← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

شرح الكلمات: وقال الذين أشركوا: هم كفار قريش ومشركوها. ولا حرمنا من دونه من شيء: كالسوائب والبحائر والوصائل والحامات. فهل على الرُّسل إلا البلاغ: أي ما على الرُّسل إلا البلاغ فالاستفهام للنفي. واجتنبوا الطاغوت: أي عبادة الأصنام والأوثان. حقت عليه الضلالة: أي وجبت في علم الله أزلا. جهد أيمانهم: أي غايتها حيث بذلوا جهدهم فيها مبالغة منهم. بلى وعداً عليه حقاً: أي بلى يبعث من يموت وقد وعد به وعداً وأحقه حقاً. فهو كائن لا محالة. يختلفون فيه: أي بين المؤمنين من التوحيد والشرك. انهم كانوا كاذبين: أي في قولهم "لا نبعث بعد الموت". معنى الآيات: ما زال السياق في الحجاج مع مشركي قريش فيقول تعالى مُخْبراً عنهم ﴿وقال الذين أشركوا﴾ أي مع الله آلهةً أخرى وهي أصنامهم كهبل واللات والعُزَّى وقالوا لو شاء الله عدم إشراكنا به ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دون تحريمه شيئاً فهل قالوا هذا إيمانا بمشيئة الله تعالى، أو قالوه استهزاء وسخرية دفاعاً عن شركهم وشرعهم الباطل في التحريم والتحليل بالهوى، والأمران محتملان. والرد عليهم بأمرين أولهما ما دام الله قد نهاهم عن الشرك والتشريع فإن ذلك أكبر دليل على تحريمه تعالى لشركهم ومحرماتهم من السوائب والبحائر وغيرها وثانيهما كونه لم يعذبهم عليها بعد ليس دليلاً على رضاه بها بدليل أن من سبقهم من الأمم والشعوب الكافرة قالوا قولتهم هذه محتجين به على باطلهم فلم يلبثوا حتى أخذهم الله، فدل ذلك قطعاً على عدم رضاه بشركهم وشرعهم إذ قال تعالى في سورة الأنعام رداً على هذه الشبهة كذلك قال الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا أي عذاب انتقامنا منهم لما كذبوا رسلنا وافتروا علينا. وقوله تعالى: ﴿كذلك فعل الذين١

стр. 1437

من قبلهم﴾ من الأمم السابقة قالوا قول هؤلاء لرسلهم وفعلوا فعلهم حتى أخذهم الله بالعذاب. وقوله ﴿فهل١ على الرسل٢ إلا البلاغ المبين﴾ أي ليس على الرسول إكراه المشركين على ترك الشرك ولا إلزامهم بالشرع وإنما عليه أن يبلغهم أمر الله تعالى ونهيه لا غير.. فلذا كان في الجملة تسلية رسول الله ﷺ وحمله على الصبر حتى يبلغ دعوة ربه وينصره على أعدائه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق (٣٥) وقوله في الآية الثانية (٣٦) ﴿ولقد بعثنا٣ في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ فأخبر تعالى بأنه ما أخلى أمة من الأمم من إرسال رسول إليها لهدايتها وبيان سبيل نجاتها وتحذيرها من طرق غوايتها وهلاكها. كما أخبر عن وحدة الدعوة بين الرسل وهي لا إله إلا الله المفسره بعبادة الله تعالى وحده، واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله مما دعا الشيطان إلى عبادته بالتزيين والتحسين عن طريق الوسواس من جهة ومن طريق أوليائه من٤ الناس من جهة أخرى. وقوله تعالى: ﴿فمنهم﴾ أي من الأمم المرسل إليهم ﴿من هدى الله﴾ فعرف الحق واعتقده وعمل به فنجا وسعد، ﴿ومنهم من حقت عليه الضلالة٥﴾ أزلاً في كتاب المقادير لأنه أصر على الضلال وجادل عنه وحارب من أجله باختياره وحريته فحرمه الله لذلك التوفيق فضلَّ ضلالاً لا أمل في هدايته. وقوله تعالى: ﴿فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ أمرٌ لكفار قريش المجادلين بالباطل المحتجين على شركهم وشرعهم الباطل أمرٌ لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً فينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين أمثالهم من أمة عاد في الجنوب وثمود في الشمال، ومدين ولوط وفرعون في الغرب. وقوله تعالى في تسلية رسوله والتخفيف من الهمَّ عنه: ﴿إن تحرص﴾ يا رسولنا

стр. 1438

﴿على هداهم﴾ أي هدايتهم إلى الحق ﴿فإن الله لا يهدي من يضل١﴾ فخفف على نفسك وهون عليها فلا تأسف ولا تحزن وادع إلى ربك في غير حرص يضر بك وقوله ﴿لا يهدي من يضل﴾ أي لا يقدر أحد أن يهدي من أضله الله، لأن اضلال الله تعالى يكون على سنن خاصة لا تقبل التبديل ولا التغيير لقوة سلطانه وسعة عمله. وقوله ﴿وما لهم من ناصرين﴾ أي وليس لأولئك الضلال الذين أضلهم الله حسب سنته من ناصرين ينصرونهم على ما سينزل بهم من العذاب وما سيحل بهم من خسرانٍ وحرمان. وقوله تعالى في الآية (٣٨) ﴿وأقسموا بالله جهد٢ أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ اخبار عن قول المشركين والمكذبين باليوم الآخر أصحاب القلوب المنكرة، ومعنى ﴿أقسموا بالله جهد أيمانهم٣﴾ أي حلفوا أشد الإيمان إذ كانوا في الأمور التافهة يحلفون بآلهتهم وآبائهم. وإذا كان الأمر ذا خطر وشأن أقسموا بالله وبالغوا في الإقسام حتى يبلغوا جهد أيمانهم والمحلوف عليه هو أنهم إذا ماتوا لا يبعثون أحياء فيحاسبون ويجزون فرد الله تعالى عليهم بقوله ﴿بلى﴾ أي تبعثون وعد الله حقاً فلا بد ناجز ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون٤﴾ فلذا ينفون البعث وينكرونه لجهلهم بأسرار الكون والحياة وعلل الوجود والعمل فيه فلذا أشار الله تعالى إلى بعض تلك العلل في قوله: ﴿ليبين لهم الذي يختلفون فيه﴾ فلولا البعث الآخر ما عرف المُحق من المبطل في هذه الحياة والخلاف سائد ودائم بين الناس. هذا أولاً. وثانياً: ﴿وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين٥﴾ في اعتقاداتهم وأعمالهم ونفيهم الحياة الثانية للجزاء على العمل في دار العمل هذه أما استبعادهم البعث بعد الموت نظرا إلى وسائلهم ووسائطهم الخاصة بهم فقد أخبرهم تعالى بأن الأمر ليس كما تقدرون أنتم وتفكرون: إنه مجرد ما تتعلق إرادتنا بشيء نريد أن يكون، نقول له كن

стр. 1439

فيكون فوراً، والبعث الآخر من ذلك. هذا ما دل عليه قوله في الآية (٤٠) ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون١﴾ ولا يقولن قائل كيف يخاطب غير الموجود فيأمره ليوجد فإن الله تعالى إذا أراد شيئاً علمه أولاً ثم قال له كن فهو يكون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الرد على شبهة المشركين في احتجاجهم بالمشيئة الإلهية. ٢- تفسير لا إله إلا الله. ٣- التحذير من تعمد الضلال وطلبه والحرص عليه فإن من طلب ذلك وأضله الله لا ترجى هدايته. ٤- بيان بعض الحكم في البعث الآخر. ٥- لا يستعظم على الله خلق شيء وإيجاده، لأنه يوجد بكلمة التكوين فقط. وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) شرح الكلمات: والذين هاجروا في الله: أي خرجوا من مكة في سبيل الله نصرةً لدينه وإقامته بين الناس.

стр. 1440

لنبوئنهم في الدنيا حسنة: أي لننزلنهم داراً حسنة هي المدينة النبوية هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون: أي على أذى المشركين وهاجروا متوكلين على ربهم في دار هجرتهم. فاسألوا أهل الذكر: أي أيها الشاكوّن فيما جاء به محمد ﷺ فاسألوا أهل التوراة والإنجيل لإزالة شككم ووقوفكم على الحقيقة وأن ما جاء به محمد حق وأن الرسل قبله كلهم كانوا بشراً مثله. بالبينات والزبر: أي أرسلناهم بشراً بالبينات والزبر١ لهداية الناس. وأنزلنا إليك الذكر: أي القرآن. لتبين للناس ما نزل إليهم: علة لإنزال الذكر إذ وظيفة الرسل، البيان. معنى الآيات: إنه بعد اشتداد الأذى على المؤمنين لعناد المشركين وطغيانهم، أذن الله تعالى على لسان رسوله للمؤمنين بالهجرة من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر رجال ونساء فذكر تعالى ثناء عليهم وتشجيعاً على الهجرة من دار الكفر فقال ﴿والذين هاجروا٢ في الله﴾ أي في ذات الله ومن أجل عبادة الله ونصرة دينه ﴿من بعد ما ظلموا﴾ أي من قبل المشركين ﴿لنبوئنهم﴾ أي لننزلهم ولنسكننهم ﴿في الدنيا حسنة﴾ وهي المدينة النبوية ولنرزقنهم فيها رزقاً حسناً هذا بالنسبة لمن نزلت٣ فيهم الآية، وإلا فكل من هاجر في الله ينجز له الرب هذا الوعد كما قال تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيرا وسعة﴾ أي في العيش والرزق ﴿ولأجر الآخرة﴾ المعد لمن هاجر في سيبل

стр. 1441

الله ﴿أكبر لو كانوا يعلمون١﴾ . هذا ترغيب في الهجرة وتشجيع للمتباطئين على الهجرة وقوله: ﴿الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾ ٢ بيان لحالهم وثناء عليهم بخير لأنهم صبروا أولاً على الأذى في مكة ثم لما أذن لهم بالهجرة هاجروا متوكلين على الله تعالى مفوضين أمورهم إليه، واثقين في وعده. هذا ما دلت عليه الآيتان (٤١) ، (٤٢) . وأما الآية الثالثة (٤٣) والرابعة من هذا السياق فهما تقرير حقيقة علمية بعد إبطال شبهة المشركين القائلين كيف يرسل الله محمداً رسولاً وهو بشر مثلنا لم لا يرسل ملكاً.. وهو ما أخبر الله تعالى في قوله ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ أي من الرسل ﴿إلا رجالاً﴾ لا ملائكة ﴿نوحي إليهم﴾ بأمرنا وقوله: ﴿فاسألوا﴾ أيها المشركون المنكرون أن يكون الرسول بشراً، اسألوا أهل الذكر وهو الكتاب٣ الأول أي أسألوا علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى هل كان الله تعالى يرسل الرسل من غير البشر ﴿إن كنتم لا تعمون﴾ فإنهم يخبرونكم وما موسى ولا عيسى إلا بشر، وقوله: ﴿بالبينات والزبر﴾ أي أرسلنا أولئك الرسل من البشر بالبينات أي الحجج والدلائل الدالة على وجوب عبادتنا وترك عبادة من سوانا. والزبر أي الكتب. ثم يقول تعالى لرسوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ وفي هذا تقريرٌ لنبوته وقوله: ﴿ولعلهم يتفكرون﴾ فيعرفون صدق ما جئتهم به فيؤمنوا. ويتوبوا إلى ربهم فينجوا ويسعدوا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١-فضل الهجرة ووجوبها عند اضطهاد المؤمن وعدم تمكنه من عبادة الله تعالى. ٢- وجوب سؤال أهل العلم على كل من لا يعلم أمور دينه من عقيدة وعبادة وحكم. ٣- السنة لا غنى عنها لأنها المبينة لمجمل القرآن والموضحة لمعانيه.

стр. 1442

أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٤٧) أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) شرح الكلمات: مكروا السيئات: أي مكروا المكرات السيئات فالسيئات وصف للمكرات التي مكروها. في تقلبهم: أي في البلاد مسافرين للتجارة وغيرها. على تخوف: أي تنقص. يتفيئوا ظلاله:. أي تتميل من جهةٍ إلى جهة. سجداً لله: أي خضعاً لله كما أراد منهم. داخرون: أي صاغرون ذليلون. من فوقهم: من أعلى منهم إذ هو تعالى فوق كل شيء ذاتاً وسلطاناً وقهراً. ها يؤمرون: أي ما يأمرهم ربهم تعالى به. معنى الآيات: ما زال السياق في تخويف المشركين وتُذكيرهم لعلهم يرجعون بالتوبة من الشرك والجحود للنبوة والبعث والجزاء. قال تعالى: ﴿أفأمن الذين مكروا١﴾ المكرات

стр. 1443

﴿السيئات﴾ من محاولة قتل النبي ﷺ والشرك والتكذيب بالنبوة والبعث وظلم المؤمنين وتعذيب بعضهم، أفأمنوا ﴿أن يخسف الله بهم الأرض﴾ من تحتهم فيقرون في أعمالها، ﴿أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون١﴾ ولا يتوقعون من ريح عاصف تعصف بهم أو وباء يشملهم أو قحط يذهب بما لهم. وقوله تعالى: ﴿أو يأخذهم في تقلبهم﴾ أي في تجارتهم وأسفارهم ذاهبين آيبين من بلدٍ إلى بلد. ﴿فما هم بمعجزين﴾ ٢ له تعالى لو أراد أخذهم وإهلاكهم. وقوله تعالى: ﴿أو يأخذهم على تخوف﴾ أي٣ تنقص٤ بأن يهلكهم واحداً بعد واحد أو جماعة بعد جماعة حتى لا يبقى منهم أحداً، وقد أخذ منهم ببدرٍ من أخذ وفي أحد. وقوله تعالى: ﴿فإن ربكم لرؤوف رحيم﴾ تذكير لهم برأفته ورحمته إذ لولا هما لأنزل بهم نقمته وأذاقهم عذابه بدون إنظار لتوبةٍ أو إمهال لرجوع إلى الحق، وقوله تعالى: ﴿أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء٥﴾ من شجرٍ وجبل وإنسانٍ وحيوان ﴿يتفيؤا ظلاله﴾ بالصباح والمساء ﴿عن اليمين والشمائل﴾ " جمع شمال" ﴿سجداً لله﴾ خضعاً بظلالهم ﴿وهم داخرون٦﴾ أي صاغرون ذليلون. أما يكفيهم ذلك دلالة على خضوعهم لله وذلتهم بين يديه، فيؤمنوا به ويعبدونه ويوحدوه فينجوا من عذابه ويفوزوا برحمته. وقوله تعالى: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة﴾ أي ولله لا لغيره يسجد بمعنى يخضع وينقاد لما يريده الله تعالى من إحياء أو إماتة أو صحة أو مرض أو خير أو غيره من دابةٍ أي من كل ما يدب من كائن على هذه الأرض ﴿والملائكة﴾ ٧

стр. 1444

على شرفهم يسجدون ﴿وهم لا يستكبرون﴾ عن عبادة ربهم ﴿ويخافون ربهم من فوقهم﴾ إذ هو العلي الأعلى وكل الخلق تحته. ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ فلا يعصون ربهم ما أمرهم. إذا كان هذا حال الملائكة فما بال هؤلاء المشركين يلجون في الفساد والاستكبار والجحود والمكابرة وهم أحقر سائر المخلوقات، وشر البريات إن بقوا على كفرهم وشركهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة الأمن من مكر الله. ٢- كل شيء ساجد لله، أي خاضع لما يريده منهم، إلا أن السجود الطوعي الاختياري هو الذي يثاب عليه العبد، أما الطاعة اللا إرادية فلا ثواب فيها ولا عقاب. ٣- فضل السجود الطوعي الاختياري. ٤- مشروعية السجود عند هذه الآية: إذا قرأ القارىء أو المستمع: ﴿ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ ، عليه أن يسجد إن كان متطهراً إلى القبلة إن أمكن ويسبح في السجود ويكبر في الخفض والرفع ولا يسلم، ولا يسجد عند طلوع الشمس ولا عند غروبها. وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ١ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ

стр. 1445

لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) شرح الكلمات: لا تتخذوا إلهين: أي تعبدونهما إذ ليس لكم إلا إله واحد. وله ما في السموات والأرض: أي خلقاً وملكاً، إذاً فما تعبدونه مع الله هو لله ولم يأذن بعبادته. وله الدين واصباً: أي خالصاً دائماً واجباً. فإليه تجأرون: أي ترفعون أصواتكم بدعائه طالبين الشفاء منه. فتمتعوا فسوف تعلمون: تهديدٌ على كفرهم وشركهم ونسيانهم دعاء الله تعالى. ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً: أي يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام. عما كنتم تفترون: أي تختلقون بالكذب وتفترون على الله . معنى الآيات: بعد إقامة الحجج على التوحيد وبطلان الشرك أخبرهم أن الله ربهم رب كل شيء قد قال لهم: أيها الناس ﴿لا تتخذوا إلهين اثنين﴾ فلفظ اثنين توكيد للفظ إلهين أي لا تعبدوا إلهين بل اعبدوا إلهاً واحداً وهو الله إذ ليس من إله إلا هو فكيف تتخذون إلهين والحال انه ﴿إله واحد﴾ لا غير وهو الله الخالق الرازق المالك، ومن عداه من مخلوقاته كيف تُسوَّى به وتُعبَد معه؟ وقوله تعالى: ﴿فإياي فارهبون١﴾ أي ارهبوني وحدي ولا ترهبوا سواي إن بيدي كل شيء، وليس لغيري شيء فأنا المحيي المميت، الضار النافع، يوبخهم على رهبتهم غيره من لا يستحق أن يُرهب لعجزه وعدم قدرته على أن ينفع أو يضر. وقوله تعالى: ﴿وله ما في السموات والأرض﴾ ٢ برهان على بطلان رهبة غيره أو

стр. 1446

الرغبة في سواه ما دام له ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً. وقوله ﴿وله الدين واصباً﴾ ١ أي العبادة والطاعة دائماً ثابتاً واجباً، ألا لله الدين الخالص. وقوله تعالى: ﴿أفغير الله تتقون﴾ يوبخهم على خوف سواه وهو الذي يجب أن يرهب ويخاف لأنه الملك الحق القادر على إعطاء النعم وسلبها، فكيف يُتقى من لا يملك ضراً ولا نفعاً ويُعصى من بيده كل شيء وإليه مرد كل شيء، وما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. وقوله: ﴿وما بكم من نعمةٍ فمن الله﴾ ٢ يخبرهم تعالى بالواقع الذي يتنكرون له فيخبرهم أنه ما بهم من نعمة جلت أو صغرت من صحةٍ أو مالٍ أو ولد فهي من الله تعالى خالقهم وواهبهم حياتهم، وليست من أحدٍ غيره، ودلل على ذلك شعورهم الفطري وهو أنهم إذا مسهم الضر من فقرٍ أو مرض أو تغير حال كخوف غرقٍ في البحر فإنهم يرفعون أصواتهم إلى أعلاها مستغيثين بالله سائلينه أن يكشف ضرهم أو ينجيهم من هلكتهم المتوقعة لهم فقال : ﴿ثم إذا مسكم الضر فإليه﴾ دون غيره ﴿تجأرون﴾ برفع أصواتكم بالدعاء والاستغاثة به وقوله. ﴿ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريقٌ﴾ كبير ﴿منكم بربهم يشركون﴾ فيعبدون غيره بأنواع العبادات متناسين الله الذي كشف ضرهم وأنجاهم من هلكتهم. وقوله: ﴿ليكفروا بما آتيناهم﴾ ٣ أي ليؤول أمرهم إلى كفران ونسيان ما آتاهم الله من نعمٍ وما أنجاهم من محن. أفهكذا يكون الجزاء؟ أينعم بكل أنواع النعم وينجى من كل كرب ثم ينسى له ذلك كله، ويعبد غيره؟ بل ويحارب دينه ورسوله؟ إذاً ﴿فتمتعوا٤﴾ أيها الكافرون ﴿فسوف تعلمون﴾ عاقبة كفركم وإعراضكم عن طاعة الله وذكره وشكره. وقوله تعالى: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصنيباً مما رزقناهم﴾ وهذا ذكرٌ لعيب آخر من عيوبهم وباطلٍ من باطلهم أنهم يجعلون لأوثانهم التي لا يعلمون عنها شيئاً من نفعٍ أو ضر أو اعطاء أو منع أو إماتة أو إحياء يجعلونها لها طاعةً للشيطان نصيباً وحظاً من أموالهم

стр. 1447

يتقربون به إليها فسيبوا لها السوائب، وبحروا لها البحائر من الأنعام، وجعلوا لها من الحرث والغرس كذلك كما جاء ذلك في سورة الأنعام والمائدة قبلها: وقوله تعالى: ﴿تالله لتسئلن١ عما كنتم تفترون﴾ أقسم الجبار لهم تهديداً لهم وتوعداً أنهم سيسألون يوم القيامة عما كانوا يفترون أي من هذا التشريع الباطل حيث يحرمون ويحللون ويعطون آلهتهم ما شاءوا وسوف يوبخهم عليه ويجزيهم به جهنم وبئس المهاد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير التوحيد بعبادة الله تعالى وحده. ٢- وجوب الرهبة من الله دون سواه. ٣- وجوب الدين لله إذ هو الإله الحق دون غيره. ٤- كل نعمة بالعبد صغرت أو كبرت فهي من الله . ٥- تهديد المشركين إن أصروا على شركهم وعدم توبتهم. ٦- التنديد بالمشركين وتشريعهم الباطل بالتحليل والتحريم والإعطاء والمنع. وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ

стр. 1448

وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ (٦٢) شرح الكلمات: ويجعلون لله البنات: إذ قالوا الملائكة بنات الله. ولهم ما يشتهون: أي الذكور من الأولاد. ظل وجهه مسوداً: أي متغيراً بالسواد لما عليه من كرب. وهو كظيم: أي ممتلىء بالغم. أم يدسه في التراب: أي يدفن تلك المولودة حية وهو الوأُد. مثل السوء: أي الصفة القبيحة. ولله المثل الأعلى: أي الصفة العليا وهي لا إله إلا الله. أن لهم الحسنى: أي الجنة إذ قال بعضهم ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى. وأنهم مفرطون: أي مقدمون إلى جهنم متروكون فيها. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان أخطاء المشركين في اعتقاداتهم وسلوكهم فقال تعالى: ﴿ويجعلون١ لله البنات- سبحانه- ولهم ما يشتهون٢﴾ وهذا من سوء أقوالهم وأقبح اعتقادهم حيث ينسبون إلى الله تعالى البنات، إذ قالوا الملائكة بنات الله في الوقت الذي يكرهون نسبة البنات إليهم، حتى إذا بشر أحدهم بأنثى بأن أُخبر بأنه ولدت له بنت ظل نهاره كاملاً في غم وكرب ﴿وجهه مسوداً وهو كظيم﴾ ٣ ممتلىء بالغم والهم. ﴿يتوارى﴾ أي يستتر ويختفي عن أعين الناس خوفاً من المعرة، وذلك ﴿من سوء ما بشر به﴾ وهو البنت وهو في ذلك بين أمرين إزاء هذا المبَشرَّ به: إما أن يمسكه. أن يبقيه في بيته بين

стр. 1449

أولاده ﴿على هون﴾ أي مذلة وهوان، وإما أن ﴿يدسه في التراب﴾ ١ أي يدفنه حياً وهو الوأد المعروف عندهم. قال تعالى مندداً بهذا الإجرام: ﴿ألا ساء ما يحكمون﴾ في حكمهم هذا من جهة نسبة البنات لله وتبرّئهم منها، ومن جهة وأْد البنات٢ أو إذلالهن، قبح حكمهم الجاهلي هذا من حكم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٧) وهي قوله: ﴿ويجعلون لله البنات﴾ حيث قالوا الملائكة بنات الله ﴿سبحانه﴾ أي نزه تعالى نفسه عن الولد والصاحبة فلا ينبغي أن يكون له ولد ذكراً كان أو أنثى لأنه رب كل شيء ومليكه فما الحاجة إلى الولد إذاً؟ والآية الثانية (٥٨) وهي قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى٣ ظل وجهه مسوداً﴾ أي أقام النهار كله مسود الوجه من الغم ﴿وهو كظيم﴾ أي ممتلىء بالغم والهم، ﴿يتوارى من القوم من سوء ما بشر به﴾ أي من البنت ﴿أيمسكه على هونٍ أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ وقوله تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء﴾ يخبر تعالى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم منكروا البعث الآخر لهم المثل السوء٤ أي الصفة السوء وذلك لجهلهم وظلمة نفوسهم لأنهم لا يعملون خيراً ولا يتركون شراً، لعدم إيمانهم بالحساب والجزاء فهؤلاء لهم الصفة السوأى في كل شيء، ﴿ولله المثل٥ الأعلى﴾ أي الصفة الحسنى وهو أنه لا إله إلا الله منزه عن النقائص رب كل شيء ومالكه، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا شريك له ولا ند له ولا ولد وقوله: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ ثناء على نفسه بأعظم وصف العزة والقهر والغلبة لكل شيء والحكمة العليا في تدبيره وتصريفه شؤون عباده، وحكمه وقضائه لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله تعالى في الآية (٦١) ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليهما٦﴾ أي على الأرض

стр. 1450

﴿من دابةٍ﴾ أي نسمة تدب على الأرض من إنسانٍ أو حيوان فهذه علة عدم مؤاخذة الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم يفسدون ويجرمون وهذا الإهمال تابع لحكم عالية أشار إلى ذلك بقوله: ﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾ أي وقت معين محدد قد يكون نهاية عمر كل أحد، وقد يكون نهاية الحياة كلها فإذا جاء ذلك الأجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون عنه أخرى ثم يجزيهم بأعمالهم السيئة بمثلها وما هو بظلام للعبيد. وآخر آية في هذا السياق (٦٢) تضمنت التنديد بسوء حال الذين لا يؤمنون بالآخرة وذلك أنهم لجهلهم بالله وقبح تصورهم لظلمه نفوسهم أنهم يجعلون لله تعالى ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء وسب الرسول وازدرائه، ومع هذا يتبجحون بالكذب بأن لهم الحسنى أي الجنة يوم القيامة. فرد تعالى على هذا الافتراء والهُراء السخيف بقوله: ﴿لا جرم﴾ أي حقاً وصدقاً ولا محالة ﴿أن لهم النار﴾ بدل الجنة ﴿وأنهم مفرطون١﴾ إليها مقدمون متروكون فيها أبداً. هذا ما تضمنته الآية في قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب ان لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرَطون﴾ ٢ وإن قرئ مفرطون باسم الفاعل فهم حقاً مفرِطون في الشر والفساد والكفر والضلال والانحطاط إلى أبعد حد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان الحال الاجتماعية التي كان عليها المشركون وهي كراهيتهم للبنات خوف العار. ٢- بيان جهلهم بالرب تعالى فهم يؤمنون به ويجهلون صفاته حتى نسبوا إليه الولد والشريك. ٣- بيان العلة في ترك الظلمة يتمادون زمناً في الظلم والشر والفساد. ٤- بيان سوء اعتقاد الذين لا يؤمنون بالآخرة وهو أنهم ينسبون إلى نفوسهم الحسنى ويجعلون لله ما يكرهون من البنات والشركاء وسب الرسل وامتهانهم.

стр. 1451

تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) شرح الكلمات: تالله: أي والله. أرسلنا إلى أمم من قبلك: أي رسلاً. فزين لهم الشيطان أعمالهم: فكذبوا لذلك الرسل. فهو وليهم اليوم: أي الشيطان هو وليهم اليوم أي في الدنيا. إن في ذلك لآية: أي دلالة واضحة على صحة عقيدة البعث الآخر. لآية لقومٍ يسمعون: أي سماع تدبر وتفهم. لعبرةً: أي دلالة قوية يعبر بها من الجهل إلى العلم لأن العبرة من العبور. من بين فرثٍ: أي ثَفَل الكِرْش، أي الرَّوْث الموجود في الكرش. لبناً خالصاً: أي ليس فيه شيء من الفرث ولا الدم، لا لونه ولا رائحته ولا طعمه. معنى الآيات: يقسم الله تعالى بنفسه لرسوله فيقول بالله يا رسولنا ﴿لقد أرسلنا﴾ رسلاً ﴿إلى أمم من قبلك﴾ كانوا مشركين كافرين كأمتك ﴿فزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ فقاوموا رسلنا

стр. 1452

وحاربوهم وأصروا على الشرك والكفر فتولاهم الشيطان، لذلك ﴿فهو وليهم اليوم١﴾ ! أي في الدنيا ﴿ولهم﴾ في الآخرة ﴿عذابٌ أليم﴾ ، والسياق الكريم في تسلية رسول الله ﷺ ولذا قال تعالى في الآية الثانية: ﴿وما أنزلنا علمك الكتاب﴾ أي لإرهاقك وتعذيبك ولكن لأجل أن تبين للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد والشرك والهدى والضلال. كما أنزلنا الكتاب هدىً يهتدى به المؤمنون إلى سبل سعادتهم ونجاحهم، ورحمةٌ تحصل لهم بالعمل به عقيدةً وعبادةً وخلقاً وأدباً وحكماً، فيعيشون متراحمين تسودهم الأخوة والمحبة وتغشاهم الرحمة والسلام. بعد هذه التسلية لرسول الله ﷺ عاد السياق إلى الدعوة إلى التوحيد وعقيدة البعث والجزاء بعد تقرير النبوة المحمدية بقوله تعالى: ﴿تالله لقد أرسلنا﴾ الآية فقال تعالى: ﴿والله أنزل من٢ السماء ماء فأحيا بها الأرض بعد موتها﴾ الماء هو ماء المطر وحياة الأرض بالنبات والزرع بعدما كانت ميتة لا نبات فيها وقوله ﴿إن في ذلك﴾ المذكور من إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بعد موتها ﴿لآية﴾ واضحة الدلالة قاطعة على وجوده تعالى وقدرته، وعلمه ورحمته كما هو آية على البعث بعد الموت من باب أولى. وقوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام٣ لعبرةً﴾ ٤ أي حالاً تعبرون بها عن الجهل إلى العلم.. من الجهل بقدرة الله ورحمته ووجوب عبادته بذكره وشكره إلى العلم بذلك والمعرفة به فتؤمنوا وتوحدوا وتطيعوا. وبين وجه العبرة العظيمة فقال: ﴿نسقيكم مما في بطونه٥﴾ أي بطون المذكور من الأنعام ﴿من٦ بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ فسبحان ذي القدرة العجيبة والعلم الواسع والحكمة التي لا يقادر قدرها.. اللبن يقع بين الفرث والدم

стр. 1453

فينتقل الدم إلى الكبد فتوزعه على العروق لبقاء حياة الحيوان، واللبن يساق إلى الضرع، والفرث يبقى أسفل الكرش، ويخرج اللبن خالصاً من شائبة الدم وشائبة الفرث فلا يرى ذلك في لون اللبن ولا يشم في رائحته ولا يوجد في طعمه بدليل أنه سائغ للشاربين، فلا يغص به شارب ولا يشرق به، حقاً! انها عبرة من أجل العبر تنقل صاحبها إلى نور العلم والمعرفة بالله في جلاله وكماله، فتورثه محبة الله وتدفعه إلى طاعته والتقرب إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان ان الله يقسم بنفسه وبما شاء من١ خلقه. ٢- بيان أن الله أرسل رسلاً إلى أمم سبقت وأن الشيطان زين لها أعمالها فخذلها. ٣- تقرير النبوة وتسلية رسول الله ﷺ من جراء ما يلقاه من المشركين. ٤- بيان مهمة رسول الله وأنها بيان ما أنزل الله تعالى لعباده من وحيه في كتابه. ٥- بيان كون القرآن الكريم هدىً ورحمة للمؤمنين الذين يعملون به. ٦- دليل البعث والحياة الثانية إحياء الأرض بعد موتها فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات بعد فنائهم وبلاهم. وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)

стр. 1454

شرح الكلمات: ومن ثمرات النخيل والأعناب: أي ومن بعض ثمرات النخيل والأعناب ثمرٌ تتخذون١ منه سكراً أي خمرا ورزقاً حسناً أي والتمر والزبيب والخل والدبس الرزق الحسن. وأوحى ربك إلى النحل: أي ألهمها أن تفعل ما تفعله بإلهام منه تعالى. ومما يعرشون: أي يبنون لها. سبل ربك ذللاً: أي طرق ربك مذللةً فلا يعسر عليك السير فيها ولا تضلين عنها. شراب: أي عسل. فيه شفاء للناس: أي من الأمراض إن شرب بنية الشفاء، أش بضميمته إلى عقار آخر. إلى أرذل العمر: أي أخَسَّه من الهرم والخرف، والخرف فساد العقل. معنى الآيات: مازال السياق في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته الموجبة لعبادته وحده والمقررة لعقيدة النبوة والبعث الآخر. قال تعالى في معرض بيان ذلك بأسلوب الامتنان المقتضي للشكر ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً﴾ ورزقاً حسناً أي ومن بعض ثمرات النخيل والأعناب ثمرٌ تتخذون منه سكراً أي شراباً مسكراً. وهذا كان قبل تحريم٢ الخمر ﴿ورزقاً حسناً﴾ وهو الزبيب والخل من العنب والتمر والدبس العسل من النخل وقوله ﴿ان في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ أي أن فيما ذكرنا لكم لآية أي دلالة واضحة على قدرتنا وعلمنا ورحمتنا لقومٍ يعقلون الأمور ويدركون نتائج المقدمات، فذو القدرة والعلم والرحمة هو الذي يستحق التأليه والعبادة.. وقوله: ﴿وأوحى ربك إلى النحل ان اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون﴾ هذا مظهر آخر عظيم من مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته يتجلى بإعلامه حشرة

стр. 1455

النحل كيف تلد العسل وتقدمه للإنسان فيه دواء من كل داء. فقوله ﴿وأوحى ربك﴾ أيها الرسول ﴿إلى النحل١﴾ بأن ألهمها ﴿أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر﴾ أيضاً بيوتاً، ﴿ومما يعرشون٢﴾ أي ومما يعرش الناس لَكِ أي يبنون لك، اتخذي من ذلك بيوتاً لَكِ إذ النحلة تتخذ لها بيتاً داخل العريش الذي يعرش لها تبنيه بما تفرزه من الشمع وقوله تعالى: ﴿ثم كلي من كل الثمرات﴾ أي ألهمها أن تأكل من كل ما تحصل عليه من الثمرات من الأشجار والنباتات أي من أزهارها ونوارها وقوله لها ﴿فاسلكي سبل ربك ذللاً﴾ ٣ بإلهام منه تسلك ما سخر لها وذلك من الطرق فتنتقل من مكان إلى آخر تطلب غذاءها ثم تعود إلى بيوتها لا تعجز ولا تضل وذلك بتذليل الله تعالى وتسخيره لها تلك الطرق فلا تجد فيها وعورة ولا تنساها فتخطئها. وقوله تعالى ﴿يخرج من٤ بطونها﴾ أي بطون النحل ﴿شراب﴾ أي عسل يشرب ﴿مختلف٥ ألوانه﴾ ما بين أبيض وأحمر وأسود، أو أبيض مشرب بحمرة أو يضرب إلى صفرة. وقوله تعالى: ﴿فيه شفاء للناس﴾ أي من الأدواء، هذا التذكير في قوله شفاء دال على بعض دون بعض جائز هذا حتى يضم إليه بعض الأدوية أو العقاير الأخرى، أمّا مع النية أي أن يشرب بنية الشفاء من المؤمن فإنه شفاء لكل داء وبدون ضميمة أي شيء آخر له. وفي حديث الصحيح وخلاصته أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ استطلاق بطن أخيه أي مشْي بطنه عليه فقال له اسقه العسل، فسقاه فعاد فقال ما أراه زاده إلا استطلاقا فعاد فقالت مثل ما قال أولاً ثلاث مرات وفي الرابعة أو الثالثة قال له رسول الله ﷺ صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه العسل فسقاه فقام كأنما نشط من عقال. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ أي المذكور من إلهام الله تعالى للنحل وتعليمها كيف تصنع العسل ليخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس لدلالة واضحة على

стр. 1456

علم الله وقدرته ورحمته وحكمته المقتضية عبادته وحده وتأليهه دون سواه ولكن لقوم يتفكرون في الأشياء وتكوينها وأسبابها ونتائجها فيهتدون إلى المطلوب منهم وهو أن يذكروا فيتعظوا فيتوبوا إلى خالقهم ويسلموا له بعبادته وحده دون سواه وقوله تعالى في الآية الأخرى (٧٠) ﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علمٍ شيئاً﴾ هذه آية أخرى أجل وأعظم في الدلالة على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته، وهي موجبة لعبادته وحده وملزمة بالإيمان بالبعت الآخر فخلق الله تعالى لنا وحده وهو واحد ونحن لا يحصى لنا عد، ثم إماتته لنا موتاً حقيقياً بقبض أرواحنا ولا يستطيع أحد أن لا يموت ولا يتوفى أبداً ثم من مظاهر الحكمة أن يتوفانا من أجال مختلفة اقتضتها الحكمة لبقاء النوع واستمرار الحياة إلى نهايتها. فمن الناس من يموت طفلاً ومنهم من يموت شاباً، وكلها حسب حكمة الابتلاء والتربية الإلهية، وآية أخرى أن منا من يرد إلى أرذل عمره، أي أردأه وأخسَّه فيهرم ويخرف فيفقد ما كان له من قوة بدنٍ وعقل ولا يستطيع أحد أن يخلصه من ذلك إلا الله، مظهر قدرة ورحمة أرأيتم لو شاء الله أن يرد الناس كلهم إلى أرذل العمر ولو في قرنٍ أو قرنين من السنين فكيف تصبح حياة الناس يومئذ؟ وقوله: ﴿إن الله عليم قدير﴾ تقرير لعلمه وقدرته، إذ ما نتج وما كان ما ذكره من خلقنا ووفاتنا ورد بعضنا إلى أرذل العمر إلا بقدرة قادر وعلم عالم وهو الله العليم القدير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان منة الله تعالى على العباد بذكر بعض أرزاقهم لهم ليشكروا الله على نعمه. ٢- بيان آيات الله تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته في خلق شراب الإنسان وغذائه ودوائه. ٣- فضيلة العقل والتعقل والفكر والتفكر. ٤- تقرير عقيدة الإيمان باليوم الآخر الدال عليه القدرة والعلم الإلهيين، إذ من خلق وأماتَ لا يستنكر منه أن يخلق مرة أخرى ولا يميت. وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي

стр. 1457

رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٧٤) شرح الكلمات فضل بعضكم على بعض في الرزق: أي فمنكم الغني ومنكم الفقير، ومنكم المالك ومنكم المملوك. برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم: أي بجاعلي ما رزقناهم شركة بينهم وبين مماليكهم من العبيد. والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا: إذ حواء خلقت من آدم وسائر النساء من نطف الرجال. وحفدة: أي خدماً من زوجه وولد وولد ولد وخادم وختن. أفبالبالطل يؤمنون: أي بعبادة الأصنام يؤمنون. رزقاً من السموات والأرض: أي بإنزال المطر من السماء، وإنبات النبات من الأرض. معنى الآيات: مازال السياق العظيم في تقرير التوحيد وإبطال التنديد. فقوله تعالى: ﴿والله فضل

стр. 1458

بعضكم على١ بعضٍ في الرزق﴾ فمنكم من أغناه ومنكم من أفقره أيها الناس، ٢ وقد يكون لأحدكم أيها الأغنياء عبيد مملوكين له، لم لا يرضى أن يشرك عبيده في أمواله حتى يكونوا فيها سواء لا فضل لأحدهما على الآخر؟ والجواب أنكم تقولون في استنكار عجيب كيف أُسوِّي مملوكي في رزقي فأصبح وإياه سواء؟ هذا لا يعقل أبداً! إذاً كيف جوزتم إشراك آلهتكم في عبادة ربكم وهي مملوكة له تعالى إذ هو خالقها وخالقكم ومالك جميعكم؟ فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون؟ وقوله تعالى ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ ؟ حقاً إنهم جحدوا نعمة العقل أولاً فلم يعترفوا بها فلذا لم يفكروا بعقولهم، ثم جحدوا نعمة الله عليهم في خلقهم ورزقهم فلم يعبدوه بذكره وشكره وعبدوا غيره من أصنام وأوثان لا تملك ولا تضر ولا تنفع. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٧١) أما الآية الثانية فيقول تعالى فيها مقرراً إنعامه تعالى على المشركين بعد توبيخهم على إهمال عقولهم في الآية الأولى وكفرهم بنعم ربهم فيقول: ﴿والله﴾ أي وحده ﴿جعل لكم من٣ أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات﴾ أي جعل لكم من أنفسكم٤ أزواجاً أي بشريَّات من جنسكم تسكنون إليهن وتتفاهمون معهن وتتعاونون بحكم الجنسية الآدمية وهي نعمة عظمى، وجعل لكم من أولئك الأزواج بنين بطريق التناسل والولادة وحفدة أيضاً والمراد من الحفدة كل من يحفد أي يسرع في خدمتك وقضاء حاجتك من زوجتك وولدك وولد ولدك وختنك أي صهرك، وخادمك إذ الكل يحفدون لك أي يسارعون في خدمتك بتسخير الله تعالى لك، وثالثاً ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ أي حلال الطعام والشراب على اختلافه وتنوع مذاقه وطعمه ولذته. هذا هو الله الذي تُدعون إلى عبادته وحده فتكفرون فأصبحتم بذلك تؤمنون بالباطل وهي الأصنام

стр. 1459

وعبادتها، وتكفرون بالمنعم ونعمه ولذا استحقوا التوبيخ والتقريع فقال تعالى: ﴿أفبالباطل١ يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون﴾ ؟ إذ عدم عبادتهم للمنعم هو عين كفرانهم بنعمة الله تعالى. وقوله ﴿ويعبدون من دون الله﴾ أي أصناماً لا تملك لهم ﴿رزقاً من السماء﴾ بإنزال المطر، ﴿والأرض﴾ بإنبات الزروع والثمار شيئاً ولو قَلَّ ولا يستطيعون شيئاً من ذلك لعجزهم القائم بهم لأنهم تماثيل منحوتة من حجر أو خشب وفي هذا من التنبيه لهم على خطأهم مالا يقادر قدره. وقوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن٢ الله٣ يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ أي ينهاهم تعالى عن ضرب الأمثال لله باتخاذ الأصنام آلهة بإطلاق لفظ إله عليها، والله لا مثل له، وباعتقاد أنها شافعة لهم عند الله وأنها تقربهم إليه تعالى، وأنها واسطة بمثابة الوزير للأمير إلى غير ذلك، فنهاهم عن ضرب هذه الأمثال لله تعالى لأنه يعلم أنه لا مثل له ولا مثال، بل هو الله الذي لا إله إلا هو تعالى عن الشبيه والمثيل والنظير، وهم لا يعلمون فلذا هم متحيرون متخبطون في ظلمات الشرك وأودية الضلال. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- قطع دابر الشرك في المثل الذي حوته الآية الأولى: ﴿والله فضل بعضكم على بعضٍ في الرزق﴾ . ٢- وجوب شكر الله تعالى على نعمه وذلك بذكره وشكره وإخلاص ذلك له. ٣- قبح كفر النعم وتجاهل المنعم بترك شكره عليها. ٤- التنديد بمن يضربون لله الأمثال وهم لا يعلمون باتخاذ وسائط له تشبيهاً لله تعالى بعباده فهم يتوسطون بالأولياء والأنبياء بدعائهم والاستغاثة بهم بوصفهم مقربين إلى الله تعالى يستجيب لهم، ولا يستجيب لغيرهم.

стр. 1460

ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) شرح الكلمات: ضرب الله مثلاً: أي هو عبداً مملوكاً الخ.. عبداً مملوكاً: أي ليس بحُرٍ بل هو عبد مملوك لغيره. هل يستوون: أي العبيد العجزة والحُر المتصرف، والجواب: لا يستوون قطعاً. وضرب الله مثلاً: أي هو رجلين الخ.. أبكم: أي ولد أخرس وأصم لا يسمع. لا يقدر على شيء: أي لا يَفهَمْ ولا يُفهِمْ غيره. ولله غيب السموات والأرض: أي ما غاب فيهما. وما أمر الساعة: أي أمر قيامها، وذلك بإماتة الأحياء وإحيائهم مع من مات قبل وتبديل صور الأكوان كلها.

стр. 1461

الأفئدة: أي القلوب. معنى الآيات: مازال السياق في تقرير التوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك والتنفير منه وقد تقدم أن الله تعالى جهل المشركين في ضرب الأمثال له وهو لا مثل له ولا نظير، وفي هذا السياق ضرب تعالى مثلين وهو العليم الخبير.. فالأول قال فيه: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً﴾ أي غير حر من أحرار الناس، ﴿لا يقدر على شيء﴾ إذ هو مملوك لاحق له في التصرف في مال سيده إلا بإذنه١، فلذا فهو لا يقدر على إعطاء أو منع شيء، هذا طرف المثل، والثاني ﴿ومن رزقناه منا رزقاً حسناً﴾ صالحاً واسعاً ﴿فهو ينفق منه سراً وجهراً﴾ ليلاً ونهاراً لأنه حر التصرف بوصفه مالكاًَ ﴿هل يستوون٢﴾ ؟ الجواب لا يستويان.. إذاً ﴿الحمد لله بل أكثرهم٣ لا يعلمون﴾ والمثل مضروب للمؤمن والكافر، فالكافر أسير للأصنام عبدٌ لها لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، لا يعمل في سبيل الله ولا ينفق لأنه لا يؤمن بالدار الآخرة، والجزاء فيها، وأما المؤمن فهو حر يعمل بطاعة الله فينفق في سبيل الله سراً وجهراً يبتغي الآخرة والمثوبة من الله، ذا علمٍ وإرادة، لا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا هو . وقوله: ﴿وضرب الله مثلاً رجلين﴾ هو المثال الثاني في هذا السياق وقد حوته الآية الثانية (٧٦) فقال تعالى فيه ﴿وضرب الله مثلاً﴾ هو ﴿رجلين أحدهما٤ أبكم﴾ ولفظ الأبكم قد يدل على الصمم فالغالب أن الأبكم لا يسمع ﴿لا يقدر على شيء﴾ فلا يفهم غيره لأنه أصم ولا يُفهم غيره لأنه أبكم، ﴿وهو كلٌّ على٥ مولاه﴾ أي ابن عمه أو من يتولاه من أقربائه يقومون بإعاشته ورعايته لعجزه وضعفه وعدم قدرته على شيء. وقوله: ﴿أينما يوجهه لا يأت بخير﴾ أي أينما يوجهه مولاه وابن عمه ليأتي بشيء

стр. 1462

لا يأتي بخير، وقد يأتي بشر، أمَّا النفع والخير فلا يحصل منه شيء. وهذا مثل الأصنام التي تعبد من دون الله إذ هي لا تسمع ولا تبصر فلا تفهم ما يقال لها، ولا تُفهم عابديها شيئاً وهي محتاجة إليهم في صُنْعِها ووضعها وحملها وحمايتها. وقوله تعالى ﴿هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم﴾ وهو الله تعالى يأمر بالعدل أي بالتوحيد والاستقامة في كل شيء، وهو قائم على كلى شيء، وهو على صراط مستقيم يدعو الناس إلى سلوكه لينجوا ويسعدوا في الدارين، فالجواب، لا يستويان بحال، فكيف يرضى المشركون بعبادة وولاية الأبكم الذي لا يقدر على شيء ويتركون عبادة السميع البصير، القوي، القدير، الذي يدعوهم إلى كمالهم وسعادتهم في كلتا حياتهم، أمر يحمل على العجب، ولكن لا عجب مع أقدار الله وتدابير الحكيم العليم. وقوله تعالى في الآية (٧٧) ﴿ولله غيب السموات١ والأرض﴾ وحده يعلم ما غاب عنا فيهما فهو يعلم من كتبت له السعادة ومن حُكم عليه بالشقاوة، ومن يهتدي ومن لا يهتدي، والجزاء آت بإتيان الساعة ﴿وما أمر الساعة٢﴾ أي إتيانها ﴿إلا كلمح٣ البصر أو هو أقرب﴾ ٤ إذ لا يتوقف أمرها إلا على كلمة ﴿كن﴾ فقط فتنتهي هذه الحياة بكل ما فيها، وتأتي الحياة الأخرى وقد تبدلت صور الأشياء كلها ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ ومن ذلك قيام القيامة، ومجيء الساعة. وقوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا٥ تعلمون٦ شيئاً﴾ حقيقة لا تُنكر، الله الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا بعد أن صورنا في الأرحام ونمانا حتى صرنا بشراً ثم أذن بإخراجنا، فأخرجنا، وخرجنا لا نعلم شيئاً قط، هذه آية القدرة الإلهية والعلم الإلهي والتدبير الإلهي، فهل للأصنام شيء من ذلك، والجواب لا، لا وثانياً جعل الله تعالى لنا الأسماع والأبصار والأفئدة نعمة أخرى، إذ لولا ذلك ما سمعنا ولا أبصرنا ولا عقلنا وما قيمة حياتنا يومئذٍ، إذْ العدم خيرٌ منها. وقوله:

стр. 1463

﴿لعلكم تشكرون﴾ كشف كامل عن سر هذه النعمة وهي أنه جعلنا نسمع ونبصر ونعقل ليكلفنا فيأمرنا وينهانا فنطيعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وذلك شكره منا مع ما في ذلك الشكر من خير.. إنه إعداد للسعادة في الدارين. فهل من متذكر يا عباد الله؟! هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحسان ضرب الأمثال وهو تشبيه حال بحال على أن يكون ضارب المثل عالماً. ٢- بيان مثل المؤمن في كماله والكافر في نقصانه. أ- بيان مثل الأصنام في جمودها وتعب عَبَدتِها عليها في الحماية وعدم انتفاعهم بها. ومثل الرب ﵎ في عدله، ودعوته إلى الإسلام وقيامه على ذلك مع استجابة دعاء أوليائه، ورعايتهم، وعلمه بهم وسمعه لدعائهم ونصرتهم في حياتهم وإكرامهم والإنعام عليهم في كلتا حياتهم. ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم. أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ

стр. 1464

الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) شرح الكلمات: مسخراتٍ في جو السماء: أي مذللات في الفضاء بين السماء والأرض وهو الهواء. ما يمسكهن: أي عند قبض أجنحتها وبسطها إلا الله تعالى بقدرته وسننه في خلقه. من بيوتكم سكنا: أي مكاناً تسكنون فيه وتخلدون للراحة. من جلود الأنعام بيوتاً: أي خياماً وقباباً. يوم ظعنكم: أي ارتحالكم في أسفاركم. أثاثاً ومتاعاً إلي حين: كبُسط وأكسية تبلى وتتمزق وتُرمى. ظلالاً ومن الجبال أكناناً: أي ما تستظلون به من حر الشمس، وما تسكنون به في غيران الجبال. وسرابيل: أي قمصاناً تقيكم الحر والبرد. وسرابيل تقيكم بأسكم: أي دروعاً تقيكم الضرب والطعان في الحرب. لعلكم تسلمون: أي رجاء أن تسلموا له قلوبكم ووجوهكم فتعبدوه وحده. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك وتركه فيقول تعالى: ﴿ألم١ يروا إلى الطير مسخرات٢ في جو السماء ما يمسكهن٣ إلا الله﴾ فإن في خلق الطير على اختلاف أنواعه وكثرة أفراده، وفي طيرانه في جو٤ السماء، أي في الهواء وكيف يقبض جناحيه وكيف يبسطها ولا يقع على الأرض فمن يمسكه غير الله بما شاء من تدبيره في خلقه وأكوانه إن في ذلك المذكور لآياتٍ عدة تدل على الخالق وقدرته وعلمه وتوجب معرفته

стр. 1465

والتقرب إليه وطاعته بعبادته وحده، كما تدل على بطلان تأليه غيره وعبادة سواه، وكون الآيات لقوم يؤمنون هو باعتبار أنهم أحياء القلوب يدركون ويفهمون بخلاف الكافرين فإنهم أموات القلوب فلا إدراك ولا فهم لهم، فلم يكن لهم في ذلك آية.. وقوله: ﴿والله جعل١ لكم من بيوتكم سكناً﴾ أي موضع سكونٍ وراحة، ﴿وجعل لكم٢ من جلود الأنعام﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿بيوتاً﴾ أي خياماً وقباباً ﴿تستخفونها﴾ أي تجدونها خفيفة المحمل ﴿يوم ظعنكم﴾ أي ارتحالكم في أسفاركم وتنقلاتكم ﴿ويوم إقامتكم﴾ في مكان واحد كذلك. وقوله: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ أي جعل لكم منه ﴿أثاثاً﴾ كالبسط الفرش والأكسية (متاعاً) أي تتمتعون بها إلى حين بلاها وتمزقها٣ وقوله: ﴿والله جعل لكم مما خلق﴾ من أشياء كثيرة ﴿ظلالاً﴾ تستظلون بها من حر الشمس ﴿وجعل لكم من الجبال أكناناً﴾ ٤ تكنون فيها أنفسكم من المطر والبرد أو الحر وهي غيران وكهوف في الجبال ﴿وجعل لكم سرابيل﴾ قمصان ﴿تقيكم الحر﴾ والبرد ﴿وسرابيل﴾ هي الدروع ﴿تقيكم بأسكم﴾ في الحرب تتقون بها ضرب السيوف وطعن الرماح. أليس الذي جعل لكم هذه كلها أحق بعبادتكم وطاعتكم، وهكذا ﴿يتم نعتمه عليكم﴾ فبعث إليكم رسوله وأنزل عليكم كتابه لِيُعِدّكم للإسلام فتسلموا. وهنا وبعد هذا البيان الواضح والتذكير البليغ يقول لرسوله ﴿فإن تولوا﴾ أي أعرضوا عما ذكرتهم به فلا تحزن ولا تأسف إذ ليس عليك هداهم ﴿فإنما عليك البلاغ المبين﴾ وقد بلغت وبينت. فلا عليك بعد شيء من التبعة والمسؤولية. وقوله: ﴿يعرفون نعمت الله﴾ أي نعمة الله عليهم كما ذكرناهم بها ﴿ثم ينكرونها﴾ فيعبدون غير المُنعم بها ﴿وأكثرهم الكافرون﴾ أي الجاحدون المكذبون بنبوتك ورسالتك والإسلام الذي جئت به.

стр. 1466

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا ينتفع بالآيات إلا المؤمنون لحياة قلوبهم، أما الكافرون فهم في ظلمة الكفر لا يرون شيئاً من الآيات ولا يبصرون. ٢- مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته ونعمه تتجلى في هذه الآيات الأربع ومن العجب أن المشركين كالكافرين عمي لا يبصرون شيئاً منها وأكثرهم الكافرون. ٣- مهمة الرسول ﷺ ليست هداية القلوب وإنما هي بيان الطريق بالبلاغ المبين. وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)

стр. 1467

شرح الكلمات: ويوم نبعث: أي اذكر يوم نبعث. شهيداً: هو نبيها. لا يؤذن للذين كفروا: أي بالاعتذار فيعتذرون. ولا هم يستعتبون: أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل ما يرضي الله عنهم. وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم: أي الذين كانوا يعبدونهم من دون الله كالأصنام والشياطين. فألقوا إليهم القول: أي ردوا عليهم قائلين لهم إنكم لكاذبون. وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم: أي ذلوا له وخضعوا لحكمه واستسلموا. وضل عنهم ما كانوا يفترون: من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وتنجيهم من عذابه، ومعنى ضل غاب. عذاباً فوق العذاب: أنه عقارب وحيات كالنِّخل الطوال والبغال الموكفة. ونزلنا عليك الكتاب: أي القرآن. تبياناً لكل شيء: أي لكل ما بالأمة من حاجة إليه في معرفة الحلال والحرام والحق والباطل والثواب والعقاب. معنى الآيات: انحصر السياق! لكريم في هذه الآيات الست في تقرير البعث والجزاء مع النبوة فقوله تعالى: ﴿يوم نبعث١﴾ أي اذكر يا رسولنا محمد يوم نبعث ﴿من كل أمة﴾ من الأمم ﴿شهيداً﴾ هو نبيها الذي نبىء فيها وأرسل إليها ﴿ثم لا يؤذن للذين كفروا﴾ أي بالاعتذار فيعتذرون ﴿ولا هم يستعتبون٢﴾ أي لا يطلب منهم العتبى٣ أي الرجوع إلى اعتقاد وقول وعمل يرضي الله عنهم أي اذكر هذا لقومك، علهم يذكرون فيتعظون، فيتوبون، فينجون

стр. 1468

ويسعدون. وقوله في الآية الثانية (٨٥) ﴿وإذا رأى الذين ظلموا العذاب﴾ أي يوم١ القيامة ﴿فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون﴾ أي يمهلون. اذكر هذا أيضاً تذكيراً وتعليماً، واذكر لهم ﴿إذا رأى الذين أشركوا شركاءهم﴾ في عرصات القيامة أو في جهنم صاحوا قائلين ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا ﴿هؤلاء٢ شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك﴾ أي نعبدهم بدعائهم والاستغاثة بهم، ﴿فألقوا إليهم القول﴾ فوراً ﴿إنكم لكاذبون﴾ . ﴿وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم﴾ أي الاستسلام فذلوا لحكمه ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ في الدنيا من ألوان الكذب والترهات كقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأنهم ينجون من النار بشفاعتهم، وأنهم وسيلتهم إلى الله كل ذلك ضل أي غاب عنهم ولم يعثروا منه على شيء. وقوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾ غيرهم بالدعوة إلى الكفر وأسبابه والحمل عليه أحياناً بالترهيب والترغيب ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ الذي استوجبوه بكفرهم. ورد أن هذه الزيادة من العذاب أنها عقارب كالبغال الدهم، وأنها حيات كالنخل الطوال والعياذ بالله تعالى من النار وما فيها من أنواع العذاب، وقوله تعالى: ﴿ويوم نبعث﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم نبعث ﴿في كل أمةٍ شهيداً﴾ أي يوم القيامة ﴿عليهم من أنفسهم٣ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء﴾ أي على من أرسلت إليهم من أمتك. فكيف يكون الموقف إذ تشهد على أهل الإيمان بالإيمان وعلى أهل الكفر بالكفر. وعلى أهل التوحيد بالتوحيد، وعلى أهل الشرك بالشرك إنه لموقف صعب تعظم فيه الحسرة وتشتد الندامة.. وقوله تعالى في خطاب رسوله مقرراً نبوته والوحي إليه ﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ أي القرآن ﴿تبياناً٤ لكل شيء﴾ الأمة في حاجة إلى معرفته من الحلال والحرام والأحكام والأدلة ﴿وهدى﴾ من كل ضلال ﴿ورحمة﴾ خاصة بالذين يعملون به ويطبقونه على أنفسهم وحياتهم فيكون

стр. 1469

رحمة عامة بينهم ﴿وبشرى للمسلمين١﴾ أي المنقادين لله في أمره ونهيه بشرى لهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل يوم القيامة، وبالنصر والفوز والكرامة في هذه الدار. وبعد إنزالنا عليك هذا الكتاب فلم يبق من عذر لمن يريد أن يعتذر يوم القيامة ولذا ستكون شهادتك على أمتك أعظم شهادة وأكثرها أثراً على نجاة الناجين وهلاك الهالكين ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث الآخر بما لا مزيد عليه لكثرة ألوان العرض لما يجرى في ذلك اليوم. ٢- براءة الشياطين والأصنام الذين أشركهم الناس في عبادة الله من المشركين بهم والتبرؤ منهم وتكذيبهم. ٣- زيادة العذاب لمن دعا إلى الشرك والكفر وحمل الناس على ذلك. ٤- لا عذر لأحد بعد أن أنزل الله تعالى القرآن تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين. إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً

стр. 1470

بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) شرح الكلمات: العدل: الإنصاف ومنه التوحيد. الإحسان: أداء الفرائض وترك المحارم مع مراقبة الله تعالى. وإيتاء ذوي القربى: أي إعطاء ذي القربى حقوقهم من الصلة والبر. عن الفحشاء: الزنا. يعظكم: أي يأمركم وينهاكم. تذكرون: أي تتعظون. توكيدها: أي تغليظها. نقضت غزلها: أي أفسدت غزلها بعد ما غزلته. من بعد قوة: أي أحكام له وبرم. أنكاثاً: جمع نكث وهو ما ينكث ويحل بعد الإبرام. كالتي نقضت غزلها: هي حمقاء مكة وتدعى رَيْطَة بنت سعد بن تيم القرشية. دخلاً بينكم: الدخل ما يدخل في الشيء وهو ليس منه للإفساد والخديعة. أربى من أمة: أي أكثر منها عددا ًوقوة. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل١﴾ أي أن الله يأمر في الكتاب الذي أنزله تبياناً لكل شيء، يأمر بالعدل وهو الإنصاف ومن ذلك أن يعبد الله بذكره وشكره لأنه الخالق المنعم

стр. 1471

وتترك عبادة غيره لأن غيره لم يخلّق ولم يرزق ولم ينعم بشيء. ولذا فسر هذا اللفظ بلا إله إلا الله، ﴿والإحسان١﴾ وهو أداء الفرائض واجتناب المحرمات مع مراقبة الله تعالى في ذلك حتى يكون الأداء على الوجه المطلوب إتقاناً وجودة والاجتناب خوفاً من الله حياء منه، وقوله ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ أي ذوي القرابات حقوقهم من البر والصلة. هذا مما أمر الله تعالى به في كتابه، ومما ينهى عنه الفحشاء وهو الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه وفحش حتى البخل ﴿والمنكر﴾ وهو كل ما أنكر الشرع وانكرته الفطر السليمة والعقول الراجحة السديدة، وينهى عن البغي٢ وهو الظلم والاعتداء ومجاوزة الحد في الأمور كلها، وقوله ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي أمر بهذا في كتابه رجاء أن تذكروا فتتعظوا فتمتثلوا الأمر وتجتنوا النهي. وبذلك تكملون وتسعدون. ولذا ورد أن هذه الآية: ﴿أن الله يأمر بالعدل٣ والإحسان٤﴾ إلى ﴿تذكرون﴾ هي أجمع آية في كتاب الله للخير والشر. وهي كذلك فما من خيرٍ إلا وأمرت به ولا من شرٍ إلا ونهت عنه. وقوله تعالى ﴿وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالوفاء بالعهود فعلى كل مؤمن بايع إماماً أو عاهد أحداً على شيء أن يفي له بالعهد ولا ينقض. "إذ لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" كما في الحديث الشريف.. وقوله تعالى ﴿ولا تنقضوا٥ الإيمان بعد توكيدها﴾ الإيمان جمع يمين وهو الحلف بالله وتوكيدها تغليظها بالألفاظ الزائدة ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ أي وكيلا، أي أثناء حلفكم به تعالى، فقد جعلتموه وكيلا، فهذه الآية حرمت نقض الإيمان وهو نكثها وعدم الالتزام بها بالحنث فيها لمصالح مادية٦. وقوله

стр. 1472

تعالى ﴿إن الله يعلم١ ما تفعلون﴾ فيه وعيد شديد لمن ينقض أيمانه بعد توكيدها. وقول تعالى ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها﴾ ، وهى امرأة بمكة حمقاء٢ تغزل ثم تنكث٣ غزلها وتفسده بعد إبرامه وإحكامه فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء. وقوله تعالى: ﴿تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم﴾ أي إفساداً وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرمتم من عهد وميثاق وتعاهدون جماعة أخرى لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر. هذا معنى قوله تعالى ﴿أن تكون أمة هي أربى من أمة﴾ أي جماعة أكثر من جماعة رجالاً وسلاحاً أو مالاً ومنافع. وقوله تعالى: ﴿إنما يبلوكم الله به﴾ أي يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الإيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم أولا تفعلوا إيثاراً للدنيا عن الآخرة، ﴿وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾ ثم يحكم بينكم ويجزيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.. وقوله تعالى ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ على التوحيد والهداية لفعل.. ولكن اقتضت حكمته العالية أن يهدي من يشاء هدايته لأنه رغب فيها وطلبها، ويضل من يشاء إضلاله لأنه رغب في الضلال وطلبه وأصر عليه بعد النهي عنه. وقوله تعالى: ﴿لتسألن﴾ أي٤ سؤال توبيخ وتأنيب ﴿عما كنتم تعملون﴾ من سوء وباطل، ولازم ذلك الجزاء العادل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا بمثلها وهم لا يظلمون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أجمع آية للخير والشر في القرآن وهي آية ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان..﴾ الآية (٩٠) . ٢- وجوب العدل والإحسان وإعطاء ذوي القربى حقوقهم الواجبة من البر والصلة.

стр. 1473

٣- تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه من الفواحش الظاهرة والباطنة. ٤- لحريم البغي وهو الظلم بجميع صوره وأشكاله. ٥- وجوب الوفاء بالعهود وحرمة نقضها. ٦- حرمة نقض الإيمان بعد توكيدها وتوطين النفس عليها لتخرج لغو اليمين. ٧- من بايع أميراً أو عاهد أحداً يجب عليه الوفاء ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية أبداً. وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٧) شرح الكلمات: دخلاً بينكم: أي لأجل الإفساد والخديعة. وتذوقوا السوء: أي العذاب. ما عندكم ينفد: يفنى وينتهي. وهو مؤمن: أي والحال أنه عندما عمل صالحاً كان مؤمناً، إذ بدون إيمان لا عمل يقبل. حياة طيبة: في الدنيا بالقناعة والرزق الحلال وفي الآخرة هي حياة الجنة. بأحسن ما كانوا يعملون: أي يجزيهم على كل أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب الأحسن فيها.

стр. 1474

معنى الآيات: ما زال السياق في تربية المؤمنين أهل القرآن الذي هو تبيان كل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وقال تعالى لهم ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً﴾ أي خديعة ﴿بينكم﴾ لتتوصلوا بالإيمان إلى غرضٍ دنيوي سافل، ﴿فتزل قدم١ بعد ثبوتها﴾ بأن يقع أحدكم في كبيرة من هذا النوع، يحلف بالله بقصد الخداع والتضليل فتذوقوا السوء في الدنيا بسبب صدكم عن سبيل الله من تعاهدونهم أو تبايعونهم وتعطونهم أيمانكم وعهودكم ثم تنقضوها فهؤلاء ينصرفون عن الإسلام ويعرضون عنه بسبب ما رأوا منكم من النقض والنكث، وتتحملون وزر ذلك، ويكون لكم العذاب العظيم يوم القيامة. فإياكم والوقوع في مثل هذه الورطة، فاحذروا أن تزل قدم أحدكم عن الإسلام بعد أن رسخت فيه. وقوله: ﴿ولا تشتروا٢ بعهد الله ثمناً قليلاً﴾ وكل ما في الدنيا قليل وقوله تعالى إنما عند الله هو خير لكم قطعاً، لأن ما عندكُمْ من مالٍ أو متاعٍ ينفد أي يفنى، ﴿وما عند الله باق﴾ لا نفاذ له، فاذكروا هذا ولا تبيعوا الغالي بالرخيص والباقي بالفاني، وقوله تعالى: ﴿ولنجزين الذين صبروا﴾ على عهودهم ﴿أجرهم﴾ على صبرهم ﴿بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أي يضاعف لهم الأجر فيعطيهم سائر أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب أفضلها وأكملها حتى يكون أجر النافلة، كأجر الفريضة وهذا وعد من الله تعالى لمن يصبر على إيمانه وإسلامه ولا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ووعدٌ ثان في قوله: ﴿من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه٣ حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ إلا أن أصحاب هذا الوعد هم أهل الإيمان والعمل الصالح، الإيمان الحق الذي يدفع إلى العمل الصالح، ولازم ذلك أنهم تخلوا عن الشرك والمعاصي، هؤلاء وعدهم ربهم بأنه يحييهم في الدنيا حياة طيبة لا خبث فيها قناعة وطيب طعام٤ وشراب ورضا، هذا في

стр. 1475

الدنيا وفي الآخرة الجنة والجزاء يكون بحسب أحسن عمل عملوه من كل نوع، من الصلاة كأفضل صلاة وفي الصدقات بأفضل صدقة وهكذا. ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وآتنا ما وعدتهم إنك برٌ رحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ الإيمان طريقاً إلى الغش والخديعة والإفساد. ٢- ما عند الله خير مما يحصل عليه الإنسان بمعصيته الرحمن من حطام الدنيا. ٣- عظم أجر الصبر على طاعة الله تعالى فعلاً وتركاً. ٤- وعد الصدق لمن آمن وعمل صالحاً من ذكر وأنثى بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) شرح الكلمات: فإذا قرأت القرآن: أي أردت أن تقرأ القرآن. فاستعذ بالله من الشيطان: أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لحمايتك منه وسواسه. إنه ليس له سلطان: أي قوة وتسلط على إفساد الذين آمنوا وإضلالهم، ما داموا
следующие страницы →