ونطيعك ﴿فأت بآية﴾ ١ علامة قوية ودلالة صادقة تدل على أنك رسول الله حقاً وأنت من الرسل الصادقين، فأجابهم صالح بما أخبر تعالى به عنه في قوله: ﴿قال هذه ناقة﴾ أي عظيمة الخلقة سأل ربه آية فأعطاه هذه الناقة فما زال قائماً يصلي ويدعو وهم يشاهدون حتى أنفلق الجبل وخرجت منه هذه الناقة الآية العظيمة فقال ﴿هذه ناقة لها شرب٢﴾ أي حظ ونصيب من ماء البلد تشربه وحدها لا يرد معها أحد ولكم أنتم شرب يوم معلوم لكم تردونه وحدكم. ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ وحذرهم أن يمسوها بسوء لا بضرب ولا بقتل ولا بمنع من شرب، فإنه يأخذكم عذاب يوم عظيم قال تعالى ﴿فعقروها﴾ أي فكذبوه وعصوه وعقروها بأن ضربوها في يديها ورجلها فبركت وقتلوها. فلما عقروها قال لهم صالح ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ فأصبحوا بذلك نادمين٣ ففي صبيحة اليوم الثالث أخذتهم الصيحة مع شروق الشمس فاهلكوا أجمعين ونجى الله تعالى صالحاً ومن معه من المؤمنين ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي علامة كبرى على قدرة الله تعالى وعلمه وأنه واجب الألوهية ﴿وما كان أكثرهم٤ مؤمنين﴾ ٥ مع وضوح الأدلة لأنه لم يسبق لهم إيمان في قضاء الله وقدره ﴿وإن ربك﴾ أيها الرسول لهو وحده العزيز الغالب الذي لا يغالب الرحيم بأوليائه وصالحي عباده.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير أن السحر من عمل الناس وأنه معلوم لهم معمول به منذ القدم.
٢- سنة الناس في المطالبة بالآيات عند دعوتهم إلى الدين الحق.
٣- وجود الآيات لا يستلزم بالضرورة إيمان المطالبين بل أكثرهم لا يؤمنون.
٤- الندم من التوبة ولكن لا ينفع ندم ولا توبة عند معاينة العذاب أو أماراته.
стр. 1997
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)
شرح الكلمات
قوم لوط: هم سكان مدن سدوم وعمورية وقرى أخرى ولوط هو نبي الله لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم.
أخوهم لوط: هذه أخوة بلد١ وسكنى لا أخوة نسب ولا دين.
إني لكم رسول أمين: أي إني مرسل إليكم لا إلى غيركم أمين في إبلاغكم رسالتي فلا أنقص ولا أزيد.
فاتقوا الله: بالإيمان به وعبادته وحده وترك معاصيه.
وما أسألكم عليه: أي على البلاغ من أجرة مقابل إرشادكم وتعليمكم.
أتأتون الذكران من العالمين: أي أتأتون الفاحشة من الرجال وتتركون النساء.
بل أنتم قوم عادون: أي معتدون ظالمون متجاوزون الحد في الإسراف في الشر.
معنى الآيات:
هذه بداية قصص لوط مع قومه أصحاب المؤتفكات قال تعالى ﴿كذبت قوم لوط المرسلين﴾ أي كذبوا لوطاً الرسول وتكذيبه يعتبر تكذيباً لكافة الرسل لأن دعوة الله واحدة كذبوه لما دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك الفواحش والظلم والشر والفساد إذ قال لهم أخوهم لوط هذه أخوة الوطن لا غير إذ لوط بابلي الموطن ودينه الإسلام وأبوه هاران
стр. 1998
أخو إبراهيم ﵇، وإنما لما أرسل لوط إلى أهل هذه البلاد وسكن معهم قيل لهم أخوهم بحكم المعاشرة والمواطنة الحاصلة ﴿ألا تتقون١﴾ يأمرهم بتقوى الله ويحضهم عليها لأنهم قائمون على عظائم الذنوب فخاف عليهم الهلاك فدعاهم إلى أسباب النجاة وهي تقوى الله تعالى بطاعته وترك معاصيه. وقال لهم ﴿إني لكم رسول أمين٢﴾ فلا تشكوا في رسالتي وأطيعون، وإني غير سائلكم أجراً على تبليغ رسالتي إليكم إن أجري آخذه من رب العالمين الذي حملني هذه الرسالة وأمرني بإبلاغكم إياها وهنا أنكر عليهم أعظم منكر فقال موبخاً مقرعاً ﴿أتأتون٣ الذكران من العالمين﴾ فترتكبون الفاحشة معهم ﴿وتذرون﴾ أي تتركون ما خلق الله لكم من أزواجكم ﴿بل أنتم قوم عادون٤﴾ أي متجاوزون الحدود٥ التي رسمها الشرع والعقل والآدمية.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- جواز إطلاق أخوة الوطن دون الدين والنسب.
٢- الأمانة من مستلزمات الرسالة، إذ كل رسول يقول ﴿إني لكم رسول أمين﴾ .
٣- سبيل نجاة الفرد والجماعة في تقوى الله تعالى وطاعة الرسول ﷺ .
٤- وجوب إنكار المنكر وتقبيحه على فاعله لعله يرعوي.
٥- أكبر فاحشة وقعت في الأرض هي فاحشة اللواط. والعياذ بالله تعالى.
قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)
стр. 1999
إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)
شرح الكلمات:
لئن لم تنته: أي عن إنكارك علينا ما نأتيه من الفاحشة.
من المخرجين: أي من بلادنا وطردك من ديارنا.
لعملكم من القالين: أي المبغضين له البغض الشديد.
رب نجني وأهلي مما يعملون: أي من عقوبة وعذاب ما يعملونه من الفواحش.
فنجيناه وأهله: أي نجينا لوطاً الذي دعانا وأهله وهم امرأته المؤمنة وابنتاه.
إلا عجوزاً في الغابرين: أي فإنا لم ننجها إذ حكمنا بإهلاكها مع الظالمين فتركناها معهم حتى هلكت بينهم لأنها كانت كافرة وراضية بعمل القوم.
وأمطرنا عليهم مطراً: أي أنزل عليهم حجارة من السماء فأمطروا بها بعد قلب البلاد عاليها سافلها.
فساء مطر المنذرين: أي فقبح مطر المنذرين ولم يمتثلوا فما كفوا عن الشر والفساد.
معنى الآيات:
ما زال السياق فيما دار بين نبي الله لوط وقومه المجرمين فإنه لما ذكرهم ووعظهم وأمرهم ونهاهم وسمعوا ذلك كله منه أجابوا بما أخبر تعالى به عنهم ﴿قالوا لئن١ لم تنته يا لوط﴾ أي عن إنكارك علينا ما نأتيه من الفاحشة ﴿لتكونن من المخرجين﴾ أي نخرجك من بلادنا ونطردك من بيننا ولا تبقى ساعة واحدة عندنا إنتبه يا رجل،. فأجابهم لوط
стр. 2000
الرسول ﵇ بقوله ﴿إني لعملكم من القالين١﴾ أي إني لعملكم الفاحشة من المبغضين أشد البغض، ثم التفت إلى ربه داعياً ضارعاً فقال ﴿رب نجني وأهلي مما يعملون﴾ وهذا بعد أن أقام يدعوهم ويتحمل سنين عديدة فلم يجد بداً من الفزع إلى ربه ليخلصه منهم فقال ﴿ربي نجني ,وأهلي﴾ من عقوبة وعذاب ما يعملونه من إتيان الفاحشة من العالمين قال تعالى ﴿فنجيناه وأهله﴾ وهم امرأته المسلمة وابنتاه المسلمتان طبعاً إلا عجوزاً وهي امرأته الكافرة المتواطئة مع الظلمة الراضية بالفعلة الشنعاء كانت في جملة الغابرين٢ أي المتروكين بعد خروج لوط من البلاد لتهلك مع الهالكين قال تعالى ﴿ثم دمرنا الآخرين﴾ أي بعد أن أنجينا لوطاً وأهله أجمعين باستثناء العجوز الكافرة دمرنا أي أهلكنا الآخرين ﴿وأمطر عليهم مطراً فساء مطر المنذرين﴾ إنه بعد قلب البلاد سافلها على عاليها أمطر عليهم مطر حجارة من السماء لتصيب من كان خارج المدن المأفوكة المقلوبة.
قوله تعالى ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي في هذا الذي ذكرنا من إهلاك المكذبين والمسرفين الظالمين آية وعلامة كبرى لمن يسمع ويرى ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين٣﴾ لما سبق في علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون فسبحان الله العظيم. وقوله ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ وإن ربك يا رسولنا هو لا غيره العزيز الغالب القاهر لكل الظلمة والمسرفين الرحيم بأوليائه وعباده المؤمنين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- التهديد بالنفي سنة بشرية قديمة.
стр. 2001
٢- وجوب بغض الشر والفساد في أي صورة من صورهما.
٣- استجابة دعوة المظلوم لاسيما إن كان من الصالحين.
٤- توقع العذاب إذا انتشر الشر وعظم الظلم والفساد.
٥- الآيات مهما كانت عظيمة لا تستلزم الإيمان والطاعة.
٦- من لم يسبق له الإيمان لا يؤمن ولو جلب عليه كل آية.
٧- مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته.
كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ (١٨٤)
شرح الكلمات:
أصحاب الأيكة: أي الغيضة وهي الشجر الملتف.
إذ قال لهم شعيب: النبي المرسل شعيب ﵇.
أوفوا الكيل: أي أتموه.
ولا تكونوا من المخسرين: الذين ينقصون الكيل والوزن.
بالقسطاس المستقيم: أي الميزان السوي المعتدل.
ولا تبخسوا الناس أشياءهم: أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئاً.
ولا تعثوا في الأرض مفسدين: أي بالقتل والسلب والنهب.
والجبلة الأولين: أي والخليقة أي الناس من قبلكم.
стр. 2002
معنى الآيات:
هذه بداية قصص شعيب ﵇ مع أصحاب الأيكة والأيكة الشجر الملتف كشجر الدوم وهذه الغيضة قريبة من مدينة مدين وشعيب أرسل لهما معاً وفي سورة هود ﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً﴾ لأنه منهم ومن مدينتهم فقيل له أخوهم، وأما أصحاب الأيكة جماعة من بادية مدين كانت لهم أيكة من الشجر يعبدونها تحت أي عنوان كعبدة الأشجار والأحجار في كل زمان ومكان، فبعث الله تعالى إليهم شعيباً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه فكذبوه وهو قوله تعالى ﴿كذب أصحاب١ الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب٢ ألا تتقون٣﴾ أي اتقوا الله وخافوا عقابه ﴿إني لكم رسول أمين﴾ فاتقوا الله بعبادته وترك عبادة ما سواه وأطيعون أهدكم إلى ما فيه كمالكم وسعادتكم ﴿وما أسألكم عليه﴾ أي على بلاغ رسالة ربي إليكم أجراً أي جزاء وأجرة ﴿إن أجري﴾ أي ما أجري إلا على رب العالمين. وأمرهم بترك أشهر معصية كانت شائعة بينهم وهي تطفيف الكيل والوزن فقال لهم ﴿أوفوا الكيل﴾ أي أتموها ولا تنقصوها ﴿ولا تكونوا من المخسرين﴾ أي الذين ينقصون الكيل والوزن ﴿وزنوا﴾ أي إذا وزنتم ﴿بالقسطاس المستقيم﴾ أي بالميزان العادل، ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم٤﴾ أي لا تنقصوهم من حقوقهم شيئاً فما يساوي ديناراً لا تعطوا فيه نصف دينار وما يساوي عشرة لا تأخذوه بخمسة مثلاً ومن أجرته اليومية عشرون لا تعطوه عشرة مثلاً، ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أي ولا تفسدوا في البلاد بأي نوع من الفساد كالقتل والسلب ومنع الحقوق وارتكاب المعاصي والذنوب ﴿واتقوا الذي خلقكم﴾ أي الله فخافوا عقابه ﴿والجبلة٥ الأولين﴾ أي وخلق الخليقة من قبلكم
стр. 2003
اتقوه بترك الشرك والمعاصي تنجوا من عذابه، وتظفروا برضاه وإنعامه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الأمر بالتقوى فريضة كل داع إلى الله تعالى وسنة الدعاة والهداة إذ طاعة الله واجبة.
٢- لا يصح لداع إلى الله أن يطلب أجره ممن يدعوهم فإن ذلك ينفرهم.
٣- وجوب توفية الكيل والوزن وحرمة التطفيف فيهما.
٤- حرمة بخس الناس حقوقهم ونقصها بأي حال من الأحوال.
٥- حرمة الفساد في الأرض بارتكاب المعاصي وغشيان الذنوب.
قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنتَ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)
شرح الكلمات:
إنما أنت من المسحرين: أي ممن يأكلون الطعام ويشربون فلست بملك تطاع.
وإن نظنك لمن الكاذبين: أي وما نحسبك إلا واحداً من الكاذبين.
فأسقط علينا كسفاً: أي قطعاً من السماء تهلكنا بها إن كنت من الصادقين فيما تقول.
عذاب يوم الظلة: أي السحابة التي أظلتهم ثم التهبت عليهم ناراً.
إن في ذلك لآية: أي لعبرة وعلامة عبرة لمن يعتبر وعلامة دالة على صدق الرسول ﷺ .
стр. 2004
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في قصص شعيب ﵇ مع أصحاب الأيكة وأهل مدين إنه لما ذكرهم ووعظهم وأمرهم كان جوابهم ما أخبر به تعالى عنهم في قوله ﴿قالوا إنما أنت﴾ أي يا شعيب ﴿من المسحرين﴾ الذي غلب السحر على عقولهم فلا يدرون ما يفعلون وما لا يقولون١ كما أنك بشر مثلنا تأكل الطعام وتشرب الشراب فما أنت بملك من الملائكة حتى نطيعك، ﴿وإن نظنك﴾ ٢ أي وما نظنك إلا من الكاذبين من الناس ﴿فأسقط علينا كسفاً﴾ ٣ أي قطعاً من السماء تهلكنا بها ﴿إن كنت من الصادقين﴾ في دعوى أنك رسول من الله إلينا. فأجابهم قائلاً بما ذكر تعالى ﴿قال ربي أعلم بما تعملون﴾ ولازم ذلك أنه سيجازيكم بعملكم قال تعالى ﴿فكذبوه﴾ في كل ما جاءهم به واستوجبوا لذلك العذاب ﴿فأخذهم عذاب يوم٤ الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم﴾ فقد أنزل الله تعالى عليهم حراً شديداً التهب منه الجو أو كاد فلجأوا إلى المنازل والكهوف والسراديب تحت الأرض فلم تغن عنهم شيئاً، ثم ارتفعت في سماء بلادهم سحابة فذهب إليها بعضهم فوجدها روحاً وبرداً وطيباً فنادى الناس أن هلموا فجاءوا فلما اجتمعوا تحتها كلهم انقلبت نارا فأحرقتهم ورجفت بهم الأرض من تحتهم فهلكوا عن آخرهم.
قال تعالى ﴿إن في ذلك لأية﴾ ٥ أي علامة لقومك يا محمد على قدرتنا وعلمنا ووجوب عبادتنا وتصديق رسولنا ولكن أكثرهم لا يؤمنون لما سبق في علمنا أنهم لا يؤمنون، وإن ربك يا محمد لهو العزيز أي الغالب على أمره الرحيم بمن تاب من عباده.
стр. 2005
هداية الآيات
من هداية الآيات
١- هذا آخر سبع قصص ذكرت بإيجاز تسلية للنبي ﷺ وتهديداً للمشركين المكذبين.
٢- دعوة الرسل واحدة وأسلوبهم يكاد يكون واحداً: الأمر بتقوى الله وطاعة رسوله.
٣- سنة تعلل الناس بأن الرسول لا ينبغي أن يكون بشراً فلذا هم لا يؤمنون.
٤- المطالبة بالآيات تكاد تكون سنة مطردة، وقل من يؤمن عليها.
٥- تقرير التوحيد والنبوة والبعث وهي ثمرة كل قصة تقص في هذا القرآن العظيم.
وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ (٢٠١)
شرح الكلمات:
وإن لتنزيل رب العالمين: أي القرآن الكريم تنزيل رب العالمين.
الروح الأمين: جبريل ﵇ أمين على وحي الله تعالى.
وإنه لفي زبر الأولين: أي كتب الأولين، واحد الزبر: زبرة وكصفحة وصحف.
أولم يكن لهم آية: أي علامة ودليلاً علم بني إسرائيل به.
على بعض الأعجمين: الأعجمي من لا يقدر على التكلم بالعربية.
كذلك سلكناه: أي التكذيب في قلوب المجرمين من كفار مكة.
стр. 2006
معنى الآيات:
لقد أنكر كفار مكة أن يكون القرآن وحياً أوحاه الله تعالى وبذلك أنكروا أن يكون محمد رسول الله، ومن هنا ردوا عليه كل ما جاءهم به من التوحيد وغيره، فإيراد هذا القصص يتلوه محمد ﷺ وهو لا يقرأ ولا يكتب دال دلالة قطعية على أنه وحي إلهي أوحاه إلى محمد ﷺ وهو بذلك رسوله. فقوله تعالى ﴿وإنه﴾ أي القرآن الذي كذب به المشركون ﴿تنزيل رب العالمين نزل به١ الروح الأمين﴾ جبريل ﵇ ﴿على٢ قلبك﴾ أي الرسول لأن القلب هو الذي يتلقى الوحي إذ هو محط الإدراك والوعي والحفظ، وقوله ﴿لتكون من المنذرين﴾ هو علة لنزول القرآن عليه وبه كان من الرسل المنذرين. وقوله ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ أي القرآن مذكور في الكتب الإلهية التي سبقته كالتوراة٣ والإنجيل. وقوله تعالى ﴿أو لم يكن لهم﴾ أي لكفار قريش ﴿آية﴾ أي علامة على أن القرآن وحي الله وكتابه وأن محمداً عبد الله ورسوله ﴿أن يعلمه علماء بنى إسرائيل﴾ أي علم بني إسرائيل به كعبد الله بن سلام فقد قال والله إني لأعلم أن محمداً رسول أكثر مما أعلم أن فلاناً ولدي، لأن ولدي في الإمكان أن تكون أمه قد خانتني أما محمد فلا يمكن أن يكون غير رسول الله وفيهم قال تعالى ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ ومن عرف محمداً رسولاً عرف القرآن وحياً إلهياً.
وقوله تعالى ﴿ولو نزلناه على بعض الأعجمين٤﴾ أي وبلسان عربي مبين فكان ذلك آية، وقرأه عليهم الأعجمي، ما كانوا به مؤمنين. أي من أجل الأنفة والحمية إذ يقولون أعجمي وعربي؟ وقوله تعالى: ﴿كذلك سلكناه﴾ أي التكذيب وعدم الإيمان ﴿في قلوب
стр. 2007
المجرمين﴾ أي كما سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين لو قرأ القرآن عليهم أعجمي سلكناه أي التكذيب في قلوب المجرمين إن قرأه عليهم محمد ﷺ والعلة في ذلك هي أن الإجرام على النفس بارتكاب عظائم الذنوب من شأنه أن يحول بين النفس وقبول الحق لما ران عليها من الذنوب وأحاط بها من الخطايا. وقوله ﴿لا يؤمنون به﴾ تأكيد لنفي الإيمان حتى يروا العذاب الأليم أي يستمر تكذيبهم بالقرآن والمنزل عليه حتى يروا العذاب الموجع، وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم ولا هم ينظرون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير معتقد الوحي الإلهي والنبوة المحمدية.
٢- بيان أن جبريل هو الذي كان ينزل بالوحي القرآني على النبي محمد ﷺ .
٣- تقرير النبوة المحمدية وأن محمداً من المنذرين.
٤- بيان أن القرآن مذكور في الكتب١ السابقة بشهادة علماء هل الكتاب.
٥- إذا تراكمت آثار الذنوب والجرائم على النفس حجبتها عن التوبة ومنعتها من الإيمان.
فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)
стр. 2008
شرح الكلمات:
هل نحن منظرون: أي ممهلون لنؤمن. والجواب قطعاً: لا لا..
أفرأيت: أي أخبرني.
إن متعناهم سنين: أي أبقينا على حياتهم يأكلون ويشربون وينكحون.
ما كانوا يوعدون: أي من العذاب.
ما أغنى عنهم: أي أي شيء أغنى عنهم ذلك التمتع الطويل لا بدفع العذاب ولا بتخفيفه.
إلا لها منذرون: أي رسل ينذرون أهلها عاقبة الكفر والشرك.
ذكرى: أي عظة.
وما تنزلت به الشياطين: أي لا يتأتى لهم ولا يصلح لهم أن يتنزلوا به.
وما يستطيعون: أي لا يقدرون.
إنهم عن السمع: أي لكلام الملائكة لمعزولون.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير النبوة المحمدية واثبات الوحي. لقد جاء في السياق أن المجرمين لا يؤمنون بهذا القرآن حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة أي فجأة وهم لا يشعرون أي لا يعلمون به حتى يفاجئهم. فيقولون حينئذ: ﴿هل نحن منظرون﴾ أي يتمنون١ به أن لو يمهلوا حتى يؤمنوا ويصلحوا ما أفسدوا.
وقوله تعالى ﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ عندما قالوا للرسول ﴿لن نؤمن لك حتى تننزل علينا كسفاً من السماء﴾ أي قطعاً، أحُمق هم أم مجانين يستعجلون عذاب الله الذي إن جاءهم كان فيه حتفهم أجمعين؟ ثم قال لرسوله: ﴿أفرأيت﴾ يا رسولنا ﴿إن متعناهم سنين﴾ بأن أطلنا أعمارهم ووسعنا في أرزاقهم فعاشوا سنين عديدة ثم جاءهم عذابنا أي
стр. 2009
أخبرني هل يغني ذلك التمتع عنهم شيئاً؟ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون أي لم يغن عنهم شيئاً لا بدفع العذاب ولا بتأخيره ولا بتخفيفه.
وقوله تعالى ﴿وما أهلكنا من قرية١﴾ كتلك القرى التي مر ذكرها في هذه السورة ﴿إلا لها منذرون﴾ أي كان لها رسل ينذرون أهلها عقاب الله إن أصروا على الشرك والكفر والشر والفساد. وقوله ﴿وذكرى٢﴾ أي عظة لعلهم يتعظون. وقوله ﴿وما كنا ظالمين﴾ في إهلاك من أهلكنا بعد أن أنذرنا.
ونزل رداً على المشركين المجرمين الذين قالوا إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد كما يأتون للكهان بأخبار السماء. ﴿وما تنزلت به الشياطين٣﴾ كما يزعم المكذبون ﴿وما ينبغي لهم﴾ أي للشياطين أي لا يصلح لهم ولا يتأتى منهم ذلك لأنهم معزولون عن السماع، أي سماع كلام الملائكة إذ أرصد الله تعالى شهباً حالت بينهم وبين السماع ومن السماع فلذا دعوى المشركين باطلة من أساسها.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان أن المجرمين إذا شاهدوا العذاب تمنوا التوبة ولا يمكنون منها.
٢- بيان أن استعجال عذاب الله حمق ونزغ في الرأي وفساد في العقل.
٣- بيان أن طول العمر وسعة الرزق لا يغنيان عن صاحبها شيئاً من عذاب الله إذا نزل به.
٤- بيان سنة الله تعالى في أنه لا يهلك أمة إلا بعد الإنذار والبيان.
٥- إبطال مزاعم المشركين في أن القرآن من جنس ما يقوله الكهان، وأن الشياطين تتنزل به
فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي
стр. 2010
بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)
شرح الكلمات:
فلا تدع مع الله إلهاً آخر: أي لا تعبد مع الله إلهاً آخر، لأن الدعاء هو العبادة.
وأنذر عشيرتك الأقربين: وهم بنو هاشم وبنو عبد لمطلب.
وخفض جناحك: أي ألن جانبك.
فإن عصوك: أي أبوا قبول دعوتك إلى التوحيد، ورفضوا ما تدعوهم إليه.
فقل إني بريء مما تعملون: أي من عبادة غير الله .
الذي يراك حين تقوم: أي إلى الصلاة فتصلي متهجداً بالليل وحدك.
وتقلبك في الساجدين: أي ويرى تقلبك مع المصلين راكعاً ساجداً قائماً.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في طلب هداية قريش قوم محمد ﷺ فقوله تعالى ﴿فلا تدع مع١ لله إلهاً آخر فتكون من المعذبين﴾ فيه إيحاء وإشارة واضحة بأنه تعريض بالمشركين الذين يدعون آلهة أصناماً وهي دعوة توقظهم من نومتهم إنه إذا كان رسول الله ينهى عن عبادة غير الله وإلا يعذب مع المعذبين فغيره من باب أولى فكأن الكلام جرى على حد إياك أعني واسمعي يا جارة!! وقوله تعالى ﴿وأنذر عشيرتك٢ الأقربين﴾ أمر من الله لرسوله أن يخص أولاً بإنذاره قرابته لأنهم أولى بطلب النجاة لهم من العذاب، وقد امتثل الرسول أمر ربه فقد ورد في الصحاح عن أبي هريرة ﵁ أنه لما أنزل عليه ﴿وأنذر٣
стр. 2011
عشيرتك الأقربين﴾ قال "يا معشر١ قريش اشتروا أنفسكم من الله " يعني بالإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي " فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله أي من عذابه شيًء, يا عباس بن عبد المطلب ,لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا ً.
وقولي تعالى ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ أمره أن يلين جانبه للمؤمنين وأن يعطف عليهم ويُطايبهم ليرسخ الإيمان في قلوبهم ويسلموا من غائلة الردة فيما لو عوملوا بالقسوة والشدة وهم في بداية الطريق إلى الله تعالى وقوله تعالى ﴿فإن عصوك﴾ أي من أمرت بدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته وخلع الأنداد والتخلي عن عبادتها ﴿فقل إني بريء مما تعملون﴾ أي من عبادة غير الله تعالى وغير راض بذلك منكم ولا موافق عليه لأنه شرك حرام وباطل مذموم. وقوله تعالى ﴿وتوكل على٢ العزيز﴾ أي الغالب القاهر الذي لا يمانع في شيء يريده الرحيم بالمؤمنين من عباده، والأمر بالتوكل هنا ضروري لأنه أمره بالبراءة من الشرك والمشركين وهي حال تقتضي عداوته والكيد له بل ومحاربته ومن هنا وجب التوكل٣ على الله والاعتماد عليه، وإلا فلا طاقة له بحرب قوم وهو فرد واحد وقوله ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ أي في صلاتك وحدك ﴿وتقلبك في الساجدين٤﴾ ويرى تقلبك قائماً وراكعاً وساجداً مع المصلين من المؤمنين، بمعنى أنه معك يسمع ويرى فتوكل عليه ولا تخف غيره وامض في دعوتك ومفاصلتك للمشركين. وقوله ﴿إنه هو السميع العليم﴾ تقرير لتلك المعية الخاصة إذ السميع لكل صوت والعليم بكل حركة وسكون يحق للعبد التوكل عليه وتفويض الأمر إليه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير التوحيد، وحرمة دعاء غير الله تعالى من سائر مخلوقاته لأنه الشرك الحرام.
стр. 2012
٢- من مات يدعو غير الله فهو معذب لا محالة مع المعذبين.
٣- تقرير قاعدة البدء بالأقارب في كل شيء لأنهم ألصق بقريبهم من غيرهم.
٤- مشروعية لين الجانب والتواضع للمؤمنين لاسيما الحديثو عهد بالإسلام.
٥- وجوب البراءة من الشرك وأهله.
٦- وجوب التوكل على الله والقيام بما أوجبه الله تعالى.
٧- فضل قيام الليل وصلاة الجماعة لما يحصل للعب من معية الله تعالى.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (٢٢٧)
شرح الكلمات
أنبئكم: أي أخبركم.
أفاك أثيم: أي كذاب يقلب الكذب فيكون إفكاً أثيم غارق في الآثام.
يلقون السمع: أي يلقون أسماعهم ويصغون أشد الإصغاء للشياطين فيتلقون منهم مما أكثره كذب وباطل.
الغاوون: جمع غاو: الضال عن الهدى الفاسد القلب والنية.
في كل واد: أي من أودية الكلام وفنونه.
يهيمون: أي يمضون في كل شعب وواد من الكلام مدحاً أو ذماً كان صدقا ً أو كذباً.
يقولون ما لا يفعلون: أي يقولون فعلنا وهم لم يفعلوا.
وانتصروا من بعد ما ظلموا: أي قالوا الشعر انتصارا ً للحق بأن ردوا على من هجا المسلمين.
стр. 2013
أي منقلب ينقلبون: أي مرجع يرجعون بعد الموت وهو دار البوار جهنم.
معنى الآيات:
لما ادعى المبطلون من مشركي قريش أن الرسول يتلقى من الشياطين كما تتلقى الكهان منهم رد تعالى عليهم بقوله ﴿هل أنبئكم١ على من تنزل الشياطين؟﴾ وأجاب عن السؤال قائلاً ﴿تنزل على كل أفاك﴾ كذاب يقلب الكذب قلباً فيقول في الظالم عادل، وفي الخبيث طيب، وفي الفاسد صالح، ﴿أثيم﴾ أي كثير الآثام إذ لم يترك جريمة إلا يقارفها ولا سيئة إلا يجترحها حتى يغرق في الإثم فهذا الذي تتحد معه الشياطين وتلفي إليه بما تسمعه من السماء لكونه مثلها في ظلمة النفس وخبث الروح، وأما محمد ﷺ فهو أبعد الناس عن الكذب والإثم فلم يجرب عليه كذب قط ولم يعرف منه ذنب أبداً فكيف تتحد معه الشياطين وتخبره وتلقي إليه بخبر السماء؟ وبهذا بطلت التهمة وقوله ﴿يلقون٢ السمع وأكثرهم٣ كاذبون﴾ أي إن الشياطين قبل أن يحال بينهم وبين استراق السمع بإرصاد الشهب لهم كانوا يلقون أسماعهم للحصول على الخبر وأكثرهم كاذبون حيث يخلطون مع الكلمة التي سمعوها مائة كلمة كلها كذب منهم ويلقون ذلك الكذب إلى إخوانهم في الكفر والخبث من كهنة الناس.
وقوله تعالى ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ أي أهل الغواية والضلال هم الذين يتبعون الشعراء فيروون لهم وينقلون عنهم، ويصدقونهم فيما يقولون. والدليل على ذلك ﴿أنهم﴾ أي الشعراء ﴿في كل واد﴾ من أودية الكلام وفنونه ﴿يهيمون﴾ على وجوههم
стр. 2014
ماضين في قولهم فيمدحون ويذمون، يهجون، ويفخرون، ويدعون أنهم فعلوا كذا وكذا وما فعلوا فهل محمد ﷺ الذي اتهمتموه بأنه شاعر وما يقوله من جنس الشعر أتباعه١ غاوون انظروا إليهم واسألوا عنهم فإنهم أهدى الناس وأبرهم فعلاً وأصدقهم حديثاً وأبعدهم عن الريبة، فلو كان محمد شاعراً وما لكان أتباعه الغاوين فبذا بطلت الدعوى من أساسها.
وقوله ﴿إلا الذين٢ آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا﴾ إنه لما ذم الشعراء، استثنى منهم أمثال: عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت ممن آمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا يردون هجاء المشركين لرسول الله ﷺ وينافحون عن الإسلام وأهله بشعرهم الصادق النقي الطاهر الوفي.
وقوله تعالى ﴿وسيعلم الذين ظلموا﴾ رسول الله باتهامه بالكهانة مرة وبالشعر مرة أخرى وظلموا الوحي الإلهي بوصفه بما هو بعيد عنه من الكهانة والشعر ﴿أي منقلب ينقلبون﴾ أي أي مرجع يرجعون إليه، إنه النار وبئس القرار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إبطال فرية المشركين من أن القرآن من جنس ما يقوله الكهان.
٢- إبطال أن الرسول ﷺ كاهن وشاعر.
٣- بيان أن الشياطين تتحد مع ذوي الأرواح الخبيثة بالإفك والآثام.
٤- بيان أن الشعراء المبطلين أتباعهم في كل زمان ومكان الغاوون الضالون.
٥- جواز نظم الشعر وقوله في تقرير علم أو تسجيل٣ حكمة، أو انتصار٤ للإسلام والمسلمين بالرد على من يهجوا الإسلام والمسلمين.
٦- التحذير من عاقبة الظلم فإنها وخيمة.
стр. 2015
المجلد الرابع
سورة النمل
مكية
وآياتها ثلاث وتسعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)
شرح الكلمات:
طس: هذا أحد الحروف المقطّعة، يقرأ: طا. سين.
تلك: أي الآيات المؤلفة من هذه الحروف آيات القرآن.
هدى وبشرى: أي أعلام هداية للصراط المستقيم، وبشارة للمهتدين.
زيّنا لهم أعمالهم: أي حببناها إليهم حسب سنتنا فيمن لا يؤمن بالبعث والجزاء.
فهم يعمهون: في ضلال بعيد وحيرة لا تنتهي.
لهم سوء العذاب: أي في الدنيا بالأسر والقتل.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿طس﴾ لقد سبق أن ذكرنا أن السلف كانوا يقولون في مثل هذه الحروف المقطعة: الله أعلم بمراده بذلك، وهذه أسلم، وذكرنا أن هناك فائدة قد تقتنص من
стр. 2016
الإشارة بتلك أو بذلك، وهي أن القرآن المعجز الذي تحدى به مُنَزله الإنس والجن قد تألف من مثل هذه الحروف العربية فألفوا أيها العرب مثله سورة فأكثر فإن عجزتم فآمنوا أنه كلام الله ووحيه واعملوا بما فيه ويدعو إليه.
وقوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ (١) ﴾ أي المؤلفة من مثل هذه الحروف آيات القرآن ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ (٢) ﴾ أي مبين لكل ما يحتاج إلى بيانه من الحق والشرع في كل شؤون الحياة.
وقوله ﴿هُدىً وَبُشْرَى (٣) لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي هادٍ إلى الصراط المستقيم الذي يفضي بسالكه إلى السعادة والكمال في الدارين، ﴿وَبُشْرَى﴾ أي بشارة عظمى للمؤمنين أي بالله ولقائه والرسول وما جاء به، ﴿الَّذِينَ (٤) يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ بأدائها في أوقاتها في بيوت الله تعالى مستوفاة الشروط والأركان والواجبات والسنن والآداب ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ عند وجوبها عليهم ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ﴾ أي بالدار الآخرة ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بوجودها والمصير إليها، وبما فيها من حساب وجزاء.
وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي بالبعث والجزاء ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي حببناها إليهم حتى يأتوها وهي أعمال شر وفساد، وذلك حسب سنتنا فيمن أنكر البعث وأصبح لا يرهب حسابا ولا يخاف عقابا انغمس في الرذائل والشهوات وأصبح لا يرعوي عن قبيح ﴿فَهُمْ﴾ لذلك ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في سلوكهم يتخبطون لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أي في الدنيا بالأسر والقتل، وهم في الآخرة (٥) هم الأكثر خساراً من سائر أهل النار أي أشد عذابا.
стр. 2017
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان إعجاز القرآن إذ آياته مؤلفة من مثل طس، وحم وعجز العرب عن تأليف مثله.
٢- بيان كون القرآن، هدى وبشرى للمؤمنين الملتزمين بمتطلبات الإيمان.
٣- إنكار البعث والدار الآخرة يجعل صاحبه شر الخليقة وأسوأ حالا من الكلاب والخنازير.
٤- وجوب قتال الملاحدة وأخذهم أسراً وقتلاً حتى يؤمنوا بالله ولقائه لأنهم خطر على أنفسهم وعلى البشرية سواء.
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)
شرح الكلمات:
وإنك لتلقى: أي تلقنه وتحفظه وتعلمه.
من لدن حكيم: أي من عند حكيم عليم هو الله ﷻ .
آنست ناراً: أي أبصرت ناراً من بعد حصل لي بها بعض الأنس.
سآتيكم منه بخبر: أي عن الطريق حيث ضلوا طريقهم إلى مصر في الصحرا.
بشهاب قبس: أي بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها.
стр. 2018
لعلكم تصطلون: أي تستدفئون.
أن بورك من في النار: أي بارك الله ﷻ من في النار وهو موسى ﵇ إذ هو في البقعة المباركة التي نادى الله تعالى موسى منها.
وسبحان الله رب العالمين: أي نزه الرب تعالى نفسه عما لا يليق بجلاله وكماله من صفات المحدثين.
يا موسى إنه أنا الله: أي الحال والشأن أنا الله العزيز الحكيم الذي ناداك وباركك.
تهتز كأنه جان: أي تتحرك بسرعة كأنها حية خفيفة السرعة.
ولم يعقب: أي ولم يرجع إليها خوفا وفزعا منها.
ثم بدل حسنا بعد سوء: أي تاب فعمل صالحا بعد الذي حصل منه من السوء.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية فقوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى (١) الْقُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ يخبر تعالى رسوله بأنّه يلقّن القرآن ويحفظه ويعلمه من لدن حكيم في تدبيره عليم بخلقه وهو الله ﷻ وعظم سلطانه.
وقوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ اذكر لمنكري الوحي والمكذبين بنبوتك إذ قال موسى إلى آخر الحديث، هل مثل هذا يكون بغير التلقي من الله تعالى. والجواب: لا إذاً فأنت رسول الله حقا وصدقاً ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ امرأته وأولاده ﴿إِنِّي آنَسْتُ (٢) نَاراً﴾ أي أبصرتها مستأنسا بها. ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ (٣) قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٤) ﴾ أي تستدفئون إذ كانوا في ليلة شاتية باردة وقد ضلوا طريقهم.
стр. 2019
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ أي النار ﴿نُودِيَ (١) ﴾ أي ناداه ربه تعالى قائلا: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي تقدس من في النار التي هي نور الله ﷻ . وهو موسى ﵇ ومن حولها من أرض القدس والشام، والله أعلم بمراده من كلامه وإنا لنستغفره ونتوب إليه إن لم نوفق لمعرفة مراده من كلامه وخطابه فاغفر اللهم ذنبنا وارحم عجزنا وضعفنا إنك غفور رحيم، وقوله تعالى ﴿وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزه تعالى نفسه عما لا يليق بجلاله وكماله وقوله ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي الذي يناديك هو الله ذو الألوهية على خلقه العزيز الغالب الذي لا يحال بينه وبين مراده الحكيم في قضائه وتدبيره وتصريف ملكه. بعد أن عرفه بنفسه وأذهب عنه روع نفسه، أمره أن يلقي العصا تمرينا له على استعمالها فقال ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها فاهتزت كأنها جان أي حية خفيفة السرعة ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى (٢) مُدْبِراً﴾ أي رجع القهقرى فزعا وخوفا ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لم يرجع إليها خوفا منها فناداه ربه تعالى ﴿يَا مُوسَى (٣) لا تَخَفْ﴾ من حية ولا من غيرها ﴿إِنِّي لا يَخَافُ (٤) لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿إِلَّا (٥) مَنْ ظَلَمَ﴾ أي نفسه باقتراف ذنب من الذنوب فهذا يخاف لكن إن هو تاب بعد الذنب ففعل حسنات بعد السيئات فإنه لا يخاف لأني غفور رحيم فأغفر له وأرحمه. طمأن تعالى نفس موسى بهذا لأن موسى كان شاعراً بأنه أذنب بقتل القبطي قبل نبوته ورسالته، وإن كان القتل خطأ إلا أنه تجب فيه الكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير النبوة المحمدية.
٢- مشروعية السفر بالأهل والولد وجواز خطأ الطريق حتى على الأنبياء والأذكياء.
٣- قيومية الرجل على النساء والأطفال.
стр. 2020
١- تجلي الرب تعالى لموسى في البعقة المباركة ومناجاته وتدريبه على العصا والسلاح الذي يقاوم به فرعون وملأه فيما بعد.
٢- الظلم يسبب الخوف والعقوبة إلا من تاب منه وأصلح فإن الله غفور رحيم.
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)
شرح الكلمات:
في جيبك: أي جيب ثوبك.
من غير سوء: أي برص ونحوه بل هو (البياض) شعاع.
في تسع آيات: أي ضمن تسع آيات مرسلاً بها إلى فرعون.
مبصرة: مضيئة واضحة مشرقة.
وجحدوا بها: أي لم يقروا ولم يعترفوا بها.
واستيقنتها أنفسهم: أي أيقنوا أنها من عند الله.
ظلما وعلوا: أي ردوها لأنهم ظالمون مستكبرون.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم مع موسى في حضرة ربه بجانب الطور إنه لما أمره بإلقاء العصا فألقاها فاهتزت وفزع موسى لذلك فولى مدبراً ولم يعقب خائفاً فطمأنه ربه تعالى بأنه لا يخاف لديه المرسلون أمره أن يدخل يده في جيبه فقال ﴿وَأَدْخِلْ (١) يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي في جيب القميص ﴿تَخْرُجْ (٢) بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي من غير برص بل هو
стр. 2021
بياض إشراق يكاد يذهب بالأبصار ﴿فِي تِسْعِ (١) آيَاتٍ﴾ أي ضمن تسع آيات مرسلاً بها إلى فرعون وقومه، وبين تعالى علة ذلك الإرسال فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ أي خارجين عن الاعتدال إلى الغلو والإسراف في الشر والفساد وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ (٢) آيَاتُنَا﴾ يحملها موسى مبصرة مضيئة واضحة دالة على صدق موسى في دعوته، رفضوها فلم يؤمنوا بها، و ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ، أي الذي جاء به موسى من الآيات هو سحر بين لا شك فيه قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي جحدوا بالآيات وكذبوا وتيقنتها أنفسهم أنها آيات من عند الله دالة على رسالة موسى وصدق دعوته في المطالبة ببني إسرائيل وقوله ظلماً وعلوا أي حملهم على التكذيب والإنكار مع العلم هو ظلمهم واستكبارهم فإنهم ظالمون مستكبرون. وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ (٣) كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي انظر يا رسولنا محمداً ﷺ كيف كان عاقبة المفسدين وهي إهلاكهم ودمارهم أجمعين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- آية اليد هي إحدى الآيات التسع التي أوتي موسى ﵇ دليلا على وجود الآيات التي كان الله تعالى يؤيد بها رسله فمن أنكرها فقد كفر.
٢- التنديد بالفسق واستحقاق أهله العذاب في الدارين.
٣- الكبر والعلو في الأرض صاحبهما يجحد الحق ولا يقر به وهو يعلم أنه حق.
٤- عاقبة الفساد في الأرض بالمعاصي سوءى، والعياذ بالله تعالى.
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)
стр. 2022
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
شرح الكلمات:
علمنا: هو علم ما لم يكن لغيرهم كمعرفة لغة الطير إلى جانب علم الشرع كالقضاء ونحوه.
وقالا الحمد لله: أي شكراً له.
على كثير من عباده المؤمنين: أي بالنبوة وتسخير الجن والإنس والشياطين.
وورث سليمان داوود: أي ورث أباه بعد موته في النبوة والملك والعلم دون باقي أولاده.
علمنا منطق الطير: أي فهم أصوات الطير وما تقوله إذا صفرت.
وأوتينا من كل شيء: أوتيه غيرنا من الأنبياء والملوك.
وحشر لسليمان: أي جمع له جنوده من الجن والإنس والطير في مسير له.
فهم يوزعون: أي يساقون ويرد أولهم إلى آخرهم ليسيروا في نظام.
لا يحطمنكم سليمان: أي لا يكسرنكم ويقتلنكم.
وهم لا يشعرون: أي بكم.
стр. 2023
أوزعني أن أشكر: أي ألهمني ووفقني لأن أشكر نعمتك التي أنعمت علي.
معنى الآيات:
هذا بداية قصص داوود وسليمان ﵉ ذكر بعد أن أخبر تعالى أنه يلقن رسوله محمداً ويعلمه من لدنه وهو العليم الحكيم ودلل على ذلك بموجز قصة موسى ﵇ ثم ذكر دليلاً آخر وهو قصة داوود وسليمان، فقال تعالى ﴿لَقَدْ آتَيْنَا﴾ أي أعطينا داوود وسليمان ﴿عِلْماً﴾ أي الوالد والولد علماً خاصاً كمعرفة منطقة الطير وصنع الدروع وإلانة الحديد زيادة على علم الشرع والقضاء (١) ، وقوله تعالى ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي شكرا ربهما بقولهما ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي الشكر لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين بما آتاهما من الخصائص والفواضل. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٤) وأما الآية الثانية (١٥) فقد أخبر تعالى فيها أن سليمان ورث أباه داوود وحده دون باقي أولاده (٢) وذلك في النبوة والملك، لا في الدرهم والدينار والشاة والبعير، لأن الأنبياء لا يورثون فما يتركونه هو صدقة (٣) . كما أخبر أن سليمان قال في الناس (٤) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ (٥) الطَّيْر﴾ فما يصفر طير إلا علم ما يقوله في صفيره، وأوتينا من كل شيء أوتيه غيرنا من النبوة والملك والعلم والحكمة ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي فضل الله تعالى البين الظاهر. وقوله تعالى ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُه﴾ أي جمع له جنوده ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْر فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ هو إخبار عن مسير كان لسليمان مع جنده ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي جنوده توزع تساق بانتظام. بحيث لا يتقدم بعضها بعضا فيرد دائما أولها إلى آخرها محافظة على النظام في السير، وما زالوا سائرين كذلك حتى أتوا على واد النمل بالشام فقالت نملة من النمل ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قالت هذا
стр. 2024
رحمة وشفقة على بنات جنسها تعلم البشر الرحمة والشفقة والنصح لبني جنسهم لو كانو يعلمون، واعتذرت لسليمان وجنده بقولها وهم لا يشعرون بكم وإلا لما داسوكم ومشوا عليكم حتى لا يحطمونكم. وما إن سمعها سليمان وفهم كلامها (١) حتى تبسم ضاحكا من قولها ﴿وَقَالَ رَبِّ﴾ أي يا رب ﴿أَوْزِعْنِي (٢) ﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ (٣) الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ أي يسر لي عملاً صالحاً ترضاه مني، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ أي في جملتهم في دار السلام.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب الشكر على النعم.
٢- وراثة سليمان لداوود لم تكن في المال لأن الأنبياء لا يورثون وإنما كانت في النبوة والملك.
٣- آية تعليم الله تعالى سليمان منطق الطير وتسخير الجن والشياطين له.
٤- فضل النمل على كثير من المخلوقات ظهر في نصح النملة لأخواتها وشفقتها عليهن.
٥- ذكاء النمل وفطنته مما أضحك سليمان متعجبا منه.
٦- وجوب الشكر عند مشاهدة النعمة ورؤية الفضل من الله .
٧- تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذا الحديث لا يتأتى له إلا بالوحي الإلهي.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ
стр. 2025
أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)
شرح الكلمات:
وتفقد الطير: أي تعهدها ونظر فيها.
مالي لا أرى الهدهد: أعرض لي ما منعني من رؤيته أم كان من الغائبين؟
لأعذبنه عذابا شديدا: أي بنف ريشه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوام.
بسلطان مبين: أي بحجة واضحة على عذره في غيبته.
فمكث غير بعيد: أي قليلا من الزمن وجاء سليمان متواضعا.
أحطت بما لم تحط به: أي اطلعت على ما لم تطلع عليه.
وجئتك من سبأ: سبأ قبيلة من قبائل اليمن.
إني وجدت امرأة: هي بلقيس الملكة.
ولها عرش عظيم: أي سرير كبير.
فصدهم عن السبيل: أي طريق الحق والهدى.
ألا يسجدوا لله: أصلها أن يسجدوا أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله.
وزيدت فيها "لا" وأدغمت فيها النون فصارت ألا نظيرها لئلا
يعلم أهل الكتاب من آخر سورة الحديد.
стр. 2026
يخرج الخبء في السموات والأرض: أي المخبوء في السموات من الأمطار والأرض من النبات.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في قصص سليمان ﵇ قوله تعالى ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ (١) ﴾ أي تفقد سليمان جنده من الطير طالبا الهدهد لأمر عنّ له أي ظهر وهو يتهيأ لرحلة هامة، فلم يجده فقال ما أخبر تعالى به عنه: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ (٢) ﴾ ألعارض عرض لي فلم أره، ﴿أَمْ (٣) كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي بل كان من الغائبين، ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ بأن ينتف ريشه ويتركه للهوام تأكله فلا يمتنع منها ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ بقطع حلقومه، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بحجة واضحة على سبب غيبته. قوله تعالى الآية (٢١) ﴿فَمَكَثَ﴾ أي الهدهد ﴿غَيْرَ (٤) بَعِيدٍ﴾ أي زمنا قليلا، وجاء فقال في تواضع رافعا عنقه مرخيا ذنبه وجناحيه ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ (٥) بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ وسبأ قبيلة من قبائل اليمن، والنبأ اليقين الخبر الصادق الذي لا شك فيه. وأخذ يبين محتوى الخبر فقال ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ هي بلقيس ﴿تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أسباب القوة ومظاهر الملك، ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ أي سرير ملكها الذي تجلس عليه وصفه بالعظمة لأنه مرصع بالجواهر والذهب، وقوله ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أخبر أولا عن أحوالهم الدنيوية وأخبر ثانيا عن أحوالهم الدينية وقوله ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي الباطلة الشركية ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ بذلك ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي سبيل الهدى والحق فهم لذلك لا يهتدون لأن يسجدوا (٦) لله الذي يخرج الخبء (٧) أي المخبوء فهو
стр. 2027
من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول في السموات من أمطار والأرض من نباتات، ويعلم ما يخفون في نفوسهم، وما يعلنون عنه بألسنتهم الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. وصف الرب تعالى بالعرش العظيم ليقابل وصف بلقيس به، وأين عرش مخلوقة وإن كانت ملكة بنت ملك هو شراحيل من عرش الله الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية استعراض الجيوش وتفقد أحوال الرعية.
٢- مشروعية التعزير لمن خالف أمر السلطان بلا عذر شرعي.
٣- مشروعية اتخاذ طائرات الاستكشاف ودراسة جغرافية العالم.
٤- تحقيق قول الرسول ﷺ لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة إذ لم يلبثوا أن غلب عليهم سليمان.
٥- بيان أن هناك من كانوا يعبدون الشمس إذ سجودهم لها عبادة.
٦- بيان أن الأحق بالعبادة هو الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم.
٧- مشروعية السجود لمن تلا هذه الآية أو استمع إلى تلاوتها: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ .
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (:٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)
стр. 2028
شرح الكلمات:
سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين: أي بعد اختبارنا لك.
فألقه إليهم: أي إلى رجال القصر وهم في مجلس الحكم.
ثم تول عنهم: أي تنح جانبا متواريا مستترا عنهم.
فانظر ماذا يرجعون: أي ماذا يقوله بعضهم لبعض في شأن الكتاب.
يا أيها الملأ: أي يا أشراف البلاد وأعيانها وأهل الحل والعقد فيها.
ألقي إلي كتاب كريم: أي ألقاه في حجرها الهدهد.
ألا تعلوا علي: أي لا تتكبروا انقيادا للنفس والهوى.
وائتوني مسلمين: أي منقادين خاضعين.
معنى الآيات:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ (١) ﴾ أي قال سليمان للهدهد بعد أن أدلى الهدد بحجته (٢) على غيبته سننظر باختبارنا لك ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما ادعيت وقلت ﴿أَمْ كُنْتَ (٣) مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي من جملتهم. وبدأ اختباره فكتب كتابا وختمه وقال له ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي (٤) هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي تنح جانبا مختفيا عنهم ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ من القول في شأن الكتاب أي ما يقول بعضهم لبعض في شأنه، وفعلاً ذهب الهدهد بالكتاب ودخل القصر من كوة فيه وألقى الكتاب في حجر الملكة بلقيس فارتاعت له وقرأته ثم قالت ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ مخاطبة أشراف قومها ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وصفته بالكرم لما حواه من عبارات كريمة، ولأنه مختوم وختم الكتاب كرمه ونصّ الكتاب كالتالي [من عبد الله سليمان بن داوود إلى
стр. 2029
بلقيس ملكة سبأ بسم الله الرحمن الرحيم السلام على من ابتع الهدى أما بعد فلا تعلوا علي وائتوني مسلمين] .
ومضمونه ما ذكرته الملكة بقولها: ﴿إِنَّهُ مِنْ (١) سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ومعنى إنه من سليمان أي صادر منه وأنه مكتوب مرسل بسم الله الرحمن الرحيم أي بإذنه وشرعه ألا تعلوا علي أي لا تتكبروا على الحق فإني بسم الله أطلبكم وأئتوني مسلمين أي خاضعين منقادين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مشروعية الاختبار وإجراء التحقيق مع المتهم.
٢- مشروعية استخدام السلطان أفراد رعيته لكفاية المستخدم.
٣- مشروعية إرسال العيون للتعرف على أحوال العدو وما يدور عنده.
٤- مشروعية كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في الرسائل والكتب الهامة (٢) ذات البال لدلالتها على توحيد الله
تعالى وأنه رحمن رحيم، وأن الكاتب يكتب بإذن الله تعالى له بذلك.
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)
стр. 2030
شرح الكلمات:
أفتوني في أمري: بينوا لي فيه وجه الصواب، وما هو الواجب اتخاذه إزاءه.
ما كنت قاطعة أمرا: أي قاضيته.
حتى تشهدون: أي تحضروني وتبدوا رأيكم فيه.
وأولوا بأس شديد: أي أصحاب قوة هائلة مادية وأصحاب بأس شديد في الحروب.
إذا دخلوا قرية: أي مدينة وعاصمة ملك.
أفسدوها: أي خربوها إذا دخلوها عنوة بدون مصالحة.
وكذلك يفعلون: أي وكالذي ذكرت لكم يفعل مرسلو هذا الكتاب.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم عن حديث قصر الملكة بلقيس وها هي ذي تقول لرجال دولتها ما حكاه تعالى عنها بقوله ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي (١) فِي أَمْرِي﴾ أي أشيروا علي بما ترونه صالحا ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً (٢) أَمْراً﴾ أي قاضية باتّةً فيه ﴿حَتَّى (٣) تَشْهَدُونِ﴾ أي تحضروني وتبدوا فيه وجهة نظركم. فأجابها رجالها بما أخبر تعالى به عنهم ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ عسكرية من سلاح وعتاد وخبرة ﴿وَأُولُو بَأْسٍ (٤) شَدِيدٍ﴾ عند خوضنا المعارك ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي (٥) مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ به فأمري ننفّذ إنا طوع يديك.
فأجابتهم بما حكاه الله تعالى عنها ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ أي مدينة عنوة بدون صلح. ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ أي خربوا معالمها وبدلوا وغيروا فيها، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بضربهم وإهانتهم وخلعهم من مناصبهم. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أصحاب هذا الكتاب ﴿يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ (٦) بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي الذين نرسلهم من
стр. 2031
قبول الهدية ورفضها وعلى ضوء ذلك نتصرف فإنهم إن قبلوا الهدية المالية فهم أصحاب دنيا، وإن رفضوها فهم أصحاب دين، وعندها نتخذ ما يلزم حيالهم، ولا شك أن هذه الهدية كانت فاخرة وثمينة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير مبدأ الشورى في الحكم.
٢- مشروعية إبداء الرأي بصدق ونزاهة ثم ترك الأمر لأهله.
٣- مشروعية إعداد العدة وتوفير السلاح وتدرب الرجال على حمله واستعماله.
٤- دخول العدو المحارب الغالب البلاد عنوة ذو خطورة فلذا يتلافى الأمر بالمصالحة.
٥- بيان حسن سياسة الملكة بلقيس وفطنتها وذكائها ولذا ورثت عرش أبيها.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)
شرح الكلمات:
فلما جاء سليمان: أي رسول الملكة يحمل الهدية ومعه أتباعه.
стр. 2032
فما آتاني الله خير مما آتاكم: إنه أعطاني النبوة والملك وذلك خير مما أعطاكم من المال فقط.
بهديتكم (١) تفرحون: لحبكم للدنيا ورغتبكم في زخارفها.
ارجع إليهم: أي بما أتيت به من الهدية.
بجنود لا قبل لهم بها: أي لا طاقة لهم بقتالها.
ولنخرجنهم منها: أي من مدينتهم سبأ المسماة باسم رجل يقال له سبأ.
أذلة وهم صاغرون: أي إن لم يأتوني مسلمين أي منقادين خاضعين.
قبل أن يأتوني مسلمين: فإنّ لي أخذه قبل مجيئهم مسلمين لا بعده.
قال عفريب من الجن: أي جني قوي إذ القوي الشديد من الجن يقال له عفريت.
قبل أن تقوم من مقامك: أي من مجلس قضائك وهو من الصبح إلى الظهر.
وإني عليه لقوي أمين: أي قوي على حمله أمين على ما فيه من الجواهر وغيرها.
وقال الذي عنده علم من الكتاب: أي سليمان ﵇.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم مع سليمان وملكة سبأ إنه لما بعثت بهديتها تختبر بها سليمان هل هو رجل دنيا يقبل المال أو رجل دين، لتتصرف على ضوء ما تعرف من اتجاه سليمان ﵇، فلما جاء سليمان، جاءه سفير الملكة ومعه رجال يحملون الهدية قال لهم ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ (٢) بِمَالٍ؟ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ آتاني النبوة والعلم والحكم والملك فهو خير مما آتاكم من المال ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ (٣) تَفْرَحُونَ﴾ وذلك لحبكم الدنيا ورغبتكم في زخارفها. وقال لرسول الملكة ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي بما أتيت به من الهدية، وعلمهم أنهم إن لم يأتوا إلي مسلمين ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا (٤) ﴾ أي لا قدرة لهم على قتالهم، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ أي من مدينتهم سبأ ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي خاضعون منقادون. ثم قال سليمان ﵇ لأشراف دولته
стр. 2033
وأعيان بلاده ﴿أَيُّهَا الْمَلأُ (١) أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فإني لا آخذه إلا قبل مجيئهم مسلمين لا بعده. فنطق عفريت من الجن قائلاً بما أخبر تعالى عنه به ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ أي مجلس قضائك والذي ينتهي عادة بنصف النهار، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي قادر على حمله والإتيان به في هذا الوقت الذي حددت لكم وأمين على ما فيه من جواهر وذهب لا يضيع منه شيء. وهنا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ (٢) ﴾ وهو سليمان ﵇ ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فافتح عينيك وانظر فلا يعود إليك طرفك إلا والعرش بين يديك، وسأل ربه باسمه الأعظم الذي ما دعي به إلا أجاب وإذا العرش بين يديه ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً﴾ بين يديه لهج قائلا ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي علي فلم يكن لي به يد أبدا ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ بذلك ﴿أَأَشْكُرُ﴾ نعمته علي ﴿أَمْ أَكْفُرُها﴾ ﴿وَمَنْ شَكَرَ (٣) ﴾ فلنفسه أي عائد الشكر يعود عليه بحفظ النعمة ونمائها ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي النعمة ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي عن شكره وليس مفتقراً إليه، كريم قد يكرم الكافر للنعمة فلا يسلبها كلها منه أو يبقيها له على كفره.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- أهل الآخرة لا يفرحون بالدنيا، وأهل الدنيا لا يفرحون بالآخرة.
٢- استعمال أسلوب الإرهاب والتخويف مع القدرة على إنفاذه مع العدو أليق.
٣- تقرير أن سليمان كان يستخدم الجن وأنهم يخدمونه في أصعب الأمور.
٤- استجابة الله تعالى لسليمان فأحضر له العرش من مسافة شهرين أي من اليمن إلى الشام قبل ارتداد طرف
الناظر إذا فتح عينه ينظر.
٥- وجوب رد الفضل إلى أهله فسليمان قال ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ والجهال يقولون بثورتنا الخلاقة، وأبطالنا
البواسل.
٦- وجوب الشكر، وعائدته تعود على الشاكر فقط، ولكرم الله تعالى قد لا يسلب النعمة فور عدم شكرها
وذلك لحلمه تعالى وكرمه.
стр. 2034
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)
شرح الكلمات:
قال نكروا لها عرشها: أي غيروا هيأته وشكله حتى لا يعرف إلا بصعوبة.
أتهتدي: أي إلى معرفته.
أهكذا عرشك: شبهوا عليها إذ لو قالوا هذا عرشك لقالت نعم.
قالت كأنه هو: فشبّهت عليه فقالت كأنه هو.
وصدها ما كانت تعبد من دون الله: أي صرفها عن عبادة الله مع علمها وذكائها ما كانت تعبد من دون الله.
ادخلي الصرح: أي بهو الصرح إذ الصرح القصر العالي وفي بهوه بركة ماء كبيرة مغطاة بسقف زجاجي يرى وكأنه ماء.
فكشفت عن ساقيها: ظانة أنها تدخل ماء تمشي عليه فرفعت ثيابها.
حسبته لجة: أي من ماء غمر يجري.
صرح ممرد من قوارير: أي مملس من زجاج.
стр. 2035
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم فيما دار من أحاديث بين سليمان ﵇ وبلقيس ملكة سبأ لقد خرجت هي في موكبها الملكي بعد أن أحتاطت لعرشها أيّما احتياط. إلا أن العرش وصل قبلها بدعوة الذي عنده علم من الكتاب، وقبل وصولها أراد سليمان أن يختبر عقلها من حيث الحصافة أو الضعف (١) فأمر رجاله أن يغيروا عرشها بزيادة ونقصان فيه حتى لا يعرف إلا بصعوبة كما قال ﵇ ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ لضعف عقولهم. فلما جاءت ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا (٢) عَرْشُكِ﴾ فشبهوا عليها في التغيير وفي التعبير، إذ المفروض أن يقال لها هذا عرشك ومن هنا فطنت لتشبيههم ﴿فقَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ إذ لو قالت: هو لقالوا كيف يكون هو والمسافة مسيرة شهرين ولو قالت ليس هو لقيل لها كيف تجهلين سريرك فكانت ذات ذكاء ودهاء ومن هنا قال سليمان لما أعجب بذكائها ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ (٣) مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ فحمد الله وأثنى عليه ضمن العبارة التي قالها. وقوله ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ اتباعا لقومها إذ كانوا يعبدون الشمس من دون الله. ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهذا سبب عدم إيمانها وتوحيدها وهو ما كان عليه قومها، وجلس سليمان في بهو صرحه وكان البهو تحته بركة ماء عظيمة فيها أسماك كثيرة وللماء موج، وسقف البركة مملس من زجاج، ومع سليمان جنوده من الإنس والجن يحوطون به ويحفون من كل جانب وأمرت أن تدخل الصرح (٤) لأن سليمان الملك يدعوها ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ماء ﴿وَكَشَفَتْ (٥) عَنْ سَاقَيْهَا﴾ فقال لها سليمان ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي مملّس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ زجاجية وهنا وقد بهرها الموقف وعرفت أنها كانت ضالة وظالمة نطقت قائلة ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبهذا أصبحت مسلمة صالحة. ولم يذكر القرآن عنها بعد شيئاً