← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (٣٤) شرح الكلمات: وأنكحوا الآيامى منكم: أي زوجوا من لا زوجة له من رجالكم ومن لا زوج لها من نسائكم. والصالحين من عبادكم وإمائكم: أي وزوجوا أيضاً القادرين والقادرات على أعباء الزواج من عبيدكم وإمائكم. إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله: أي إن يكن الأيامى فقراء فلا يمنعكم ذلك من تزويجهم فإن الله يغنهم. إن الله واسع عليم: أي واسع الفضل عليم بحاجة العبد وخلته فيسدها تكرماً. وليستعفف: أي وليطلب عفة نفسه بالصبر والصيام. يبتغون الكتاب: أي يطلبون المكاتبة من المماليك. إن علمتم فيهم خيراً: أي قدرة على السداد والإستقلال عنكم. وآتوهم من مال الله: أي أعينوهم بثمن نجم من نجوم المكاتبة من الزكاة وغيرها. على البغاء إن أردن تحصناً: أي الزنى تحصناً أي تعففاً وتحفظاً من فاحشة الزنا.

стр. 1892

عرض الحياة الدنيا: أي المال. ومن يكرههن: أي على البغاء "الزنى". مبينات: للأحكام موضحة لما يطلب منكم فعله وتركه. ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم: أي قبلكم: أي قصصاً من أخبار الأولين كقصة يوسف وقصة مريم وهما شبيهتان بحادثة الإفك. وموعظة: الموعظة ما يتعظ به العبد فيسلك سبيل النجاة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر الأسباب الواقية من وقوع الفاحشة فأمر تعالى في الآية الأولى من هذا السياق (٣٢) أمر جماعة المسلمين أن يزوجوا الأيامى من رجالهم ونسائهم بالمساعدة على ذلك والإعانة عليه حتى لا يبقى في البلد أو القرية عزبّ إلا نادراً ولا فرق بين البكر والثيب في ذلك فقال تعالى: ﴿وأنكحوا١﴾ والأمر للإرشاد ﴿الأيامى﴾ جمع أيّم وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة بكراً كان أو ثيباً، ﴿منكم﴾ أي من جماعات المسلمين لا من غيرهم كأهل الذمة من الكافرين. وقوله: ﴿والصالحين من عبادكم٢ وإمائكم﴾ أي وزوجوا القادرين على مؤونة الزواج وتبعاته، وتكاليفه من مماليككم وقوله: ﴿إن يكونوا فقراء﴾ غير موسرين لا يمنعكم ذلك من تزويجهم فقد تكفل الله بغناهم بعد تزويجهم بقوله: ﴿يغنهم٣ الله من فضله والله واسع عليم﴾ أي واسع الفضل عليم بحاجة المحتاجين وأمر تعالى في هذه الآية من لا يجد نكاحاً لانعدام الزوج أو الزوجة مؤقتاً أو انعدام مؤونة الزواج من مهر ووليمة أن يستعفف أي يعف نفسه بالصبر والصيام والصلاة حتى لا يتطلع إلى الحرام فيهلك فقال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً٤ حتى يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ أي واسع الفضل مطلق الغنى عليم بحال عباده وحاجة المحتاجين منهم وقوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب﴾ هذه مسألة ثالثة تضمنتها هذه

стр. 1893

الآية وهي إذا كان للمسلم عبد وطلب منه أن يكاتبه وكان أهلا للتحرر بأن يقدر على تسديد مال المكاتبة. ويستطيع أن يستقل بنفسه فعلى مالكه أن يكاتبه، وأن يعينه على ذلك بإسقاط نجم من نجوم الكتابة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم١ إن علمتم فيهم خيراً٢ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ أي على الزنا وهي مسألة رابعة تضمنتها هذه الآية وهي أن جاريتين كانتا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق يقال لهما معاذة ومسيكة قد أسلمتا فأمرهما بالزنا لتكسبا له بفرجيهما كما هي عادة أهل الجاهلية قبل الإسلام فشكتا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾ أي لأجل مال قليل يعرض لكم ويزول عنكم بسرعة. وقوله: ﴿ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ أي لهن رحيم بهن لأن المكره لا إثم عليه فيما يقول ولا فيما يفعل فامتنع المنافق من ذلك. وقوله تعالى في الآية الثانية (٣٤) ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾ أي ولقد أنزلنا إليكم أيها المسلمون آيات أي قرآنيّة مبينات أي موضحات للشرائع والأحكام والآداب فاعملوا بها تكملوا في حياتكم وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم. وقوله: ﴿ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم﴾ أي قصصاً من أخبار الأولين كقصة يوسف ومريم ﵉ وهما شبيهتان بحادثة الإفك وقوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾ وهي ما تضمنته الآيات من الوعيد والوعد والترغيب والترهيب وكونها للمتقين بحسب الواقع وهو أن المتقين هم الذين ينتفعون بالمواعظ دون الكافرين والفاجرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- انتداب المسلمين حاكمين ومحكومين للمساعدة على تزويج الأيامى من المسلمين أحراراً وعبيداً. ٢- وجوب الاستعفاف على من لم يجد نكاحاً والصبر حتى ييسر الله أمره. ٣- عدة الله للفقير إذا تزوج بالغنى.

стр. 1894

٤- تعين مكاتبة العبد إذا توفّرت فيه شروط المكاتبة. ٥- حرمة الزنا بالإكراه أو بالاختيار ومنع ذلك بإقامة الحدود. ٦- صيغة المكاتبة أن يقول السيد للعبد لقد كاتبتك على ثلاثة آلاف دينار منجمة أي مقسطة على ستة نجوم تدفع في كل شهر نجماً أي قسطاً. على أنك إذا وفيتها في آجالها فأنت حر، وعليه أشهدنا وحرر بتاريخ كذا وكذا. ٧- بيان فضل سورة النور لما احتوته من أحكام في غاية الأهمية. اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) شرح الكلمات الله نور السموات: أي منورهما فلولاه لما كان نور في السموات ولا في

стр. 1895

الأرض، والله تعالى نورٌ١ وحجابه النور. مثل نوره: أي في قلب عبده المؤمن. كمشكاة: أي كوة. كوكب دري: أي مضىء اضاءة الدر الوهاج. نور على نور: أي نور النار على نور الزيت. يهدى الله لنوره: أي للإيمان به والعمل بطاعته من يشاء له ذلك لعلمه برغبته وصدق نيته. ويضرب الله الأمثال: أي ويجعل الله الأمثال للناس من أجل أن يفهموا عنه ويعقلوا ما يدعوهم إليه. في بيوت أذن الله أن ترفع: هي المساجد ورفعها إعلاء شأنها من بناء وطهارة وصيانة. يوماً تتقلب٢ فيه القلوب والأبصار: يوم القيامة. يرزق من يشاء بغير حساب: أي بلا عَدّ ولا كيل ولا وزن وهذا شأن العطاء إن كان كثيراً. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿الله نور٣ السموات والأرض﴾ يخبر تعالى أنه لولاه لما كان في الكون نور ولا هداية في السموات ولا في الأرض فهو تعالى منورهما فكتابه نور ورسوله نور أي يهتدي بهما في ظلمات الحياة كما يهتدي بالنور الحسي والله ذاته نور وحجابه نور فكل نور حسي أو معنوي الله خالقه وموهبه وهادٍ إليه. وقوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾ أي كوة في جدار ﴿فيها مصباح المصباح في زجاجة﴾ من بلور، ﴿الزجاجة﴾ في صفائها وصقالتها مشرقة ﴿كأنها كوكب دري﴾ والكوكب الدري هو المضيء المشرق كأنه درة بيضاء صافية، وقوله: ﴿يوقد من شجرة مباركة﴾ أي وزيت

стр. 1896

المصباح من شجرة مباركة وهي الزيتونة والزيتونة لا شرقية ولا غربية في موقعها من البستان لا ترى الشمس إلا في الصباح، ولا غربية لا ترى الشمس إلا في المساء بل هي وسط البستان تصيبها الشمس في كامل النهار فلذا كان زيتها في غاية الجودة يكاد يشتعل لصفائه، ولو لم تمسه نار، وقوله تعالى: ﴿نور على نور١﴾ أي نور النار على نور الزيت وقوله تعالى: ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ يخبر تعالى أنه يهدي لنوره الذي هو الإيمان والإسلام والإحسان من يشاء من عباده ممن علم أنهم يرغبون في الهداية ويطلبونها ويكملون ويسعدون عليها. وقوله: ﴿ويضرب٢ الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ يخبر تعالى: أنه يضرب الأمثال للناس كهذا المثل الذي ضربه٣ للإيمان وقلب عبده المؤمن وأنه عليم بالعباد وأحوال القلوب، ومن هو أهل للهداية ومن ليس لها بأهل، إذ هو بكل شيء عليم. وقوله: ﴿في بيوت٤ أذن الله أن ترفع﴾ أي المصباح في بيوت أذن الله أي أمر وَوَصّى أن ترفع حساً ومعنى وهي المساجد فتطهر من النجاسات ومن اللغو فيها وكلام الدنيا٥ وتصان وتحفظ من كل ما يخل بمقامها الرفيع لأنها بيوت الله تعالى، وقوله: ﴿ويذكر فيها اسمه﴾ أي بالأذان والإقامة والصلاة والتسبيح والدعاء وقراءة القرآن. وقوله تعالى: ﴿يسبح له فيها﴾ أي لله في تلك البيوت ﴿بالغدو﴾ أي بالصباح ﴿والآصال٦﴾ أي المساء ﴿رجال﴾ مؤمنون صادقون أبرار متقون ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع﴾ أي لا شراء ولا بيع ﴿عن ذكر الله﴾ فقلوبهم ذاكرة غير غافلة وألسنتهم ذاكرة غير لاهية ولا لاغية ﴿وإقام الصلاة وإتياء الزكاة﴾ أي لا تلهيهم دنياهم عن آخرتهم فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. وقوله: ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ أي من شدة الخوف وعظم الفزع والهول وهو يوم القيامة وقوله تعالى: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله﴾

стр. 1897

أي إنهم فعلوا ما فعلوا من التسبيح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة معرضين عن كل ما يشغلهم عن عبادة ربهم فتأهلوا بذلك للثواب العظيم ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله فوق ما استحقوه بأعمالهم وتقواهم لربهم، والله يرزق من يشاء بغير حساب وذلك لعظيم فضله وسابق رحمته فيعطي بدون عد ولا كيل ولا وزن وذلك لعظم العطاء وكثرته. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- كل خير وكل نور وكل هداية مصدرها الله تعالى فهو الذي يطلب منه ذلك. ٢- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان والفهوم. ٣- الإشارة إلى أن ملة الإسلام لا يهودية ولا نصرانية، لا اشتراكية ولا رأسمالية. بل هي الملة الحنيفية من دان بها هدى ومن كفرها ضل. ٤- وجوب تعظيم بيوت الله تعالى "المساجد" بتطهيرها١ ورفع بنيانها وإخلائها إلا من ذكر الله والصلاة وطلب العلم فيها. ٥- ثناء الله تعالى على من لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ

стр. 1898

عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢) شرح الكلمات: كسراب بقيعة: السراب شعاع أبيض يرى في نصف النهار وكأنه ماء، والقيعة جمع قاع وهو ما انبسط من الأرض. الظمآن: لعطشان. بحر لجي: أي ذو لجج واللجة معظم الماء وغزيره كما هي الحال في المحيطات. يغشاه موج: يعلوه ويغطيه موج آخر. يسبح له: ينزه ويقدس بألفاظ التسبيح والتقديس كسبحان الله ونحوه والصلاة من التسبيح. صافات: باسطات أجنحتها. قد علم صلاته: أي كل من في السموات والأرض قد علم الله صلاته وتسبيحه كما أن كل مسبح ومصل قد علم صلاة وتسبيح نفسه. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب١﴾ لما بين تعالى حال المؤمنين وأنه تعالى وفاهم أجرهم بأحسن مما كانوا يعملون وزادهم من فضله ذكر هنا حال الكافرين وهو أن أعمالهم في خسرانها وعدم الانتفاع بها كسراب وهو شعاع أبيض يرى في نصف النهار وكأنه ماء ﴿بقيعة﴾ أي بقاع من الأرض وهو الأرض المنبسطة. ﴿يحسبه الظمّآن ماء﴾ أي يظنه العطشان ماء وما هو بماء ولكنه سراب خادع ﴿حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً﴾ لأنه سراب لا غير. فيا للخيبة، خيبة ظمآن يقتله العطش فرأى سراباً فجرى وراءه يظنه ماء فإذا به لم يجد الماء، ووجد الحق ﵎ فحاسبه على كل أعماله وهي في جملتها أعمال إجرام وشر وفساد فوفاه إياها فخسر خسراناً مبيناً، ﴿والله سريع الحساب﴾ فما هي إلا لحظات والكافر في سواء الجحيم. هذا مَثَلٌ تضمنته الآية الأولى (٣٩) ومثل آخر تضمنته الآية الثانية (٤٠)

стр. 1899

وهو مثل مضروب لضلال الكافر وحيرته في حياته وما يعيش عليه من ظلمة الكفر وظلمة العمل السيء والاعتقاد الباطل وظلمة الجهل بربه وما يريده منه، وما أعده له قال تعالى: ﴿أو كظلمات١ في بحر٢ لجي﴾ أي ذي لجج من الماء ﴿يغشاه﴾ أي يعلوه ﴿موج من فوقه موج﴾ أي من فوق الموج موج آخر ﴿من فوقه سحاب﴾ والسحاب عادة مظلم فهي ﴿ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ لشدة الظلمة هذه حال الكافر في هذه الحياة الدنيا، وهي ناتجة عن إعراضه عن ذكر ربه وتوغله في الشر والفساد وقوله تعالى: ﴿ومن٣ لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾ أعلم تعالى عباده أن النور له وبيده فمن لم يطلبه منه حرمه وعاش في الظلمات والعياذ بالله. وقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات﴾ أي ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أن الله تعالى يسبح له من في السموات من الملائكة والأرض أي ومن٤ في الأرض بلسان القال والحال معاً والطير٥ صافات أي باسطات أجنحتها تسبح الله تعالى بمعنى تنزهه بألفاظ التنزيه كسبحان الله. فإن امتنع المشركون أهل الظلمات من الإيمان بالله وعبادته وتوحيده فيها فإن الله تعالى يسبح له الخلق كله علويه وسفليه فالكافر وإن لم يسبح بلسانه فحاله٦ تسبح فخلقه وتركيبه وأقواله وأعماله كلها تسبح الله خالقه فهي شاهدة على قدرة الله وعلمه وحكمته وأنه لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله تعالى: ﴿كل﴾ أي ممن في السموات والأرض والطير قد علم الله صلاته وتسبيحه كما أن كلاً منهم قد علم صلاته لله تعالى وتسبيحه له ﴿والله عليم بما يفعلون﴾ أي والله عليم بأفعال عباده، ويجزيهم بها وهو على ذلك قدير إذ له ملك السموات والأرض وإليه المصير أي مصير كل شيء إليه تعالى فهو الذي يحكم فيه بحكمه العادل.

стр. 1900

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني البعيدة إلى الأذهان. ٢- بيان خسران الكافرين في أعمالهم وحياتهم كلها. ٣- بيان حال الكافرين في هذه الدنيا وأنهم يعيشون في ظلمات الجهل والكفر والظلم. ٤- تقرير حقيقة وهي أن من لم يجعل الله له نوراً في قلبه لن يكن له نور في حياته كلها. ٥- بيان أن الكون كله يسبح الله كقوله تعالى: ﴿يسبح له ما في السموات وما في الأرض﴾ وقوله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِي الأبْصَارِ (٤٤) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٤٦) شرح الكلمات يزجي سحاباً: أي يسوق برفق ويسر. ثم يؤلف بينه: أي يجمع بين أجزائه وقطعه. ثم يجعله ركاماً: أي متراكماً بعضه فوق بعض. الودق: أي المطر.

стр. 1901

يخرج من خلاله: أي من فرجه ومخارجه. من جبال فيها من برد: أي من جبال من برد في السماء والبرد حجارة بيضاء كالثلج. فيصيب به من يشاء: أي فيصيب بالبرد من يشاء. سنا برقه: أي لمعانه يذهب بالأبصار: أي النظرة إلَيهَ لعبرة: أي دلالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه ووجوب توحيده. كل دابة من ماء: أي حيوان من نطفة. على بطنه: كالحيات والهوام. على رجلين: كالإنسان والطير. على أربع: أي كالأنعام والبهائم. إلى صراط مستقيم: أي إلى الإسلام. معنى الآيات: ما زال السياق في عرض مظاهر القدرة والعلم والحكمة الإلهية وهي الموجبة لله تعالى العبادة دون سواه فقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحاباً﴾ أي ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أن الله يزجي١ سحاباً أي يسوقه برفق وسهولة ﴿ثم يؤلف﴾ أي يجمع بين أجزائه فيجعله ركاماً٢ أي متراكمًا بعضه على بعض ﴿فترى الودق٣﴾ أي المطر ﴿يخرج من خلاله﴾ أي من فتوقه وشقوقه. والخلال جمع خلل كجبال جمع جبل وهو الفتوق بين أجزاء السحاب وهو مظهر من مظاهر القدرة والعلم. وقوله: ﴿وينزل من السماء من جبال فيها من برد﴾ أي ينزل برداً من جبال البرد المتراكمة في السماء فيصيب بذلك البرد من يشاء فيهلك به زرعه أو ماشيته، ويصرفه عمن يشاء من عباده فلا يصيبه شيء من ذلك وهذا مظهر آخر من مظاهر

стр. 1902

القدرة واللطف الإلهي وقوله. ﴿يكاد سنا برقه١﴾ أي يقرب لمعان البرق الذي هو سناه يذهب بالأبصار التي تنظر إليه أي يخطفها بشدة لمعانه. وقوله تعالما ﴿يقلب الله الليل والنهار﴾ بأن يظهر هذا ويخفي هذا فإذا ظهر النهار اختفى الليل، وإذا ظهر الليل اختفى النهار فيقلب أحدهما على الآخر فيخفيه ويستره به وقوله: ﴿إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار﴾ أي إن في إنزال البرد ولمعان البرق وتقليب الليل والنهار لعظة عظيمة لأولى البصائر تهديهم إلى الإيمان بالله وجلاله وكماله فيعبدونه ويوحدونه محبين له معظمين راجعين خائفين إن هذه ثمرة الهداية هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (٤٣) والثانية (٤٤) أما الآية (٤٥) فقد اشتملت على أعظم مظهر من مظاهر القدرة الإلهية فقال تعالى: ﴿والله خالق كل دابة٢﴾ أي من إنسان وحيوان ﴿من ماء٣﴾ أي نطفة من نطف الإنسان والحيوان، ﴿فمنهم من يمشي على بطنه﴾ كالحيات والثعابين والأسماك، ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ كالإنسان والطير، ﴿ومنهم من يمشي على أربع﴾ كالأنعام والبهائم، وقوله: ﴿يخلق الله ما يشاء﴾ إذْ بعض الحيوانات لها أكثر من أربع وقوله: ﴿إن الله على كل شيء٤ قدير﴾ أي على فعل وإيجاد ما يريده قدير لا يعجزه شيء فأين الله الخالق العليم الحكيم من تلك الأصنام والأوثان التي يؤلهها الجاهلون من أهل الشرك والكفر؟ وقوله تعالى: ﴿لقد أنزلنا آيات مبينات﴾ أي واضحات لأجل هداية العباد إلى طريق سعادتهم وكمالهم وهي هذه الآيات التي اشتملت عليها سورة النور وغيرها من آيات القرآن الكريم فمن آمن بها ونظر فيها وأخذ بما تدعو إليه من الهدى اهتدى، ومن أعرض عنها فضل وشقى فلا يلومن إلا نفسه، ﴿والله يهدي من يشاء﴾ هدايته ممن رغب في الهداية وطلبها وسلك لها مسالكها ﴿إلى صراط مستقيم﴾ ألا وهو الإسلام طريق الكمال والسعادة في الحياتين اللهم اجعلنا من أهله إنك قدير.

стр. 1903

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي موجبات الإيمان والتقوى. ٢- بيان كيفية نزول المطر والبرد. ٣- مظاهر لطف الله بعباده في صرف البرد عن الزرع والماشية وبعض عباده. ٤- مظاهر القدرة والعلم في تقليب الليل والنهار على بعضهما بعضاً. ٥- بيان أصناف المخلوقات في مشيها على الأرض بعد خلقها من ماء وهو مظهر العلم والقدرة. ٦- امتنان الله تعالى على العباد بإنزاله الآيات المبينات للهدى وطريق السعادة والكمال. وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (٤٨) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ١ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)

стр. 1904

شرح الكلمات: ويقولون: أي المنافقون. آمنا بالله وبالرسول: أي صدقنا بتوحيد الله وبنبوة الرسول محمد ﷺ . ثم يتول فريق منهم: أي يعرض. إذا فريق منهم معرضون: أي عن المجيء إلى الرسول ﷺ . مذعنين: أي مسرعين منقادين مطيعين. في قلوبهم مرض: أي كفر ونفاق وشرك. أم ارتابوا: أي بل شكوا في نبوة الرسول ﷺ . أن يحيف الله عليهم ورسوله: أي في الحكم فيظلموا فيه. إنما كان قول المؤمنين: هو قولهم سمعنا وأطعنا أي سمعاً وطاعة. المفلحون: أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآيات: بعد عرض تلك المظاهر لقدرة الله وعلمه وحكمته والموجبة للإيمان بالله ورسوله, وما عند الله من نعيم مقيم, وما لديه من عذاب مهين فاهتدى عليها من شاء الله هدايته وأعرض عنها من كتب الله شقاوته من المنافقين الذين أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا﴾ أي صدقنا بالله رباًّ وإلهاً وبمحمد نبياً ورسولاً, وأطعناهما١ ﴿ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك﴾ أي من بعد تصريحهم بالإيمان والطاعة يقولون معرضين بقلوبهم عن الإيمان بالله وآياته ورسوله, ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ فأكذبهم الله في دعوة إيمانهم هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٤٧) وقوله تعالى: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله٢ ليحكم٣ بينهم﴾ أي في قضية من قضايا دنياهم, ﴿إذا فريق منهم معرضون﴾ أي فاجأك فريق منهم بالإعراض عن التحاكم إلى الرسول ﷺ وقوله: ﴿وإن يكن لهم الحق﴾ أي وإن يكن لهم في الخصومة التي بينهم وبين غيرهم ﴿يأتوا إليه﴾ أي إلى رسول الله ﴿مذعنين﴾ أي منقادين طائعين أي لعلمهم أن الرسول يقضي بينهم بالحق وسوف يأخذون حقهم وافياً وقوله تعالى: ﴿أفي

стр. 1905

قلوبهم١ مرض﴾ أي بل في قلوبهم مرض الكفر والنفاق. ﴿أم ارتابوا﴾ أي بل ارتابوا أي شكوا في نبوة رسول الله ﷺ ﴿أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله﴾ لا، لا، ﴿بل أولئك هم الظالمون﴾ ، ولما كانوا ظالمين يخافون حكم الله ورسوله فيهم لأنه عادل فيأخذ منهم ما ليس لهم ويعطيه لمن هو لهم من خصومهم وقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين﴾ أي الصادقين في إيمانهم ﴿إذا دعوا الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ أي لم يكن للمؤمنين الصادقين من قول يقولونه إذا دعوا إلى كتاب الله ورسوله ليحكم بينهم إلا قولهم: سمعنا وأطعنا فيجيبون الدعوة ويسلمون بالحق قال تعالى في الثناء عليهم ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي الناجحون في دنياهم وآخرتهم دون غيرهم من أهل النفاق. وقوله تعالى: في الآية الكريمة الأخيرة (٥٢) ﴿ومن يطع الله ورسوله٢﴾ أي فيما يأمران به وينهيان عنه، ﴿ويخش الله﴾ أي يخافه في السر والعلن، ﴿ويتقه﴾ أي يتق مخالفته فلا يقصر في واجب ولا يغشى محرماً، ﴿فأولئك هم الفائزون﴾ فقصر الفوز عليهم أي هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة المنعمون في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم إنك ربنا وربهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة. ٢- من دعي إلى الكتاب والسنة فأعرض فهو منافق معلوم النفاق. ٣- اتخاذ قوانين وضعية للتحاكم إليها دون كتاب الله وسنة رسوله آية الكفر والنفاق. ٤- فضل طاعة الله ورسوله وتقوى الله وأن أهلها هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنان.

стр. 1906

وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) شرح الكلمات: وأقسموا بالله جهد أيمانهم: أي حلفوا بالله بالغين غاية الجهد في حلفهم. لئن أمرتهم: أي بالخروج إلى الجهاد. طاعة معروفة: أي طاعة معروفة للنبي فيما يأمركم وينهاكم خير من إقسامكم بالله. فإن تولوا: أي فإن تتولوا أي تعرضوا عن الطاعة. عليه ما حمل: أي من إبلاغ الرسالة وبيانها بالقول والعمل. وعليكم ما حملتم: أي من وجوب قبول الشرع والعمل به عقيدة وعبادة وحكما. وإن تطيعوه تهتدوا: أي وإن تطيعوا الرسول في أمره ونهيه وإرشاده تهتدوا إلى خيركم. ليستخلفنهم: أي يجعلهم خلفاء لغيرهم فيها بأن يُدِيلَ من أهلها فيسودون فيها ويحكمون.

стр. 1907

وليمكنن لهم دينهم: أي بأن يظهر الإسلام على سائر الأديان ويحفظه من الزوال. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أحوال المنافقين فأخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وأقسموا الله جهد١ أيمانهم﴾ أي أقسموا للرسول مبالغين في ذلك حتى بلغوا غاية الجهد قائلين لئن أمرتنا بالخروج إلى الجهاد لنخرجن معكم. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: ﴿لا تقسموا٢﴾ أي ما هناك حاجة إلى الحلف وتأكيده، وإنما هي طاعة منكم معروفة لنا تغنيكم عن الأيمان وقوله تعالى: ﴿إن الله خبير٣ بما تعملون﴾ تأنيب لهم وتأديب حيث أخبرهم تعالى بأنه مطلع على أسرارهم وما يقولونه ويعملونه في الخفاء ضد الرسول والمؤمنين ثم أمر تعالى رسوله أن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في كل ما يأمران به وينهيان عنه، ﴿فإن تولوا٤﴾ أي تعرضوا عن الطاعة وترفضوها، فإنما على الرسول ما حمل من البلاغ والبيان، وعليكم ما حملتم من وجوب الانقياد والطاعة، ومن أخل بواجبه الذي أنيط به فسوف يلقى جزاءه وافياً عند ربه وقوله تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ هذه الجملة عظيمة الشأن جليلة القدر للمؤمن أن يحلف بالله ولا يحنث على أن من أطاع رسول الله في أمره ونهيه لن يضل أبداً ولن يشقى فالهداية إلى كل خير كامنة في طاعة رسول الله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ أي ليس على الرسول هداية القلوب، وإنما عليه البلاغ المبين لا غير فلا تلحق الرسول تبعة هن عصى فََضَلَّ وهَلَك. وقوله تعالى في الآية (٥٥) ﴿وعد٥ الله الذين آمنوا منكم﴾ أي صدقوا الله والرسول ﴿وعملوا الصالحات﴾ فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وعدهم بأن يستخلفهم في الأرض أي يجعلهم خلفاء حاكمين في أهلها، سائدين سكانها استخلافاً كاستخلاف الذين من قبلهم من بني إسرائيل حيث أجلى الكنعانيين والعمالقة من أرض القدس وورثها بني إسرائيل وقول: ﴿وليمكنن لهمم دينهم الذي ارتضى لهم﴾ وهو الإسلام

стр. 1908

فيظهره على الدين كله ويحفظه من التغيير والتبديل والزوال إلى قرب الساعة وقوله تعالى: ﴿وليبدلنهم من١ بعد خوفهم أمناً﴾ إذ نزلت هذه الآية والمسلمون خائفون بالمدينة لا يقدر أحدهم أن ينام وسيفه بعيد عنه من شدة الخوف من الكافرين والمنافقين وتألب الأحزاب عليهم ولقد أنجز تعالى لهم ما وعدهم فاستخلفهم وأمكن لهم وبدلهم بعد خوفهم أمناً فلله الحمد والمنة. وقوله: ﴿يعبدونني٢ لا يشركون بي شيئاً﴾ هذا ثناء عليهم، وتعليل لما وهبهم وأعطاهم يعبدونه لا يشركون به شيئاً وقد فعلوا وما زال بقاياهم من الصالحين إلى اليوم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئاً اللهم اجعلنا منهم. وقوله تعالى: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك٣ هم الفاسقون﴾ وعيد وتهديد لمن كفر بعد ذلك الإنعام العظيم والعطاء الجزيل فأولئك هم الفاسقون عن أمر الله الخارجون عن طاعته المستوجبون لعذاب الله ونقمته. عياذاً بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- مشروعية الإقسام بالله تعالى وحرمة الحلف بغيره تعالى. ٢- عدم الثقة في المنافقين لخلوهم من موجب الصدق في القول والعمل وهو الإيمان. ٣- طاعة رسول الله موجبة للهداية لما فيه من سعادة الدارين ومعصيته موجبة للضلال والخسران. ٤- صدق وعد الله تعالى لأهل الإيمان وصالح الأعمال من أصحاب رسول الله. ٥- وجوب الشكر على النعم بعبادة الله تعالى وحده بما شرع من أنواع العبادات. ٦- الوعيد الشديد لمن أنعم الله عليه بنعمة أمن ورخاء وسيادة وكرامة فكفر تلك النعم ولم يشكرها فعرضها للزوال.

стр. 1909

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) شرح الكلمات: وأقيموا الصلاة: أي أدوها أداءاً كاملاً تاماً مراعين فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها حتى تثمر الزكاة والطهر في نفوسكم. وآتوا الزكاة: أي المفروضة من المال الصامت كالذهب والفضة والحرث والناطق كالأنعام من إبل وبقر وغنم. وأطيعوا الرسول: أي محمداً ﷺ في أمره ونهيه والأخذ بإرشاده وتوجيهه. لعلكم ترحمون: أي رجاء أن يرحمكم ربكم في دنياكم وآخرتكم فلا يعذبكم فيهما. معجزين في الأرض: أي معجزين الله تعالى بحيث لا يدركهم ولا ينزل بهم نقمته وعذابه. ولبئس المصير: أي النار إذ هي المأوى الذي يأوون إليه ويصيرون إليه. معنى الآيتين: يأمر تعالى عباده المؤمنين من أصحاب الرسول الكريم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول ﷺ في أمره ونهيه وإرشاده وتوجيهه وذلك رجاء أن يرحموا في الدارين، ولا يعذبوا فيهما. وهذا وإن كان موجهاً ابتداءً إلى أصحاب الرسول فإنه عام بعد ذلك فيشمل كل مؤمن ومؤمنة في الحياة وقوله ﴿لا تحسبن١ الذين كفروا معجزين٢ في الأرض﴾ هذا خطاب للرسول ﷺ ينهاه ربه تعالى أن يظن أن الذين كفروا مهما كانت قوتهم سيفوتون الله تعالى ويهربون مما أراد بهم من خزي وعذاب، لا، لا بل سيخزيهم ويذلهم ويسلط عليهم، وقد فعل ﴿ومأواهم النار﴾ يوم القيامة ﴿ولبئس المصير﴾ نار جهنم يصيرون إليها.

стр. 1910

هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- وجوب إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول ﷺ للحصول على رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة في الدنيا بالنصر والتمكين والأمن والسيادة وفي الآخرة بدخول الجنة. ٢- تقرير عجز الكافرين وأنهم لن يفوتوا الله تعالى مهما كانت، قوتهم وسينزل بهم نقمته ويحل عليهم عذابه. ٣- بيان مصير أهل الكفر وأنه النار والعياذ بالله تعالى. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)

стр. 1911

شرح الكلمات ليستأذنكم: أي ليطلب الإذن منكم في الدخول عليكم. ملكت أيمانكم: من عبيد وإماء. لم يبلغوا الحلم منكم: أي سن التكليف وهو وقت الاحتلام خمسة عشر سنة فما فوق. تضعون ثيابكم: أي وقت القيلولة للاستراحة والنوم. ثلاث عورات لكم: العورة ما يستحي من كشفه، وهذه الأوقات الثلاثة ينكشف فيها الإنسان في فراشه فكانت بذلك ثلاث عورات. بعدهن: أي بعد الأوقات الثلاثة المذكورة. طوافون عليكم: أي للخدمة. بعضكم على بعض: أي بعضكم طائف على بعض. فليستأذنوا: أي في جميع الأوقات لأنهم أصبحوا رجالاً مكلفين. والقواعد من النساء: أي اللاتي قعدن عن الحيض والولادة لكبر سنهن. أن يضعن ثيابهن: كالجلباب والعباءة والقناع والخمار. غير متبرجات بزينة: أي غير مظهرات زينة خفية كقلادة وسوار وخلخال. وأن يستعففن خير لهن: بأن لا يضعن ثيابهن خير لهن من الأخذ بالرخصة. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ١ روى في نزول هذه الآية أن النبي ﷺ بعث غلاماً من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب يدعوه له فوجده نائمًا في وقت الظهيرة فدق الباب ودخل فاستيقظ عمر فانكشف منه شيء فقال عندها عمر وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا في هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجداً شكراً لله تعالى. فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذي آمنوا﴾ هو نداء لكل المؤمنين في كل عصورهم وديارهم. وقوله ﴿ليستأذنكم الذي ملكت أيمانكم٢ والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ أي علموا أطفالكم وخدمكم الاستئذان عليكم في هذه الأوقات الثلاثة وأمروهم بذلك. وقوله: ﴿ثلاث مرات﴾ هي المبينة في قوله: ﴿من قبل صلاة

стр. 1912

الفجر﴾ وهي ساعات النوم من الليل، ﴿وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾ وهي القيلولة، ﴿ومن بعد صلاة العشاء١﴾ وهي بداية نوم الليل. وقوله: ﴿ثلاث عورات لكم﴾ ٢ أي هي منطقة انكشاف العورة فيها فأطلق عليها اسم العورة والعورة ما يستحي من كشفه وقوله: ﴿ليس عليكم ولا عليهم﴾ أي ولا على الأطفال والخدم ﴿جناح بعدهن﴾ أي بعد المرات الثلاث وقوله: ﴿طوافون عليكم﴾ أي يدخلون ويخرجون عليكم للخدمة. ﴿بعضكم على بعض﴾ أي بعضكم يدخل على بعض للخدمة فلا غنى عنه فلذا فلا حرج عليكم في غير الأوقات الثلاثة. وقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾ أي كهذا التبيين الذي بين لكم حكم الاستئذان يبين الله لكم الآيات المتضمنة للشرائع والأحكام والآداب فله الحمد وله المنة وقوله: ﴿والله عليم﴾ أي بخلقه وما يحتاجون إليه في إكمالهم وإسعادهم ﴿حكيم﴾ فيما يشرع لهم ويفرض عليهم. وقوله تعالى في الآية الثانية (٥٩) ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ أي إذا بلغ الطفل سن الاحتلام وهو البلوغ واحتلم فعليه أن لا يدخل على غير محارمه إلا بعد الاستئذان كما يفعل ذلك الرجال من قبله إذ قد أصبح بالبلوغ الذي علامته الاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة فأكثر أصبح رجلاً تماماً فعليه أن لا يدخل بيت أحد إلا بعد أن يستأذن هذا معنى قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾ وهم الرجال وقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته﴾ أي المتضمنة لأحكامه وشرائعه ﴿والله عليم﴾ بخلقه وما يصلح لهم ﴿حكيم﴾ في شرعه وهذه حال توجب طاعته تعالى فيما يأمر به وينهى عنه وقوله تعالى: ﴿والقواعد٣ من النساء اللاتي لا يرجون٤ نكاحاً٥﴾ أي والتي قعدت عن الحيض والولادة لكبر سنها بحيث أصبحت لا ترجو نكاحاً ولا يرجى منها ذلك فهذه ليس عليها إثم ولا حرج في أن تضع خمارها من فوق رأسها، أو عباءتها من فوق ثيابها التي على

стр. 1913

جسمها حال كونها غير متبرجة١ أي مظهرة زينة لها كخضاب اليدين والأساور في المعصمين والخلاخل في الرجلين، أو أحمر الشفتين، وما إلى ذلك مما هو زينة يجب ستره وقوله تعالي: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾ أي ومن لازمت خمارها وعجارها ولم تظهر للأجانب كاشفة وجهها ومحاسنها خير لها حالاً ومآلاً، وحسبها أن يختار الله لها فما اختاره لها لن يكون إلا خيراً في الدنيا والآخرة فعلى المؤمنات أن يخترن ما اختار الله لهن. وقوله: ﴿والله سميع عليم﴾ أي سميع لأقوال عباده عليم بأعمالهم وأحوالهم فليتق فيطاع ولا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب تعليم الآباء والسادة والأطفال والخدم الاستئذان عليهم في الأوقات الثلاثة المذكورة والمعبر عنها بالعورات. ٢- وجوب استئذان الأولاد إذا احتلموا الاستئذان على من يريدون الدخول عليه في بيته لأنهم أصبحوا رجالاً مكلفين. ٣- بيان رخصة كشف الوجه لمن بلغت سناً لا تحيض فيها ولا تلد للرجال الأجانب ولو أبقت على سترها واحتجابها لكان خيراً لها كما قال تعالى: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾ . لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا

стр. 1914

جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (٦١) شرح الكلمات: الحرج: الضيق والمراد به هنا الإثم أي لا إثم على المذكورين في مؤاكلة غيرهم. أو ما ملكتم مفاتحه: أي مما هو تحت تصرفكم بالأصالة أو بالوكالة كوكالة على بستان أو ماشية. أو صديقكم: أي من صدقكم الود وصدقتموه. جميعاً أو أشتاتاً: أي مجتمعين من على الطعام أو متفرقين. من عند الله: لأنه هو الذي شرعها وأمر بها، وما كان من عند الله فهو خير عظيم. طيبة: أي تطيب بها نفس المسلم عليه. معنى الآيات: ما زال السياق في هداية المؤمنين وبيان ما يكملهم ويسعدهم ففي هذه الآية الكريمة. رفع تعالى عنهم حرجاً عظيماً كانوا قد شعروا به فآلمهم وهو أنهم قد رأوا أن الأكل مع ذوي العاهات وهم العميان والعرجان والمرضي وأهل الزمانة قد يترتب عليه أن يأكلوا ما لا يحل لهم أكله لأن أصحاب هذه العاهات لا يأكلون كما يأكل الأصحاء كماً وكيفاً والله يقول: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ كما أن أصحاب العاهات قد تحرجوا أيضاً من مؤاكلة الأصحاء معهم خوفاً أن يكونوا يتقذرونهم فآلمهم ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية فرفع الحرج عن الجميع الأصحاء وأصحاب العاهات فقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم١ أو بيوت آبائكم

стр. 1915

أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم، أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه﴾ بوكالة وغيرها، ﴿أو صديقكم١﴾ وهو من صدقكم المودة وصدقتموه فيها مادام الرضا حاصلاً، وان لم يحضروا ولا استئذان٢ وإن حضروا. ورفع تعالى عنهم حرجاً آخر وهو أن منهم من كان يتحرج في الأكل وحده، ويرى أنه لا يأكل إلا مع غيره وقد يوجد من يتحرج أيضاً في الأكل الجماعي خشية أن يؤذي الآكل معه فرفع تعالى ذلك كله بقوله: ﴿وليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً﴾ أي مجتمعين٣ على قطعة واحدة٤ ﴿أو أشتاتاً﴾ أي متفرقين كل يأكل وحده متى بدا له ذلك وهذا كله ناجم عن تقواهم لله تعالى وخوفهم من معاصيه إذ قد حرم عليهم أكل أموالهم بينهم بالباطل في قوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ . وقوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم٥ بيوتاً فسلموا على أنفسكم﴾ فأرشدهم إلى ما يجلب محبتهم وصفاء نفوسهم ويدخل السرور عليهم وهو أن من دخل بيتاً من البيوت بيته كان أو بيت غيره عليه أن يسلم على أهل البيت قائلاً السلام عليكم، وإن كان البيت ما به أحد أو كان مسجداً قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقوله: ﴿تحية من عند الله﴾ إذ هو تعالى الذي أمر بها وأرشد إليها وقوله ﴿مباركة﴾ أي ذات بركة تعود على الجميع وكونها طيبة أن نفوس المسلم عليهم تطيب بها. وقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ أي كذلك البيان الذي بين لكم من الأحكام والآداب يبين الله لكم الآيات الحاملة للشرائع والأحكام رجاء أن تفهموا عن الله تعالى شرائعه وأحكامه فتعملوا بها فتكملوا وتسعدوا عليها. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الإذن العام في الأكل مع ذوي العاهات بلا تحرج من الفريقين.

стр. 1916

٢- الإذن في الأكل من بيوت من ذكر في الآية من الأقارب والأصدقاء. ٣- جواز الأكل الجماعي والانفرادي بلا تحرج. ٤- مشروعية التحية عند الدخول على البيوت وأن فيها خيراً وفضلاً. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) شرح الكلمات أمر جامع: كخطبة الجمعة ونحوها مما يجب حضوره كاجتماع لأمر هام كحرب ونحوها. يستأذنوه: أي يطلبوا منه ﷺ الإذن. لبعض شأنهم: أي لبعض أمورهم الخاصة بهم. دعاء الرسول: أي نداءه فلا ينادي بيا محمد ولكن بيا نبي الله ورسول الله. كدعاء بعضكم بعضاً: أي كما ينادي بعضكم بعضاً بيا عمر ويا سعيد مثلاً. يتسللون منكم لواذاً: أي ينسلون واحداً بعد واحد يستر بعضهم بعضاً حتى يخرجوا خفية.

стр. 1917

أن تصيبهم فتنة: أي زيغ في قلوبهم فيكفروا. قد يعلم ما أنتم عليه: أي من الإيمان والنفاق، وإرادة الخير أو إرادة الشر. وقد هنا للتأكيد عوملت معاملة رب إذ هي للتقليل وتكون للتكثير أحياناً. معنى الآيات: يخبر تعالى أن المؤمنين الكاملين في إيمانهم هم الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ وإذا كانوا معه ﷺ في أمر جامع يتطلب حضورهم كالجمعة واجتماعات الحروب، لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﷺ ويأذن لهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿إنما١ المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ . وقوله تعالى: ﴿إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم بأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ في هذا تعليم للرسول والمؤمنين وتعريض بالمنافقين. فقد أخبر تعالى أن الذين يستأذنون النبي هم المؤمنون بالله ورسوله، ومقابله أن الذين لا يستأذنون ويخرجون بدون إذن هم لا يؤمنون بالله ورسوله وهم المنافقون حقاً، وأمر رسول الله إذا استأذنه المؤمنون لبعض شأنهم أن يأذن لمن شاء منهم ممن لا أهمية لحضوره كما أمره أن يستغفر الله لهم لما قد يكون غير عذر شرعي يبيح لهم الاستئذان وطمعهم في المغفرة بقوله إن الله غفور رحيم. وقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم٢ بعضا﴾ هذا يحتمل أموراً كلها حق الأول أن يحاذر المؤمنون إغضاب رسول الله بمخالفته فإنه إن دعا عليهم هلكوا لأن دعاء الرسول لا يرد فليس هو كدعاء غيره، والثاني أن لا يدعوا الرسول باسمه يا محمد ويا أحمد بل عليهم أن يقولوا يا نبي الله ويا رسول الله، والثالث أن لا يغلظوا في العبارة بل عليهم أن يلينوا اللفظ ويرققوا العبارة إكباراً وتعظيماً لرسول الله ﷺ هذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ وقوله: ﴿قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً﴾ أعلمهم تعالى أنه يعلم قطعاً أولئك المنافقين الذين يكونون في أمر جامع مع رسول الله ﷺ فيتسللون واحداً بعد آخر بدون أن يستأذنوا متلاوذين في هروبهم من المجلس يستر بعضهم بعضاً، وفي هذا تهديد بالغ

стр. 1918

الخطورة لأولئك المنافقين. وقوله: ﴿فليحذر١ الذين يخالفون عن أمر٢﴾ أي أمر رسول الله وهذا عام للمؤمنين والمنافقين وإلى يوم القيامة فليحذروا أن تصيبهم فتنة وهي زيغ في قلوبهم فيموتوا كافرين، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا والعذاب ألوان وصنوف. وقوله تعالى: ﴿ألا إن لله ما في السموات والأرض﴾ أي خلقاً وملكماً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد ألا فَليتقّ اللهُ في رسوله فلا يخالف أمره ولا يعصي في نهيه فإن الله لم يرسل رسولاً إلا ليطاع بإذنه. وقوله تعالى: ﴿قد يعلم ما انتم عليه﴾ إخبار يحمل التهديد والوعيد أيضاً فما عليه الناس من أقوال ظاهرة وباطنة معلومة لله تعالى، ويوم يرجعون إلى الله بعد موتهم فينبئهم بما عملوا من خير وشر ويجزيهم به الجزاء الأوفى، ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فليحذر أن يخالف رسوله أو يعصي وليتق في أمره ونهيه فإن نقمته صعبة وعذابه شديد. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- وجوب الاستئذان من إمام المسلمين إذا كان الأمر جامعاً. وللإمام أن يأذن لمن شاء ويترك من يشاء حسب المصلحة العامة. ٢- وجوب تعظيم رسول الله ﷺ ، وحرمة إساءة الأدب معه حياً وميتاً. ٣- وجوب طاعة رسول الله وحرمة مخالفة أمره ونهيه. ٤- المتجرىء على الاستهانة بسنة الرسول ﷺ يُخشى عليه أن يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله.

стр. 1919

سورة الفرقان مكية وآياتها سبع ١ وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا (٣) شرح الكلمات تبارك: أي تكاثرت بركته وعمت الخلائق كلها. الذي نزل الفرقان: أي الله الذي نزل القرآن فارقاً بين الحق والباطل. على عبده: أي محمد ﷺ . ليكون للعالمين نذيرا: أي ليكون محمد ﷺ نذيراً للعالمين من الإنس والجن أي مخوفاً لهم من عقاب الله وعذابه إن كفروا به ولم يعبدوه ويوحدوه. فقدره تقديرا: أي سواه تسوية قائمة على أساس لا اعوجاج فيه ولا زيادة ولا نقص عما تقتضيه الحكمة والمصلحة. ضراً ولا نفعاً: أي لا دفع ضر ولا جلب نفع. موتاً ولا حياة ولا نشوراً: أي لا يقدرون على إماتة أحد ولا إحيائه ولا بعثاً للأموات.

стр. 1920

معنى الآيات: يثني الرب تبارك١ وتعالى على نفسه بأنه عَظُم خيره وعمت بركته المخلوقات كلها الذي نزل الفرقان الكتاب العظيم الذي فرق به بين الحق والباطل والتوحيد والشرك والعدل والظلم أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله وسلم ليكون٢ للعالمين الإنس والجن نذيراً ينذرهم عواقب الكفر والشرك والظلم والشر والفساد وهي عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة وقوله: ﴿الذي له ملك السموات والأرض﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً وهو ثناء بعد ثناء وقوله: ﴿ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء٣ فقدره تقديراً﴾ وهو ثناء آخر عظيم أثنى ﵎ فيه على نفسه بالملك والقدرة والخلق والعلم والحكمة وقوله: ﴿واتخذوا من٤ دونه آلهة﴾ أصناماً ﴿لا يخلقون شيئاً وهو يخلقون ولا يملكون لأنفسهم﴾ فضلاً عن غيرهم من عابديهم ﴿ضّراً ولا نفعاً﴾ أي دفع ضرٍ ولا جلب نفع، ولا يملكون موتاً لأحد ولا حياة لآخر ولا نشوراً٥ للناس يوم القيامة. أليس هذا موضع تعجب واستغراب أمع الله الذي عمت بركته الأكوان وأنزل الفرقان ملك ما في السموات والأرض تنزه عن الولد والشريك وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وخلق كل شيء فقدره تقديراً يتخذون من دونه آلهة أصناماً لا تدفع عن نفسها ضراً ولا نجلب لها نفعاً ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً فسبحان الله أين يذهب بعقول الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مظاهر ربوبية الله تعالى الموجبة لألوهيته وهو إفاضة الخير على الخلق والملك والقدرة والعلم والحكمة. ٢- التنديد بالشرك والمشركين.

стр. 1921

٣ – تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا (٥) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَّسْحُورًا (٨) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (٩) شرح الكلمات: إفك افتراه: أي ما القرآن إلا كذباً افتراه محمد وليس هو بكلام الله تعالى هكذا قالوا. ظلمًا وزوراً: أي فرد الله عليهم قولهم بقوله فقد جاءوا ظلمًا حيث جعلوا الكلام المعجز الهادي إلى الإسعاد والكمال البشري إفكا مختلقاً وزوراً بنسبة ما هو برىء منه إليه. اكتتبها: أي طلب كتابتها له فكتبت له.

стр. 1922

يعلم السر: أي ما يسره أهل السماء والأرض وها يخفونه في نفوسهم. أو يلقى إليه كنز: أي من السماء فينفق منه ولا يحتاج معه إلى الضرب في الأسواق. جنة يأكل منها: بستان فيه ما يغنيه من أنواع الحبوب والثمار. رجلاً مسحوراً: مخدوعاً مغلوباً على عقله. ضربوا لك الأمثال: أي بالسحر والجنون والشعر والكهانة والكذب وما إلى ذلك. فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً: فضلوا الطريق الحق وهو أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فلا يهتدون. معنى الآيات: يخبر تعالى عن أولئك المشركين الحمقى الذين اتخذوا من دون الله رب العالمين آلهة أصناماً لا تضر ولا تنفع أنهم زيادة على سفههم في اتخاذ الأحجار آلهة يعبدونها قالوا في القرآن الكريم والفرقان العظيم ما هو إلا إفك أي كذب اختلقه محمد وأعانه عليه قوم١ آخرون يعنون اليهود ساعدوه على الإتيان بالقرآن. فقد جاءوا بهذا القول الكذب الممقوت ظلماً وزوراً ظلماً لأنهم جعلوا القرآن المعجز الحامل للهدى والنور جعلوه كذباً وجعلوا البريء من الكذب والذي لم يكذب قط كاذباً فكان قولهم فيه زوراً وباطلاً. وقوله تعالى: ﴿وقالوا أساطير٢ الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا﴾ هذه الآية نزلت رداً على شيطان قريش النضر بن الحارث إذ كان يأتي الحيرة ويتعلم أخبار ملوك فارس ورستم. وإذا حدث محمد ﷺ قومه محذراً إياهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم قبلهم فإذا قام ﷺ من المجلس جاء هو فجلس وقال تعالوا أقص عليكم إني أحسن حديثاً من محمد، ويقول إن ما يقوله محمد هو من أكاذيب القصاص وأساطيرهم التي سطروها في كتبهم فهو يحدث بها وهي تملى عليه أي يمليها عليه غيره صباحاً ومساءاً فرد تعالى هذه الفرية بقوله لرسوله: ﴿قل٣ أنزله﴾ أي القرآن

стр. 1923

﴿الذي يعلم السر في السموات والأرض﴾ أي سر ما يسره أهل السموات وأهل الأرض فهو علام الغيب المطلع على الضمائر العالم بالسرائر، ولولا أن رحمته سبقت غضبه لأهلك من كفر به وأشرك به سواه ﴿إنه كان غفوراً رحيماً﴾ يستر زلات من تاب إليه ويرحمه مهما كانت ذنوبه. وقوله تعالى: ﴿وقالوا: ما لهذا١ الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا٢ أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ هذه كلمات رؤوساء قريش وزعمائها لما عرضوا على رسول الله ﷺ أن يترك دعوته إلى ربه مقابل ما يشاء من ملك أو مال أو نساء أو جاه فرفض كل ذلك فقالوا له إذاً فخذ لنفسك لماذا وأنت رسول الله تأكل الطعام وتمشي في الأسواق٣ تطلب العيش مثلنا فسل ربك ينزل إليك ملكاً فيكون معك نذيراً أو يلقي إليك بكنز من ذهب وفضة تعيش بها أغنى الناس، أو يجعل لك جنة من نخيل وعنب، أو يجعل لك قصوراً من ذهب تتميز بها عن الناس وتمتاز فيعرف قدرك وتسود قومك وقوله تعالما: ﴿وقال الظالمون٤﴾ أي للمؤمنين من أصحاب الرسول ﷺ إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً أي أنكم بإتباعكم محمداً فيما جاء به ويدعو إليه ما تتبعون إلا رجلاً مسحورً، أي مخدوعاً مغلوباً على عقله لا يدري ما يقول ولا ما يفعل أي فاتركوه ولا تفارقوا ما عليه آباؤكم وقومكم. وقوله تعالى: ﴿انظر كيف ضربوا٥ لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً﴾ أي انظر يا رسولنا إلى هؤلاء المشركين المفتونين كيف شبهوا لك الأشباه وضربوا لك الأمثال الباطلة فقالوا فيك مرة هو ساحر، وشاعر وكاهن ومجنون فضاعوا في هذه التخرصات وضلوا طريق الحق فلا يرجى لهم هداية بعد، وذلك لبعد ضلالهم فلا يقدرون على الرجوع إلى الحق وهو معنى قوله: ﴿فلا يستطيعون سبيلاً﴾ .

стр. 1924

هداية الآيات: من هداية الآيات ١- بيان ما قابل به المشركون دعوة التوحيد من جلب كل قول وباطل ليصدوا عن سبيل الله وما زال هذا دأب المشركين إزاء دعوة التوحيد إلى اليوم وإلى يوم القيامة. ٢- تقرير الوحي الإلهي والنبوة المحمدية. ٣- بيان حيرة المشركين إزاء دعوة الحق وضربهم الأمثال الواهية الرخيصة للصّدّ عن سبيل الله، وقد باءت كل محاولاتهم بالفشل والخيبة المرة. تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولا (١٦) شرح الكلمات: تبارك: أي تقدس وكثر خيره وعمت بركته. خيراً من ذلك: أي الذي اقترحه المشركون عليك. ويجعل لك قصوراً: أي كثيرة لا قصراً وحداً كما قال المشركون. بل كذبوا بالساعة: أي لم يكن المانع لهم من الإيمان كونك تأكل الطعام وتمشي في

стр. 1925

الأسواق بل تكذيبهم بالبعث والجزاء هو السبب في ذلك. تغيظاً وزفيرا: أي صوتاً مزعجاً من. نغيظها على أصحابها المشركين بالله الكافرين به. مقرنين: أي مقرونة أيديهم مع أعناقهم في الأصفاد. دعوا هنالك ثبوراً: أي نادوا يا ثبورنا أي يا هلاكنا إذ الثبور الهلاك. كانت لهم جزاءً ومصيراً: أي ثواباً على إيمانهم وتقواهم، ومصيراً صاروا إليها لا يفارقونها. وعداً مسؤلا: أي مطالباً به إذ المؤمنون يطالبون به قائلين ربنا وآتنا ما وعدتنا والملائكة تقول ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الرد على مقترحات المشركين على رسول الله ﷺ ، إذ قالوا لولا أنزل إليه ملك، أو يلقى إليه كنزٌ وتكون له جنة يأكل منها فقال تعالى: لرسوله ﷺ ﴿تبارك١ الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك﴾ أي الذي اقترحوه وقالوا خذ لنفسك من ربك بعد أن رفضت طلبهم بترك دعوتك والتخلي عن رسالتك ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي من خلال أشجارها وقصورها٢ ﴿ويجعل لك قصوراً﴾ لا قصراً٣ واحداً كما قالوا، ولكنه لم يشأ ذلك لك من هذه الدار لأنها دار عمل ليست دار جزاء وراحة ونعيم فربك قادر على أن يجعل لك ذلك ولكنه لم يشأه والخير فيما يشاءه فاصبر فإن المشركين لم يكن المانع لهم من الإيمان هو كونك بشراً تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، أو أن الله تعالى لم ينزل إليك ملكاً بل المانع هو تكذيبهم بالساعة فعلة كفرهم وعنادهم هي عدم إيمانهم بالبعث والجزاء فلو آمنوا بالحياة الثانية لطلبوا كل سبب ينجي في عذابها ويحصل نعيمها ﴿بل كذبوا٤ بالساعة واعتدنا لمن كذب بالساعة٥﴾ أي القيامة ﴿سعيراً﴾ أي ناراً مستعرة أو هي دركة من دركات النار تسمى سعيراً.

стр. 1926

وقوله تعالى: ﴿إذا رأتهم١ من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً﴾ هذا وصف للسعير وهو أنها إذا رأت أهلها من ذوي الشرك والظلم والفساد من مكان بعيد تغيظت عليهم تغيظاً وزفرت زفيراً مزعجاً فيسمعونه فترتعد له فرائصهم. ﴿وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين﴾ مشدودة أيديهم إلى أعناقهم بالأصفاد ﴿دعوا هنالك﴾ أي نادوا بأعلى أصواتهم يا ثبوراه أي يا هلاكاه أحضر فهذا وقت حضورك: فيقال لهم: خزياً وتبكيتا وتحسيراً: ﴿لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً﴾ ، فهذا أوآن هلاككم وخزيكم وعذابكم وهنا يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿قل﴾ لأولئك المشركين المكذبين بالبعث والجزاء: ﴿أذلك﴾ أي المذكور من السعير والإلقاء فيها مقرونة الأيدي بالأعناق وهم يصرخون يدعون بالهلاك ﴿خير أم٢ جنة الخلد التي وعد المتقون﴾ أي التي وعد الله تعالى بها عباده الذين اتقوا عذابه بالإيمان به وبرسوله وبطاعة الله ورسوله قطعاً جنة الخلد خير ولا مناسبة بينها وبين السعير، وإنما هو التذكير لا غير وقوله: ﴿كانت لهم﴾ أي جنة الخلد كانت لأهل الإيمان والتقوى ﴿جزاء﴾ أي ثواباً، ﴿ومصيراً﴾ يصيرون إليه لا يفارقونه وقوله تعالى: ﴿لهم فيها ما يشاءون﴾ أي فيها من أنواع المطاعم والمشارب والملابس والمساكن وقوله: ﴿خالدين﴾ . أي فيها لا يموتون ولا يخرجون، وقوله: ﴿كان على ربك وعداً مسئولاً﴾ أي تفضل ربك أيها الرسول بها فوعد بها عباده المتقين وعداً يسألونه إياه فينجزه لهم فهم يقولون: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ ، ﴿والملائكة تقول ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ . هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان أن مرد كفر الكافرين وظلم الظالمين وفساد المفسدين إلى تكذيبهم بالبعث والجزاء

стр. 1927

في الدار الآخرة فإن من آمن بالبعث الآخر سارع إلى الطاعة والاستقامة. ٢- تقرير عقيدة البعث الآخر بوصف بعض ما يتم فيه من الجزاء بالنار والجنة. ٣- فضل التقوى وأنها ملاك الأمر فمن آمن واتقى فقد استوجب الدرجات العلى جعلنا الله تعالى من أهل التقوى والدرجات العلى. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) شرح الكلمات: يحشرهم: أي يجمعهم وما يعبدون من دون الله: من الملائكة والأنبياء والأولياء والجن. أم هم ضلوا السبيل: أي طريق الحق بأنفسهم بدون دعوتكم إياهم إلى ذلك. سبحانك: أي تنزيهاً لك عما لا يليق بجلالك وكمالك. ولكن متعتهم: أي بأن أطلت أعمارهم ووسعت عليهم أرزاقهم. وكانوا قوماً بوراً: أي هلكى, إذ البوار الهلاك. ومن يظلم منكم: أي ومن يشرك منكم أيها الناس.

стр. 1928

وجعلنا بعضكم لبعض فتنة: أي بليّة فالغني مبتلَى بالفقير، والصحي بالمريض، والشريف بالوضيع فالفقير يقول ما لي لا أكون كالغني والمريض يقول مالي لا أكون كالصحيح، والوضيع يقول ما لي لا أكون كالشريف مثلاً. أتصبرون: أي اصبروا على ما تسمعون مِمّن ابتليتم بهم، إذ الاستفهام للأمر هنا. وكان ربك بصيراً: أي بمن يصبر وبمن يجزع ولا يصبر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مظاهر لها في القيامة إذ إنكار هذه العقيدة هو سبب كل شر وفساد في الأرض فقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم١ وما يعبدون من دون الله﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم يحشر الله المشركين وما كانوا يعبدونهم من دوننا كالملائكة والمسيح والأولياء والجن. ﴿فيقول﴾ لمن كانوا يعبدونهم ﴿أآنتم٢ أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟﴾ أي ما أضللتموهم ولكنهم ضلوا طريق الحق بأنفسهم فلم يهتدوا إلى عبادتي وحدي دون سواي. فيقول المعبودون ﴿سبحانك﴾ أي تنزيهاً لك وتقديساً عن كل ما لا يليق بجلالك وكمالك ﴿ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء٣﴾ أي لا يصح منا اتخاذ أولياء من دونك فندعو عبادك إلى عبادتهم فنضلهم بذلك، ﴿ولكن متعتهم﴾ يا ربنا ﴿وآباءهم﴾ من قبلهم بطول الأعمار وسعة الأرزاق فانغمسوا في الشهوات والملاذ ﴿حتى نسوا الذكر٤﴾ أي نسوا ذكرك وعبادتك وما جاءتهم به رسلك فكانوا بذلك قوماً بوراًُ أي هلكى خاسرين. وقوله تعالى: ﴿فقد٥ كذبوكم بما تقولون٦﴾ يقول تعالى للمشركين فقد كذبكم من كنتم

стр. 1929

تشركون به، فقامت الحجة عليكم فأنتم الآن لا تستطيعون صرفاً للعذاب عنكم ولا نصراً أي ولا تجدون من ينصركم فيمنع العذاب عنكم. وقوله تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيراً﴾ هذا خطاب عام لسائر الناس يقول تعالى للناس ومن يشرك منكم بي أي يعبد غيري نذقه أي يوم القيامة عذاباً كبيراً وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك﴾ أي يا رسولنا ﴿من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ١﴾ إذاً فلا تهتم بقول المشركين ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام﴾ ولا تحفل به فإنهم يعرفون ذلك ولكنهم يكابرون ويجاحدون. وقوله تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة٢﴾ أي هذه سنتنا في خلقنا نبتلي بعضهم ببعض فنبتلي المؤمن بالكافر والغني بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع، وننظر من يصبر ومن يجزع ونجزي الصابرين بما يستحقون والجزعين كذلك. وقوله تعالى: ﴿أتصبرون﴾ هذا الاستفهام معناه الأمر أي اصبروا إذاً ولا تجزعوا أيها المؤمنون من أذى المشركين والكافرين لكم. وقوله تعالى: ﴿وكان ربك بصيرا﴾ أي وكان ربك أيها الرسول بصيراً بمن يصبر وبمن يجزع فاصبر ولا تجزع فإنها دار الفتنة والامتحان وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- يا لهول الموقف إذا سئل المعبودون عمن عبدوهم، والمظلومون عمن ظلموهم. ٣- براءة الملائكة والأنبياء والأولياء من عبادة من عبدوهم. ٤- خطورة طول العمر وسعة الرزق إذ غالباً ما ينسى العبد بهما ربه ولقاءه. ٥- تقرير أن الدنيا دار ابتلاء فعلى أولى الحزم أن يعرفوا هذا ويخلصوا منها بالصبر والتحمل في ذات الله حتى يخرجوا منها ولو كفافاً لا لهم ولا عليهم.

стр. 1930

الجزء التاسع عشر وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا (٢٤) شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي المكذبون بالبعث إذ لقاء العبد ربه يكون يوم القيامة. لولا أنزل علينا الملائكة: أي هلاَّ أنزلت علينا ملائكة تشهد لك بأنك رسول الله. أو نرى ربنا: أي فيخبرنا بأنك رسوله وأن علينا أن نؤمن بك. استكبروا في أنفسهم: أي في شأن أنفسهم ورأوا أنهم أكبر شيء وأعظمه غروراً منهم. وعتوا عتواً كبيراً: أي طغوا طغياناً كبيراً حتى طالبوا بنزول الملائكة ورؤية الرب تعالى. ويقولون حجراً محجوراً: أي تقول لهم الملائكة حراماً محرماً عليكم البشرى. وقدمنا إلى ما عملوا: أي عمدنا إلى أعمالهم الفاسدة التي لم تكن على علم وإخلاص. هباء منثوراً: الهباء ما يرى من غبار في شعاع الشمس الداخل من الكوى. وأحسن مقيلاً: المقيل مكان الاستراحة في نصف النهار في أيام الحر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أقوال المشركين من قريش فقال تعالى ﴿وقال الذين لا
следующие страницы →