هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- كلا الدارين السعادة فيها أو الشقاء متوقف على الكسب والعمل هذه سنة الله تعالى في العباد.
٢- سعى الدنيا التجارة والفلاحة والصناعة.
٣- سعى الآخرة الإيمان وصالح الأعمال والتخلية عن الشرك والمعاصي.
٤- يعطي الله تعالى الدنيا من يحب ومن لا يحب وعطاؤه قائم على سنن له في الحياة يجب معرفتها والعمل بمقتضاها لمن أراد الدنيا والآخرة.
٥- ما أعطاه الله لا يمنعه أحد فوجب التوكل على الله والإعراض عما سواه.
٦- تحريم الشرك والوعيد عليه بالخلود في نار جهنم.
وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)
شرح الكلمات:
وقضى ربك: أي أمر وأوصى.
وبالوالدين إحساناً: أي وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً وذلك ببرورهما.
فلا تقل لهما أف: أي تباً أو قبحاً أو خسراناً.
стр. 1507
ولا تنهرهما: أي ولا تزجرهما بالكلمة القاسية.
قولاً كريما: جميلاً ليناً.
جناح الذل: أي ألن لهما جانبك وتواضع لهما.
كان للأوابين: أي الرجاعين إلى الطاعة بعد المعصية.
وآت ذا القربى: أي أعط أصحاب القرابات حقوقهم من البر والصلة.
ولا تبذر تبذيرا: أي ولا تنفق المال في غير طاعة الله ورسوله.
لربه كفورا: أي كثير الكفر كَبِيرَهُ لنعم ربه تعالى، فكذلك المبذر أخوه.
معنى الآيات:
لما حرم الله تعالى الشرك ونهى عنه رسوله بقوله ﴿ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولا﴾ أمر بالتوحيد فقال: ﴿وقضى١ ربك﴾ أي حكم وأمر ووصى ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي بأن لا تعبدوا إلا الله ، وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا٢﴾ أي وأوصى بالوالدين وهما الأم والأب إحساناً وهو برهما وذلك بإيصال الخير إليهما وكف الأذى عنهما، وطاعتهما في٣ غير معصية الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما٤﴾ أي إن يبلغ سن الكبر عندك واحد منهما الأب أو الأم أو يكبران معاً وأنت حي موجود بينهما في هذه الحال يجب أن تخدمهما خدمتهما لك وأنت طفل فتغسل بولهما وتطهر نجاستهما وتقدم لهما ما يحتاجان إليه ولا تتضجّر أو تتأفف من خدمتهما كما كانا هما يفعلان ذلك معك وأنت طفل تبول وتخرأ وهما يغسلان وينظفان ولا يتضجران أو يتأففان، وقوله: ﴿ولا تنهرهما﴾ أي لا تزجرهما بالكلمة العالية النابية ﴿وقل لهما قولاً كريماً٥﴾ أي جميلاً سهلا لينا يشعران معه بالكرامة والإكرام لهما وقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة٦﴾ أي ألن لهما وتطامن وتعطف عليهما وترحم. وادع لهما طوال
стр. 1508
حياتك بالمغفرة والرحمة إن كانا موحدين وماتا على ذلك لقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ وهو معنى قوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين١ فإنه كان للأوابين غفوراً﴾ .
يخبر تعالى بأنه أعلم بنا من أنفسنا فمن كان يضمر عدم الرضا عن والديه والسخط عليهما فالله يعلمه منه، ومن كان يضمر حبهما واحترامهما والرضا بهما وعنهما فالله تعالى يعلمه ويجزيه به فالمحسن يجزيه بالإحسان والمسيء يجزيه بالإساءة، وقوله: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين٢ غفوراً﴾ بحكم ضعف الإنسان فإنه قد يضمر مرة السوء لوالديه أو تبدر منه البادرة السيئة من قول أو عمل وهو صالح مؤدٍ لحقوق الله تعالى وحقوق والديه وحقوق الناس فهذا العبد الصالح يخبر تعالى أنه غفور له متى آب إلى الله تعالى مستغفراً مما صدر منه نادماً عليه.
وقوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى٣ حقه والمسكين وابن السبيل﴾ هذا أمر الله للعبد المؤمن بإيتاء قرابته حقوقهم من البر والصلة وكذا المساكين وهم الفقراء الذي مسكنتهم الفاقة وأذلهم الفقر فهؤلاء أمر تعالى المؤمن بإعطائهم حقهم من الإحسان إليهم بالكساء أو الغذاء والكلمة الطيبة، وكذا ابن السبيل وهو المسافر يعطي حقه من الضيافة والمساعدة على سفره إن احتاج إلى ذلك مع تأمينه وإرشاده إلى طريقه. وقوله تعالى ﴿ولا تبذر٤ تبذيرا﴾ أي ولا تنفق مالك ولا تفرقه في غير طاعة الله تعالى. وقوله ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ لأنهم بتبذيرهم المال في المعاصي كانوا عصاة لله فاسقين عن أمره وهذه حال الشياطين فتشابهوا فكانوا إخواناً، وقوله إن الشيطان كان لربه كفوراً لأنه عصى الله تعالى وكفر نعمه عليه ولم يشكره بطاعته فالمبذر للمال في المعاصي فسق عن أمر ربه ولم يشكر نعمه عليه فهو إذاً شيطان فهل يرضى عبد الله المسلم أن يكون شيطانا؟
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب عبادة الله تعالى وحده ووجوب بر الوالدين، وهو الإحسان بهما، وكف الأذى عنهما، وطاعتهما في المعروف.
стр. 1509
٢-وجوب الدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة. ١
٣- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم إضمار أي سوء في النفس.
٤- من كان صالحاً وبدرت منه البادرة وتاب منها فإن الله يغفر له ذلك.
٥- وجوب إعطاء ذوي القربى حقوقهم من البر والصلة، وكذا المساكين وابن السبيل.
٦- حرمة التبذير وحقيقته إنفاق المال في المعاصي والمحرمات.
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا (٢٨) وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا (٣١) وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (٣٢) وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)
شرح الكلمات:
وإما تعرضن عنهم: أي عن المذكورين من ذي القربى والمساكين وابن السبيل فلم تعطهم شيئاً.
ابتغاء رحمة من ربك ترجوها: أي طلباً لرزق ترجو من الله تعالى.
стр. 1510
قولا ميسوراً: أي ليناً سهلاً بأن تعدهم بالعطاء عند وجود الرزق.
مغلولة إلى عنقك: أي لا تمسك عن النفقة كأن يدك مربوطة إلى عنقك فلا تستطيع أن تعطي شيئاً.
ولا تبسطها كل البسط: أي ولا تنفق كل ما بيدك ولم تبق شيئاً.
فتقعد ملوما: أي يلومك من حرمتهم من الإنفاق.
محسورا: أي منقطعا عن سيرك في الحياة إذ لم تبق لك شيئاً.
ويبسط الرزق ويقدر: أي يوسعه، ويقدر أي يضيقه امتحانا وابتلاء.
خشية إملاق: أي خوف الفقر وشدته.
خطئاً كبيراً: أي إثماً عظيماً.
فاحشة وساء سبيلاً: أي خصلة قبيحة شديدة القبح،، وسبيلا بئس السبيل.
لوليه سلطان: أي لوارثه تسلطاً على القاتل.
فلا يسرف في القتل: أي لا يقتل غير القاتل.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في وصايا الرب تبارك تعالى والتي هي حكم أوحاها الله تعالى إلى رسوله للاهتداء بها، والكمال والإسعاد عليها. فقوله تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً﴾ أي إن أعرضت عن قرابتك أو عن مسكين سألك أو ابن سبيل احتاج إليك ولم تجد ما تعطيهم فأعرضت عنهم بوجهك أيها الرسول ﴿فقل لهم قولاً ميسوراً١﴾ أي سهلا ليناً وهو العدة الحسنة كقولك إن رزقني الله سأعطيك أو عما قريب سيحصل لي كذا وأعطيك وما أشبه ذلك من الوعد الحسن، فيكون ذلك عطاء منك عاجلاً لهم يسرون به، ولا يحزنون. وقوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ أي لا تبخل بما آتاك الله فتمنع ذوي الحقوق حقوقهم كأن يدك مشدودة إلى عنقك فلا تستطيع أن تنفق، وقوله: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ أي تفتح يديك بالعطاء فتخرج كل ما بجيبك أو خزانتك فلا تبق شيئاً لك ولأهلك. وقوله: ﴿فتقعد ملوماً محسوراً﴾ أي إن أنت أمسكت ولم تنفق لامك سائلوك إذ لم تعطهم، وإن أنت أنفقت كل
стр. 1511
شيء عندك انقطعت بك الحياة ولم تجد ما تواصل به سيرك في بقية عمرك فتكون كالبعير الذي أعياه السير فانقطع عنه وترك محسوراً في الطريق لا يستطيع صاحبه رده إلى أهله، ولا مواصلة السير عليه إلى وجهته. وقوله: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء﴾ أي يوسع على من يشاء امتحاناً له أيشكر أم يكفر ويقدر لمن يشاء أي يضيق على من يشاء ابتلاء له أيصبر أم يضجر ويسخط، ﴿إنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ فلذا هو يوسع ويضيق بحسب علمه وحكمته، إذ من عباده من لا يصلحه إلا السعة، ومنهم من لا يصلحه إلا الضيق، وقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ أي ومما حكم به وقضى ووصى ﴿ألا تقتلوا أولادكم﴾ أي أطفالكم١ ﴿خشية إملاق﴾ أي مخافة الفاقة والفقر، إذ كان العرب يئدون البنات خشية العار ويقتلون الأولاد الذكور كالإناث مخافة الفقر فأوصى تعالى بمنع ذلك وقال متعهداً متكفلاً برزق الأولاد وآبائهم فقال: ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾ وأخبر تعالى أن قتل الأولاد ﴿كان خطئاً٢ كبيراً﴾ أي إثماً عظيماً فكيف يقدم عليه المؤمن؟.
وقوله: ﴿ولا تقربوا٣ الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً٤﴾ أي ومن جملة ما حكم به ووصى أن لا تقربوا أيها المؤمنون الزنا مجرد قرب منه قبل فعله، لأن الزنا كان في حكم الله فاحشة أي خصلة قبيحة شديدة القبح ممجوجة طبعاً وعقلاً وشرعاً، وساء طريق هذه الفاحشة سبيلاً أي بئس الطريق الموصل إلى الزنا طريقا للآثار السيئة والنتائج المدمرة التي تترتب عليه أولها أذية المؤمنين في أعراضهم وآخرها جهنم والاصطلاء بحرها والبقاء فيها أحقاباً طويلة. وقوله: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ أي ومما حكم تعالى به وأوصى أن لا تقتلوا أيها المؤمنون النفس التي حرم الله أي قتلها إلا بالحق، وقد بيّن رسول الله ﷺ الحق الذي تقتل به نفس المؤمن وهو واحدة من ثلاث: القتل العمد العدوان، الزنا بعد الاحصان، الكفر بعد الإيمان. وقوله: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً٥﴾ أي من قتل له قتيل ظلماً وعدواناً أي غير خطأ فقد أعطاه تعالى سلطة كاملة على قاتل وليه إن شاء قتله وإن شاء أخذ دية منه، وإن شاء عفا عنه لوجه الله تعالى: وقوله: ﴿فلا يسرف٦ في القتل إنه كان منصوراً٧﴾ أي لا يحل لولي الدم أي لمن قتل له
стр. 1512
قتيل أن يسرف في القتل فيقتل بدل الواحد أكثر من واحد أو بدل المرأة رجلا. أو يقتل غير القاتل، وذلك أن الله تعالى أعطاه سلطة تمكنه من قتل قاتله فلا يجوز أن يقتل غير قاتله كما كانوا في الجاهلية يفعلون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- العدة الحسنة تقوم مقام الصدقة لمن لم يجد ما يتصدق به على من سأله.
٢- حرمة البخل، والإسراف معاً وفضيلة الاعتدال والقصد.
٣- تجلى حكمة الله تعالى في التوسعة على أناس، والتضييق على آخرين.
٤- حرمة قتل الأولاد بعد الولادة أو إجهاضاً قبلها خوفا من الفقر أو العار.
٥- حرمة مقدمات الزنا كالنظر بشهوة والكلام مع الأجنبية ومسها وحرمة الزنا وهو أشد.
٦- حرمة قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق والحق قتل عمد عدواناً، وزناً بعد إحصان، وكفر بعد إيمان١.
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (٣٦) وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا (٣٩)
стр. 1513
شرح الكلمات:
إلا بالتي هي أحسن: أي ألا بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي تنميته والإنفاق عليه منه بالمعروف.
حتى يبلغ أشده: أي بلوغه سن التكليف وهو عاقل رشيد.
وأوفوا بالعهد: أي إذا عاهدتم الله أو العباد فأوفوا بما عاهدتم عليه.
إن العهد كان مسئولا: أي عنه وذلك بأن يسأل العبد يوم القيامة لم نكثت عهدك؟
أوفوا الكيل: أي اتموه ولا تنقصوه.
بالقسطاس المستقيم: أي الميزان السوي المعتدل.
وأحسن تأويلاً: أي مآلاً وعاقبة.
ولا تقف: أي ولا تتبع.
والفؤاد: أي القلب.
كان عنه مسئولاً: أي عن كل واحد من هذه الحواس الثلاث يوم القيامة.
مرحاً: أي ذا مرح بالكبر والخيلاء.
لن تخرق الأرض: أي لن تثقبها أو تشقها بقدميك.
من الحكمة: أي التي هي معرفة المحاب لله تعالى للتقرب بها إليها ومعرفة المساخط لتتجنبها تقربا إليه تعالى بذلك.
ملوما مدحوراً: أي تلوم نفسك على شركك بربك مبعداً من رحمة الله تعالى.
معنى الآيات:
مازال السياق الكريم في بيان ما قضى به الله تعالى على عباده المؤمنين ووصاهم به فقال تعالى: ﴿ولا تقربوا﴾ أي أيها المؤمنون ﴿مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ أي بالفعلة التي هي أجمل وذلك بأن تتصرفوا فيه بالتثمير له والإصلاح فيه، والإنفاق منه على اليتيم بالمعروف أما أن تقربوه لتأكلوه إسرافاً وبداراً فلالا. وقوله: حتى يبلغ أشده أي حتى يبلغ سن الرشد فتحاسبوه وتعطوه ماله يتصرف فيه حسب المشروع من التصرفات المالية. وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد١﴾ أي ومما أوصاكم به أن توفوا بعهودكم التي بينكم وبين ربكم وبينكم وبين سائر الناس مؤمنهم وكافرهم فلا يحل لكم أن لا توفوا بالعهد وأنتم قادرون على الوفاء بحال من الأحوال. وقوله: ﴿إن العهد كان مسئولاً٢﴾ تأكيد للنهي عن نكث العهد إذ أخبر تعالى أن العبد
стр. 1514
سيسأل عن عهده الذي لم يف به يوم القيامة، ومثل العهد سائر العقود من نكاح وبيع وإيجار وما إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ أي العهود، وقوله: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس١ المستقيم﴾ هذا مما أمر الله تعالى وهو إيفاء الكيل والوزن أي توفيتهما وعدم بخسهما ونقصهما شيئاً ولو يسيراً ما دام في الإمكان عدم نقصه، أما ما يعسر التحرز منه فهو من العفو لقوله تعالى: ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ . وقوله ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ أي ذلك الوفاء والتوفية في الكيل والوزن خير لبراءة الذمة وطيب النفس به وأحسن تأويلا أي عاقبة إذ يبارك الله تعالى في ذلك المال بأنواع من البركات لا يعلمها إلا هو . ومن ذلك أجر الآخرة وهو خير فإن من ترك المعصية وهو قادر عليها أثابه الله تعالى على ذلك بأحسن ثواب. وقوله تعالى: ﴿ولا تقف٢ ما ليس لك به٣ علم﴾ أي لا تتبع بقول ولا عمل ما لا تعلم، ولا تقل رأيت كذا وأنت لم تر، ولا سمعت كذا وأنت لم تسمع. وقوله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد﴾ أي القلب ﴿كل أولئك كان عنه٤ مسئولاً﴾ أي لا تقف ما ليس لك به علم، لأن الله تعالى سائل هذه الأعضاء يوم القيامة عما قال صاحبها أو عمل فتشهد عليه بما قال أو عمل مما لا يحل له القول فيه أو العمل. ومعنى أولئك أي تلك المذكورات من السمع والبصر والفؤاد. وقوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحاً﴾ أي خيلاء وتكبراً أي مما حرم تعالى وأوصى بعدم فعله المشي في الأرض مرحاً أي تكبراً واختيالاً، لأن الكبر حرام وصاحبه لا يدخل الجنة، وقوله ﴿إنك لن تخرق الأرض﴾ أي برجليك أيها المتكبر لأن المتكبر يضرب الأرض برجليه اعتزازاً واهتزازاً، ولن تبلغ الجبال طولا مهما تعاليت وتطاولت فإنك كغيرك من الناس لا تخرق الأرض أي تثقبها أو تقطعها برجليك ولا تبلغ علو الجبال فلذا أترك مشية الخيلاء والتكبر، لأن ذلك معيب ومنقصة ولا يأتيه إلا ذو حماقة وسفه. وقوله تعالى: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً﴾ أي كل ذلك المأمور به
стр. 1515
والمنهي عنه من قوله تعالى: ﴿وقضى ربك﴾ إلى قوله ﴿كل ذلك كان سيئه١ عند ربك مكروها﴾ سيئة كالتبذير والبخل وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم، وبخس الكيل والوزن، والقول بلا علم كالقذف وشهادة الزور، والتكبر كل هذا الشيء مكروه عند الله تعالى إذا فلا تفعله يا عبد الله وما كان من حسن فيه كعبادة الله تعالى وحده وبر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى والمساكين وابن السبيل والعدة الحسنة فكل هذا الحسن هو عند ألله حسن فأته يا عبد الله ولا تتركه ومن قرأ كنافع كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها فإنه يريد ما اشتملت عليه الآيات من التبذير والبخل وقتل النفس إلى آخر المنهيات.
وقوله تعالى: ﴿ذلك٢ مما أوحى إليك ربك من الحكمة﴾ أي ذلك الذي بيَّنَّا لك يا رسولنا من الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدة التي أمرناك بالأخذ بها والدعوة إلى التمسك بها، ومن الخلال القبيحة والخصال الذميمة التي نهيناك عن فعلها وحرمنا عليك إتيانها مما أوحينا إليك في كتابنا هذا من أنواع الحكم وضروب العلم والمعرفة، فلله الحمد وله المنة.
وقوله: ﴿ولا تجعل٣ مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً٤﴾ هذه أم الحكم بدأ بها السياق وختمه بها تقريراً وتأكيداً إذ تقدم قوله تعالى: ﴿ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً﴾ . والخطاب وإن كان لرسول الله ﷺ فإن كل أحد معني به فأي إنسان يشرك بربه أحداً من خلقه في عبادته فقد جعله إلهاً مع الله، ولابد أن يلقى في جهنم ملوماً من نفسه مدحوراً مبعداً من رحمة ربه التي هي الجنة. وهذا إذا مات قبل أن يتوب فيوحد ربه في عباداته. إذ التوبة إذا صحت جَبَّت ما قبلها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة مال اليتيم أكلا أو إفساداً أو تضييعاً وإهمالاً.
٢- وجوب الوفاء بالعهود وسائر العقود.
! - وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة بخس الكيل والوزن.
стр. 1516
٤- حصول البركة لمن يمتثل أمر الله في كيله ووزنه.
٥- حرمة القول أو العمل بدون علم لما يُقْضِي إليه ذلك من المفاسد ولأن الله تعالى سائل كل الجوارح ومستشهدها على صاحبها يوم القيامة.
٦- حرمة الكبر ومقت المتكبرين.
٧- انتظام هذا السياق لخمس وعشرين حكمة الأخذ بها خير من الدنيا وما فيها، والتفريط فيها هو سبب خسران الدنيا والآخرة.
أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١) قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)
شرح الكلمات:
أفأصفاكم: الاستفهام للتوبيخ والتقريع ومعنى أصفاكم خصكم بالبنين واختارهم لكم.
ولقد صرفنا في هذا القرآن: أي بينا فيه من الوعد والوعيد والأمثال والعظات والأحكام والعبر.
ليذكروا: أي ليذكروا فيتعظوا فيؤمنوا ويطيعوا.
لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا: أي لَطَلَبوا طريقا إلى الله تعالى للتقرب إليه وطلب المنزلة عنده.
ومن فيهن: أي في السموات من الملائكة والأرض من إنسان وجان وحيوان.
стр. 1517
وإن من شيء إلا يسبح: أي وما من شيء إلا يسبح بحمده من سائر المخلوقات.
حليما غفوراً: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على معصيتكم إياه وعدم طاعتكم له.
معنى الآيات:
يقول تعالى مقرعاً موبخاً المشركين الذين يئدون البنات ويكرهونهنّ ثم هم يجعلون الملائكة إناثاً ﴿أفأصفاكم ربكم١ بالبنين﴾ أي أخصكم بالبنين ﴿واتخذ من الملائكة إناثاً إنكم لتقولون قولا عظيماً﴾ أيها المشركون إذ تجعلون لله ما تكرهون افترءً وكذباً على الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ولقد صرفنا٢ في هذا القرآن﴾ أي من الحجج والبينات والأمثال والمواعظ الشيء الكثير من أجل أن يُذّكروا فيذكروا ويتعظوا فيُنيبوا إلى ربهم فيوحدونه وينزهونه عن الشريك والولد، ولكن ما يزيدهم القرآن وما فيه من البينات والهدى إلا نفوراً وبعداً عن الحق. وذلك لغلبة التقليد عليهم، والعناد والمكابرة والمجاحدة. وقوله تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما تقولون﴾ أي قل يا نبينا لهؤلاء المشركين المتخذين لله أنداداً يزعمون أنها آلهة مع الله قل لهم لو كان مع الله آلهة كما تقولون وإن كان الواقع يكذبكم إذ ليس هناك آلهة مع الله ولكن على فرض أنه لو كان مع الله آلهة ﴿لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً﴾ أي لطلبوا طريقاً إلى ذي العرش يلتمسون فيها رضاه ويطلبون القرب منه والزلفى إليه لجلاله وكماله، وغناه وحاجتهم وافتقارهم٣ إليه. ثم نزه نفسه أن يكون معه آلهة فقال ﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً﴾ . وقوله: ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن٤﴾ فأخبر تعالى منزهاً نفسه مقدّساً ذاته عن الشبيه والشريك والولد والعجز، فأخبر أنه لعظمته وكماله تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن بكلمة: سبحان الله وبحمده ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ كما أخبر أنه ما من شيء من المخلوقات إلا ويسبح بحمده
стр. 1518
بلسان قَالِهِ وحَالِه١ معاً فيقول سبحان الله وبحمده وقوله: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم٢﴾ لاختلاف الألسنة واللغات. وقوله إن كان أي ﴿الله حليماً﴾ : أي لا يعاجل بالعقوبة من عصاه ﴿غفوراً﴾ يغفر ذنوب وزلات من تاب إليه وأناب طالباً مغفرته ورضاه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة القول على الله تعالى بالباطل ونسبة النقص إليه تعالى كاتخاذه ولداً أو شريكاً.
٢- مشروعية الاستدلال بالعقليات، على إحقاق الحق وإبطال الباطل.
٣- فضيلة التسبيح وهو قول: سبحان الله وبحمده حتى إن من قالها مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت في الكثرة مثل زبد البحر.
٤- كل المخلوقات في العوالم كلها تسبح الله تعالى أي تنزهه كن الشريك والولد والنقص والعجز ومشابهة الحوادث إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
٥- حلم الله يتجلى في عدم تعجيل عقوبة من عصاه ولولا حلمه لعجل عقوبة مشركي مكة وأكابر مجرميها. ولكن الله أمهلهم حتى تاب أكثرهم.
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا (٤٧) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً (٤٨)
стр. 1519
شرح الكلمات:
حجابا مستورا: أي ساتراً لهم فلا يسمعون كلام الله تعالى.
وجعلنا على قلوبهم أكنة: أي أغطية على القلوب فلا تعي ولا تفهم.
وفي آذانهم وقراً: أي ثقلاً فلا يسمعون القرآن ومواعظه.
ولو على أدبارهم نفوراً: أي فراراً من السماع حتى لا يسمعوا.
بما يستمعون به: أي بسببه وهو الهزء بالنبي ﷺ .
وإذ هم نجوى: أي يتناجون بينهم يتحدثون سراً.
رجلا مسحوراً: أي مغلوياً على عقله مخدوعاً.
ضربوا لك الأمثال: أي قالوا ساحر، وقالوا كاهن وقالوا شاعر.
فضلوا: أي عن الهدى فلا يستطيعون سبيلاً.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وإذا قرأت القرآن﴾ ١ يخبر تعالى رسوله محمداً ﷺ أنه إذا قرأ القرآن على المشركين ليدعوهم به إلى الله تعالى ليؤمنوا به ويعبدوه وحده جعل الله تعالى بينه وبين المشركين حجاباً٢ ساتراً، أو مستوراً لا يُرى وهو حقاً حائل بينهم وبين الرسول ﷺ حتى لا يسمعوا القرآن الذي يقرأ عليهم فلا ينتفعون به. وهذا الحجاب ناتج عن شدة بغضهم للرسول ﷺ وكراهيتهم لدعوته فهم لذلك لا يرونه ولا يسمعون قراءته. وقوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن٣ يفقهوه﴾ جمع كنان وهو الغطاء حتى لا يصل المعنى المقروء من الآيات إلى قلوبهم فيفقهوه، وقوله: ﴿وفي آذانهم وقراً﴾ أي وجعل تعالى في آذان أولئك المشركين الخصوم ثقلاً في آذانهم فلا يسمعون القرآن الذي يتلى عليهم، وهذا كله من الحجاب الساتر والأكنة، والوقر في الآذان عقوبة من الله تعالى لهم حرمهم بها من الهداية بالقرآن لسابقة الشر لهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين ببغضهم للرسول وما جاء به وحربهم له ولما جاء به من التوحيد والدين الحق، وقوله
стр. 1520
تعالى: ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده﴾ بأن قلت لا إله إلا الله١، أو ما أفهم معنى٢ لا إله إلا الله ولى المشركون على أدبارهم٣ نفوراً من سماع التوحيد لحبهم الوثنية وتعلق قلوبهم بالشرك. وقوله تعالى ﴿نحن أعلم بما يستمعون به﴾ يقول تعالى لرسوله نحن أعلم بما يستمع به المشركون أي بسبب أنهم يستمعون من أجل الاستهزاء بك والسخرية منك ومما تتلوه لا أنهم يستمعون للعلم والمعرفة ولطلب الحق والاهتداء إليه. وقوله: ﴿إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى﴾ أي يناجي بعضهم بعضا ﴿إذ يقول الظالمون٤﴾ أي المشركون ﴿إن تتبعون﴾ أي لا تتبعون ﴿إلا رجلاً مسحوراً﴾ أي مخدوعاً مغلوباً على أمره، فكيف تتبعونه إذاً؟.
وقوله تعالى: ﴿انظر كيف٥ ضربوا لك الأمثال﴾ أي انظر يا رسولنا كيف ضرب لك هؤلاء المشركون المعاندون الأمثال فقالوا عنك: ساحر، وشاعر، وكاهن ومجنون فضلوا في طريقهم ﴿فلا يهتدون سبيلا﴾ إنهم عاجزون عن الخروج من حيرتهم هذه التي أوقعهم فيها كفرهم وعنادهم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير قاعدة حبك الشيء يعمى ويصم: فإن الحجاب المذكور في الآية وكذا الأكنة والثقل في الآذان هذه كلها حالت دون سماع القرآن من أجل بغضهم للرسول ﷺ وللقرآن وما جاء به عن الدعوة إلى التوحيد.
٢- بيان مدى كراهية المشركين للتوحيد وكلمة الإخلاص لا إله إلا الله.
٣- بيان مدى ما كان عليه المشركون من السخرية والاستهزاء بالرسول والقرآن.
٤- بيان اتهامات المشركين للرسول ﷺ بالسحر مرة والكهانة ثانية والجنون ثالثة بحثاً عن الخلاص من دعوة التوحيد فلم يعثروا على شيء كما قال تعالى: ﴿فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾ .
стр. 1521
وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢)
شرح الكلمات:
وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتاً: الاستفهام للإنكسار الاستبعاد والرُّفات الأجزاء المتفرقة.
مما يكبر في صدوركم: أي يعظم عن قبول الحياة في اعتقادكم.
فطركم: خلقكم.
فسينغضون: أي يحركون رؤوسهم تعجباً.
متى هو؟ : الاستفهام للاستهزاء أي متى هذا البعث الذي تعدنا.
يوم يدعوكم: أي يناديكم من قبوركم على لسان إسرافيل.
فتستجيبون: أي تجيبون دعوته قائلين سبحانك اللهم وبحمدك.
وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً: وتظنون أنكم ما لبثتم في قبوركم إلا قليلا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تقرير العقيدة ففي الآيات قبل هذه كان تقرير التوحيد والوحي وفي هذه الآيات تقرير البعث والجزاء الآخر ففي الآية (٤٧) يخبر تعالى عن إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له بقوله: ﴿وقالوا١ أئذا كنا عظاماً ورفاتاً٢﴾ أي أجزاء متفرقة كالحطام ﴿أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً٣﴾ وفي الآية الثانية (٤٨) يأمر تعالى الرسول ﷺ أن يقول لهم
стр. 1522
كونوا ما شئتم فإن الله تعالى قادر على إحيائكم وبعثكم للحساب والجزاء وهو قوله تعالى: قل كونوا حجارة أو حديداً١ أو خلقا مما يكبر في٢ صدوركم أي مما يعظم في نفوسكم أن يقبل الحياة كالموت٣ مثلا فإن الله تعالى سيحييكم ويبعثكم. وقوله تعالى: فسيقولون من يعيدنا؟ يخبر تعالى رسوله أن منكري البعث سيقولون له مستبعدين البعث: من يعيدنا وعلمه الجواب فقال له قل الذي فطركم أي خلقكم أول مرة وهو جواب مسكت فالذي خلقكم ثم أماتكم هو الذي يعيدكم كما بدأكم وهو أهون عليه. وقوله تعالى ﴿فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو﴾ يخبر تعالى رسوله بما سيقوله منكروا البعث له فيقول تعالى ﴿فسينغضون﴾ أي يحركون إليك رؤوسهم خفضاً ورفعاً استهزاء ويقولون: ﴿متى هو؟﴾ أي متى البعث أي في أي يوم هو كائن. وقوله تعالى: ﴿قل عسى أن يكون قريباً﴾ علمه تعالى كيف يجيب المكذبين. وقوله ﴿يوم يدعوكم فتستجيبون٤ بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً﴾ أي يكون بعثكم الذي تنكرونه يوم يدعوكم بأمر الله تعالى إسرافيل من قبوركم فتستجيبون أي فتجيبونه بحمد٥ الله ﴿وتظنون إن لبثتم﴾ أي لبثتم إلا قليلاً أي ما لبثتم في قبوركم إلا قليلا٦ من اللبث وذلك لما تعاينون من الأهوال وتشاهدون من الأحوال المفزعة المرعبة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء وبيان حتميتها.
٢- بيان ما كان عليه المشركون من شدة إنكارهم للبعث الآخر.
٣- تعليم الله تعالى لرسوله كيف يجيب المنكرين المستهزئين بالتي هي أحسن.
٤- بيان الأسلوب الحواري الهادي الخالي من الغلظة والشدة.
стр. 1523
٥- استقصار مدة اللبث في القبور مع طولها لما يشاهد من أهوال البعث.
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (٥٣) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)
شرح الكلمات:
التي هي أحسن: أي الكلمة التي هي أحسن من غيرها للطفها وحسنها.
ينزغ: أي يفسد بينهم١.
عدواً مبيناً: أي بيّن العداوة ظاهرها.
ربكم أعلم بكم: هذه هي الكلمة التي هي أحسن.
وما أرسلناك عليهم وكيلا: أي فيلزمك إجبارهم على الإيمان.
فضلنا بعض النبيين: أي بتخصيص كل منهم بفضائل أو فضيلة خاصة به.
وآتينا داود زبورا: أي كتابا هو الزبور هذا نوع من التفضيل.
معنى الآيات:
مازال السياق في طلب هداية أهل مكة، من طريق الحوار والمجادلة وحدث أن بعض المؤمنين واجه بعض الكافرين أثناء الجدال بغلظة لفظ كان توعده بعذاب النار فأثار ذلك حفائظ المشركين فأمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين إذا خاطبوا المشركين أن لا يغلظوا لهم القول فقال تعالى: ﴿وقل لعبادي٢﴾ أي المؤمنين ﴿يقولوا التي هي أحسن﴾ من الكلمات لتجد طريقاً إلى قلوب الكافرين، وعلل لذلك تعالى فقال ﴿إن الشيطان ينزغ بينهم﴾ بالوسواس فيفسد العلائق التي
стр. 1524
كان في الامكان التوصل بها إلى هداية الضالين، وذلك أن الشيطان كان ومازال للإنسان عدواً مبيناً أي بين العداوة ظاهرها فهو لا يريد للكافر أن يسلم، ولا يريد للمسلم أن يؤجر ويثاب في دعوته. وقوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم﴾ فيتوب عليكم فتسلموا. ﴿أو إن يشأ يعذبكم﴾ بأن يترككم تموتون على شرككم فتدخلوا النار. مثل هذا الكلام ينبغي أن يقول المؤمنون للكافرين لا أن يصدروا الحكم عليهم بأنهم أهل النار والمخلدون فيها فيزعج ذلك المشركين فيتمادوا في العناد والمكابرة. وقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك عليهم١ وكيلا﴾ . يقول تعالى لرسوله إنا لم نرسلك رقيبا عليهم فتجبرهم على الإسلام وإنما أرسلناك مبلغا دعوتنا إليهم بالأسلوب الحسن وهدايتهم إلينا، وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يدعون الكافرين إلى الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وربك أعلم بمن في السموات والأرض﴾ يخبر تعالى رسوله والمؤمنين ضمناً أنه تعالى أعلم بمن في السموات والأرض فضلا عن هؤلاء المشركين فهو أعلم بما يصلحهم وأعلم بما كتب لهم أو عليهم من سعادة أو شقاء، وأسباب ذلك من الإيمان أو الكفر، وعليه فلا تحزنوا على تكذيبهم ولا تيأسوا من إيمانهم، ولا تتكلفوا ما لا تطيقون في هدايتهم فقولوا التي هي أحسن واتركوا أمر هدايتهم لله تعالى هو ربهم وأعلم بهم وقوله تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً٢﴾ ، يخبر تعالى عن انعامه بين عباده فالذي فاضل بين النبيين وهم أكمل الخلق وأصفاهم فهذا فضله بالخلة كإبراهيم وهذا بالتكليم كموسى، وهذا بالكتاب الحافل بالتسابيح والمحامد والعبر والمواعظ كداود، وأنت يا محمد بمغفرته لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وبإرسالك إلى الناس كافة إلى غير ذلك من الإفضالات وإذا تجلت هذه الحقيقة لكم وعرفتم أن الله أعلم بمن يستحق الهداية وبمن يستحق الضلالة، وكذا الرحمة والعذاب ففوضوا الأمر إليه، وادعوا عباده برفق ولين وبالتي هي أحسن من غيرها من الكلمات.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- النهي عن الكلمة الخشنة المسيئة إلى المدعو إلى الإسلام.
стр. 1525
٢- بيان أن الشيطان يسعى للإفساد دائماً فلا يمكن من ذلك بالكلمات المثيرة للغضب والحاملة على اللجج والخصومة الشديدة.
٣- بيان نوع الكلمة التي هي أحسن مثل ﴿ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم﴾ .
٤- بيان أن الله تعالى أعلم بخلقه فهو يهب كل عبد ما أهله له حتى إنه فاضل بين أنبيائه ورسله ﵈ في الكمالات الروحية والدرجات العالية.
قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)
شرح الكلمات:
فلا يملكون: أي لا يستطيعون.
كشف الضر: أي إزالته بشفاء المريض.
ولا تحويلا: أي للمرض من شخص مريض إلى آخر صحيح ليمرض به.
стр. 1526
يدعون: أي ينادونهم طالبين منهم أو متوسلين بهم.
يبتغون إلى ربهم الوسيلة: أي يطلبون القرب منه بالطاعات وأنواع القربات.
كان محذورا: أي يحذره المؤمنون ويحترسون منه بترك معاصي الله تعالى.
في الكتاب مسطورا: أي في كتاب المقادير الذي هو اللوح المحفوظ مكتوبا.
أن نرسل بالآيات: أي بالآيات التي طلبها أهل مكة كتحويل الصفا إلى جبل ذهب. أو إزالة جبال مكة لتكون أرضاً زراعية وإجراء العيون فيها.
إلا ان كذب بها الأولون: إذ طالب قوم صالح بالآية ولما جاءتهم كفروا بها فأهلكهم الله تعالى.
الناقة مبصرة: أي وأعطينا ثمود قوم صالح الناقة آية مبصرة واضحة بينة.
فظلموا بها: أي كفروا بها وكذبوا فأهلكهم الله تعالى.
إلا تخويفا: إلا من أجل تخويف العباد بأنا إذا أعطيناهم الآيات ولم يؤمنوا أهلكناهم.
أحاط بالناس: أي قدرة وعلما فهم في قبضته وتحت سلطانه فلا تخفهم.
وما جعلنا الرؤيا١: هي ما رآه الرسول ﷺ ليلة الإسراء والمعراج من عجائب خلق الله تعالى.
والشجرة الملعونة٢: هي شجرة الزقوم الوارد لفظها في الصافات والدخان.
ونخوفهم: بعذابنا في الدنيا بالإهلاك والإبادة وفي الآخرة بالزقوم والعذاب الأليم.
فما يزيدهم: أي التخويف إلا طغيناناً وكفراً.
معنى الآيات:
مازال السياق في تقرير التوحيد فيقول تعالى لرسوله قل يا محمد ﷺ لأولئك المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله فإنهم لا يملكون أن يكشفوا الضر عن مريض ولا يستطيعون تحويله عنه إلى آخر عدو له يريد أن يمسه الضر لأنهم أصنام وتماثيل لا يسمعون
стр. 1527
ولا يبصرون فضلا عن أن يستجيبوا دعاء من دعاهم لكشف ضر أو تحويله إلى غيره، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٤) ﴿قل أدعوا١ الذين زعمتم من دونه، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته﴾ ﴿ويخافون عذابه﴾ . يخبرهم تعالى بأن أولئك الذين يعبدونهم من الجن٢ أو الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين هم أنفسهم يدعون ربهم ويتوسلون للحصول على رضاه. بشتى أنواع الطاعات والقربات فالذي يَعْبُدُ لا يُعْبَد، والذي يتقرب إلى الله بالطاعات لا يتقرب إليه وإنما يتقرب إلى من هو يتقرب إليه ليحظى بالمنزلة عنده، وقوله ﴿يرجون رحمته ويخافون٣ عذابه﴾ ، أي أن أولئك الذين يدعوهم الجهال من الناس ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم هم أنفسهم يطلبون الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. لأن عذابه تعالى كان وما زال يحذره العقلاء، لأنه شديد لا يطاق. فكيف يُدعى ويرجى ويخاف من هو يدعو ويرجو ويخاف لو كان المشركون يعقلون.
وقوله تعالى: ﴿وإن من قرية﴾ أي مدينة من المدن ﴿إلا نحن مهلكوها﴾ أي بعذاب إبادة قبل يوم القيامة، ﴿أو معذبوها عذاباً شديداً﴾ بمرض أو قحط أو خوف من عدو ﴿كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ أي مكتوباً في اللوح المحفوظ، فلذا لا يستعجل أهل مكة العذاب فإنه إن كان قد كتب عليهم فإنه نازل بهم لا محالة وإن لم يكن قد كتب عليهم فلا معنى لاستعجاله فإنه غير واقع بهم وهم مرجون للتوبة أو لعذاب يوم القيامة وقوله تعالى: ﴿وما منعنا٤ أن نرسل بالآيات﴾ أي بالمعجزات وخوارق العادات ﴿إلا أن كذب بها﴾ أي بالمعجزات الأولون من الأمم فأهلكناهم٥ بتكذيبهم بها، فلو أرسلنا نبينا محمداً بمثل تلك الآيات وكذبت بها قريش
стр. 1528
لأهلكهم، وهو تعالى لا يريد إهلاكهم بل يريد هدايتهم ليهتدي على أيديهم خلقاً كثيراً من العرب والعجم والأبيض والأصفر فسبحان الله العليم الحكيم وقوله تعالى ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ أي آية مبصرة أي مضيئة بينة فظلموا بها أي كذبوا بها فعقروها فظلموا بذلك أنفسهم وعرضوها لعذاب الإبادة فأبادهم الله فأخذتهم الصيحة وهم ظالمون هذا دليل على أن المانع من الإرسال بالآيات هو ما ذكر تعالى في هذه الآية وقوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً١﴾ يخبر تعالى أنه ما يرسل الرسل مؤيدين بالآيات التي هي المعجزات والعبر والعظات إلا لتخويف الناس عاقبة الكفر والعصيان لعلهم يخافون فيؤمنون ويطيعون قوله تعالى ﴿وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي اذكر يا محمد إذ قلنا لك بواسطة وحينا هذا إن ربك أحاط بالناس. فهم في قبضته وتحت قهره وسلطانه فلا ترهبهم ولا تخش منهم أحداً فإن الله ناصرك عليهم، ومنزل نقمته بمن تمادى في الظلم والعناد، وقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾ يريد رؤيا الإسراء والمعراج حيث أراه الله من آياته وعجائب صنعه وخلقه، ما أراه ﴿إلا فتنة للناس﴾ أي لأهل مكة اختباراً لهم هل يصدقون أو يكذبون، إذ ليس لازماً لتقرير نبوتك وإثبات رسالتك وفضلك أن نريك الملكوت الأعلى وما فيه من مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة.
وقوله تعالى: ﴿والشجرة الملعونة﴾ أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وهي شجرة الزقوم وأنها ﴿تخرج في أصل الجحيم﴾ إلا فتنة كذلك لأهل مكة حيث قالوا كيف يصح وجود نخلة ذات طلع في وسط النار، كيف لا تحرقها النار قياساً للغائب على الشاهد وهو قياس فاسد، وقوله تعالى ﴿ونخوفهم﴾ بالشجرة الملعونة وأنها ﴿طعام الأثيم تغلي في البطون كغلي الحميم﴾ وبغيرها من أنواع العذاب الدنيوي والأخروي، وما يزيدهم ذلك إلا طغياناً كبيراً أي ارتفاعاً وتكبراً عن قبول الحق والاستجابة له لما سبق في علم الله من خزيهم وعذابهم فاصبر أيها الرسول وامض في دعوتك فإن العاقبة لك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير التوحيد بالحكم على عدم استجابة الآلهة المدعاة لعابديها.
! - بيان حقيقة عقليه وهي أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم والتوسل إليهم بالذبح والنذر هو أمر
стр. 1529
باطل ومضحك في نفس الوقت، إذ الأولياء كانوا قبل موتهم يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات والقربات ومن كان يَعْبُدْ لا يُعْبَدْ. ومن كان يَتَقرب لا يُتقَرَّب إليه، ومن كان يَتَوَسَّلْ لا يُتَوسلْ إليه بل يعبد الذي كان يُعْبَد ويَتُوَسل إلى الذي كان يُتَوسل إليه ويتقرب إلى الذي كان يتقرب إليه، وهو الله .
٣- تقرير عقيدة القضاء والقدر.
٤- بيان المانع من عدم إعطاء الرسول ﷺ الآيات على قريش.
٥- بيان علة الإسراء والمعراج، وذكر شجرة الزقوم في القرآن الكريم.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥)
شرح الكلمات:
لمن خلقت طيناً: أي من الطين.
أرأيتك: أي أخبرني.
كرمت على: أي فضّلْته علي بالأمر بالسجود له.
لأحتنكن: لأستولين عليهم فأقودهم إلى الغواية كالدابة إذا جعل الرسن في
стр. 1530
حنكها، تقُاد حيث شاء راكبها!.
اذهب: أي منظراً إلى وقت النفخة الأولى.
جزاءً موفوراً: أي وافراً كاملاً.
واستفزز: أي واستخفف.
بصوتك: أي بدعائك إياهم إلى طاعتك ومعصيتي بأصوات المزامير والأغاني واللهو.
وأجلب عليهم: أي صِحْ فيهم بركبانك ومُشاتك.
وشاركهم في الأموال: بحملهم على أكل الربا وتعاطيه.
والأولاد: بتزيين الزنا ودفعهم إليه.
وعدهم: أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء.
إلا غرورا: أي باطلاً.
ليس لك عليهم سلطان: أي إن عبادي المؤمنين ليس لك قوة تتسلط عليهم بها.
وكفى بربك وكيلاً: أي حافظاً لهم منك أيها العدوّ.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ أي اذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين الجهلة الذين أطاعوا عدوهم وعدو أبيهم من قبل، وعصوا ربهم، اذكر لهم كيف صدّقوا ظنّ إبليس فيهم، واذكر لهم ﴿إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ فامتثلوا أمرنا ﴿فسجدوا إلا إبليس﴾ قال منكراً أمرنا، مستكبراً عن آدم عبدنا ﴿أأسجد١ لمن خلقت طيناً﴾ ؟ أي لمن خلقته من الطين لأن آدم خلقه الله تعالى من أديم الأرض عذبها وملحها ولذا سمى آدم آدم ثم قال في صلفه وكبريائه ﴿أرأيتك﴾ أي أخبرني أهذا ﴿الذي كرمت علي٢﴾ ؟ ! قال هذا استصغار لآدم واستخفافا بشأنه، ﴿لئن أخرتني﴾ أي وعزتك لئن أخرْت موتي ﴿إلى يوم يبعثون لأحتنكن ذريته﴾ أي لأستولين عليهم وأسوقهم إلى أودية الغواية والضلال حتى يهلكوا مثلي ﴿إلا قليلاً﴾ ٣ منهم ممن
стр. 1531
تستخلصهم لعبادتك فأجابه الرب ﵎: ﴿قال اذهب١﴾ أي مُنَظراً وممهلاً إلى وقت النفخة الأولى وقوله تعالى: ﴿فمن تبعك منهم﴾ أي عصاني وأطاعك ﴿فإن جهنم جزآؤكم جزآءً موفوراً﴾ أي وافراً كاملاً.
وقوله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ قال هذا لإبليس بعد أن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم أذن له في أن يعمل ما استطاع في إضلال أتباعه، ﴿واستفزز٢ من استطعت منهم بصوتك﴾ أي واستخفف منهم بدعائك إلى الباطل بأصوات المزامير والأغاني وصور الملاهي وأنديتها وجمعياتها، ﴿وأجلب٣ عليهم﴾ أي صِح على خيلك ورجلك٤ الركبان والمشاة وسقهم جميعاً على بني آدم لإغوائهم وإضلالهم ﴿وشاركهم في الأموال﴾ بحملهم على الربا وجمع الأموال من الحرام وفي ﴿الأولاد﴾ بتزيين الزنا وتحسين الفجور وعدهم بالأماني الكاذبة وبأن لا بعث يوم القيامة ولا حساب ولا جزاء قال تعالى: ﴿وما يعدهم الشيطان إلا غروراً﴾ أي باطلاً وكذباً وزوراً. وقوله تعالى: ﴿إن عبادي﴾ أي المؤمنين بي، المصدقين بلقائي ووعدي ووعيدي ليس لك عليهم قوة تتسلط عليهم بها، ﴿وكفى بربك وكيلا﴾ أي حافظاً لهم: منك فلا تقدر على إضلالهم ولا إغوائهم يا عدوي وعدوهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية التذكير بالأحداث الماضية للتحذير من الوقوع في الهلاك.
٢- ذم الكبر وأنه من شر الصفات.
٣- تقرير عداوة إبليس والتحذير منها.
٤- بيان مشاركة إبليس أتباعه في أموالهم وأولادهم ونساءهم.
٥- بيان أن أصوات الأغاني والمزامير والملاهي وأندية الملاهي وجمعياتها الجميع من جند إبليس الذي يحارب به الآدمي المسكين الضعيف.
٦- بيان حفظ الله تعالى لأوليائه، وهم المؤمنون المتقون، جعلنا الله تعالى منهم وحفظنا بما يحفظهم به إنه بركريم.
стр. 1532
رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (٧٠)
شرح الكلمات:
يزجي لكم الفلك: أي يسوقها فتسير فيه.
لتبتغوا من فضله: أي لتطلبوا رزق الله بالتجارة من إقليم إلى آخر.
وإذا مسكم الضُر: أي الشدة والبلاء والخوف من الغرق.
ضل من تدعون إلا إياه: أي غاب عنكم من كنتم تدعونهم من آلهتكم.
أعرضتم: أي عن دعاء الله وتوحيده في ذلك.
أو يرسل عليكم حاصباً: أي ريحاً ترمى بالحصباء لشدتها.
ثم لا تجدوا لكم وكيلا: أي حافظاً منه أي من الخسف أو الريح الحاصب.
قاصفاً من الريح: أي ريحاً شديدة تقصف الأشجار وتكسرها لقوتها.
علينا به تبيعاً: أي نصيراً ومعيناً يتبعنا ليثأر لكم منا.
ولقد كرمنا بني آدم: أي فضلناهم بالعلم والنطق واعتدال الخلق.
حملناهم في البر والبحر: في البر على البهائم والبحر على السفن.
стр. 1533
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه. فقوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله﴾ يخبرهم تعالى بأن ربهم الحق الذي يجب أن يعبدوه ويطيعوه بعد أن يؤمنوا به هو الذي ﴿يزجي١ لهم الفلك﴾ أي السفينة ﴿في البحر﴾ أي يسوقها فتسير بهم في البحر إلى حيث يريدون من أجل أن يطلبوا رزق الله لهم بالتجارة من إقليم لآخر. هذا هو إلهكم٢ الحق، أما الأصنام والأوثان فهي مخلوقة لله مربوبة له، لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها، نفعاً ولا ضراً.
وقوله تعالى: ﴿إنه كان بكم رحيماً﴾ ومن رحمته تعالى تسخيره البحر لهم وإزجاء السفن وسوقها فيه ليحصلوا على أقواتهم عن طريق السفر والتجارة. وقوله تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر٣ في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ يذكرهم بحقيقة واقعة لهم وهي أنهم إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم شدة من مرض أو ضلال طريق أو عواصف بحرية اضطربت لها السفن وخافوا الغرق دعوا الله وحده ولم يبق من يدعوه سواه تعالى لكنهم إذا نجاهم من الهلكة التي خافوها ونزلوا بشاطئ السلامة اعرضوا عن ذكر الله وذكروا آلهتهم ونسوا ما كانوا يدعونه وهو الله من قبل ﴿وكان الإنسان كفوراً﴾ هذا طبعه وهذه حاله سرعة النسيان، وشدة الكفران. قوله تعالى: وهو يخاطبهم لهدايتهم ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر﴾ يقرعهم على إعراضهم فيقول ﴿أفأمنتم﴾ الله تعالى ﴿أن يخسف٤ بكم﴾ جانب الأرض الذي نزلتموه عند خروجكم من البحر ﴿أو يرسل عليكم حاصباً﴾ أي ريحاً شديدة تحمل الحصباء٥ فيهلككم كما أهلك عادا ﴿ثم لا تجدوا لكم﴾ من غير الله ﴿وكيلاً﴾ يتولى دفع العذاب عنكم ويقول: ﴿أم أمنتم﴾ الله تعالى ﴿أن يعيدكم فيه﴾ أي في البحر ﴿تارة أخرى﴾ أي مرة أخرى ﴿فيرسل عليكم قاصفاً من الريح﴾ أي ريحاً شديدة تقصف الأشجار وتحطمها ﴿فيغرقكم بما كفرتم﴾ أي بسبب كفركم كما أغرق آل فرعون ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا﴾ أي تابعاً يثأر لكم منا ويتبعنا مطالباً بما نلنا منكم من العذاب.
стр. 1534
فما لكم إذاً لا تؤمنون وتوحدون وبالباطل تكفرون. وقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ أي فضلناهم بالنطق والعقل والعلم واعتدال الخلق ﴿وحملناهم في البر والبحر﴾ على ما سخرنا لهم من المراكب ﴿ورزقناهم من الطيبات١﴾ أي المستلذات من اللحوم والحبوب والفواكه والخضر والمياه العذبة الفرات. وقوله تعالى: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ فالآدميون أفضل من الجن وسائر الحيوانات، وخواصهم أفضل من الملائكة، وعامة الملائكة أفضل من عامة الآدميين ومع هذا فإن الآدمي إذا كفر ربه وأشرك في عبادته غيره، وترك عبادته، وتخلى عن محبته ومراقبته أصبح شر الخليقة كلها. قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها، أولئك هم شر البرية﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تعريف الله تعالى بذكر صفاته الفعلية والذاتية.
٢- تذكير المشركين بحالهم في الشدة والرخاء حيث يعرفون الله في الشدة ويخلصون له الدعاء، وينكرونه في الرخاء ويشركون به سواه.
٣- تخويف المشركين بأن الله تعالى قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يرسل عليهم حاصباً من الريح فيهلكهم أو يردهم إلى البحر مرة أخرى ويرسل عليهم قاصفاً من الريح فيغرقهم بسبب كفرهم بالله، وعودتهم إلى الشرك بعد دعائه تعالى والتضرع إليه حال الشدة.
٤- بيان منن الله تعالى على الإنسان وأفضاله عليه في تكريمه وتفضيله.
٥- حال الرخاء أصعب على الناس من حال الشدة بالقحط والمرض، أو غيرهما من المصائب.
٦- الإعلان عن كرامة الآدمي وشرفه على سائر المخلوقات الأرضية.
يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ٢ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ
стр. 1535
أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (٧٧)
شرح الكلمات:
بإمامهم: أي الذي كانوا يقتدون به ويتبعونه في الخير أو الشر.
فتيلا: أي مقدار فتيل وهو الخيط الذي يوجد وسط النواة.
ومن كان في هذه أعمى: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله تعالى الدالة على وجوده وعلمه وقدرته، فلم يؤمن به ولم يعبده فهو في الآخرة أشد عمى وأضل سبيلا.
وإن كادوا: أي قاربوا.
ليفتنونك: أي يستنزلونك عن الحق، أي يطلبون نزولك عنه.
لتفتري علينا غيره: أي لتقول علينا افتراء غير الذي أوحينا إليك.
إذاً لاتخذوك خليلاً: أي لو فعلت الذي طلبوا منك فعله لاتخذوك خليلاً لهم.
ضعف الحياة وضعف الممات: أي لعذبناك عذاب الدنيا مضاعفاً وعذاب الآخرة كذلك.
ليستفزونك من الأرض: أي ليستخفونك من الأرض أرض مكة.
لا يلبثون خلافك: أي لا يبقون خلفك أي بعدك إلا قليلاً ويهلكهم الله.
سنة من قد أرسلنا من قبلك: أي لو خرجوك لعذبناهم بعد خروجك بقليل، سنتنا في الأمم.
ولا تجد لستتنا تحويلاً: أي عما جرت به في الأمم السابقة.
стр. 1536
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله في تقرير عقيدة البعث والجزاء، اذكر يا رسولنا، ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ الذي كانوا يقتدون به ويتبعون فيتقدم ذلك الإمام ووراءه أتباعه وتوزع الكتب عليهم واحداً واحداً فمن أعطى كتابه بيمينه تشريفاً له وتكريماً، فأولئك الذين أكرموا بإعطائهم كتبهم بإيمانهم، يقرأون كتابهم ويحاسبون بما فيه ﴿ولا يظلمون﴾ أي لا ينقصون مقدار فتيل لا تنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم١. واذكر هذا لهم تعضهم به لعلهم يتعظون، وقوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه﴾ أي الدنيا ﴿أعمى﴾ ، لا يبصر هذه الحجج والآيات والدلائل وأصر على الشرك، والتكذيب والمعاصي ﴿فهو في الآخرة أعمى﴾ أي أشد عمى ﴿وأضل سبيلا﴾ فلا يرى طريق النجاة ولا يسلكه حتى يقع في جهنم. وقوله: ﴿وان كادوا ليفتنونك٢﴾ أي يصرفونك ﴿عن الذي أوحينا٣ إليك﴾ من توحيدنا والكفر بالباطل وأهله. ﴿لتفتري علينا غيره﴾ أي لتقول علينا غير الحق الذي أوحيناه إليك، وإذاً لو فعلت بأن وافقتهم على ما طلبوا منك، من الإغضاء على شركهم والتسامح معهم إقراراً لباطلهم، ولو مؤقتاً، ﴿لاتخذوك خليلاً﴾ لهم وكانوا أولياء لك، وذلك أن المشركين في مكة والطائف، واليهود في المدينة كانوا يحاولون جهدم أن يستنزلوا الرسول على شيء من الحق الذي يأمر به ويدعو إليه مكراً منهم وخديعة سياسية إذ لو وافقهم على شيء لطالبوا بآخر، ولقالوا قد رجع إلينا، فهو إذًا يَتَقَوَّل، وليس بالذي يوحى إليه بدليل قبوله منا كذا وكذا وتنازله عن كذا وكذا. وقوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ أي على الحق حيث عصمناك ﴿لقد كدت﴾ أي قاربت ﴿تركن﴾ ٤، أي تميل ﴿إليهم شيئاً قليلاً﴾ بقبول بعض اقتراحاتهم ﴿إذاً﴾ أي لو ملت إليهم، وقبلت منهم ولو شيئاً يسيراً ﴿لأذقناك ضعف٥ الحياة وضعف الممات٦﴾ ، أي لضاعفنا عليك العذاب في الدنيا والآخرة ثم لا تجد لك نصيراً ينصرك إذا نحن خذلناك وعذبناك وقوله تعالى في حادثة أخرى وهي أنهم لمّا فشلوا في المحاولات السلمية أرادوا استعمال القوة فقرروا إخراجه من مكة بالموت أو الحياة فأخبر تعالى
стр. 1537
رسوله بذلك إعلاماً وإنذاراً، فقال: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض﴾ أرض مكة ﴿ليخرجوك منها وإذاً﴾ ، أي لو فعلوا لم يلبثوا بعد إخراجك إلا زمنا قليلاً ونهلكهم كما هي سنتنا في الأمم السابقة التي أخرجت أنبياءها أو قتلتهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليستفزونك١﴾ أي يستخفونك ﴿من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثوا خلافك٢ إلا قليلاً سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا﴾ أي عما جرت به في الأمم السابقة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الترغيب في الإقتداء بالصالحين ومتابعتهم والترهيب من الإقتداء بأهل الفساد ومتابعتهم.
٢- عدالة الله تعالى في الموقف بإقامة الحجة على العبد وعدم ظلمه شيئاً.
٢- عمى الدنيا عن الحق وشواهده سبب عمى الآخرة وموجباته من السقوط في جهنم.
٣- حرمة الركون أي الميل لأهل الباطل بالتنازل عن شيء من الحق الثابت إرضاءً لهم.
٤- الوعيد الشديد لمن يرضى أهل الباطل تملقاً لهم طمعاً في دنياهم فيترك الحق لأجلهم.
٦- إمضاء سنن الله تعالى وعدم تخلفها بحال من الأحوال.
أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (٧٩) وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء
стр. 1538
وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (٨٢) وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (٨٤)
شرح الكلمات:
لدلوك الشمس: أي زوالها من كبد السماء ودحوضها إلى جهة الغرب.
إلى غسق الليل: أي إلى ظلمة الليل، إذ الغسق الظلمة.
وقرآن الفجر: صلاة الصبح.
كان مشهوداً: تشهده الملائكة، ملائكة الليل وملائكة النهار.
فتهجد به١: أي بالقرآن.
نافلة: أي زائدة عن الغرض وهي التهجد بالليل.
مقاماً محموداً: هو الشفاعة العظمى يوم القيامة حيث يحمده الأولون والآخرون.
أدخلني مدخل صدق: أي المدينة، إدخالاً مرضياً لا أرى فيه مكروهاً.
وأخرجني مخرج صدق: أي من مكة إخراجاً لا ألتفت بقلبي إليها.
وقل جاء الحق وزهق الباطل: أي عند دخولك مكة فاتحاً لها بإذن الله تعالى.
زهق الباطل: أي ذهب واضمحل.
أعرض ونأ بجانبه: أعرض عن الشكر فلم يشكر، ونأ بجانبه: أي ثنى عطفه متبختراً في كبرياء.
على شاكلته: أي طريقته ومذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلال.
معنى الآيات:
بعد ذلك العرض الهائل لتلك الأحداث الجسام أمر تعالى رسوله بإقام الصلاة فإنها مأمن الخائفين، ومنار السالكين، ومعراج الأرواح إلى ساحة الأفراح فقال: ﴿أقم الصلاة لدلوك
стр. 1539
الشمس﴾ أي لأول دلوكها١ وهو ميلها من كبد السماء إلى الغرب وهو وقت الزوال ودخول وقت الظهر، وقوله ﴿إلى غسق٢ الليل﴾ أي إلى ظلمته، ودخلت صلاة العصر٣ فيما بين دلوك الشمس وغسق الليل، ودخلت صلاة المغرب وصلاة العشاء في غسق الليل الذي هو ظلمته، وقوله: ﴿وقرآن الفجر٤﴾ أي صلاة الصبح وهذه هي الصلوات الخمس المفروضة على أمة الإسلام، النبي وأتباعه سواء وقوله ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ يعني محضوراً، تحضره ملائكة النهار لتنصرف ملائكة الليل، لحديث الصحيح "يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ... " وقوله ﴿ومن الليل فتهجد٥ به نافلة لك﴾ أي صلاة زائدة على الفرائض الخمس وهي قيام الليل، وهى واجب عليه ﷺ بهذه الآية، وعلى أمته مندوب إليه، مرغب فيه.
وقوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ عسى من الله تعالى تفيد الوجوب، ولذا فقد أخبر تعالى رسوله مبشراً إياه بأن يقيمه يوم القيامة ﴿مقاماً محموداً﴾ يحمده عليه الأولون والآخرون. وهو الشفاعة العظمى حيث يتخلى عنها ادم فمن دونه ... حتى تنتهي إليه ﷺ فيقول: أنا لها، أنا لها، ويأذن له ربه فيشفع للخليقة في فضل القضاء، ليدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتستريح الخليقة من عناء الموقف وطوله وصعوبته.
وقوله تعالى: ﴿وقل رب٦ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ . هذه بشارة أخرى أن الله تعالى أذن لرسوله بالهجرة من تلقاء نفسه لا بإخراج قومه وهو كاره. فقال له: قل في دعائك ربي أدخلني المدينة دار هجرتي ﴿مدخل صدق﴾ بحيث لا أرى فيها مكروها، وأخرجني من مكة يوم تخرجني ﴿مخرج صدق﴾ غير ملتفت إليها بقلبي شوقاً وحنيناً إليها. ﴿واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً﴾ أي وسلني أن أجعل لك من لدني سلطاناً نصيراً لك على من بغاك بسوء، وكادك بمكر وخديعة، وحاول منعك من إقامة دينك، ودعوتك إلى ربك،
стр. 1540
وقوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل﴾ هذه بشارة أخرى بأن الله تعالى سيفتح له مكة، ويدخلها ظافراً منتصراً وهو يكسر الأصنام حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين صنماً ويقول جاء الحق وزهق الباطل أي ذهب الكفر واضمحل. ﴿إن الباطل كان زهوقاً﴾ . لا بقاء له ولا ثبات إذا صاول الحق، ووقف في وجهه، وجائز أن يكون المراد بالحق، القرآن وبالباطل الكذب والافتراء، وجائز أن يكون الحق الإسلام والباطل الكفر والشرك وأعم من ذلك، أن الحق هو كل ما هو طاعة لله عز وحل، والباطل كل طاعة للشيطان من الشرك والظلم وسائر المعاصي. وقوله تعالى: ﴿وننزل من١ القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ أي وننزل عليك يا رسولنا محمد من القرآن ما هو شفاء٢ أي ما يستشفى به من مرض الجهل والضلال والشك والوساوس ورحمة للمؤمنين دون الكافرين، لأن المؤمنين يعملون به فيرحمهم الله تعالى بعملهم بكتابه، وأما الكافرون، فلا رحمة لهم فيه، لأنهم مكذبون به تاركون للعمل بما فيه. وقوله: ﴿ولا يزيد الظالمين إلا خساراً﴾ أي ولا يزيد القرآن الظالمين وهم المشركون المعاندون الذين أصروا على الباطل عناداً ومكابرة، هؤلاء لا يزيدهم ما ينزل من القرآن ويسمعونه إلا خساراً لازدياد كفرهم وظلمهم وعنادهم. وقوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض٣ ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوساً﴾ يخبر الله تعالى عن الإنسان الكافر المحروم من نور الإيمان وهداية الإسلام أنه إذا أنعم عليه بنعمة النجاة من الهلاك وقد أشرف عليه بغرق أو مرض أو جوع أو نحوه أعرض عن ذكر الله ودعائه كما كان يدعوه في حال الشدة، ونأى بجانبه أي، بعد عنا فلا يلتفت إلينا بقلبه، وذهب في خيلائه وكبريائه وقوله تعالى: ﴿وإذا مسه الشر كان٤ يؤوساً﴾ أي قنوطاً. هذا هو الكافر، ذو ظلمة النفس لكفره وعصيانه. إذا مسه الشر من جوع أو مرض أو خوف أحاط به كان يؤوساً أي كثير اليأس والقنوط تامهما، لعدم إيمانه بالله ورحمته وقدرته على إنجائه وخلاصه. وقوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا﴾ أي قل يا رسولنا للمشركين، كل منا ومنكم يعمل على طريقته ومذهبه بحسب حاله هداية وضلالاً، والله تعالى ربكم أعلم بمن هو أهدى منا ومنكم سبيلا. ويجزي الكل بحسب عمله وسلوكه. وهذه كلمة
стр. 1541
مفاصلة قاطعة، للنزاع الناجم عن كون كل يدعى أنه على الحق وأن دينه أصوب، وطريقته أمثل وسبيله أجدى وأنفع.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب إقامة الصلاة وبيان أوقاتها المحددة لها.
٢- الترغيب في النوافل، وخاصة التهجد أي "نافلة الليل".
٣- تقرير الشفاعة العظمى للنبي ﷺ .
٤- ضعف الباطل وسرعة تلاشيه إذا صاوله الحق ووقف في وجهه.
٥- القرآن شفاء لأمراض القلوب عامة ورحمة بالمؤمنين خاصة.
٦- بيان طبع المرء الكافر وبيان حال الضعف الملازم له.
٧- تعليم الرسول ﷺ والمؤمنين كيف يتخلصون من الجدال الفارغ والحوار غير المثمر.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٨٩)
شرح الكلمات:
يسألونك: أي يسألك المشركون بواسطة أهل الكتاب عن الروح الذي يحيا به البدن.
стр. 1542
من أمر ربي: أي من شأنه وعلمه الذي استأثر به ولم يعلمه غيره.
لنذهبن بالذي أوحينا إليك: أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف لفعلنا.
لك به علينا وكيلا: يمنع ذلك منا ويحول دون ما أردناه منك.
إلا رحمة من ربك: أي لكن أبقيناه عليك رحمة من ربك فلم نذهب به.
بمثل هذا القرآن: من الفصاحة والبلاغة والمحتوى من الغيوب والشرائع والأحكام.
ظهيراً: أي معيناً ونصيراً.
صرفنا: بينا للناس مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا به فيؤمنوا ويوحدوا.
فأبى أكثر الناس: أي أهل مكة إلا كفوراً أي جحوداً للحق وعناداً فيه.
معنى الآيات:
يقول تعالى: ﴿ويسألونك١ عن الروح﴾ إذ قد سأله المشركون عن الروح وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين بإيعاز من يهود المدينة فأخبره تعالى: بذلك وعلمه الرد عليهم فقال: ﴿قل الروح من أمر ربي٢﴾ وعلمه الذي لا يعلمه إلا هو، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً لأن سؤالهم هذا ونظائره دال على إدعائهم العلم فأعلمهم أن ما أوتوه من العلم إلا قليل بجانب علم الله تعالى٣ وقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن٤ بالذي أوحينا إليك﴾ هذا امتنان من الله على رسوله الذي أنزل عليه القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بأنه تعالى قادر على محوه من صدره. وسطره، فلا تبقى منه آية ثم لا يجد الرسول وكيلاً له يمنعه من فِعْلِ الله به ذلك ولكن رحمة منه تعالى لم يشأ ذلك بل يبقيه إلى قرب قيام الساعة حجة الله على عباده وآية على نبوة محمد ﷺ ، وصدق رسالته، وليس هذا بأول إفضال من الله تعالى على رسوله، بل فضل الله عليه كبير، ولنذكر من ذلك طرفاً وهو
стр. 1543
عموم رسالته، كونه خاتم الأنبياء، العروج به إلى الملكوت الأعلى، إمامته للأنبياء الشفاعة العظمى، والمقام المحمود.
وقوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت١ الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ لاشك أن هذا الذي علم الله رسوله أن يقوله له سبب وهو ادعاء بعضهم أنه في إمكانه أن يأتي بمثل هذا القرآن الذي هو آية صدق نبوة محمد ﷺ ، وبذلك تبطل الدعوى، وينتصر باطلهم على الحق. فأمر تعالى رسوله أن يرد على هذا الزعم الباطل بقوله: قل يا رسولنا لهؤلاء الزاعمين الإتيان بمثل هذا القرآن لئن اجتمعت الإنس والجن متعاونين متظاهرين على الإتيان بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ذلك لأنه وحي الله وكتابه، وحجته على خلقه، وكفى. فكيف إذا يمكن للإنس والجن أن يأتوا بمثله؟!
وقوله: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن﴾ أي بينا مثلاً من جنس كل مثل من أجل هداية الناس وإصلاحهم علهم يتذكرون فيتعظون، فيؤمنون ويوحدون فأبى أكثر الناس إلا كفوراً أي جحوداً بالحق، وإنكارا للقرآن وتكذيباً به وبما جاء فيه من الحق والهدى والنور، لما سبق القضاء الالهي من امتلاء جهنم بالغاوين وجنود إبليس أجمعين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- علم الروح مما استأئر الله تعالى به.
٢- ما علم أهل العلم إلى علم الله تعالى إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من ماء المحيط.
٣- حفظ القرآن في الصدور والسطور إلى قرب الساعة.
٤- عجز الإنس والجن عن الإتيان بقرآن كالقرآن الكريم.
٥- لما سبق في علم الله من شقاوة الناس تجد أكثرهم لا يؤمنون.
وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا
стр. 1544
زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً (٩٤) قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً (٩٥)
شرح الكلمات:
ينبوعاً: عيناً لا ينضب ماؤها فهي دائمة الجريان.
جنة: بستان كثير الأشجار.
كسفاً: قطعاً جمع كسفة كقطعة.
قبيلاً: مقابلة لنراهم عياناً.
من زخرف: من ذهب.
ترقى: تصعد في السماء
مطمئنين: ساكنين في الأرض لا يبرحون منها.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والبعث وتقرير ذلك. فقال تعالى مخبراً عن قيلهم لرسول الله وهم يجادلون في نبوته: فقالوا: ﴿لن١ نؤمن لك﴾ أي لن نتابعك على ما تدعو إليه من التوحيد والنبوة لك والبعث والجزاء لنا ﴿حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ أي
стр. 1545
عيناً يجري ماؤها على وجه الأرض لا ينقطع ﴿أو تكون لك جنة﴾ أي بستان من نخيل وعنب، ﴿فتفجر الأنهار خلالها﴾ أي خلال الأشجار تفجيراً، ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا١ كسفاً﴾ أي قطعاً، ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلا٢﴾ أي مقابلة نراهم معاينة، ﴿أو يكون لك بيت من زخرف﴾ أي من ذهب تسكنه بيننا ﴿أو ترقى في السماء﴾ أي تصعد بسلم ذي درج في السماء، ﴿ولن نؤمن لرقيك٣﴾ إن أنت رقيت ﴿حتى تنزل علينا كتاباً﴾ من عند الله ﴿نقرأه﴾ يأمرنا فيه بالإيمان بك واتباعك! هذه ست طلبات كل واحدة اعتبروها آية متى شاهدوها زعموا أنهم يؤمنون، والله يعلم أنهم لا يؤمنون، فلذا لم يستجب لهم وقال لرسوله: قل يا محمد لهم. ﴿سبحان الله﴾ متعجباً من طلباتهم ﴿هل كنت إلا بشراً رسولاً﴾ ! ؟! أي هل كنت غير بشر رسول؟ وإلا كيف يطلب مني هذا الذي طلبوا، إن ما تطلبونه لا يقدر عليه عبد مأمور مثلي، وإنما يقدر عليه رب عظيم قادر، يقول للشيء كن.... فيكون! وأنا ما ادعيت ربوبية، وإنما أصرح دائماً بأني عبد الله ورسوله إليكم لأبلغكم رسالته بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه وتؤمنوا بالبعث الآخر وتعملوا له بالطاعات وترك المعاصي. وقوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى﴾ أي وما منع أهل مكة أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى٤ على يد رسولهم ﴿إلا أن قالوا﴾ أي إلا قولهم ﴿أبعث الله بشراً رسولاً﴾ منكرين على الله أن يبعث رسولاً من البشر!
وقوله تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين أن يكون الرسول ﷺ بشراً، المتعجبين من ذلك، قل لهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكنين في الأرض لا يغادرونها لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً يهديهم بأمرنا ويعلمهم ما يطلب منهم فعله بإذننا لأنهم يفهمون عنه لرابطة الجنس بينهم والتفاهم الذي يتم لهم. ولذا بعثنا إليكم رسولاً من جنسكم تفهمون ما يقول لكم يقدر على إفهامكم والبيان لكم فكيف إذا تنكرون الرسالة للبشر وهي أمر لا بد منه؟!