр. 1257
سورة يوسف
مكية
وآياتها مائة وإحدى عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)
شرح الكلمات:
ألر: تكتب آلر وتقرأ: ألف، لام، را، والله أعلم بمراده بذلك.
الكتاب المبين: أي القرآن المظهر للحق في الاعتقادات والعبادات والشرائع.
قرآنا عربيا: أي بلغه العرب العدنانيّون والقحطانيون سواء.
نحن نقص: نحدثك متتبعين آثار الحديث على وجهه الذي كان عليه وتم به.
بما أوحينا: أي بإيحائنا إليك فالوحي هو أداة القصص.
من قبله: أي من قبل نزوله عليك.
لمن الغافلين: أي من قبل إيحائنا إليك غافلا عنه لا تذكره ولا تعلم منه شيئاً.
стр. 1258
معنى الآيات:
إن المناسبة بين سورتي هود ويوسف ﵉ أن الثانية تتميم للقصص الذي اشتملت عليه الأولى إذ سورة يوسف اشتملت على أطول قصص في القرآن الكريم أوله ﴿إذ قال يوسف لأبيه﴾ رابع آية وآخره ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾ الآية الثانية بعد المائة وأما سبب نزول هذه السورة فقد قيل للرسول١ ﷺ لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى ﴿ألر تلك آيات الكتاب المبين﴾ إلى قوله ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم﴾ فقص أحداث أربعين سنة تقريباً، فقوله تعالى ﴿ألر﴾ من هذه الحروف المقطعة تألفت آيات القرآن الكريم، فأشار إليها بقوله ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ أي المبيّن للحق المُظهر له ولكل ما الناس في حاجة إليه مما يصلح دينهم ودنياهم. وقوله تعالى ﴿إنا أنزلناه﴾ أي القرآن ﴿قرآنا عربيّاً﴾ ٢ أي بلسان العرب ليفهموه ويعقلوا معانيه فيهتدوا عليه فيكملوا ويسعدوا. وقوله ﴿لعلكم تعقلون٣﴾ أي ليمكنكم فهمه ومعرفة ما جاء فيه من الهدى والنور. وقوله تعالى ﴿نحن نقص عليك﴾ يا رسول الله ﴿أحسن القصص٤﴾ أي أصحه وأصدقه وأنفعه وأجمله ﴿بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ أي بواسطة إيحائنا إليك هذا القرآن، ﴿وإن كنت من قبله﴾ أي من قبل إتيانه إليك ﴿لمن الغافلين﴾ عنه لا تذكره ولا تعلمه.
هداية الآيات:.
من هداية الآيات:
١- تقرير إعجاز القرآن إذ هو مؤلف من مثل ألر، وطس، وق، ومع هذا لم يستطع العرب أن يأتوا بسورة مثله.
٢- بيان الحكمة في نزول القرآن باللغة العربية وهي أن يعقله العرب ليبلغوه إلى غيرهم.
стр. 1259
٣- القرآن الكريم أشتمل على أحسن القصص فلا معنى لسماع١ قصص غيره.
٤ - تقرير نبوة الرسول ﷺ وإثباتها بأقوى برهان عقليّ وأعظم دليل نقليّ.
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
شرح الكلمات
لأبيه: أي يعقوب بن اسحق بن إبراهيم الخليل ﵇.
إني رأيت: أي في منامي.
أحد عشر كوكبا: أي من كواكب السماء.
ساجدين: أي نزل الكل من السماء وسجدوا ليوسف وهو طفل.
فيكيدوا لك: أي يحتالوا عليك بما يضرك.
عدو مبين: أي بين العداوة ظاهرها.
يجتبيك ربك: أي يصطفيك له لتكون من عباده المخلصين.
من تأويل الأحاديث: أي تعبير الرؤيا.
ويتم نعمته عليك: أي بأن ينبّئك ويرسلك رسولاً.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إذ قال يوسف﴾ ٢ هذا بداية القصص أي اذكر أيها الرسول إذ قال يوسف بن
стр. 1260
يعقوب لأبيه يعقوب ﴿يا أبتِ١﴾ أي يا أبى ﴿إني رأيت أحد عشر كوكباً﴾ أي من كواكب السماء ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين٢﴾ أي نزلوا من السماء وسجدوا له تحيّة وتعظيماً. وسيظهر تأويل هذه الرؤيا بعد أربعين سنة حيث يجمع الله شمله بأبويه وإخوته الأحد عشر ويَسجدُ الكل له تحيّة وتعظيماًَ. وقوله تعالى ﴿قال يا بنيّ﴾ أي قال يعقوب لولده يوسف ﴿لا تقصص رؤياك على إخوتك﴾ ٣ وهم إخوة له من أبيه دون أمه ﴿فيكيدوا لك كيداً﴾ أي يحملهم الحسد على أن يكيدوك بما يضرك بطاعتهم للشيطان حين يغريهم بك ﴿إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ إذ أخرج آدم وحواء من الجنة بتزيينه لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها. وقوله ﴿وكذلك يجتبيك ربّك﴾ وكما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر ساجدين لك يجتبيك أي يصطفيك له لتكون من عباده المخلصين.
وقوله ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ أي ويعلمك معرفة ما يزول إليه أحاديث الناس ورؤياهم٤ المنامية، ويتم نعمته عليك بالنبوة وعلى آل يعقوب أي أولاده. ﴿كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحق﴾ اسحق جد يوسف الأدنى وإبراهيم جده الأعلى حيث أنعم عليهما بانعامات كبيرة أعظمها النبوة والرسالة، وقوله تعالى ﴿إن ربك عليم﴾ أي بخلقه ﴿حكيم﴾ أي في تدبيره فيضع كل شيء في موضعه فيكرم من هو أهل للإكرام، ويحرم من هو أهل للحرمان.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- ثبوت الرؤيا شرعاً ومشروعية تعبيرها٥.
стр. 1261
٢-قد تتأخر الرؤيا فلا يظهر مصداقها إلا بعد السنين العديدة.
٣- مشروعية الحذر والأخذ بالحيطة في الأمور الهامة.
٥- بيان إفضال الله على آل إبراهيم بما أنعم عليهم فجعلهم أنبياء آباء وأبناء وأحفاداً.
لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٨) اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)
شرح الكلمات:
آيات للسائلين١: عبر للسائلين عن أخبارهم وما كان لهم من أحوال غريبة.
ونحن عصبة: أي جماعة إذ هم أحد عشر رجلا.
أو اطرحوه أرضا: أي ألقوه في أرض بعيدة لا يعثر عليه.
يخل لكم وجه أبيكم: أي من النظر إلى يوسف فيقبل عليكم ولا يلتفت إلى غيركم.
في غيابة الجب: أي ظلمة البئر.
بعض السيارة: أي المسافرين السائرين في الأرض.
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصة يوسف ﵇ قال تعالى ﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾ أي
стр. 1262
في شأن يوسف وإخوته وما جرى لهم وما تم من أحداث جسام عبر وعظات للسائلين١ عن ذلك المتطلعين إلى معرفته. ﴿إذ قالوا﴾ أي إخوة يوسف ﴿ليوسف وأخوه﴾ بنيامين وهو شقيقه٢ دونهم ﴿أحب إلى أبينا منّا ونحن عصبة﴾ أي جماعة فكيف يفضل٣الاثنين على الجماعة ﴿إن أبانا﴾ أي يعقوب ﵇ ﴿لفي ظلال مبين﴾ أي في خطأ بيّن بإيثاره يوسف وأخاه بالمحبة دوننا. وقوله ﴿اقتلوا يوسف٤ أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم﴾ يخبر تعالى عما قاله إخوة يوسف وهم في خلوتهم يتآمرون على أخيهم للتخلص منه فقالوا ﴿اقتلوا يوسف﴾ بإزهاق روحه، ﴿أو اطرحوه﴾ في أرض بعيدة ألقوه فيها فيهلك وتتخلصوا منه بدون قتل منكم، وبذلك ﴿يخل لكم وجه أبيكم﴾ حيث كان مشغولاً بالنظر إلى يوسف، ويحبكم وتحبونه وتتوبوا إلى الله من ذنب إبعاد يوسف عن أبيه، وتكونوا بعد ذلك قوماً صالحين حيث لم يبق ما يورثكم ذنباً أو يكسبكم إثماً. وقوله تعالى: ﴿قال قائل منهم﴾ يخبر تعالى عن قيل إخوة يوسف لبعضهم البعض وهم يتشاورون في شأن يوسف وكيف يبعدونه عن أبيهم ورضاه عنهم قال قائل منهم هو يهودا أو روبيل وكان أخاه وابن خالته وكان أكبرهم سناً وأرجحهم عقلا قال: لا تقتلوا يوسف، لأن القتل جريمة لا تطاق ولا ينبغي ارتكابها بحال، والقوة في غيابة الجب٥ أي في ظلمة البئر، وهي بئر معروفة في ديارهم بأرض فلسطين يلتقطه٦ بعض السيارة من المسافرين إن كنتم فاعلين شيئاً إزاء أخيكم فهذا أفضل السبل لذلك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الميل إلى أحد الأبناء بالحب يورث العداوة بين الإخوة.
стр. 1263
٢- الحسد١ سبب لكثير من الكوارث البشرية.
٣- ارتكاب أخف الضررين قاعدة شرعية عمل بها الأولون.
٤- الشفقة والمحبة في الشقيق أكبر منها في الأخ للأب.
قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (١٤)
شرح الكلمات:
لناصحون: لمشفقون عليه نحب له الخير كما نحبه لأنفسنا.
يرتع ويلعب٢: أي يأكل ويشرب ويلعب بالمسابقة والمناضلة.
إني ليحزنني: أي يوقعني في الحزن الذي هو ألم النفس أي ذهابكم به.
الذئب: حيوان مفترس خداع شرس.
ونحن عصبة: أي جماعة قوية.
لخاسرون: أي ضعفاء عاجزون عرضة للخسران بفقدنا أخانا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصة يوسف إنهم بعد ائتمارهم واتفاقهم السري على إلقاء يوسف في غيابة الجب طلبوا من أبيهم أن يترك يوسف يخرج معهم إلى البر كعادتهم للنزهة والتنفه
стр. 1264
وكأنهم لاحظوا عدم ثقة أبيهم فيهم فقالوا له ﴿ما لك لا تأمنا١ على يوسف وإنا له لناصحون﴾ أي محبون له كل خير مشفقون عليه أن يمسه أدنى سوء. ﴿أرسله معنا غداً يرتع ويلعب﴾ أي يرتع في البادية يأكل الفواكه ويشرب الألبان ويأكل اللحوم ويلعب بما نلعب به من السباق والمناضلة، والمصارعة، ﴿وإنا له لحافظون﴾ من كل ما قد يضره أو يُسيءُ إليه. فأجابهم ﵇ قائلاً ﴿إني ليحزنني٢ أن تذهبوا به﴾ أي إنه ليوقعني في الحزن وآلامه ذهابكم به. ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ في رتعكم ولعبكم. فأجابوه قائلين والله ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون﴾ أي لا خير في وجودنا ما دمنا نُغلب على أخينا فيأكله الذئب بيننا. ومع الأسف فقد اقنعوا بهذا الحديث والدهم وغداً سيذهبون بيوسف لتنفيذ مؤامرتهم الدنية.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير قاعدة: لا حذر مع القدر أي لا حذر ينفع٣ في ردّ المقدور.
٢- صدق المؤمن يحمله على تصديق من يحلف له ويؤكد كلامه.
٣- جواز الحزن وأنه لا إثم فيه وفي الحديث "وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
٤- أكل الذئب٤ للإنسان إن أصاب منه غفلة واقع وكثير أيضاً.
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (١٦) قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ
стр. 1265
بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)
شرح الكلمات:
وأجمعوا: أي أمرهم على إلقائه في غيابة الجب.
في غيابة الجب: أي في ظلمة البئر.
وأوحينا إليه: أي أعلمناه بطريق خفي سريع.
عشاء: أي بعد غروب الشمس أول الليل.
نستبق: أي بالمناضلة.
عند متاعنا: أي أمتعتنا من ثياب وغيرها.
وما أنت بمؤمن لنا: أي بمصدّق لنا.
بدم كذب: أي بدم مكذوب أي دم سخلة وليس دم يوسف.
بل سولت لكم: أي زينت وحسنت.
على ما تصفون: أي من الكذب.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في الإخبار عما عزم عليه إخوة يوسف أن يفعلوه فقد أقنعوا والدهم يوم أمس على إرسال يوسف معهم إلى البر وها هم أولاء وقد أخذوه معهم وخرجوا به، وما إن بعدوا به حتى تغيرت وجوههم عليه وصار يتلقى الكلمات النابية والوكز والضرب أحياناً، وقد أجمعوا أمرهم على إلقائه في بئر معلومة لهم في الصحراء، ونفذوا مؤامرتهم وألقوا أخاهم وهو يبكي بأعلى صوته وقد انتزعوا منه قميصه وتركوه مكتوفاً في قعر البئر. وهنا أوحى الله تعالى إليه أي أعلمه بما شاء من وسائط العلم انه سينبئهم في يوم من الأيام بعملهم الشنيع هذا وهو معنى قوله تعالى في السياق ﴿وأوحينا١ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ وبعد أن فرغوا من أخيهم ذبحوا سخلة ولطخوا بدمها قميصه، وعادوا