← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وتترك عبادة غيره لأن غيره لم يخلّق ولم يرزق ولم ينعم بشيء. ولذا فسر هذا اللفظ بلا إله إلا الله، ﴿والإحسان١﴾ وهو أداء الفرائض واجتناب المحرمات مع مراقبة الله تعالى في ذلك حتى يكون الأداء على الوجه المطلوب إتقاناً وجودة والاجتناب خوفاً من الله حياء منه، وقوله ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ أي ذوي القرابات حقوقهم من البر والصلة. هذا مما أمر الله تعالى به في كتابه، ومما ينهى عنه الفحشاء وهو الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه وفحش حتى البخل ﴿والمنكر﴾ وهو كل ما أنكر الشرع وانكرته الفطر السليمة والعقول الراجحة السديدة، وينهى عن البغي٢ وهو الظلم والاعتداء ومجاوزة الحد في الأمور كلها، وقوله ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي أمر بهذا في كتابه رجاء أن تذكروا فتتعظوا فتمتثلوا الأمر وتجتنوا النهي. وبذلك تكملون وتسعدون. ولذا ورد أن هذه الآية: ﴿أن الله يأمر بالعدل٣ والإحسان٤﴾ إلى ﴿تذكرون﴾ هي أجمع آية في كتاب الله للخير والشر. وهي كذلك فما من خيرٍ إلا وأمرت به ولا من شرٍ إلا ونهت عنه. وقوله تعالى ﴿وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالوفاء بالعهود فعلى كل مؤمن بايع إماماً أو عاهد أحداً على شيء أن يفي له بالعهد ولا ينقض. "إذ لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" كما في الحديث الشريف.. وقوله تعالى ﴿ولا تنقضوا٥ الإيمان بعد توكيدها﴾ الإيمان جمع يمين وهو الحلف بالله وتوكيدها تغليظها بالألفاظ الزائدة ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ أي وكيلا، أي أثناء حلفكم به تعالى، فقد جعلتموه وكيلا، فهذه الآية حرمت نقض الإيمان وهو نكثها وعدم الالتزام بها بالحنث فيها لمصالح مادية٦. وقوله

стр. 1472

تعالى ﴿إن الله يعلم١ ما تفعلون﴾ فيه وعيد شديد لمن ينقض أيمانه بعد توكيدها. وقول تعالى ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها﴾ ، وهى امرأة بمكة حمقاء٢ تغزل ثم تنكث٣ غزلها وتفسده بعد إبرامه وإحكامه فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء. وقوله تعالى: ﴿تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم﴾ أي إفساداً وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرمتم من عهد وميثاق وتعاهدون جماعة أخرى لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر. هذا معنى قوله تعالى ﴿أن تكون أمة هي أربى من أمة﴾ أي جماعة أكثر من جماعة رجالاً وسلاحاً أو مالاً ومنافع. وقوله تعالى: ﴿إنما يبلوكم الله به﴾ أي يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الإيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم أولا تفعلوا إيثاراً للدنيا عن الآخرة، ﴿وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾ ثم يحكم بينكم ويجزيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.. وقوله تعالى ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ على التوحيد والهداية لفعل.. ولكن اقتضت حكمته العالية أن يهدي من يشاء هدايته لأنه رغب فيها وطلبها، ويضل من يشاء إضلاله لأنه رغب في الضلال وطلبه وأصر عليه بعد النهي عنه. وقوله تعالى: ﴿لتسألن﴾ أي٤ سؤال توبيخ وتأنيب ﴿عما كنتم تعملون﴾ من سوء وباطل، ولازم ذلك الجزاء العادل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا بمثلها وهم لا يظلمون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أجمع آية للخير والشر في القرآن وهي آية ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان..﴾ الآية (٩٠) . ٢- وجوب العدل والإحسان وإعطاء ذوي القربى حقوقهم الواجبة من البر والصلة.

стр. 1473

٣- تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه من الفواحش الظاهرة والباطنة. ٤- لحريم البغي وهو الظلم بجميع صوره وأشكاله. ٥- وجوب الوفاء بالعهود وحرمة نقضها. ٦- حرمة نقض الإيمان بعد توكيدها وتوطين النفس عليها لتخرج لغو اليمين. ٧- من بايع أميراً أو عاهد أحداً يجب عليه الوفاء ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية أبداً. وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٧) شرح الكلمات: دخلاً بينكم: أي لأجل الإفساد والخديعة. وتذوقوا السوء: أي العذاب. ما عندكم ينفد: يفنى وينتهي. وهو مؤمن: أي والحال أنه عندما عمل صالحاً كان مؤمناً، إذ بدون إيمان لا عمل يقبل. حياة طيبة: في الدنيا بالقناعة والرزق الحلال وفي الآخرة هي حياة الجنة. بأحسن ما كانوا يعملون: أي يجزيهم على كل أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب الأحسن فيها.

стр. 1474

معنى الآيات: ما زال السياق في تربية المؤمنين أهل القرآن الذي هو تبيان كل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. وقال تعالى لهم ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً﴾ أي خديعة ﴿بينكم﴾ لتتوصلوا بالإيمان إلى غرضٍ دنيوي سافل، ﴿فتزل قدم١ بعد ثبوتها﴾ بأن يقع أحدكم في كبيرة من هذا النوع، يحلف بالله بقصد الخداع والتضليل فتذوقوا السوء في الدنيا بسبب صدكم عن سبيل الله من تعاهدونهم أو تبايعونهم وتعطونهم أيمانكم وعهودكم ثم تنقضوها فهؤلاء ينصرفون عن الإسلام ويعرضون عنه بسبب ما رأوا منكم من النقض والنكث، وتتحملون وزر ذلك، ويكون لكم العذاب العظيم يوم القيامة. فإياكم والوقوع في مثل هذه الورطة، فاحذروا أن تزل قدم أحدكم عن الإسلام بعد أن رسخت فيه. وقوله: ﴿ولا تشتروا٢ بعهد الله ثمناً قليلاً﴾ وكل ما في الدنيا قليل وقوله تعالى إنما عند الله هو خير لكم قطعاً، لأن ما عندكُمْ من مالٍ أو متاعٍ ينفد أي يفنى، ﴿وما عند الله باق﴾ لا نفاذ له، فاذكروا هذا ولا تبيعوا الغالي بالرخيص والباقي بالفاني، وقوله تعالى: ﴿ولنجزين الذين صبروا﴾ على عهودهم ﴿أجرهم﴾ على صبرهم ﴿بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أي يضاعف لهم الأجر فيعطيهم سائر أعمالهم حسنها وأحسنها بحسب أفضلها وأكملها حتى يكون أجر النافلة، كأجر الفريضة وهذا وعد من الله تعالى لمن يصبر على إيمانه وإسلامه ولا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ووعدٌ ثان في قوله: ﴿من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه٣ حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ إلا أن أصحاب هذا الوعد هم أهل الإيمان والعمل الصالح، الإيمان الحق الذي يدفع إلى العمل الصالح، ولازم ذلك أنهم تخلوا عن الشرك والمعاصي، هؤلاء وعدهم ربهم بأنه يحييهم في الدنيا حياة طيبة لا خبث فيها قناعة وطيب طعام٤ وشراب ورضا، هذا في

стр. 1475

الدنيا وفي الآخرة الجنة والجزاء يكون بحسب أحسن عمل عملوه من كل نوع، من الصلاة كأفضل صلاة وفي الصدقات بأفضل صدقة وهكذا. ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وآتنا ما وعدتهم إنك برٌ رحيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ الإيمان طريقاً إلى الغش والخديعة والإفساد. ٢- ما عند الله خير مما يحصل عليه الإنسان بمعصيته الرحمن من حطام الدنيا. ٣- عظم أجر الصبر على طاعة الله تعالى فعلاً وتركاً. ٤- وعد الصدق لمن آمن وعمل صالحاً من ذكر وأنثى بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) شرح الكلمات: فإذا قرأت القرآن: أي أردت أن تقرأ القرآن. فاستعذ بالله من الشيطان: أي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لحمايتك منه وسواسه. إنه ليس له سلطان: أي قوة وتسلط على إفساد الذين آمنوا وإضلالهم، ما داموا

стр. 1476

متوكلين على الله. وإذا بدلنا آية مكان آية: أي بنسخها وإنزاله آية أخرى غيرها لمصلحة العباد. قل نزله روح القدس: أي جبريل ﵇. ليثبت الذين آمنوا: أي على إيمانهم. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في هداية المسلمين وتكميلهم، فقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن﴾ يا محمد أنت أو أحد من المؤمنين أتباعك ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ أي إذا كنت قارئاً عازماً على القراءة فقل أعوذ بالله١ من الشيطان الرجيم، فإن ذلك يقيك من وسواسه الذي قد يفسد عليك تلاوتك٢، وقوله: ﴿إنه ليس له﴾ أي للشيطان ﴿سلطان﴾ يعني تسلط وغلبة وقهر ﴿على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وهذه بشرى خير للمؤمنين ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ ٣ بطاعته والعمل بتزيينه للشر والباطل٤، ﴿والذين هم به٥ مشركون﴾ . هؤلاء هم الذين يتسلط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلهم حتى يهلكهم. وقوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ أي نسخنا حكماً بحكم آخر بآية أخرى قال المشركون المكذبون بالوحي الإلهي ﴿إنما أنت﴾ يا محمد ﴿مفترٍ﴾ تقول بالكذب والخرص، أي يقول اليوم شيئاً ويقول غداً خلافه. وقوله تعالى: ﴿والله أعلم بما ينزل﴾ فإنه ينزله لمصلحة عباده فينسخ ويثبت لأجل مصالح المؤمنين. وعلم الله تعالى رسوله كيف يرد على هذه الشبهة وقال له ﴿قل نزله روح القُدس٦ من ربك بالحق﴾ فلست أنت الذي تقول ما تشاء وإنما هو وحي الله وكلامه ينزل به جبريل ﵇ من عند ربك بالحق الثابت عند الله الذي لا يتبدل ولا بتغير، وذلك لفائدة تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وإسلامهم.

стр. 1477

فكلما نزل قرآن ازداد المؤمنون إيماناً فهو كالغيث ينزل على الأرض كلما نزل ازدادت حياتها نضرة وبهجة فكذلك نزول القرآن تحيا به قلوب المؤمنين، وهو أي القرآن هدىً من كل ضلالة. وبشرى لكل المسلمين بفلاح الدنيا وفوز الآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استحباب الاستعاذة عند قراءة القرآن بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ٢- بيان أنه لا تسلط للشيطان على المؤمنين المتوكلين على ربهم. ٣- بيان أن سلطان الشيطان على أوليائه العاملين بطاعته المشركين بربهم. ٤- بيان أن القرآن فيه الناسخ والمنسوخ. ٥- بيان فائدة نزول القرآن بالناسخ والمنسوخ وهي تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وهدى من الضلالة وبشرى للمسلمين بالفوز والفلاح في الدارين. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ

стр. 1478

وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ (١٠٩) شرح الكلمات: بشر: يعنون قيناً (حداداً) نصرانياً في مكة. لسان الذي يلحدون إليه: أي يميلون إليه. وهذا لسان عربي: أي القرآن فكيف يعلمه أعجمي. إلا من أكره: أي على التلفظ بالكفر فتلفظ به. ولكن من شرح بالكفر صدرا: أي فتح صدره الكفر وشرحه له فطابت نفسه له. وأولئك هم الغافلون: أي عما يراد بهم. لا جرم: أي حقاً. هم الخاسرون: أي لمصيرهم١ إلى النار خالدين فيها أبداً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين الذين اتهموا الرسول ﷺ بالافتراء فقال تعالى: ﴿ولقد نعلم٢ أنهم يقولون إنما يعلمه بشر﴾ أي يعلم محمداً بشر أي إنسان من الناس، لا أنه وحي يتلقاه من الله. قال تعالى في الرد على هذه الفرية وإبطالها ﴿لسان الذي يلحدون إليه﴾ أي يميلون إليه بأنه هو الذي يعلم محمد لسانه ﴿أعجمي٣﴾ لأنه عبد رومي، ﴿وهذا﴾ أي القرآن ﴿لسان عربي مبين﴾ ذو فصاحة وبلاغة وبيان فكيف

стр. 1479

يتفق هذا مع ما يقولون انهم يكذبون لا غير، وقوله تعالى ﴿إن الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ وهي نورٌ وهدى وحججٌ قواطع، وبرهان ساطع ﴿لا يهديهم الله﴾ إلى معرفة الحق وسبيل الرشد لأنهم أعرضوا عن طريق الهداية وصدوا عن سبيل العرفان وقوله ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي جزاء كفرهم بآيات الله. وقوله ﴿إنما يفتري١ الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ أي إنما يختلق الكذب ويكذب فعلاً الكافر بآيات الله لأنه لا يرجو ثواب الله ولا يخاف عقابه، فلذا لا يمنعه شيء عن الكذب، أما المؤمن فإنه يرجو ثواب الصدق ويخاف عقاب الكذب فلذا هو لا يكذب أبداً، وبذا تعين أن النبي لم يفتر الكذب وإنما يفترى الكذب أولئك المكذبون بآيات لله وهم حقاً الكاذبون. وقوله تعالى: ﴿من كفر٢ بالله من بعد إيمانه إلا من أكره﴾ ٣ على التلفظ بالكفر ﴿وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ لا يخامره شك ولا يجد اضطراباً ولا قلقاً فقال كلمة الكفر لفظاً فقط، فهذا كعمار بن ياسر كانت قريش تكرهه علي كلمة الكفر فأذن له الرسول ﷺ في قولها بلسانه ولكن المستحق للوعيد الآتي ﴿من شرح بالكفر صدراً﴾ أي رضي بالكفر وطابت نفسه وهذا وأمثاله ﴿فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ أي باءوا بغضب الله وسخطه ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وعلل تعالى لهذا الجزاء العظيم بقوله ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ بكفرهم بالله وعدم إيمانهم به لما في ذلك من التحرر من العبادات، فلا طاعة ولا حلال ولا حرام. وقوله تعالى: ﴿وإن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ هذا وعيد منه تعالى سبق به علمه وأن القوم الكافرين يحرمهم التوفيق للهداية عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه. وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ وعلى سمعهم وأبصارهم أولئك الذين توعدهم الله بعدم هدايتهم هم الذين طبع على قلوبهم فهم لا يفهمون ﴿وسمعهم﴾ فهم لا يسمعون المواعظ ودعاء الدعاة إلى

стр. 1480

الله تعالى ﴿وأبصارهم﴾ فهم لا يبصرون آيات الله وحججه في الكون، وما حصل لهم من هذه الحال سببه الإعراض المتعمد وإيثار الحياة الدنيا، والعناد، والمكابرة، والوقوف في وجه دعوة الحق والصد عنها. وقوله ﴿وأولئك هم الغافلون﴾ أي عمَّا خلقوا له، وعما يراد لهم من نكال في الآخرة وعذابٍ أليم. وقوله تعالى ﴿لا جرم﴾ أي حقاً ﴿أنهم في الآخرة هم الخاسرون﴾ المغبونون حيث وجدوا أنفسهم في عذاب أليم دائم لا يخرجون منه ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- دفاع الله تعالى عن رسوله ودرء كل تهمةٍ توجه إلى رسول الله ﷺ . ٢- المكذبون بآيات الله يحرمون هداية الله، لأن طريق الهداية هو الإيمان بالقرآن. فلما كفروا به فعلى أي شيء يهتدون. ٣- المؤمنون لا يكذبون لإيمانهم بثواب الصدق وعقاب الكذب، ولكن الكافرين هم الذين يكذبون لعدم ما يمنعهم من الكذب إذ لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً. ٤- الرخصة١ في كلمة الكفر في حال التعذيب بشرط اطمئنان القلب إلى الإيمان وعدم انشراح الصدر بكلمة الكفر. ٥- إيثار الدنيا على الآخرة طريق الكفر وسبيل الضلال والهلاك. ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ

стр. 1481

نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) شرح الكلمات،: هاجروا: أي إلى المدينة. من بعدما فتنوا: أي فتنهم المشركون بمكة فعذبوهم حتى قالوا كلمة الكفر مكرهين. إن ربك من بعدها: أي من بعد الهجرة والجهاد والصبر على الإيمان والجهاد. لغفور رحيم: أي غفورٌ لهم رحيم بهم. يوم تأتي: أي اذكر يا محمد يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها. مثلاً قرية: هي مكة. رزقها رغداً: أي واسعاً. فكفرت بأنعم الله: أي بالرسول والقرآن والأمن ورغد العيش. فأذاقها الله لباس الجوع: أي بسبب قحطٍ أصابهم حتى أكلوا العهن لمدة سبع سنين. والخوف: حيث أصبحت سرايا الإسلام تغزوهم وتقطع عنهم سبل تجارتهم. معنى الآيات: بعدما ذكر الله تعالى رخصة كلمة الكفر عند الإكراه وبشرط عدم انشراح الصدر بالكفر ذكر مخبراً عن بعض المؤمنين، تخلفوا عن الهجرة بعد رسول الله ﷺ فلما أرادوا الهجرة منعتهم قريش وعذبتهم حتى قالوا كلمة الكفر، ثم تمكنوا من الهجرة فهاجروا وجاهدوا

стр. 1482

وصبروا فأخبر الله تعالى عنهم بأنه لهم مغفرته ووحمته، فلا يخافون ولا يحزنون فقال تعالى ﴿ثم إن ١ربك﴾ أيها الرسول ﴿للذين هاجروا٢ من بعدما فتنوا﴾ أي عُذِّبوا ﴿ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من٣ بعدها لغفورٌ رحيم﴾ أي غفورٌ لهم رحيمٌ بهم. وقوله تعالى: ﴿يوم٤ تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ أي اذكر ذلك واعظاً به المؤمنين أي تخاصم طالبةً النجاة لنفسها ﴿وتوفى كل نفسٍ ما عملت﴾ أي من خير أو شر ﴿وهم لا يظلمون﴾ لأن الله عدلٌ لا يجور في الحكم ولا يظلم. وقوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً قرية٥﴾ أي مكة ﴿كانت آمنة﴾ من غارات الأعداء ﴿مطمئنة﴾ لا ينتابها فزعٌ ولا خوف، لما جعل الله تعالى في قلوب العرب من تعظيم الحرم وسكانه، ﴿يأتيها رزقها رغداً﴾ أي واسعاً ﴿من كل٦ مكان﴾ حيث يأتيها من الشام واليمن في رحلتيهما في الصيف والشتاء ﴿فكفرت بأنعم الله﴾ وهي تكذيبها برسول الله ﷺ وإنكارها للتوحيد، وإصرارها على الشرك وحرب الإسلام ﴿ (فأذاقها الله لباس الجوع﴾ فدعا عليهم الرسول اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف السبع الشداد، فأصابهم القحط سبع سنوات فجاعوا حتى أكلوا الجِيفْ والعهن، وأذاقها لباس الخوف إذ أصبحت سرايا الإسلام تعترض طريق تجارتها بل تغزوها في عقر دارها، وقوله تعالى ﴿بما كانوا يصنعون٧﴾ أي جزاهم لله بالجوع والخوف بسبب صنيعهم الفاسد وهو اضطهاد المؤمنين بعد كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك. وقوله تعالى: ﴿ولقد جاءهم رسولٌ منهم﴾ هو محمد ﷺ ﴿فكذبوه﴾ أي جحدوا رسالته وانكروا نبوته وحاربوا دعوته ﴿فأخذهم العذاب﴾ عذاب الجوع والخوف والحال أنهم ﴿ظالمون﴾ أي مشركون وظالمون لأنفسهم حيث عرضوها

стр. 1483

بكفرهم إلى عذاب الجوع والخوف. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضل الهجرة والجهاد والصبر، وما تكفر هذه العبادات من الذنوب وما تمحو من خطايا.، ٢- وجوب التذكير باليوم الآخر وما يتم فيه من ثوابٍ وعقاب للتجافي عن الدنيا والإقبال على الآخرة. ٣- استحسان ضرب الأمثال من أهل العلم. ٤- كفر النعم بسبب زوالها والانتقام من أهلها. ٥- تكذيب الرسول ﷺ في ما جاء به، ولو بالإعراض عنه وعدم العمل به يجر البلاء والعذاب. فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١١٥) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)

стр. 1484

شرح الكلمات: فكلوا: أي أيها الناس. حلالاً طيباً: أي غير حرام ولا مستقذر. واشكروا نعمة الله عليكم: أي بعبادته وحده وبالانتهاء إلى ما أحل لكم عما حرمه عليكم. إن كنتم إياه تعبدون: أي إن كنتم تعبدونه وحده فامتثلوا أمره، فكلوا مما أحل لكم وذروا ما حرم عليكم. الميتة: أي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير تذكية شرعية. والدم: أي الدم المسفوح السائل لا المختلط باللحم والعظم. وما أهل لغير الله به: أي ما ذكر عليه غير اسم الله تعالى. غير باغٍ ولا عاد: أي غير باغ على أحد، ولا عادٍ أي متجاوز حد الضرورة. ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: أي لا تحللوا ولا تحرموا بألسنتكم كذباً على الله فتقولوا هذا حلال وهذا حرام بدون تحليل ولا تحريم من الله تعالى. وعلى الذين هادوا: أي اليهود. حرمنا ما قصصنا عليك من قبل: أي في سورة الأنعام. معنى الآيات: امتن الله على عباده، فأذن لهم أن يأكلوا مما رزقهم من الحلال الطيب ويشكروه على ذلك بعبادته وحده وهذا شأن من يعبد الله تعالى وحده، فإنه يشكره على ما أنعم به عليه، وقوله تعالى: ﴿إنما حرم١ عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ فلا تحرموا ما لم يحرم عليكم كالسائبة والبحيرة والوصيلة التي حرمها المشركون افتراء على الله وكذباً. وقوله ﴿فمن اضطر﴾ منكم أي خاف على نفسه ضرر الهلاك بالموت لشدة الجوع وكان ﴿غير باغ﴾ على أحد ولا معتدٍ ما أحل له إلى ما حرم عليه

стр. 1485

فليأكل ما يدفع به غائلة الجوع ولا إثم عليه ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ فيغفر للمضطر كما يغفر للتائب ويرحم المضطر فيأذن له في الأكل دفعاً للضرر رحمة به كما يرحم من أناب إليه. وقوله: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب١ هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ أي ينهاهم عن التحريم والتحليل من تلقاء أنفسهم بأن يسموا الشيء بأنه حلال أو حرام لمجرد قولهم بألسنتهم الكذب: هذا حلال وهذا حرام كما يفعل المشركون فحللوا وحرموا بدون وحي إلهي ولا شرع سماوي. ليؤول قولهم وصنيعهم ذلك إلى الافتراء على الله والكذب عليه. مع أن الكاذب على الله لا يفلح أبداً لقوله ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل﴾ ٢ وإن تمتعوا قليلاً في الدنيا بمال أو ولد أو عزة وسلطان فإن ذلك متاع قليل جداً ولا يعتبر صاحبه مفلحاً ولا فائزاً. فإن وراء ذلك العذاب الآخروي الأليم الدائم الذي لا ينقطع. وقوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل﴾ يخاطب الله تعالى رسوله فيقول: كما حرمنا على هذه الأمة المسلمة الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، حرمنا على اليهود ما قصصنا عليك من قبل في سورة الأنعام. إذ قال تعالى ﴿وعلى الذين٣ هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ . وحرم هذا الذي حرم عليهم بسبب ظلم منهم فعاقبهم الله فحرم عليهم هذه الطيبات التي أحلها لعباده المؤمنين. ولذا قال تعالى ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- يجب مقابلة النعيم بالشكر فمن غير العدل أن يكفر العبد نعم الله تعالى عليه فلا يشكره عليها بذكره وحمده وطاعته بفعل محابه وترك مساخطه.

стр. 1486

٢- بيان المحرمات من المطاعم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله. ٣- بيان الرخصة في الأكل من المحرمات المذكورة لدفع غائلة الموت. ٤- حرمة التحريم والتحليل بغير دليل شرعي قطعي لا ظني إلا ما غلب على الظن تحريمه. ٥- حرمة الكذب على الله وأن الكاذب على الله لا يفلح في الآخرة وفلاحه في الدنيا جزيء قليل لا قيمة له.. هذا إن أفلح. ٦- قد يحرم العبد النعم بسبب ظلمه فكم حرمت أمة الإسلام من نعم بسبب ظلمها في عصور انحطاطها. ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) شرح الكلمات: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة: أي ثم إن ربك غفورٌ رحيمٌ للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا. من بعدها: أي من بعد الجهالة والتوبة.

стр. 1487

إن إبراهيم كان أمة: أي إماماً جامعاً لخصال الخير كلها قدوة يقتدى به في ذلك. لله حنيفاً: أي مطيعاً لله حنيفاً: مائلاً إلى الدين القيم الذي هو الإسلام. اجتباه: أي ربه اصطفاه للخلة بعد الرسالة والنبوة. وآتيناه في الدنيا حسنة: هي الثناء الحسن من كل أهل الأديان السماوية. إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه: أن اليهود أمروا بتعظيم الجمعة فرفضوا وأبوا إلا السبت ففرض الله عليهم ذلك وشدد لهم فيه عقوبة لهم. معنى الآيات: بعدما نددت الآيات في سياق طويل بالشرك وإنكار البعث والنبوة من قبل المشركين الجاحدين المعاندين، وقد أوشك سياق السورة على الانتهاء فتح الله تعالى باب التوبة لهم وقال: ﴿ثم إن ربك﴾ أي بالمغفرة والرحمة ﴿للذين عملوا السوء بجهالةٍ١﴾ فأشركوا بالله غيره وأنكروا وحيه وكذبوا بلقائه ﴿ثم تابوا من بعد ذلك﴾ فوحدوه تعالى بعبادته وأقروا بنبوة رسوله وآمنوا بلقائه واستعدوا له بالصالحات ﴿وأصلحوا﴾ ما كانوا قد أفسدوه من قلوبهم وأعمالهم وأحوالهم ﴿إن ربك من بعدها﴾ من بعد هذه التوبة٢ والأوبة الصحيحة ﴿لغفور رحيم﴾ بهم فكانت بشرى لهم على لسان كتاب ربهم. وقوله تعالى: ﴿إن إبراهيم٣ كان أمة٤ قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين. شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع٥ ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ إنه لما كان من شبه المشركين أنهم على دين أبيهم إبراهيم باني البيت وشارع المناسك ومحرم الحرم، واليهود والنصارى كذلك يدعون أنهم على ملة إبراهيم فأصر الجميع على أنه متبع لملة إبراهيم وأنه على دينه ورفضوا الإسلام بدعوى ما هم عليه هو دين الله الذي جاء به إبراهيم أبو الأنبياء عليه

стр. 1488

السلام، ومن باب إبطال الباطل وإزاحة ستار الشبه وتنقية الحق لدعوة الحي والدين الحق ذكر تعالى جملةً من حياة إبراهيم الروحية والدينية كمثال حي ناطق لكل عاقل إذا نظر إليه عرف هل هو متبع لإبراهيم يعيش على ملته أو هو على غير ذلك. فقال تعالى ﴿إن إبراهيم كان١ أمة﴾ أي إماماً صالحاً جامعاً لخصال الخير، يقتدي به كل راغب في الخير. هذا أولاً وثانياً أنه كان قانتاً أي مطيعاً لربه فلا يعصي له أمراً ولا نهياً ثالثاً لم يك من المشركين بحال من الأحوال بل هو بريء من الشرك وأهله، ورابعاً كان شاكراً لأنعم الله تعالى عليه أي صارفاً نعم الله عليه فيما يرضي الله، خامساً اجتباه ربه أي اصطفاه لرسالته وخلته لأنة أحب الله أكثر من كل شيء فتخلل حب الله قلبه فلم يبق لغيره في قلبه مكان. فخالّه الله أي بادله خلة بخلّة فكان خليل الرحمن. سادساً وهداه إلى صراط مستقيم الذي هو الإسلام، سابعاً وآتاه في الدنيا حسنة وهي الثناء الحسن والذكر الجميل من جميع أهل الأديان الإلهية الأصل. ثامناً وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين قال الله تعالى فيهم: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهي منزلة من أشرف المنازل وأسماها. تاسعاً مع جلالة قدر النبي محمد ﷺ ورفعة مكانته أمره الله تعالى أن يتبع ملة إبراهيم حنيفاً. هذا هو إبراهيم فمن أحق بالنسبة إليه، المشركون؟ لا! اليهود؟ لا، النصارى؟ لا! المسلمون الموحدون؟ نعم نعم اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وأكرمنا يوم تكرمهم. وقوله تعالى: ﴿إنما جعل السبت٢ على الذين اختلفوا فيه﴾ فيه دليل على بطلان دعوى اليهود أنهم على ملة إبراهيم ودينه العظيم، إذ تعظيم السبت لم يكن من دين إبراهيم،

стр. 1489

وإنما سببه أن الله تعالى أوحى إلى أحد أنبيائهم أن يأمر بني إسرائيل بتعظيم الجمعة فاختلفوا في ذلك وآثروا السبت عناداً ومكابرة فكتب الله عليهم تعظيم السبت. وقوله ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ فيه وعيد لهم وأنه سيجزيهم سوءاً على تمردهم على أنبيائهم واختلافهم عليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- باب التوبة مفتوح لكل ذي ذنب عَظُم أو صغُر على شرط صدق التوبة بالإقلاع الفوري والندم والاستغفار الدائم وإصلاح المفاسد. ٢- تقرير التوحيد والإعلان عن شان إبراهيم ﵇ وييان كمالاته وإنعام الله عليه. ٣- بيان أن سبت اليهود هو من نقم الله عليهم لا من نعمه وافضاله عليهم. ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (١٢٨) شرح الكلمات: إلى سبيل ربك: أي إلى طاعته إذ طاعة الله موصلة إلى رضوانه وإنعامه فهي سبيل الله. بالحكمة: أي بالقرآن والمقالة المحكمة الصحيحة ذات الدليل الموضح للحق. والموعظة الحسنة: هي مواعظ القرآن، والقول الرقيق الحسن.

стр. 1490

وجادلهم بالتي هي أحسن: أي بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها. لهو خيرٌ للصابرين: أي خيرٌ من الانتقام عاقبةً. ولا تك في ضيق مما يمكرون: أي لا تهتم بمكرهم، ولا يضيق صدرك به. مع الذين اتقوا: أي اتقوا الشرك والمعاصي. والذين هم محسنون: أي في طاعة الله، ومعصيته تعالى هي نصره وتأييده لهم في الدنيا. معنى الآيات: يخاطب الرب تعالى رسوله تشريفاً وتكليفاً: ﴿ادع إلى سبيل ربك١﴾ أي إلى دينه وهو الإسلام سائر الناس، وليكن دعاؤك ﴿بالحكمة﴾ التي هي القرآن الكريم الحكيم ﴿والموعظة الحسنة﴾ وهي مواعظ القرآن وقصصه وأمثاله، وترغيبه وترهيبه، ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ أي خاصمهم بالمخاصمة التي هي أحسن وهي الخالية من السب والشتم والتعريض بالسوء، فإن ذلك أدعى لقبول الخصم الحق وما يدعي إليه، وقوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله﴾ من الناس ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ وسيجزيهم المهتدي بهداه، والضال بضلاله، كما هو أعلم بمن ضل واهتدى أزلاً. فهون على نفسك ولا تشطط في دعوتك فتضر بنفسك، والأمر ليس إليك. بل لربك يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما عليك إلا الدعوة بالوصف الذي وصف لك، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وقوله تعالى ﴿وإن عاقبتم٢ فعاتبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ لا أكثر، ﴿ولئن صبرتم﴾ وتركتم المعاقبة ﴿لهو﴾ أي صبركم ﴿خيرٌ﴾ لكم من المعاقبة على الذنب والجناية، وقوله تعالى: ﴿واصبر﴾ على ترك ما عزمت عليه أيها الرسول من التمثيل بالمشركين جزاء تمثيلهم بعمك حمزه، فأمره بالصبر ولازمه ترك المعاقبة والتمثيل معاً، وقوله: ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ أي إلا بتوفيقه وعونه، فكن مع ربك

стр. 1491

تستمد منه الصبر كما تستمد منه العون والنصر. وقوله تعالى: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي على عدم اهتدائهم إلى الحق والأخذ به والسير في طريقه الذي هو الإسلام ﴿ولا تك في ضيق١﴾ نفسي يؤلمك ﴿مما يمكرون﴾ بك فإن الله تعالى كافيك مكرهم وشرهم إنه معك فلا تخف ولا تحزن لأنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت منهم. وقوله: ﴿إن الله مع الذين٢ اتقوا والذين هم محسنون﴾ يخبر تعالى رسوله والمؤمنين أنه بنصره وتأييده ومعونته وتوفيقه مع الذين اتقوا الشرك والمعاصي فلم يتركوا فرائض دينه، ولم يغشوا محارمه والذين هم محسنون في طاعة ربهم إخلاصاً في النية والقصد، وأداءً على نحوه، شرع الله وبين رسول الله ﷺ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الدعوة إلى الله تعالى أي إلى الإسلام وهو واجب كفائى، إذا قامت به جماعة أجزأ ذلك عنهم. ٢- بيان أسلوب الدعوة وهو أن يكون بالكتاب والسنة وأن يكون خالياً من العنف والغلظة والشدة، وأن تكون المجادلة بالتي هي أحسن من غيرها. ٣- جواز المعاقبة بالأخذ بقدر ما أخذ من المرء، وتركها صبراً واحتساباً أفضل. ! - معية الله تعالى ثابتة لأهل التقوى والإحسان، وهي معية نصرٍ وتأييد وتسديد.

стр. 1492

الجزء الخامس عشر سورة الإسراء مكية وآياتها عشر ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ شرح الكلمات: سبحان: أي تنزه وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله وهو الله ﷻ . بعبده: أي بعبده ورسوله محمد ﷺ . من المسجد الحرام: أي الذي بمكة. إلى المسجد الأقصى: أي الذي بيت المقدس. من آياتنا: أي من عجائب قدرتنا ومظاهرها في الملكوت الأعلى. معنى الآية الكريمة: نزه الرب ﵎ نفسه عما نسب إليه المشركون من الشركاء والبنات وصفات المحدثين، فقال: ﴿سبحان ١ الذي أسرى بعبده٢﴾ أي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني ﴿ليلاً من المسجد الحرام﴾ أي بالليل من المسجد الحرام بمكة إذ أخرج من بيت أم هانىء

стр. 1493

وغسل قلبه بماء زمزم وحشي إيماناً وحكمة، ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بيت المقدس، وأخبر ﷺ أنه جمع الله تعالى له الأنبياء في المسجد الأقصى وصلى بهم إماماً فكان بذلك إمام الأنبياء وخاتمهم ثم عرج به إلى السماء سماء بعد سماء يجد في كل سماء مقربيها إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ثم عرج به إلى أن انتهى إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام وقوله تعالى: ﴿الذي باركنا حوله﴾ أي حول المسجد الأقصى١ معنى حوله خارجه وذلك بالأشجار والأنهار والثمار أما داخله فالبركة الدينية بمضاعفة الصلاة فيه أي أجرها إذ الصلاة فيه بخمسمائة صلاة أجراً ومثوبة وقوله تعالى ﴿لنريه من آياتنا﴾ تعليل للإسراء والمعراج وهو أنه تعالى أسرى بعبده وعرج به ليريه من عجائب صنعه في مخلوقاته في الملكوت الأعلى، وليكون ما علمه من طريق الوحي قد علمه بالرؤية والمشاهدة. وقوله تعالى ﴿إنه هو السميع البصير﴾ يعني تعالى نفسه بأنه هو السميع لأقوال عباده البصير بأعمالهم وأحوالهم فاقتضت حكمته هذا الاسراء العجب ليزداد الذين آمنوا إيماناً وليرتاب المرتابون ويزدادون كفراً وعناداً. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية الكريمة: ١- تقرير عقيدة الإسراء والمعراج بالنبي ﷺ بالروح والجسد٢ معاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السماوات العلى، إلى مستوى سمع فيه صرير الأقلام وأوحى إليه تعالى ما أوحى وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس. ٢- شرف المساجد الثلاثة: الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى أما المسجدان الحرام والأقصى فقد ذكرا بالنص وأما مسجد الرسول ﷺ فقد ذكر بالإشارة٣ والإيماء إذ قول الأقصى يقتضي قصياً، فالقصي هو المسجد النبوي والأقصى هو مسجد بيت المقدس. ٣- بيان الحكمة في الاسراء والمعراج وهي أن يرى الرسول ﷺ بعيني رأسه ما كان آمن به وعلمه من طريق الوحي فأصبح الغيب لدى رسول الله شهادة.

стр. 1494

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) شرح الكلمات: وآتينا موسى الكتاب: أي التوراة. وجعلناه هدى: أي جعلنا الكتاب أو موسى هدى أي هادياً لبني إسرائيل. وكيلا: أي حفيظاً أو شريكاً. من حملنا: أي في السفينة. وقضينا: أي أعلمناهم قضاء نافيهم. في الكتاب: أي التوراة. علواً كبيراً: أي بغياً عظيماً. أولاهما: أي أولى المرتين. فجاسوا خلال: أي ترددوا جائين ذاهبين وسط الديار يقتلون ويفسدون. وعداً مفعولا: أي منجزاً لم يتخلف. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه هو الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأنه هو الذي آتى موسى الكتاب أي التوراة فهو تعالى المتفضل على محمد ﷺ وعلى أمته بالإسراء به والمعراج

стр. 1495

وعلى موسى بإعطائه الكتاب ليكون هدى وبياناً لبني إسرائيل فهو متفضل أيضاً على بني إسرائيل فله الحمد وله المنة. وقوله: ﴿جعلناه﴾ أي الكتاب ﴿هدى﴾ أي بياناً لبني إسرائيل يهتدون إلى سبل الكمال والإسعاد وقوله: ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا﴾ أي آتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل من أجل ألا يتخذوا من غيري حفيظاً لهم يشركونه بي بالتوكل عليه وتفويض أمرهم إليه ناسين لي وأنا ربهم وولي نعمتهم. وقوله تعالى: ﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾ أي يا ذرية١ من حملنا مع نوح اشكروني كما شكرني نوح على انجائي إياه في السفينة مع أصحابه فيها، إنه أي نوحاً ﴿كان عبداً٢ شكوراً﴾ فكونوا أنتم مثله فاشكروني بعبادتي ووحدوني ولا تتركوا طاعتي ولا تشركوا بي سِوَايَ وقوله تعالى (وقضينا إلى بني إسرائيل فى الكتاب لتفسدون في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً﴾ يخبر تعالى بأنه أعلم بني اسرائيل بقضائه فيهم وذلك في كتابهم التوراة أنهم يفسدون في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب، ويعلون في الأرض بالجراءة على الله وظلم الناس ﴿علواً كبيراً﴾ أي عظيماً. ولابد أن ما قضاه واقع وقوله تعالى: ﴿فإذا جاء وعد أولهما﴾ أي وقت المرة الأولى ﴿بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس٣ شديد﴾ أي قوة وبطش في الحرب شديد، وتم هذا لما أفسدوا وظلموا بانتهاك حدود الشرع والإعراض عن طاعة الله تعالى حتى قتلوا نبيهم "أرميا" ﵇ وكان هذا على يد الطاغية جالوت فغزاهم من أرض الجزيرة ففعل بهم مع جيوشه ما أخبر تعالى به في قوله: ﴿فجاسوا٤ خلال الديار﴾ ذاهبين جائين قتلاً وفتكاً وإفساداً نقمة الله على بني إسرائيل لإفسادهم وبغيهم البغي العظيم. وقوله تعالى: ﴿وكان وعداً مفعولا﴾ أي ما حصل لهم في المرة الأولى٥ من الخراب والدمار ومن

стр. 1496

أسبابه كان بوعد من الله تعالى منجزاً فوفاه لهم، لأنه قضاه وأعلمهم به قي كتابهم. وقوله: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ أي بعد سنين طويلة وبنو إسرائيل مضطهدون مشردون نبتت منهم نابتة وطالبت بأن يعين لهم ملكاً يقودهم إلى الجهاد وكان ذلك كما تقدم في سورة البقرة جاهدوا وقتل داود جالوت وهذا معنى ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ وقوله: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً﴾ أي رجالاً في الحروب وكثرت أموالهم وأولادهم وتكونت لهم دولة سادت العالم على عهد داود وسليمان ﵉. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان إفضال الله تعالى على الأمتين الإسلامية والإسرائيلية. ! - بيان سر إنزال الكتب وهو هداية الناس عبادة الله تعالى وتوحيده فيها. ٣- وجوب شكر الله تعالى على نعمه إذ كان نوح ﵇ إذا أكل الأكلة قال الحمد لله، وإذا شرب الشربة قال الحمد لله، وإذا لبس حذاءه قال الحمد لله وإذا قضى حاجة قال الحمد لله فسمي عبداً شكوراً وكذا كان رسول الله والصالحون من أمته إلى اليوم. ٤- ما قضاه الله تعالى كائن، وما وعد به ناجز، والإيمان بذلك واجب. ٥- التنديد بالإفساد والظلم والعلو في الأرض، وبيان سوء عاقبتها. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)

стр. 1497

شرح الكلمات: إن أحسنتم: أي طاعة الله وطاعة رسوله بالإخلاص فيها وبأدائها على الوجه المشروع لها. أحسنتم لأنفسكم: أي أن الأجر والمثوبة والجزاء الحسن يعود عليكم لا على غيركم. وإن أسأتم: أي في الطاعة فإلى أنفسكم سوء عاقبة الإساءة. وعد الآخرة: أي المرة الآخرة المقابلة للأولى وقد تقدمت. ليسوءوا وجوهكم: أي يقبحوها بالكرب واسوداد الحزن وهم الذل. وليدخلوا المسجد: أي بيت المقدس. وليتبروا ما علو تتبيرا: أي وليدمروا ما غلبوا عليه من ديار بني إسرائيل تدميراً. وإن عدتم عدنا: أي وإن رجعتم إلى الفساد والمعاصي عدنا بالتسليط عليكم. حصيراً: أي محبساً وسجناً وفراشاً يجلسون عليها فهي من فوقهم ومن تحتهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن بني إسرائيل فبعد أن أخبرهم تعالى بما حكم به عليهم في كتابهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراً. وأنه إذا جاء ميقات أولى المرتين بعث عليهم عباداً أشداء أقوياء وهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوهم، أنه تعالى رد لهم الكرة عليهم فانتصروا عليهم وقتل داود جالوت وتكونت لهم دولة عظيمة كانت أكثر الدول رجالاً واوسعها سلطاناً وذلك لرجوعهم إلى الله تعالى بتطبيق كتابه والتزام شرائعه وهناك قال تعالى لهم: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ أي إن أحسنتم بإتباع الحق والتزام الطاعة لله ورسوله بفعل المأمورات واجتناب المنهيات والأخذ بسنن الله تعالى في الإصلاح البشري وإن أسأتم تعطيل الشريعة والانغماس في الملاذ والشهوات فإن نتائج ذلك عائدة على أنفسكم حسب سنة الله تعالى: ﴿من يعمل سوءاً يجزيه ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً﴾ وقوله تعالى: ﴿فإذا جاء وعد الأخرة﴾ أي وقتها المعين لها، وهي المرة الآخرة بعد الأولى بعث أيضاً عليهم عباداً له وهم بختنصّر وجنوده بعثهم عليهم ليسودوا وجوههم بما يصيبونهم به من الهم والحزن والمهانة والذل ﴿وليدخلوا المسجد﴾ أي بيت المقدس كما دخلوه أول مرة ﴿وليتبروا﴾ أي يدمروا ما علوا أي ما غلبوا عليه من ديارهم ﴿تتبيرا﴾ أي تدميراً كاملاً وتحطيماً تاماً وحصل لهم هذا لما قتلوا زكريا ويحيى ﵉ وكثيراً من العلماء وبعد أن ظهر فيهم الفسق وفي نسائهم التبرج والفجور واتخاذ الكعب العالي. كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ .

стр. 1498

وقوله تعالى: ﴿عسى ربكم أن١ نرحمكم﴾ فهذا خير عظيم لهم لو طلبوه بصدق لفازوا به ولكنهم أعرضوا عنه وعاشوا على التمرد على الشرع والعصيان لله ورسله. وقوله وإن عدتم عدنا أي وإن عدتم إلى الفسق والفجور عدنا بتسليط من نشاء من عبادنا فأنجزهم الله تعالى ما وعدهم فسلط عليهم رسوله محمداً ﷺ والمؤمنين فأجلى بني قينقاع وبني النضير من المدينة وقتل بني قريضة كما سلط عليهم ملوك أروبا فطاردوهم وساموهم الخسف وأذاقوهم سؤ العذاب في قرون طويلة وقوله تعالى: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً٢﴾ أي إن كان عذاب الدنيا بالتسلط على الظالمين وسلبهم حريتهم وإذاقتهم عذاب القتل والأسر والتشريد فإن عذاب الآخرة هو الحبس والسجن في جهنم تكون حصيراً للكافرين لا يخرجون منها للكافرين أي الذين يكفرون شرائع الله ونعمه عليهم بتعطيل الأحكام وتضييع الفرائض وإهمال السنن والانغماس في الملاذ والشهوات. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- صدق وعد الله تعالى. ٢- تقرير نبوة النبي ﷺ إذ مثل هذه الأنباء لا يقصها إلا نبي يوحى إليه. ٣- تقرير قاعدة ﴿من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ . ٤- وجوب الرجاء في الله وهو انتظار الفرج والخير منه وإن طال الزمن. ٥- قد يجمع الله تعالى للكافرين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وكذا الفاسقون من المؤمنين. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً (١١)

стр. 1499

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (١٢) شرح الكلمات: للتي هي أقوم: أي للطريقة التي هي أعدل وأصوب. أن لهم أجراً كبيراً: إنه الجنة دار السلام. أعتدنا لهم عذاباً أليما: انه عذاب النار يوم القيامة. ويدع الإنسان بالشر: أي على نفسه وأهله إذا هو ضجر وغضب. وكان الإنسان عجولا: أي سريع التأثر بما يخطر على باله فلا يتروى ولا يتأمل. آيتين: أي علامتين دالتين على وجود الله وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته. فمحونا آية الليل: أي طمسنا نورها بالظلام الذي يعقب غياب الشمس. مبصرة: أي يبصر الإنسان بها أي بسبب ضوء النهار فيها. عدد السنين والحساب: أي عدد السنين وانقضائها وابتداء دخولها وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها كالأيام والأسابيع والشهور. معنى الآيات: يخبر تعالى أن هذا القران الكريم١ الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ الذي أسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يهدي بما فيه من الدلائل والحجج والشرائع والمواعظ للطريقة والسبيل التي هي أقوم٢ أي أعدل واقصد من سائر الطرق والسبيل إنها الدين القيم الإسلام سبيل السعادة والكمال في الدارين، ﴿ويبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي ويبشر القران الذين آمنوا بالله ورسوله ولقاء الله ووعده ووعيده وعملوا الصالحات وهي الفرائض والنوافل بعد تركهم الكبائر والمعاصي بأن لهم أجراً كبيراً ألا وهو الجنة، كما يخبر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن الله تعالى

стр. 1500

أعد أي هيا لهم عذاباً أليمًا في جهنم. وقوله تعالى ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير١﴾ يخبر تعالى عن الإنسان في ضعفه وقلة إدراكه لعواقب الأمور من أنه! ذا ضجر أو غضب يدعو على نفسه وأهله بالشر غير مفكر في عاقبة دعائه لو استجاب الله تعالى له. يدعو بالشر دعاءه بالخير أي كدعائه بالخير، وقوله: ﴿وكان الإنسان عجولا٢﴾ أي كثير العجلة يستعجل في الأمور كلها هذا طبعه ما لم يتأدب بآداب القرآن ويتخلق بأخلاقه فإن هو استقام على منهج القرآن تبدل طبعه وأصبح ذا توأدة وحلم وصبر وأناة، وقوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ أي علامتين على وجودنا وقدرتنا وعلمنا وحكمتنا، وقوله ﴿فمحونا٣ آية الليل﴾ أي بطمس نورها، وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة وبين علة ذلك بقوله: ﴿لتبتغوا فضلا من ربكم﴾ أي لتطلبوا رزقكم بالسعي والكسب في النهار. هذا من جهة ومن جهة أخرى ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ أي عدد السنين وانقضائها وابتداء دخولها وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها كالأيام والأسابيع والشهور. لتوقف مصالحكم الدينية٤ والدنيوية على ذلك. وقوله تعالى: ﴿وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾ أي وكل شيء يحتاج إليه في كمال الإنسان وسعادته بيناه تبييناً أي في هذا الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان فضل القرآن الكريم، بهدايته إلى الإسلام الذي هو سبيل السعادة للإنسان. ٢- الوعد والوعيد بشارة المؤمنين العاملين للصالحات، ونذارة الكافرين باليوم الآخر. ٣- بيان طبع الإنسان قبل تهذيبه بالآداب القرآنية والأخلاق النبوية. ٤- كون الليل والنهار آيتين على الله تعالى وتقرران علمه وقدرته وتدبيره. ٥- مشروعية علم الحساب وتعلمه.

стр. 1501

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا (١٧) شرح الكلمات: طائره: أي عمله وما قدر له من سعادة وشقاء. في عنقه: أي ملازم له لا يفارقه حتى يفرغ منه. عليك حسيبا: أي كفى نفسك حاسباً عليك. ولا تزر وازرة وزر أخرى: أي لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى. مترفيها: منعميها من أغنياء ورؤساء. فحق عليها القول: أي بالعذاب. وكم أهلكنا: أي أهلكنا كثيراً. من القرون: أي من أهل القرون السابقة. خبيرا بصيرا: أي عليماً بصيراً بذنوب العباد. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه لعظيم قدرته، وسعة علمه، وحكمته في تدبيره ألزم كل إنسان ما قضى به له من عمل وما يترتب على العمل من سعادة أو شقاء في الدارين، الزمه ذلك بحيث لا يخالفه ولا

стр. 1502

يتأخر عنه بحال حتى كأنه مربوط بعنقه. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره١ في عنقه﴾ . وقوله تعالى: ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً٢﴾ أي وفي يوم القيامة يخرج الله تعالى لكل إنسان كتاب عمله فيلقاه منشوراً أي مفتوحاً أمامه. ويقال له: إقرأ كتابك الذي أحصى لك عملك كله فلم يغادر منه صغيرة ولا كبيرة. وقوله ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ أي يكفيك نفسك حاسباً لأعمالك محصياً لها عليك أيها الإنسان. وقوله تعالى: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه﴾ ، أي بعد هذا الإعلام والبيان ينبغي أن يعلم أن من اهتدى اليوم فآمن بالله ورسوله، ولقاء الله، ووعده ووعيده وعمل صالحاً وتخلّى عن الشرك والمعاصي فإنما عائد ذلك له، هو الذي ينجو من العذاب، ويسعد في دار السعادة، وان من ضل طريق الهدى فكذب ولم يؤمن، وأشرك ولم يوحِّد، وعصى ولم يطع فإن ذلك الضلال عائد عليه، هو الذي يشقى به ويعذب في جهنم دار العذاب والشقاء. وقوله ﴿ولا تزر وازرة وزر٣ أخرى﴾ الوزر الإثم والذنب والوازرة الحاملة له لتؤخذ به ومعنى الكلام ولا تحمل يوم القيامة نفس آثمة إثم نفس أخرى، بل كل نفس تتحمل مسئوليتها بنفسها٤، والكلام تقرير لقوله: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾ . وقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا٥﴾ أي لم يكن من شأن الله تعالى وهو العدل الرحيم أن يهلك أمة بعذاب إبادة واستئصال قبل أن يبعث فيها رسولاً يعرفها بربها وبمحابه ومساخطه، ويأمرها بفعل المحاب وترك المساخط التي هي الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية﴾ أي أهل قرية ﴿أمرنا مترفيها﴾ أي أمرنا منعميها من أغنياء ورؤساء وأشراف من أهل الحل والعقد أمرناهم بطاعتنا بإقامة الشرع وأداء الفرائض والسنن واجتناب كبائر الإثم والفواحش فلم يستجيبوا للأمر ولا النهي وهو معنى ﴿ففسقوا٦ فيها فحق عليها القول﴾ أي وجب عليها العذاب ﴿فدمرناها تدميراً﴾ أي أهلكناها إهلاكاً كاملاً، وهذا الكلام بيان لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث

стр. 1503

رسولا﴾ إذ الرسول يأمر وينهى بإذن الله تعالى فإن لم يُطَعْ استوجب الناس العذاب فعذبوا. وقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح﴾ هو تقرير لهذا الحكم أيضاً إذ علمنا تعالى أن ما أخبر به كان واقعاً بالفعل فكثيراً من الأمم أهلكها من بعد هلاك قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وآل فرعون.. وقوله: ﴿وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً﴾ : فإن القول وإن تضمَّن علم الله تعالى بذنوب عباده فإن معناه الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، فإنه تعالى لا يرضى باستمرار الجرائم والآثام إنه يمهل لعل القوم يستفيقون، لعل الفساق يكفون، ثم إذا استمروا بعد الإعلام إليهم والتنديد بذنوبهم والتخويف بظلمهم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ألا فليحذر ذلك المصرون على الشرك والمعاصي!! هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة القضاء والقدر. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٣- تقرير العدالة١ الإلهية يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً. ٤- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم غير أنها لا تهلك إلا بعد الإنذار والإعذار إليها. ٥- التحذير من كثرة التنعم والترف فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة ثم يؤدي الفسق إلى الهلاك والدمار. مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ

стр. 1504

الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩) كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً (٢٢) شرح الكلمات العاجلة: أي الدنيا لسرعة انقضائها. يصلاها مذموما مدحورا: أي يدخلها ملوما مبعداً من الجنة. وسعى لها سعيها: أي عمل لها العمل المطلوب لدخولها وهو الإيمان والعمل الصالح. كان سعيهم مشكوراً: أي عملهم مقبولاً مثاباً عليه من قبل الله تعالى. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء: أي كل فريق من الفريقين نعطي. وما كان عطاء ربك محظورا: أي لم يكن عطاء الله في الدنيا محظوراً أي ممنوعا عن أحد. كيف فضلنا بعضهم على بعض: أي في الرزق والجاه. لا تجعل مع الله إلها آخر: أي لا تعبد مع الله تعالى غيره من سائر المعبودات الباطلة. فتقعد ملوماً مخذولاً: أي فتصير مذموماً من الملائكة والمؤمنين مخذولاً من الله تعالى. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في أخبار الله تعالى الصادقة والمتضمنة لأنواع من الهدايات الإلهية التي لا يحرمها إلا هالك، فقال تعالى في الآية الأولى (١٨) ﴿من كان يريد العاجلة﴾ أي الدنيا ﴿عجلنا له فيها ما نشاء﴾ ، لا ما يشاؤه العبد، وقوله ﴿لمن نريد﴾ لا من يريد غيرنا فالأمر كله لنا، ﴿ثم﴾ بعد ذلك ﴿جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً﴾ أي ملوماً ﴿مدحوراً١﴾ أي مطروداً من رحمتنا التي هي الجنة دار الأبرار أي المطيعين الصادقين. وقوله تعالى في الآية الثانية (١٩) ﴿ومن أراد الآخرة﴾ يخبر

стр. 1505

تعالى أن من أراد الآخرة أي سعادة الآخرة ﴿وسعى لها سعيها﴾ أي عمل، لها عملها اللائق بها وهو الإيمان الصحيح والعمل الصالح الموافق لما شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله، واجتنب الشرك والمعاصي وقوله ﴿وهو مؤمن﴾ قيد في صحة العمل الصالح أي لا يقبل من العبد صلاة ولا جهاد إلا بعد إيمانه بالله وبرسوله وبكل ما جاء به رسوله وأخبر به من الغيب. وقوله ﴿فأولئك﴾ أي المذكورون بالإيمان والعمل الصالح ﴿كان سعيهم مشكوراً١﴾ أي كان عملهم متقبلاً يثابون عليه بالجنة ورضوان الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا﴾ إي أن كلا من مريدي الدنيا ومريدي الآخرة يمد الله هؤلاء وهؤلاء من عطائه أي فضله الواسع فالكل يأكل ويشرب ويكتسي بحسب ما قدر له من الضيق والوسع ثم يموت وثَمَّ يقع التفاضل بحسب السعي الفاسد أو الصالح وقوله ﴿وما كان عطاء ربك محظورا٢﴾ يعني أن من أراد الله إعطاءه شيئاً لا يمكن لأحد أن يصرفه منه ويحرمه منه بحال من الأحوال وقوله تعالى: ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض﴾ أي انظر يا رسولنا ومن يفهم خطابنا كيف فضلنا بعض الناس على بعض في الرزق الذي شمل الصحة والعافية والمال والذرية والجاه، فإذا عرفت هذا فاعرف أن الآخرة أكبر درجات٣ وأكبر تفضيلا وذلك عائد إلى فضل الله أولا ثم إلى الكسب صلاحاً وفساداً وكثرة وقِلًَّةً كما هي الحال أيضاً في الدنيا فبقدر كسب الإنسان الصالح للدنيا يحصل عليها ولو كان كافراً لقوله تعالى من سورة هود٤ ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون﴾ أي لا ينقصون ثمرات عملهم لكونهم كفاراً مشركين. وقوله تعالى: ﴿لا تجعل مع٥ الله إلهاً آخر﴾ أي لا تجعل يا رسولنا مع الله إلها آخر تؤمن به وتعبده وتقرر إلهيته دوننا فإنك إن فعلت- وحاشاه أن يفعل لأن الله لا يريد له ذلك ﴿فتقعد في جهنم مذموماً﴾ أي ملوماً يلومك المؤمنون والملائكة مخذولاً من قبل ربك لا ناصر لك والسياق وإن كان في خطاب الرسول ﷺ فإن المراد به كل إنسان فالله تعالى ينهى عبده أن يعبد معه غيره فيترتب على ذلك شقاؤه والعياذ بالله تعالى.

стр. 1506

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- كلا الدارين السعادة فيها أو الشقاء متوقف على الكسب والعمل هذه سنة الله تعالى في العباد. ٢- سعى الدنيا التجارة والفلاحة والصناعة. ٣- سعى الآخرة الإيمان وصالح الأعمال والتخلية عن الشرك والمعاصي. ٤- يعطي الله تعالى الدنيا من يحب ومن لا يحب وعطاؤه قائم على سنن له في الحياة يجب معرفتها والعمل بمقتضاها لمن أراد الدنيا والآخرة. ٥- ما أعطاه الله لا يمنعه أحد فوجب التوكل على الله والإعراض عما سواه. ٦- تحريم الشرك والوعيد عليه بالخلود في نار جهنم. وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) شرح الكلمات: وقضى ربك: أي أمر وأوصى. وبالوالدين إحساناً: أي وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً وذلك ببرورهما. فلا تقل لهما أف: أي تباً أو قبحاً أو خسراناً.

стр. 1507

ولا تنهرهما: أي ولا تزجرهما بالكلمة القاسية. قولاً كريما: جميلاً ليناً. جناح الذل: أي ألن لهما جانبك وتواضع لهما. كان للأوابين: أي الرجاعين إلى الطاعة بعد المعصية. وآت ذا القربى: أي أعط أصحاب القرابات حقوقهم من البر والصلة. ولا تبذر تبذيرا: أي ولا تنفق المال في غير طاعة الله ورسوله. لربه كفورا: أي كثير الكفر كَبِيرَهُ لنعم ربه تعالى، فكذلك المبذر أخوه. معنى الآيات: لما حرم الله تعالى الشرك ونهى عنه رسوله بقوله ﴿ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولا﴾ أمر بالتوحيد فقال: ﴿وقضى١ ربك﴾ أي حكم وأمر ووصى ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي بأن لا تعبدوا إلا الله ، وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا٢﴾ أي وأوصى بالوالدين وهما الأم والأب إحساناً وهو برهما وذلك بإيصال الخير إليهما وكف الأذى عنهما، وطاعتهما في٣ غير معصية الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما٤﴾ أي إن يبلغ سن الكبر عندك واحد منهما الأب أو الأم أو يكبران معاً وأنت حي موجود بينهما في هذه الحال يجب أن تخدمهما خدمتهما لك وأنت طفل فتغسل بولهما وتطهر نجاستهما وتقدم لهما ما يحتاجان إليه ولا تتضجّر أو تتأفف من خدمتهما كما كانا هما يفعلان ذلك معك وأنت طفل تبول وتخرأ وهما يغسلان وينظفان ولا يتضجران أو يتأففان، وقوله: ﴿ولا تنهرهما﴾ أي لا تزجرهما بالكلمة العالية النابية ﴿وقل لهما قولاً كريماً٥﴾ أي جميلاً سهلا لينا يشعران معه بالكرامة والإكرام لهما وقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة٦﴾ أي ألن لهما وتطامن وتعطف عليهما وترحم. وادع لهما طوال

стр. 1508

حياتك بالمغفرة والرحمة إن كانا موحدين وماتا على ذلك لقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ وهو معنى قوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين١ فإنه كان للأوابين غفوراً﴾ . يخبر تعالى بأنه أعلم بنا من أنفسنا فمن كان يضمر عدم الرضا عن والديه والسخط عليهما فالله يعلمه منه، ومن كان يضمر حبهما واحترامهما والرضا بهما وعنهما فالله تعالى يعلمه ويجزيه به فالمحسن يجزيه بالإحسان والمسيء يجزيه بالإساءة، وقوله: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين٢ غفوراً﴾ بحكم ضعف الإنسان فإنه قد يضمر مرة السوء لوالديه أو تبدر منه البادرة السيئة من قول أو عمل وهو صالح مؤدٍ لحقوق الله تعالى وحقوق والديه وحقوق الناس فهذا العبد الصالح يخبر تعالى أنه غفور له متى آب إلى الله تعالى مستغفراً مما صدر منه نادماً عليه. وقوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى٣ حقه والمسكين وابن السبيل﴾ هذا أمر الله للعبد المؤمن بإيتاء قرابته حقوقهم من البر والصلة وكذا المساكين وهم الفقراء الذي مسكنتهم الفاقة وأذلهم الفقر فهؤلاء أمر تعالى المؤمن بإعطائهم حقهم من الإحسان إليهم بالكساء أو الغذاء والكلمة الطيبة، وكذا ابن السبيل وهو المسافر يعطي حقه من الضيافة والمساعدة على سفره إن احتاج إلى ذلك مع تأمينه وإرشاده إلى طريقه. وقوله تعالى ﴿ولا تبذر٤ تبذيرا﴾ أي ولا تنفق مالك ولا تفرقه في غير طاعة الله تعالى. وقوله ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ لأنهم بتبذيرهم المال في المعاصي كانوا عصاة لله فاسقين عن أمره وهذه حال الشياطين فتشابهوا فكانوا إخواناً، وقوله إن الشيطان كان لربه كفوراً لأنه عصى الله تعالى وكفر نعمه عليه ولم يشكره بطاعته فالمبذر للمال في المعاصي فسق عن أمر ربه ولم يشكر نعمه عليه فهو إذاً شيطان فهل يرضى عبد الله المسلم أن يكون شيطانا؟ هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب عبادة الله تعالى وحده ووجوب بر الوالدين، وهو الإحسان بهما، وكف الأذى عنهما، وطاعتهما في المعروف.

стр. 1509

٢-وجوب الدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة. ١ ٣- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم إضمار أي سوء في النفس. ٤- من كان صالحاً وبدرت منه البادرة وتاب منها فإن الله يغفر له ذلك. ٥- وجوب إعطاء ذوي القربى حقوقهم من البر والصلة، وكذا المساكين وابن السبيل. ٦- حرمة التبذير وحقيقته إنفاق المال في المعاصي والمحرمات. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا (٢٨) وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا (٣١) وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (٣٢) وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) شرح الكلمات: وإما تعرضن عنهم: أي عن المذكورين من ذي القربى والمساكين وابن السبيل فلم تعطهم شيئاً. ابتغاء رحمة من ربك ترجوها: أي طلباً لرزق ترجو من الله تعالى.

стр. 1510

قولا ميسوراً: أي ليناً سهلاً بأن تعدهم بالعطاء عند وجود الرزق. مغلولة إلى عنقك: أي لا تمسك عن النفقة كأن يدك مربوطة إلى عنقك فلا تستطيع أن تعطي شيئاً. ولا تبسطها كل البسط: أي ولا تنفق كل ما بيدك ولم تبق شيئاً. فتقعد ملوما: أي يلومك من حرمتهم من الإنفاق. محسورا: أي منقطعا عن سيرك في الحياة إذ لم تبق لك شيئاً. ويبسط الرزق ويقدر: أي يوسعه، ويقدر أي يضيقه امتحانا وابتلاء. خشية إملاق: أي خوف الفقر وشدته. خطئاً كبيراً: أي إثماً عظيماً. فاحشة وساء سبيلاً: أي خصلة قبيحة شديدة القبح،، وسبيلا بئس السبيل. لوليه سلطان: أي لوارثه تسلطاً على القاتل. فلا يسرف في القتل: أي لا يقتل غير القاتل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في وصايا الرب تبارك تعالى والتي هي حكم أوحاها الله تعالى إلى رسوله للاهتداء بها، والكمال والإسعاد عليها. فقوله تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ أي إن أعرضت عن قرابتك أو عن مسكين سألك أو ابن سبيل احتاج إليك ولم تجد ما تعطيهم فأعرضت عنهم بوجهك أيها الرسول ﴿فقل لهم قولاً ميسوراً١﴾ أي سهلا ليناً وهو العدة الحسنة كقولك إن رزقني الله سأعطيك أو عما قريب سيحصل لي كذا وأعطيك وما أشبه ذلك من الوعد الحسن، فيكون ذلك عطاء منك عاجلاً لهم يسرون به، ولا يحزنون. وقوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ أي لا تبخل بما آتاك الله فتمنع ذوي الحقوق حقوقهم كأن يدك مشدودة إلى عنقك فلا تستطيع أن تنفق، وقوله: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ أي تفتح يديك بالعطاء فتخرج كل ما بجيبك أو خزانتك فلا تبق شيئاً لك ولأهلك. وقوله: ﴿فتقعد ملوماً محسوراً﴾ أي إن أنت أمسكت ولم تنفق لامك سائلوك إذ لم تعطهم، وإن أنت أنفقت كل
следующие страницы →