← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقوله تعالى: ﴿إذا رأتهم١ من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً﴾ هذا وصف للسعير وهو أنها إذا رأت أهلها من ذوي الشرك والظلم والفساد من مكان بعيد تغيظت عليهم تغيظاً وزفرت زفيراً مزعجاً فيسمعونه فترتعد له فرائصهم. ﴿وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين﴾ مشدودة أيديهم إلى أعناقهم بالأصفاد ﴿دعوا هنالك﴾ أي نادوا بأعلى أصواتهم يا ثبوراه أي يا هلاكاه أحضر فهذا وقت حضورك: فيقال لهم: خزياً وتبكيتا وتحسيراً: ﴿لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً﴾ ، فهذا أوآن هلاككم وخزيكم وعذابكم وهنا يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿قل﴾ لأولئك المشركين المكذبين بالبعث والجزاء: ﴿أذلك﴾ أي المذكور من السعير والإلقاء فيها مقرونة الأيدي بالأعناق وهم يصرخون يدعون بالهلاك ﴿خير أم٢ جنة الخلد التي وعد المتقون﴾ أي التي وعد الله تعالى بها عباده الذين اتقوا عذابه بالإيمان به وبرسوله وبطاعة الله ورسوله قطعاً جنة الخلد خير ولا مناسبة بينها وبين السعير، وإنما هو التذكير لا غير وقوله: ﴿كانت لهم﴾ أي جنة الخلد كانت لأهل الإيمان والتقوى ﴿جزاء﴾ أي ثواباً، ﴿ومصيراً﴾ يصيرون إليه لا يفارقونه وقوله تعالى: ﴿لهم فيها ما يشاءون﴾ أي فيها من أنواع المطاعم والمشارب والملابس والمساكن وقوله: ﴿خالدين﴾ . أي فيها لا يموتون ولا يخرجون، وقوله: ﴿كان على ربك وعداً مسئولاً﴾ أي تفضل ربك أيها الرسول بها فوعد بها عباده المتقين وعداً يسألونه إياه فينجزه لهم فهم يقولون: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ ، ﴿والملائكة تقول ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ . هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان أن مرد كفر الكافرين وظلم الظالمين وفساد المفسدين إلى تكذيبهم بالبعث والجزاء

стр. 1927

في الدار الآخرة فإن من آمن بالبعث الآخر سارع إلى الطاعة والاستقامة. ٢- تقرير عقيدة البعث الآخر بوصف بعض ما يتم فيه من الجزاء بالنار والجنة. ٣- فضل التقوى وأنها ملاك الأمر فمن آمن واتقى فقد استوجب الدرجات العلى جعلنا الله تعالى من أهل التقوى والدرجات العلى. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) شرح الكلمات: يحشرهم: أي يجمعهم وما يعبدون من دون الله: من الملائكة والأنبياء والأولياء والجن. أم هم ضلوا السبيل: أي طريق الحق بأنفسهم بدون دعوتكم إياهم إلى ذلك. سبحانك: أي تنزيهاً لك عما لا يليق بجلالك وكمالك. ولكن متعتهم: أي بأن أطلت أعمارهم ووسعت عليهم أرزاقهم. وكانوا قوماً بوراً: أي هلكى, إذ البوار الهلاك. ومن يظلم منكم: أي ومن يشرك منكم أيها الناس.

стр. 1928

وجعلنا بعضكم لبعض فتنة: أي بليّة فالغني مبتلَى بالفقير، والصحي بالمريض، والشريف بالوضيع فالفقير يقول ما لي لا أكون كالغني والمريض يقول مالي لا أكون كالصحيح، والوضيع يقول ما لي لا أكون كالشريف مثلاً. أتصبرون: أي اصبروا على ما تسمعون مِمّن ابتليتم بهم، إذ الاستفهام للأمر هنا. وكان ربك بصيراً: أي بمن يصبر وبمن يجزع ولا يصبر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مظاهر لها في القيامة إذ إنكار هذه العقيدة هو سبب كل شر وفساد في الأرض فقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم١ وما يعبدون من دون الله﴾ أي اذكر يا رسولنا يوم يحشر الله المشركين وما كانوا يعبدونهم من دوننا كالملائكة والمسيح والأولياء والجن. ﴿فيقول﴾ لمن كانوا يعبدونهم ﴿أآنتم٢ أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟﴾ أي ما أضللتموهم ولكنهم ضلوا طريق الحق بأنفسهم فلم يهتدوا إلى عبادتي وحدي دون سواي. فيقول المعبودون ﴿سبحانك﴾ أي تنزيهاً لك وتقديساً عن كل ما لا يليق بجلالك وكمالك ﴿ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء٣﴾ أي لا يصح منا اتخاذ أولياء من دونك فندعو عبادك إلى عبادتهم فنضلهم بذلك، ﴿ولكن متعتهم﴾ يا ربنا ﴿وآباءهم﴾ من قبلهم بطول الأعمار وسعة الأرزاق فانغمسوا في الشهوات والملاذ ﴿حتى نسوا الذكر٤﴾ أي نسوا ذكرك وعبادتك وما جاءتهم به رسلك فكانوا بذلك قوماً بوراًُ أي هلكى خاسرين. وقوله تعالى: ﴿فقد٥ كذبوكم بما تقولون٦﴾ يقول تعالى للمشركين فقد كذبكم من كنتم

стр. 1929

تشركون به، فقامت الحجة عليكم فأنتم الآن لا تستطيعون صرفاً للعذاب عنكم ولا نصراً أي ولا تجدون من ينصركم فيمنع العذاب عنكم. وقوله تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيراً﴾ هذا خطاب عام لسائر الناس يقول تعالى للناس ومن يشرك منكم بي أي يعبد غيري نذقه أي يوم القيامة عذاباً كبيراً وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك﴾ أي يا رسولنا ﴿من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ١﴾ إذاً فلا تهتم بقول المشركين ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام﴾ ولا تحفل به فإنهم يعرفون ذلك ولكنهم يكابرون ويجاحدون. وقوله تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة٢﴾ أي هذه سنتنا في خلقنا نبتلي بعضهم ببعض فنبتلي المؤمن بالكافر والغني بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع، وننظر من يصبر ومن يجزع ونجزي الصابرين بما يستحقون والجزعين كذلك. وقوله تعالى: ﴿أتصبرون﴾ هذا الاستفهام معناه الأمر أي اصبروا إذاً ولا تجزعوا أيها المؤمنون من أذى المشركين والكافرين لكم. وقوله تعالى: ﴿وكان ربك بصيرا﴾ أي وكان ربك أيها الرسول بصيراً بمن يصبر وبمن يجزع فاصبر ولا تجزع فإنها دار الفتنة والامتحان وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- يا لهول الموقف إذا سئل المعبودون عمن عبدوهم، والمظلومون عمن ظلموهم. ٣- براءة الملائكة والأنبياء والأولياء من عبادة من عبدوهم. ٤- خطورة طول العمر وسعة الرزق إذ غالباً ما ينسى العبد بهما ربه ولقاءه. ٥- تقرير أن الدنيا دار ابتلاء فعلى أولى الحزم أن يعرفوا هذا ويخلصوا منها بالصبر والتحمل في ذات الله حتى يخرجوا منها ولو كفافاً لا لهم ولا عليهم.

стр. 1930

الجزء التاسع عشر وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا (٢٤) شرح الكلمات: لا يرجون لقاءنا: أي المكذبون بالبعث إذ لقاء العبد ربه يكون يوم القيامة. لولا أنزل علينا الملائكة: أي هلاَّ أنزلت علينا ملائكة تشهد لك بأنك رسول الله. أو نرى ربنا: أي فيخبرنا بأنك رسوله وأن علينا أن نؤمن بك. استكبروا في أنفسهم: أي في شأن أنفسهم ورأوا أنهم أكبر شيء وأعظمه غروراً منهم. وعتوا عتواً كبيراً: أي طغوا طغياناً كبيراً حتى طالبوا بنزول الملائكة ورؤية الرب تعالى. ويقولون حجراً محجوراً: أي تقول لهم الملائكة حراماً محرماً عليكم البشرى. وقدمنا إلى ما عملوا: أي عمدنا إلى أعمالهم الفاسدة التي لم تكن على علم وإخلاص. هباء منثوراً: الهباء ما يرى من غبار في شعاع الشمس الداخل من الكوى. وأحسن مقيلاً: المقيل مكان الاستراحة في نصف النهار في أيام الحر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أقوال المشركين من قريش فقال تعالى ﴿وقال الذين لا

стр. 1931

يرجون لقاءنا١﴾ وهم المكذبون بالبعث المنكرون للحياة الثانية بكل ما فيها من نعيم وعذاب ﴿لولا أنزل علينا الملائكة﴾ أي هلا أنزل الله علينا الملائكة تشهد لمحمد بالنبوة ﴿أو نرى٢ ربنا﴾ فيخبرنا بأن محمداً رسوله وأن علينا أن نؤمن به وبما جاء به ودعا إليه. قال تعالى ﴿لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً٣﴾ أي وعزتنا وجلالنا لقد استكبر هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث في شأن أنفسهم ورأوا أنهم شيء كبير وعتوا أي طغوا طغياناً كبيراً في قولهم هذا الذي لا داعي إليه إلا الشعور بالكبر، والطغيان النفسي الكبير، وقوله ﴿يوم يرون الملائكة﴾ أي الذين يطالبون بنزولهم عليهم، وذلك يوم القيامة. لا بشرى يومئذ للمجرمين أي الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والظلم الفساد: ﴿ويقولون﴾ أي وتقول لهم الملائكة ﴿حجراً محجوراً﴾ أي حراماً٤ محرماً عليكم البشرى بل هي للمؤمنين المتقين. وقوله تعالى ﴿وقدمنا٥ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء٦ منثوراً﴾ أي وعمدنا إلى أعمالهم التي لم تقم على مبدأ الإيمان والإخلاص والموافقة للشرع فصيرناها هباءً منثوراً كالغبار الذي يرى في ضوء الشمس الداخل مع كوة أو نافذة لا يقبض باليد ولا يلمس بالأصابع لدقته وتفرقه فكذلك أعمالهم لا ينتفعون منها بشيء لبطلانها وعدم الاعتراف بها. وقوله تعالى ﴿أصحاب الجنة﴾ أي أهلها الذين تأهلوا لها بالإيمان والتقوى يومئذ أي يوم القيامة الذي كذب به المكذبون خير مستقراً أي مكان استقرار وإقامة وأحسن مقيلا٧

стр. 1932

أي مكان استراحة من العناء في نصف النهار أي خير وأحسن من أهل النار المشركين المكذبين وفي هذا التعبير إشارة إلى أن الحساب قد ينقضي في نصف يوم الحساب وذلك أن الله سريع الحساب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان ما كان عليه غلاة المشركين من قريش من كبر وعتو وطغيان. ٢- إثبات رؤية الملائكة عند قبض الروح، ويوم القيامة. ٣- نفي البشرى عن المجرمين وإثباتها للمؤمنين المتقين. ٤- حبوط عمل المشركين وبطلانه حيث لا ينتفعون بشيء منه البتة. ٥- انتهاء حساب المؤمنين قبل نصف يوم الحساب الذي مقداره خمسون ألف سنة. وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولا (٢٩) شرح الكلمات: بالغمام: أي عن الغمام وهو سحاب أبيض رقيق كالذي كان لبني إسرائيل في التيه. الملك: أي الملك الحق لله ولم يبق لملوك الأرض ومالكيها ملك في شيء ولا لشيء. على الكافرين عسيرا: أي صعباً شديداً. يعض الظالم على يديه: أي ندماً وأسفاً على ما فرط في جنب الله.

стр. 1933

سبيلا: أي طريقاً إلى النجاة بالإيمان والطاعة. لم أتخذ فلاناً خليلاً: أي أبي بن خلف خليلاً صديقاً ودوداً. لقد أضلني عن الذكر: أي عن القرآن وما يدعو إليه من الإيمان والتوحيد والعمل الصالح. وكان الشيطان: شيطان الجن وشيطان الإنس معاً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرضي مظاهر القيامة وبيان أحوال المكذبين بها فقال تعالى ﴿ويوم﴾ أي اذكر ﴿يوم تشقق١ السماء٢ بالغمام﴾ أي عن الغمام ونُزّل الملائكة تنزيلاً وذلك لمجيء الرب ﵎ لفصل القضاء. وقوله تعالى ﴿الملك يومئذ الحق٣﴾ أي الثابت للرحمن لا لغيره من ملوك الدنيا ومالكيها، وكان ذلك اليوم يوماً على الكافرين٤ عسيراً لا يطاق ولا يحتمل ما فيه من العذاب والأهوال وقوله ﴿يوم يعض الظالم على يديه﴾ أي المشرك الكافر بيان لعسر اليوم وشدته حيث يعض الظالم على يديه تندماً وتحسراً وأسفاً على تفريطه في الدنيا في الإيمان وصالح الأعمال.. يقول يا ليتني أي متمنياً: ﴿اتخذت مع الرسول٥ سبيلا﴾ أي طريقاً إلى النجاة من هول هذا اليوم وذلك بالإيمان والتقوى. وينادي مرة أخرى قائلاً ﴿يا ويلتا﴾ أي يا هلكتي احضري فهذا وقت حضورك، ويتمنى مرة أخرى فيقول ﴿يا ليتني لم اتخذ٦ فلاناً خليلاً﴾ وهو شيطان من الإنس أو الجن كان قد صافاه ووالاه في الدنيا فغرر به وأضله عن الهدى. فقال في تحسر ﴿لقد أضلني عن الذكر﴾ أي القران بعد إذ جاءني من ربي بواسطة الرسول وفيه هداي

стр. 1934

وبه هدايتي، قال تعالى ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولاً١﴾ أي يورطه ثم يتخلى عنه ويتركه في غير موضع وموطن. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر البعث والجزاء وبذكر أحوالها وبعض أهوالها. ٢- إثبات مجيء الرب ﵎ لفصل القضاء يوم القيامة. ٣- تندم الظلمة وتحسرهم على ما فاتهم من الإيمان والطاعة لله ورسوله. ٤- بيان سوء عاقبة موالاة شياطين الإنس والجن وطاعتهم في معصية الله ورسوله. ٥- تقرير مبدأ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إذ عقبة بن أبي معيط هو الذي أطاع أبي بن خلف حيث آمن، ثم لامه أُبى بن خلف فارتد عن الإسلام فهو المتندم المتحسر القائل ﴿يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر ... ﴾ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا (٣٤)

стр. 1935

شرح الكلمات: مهجوراً: أي شيئاً متروكاً لا يلفت إليه. هادياً ونصيراً: أي هادياً لك إلى طريق الفوز والنجاح وناصراً لك على كل أعدائك. جملة واحدة: أي كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور دفعة واحدة فلا تجزئة ولا تفريق. لنثبت به فؤادك: أي نقوي قلبك لتتحمل أعباء الرسالة وإبلاغها. ورتلناه ترتيلاً: أي أنزلناه شيئاً فشيئاً آيات بعد آيات وسورة بعد أخرى ليتيسر فهمه وحفظه. شر مكاناً: أي ينزلونه وهو جهنم والعياذ بالله منها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض أحوال البعث الآخر الذي أنكره المشركون وكذبوا فقال تعالى ﴿وقال الرسول١ يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾ هذه شكوى الرسول ﷺ بقومه إلى ربه ليأخذهم بذلك. وهجرهم للقرآن تركهم سماعه وتفهمه والعمل بما فيه. وقوله تعالى: ﴿وكذلك٢ جعلنا لكلى نبي عدواً من المجرمين﴾ أي وكما جعلنا لك أيها الرسول أعداء لك من مجرمي قومك جعلنا لكل نبي قبلك عدواً من مجرمي قومه، إذاً فاصبر وتحمل حتى تبلغ رسالتك وتؤدي أمانتك، والله هاديك إلى سبيل نجاحك وناصرك على أعدائك. وهذا معنى قوله تعالى ﴿وكفى بربك هادياً ونصيراً﴾ . وقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ أي وقال المكذبون بالبعث المنكرون للنبوة المحمدية المشركون بالله آلهة من الأصنام هلا نزل عليه القرآن مرة واحدة مع بعضه بعضاً لا مفرقاً آيات وسوراً أي كما نزلت التوراة جملة واحدة والإنجيل والزبور وهذا من باب التعنت منهم والاقتراحات التي لا معنى لها إذ هذا ليس من شأنهم ولا مما يحق لهم الخوض فيه، ولكنه الكفر والعناد. ولما كان هذا مما قد يؤلم الرسول ﷺ رد تعالى عليهم

стр. 1936

بقوله ﴿ (كذلك١﴾ أي أنزلناه كذلك منجماً ومفرقاً لحكمة عالية وهي تقوية قلبك وتثبيته لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول المطر دفعة واحدة. وقوله تعالى: ﴿ورتلناه ترتيلا﴾ أي أنزله مرتلاً أي شيئاً فشيئاً ليتيسر حفظه وفهمه والعمل به. وقوله تعالى ﴿ولا يأتونك٢ بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن٣ تفسيراً﴾ هذا بيان الحكمة في نزول القرآن مفرقاً لا جملة واحدة وهو أنهم كلما جاءوا بمثل أو عرض شبهة ينزل القرآن الكريم بإبطال دعواهم وتفنيد كذبهم، وإلغاء شبهتهم، وإحقاق الحق في ذلك وبأحسن تفسير لما اشتبه عليهم واضطربت نفوسهم فيه وقوله تعالى ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً٤﴾ أي أولئك المنكرون للبعث المقترحون نزول القرآن جملة واحدة هم الذين يحشرون على وجوههم تسحبهم الملائكة على وجوههم إلى جهنم لأنهم مجرمون بالشرك والتكذيب والكفر والعناد. أولئك البعداء شر مكاناً يوم القيامة، وأضل سبيلاً في الدنيا، إذ مكانهم جهنم، وسبيلهم الغواية والضلالة والعياذ بالله من ذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- شهادة الرسول ﷺ على من هجروا القرآن الكريم فلم يسمعوه ولم يتفهموه ولم يعملوا به، وشكواه إياهم إلى الله . ٢- بيان سنة الله في العباد وهي أنه ما من نبي ولا هاد ولا منذر إلا وله عدو من الناس وذلك لتعارض الحق مع الباطل، فينجم عن ذلك عداء لازم من أهل الباطل لأهل الحق. ٣- بيان الحكمة في نزول القرآن منجماً شيئاً فشيئاً مفرقاً. ٤- بيان أن المجرمين. يحشرون على وجوههم لا على أرجلهم إلى جهنم إهانة لهم وتعذيباً.

стр. 1937

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) شرح الكلمات: الكتاب: أي التوراة. وزيراً: أي يشد أزره ويقويه ويتحمل معه أعباء الدعوة. إلى القوم الذين كذبوا: هم فرعون وآله. لما كذبوا الرسل: أي نوحاً ﵇. وجعلناهم للناس آية: أي علامة على قدرتنا في إهلاك وتدمير الظالمين وعبرة للمعتبرين. وعاداً وثمود: أي اذكر قوم عاد وثمود إلخ.. وأصحاب الرس: الرس بئر رس فيها قوم نبيهم، أي رموه فيها ودسوه في التراب. وقروناً بين ذلك كثيرا: أي ودمرنا بين من ذكرنا من الأمم قروناً كثيراً. تبرنا تتبيرا: أي دمرناهم تدميراً. التي أمطرت مطر السوء: هي سدوم قرية قوم لوط. لا يرجون نشوراً: أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء الآخر.

стр. 1938

معنى الآيات: قوله تعالى ﴿ولقد آتينا مرسى الكتاب﴾ هذا شروع في عرض أمم كذبت رسلها وردت دعوة الحق التي جاءوا بها فأهلكهم الله تعالى ليكون هذا عظة للمشركين لعلهم يتعظون فقال تعالى وعزتنا لقد آتينا موسى بن عمران الكتاب الذي هو التوراة ﴿وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً﴾ أي معيناً، فقلنا أي لهما ﴿اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وهم فرعون١ وملأه فأتوهم فكذبوهما فدمرناهم٢ تدميراً كاملاً حيث أغرقوا في البحر، وقوله تعالى: ﴿وقوم نوح﴾ أي اذكر قوم نوح أيضاً فإنهم لما كذبوا الرسل٣ أي كذبوا نوحاً ومن كذب رسولاً فكأنما كذب عامة الرسل أغرقناهم بالطوفان وجعلناهم للناس بعدهم آية أي عبرة للمعتبرين وقوله ﴿وأعتدنا﴾ أي وهيأنا٤ للظالمين في الآخرة عذاباً أليماً أي موجعاً زيادة على هلاك الدنيا، وقوله ﴿وعاداً وثمود وأصحاب الرس٥﴾ أي أهلكنا الجميع ودمرناهم تدميراً لما كذبوا رسلنا وردوا دعوتنا، وقروناً أي وأهلكنا قروناً بين ذلك الذي ذكرنا كثيراً. وقوله ﴿وكلاً ضربنا له الأمثال﴾ أي إقامة للحجة عليهم فما أهلكناهم إلا بعد الإنذار والإعذار لهم. وقوله ﴿وكلاً تبرنا تبتيراً﴾ أي أهلكناهم إهلاكاً لتكذيبهم رسلنا وردهم دعوتنا. وقوله: ﴿ولقد٦ أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء﴾ أي ولقد مر أي كفار قريش على القرية التي أمطرت مطر السوء أي الحجارة وهي قرى قوم لوط سدوم وعمورة وغيرهما فأهلكهم لتكذيبهم رسولهم وإيتانهم الفاحشة وقوله تعالى ﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ في سفرهم إلى الشام وفلسطين. فيعتبروا بها فيؤمنوا وهو استفهام تقريري وإذ كانوا يمرون بها ولكنهم لم يعتبروا لعلة وهي أنهم لا يؤمنون بالبعث الآخر وهو معنى قوله تعالى ﴿بل كانوا لا يرجون نشوراً٧﴾ فالذي لا يرجو أن يبعث ويحاسب ويجزى لا يؤمن ولا يستقيم أبداً.

стр. 1939

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم بعد الإنذار والإعذار إليها. ٢- بيان عاقبة المكذبين وما حل بهم من دمار وعذاب. ٣- بيان علة تكذيب قريش للرسول ﷺ وما جاء به وهي تكذيبهم بالبعث والجزاء فلهذا لم تنفعهم المواعظ ولم تؤثر فيهم العبر. وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا (٤١) إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا (٤٤) شرح الكلمات: إن يتخذونك: أي ما يتخذونك. إلا هزواً: أي مهزوءاً به. أهذا الدي بعث الله رسولاً: أي في دعواه لا أنهم معترفون برسالته والاستفهام للتهكم والاحتقار. إن كاد ليضلنا عن آلهتنا: أي قارب أن يصرفنا عن آلهتنا. لولا أن صبرنا عليها: أي لصرفنا عتها. أرأيت من اتخذ إلهه هواه: أي أخبرني عمن جعل هواه معبوده فأطاع هواه. فهل تقدر على هدايته.

стр. 1940

إن هم إلا كالأنعام: أي ما هم إلا كالأنعام في عدم الوعي والإدراك. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا﴾ يخبر تعالي رسوله عن أولئك١ المشركين المكذبين بالبعث أنهم إذا رأوه في مجلس أو طريق ما يتخذونه إلا هزواً أي مهزوءاً به احتقاراً وازدراءً له فيقولون فيما بينهم، ﴿أهذا الذي بعث الله٢ رسولاً﴾ وهو استفهام احتقار وازدراء لأنهم لا يعتقدون أنه رسول الله ويقولون ﴿إن كاد ليضلنا عن آلهتنا﴾ أي يصرفنا عن عبادة آلهتنا لولا أن صبرنا وثبتنا على عبادتها. وهذا القول منهم ناتج عن ظلمة الكفر والتكذيب بالبعث وقوله تعالى ﴿وسوف يعلمون حين يرون العذاب﴾ في الدنيا أو في الآخرة أي عندما يعاينون العذاب يعرفون من كان أضل سبيلا هم أم الرسول والمؤمنون، وفي هذا تهديد ووعيد بقرب عذابهم وقد حل بهم في بدر فذلوا وأسروا وقتلوا وتبين لهم أنهم أضل سبيلاً من النبيّ وأصحابه. وقوله تعالى لرسوله وهو يسليه ويخفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته ﴿أرأيت٣ من اتخذ إلهه هواه﴾ أخبرني عمن جعل معبوده هواه فلا يعبد غيره فكلما اشتهى شيئاً فعله بلا عقل ولا روية ولا فكر فقد يكون لأحدهم حجر يعبده فإذا رأى حجراً أحسن منه عبده وترك الأول فهذا لم يعبد إلا هواه وشهوته فهل مثل هذا الإنسان الهابط إلى مستوى دون البهائم تقدر على هدايته يا رسولنا؟ ﴿أفأنت تكون عليه وكيلاً﴾ أي حفيظاً تتولى هدايته أم أنك لا تقدر فاتركه لنا يمضي فيه حكمنا. وقوله ﴿أم تحسب﴾ أيها الرسول أن أكثر هؤلاء المشركين يسمعون٤ ما يقال لهم ويعقلون ما يطلب منهم إن هم إلا٥ كالأنعام فقط بل هم أضل٦ سبيلاً من الأنعام إذ الأنعام

стр. 1941

تعرف طريق مرعاها وتستجيب لنداء راعيها وهم على خلاف ذلك فجهلوا ربهم الحق ولم يستجيبوا لنداء رسوله إليهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان ما كان الرسول ﷺ يلاقي في سبيل الدعوة من سخرية به واستهزاء. ٢- يتجاهل الإنسان الضال الحق وينكره حتى إذا عاين العذاب عرف ما كان ينكر، وآمن بما كان يكفر. ٣- هداية الإنسان ممكنة حتى إذا كفر بعقله وآمن بشهوته وعبد هواه تعذرت هدايته وأصبح أضل من الحيوان وأكثر خسراناً منه. أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) شرح الكلمات: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل: أي ألم تنظر إلى صنيع ربك في الظل كيف بسطه. ولو شاء الله لجعله ساكناً: أي ثابتاً على حاله في الطول والامتداد ولا يقصر ولا يطول ثم جعلنا الشمس عليه دليلا: أي علامة على وجوده إذ لولا الشمس لما عرف الظل.

стр. 1942

ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيرا: أي أزلناه بضوء الشمس على مهل جزءاً فجزءاً حتى ينتهي. ثم جعلنا الليل لباساً: أي يستركم بظلامه كما يستركم اللباس. والنوم سباتاً: أي راحة لأبدانكم من عناء عمل النهار. وجعل النهار نشوراً: أي حياة إذ النوم بالليل كالموت والانتشار بالنهار كالبعث. بشراً بين يدي رحمته: أي مبشرة بالمطر قبل نزوله, والمطر هو الرحمة. ماء طهوراً: أي تتطهرون به من الأحداث والأوساخ. لنحيي به بلدة ميتاً: أي بالزروع والنباتات المختلفة. أنعاماً وأناسي كثيراً: أي حيواناً وأناساً كثيرين. ولقد صرفناه بينهم: أي المطر فينزل بأرض قوم ولا ينزل بأخرى لحكم عالية. ليذكروا: أي يذكروا فضل الله عليهم فيشكروا فيؤمنوا ويوحدوا. فأبى أكثر الناس إلا كفوراً: أي فلم يذكروا وأبى أكثرهم إلا كفوراً جحوداً للنعمة. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿ألم تر إلى١ ربك كيف مد الظل﴾ ٢ هذا شروع في ذكر مجموعة من أدلة التوحيد وهي مظاهر لربوبية الله تعالى المقتضية لألوهيته فأولاً الظل وهو المشاهد من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وقد مده الخالق أي بسطه في الكون, ثم تطلع الشمس فتأخذ في زواله وانكماشه شيئاً فشيئاً, ولو شاء الله تعالى لجعله ساكناً لا يبارح ولا يغادر ولكنه حسب مصلحة عباده جعله يتقاصر ويقبض حتى تقف الشمس في كبد السماء فيستقر ثم لما تدحض الشمس مائلة إلى الغروب يفيء أي يرجع شيئاً فشيئاً فيطول تدريجياً لتعرف به ساعات النهار وأوقات الصلوات حتى يبلغ من الطول حداً كبيراً كما كان في أول النهار ثم يقبض قبضاً يسيراً خفياً سريعاً حين تغرب الشمس ويغشاه ظلام الليل. هذه آية من آيات قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته بعباده تجلت في الظل الذي

стр. 1943

قال تعالى فيه ﴿ألم تر﴾ أيها الرسول أي تنظر إلى صنيع ربك ﷻ ﴿كيف مد الظل، ولو شاء لجعله ساكنا﴾ ينتقل، ﴿ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً﴾ إذ بضوءها يعرف، فلولا الشمس لما عرف الظل وقوله تعالى ﴿ثم قبضناه إلينا قبضاه يسيراً﴾ حسب سنته ففي خفاء كامل وسرعة تامة يقبض الظل نهائياً ويحل محله الظلام الحالك. وثانياً: في الليل والنهار قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم الليل لباساً١﴾ أي ساتراً يستركم بظلامه كما تستركم الثياب ﴿والنوم٢ سباتاً﴾ أي وجعل النوم قطعاً للعمل فتحصل به راحة الأبدان ﴿وجعل النهار نشوراً٣﴾ أي حياة بعد وفاة النوم فيتنشر فيه الناس لطلب الرزق بالعمل بالأسباب والسنن التي وضع الله تعالى لذلك. وثالثا: إرسال الرياح للقاح السحب للمطار لإحياء الأرض بعد موتها بالقحط والجدب قال تعالى: ﴿وهو الذي أرسل الرياح٤﴾ هو لا غيره من الآلهة الباطلة ﴿أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته﴾ أي مبشرات بالمطر متقدمة عليه وهو الرحمة. وهي بين يديه فمن يفعل هذا غير الله؟ اللهم إنه لا أحد. ورابعاً: إنزال الماء الطهور العذب الفرات للتطهير به وشرب الحيوان والإنسان قال تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً٥ لنحي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً أي إبلاً وبقراً وغنماً ﴿وأناسي كثيراً﴾ أي أناساً كثيرين وهم الآدميون ففي خلق الماء وإنزاله وإيجاد حاجة في الحيوان والإنسان إليه ثم هدايتهم لتناوله وشربه كل هذا آيات الربوبية الموجبة لتوحيد الله تعالى. وخامساً: تصريف المطر بين الناس فيمطر في أرض ولا يمطر في أخرى حسب لحكمة الإلهية والتربية الربانية. قال تعالى: ﴿ولقد صرفناه بينهم٦﴾ أي بين الناس كما

стр. 1944

هو مشاهد إقليم يسقى وآخر يحرم، وقوله تعالى: ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفوراً١﴾ أي جحوداً لإنعام الله عليهم وربوبيته عليهم وألوهيته لهم. وهو أمر يقتضى التعجب والاستغراب. هذه مظاهر الربويية المقتضية للألوهية، ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفوراً﴾ والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عرض الأدلة الحسية على وجوب عبادة الله تعالى وتوحيده فيها ووجوب الإيمان بالبعث والجزاء الذي أنكره المشركون فضلوا ضلالاً بعيداً. ٢- بيان فائدة الظل إذ به تعرف ساعات النهار وبه يعرف وقت صلاة الظهر والعصر فوقت الظهر من بداية الفيء، أي زيادة الظل بعد توقفه من النقصان عند وقوف الشمس في كبد السماء، ووقت العصر من زيادة الظل مثله بمعنى إذا دخل الظهر والظل أربعة أقدام أو ثلاثة أو أقل أو أكثر فإذا زاد مثله دخل وقت العصر فإن زالت الشمس على أربعة أقدام فالعصر يدخل عندما يكون الظل ثمانية أقدام وإن زالت الشمس على ثلاثة أقدام فالعصر على ستة أقدام وهكذا. ٣- الماء الطهور وهو الباقي على أصل٢ خلقته فلم يخالطه شيء يغير طعمه أو لونه أو ريحه. وبه ترفع الأحداث وتغسل النجاسات، ويحرم منعه عمن احتاج إليه من شرب أو طهارة. وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ

стр. 1945

وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) شرح الكلمات: لبعثنا في كل قرية نذيراً: أي رسولاً ينذر أهلها عواقب الشرك والكفر. وجاهدهم به جهاداً كبيراً: أي بالقرآن جهاداً كبيراً تبلغ فيه أقصى غاية جهدك. مرج البحرين: أي خلط بينهما وفي نفس الوقت منع الماء الملح أن يفسد الماء العذب. وجعل بينهما برزخاً: أي حاجزاً بين الملح منهما والعذب. وحجراً محجوراً: أي وجعل بينهما سداً مانعاً فلا يحلو الملح، ولا يملح العذب. خلق من الماء بشراً: أي خلق من الماء الإنسان والمراد من الماء النطفة. فجعله نسباً وصهراً: أي ذكراً وأنثى أي نسباً ينسب إليه، وصهراً يصهر إليه أي يتزوج منه. ما لا يضرهم ولا ينفعهم: أي أصناماً لا تضر ولا تنفع. وكان الكافر على ربه ظهيرا: أي معيناً للشيطان على معصية الرحمن. معنى الآيات: ما زال السياق في تعداد مظاهر الربوبية المستلزمة للتوحيد قال تعالى ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً﴾ أي في كل مدينة نذيراً أي رسولاً يندر الناس عواقب الشرك والكفر,

стр. 1946

ولكنا لم نشأ لحكمة اقتضتها ربوبيننا وهي أن تكون أيها الرسول أفضل الرسل وأعظم منزلة وأكثرهم ثواباً فحبوناك بهذا الفضل فكنت رسول كل القرى أبيضها وأسودها فأصبر وتحمل، واذكر شرف منزلتك ﴿فلا تطع الكافرين﴾ في أي أمر أرادوه منك ﴿وجاهدهم﴾ به أي بالقرآن وكله حجج وبينات جهاداً كبيراً تبلغ فيه أقصى١ جهدك. بعد هذه الجملة الاعتراضية من الكلام الإلهي قال تعالى مواصلاً ذكر مظاهر ربوبيته تعالى على خلقه. ﴿وهو الذي مرج البحرين﴾ الملح والعذب أي أرسلهما مع بعضهما بعضاً ﴿هذا عذب فرات﴾ أي حلو ﴿سائغ شرابه، وهذا ملح٢ أجاج﴾ أي لا يشرب ﴿وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً﴾ أي ساتراً مانعاً من اختلاط العذب بالملح مع وجودهما في مكان واحد، فلا يبغي هذا على هذا بأن يعذب الملح أو يملح العذب. وقوله تعالى ﴿وهو الذي خلق من الماء بشراً﴾ أي من المني ونطفته خلق الإنسان وجعله ذكراً وأنثى وهو معنى قوله ﴿نسباً وصهراً٣﴾ أي ذوي نسب ينسب إليهم وهم الذكور، وذوات صهر يصاهر بهن وهن الإناث. وقوله تعالى ﴿وكان ربك قديراً﴾ أي على فعل ما يريده من الخلق والإيجاد أو التحويل والتبديل، والسلب والعطاء هذه مظاهر الربوبية المقتضية لعبادته وتوحيده والمشركون يعبدون من دونه أصناماً لا تنفعهم إن عبدوها، ولا تضرهم إن لم يعبدوها وذلك لجهلهم وظلمة نفوسهم فيعبدون الشيطان إذ هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وبذلك كان الكافر على ربه ظهيرا إذ بعبادته للشيطان يعينه على معصية الرب ﵎ وهو معنى قوله تعالى، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وكان الكافر على ربه ظهيرا أي معيناً للشيطان على الرحمن والعياذ بالله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً﴾ يقول تعالى لرسوله إنا لم نرسلك لغير بشارة المؤمنين بالجنة ونذارة الكافرين بالنار أما هداية القلوب فهي إلينا من شئنا هدايته

стр. 1947

اهتدى ومن لم نشأها ضل. إلا أن الله يهدي ويضل حسب سنن له قد مر ذكرها مرات١. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الإشارة إلى الحكمة في عدم تعدد الرسل في زمن البعثة المحمدية والاكتفاء بالرسول محمد ﷺ . ٢- حرمة طاعة الكافرين في أمور الدين والشرع. ٣- من الجهاد جهاد الكفار والملاحدة بالحجج القرآنية والآيات التنزيلية. ٤- مظاهر العلم والقدرة الإلهية في عدم اختلاط البحرين مع وجودهما في مكان واحد. وفي خلق الله تعالى الإنسان من ماء وجعله ذكراً وأنثى للتناسل وحفظ النوع. ٥- التنديد بالمشركين والكافرين المعينين للشيطان على الرحمن. قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)

стр. 1948

شرح الكلمات: عليه من أجر: أي على البلاغ من أجر اتقاضاه منكم. سبيلا: أي طريقاً يصل به إلى مرضاته والفوز بجواره، وذلك بإنفاق ماله في سبيل الله. وسبح بحمده: أي قل سبحان الله وبحمده. في ستة أيام: أي من أيام الدنيا التي قدرها وهي الأحد ... والجمعة. ثم استوى على العرش: العرش سرير الملك والاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب. فاسأل به خبيراً: أي أيها الإنسان إسأل خبيراً بعرش الرحمن ينبئك فإنه عظيم. وزادهم نفوراً: أي القول لهم اسجدوا للرحمن زادهم نفوراً من الإيمان. جعل في السماء بروجاً: هي إثنا عشر برجاً انظر تفصيلها في معنى الآيات. سراجاً: أي شمساً. خلفة: أي يخلف كل منهما الآخر كما هو مشاهد. أن يذكر: أي ما فاته في أحدهما فيفعله في الآخر. أو أراد شكوراً: أي شكراً لنعم ربه عليه فيهما بالصيام والصلاة. معنى الآيات: بعد هذا العرض العظيم لمظاهر الربوبية الموجبة للألوهية أمر الله تعالى رسوله أن يقول للمشركين ما أسألكم على هذا البيان الذي بينت لكم ما تعرفون به إلهكم الحق فتعبدونه وتكملون على عبادته وتسعدون أجراً أي مالاً، لكن من شاء أن ينفق من ماله في وجوه البر والخير يتقرب به إلى ربه فله ذلك ليتخذ١ بنفقته في سبيل الله طريقاً إلى رضا ربه عنه ورحمته له. وقوله ﴿وتوكل٢ على الحي الذي لا يموت﴾ يأمر تعالى رسوله أن يمضي في طريق

стр. 1949

دعوته مبلغاً عن ربه داعياً إليه متوكلاً عليه أي مفوضاً أمره إليه إذ هو الحي الذي لا يموت وغيره يموت، وأمره أن يستعين على دعوته وصبره عليها بالتسبيح فقال ﴿وسبح بحمده﴾ أي قل سبحان الله وبحمده، وسبحانك اللهم وبحمدك وهو أمر بالذكر والصلاة وسائر العبادات فإنها العون الكبير للعبد على الثبات والصّبر. وقوله تعالى ﴿وكفى به بذنوب عباده خبيراً﴾ أي فلا تكرب لهم ولا تحزن عليهم من أجل كفرهم وتكذيبهم وشركهم فإن ربك عالم بذنوبهم محص عليهم أعمالهم وسيجزيهم بها في عاجل أمرهم أو آجله. ثم أثنى ﵎ على نفسه بقوله ﴿الذي خلق السموات والأرض وما بينهما١ في ستة أيام﴾ مقدرة بأيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم استوى على العرش العظيم استواء يليق بجلاله وكماله. ﴿الرحمن﴾ الذي عمًت رحمته العالمين ﴿فاسأل به خبيراً﴾ أي فاسأل يا محمد٢ بالرحمن خبيراً بخلقه فإنه خالق كل شيء والعليم بكل شيء فهو وحده العليم بعظمة عرشه وسعة ملكه وجلال وكمال نفسه لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن﴾ أي وإذا قال لهم الرسول أيها المشركون اسجدوا للرحمن ولا تسجدوا لسواه من المخلوقات. قالوا منكرين متجاهلين ﴿ما الرحمن٣؟﴾ أنسجد لما تأمرنا أي أتريد أن تفرض علينا طاعتك ﴿وزادهم﴾ هذا القول ﴿نفوراً﴾ ، أي بعداً واستنكاراً للحق والعياذ بالله تعالى. وقوله تعالى ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجاً﴾ أي تقدس وتنزه أن يكون له شريك في خلقه أو في عبادته الذي بعظمته جعل في السماء بروجاً وهي منازل الكواكب السبعة السيارة فلذا سميت بروجاً جمع برج وهو القصر الكبير وتعرف هذه البروج الاثنا عشر بالحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. والكواكب السبعة السيارة هي: المريخ، والزهرة وعطارد، والقمر، والشمس، والمشتري، وزحل. فهذه الكواكب تنزل في البروج كالقصور لها.

стр. 1950

وقوله تعالى ﴿وجعل فيها سراجاً﴾ هو الشمس ﴿وقمراً منيراً﴾ ١ هو القمر أي تعاظم وتقدس الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً وقوله ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة٢﴾ أي يخلف بعضهما بعضاً فلا يجتمعان أبداً وفي ذلك من المصالح والفوائد مالا يقادر قدره ومن ذلك أن من نسي عملاً بالنهار يذكره في الليل فيعمله، ومن نسي عملاً بالليل يذكره بالنهار فيعمله٣, وهو معنى قوله ﴿لمن أراد أن يذكر﴾ وقوله ﴿أو أراد شكوراً﴾ فإن الليل والنهار ظرفان للعبادة الصيام بالنهار والقيام بالليل فمن أراد أن يشكر الله تعالى على نعصه فقد وهبنا له فرصة لذلك وهو الليل للتهجد والقيام والنهار للجهاد والصيام. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- دعوة الله ينبغي أن لا يأخذ الداعي عليها أجراً ممن يدعوهم٤ إلى الله تعالى ومن أراد أن يتطوع من نفسه فينفق في سبيل الله فذلك له. ٢- وجوب التوكل على الله فإنه الحي الذى لا يموت وغيره يموت. ٣- وجوب التسبيح والذكر والعبادة وهذه هي زاد العبد وعدته وعونه. ٤- مشروعية السجود عند قوله تعالى وزادهم نفوراً للقارىء والمستمع٥. ٥- صفة استواء الرحمن على عرشه فيجب الإيمان بها على ما يليق بجلال الله وكماله ويحرم تأويلها بالاستيلاء والقهر ونحوهما. ٦- الترغيب في الذكر والشكر، واغتنام الفرص للعبادة والطاعة.

стр. 1951

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٧٠) شرح الكلمات: يمشون على الأرض هوناً: في سكينة ووقار. وإذا خاطبهم الجاهلون: أي بما يكرهون من الأقوال. قالوا سلاماً: أي قولاً يسلمون به من الإثم، ويسمى هذا سلام١ المتاركة. سجداً وقياماً: أي يصلون بالليل سجداً جمع ساجد. إن عذابها كان غراماً: أي عذاب جهنم كان لازماً لا يفارق صاحبه.

стр. 1952

إنها ساءت مستقراً ومقاماً: أي بئست مستقراً وموضع إقامة واستقرار. لم يسرفوا ولم يقتروا: أي لم يبذروا ولم يضيقوا. وكان بين ذلك قواماً: أي بين الإسراف والتقتير وسطاً. التي حرم الله: وهي كل نفس آدمية إلا نفس الكافر المحارب. إلا بالحق: وهو واحد من ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل ظلم وعدوان. يلق أثاماً: أي عقوبة شديدة. يبدل الله سيئاتهم حسنات: بأن يمحو بالتربة سوابق معاصيهم، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم. معنى الآيات: لما أنكر المشركون الرحمن ﴿قالوا وما الرحمن﴾ وأبوا أن يسجدوا للرحمن، وقالوا أن محمداً ينهانا عن الشرك وهو يدعو مع الله الرحمن فيقول يا الله يا رحمن، ناسب لتجاهلهم هذا الاسم الرحمن أن يذكر لهم صفات عباد الرحمن ليعرفوا الرحمن بعباده على حد "خيركم من إذا رُؤي ذُكر الله" فقال تعالى ﴿وعباد الرحمن١﴾ ووصفهم بثمان صفات وأخبر عنهم بما أعده لهم من كرامة يوم القيامة. الأولى في قوله ﴿الذين يمشون على الأرض هوناً٢﴾ أي ليسوا جبابرة متكبرين، ولا عصاة مفسدين ولكن يمشون متواضعين عليهم السكينة والوقار، ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ أي السفهاء بما يكرهون من القول قالوا قولاً يسلمون٣ به من الإثم فلم يردوا السيئة بالسيئة ولكن بالحسنة. الثانية: في قوله ﴿والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً﴾ أي يقضون ليلهم بين السجود

стр. 1953

والقيام يصفون أقدامهم ويذرفون دموعهم على خدودهم خوفاً من عذاب ربهم. والثالثة: في قوله ﴿والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم﴾ إنهم لقوة يقينهم كأنهم شاعرون بلهب جهنم يدنو من وجوههم فقالوا ﴿ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما﴾ أي مُلحاً لازماً لا يفارق صاحبه، ﴿إنها ساءت﴾ أي جهنم ﴿مستقراً ومقام﴾ أي بئست موضع إقامة واستقرار. والرابعة: في قوله ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا﴾ في إنفاقهم فيتجاوزوا الحد المطلوب منهم، ولم يقتروا فيقصروا في الواجب عليهم وكان إنفاقهم بين الإسراف والتقتير قواماً أي عدلاً وسطاً. والخامسة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ أي لا يسألون غير ربهم قضاء حوائجهم كما لا يشركون بعبادة ربهم أحداً ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾ قتلها وهي كل نفس آدمية ما عدا نفس الكافر المحارب فإنها مباحة القتل غير محرمة. ﴿إلا بالحق﴾ وهو واحدة من ثلاث خصال بينها الرسول ﷺ في حديث الصحيحين "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" ﴿ولا يزنون﴾ أي لا يرتكبون فاحشة الزنا والزنا نكاح على غير شرط النكاح المباح وقوله تعالى ﴿ومن يفعل ذلك﴾ هذا كلام معترض بين صفات عباد الرحمن. أي ومن يفعل ذلك المذكور من، الشرك بدعاء غير الرب أو قتل النفس بغير حق، أو زنا ﴿يلق اثاماً﴾ ١ أي عقاباً ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه﴾ أي في العذاب ﴿مهاناً﴾ مخزياً ذليلاً، وقوله تعالى ﴿إلا من تاب﴾ من الشرك وآمن بالله وبلقائه وبرسوله وما جاء به من الدين الحق ﴿وعمل صالحاً﴾ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام ﴿فأولئك﴾ المذكورون أي التائبون ﴿يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ أي يمحو سيآتهم بتوبتهم ويكتب لهم مكانها صالحات أعمالهم وطاعاتهم بعد توبتهم ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ ذا مغفرة للتائبين من عباده ذا رحمة بهم فلا يعذبهم بعد توبته عليهم، وقوله ﴿ومن تاب﴾ من غير هؤلاء المذكورين أي رجع إلى الله تعالى بعد غشيانه الذنوب

стр. 1954

﴿وعمل صالحاً﴾ بعد توبته ﴿فإنه يتوب إلى الله متاباً﴾ أي يرجع إليه تعالى مرجعاً مرضياً حسناً فيكرمه وينعمه في دار كرامته. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان صفات عباد الرحمن الذين بهم يعرف الرحمن . ٢- فضيلة التواضع والسكينة في المشيء والوقار. ٣- فضيلة رد السيئة بالحسنة والقول السليم من الإثم. ٤- فضيلة قيام١ الليل والخوف من عذاب النار. ٥- فضيلة الاعتدال والقصد في٢ النفقة وهي حسنة بين السيئتين. ٦- حرمة الشرك وقتل النفس٣ والزنى وأنها أمهات الكبائر. ٧- التوبة تجب٤ ما قبلها. والندب إلى التوبة وأنها مقبولة مالم يغرغر. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا

стр. 1955

هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧) شرح الكلمات: لا يشهدون الزور: أي لا يحضرون مجالسه ولا يشهدون بالكذب والباطل. وإذا مروا باللغو: أي بالكلام السيء القبيح وكل مالا خير فيه. مروا كراماً: أي معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن سماعه أو المشاركة، فيه. وإذا ذكروا بآيات ربهم: أي إذا وعظوا بآيات القرآن. لم يخروا عليها صماً وعمياناً: أي لم يطأطئوا رؤوسهم حال سماعها عمياً لا يبصرون ولا صماً لا يسمعون بل يصغون يسمعون ويعون ما تدعو إليه ويبصرون ما تعرضه. قرة أعين: أي ما تقر به أعيننا وهو أن تراهم١ مطيعين لك يعبدونك وحدك. واجعلنا للمتقين إماماً: أي من عبادك الذين يتقون سخطك بطاعتك قدوة يقتدون بنا في الخير. يجزون الغرفة: أي الدرجة العليا في الجنة. بما صبروا: أي على طاعتك بامتثال الأمر واجتناب النهي. حسنت مستقرا ًومقاماً: أي صلحت وطابت مستقراً لهم أي موضع استقرار.

стр. 1956

وإقامة. ما يعبأ بكم ربي: أي ما يكثرث ولا يعتد بكم ولا يبالي. لولا دعاؤكم: إياه، ودعاؤه إياكم لعبادته بذكره وشكره. فسوف يكون لزاماً: أي العذاب لازماً أي لازماً لكم في بدر ويوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر صفات عباد الرحمن الذي تجاهله المشركون وقالوا: وما الرحمن فها هي ذي صفات عباده دالة عليه وعلى جلاله وكماله، وقد مضى ذكر خمس صفات: والسادسة: في قوله تعالى ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ ١ الزور هو الباطل والكذب وعباد الرحمن لا يحضرون مجالسه ولا يقولونه ولا يشهدونه ولا ينطقون به ﴿وإذا مروا باللغو﴾ ٢ وهو كل عمل وقول لا خير فيه ﴿مروا٣ كراماً﴾ أي مكرمين أنفسهم من التلوث به، بالوقوع فيه. والسابعة: في قوله تعال ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم﴾ أي إذا ذكرهم أحد بآيات القرآن كتاب ربهم لم يحنوا رؤوسهم عليها صماً حتى لا يسمعوا مواعظها ولا عمياناً حتى لا يشاهدوا آثار آياتها بل يحنون رؤوسهم سامعين لها واعين لما تقوله وتدعو إليه مبصرين آثارها مشاهدين وقائعها متأثرين بها. والثامنة: في قوله تعالى ﴿والذين يقولون﴾ أي في دعائهم ﴿ربنا هب لنا﴾ أي أعطنا ﴿من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين٤﴾ أي ما تقر به أعيننا وذلك بأن نراهم يتعلمون الهدى ويعملون به طلباً لمرضاتك يا ربنا ﴿واجعلنا للمتقين﴾ من عبادك الذين يتقون سخطك

стр. 1957

بطاعتك بفعل أمرك وأمر رسولك واجتناب نهيك ونهي رسولك ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾ ١ أي قدوة صالحة يقتدون بنا في الخير يا ربنا. قال تعالى مخبراً عنهم بما أنعم به عليهم: ﴿أولئك﴾ أي السامون أنفساً العالون أرواحاً ﴿يجزون الغرفة﴾ وهي الدرجة العليا في الجنة ﴿بما صبروا﴾ على طاعة مولاهم، وما يلحقهم من أذى في ذات ربهم ﴿ويلقون فيها﴾ أي تتلقاهم الملائكة بالتهاني والتحيات ﴿تحية وسلاماً﴾ أي بالدعاء بالحياة السعيدة والسلامة من الآفات إذ هي حياة بلا ممات، وسعادة بلا منغصات. وقوله تعالى ﴿خالدين فيها﴾ أي في تلك الغرفة في أعلى الجنة ﴿حسنت مستقراً﴾ أي طابت موضع إقامة واستقرار. إلى هنا انتهى الحديث عن صفات عباد الرحمن وبيان جزائهم عند ربهم. وقوله تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ أي قل يا رسولنا لأولئك المشركين المنكرين للرحمن ﴿ما يعبأ بكم ربي﴾ أي ما يكترث لكم أو يبالي بكم ﴿لولا دعاؤكم﴾ إياه أي عبادة من٢ يعبده منكم إذ الدعاء هو العبادة ما أبالي بكم ولا أكترث لكم. أما وقد كذبتم بي وبرسولي فلم تعبدوني ولم توحدوني وإذاً ﴿فسوف يكون﴾ العذاب٣ ﴿لزاماً﴾ وقد أذقتموه يوم بدر، وسوف يلازمهم في قبورهم إلى نشورهم، وسوف يلاحقهم حتى مستقرهم في جهنم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة شهود الزور٤ حرمة شهادته. ٢- فضيلة الإعراض عن اللغو فعلاً كان أو قولاً.

стр. 1958

٣- فضيلة تدبر القرآن وحسن الاستماع لتلاوته والاتعاظ بمواعظه والعمل بهدايته. ٤- فضيلة علو الهمة وسمو الروح وطلب الكمال والقدوة في الخير. ٥- لا قيمة للإنسان وهو أشرف الحيوانات لولا عبادته الله فإذا لم يعبده كان شر الخليقة١.

стр. 1959

سورة الشعراء مكية وآياتها مائتان وسبع وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) شرح الكلمات: طسم: الله أعلم بمراده بذلك. الكتاب المبين: أي القرآن المبين للحق من الباطل باخع نفسك: أي قاتلها من الغم. ألا يكونوا مؤمنين: أي من أجل عدم إيمانهم بك. آية: أي نخوفهم بها. من ذكر: أي من قرآن. معرضين: أي غير ملتفتتين إليه. زوج كريم: أي صنف حسن. العزيز: الغالب على أمره ومراده. الرحيم: بالمؤمنين من عباده.

стр. 1960

معنى الآيات: طسم هذه أحد الحروف المقطعة تكتب طسم، وتقرأ طا سين ميم بإدغام النون من سين في الميم الأولى من ميم والله أعلم بمراده منها. وفيها إشارة إلى أن القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف وعجز العرب عن تأليف مثله بل سورة واحدة من مثله دال قطعاً على أنه كلام الله ووحيه إلى رسوله ﷺ وقوله ﴿تلك آيات الكتاب١﴾ أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات الكتاب أي القرآن المبين للحق أي المبين للحق من الباطل والهدى من الضلال، والشرائع والأحكام. وقوله تعالى ﴿لعلك باخع نفسك﴾ أي قاتلها ومهلكها ﴿ألا يكونوا مؤمنين﴾ أي إن لم يؤمن بك وبما جئت به قومك، فأشفق على نفسك يا رسولنا ولا تعرضها للغم القاتل فإنه ليس عليك هدايتهم وإنما عليك البلاغ وقد بلغت، إنا لو أردنا هدايتهم بالقسر والقهر لما عجزنا عن ذلك ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم٢ لها خاضعين﴾ أي إنا لقادرون على أن ننزل عليهم من السماء آية كرفع جبل أو إنزال كوكب أو رؤية ملك فظلت أي فتظل طوال النهار أعناقهم خاضعة، تحتها تتوقع في كل لحظة نزولها عليهم فتهلكهما فيؤمنوا حينئذ إيمان قسر وإكراه ومثله لا ينفع صاحبه فلا يزكي نفسه ولا يطهر روحه لأنه غير إرادي له ولا اختياري. وقوله تعالى ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن٣ محدث﴾ أي وما يأتي قومك المكذبين لك من موعظة قرآنية وحجج وبراهين تنزيلية تدل على صدقك وصحة دعوتك ممّا يحدثه الله إليك ويوحي به إليك لتذكرهم به إلا أعرضوا فلا يستمعون إليه ولا يفكرون فيه. وقوله تعالى: ﴿فقد كذبوا به﴾ ٤ يخبر تعالى رسوله بأن قومه قد كذبوا بما أتاهم من ربهم من ذكر محدث وعليه ﴿فسيأتيهم أنباء﴾ أي أخبار ﴿ما كانوا به يستهزئون﴾ وهو عذاب الله تعالى الذي كذبوا برسوله ووحيه وجحدوا توحيده وأنكروا طاعته وفي الآية وعيد شديد وهم عرضة له في أية لحظة إن لم يتوبوا.

стр. 1961

وقوله تعالى ﴿أولم١ يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ إن كانت علة هذا التكذيب من هؤلاء المشركين هي إنكارهم للبعث والجزاء وهو كذلك فلم لا ينظرون إلى الأرض الميتة بالقحط ينزل الله تعالى عليها ماء من السماء فتحيا به بعد موتها فينبت الله فيها من كل زوج أي صنف من أصناف النباتات كريم أي حسن. أليس في ذلك آية على قدرة الله تعالى على إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم وحشرهم للحساب والجزاء، فلم لا ينظرون؟ ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي علامة واضحة للمشركين على صحة البعث والجزاء. ففي إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم. وقوله تعالى ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين٢﴾ يخبر تعالى أن فيما ذكر من إنباته أصناف النباتات الحسنة آية على البعث والحياة الثانية ولكن قضى الله أزلاً أن أكثر هؤلاء المشركين لا يؤمنون وقوله ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم٣﴾ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿وإن ربك لهو العزيز﴾ أي الغالب على أمره المنتقم من أعدائه ﴿الرحيم﴾ بأوليائه فاصبر لحكمه وتوكل عليه وواصل دعوتك في غير غم ولا هم ولا حزن وإن العاقبة للمؤمنين بك المتبعين لك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أن القرآن الكريم معجز لأنه مؤلف من مثل طا سين ميم ولم يستطع أحد أن يؤلف مثله. ٢- بيان ما كان الرسول ﷺ يناله من الغم والحزن وتكذيب قومه له. ٣- بيان أن إيمان المكره لا ينفعه، ولذا لم يكره الله تعالى الكفار على الإيمان بواسطة الآيات. ٤- التحذير من عاقبة التكذيب بآيات الله وعدم الاكتراث بها. ٥- في إحياء الأرض بالماء وإنبات النباتات المختلفة فيها دليل على البعث الآخر.

стр. 1962

وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) شرح الكلمات: وإذ نادى ربك: أي اذكر لقومك يا رسولنا إذ نادى ربك موسى. أن ائت: أي بأن ائت القوم الظالمين. ألا يتقون: ألا يخافون الله ربهم ورب آبائهم الأولين ما لهم ما دهاهم؟ ويضيق صدري: أي من تكذيبهم لي. ولا ينطلق لساني: أي للعقدة التي به. فأرسل إلى هرون: أي إلى أخي هرون ليكون معي في إبلاع رسالتي. ولهم عليّ ذنب: أي ذنب القبطي الذي قتله موسى قبل خروجه إلى مدين. قال كلا: أي قال الله تعالى له كلا أي لا يقتلونك. فاذهبا: أنت وهرون. إنا رسول رب العالمين: أي إليك. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ هذا بداية سلسة من القصص بدئت بقصه موسى وختمت بقصة شعيب وقصها على المشركين ليشاهدوا أحداثها ويعرفوا نتائجها

стр. 1963

وهي دمار المكذبين وهلاكهم مهما كانت قوتهم وطالت أعمارهم قال تعالى في خطاب رسوله محمد ﷺ ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ أي اذكر إذ نادي ربك موسى في ليلة باردة شاتية بالواد الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة ﴿أن ائت١ القوم الظالمين قوم٢ فرعون﴾ إذ ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك وظلموا بني إسرائيل باضطهادهم وتعذيبهم ﴿ألا يتقون﴾ أي قل لهم ألا تتقون أي يأمرهم بتقوى ربهم بالإيمان به وتوحيده وترك ظلم عباده فالاستفهام معناه الأمر. وقوله تعالى ﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون﴾ أي قال موسى بعد تكليفه رب إني أخاف أن يكذبون٣ فيما أخبرهم به وأدعوهم إليه، ﴿ويضيق صدري٤﴾ لذلك ﴿ولا ينطلق لساني﴾ للعقدة التي به، وعليه ﴿فأرسل إلى هرون﴾ أي جبريل يبلغه أن يكون معي معيناً لي على إبلاع رسالتي، وقوله ﴿ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون﴾ هذا قول موسى ﵇ لربه تعالى شكا إليه خوفه من قتلهم له بالنفس٥ التي قتلها أيام كان بمصر قبل خروجه إلى مدين فأجابه الرب تعالى ﴿كلا٦﴾ أي لن يقتلوك. وأمرهما بالسير إلى فرعون فقال ﴿فاذهبا بآياتنا﴾ وهي العصا واليد ﴿إنا معكم مستمعون﴾ أي فبلغاه ما أمرتكما ببلاغه وإنا معكم مستمعون لما تقولان ولما يقال لكما ﴿فأتيا فرعون فقولا له﴾ عند وصولكما إليه ﴿إنا رسول٧ رب العالمين﴾ أي نحمل رسالة منه مفادها أن ترسل معنا٨ بني إسرائيل لنخرج بهم إلى أرض الشام التي وعد الله بها بني إسرائيل هذا ما قاله موسى وهرون رسولا رب العالمين أما جواب فرعون ففي الآيات التالية.

стр. 1964

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إثبات صفة الكلام لله تعالى بندائه موسى ﵇. ٢- لا بأس بإبداء التخوف عند الأقدام على الأمر الصعب ولا يقدح في الإيمان ولا في التوكل. ٣- مشروعية طلب العون والمساعدة من المسئولين إذا كلفوا المرء بما يصعب. قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) شرح الكلمات: قال: أي قال فرعون رداً على كلام موسى في السياق السابق. ألم نريك فينا وليداً: أي في منازلنا وليدً أي صغيراً قريباً من أيام الولادة. ولبثت فينا من عمرك سنين: أي أقمت بيننا قرابة ثلاثين سنة وكان موسى يدعى ابن فرعون لجهل الناس به ورؤيتهم له في قصره يلبس ملابسه ويركب مراكبه. وفعلت فعلتك التي فعلت: أي قتلت الرجل القبطي. وأنت من الكافرين: أي الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد. وأنا من الضالين: إذ لم يكن عندي يومئذ من علم ربي ورسالته ما عندي الآن. أن عبدت بني إسرائيل: أي هل تعبيدك لبني إسرائيل يعد نعمة فتمن بها علي؟

стр. 1965

معنى الآيات: ما زال السياق والحوار الدائر بين موسى ﵇ وفرعون عليه لعائن الرحمن فرد فرعون على موسى بما أخبر تعالى به عنه في قوله ﴿قال ألم نربك١ فينا وليداً﴾ أي أتذكر معترفاً أنا ربيناك وليداً أي صغيراً وأنت في حال الرضاع ﴿ولبثت فينا﴾ أي في قصرنا مع الأسرة المالكة ﴿سنين﴾ ثلاثين سنة قضيتها من عمرك في ديارنا ﴿وفعلت فعلتك (٢) ﴾ أي الشنعاء ﴿التي فعلت﴾ وهي قتل موسى القبطي ﴿وأنت من الكافرين﴾ أي لنعمنا عليك الجاحد بها، كان هذا رد فرعون فلنستمع إلى رد موسى ﵇ كما أخبر به الله تعالى عنه في قوله: ﴿قال فعلتها إذاً﴾ أي يومئذٍ ﴿وأنا من الضالين﴾ أي الجاهلين لأنه لم يكن قد علمني ربي ما علّمني الآن وما أوحى إليّ ولا أرسلني إليكم٢ رسولاً ﴿ففرت٣ منكم لما خفتكم﴾ من أجل قتلي النفس التي قتلت وأنا من الجاهلين ﴿فوهب لي ربي حكماً﴾ أي علماً نافعاً يحكمني دون فعل ما لا ينبغي فعله ﴿وجعلني من المرسلين٤﴾ أي من أنبيائه ورسله إلى خلقه ثم قال له رداً على ما امتن به فرعون بقوله: ﴿ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ فقال ﴿وتلك٥ نعمة٦﴾ أي أو تلك نعمة تمنها علي وهي ﴿أن عبدت بني إسرائيل﴾ أي استعبدتهم أي اتخذتهم عبيداً لك يخدمونك تستعملهم كما تشاء كالعبيد لك ولم تستعبدني أنا لاتخاذك إياي ولداً حسب زعمك فأين النعمة التي تمنها علي يا فرعون، نترك رد فرعون إلى الآيات التالية.
следующие страницы →