قبول الهدية ورفضها وعلى ضوء ذلك نتصرف فإنهم إن قبلوا الهدية المالية فهم أصحاب دنيا، وإن رفضوها فهم أصحاب دين، وعندها نتخذ ما يلزم حيالهم، ولا شك أن هذه الهدية كانت فاخرة وثمينة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير مبدأ الشورى في الحكم.
٢- مشروعية إبداء الرأي بصدق ونزاهة ثم ترك الأمر لأهله.
٣- مشروعية إعداد العدة وتوفير السلاح وتدرب الرجال على حمله واستعماله.
٤- دخول العدو المحارب الغالب البلاد عنوة ذو خطورة فلذا يتلافى الأمر بالمصالحة.
٥- بيان حسن سياسة الملكة بلقيس وفطنتها وذكائها ولذا ورثت عرش أبيها.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)
شرح الكلمات:
فلما جاء سليمان: أي رسول الملكة يحمل الهدية ومعه أتباعه.
стр. 2032
فما آتاني الله خير مما آتاكم: إنه أعطاني النبوة والملك وذلك خير مما أعطاكم من المال فقط.
بهديتكم (١) تفرحون: لحبكم للدنيا ورغتبكم في زخارفها.
ارجع إليهم: أي بما أتيت به من الهدية.
بجنود لا قبل لهم بها: أي لا طاقة لهم بقتالها.
ولنخرجنهم منها: أي من مدينتهم سبأ المسماة باسم رجل يقال له سبأ.
أذلة وهم صاغرون: أي إن لم يأتوني مسلمين أي منقادين خاضعين.
قبل أن يأتوني مسلمين: فإنّ لي أخذه قبل مجيئهم مسلمين لا بعده.
قال عفريب من الجن: أي جني قوي إذ القوي الشديد من الجن يقال له عفريت.
قبل أن تقوم من مقامك: أي من مجلس قضائك وهو من الصبح إلى الظهر.
وإني عليه لقوي أمين: أي قوي على حمله أمين على ما فيه من الجواهر وغيرها.
وقال الذي عنده علم من الكتاب: أي سليمان ﵇.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم مع سليمان وملكة سبأ إنه لما بعثت بهديتها تختبر بها سليمان هل هو رجل دنيا يقبل المال أو رجل دين، لتتصرف على ضوء ما تعرف من اتجاه سليمان ﵇، فلما جاء سليمان، جاءه سفير الملكة ومعه رجال يحملون الهدية قال لهم ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ (٢) بِمَالٍ؟ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ آتاني النبوة والعلم والحكم والملك فهو خير مما آتاكم من المال ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ (٣) تَفْرَحُونَ﴾ وذلك لحبكم الدنيا ورغبتكم في زخارفها. وقال لرسول الملكة ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أي بما أتيت به من الهدية، وعلمهم أنهم إن لم يأتوا إلي مسلمين ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا (٤) ﴾ أي لا قدرة لهم على قتالهم، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ أي من مدينتهم سبأ ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي خاضعون منقادون. ثم قال سليمان ﵇ لأشراف دولته
стр. 2033
وأعيان بلاده ﴿أَيُّهَا الْمَلأُ (١) أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فإني لا آخذه إلا قبل مجيئهم مسلمين لا بعده. فنطق عفريت من الجن قائلاً بما أخبر تعالى عنه به ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ أي مجلس قضائك والذي ينتهي عادة بنصف النهار، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي قادر على حمله والإتيان به في هذا الوقت الذي حددت لكم وأمين على ما فيه من جواهر وذهب لا يضيع منه شيء. وهنا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ (٢) ﴾ وهو سليمان ﵇ ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فافتح عينيك وانظر فلا يعود إليك طرفك إلا والعرش بين يديك، وسأل ربه باسمه الأعظم الذي ما دعي به إلا أجاب وإذا العرش بين يديه ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً﴾ بين يديه لهج قائلا ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي علي فلم يكن لي به يد أبدا ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ بذلك ﴿أَأَشْكُرُ﴾ نعمته علي ﴿أَمْ أَكْفُرُها﴾ ﴿وَمَنْ شَكَرَ (٣) ﴾ فلنفسه أي عائد الشكر يعود عليه بحفظ النعمة ونمائها ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي النعمة ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي عن شكره وليس مفتقراً إليه، كريم قد يكرم الكافر للنعمة فلا يسلبها كلها منه أو يبقيها له على كفره.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- أهل الآخرة لا يفرحون بالدنيا، وأهل الدنيا لا يفرحون بالآخرة.
٢- استعمال أسلوب الإرهاب والتخويف مع القدرة على إنفاذه مع العدو أليق.
٣- تقرير أن سليمان كان يستخدم الجن وأنهم يخدمونه في أصعب الأمور.
٤- استجابة الله تعالى لسليمان فأحضر له العرش من مسافة شهرين أي من اليمن إلى الشام قبل ارتداد طرف
الناظر إذا فتح عينه ينظر.
٥- وجوب رد الفضل إلى أهله فسليمان قال ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ والجهال يقولون بثورتنا الخلاقة، وأبطالنا
البواسل.
٦- وجوب الشكر، وعائدته تعود على الشاكر فقط، ولكرم الله تعالى قد لا يسلب النعمة فور عدم شكرها
وذلك لحلمه تعالى وكرمه.
стр. 2034
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)
شرح الكلمات:
قال نكروا لها عرشها: أي غيروا هيأته وشكله حتى لا يعرف إلا بصعوبة.
أتهتدي: أي إلى معرفته.
أهكذا عرشك: شبهوا عليها إذ لو قالوا هذا عرشك لقالت نعم.
قالت كأنه هو: فشبّهت عليه فقالت كأنه هو.
وصدها ما كانت تعبد من دون الله: أي صرفها عن عبادة الله مع علمها وذكائها ما كانت تعبد من دون الله.
ادخلي الصرح: أي بهو الصرح إذ الصرح القصر العالي وفي بهوه بركة ماء كبيرة مغطاة بسقف زجاجي يرى وكأنه ماء.
فكشفت عن ساقيها: ظانة أنها تدخل ماء تمشي عليه فرفعت ثيابها.
حسبته لجة: أي من ماء غمر يجري.
صرح ممرد من قوارير: أي مملس من زجاج.
стр. 2035
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم فيما دار من أحاديث بين سليمان ﵇ وبلقيس ملكة سبأ لقد خرجت هي في موكبها الملكي بعد أن أحتاطت لعرشها أيّما احتياط. إلا أن العرش وصل قبلها بدعوة الذي عنده علم من الكتاب، وقبل وصولها أراد سليمان أن يختبر عقلها من حيث الحصافة أو الضعف (١) فأمر رجاله أن يغيروا عرشها بزيادة ونقصان فيه حتى لا يعرف إلا بصعوبة كما قال ﵇ ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ لضعف عقولهم. فلما جاءت ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا (٢) عَرْشُكِ﴾ فشبهوا عليها في التغيير وفي التعبير، إذ المفروض أن يقال لها هذا عرشك ومن هنا فطنت لتشبيههم ﴿فقَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ إذ لو قالت: هو لقالوا كيف يكون هو والمسافة مسيرة شهرين ولو قالت ليس هو لقيل لها كيف تجهلين سريرك فكانت ذات ذكاء ودهاء ومن هنا قال سليمان لما أعجب بذكائها ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ (٣) مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ فحمد الله وأثنى عليه ضمن العبارة التي قالها. وقوله ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ اتباعا لقومها إذ كانوا يعبدون الشمس من دون الله. ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ فهذا سبب عدم إيمانها وتوحيدها وهو ما كان عليه قومها، وجلس سليمان في بهو صرحه وكان البهو تحته بركة ماء عظيمة فيها أسماك كثيرة وللماء موج، وسقف البركة مملس من زجاج، ومع سليمان جنوده من الإنس والجن يحوطون به ويحفون من كل جانب وأمرت أن تدخل الصرح (٤) لأن سليمان الملك يدعوها ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ماء ﴿وَكَشَفَتْ (٥) عَنْ سَاقَيْهَا﴾ فقال لها سليمان ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي مملّس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ زجاجية وهنا وقد بهرها الموقف وعرفت أنها كانت ضالة وظالمة نطقت قائلة ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبهذا أصبحت مسلمة صالحة. ولم يذكر القرآن عنها بعد شيئاً
стр. 2036
فلنسكت عما سكت عنه القرآن.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- جواز اختبار الأفراد إذا أريد إسناد أمر لهم لمعرفة قدرتهم العقلية والبدنية.
٢- بيان حصافة عقل بلقيس ولذا أسلمت ظهر ذلك في قولها ﴿كأنه هو﴾
٣- مضار التقليد وما يترتب عليه من التنكير للعقل والمنطق.
٤- حرمة كشف المرأة ساقيها حتى لو كانت كافرة فكيف بها إذا كانت مسلمة.
٥- فضيلة الائتساء بالصالحين كما ائتست بلقيس بسليمان في قولها ﴿وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)
شرح الكلمات:
أن اعبدوا الله: أي بأن اعبدوا الله.
فريقان يختصمون: أي طائفتان مؤمنة موحدة وكافرة مشركة يختصمون.
تستعجلون بالسيئة: أي تطالبون بالعذاب قبل الرحمة.
стр. 2037
لولا تستغفرون الله: أي هلا تطلبون المغفرة من ربكم بتوبتكم إليه.
قالوا اطيرنا بك: أي تشاءمنا بك وبمن معك من المؤمنين.
قال طائركم عند الله: أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه.
بل أنتم قوم تفتنون: أي تختبرون بالخير والشر.
تسعة رهط: أي تسعة رجال ظلمة.
تقاسموا بالله: أي تحالفوا بالله أي طلب كل واحد من الثاني أن يحلف له.
لنبيتنه وأهله: أي لنقتلنه والمؤمنين به ليلا.
ما شهدنا مهلك أهله: أي ما حضرنا قتله ولا قتل أهله.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ هذا بداية قصص صالح ﵇ مع قومه ثمود لما ذكر تعالى قصص سليمان مع بلقيس ذكر قصص صالح مع ثمود وذلك تقريراً لنبوة رسوله محمد ﷺ ووضع المشركين من قريش أمام أحداث تاريخية تمثل حالهم مع نبيهم لعلهم يذكرون فيؤمنوا قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ أي قبيلة ثمود ﴿أَخَاهُمْ﴾ أي في النسب ﴿صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا﴾ أي قال لهم اعبدوا الله أي وحدوه ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ﴾ موحدون ومشركون ﴿يَخْتَصِمُونَ (١) ﴾ فريق يدعو إلى عبادة الله وحده وفريق يدعو إلى عبادة الأوثان مع الله وشأن التعارض أن يحدث التخاصم كل فريق يريد أن يخصم الفريق الآخر. وطالبوا صالحا بالآيات ﴿وَقَالُوا ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَادِقِينَ﴾ في أنك رسول إلينا مثل الرسل فرد عليهم وقال ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ (٢) بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي تطالبونني بعذابكم ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ فالمفروض أن تطالبوا بالحسنة التي هي الرحمة لا السيئة التي هي العذاب. إن كفركم ومعاصيكم هي سبيل عذابكم، كما أن إيمانكم وطاعتكم هي سبيل نجاتكم وسعادتكم فبادروا بالإيمان والطاعة طلبا لحسنة الدنيا والآخرة. إنكم بكفركم ومعاصيكم تستعجلون عذابكم ﴿لَوْلا (٣) ﴾ أي هلا
стр. 2038
﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ﴾ بترككم الشرك والمعاصي ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي كي ترحموا. بعد هذا الوعظ والإرشاد كان جواب القوم ما أخبر تعالى به عنهم في قوله ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا (١) بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أي تشاءمنا بك وبأتباعك المؤمنين لك، فرد عليهم بقوله ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه وهو كائن لا محالة، وليست القضية تشاؤما ولا تيامنا ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي مدينة الحجر حجر ثمود تسعة رجال ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (٢) ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وهم الذين تمالؤوا على عقر الناقة ومن بينهم قُدَار بن سالف الذي تولى عقر الناقة. هؤلاء التسعة نفر قالوا لبعضهم بعضا في اجتماع خاص ﴿تَقَاسَمُوا بِاللهِ﴾ أي ليقسم كل واحد منكم قائلا والله ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ أي صالحا ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي أتباعه، أي لنأتينهم ليلا فنقتلهم، ثم في الصباح ﴿لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي لولي دم صالح من أقربائه، والله ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ولا مهلكه ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما نقسم عليه من أنّا لم نشهد مهلك صالح ولا مهلك أصحابه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة النبي ﷺ .
٢- تقرير حقيقة أن الصراع بين الحق والباطل لا ينتهي إلا بانتهاء الباطل.
٣- حرمة التشاؤم والتيامن كذلك، ولم يجز الشارع إلا التفاؤل لا غير.
٤- العمل بمعاصي الله تعالى هو الفساد في الأرض، والعمل بطاعته هو الإصلاح في الأرض.
٥- تقرير أن المشركين يؤمنون بالله ولذا يحلفون به، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لشركهم في عبادة الله تعالى
غيره من مخلوقاته.
стр. 2039
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)
شرح الكلمات:
ومكروا مكرا: أي دبروا طريقة خفية لقتل صالح والمؤمنين.
ومكرنا مكرا: أي ودبرنا طريقة خفية لنجاة صالح والمؤمنين وإهلاك الظالمين.
وهم لا يشعرون: بأنا ندبر لهم طريق هلاكهم.
بيوتهم خاوية: أي فارغة ليس فيها أحد.
بما ظلموا: أي بسبب ظلمهم وهو الشرك والمعاصي.
لآية: أي عبرة.
وأنجينا الذين آمنوا: أي صالحا والمؤمنين.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً﴾ (١) هذا نهاية قصص صالح مع ثمود تقدم أن تسعة رهط من قوم صالح تقاسموا على تبييت صالح والمؤمنين وقتلهم ليلا ليحولوا في نظرهم دون وقوع العذاب الذي واعدهم به صالح وأنه نازل بهم بعد ثلاثة أيام، وهذا مكرهم وطريقة تنفيذه أنهم أتوا صالحا وهو يصلي في مسجد له تحت الجبل فسقطت عليهم صخرة من الجبل فأهلتكهم أجمعين وهكذا مكر الله بهم وهم لا يشعرون به، ثم أهلك الله القوم كلهم
стр. 2040
بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وهو معنى قوله تعالى ﴿فَانْظُرْ (١) كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أي انظر يا رسولنا كيف كانت نهاية ذلك المكر وعاقبته ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ (٢) وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ (٣) خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي بسبب ظلمهم أنفسهم بالشرك وظلمهم صالحا والمؤمنين. وقوله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أي الإهلاك للرهط التسعة ولثمود قاطبة ﴿لآية﴾ أي علامة على قدرة الله وعلمه وحسن تدبيره ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إذ هم الذين يرون الآية ويدركونها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٤) ﴾ يريد صالحاً والمؤمنين الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً وبصالح نبياً ورسولاً. وكانوا طوال حياتهم يتقون عقاب الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير قاعدة: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ .
٢- تقرير أن ديار الظالمين مآلها الخراب فالظلم يذر الديار بلا قع.
٣- تقرير أن الإيمان والتقوى هما سبب النجاة لأن ولاية الله للعبد تتم بهما.
وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)
شرح الكلمات:
ولوطا: أي واذكر لقومك لوطاً إذ قال لقومه.
стр. 2041
لقومه: هم سكان مدن عمورية وسدوم.
الفاحشة: أي الخصلة القبيحة الشديدة القبح وهي اللواط.
وأنتم تبصرون: أذ كانوا يأتونها في أنديتهم عيانا بلا ستر ولا حجاب.
قوم تجهلون: أي قبح ما تأتون وما يترتب عليه من خزي وعذاب.
معنى الآياتين:
هذا بداية قصص لوط ﵇ مع قومه اللوطيين فقال تعالى ﴿وَلُوطاً (١) ﴾ أي واذكر كما ذكرت صالحا وقومه اذكر لوطاً ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ (٢) ﴾ منكراً عليهم موبخا مؤنبا لهم على فعلتهم الشنعاء ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي قبحها وشناعتها ببصائركم وبأبصاركم حيث كانوا يأتونها علناً وعياناً وهم ينظرون وقوله ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ (٣) الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي لا للعفة والإحصان ولا للولد والإنجاب بل لقضاء الشهوة البهيمية فشأنكم شأن البهائم لا غير. وفي نفس الوقت آذيتم نساءكم حيث تركتم إتيانهن فهضمتم حقوقهن. وقوله تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٤) ﴾ أي قال لهم لوط ﵇ أي ما كان ذلك الشر والفساد منكم إلا لأنكم قوم سوء جهلة بما يجب عليكم لربكم من الإيمان والطاعة وما يترتب على الكفر والعصيان من العقاب والعذاب.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان ما كان عليه قوم لوط من الفساد والهبوط العقلي والخلقي.
٢- تحريم فاحشة اللواط وأنها أقبح شيء وأن فاعلها أحط من البهائم.
٣- بيان أن الجهل بالله تعالى وما يجب له من الطاعة، وبما لديه من عذاب وما عنده من نعيم مقيم هو سبب كل
شر في الأرض وفساد. ولذا كان الطريق إلى إصلاح البشر هو
стр. 2042
تعريفهم بالله تعالى حتى إذا عرفوه وآمنوا به أمكنهم أن يستقيموا في الحياة على منهج الإصلاح المهيء للسعادة والكمال.
стр. 2043
الجزء العشرون
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)
شرح الكلمات:
فما كان جواب قومه: أي لم يكن لهم من جواب إلا قولهم أخرجوا.
آل لوط: هم لوط ﵇ وامرأته المؤمنة وابنتاه.
من قريتكم: أي مدينتكم سَدوم.
يتطهرون: أي يتنزهون عن الأقذار والأوساخ.
قدرناها من الغابرين: أي حكمنا عليها أن تكون من الهالكين.
فساء مطر المنذرين: أي قبح مطر المنذرين من أهل الجرائم أنه حجارة من سجيل.
معنى الآيات:
هذه بقية قصص لوط ﵇ إنه بعد أن أنكر لوط ﵇ على قومه فاحشة اللواط وأنَّبَهم عليها، وقبّح فعلهم لها أجابوه مهددين له بالطرد والإبعاد من القرية كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ أي لم يكن لهم من جواب يردون به على لوط ﵇ ﴿إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم﴾ أي إلا قولهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ . وعللوا لقولهم هذا بقولهم ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ (١) يَتَطَهَّرُون﴾ . أي يتنزهون عن الفواحش. قالوا هذا تهكماً، لا إقراراً منهم على أن الفاحشة قذر يجب التنزه عنه. ولما بلغ بهم الحد إلى تهديد نبي الله لوط ﵇ بالطرد والسخرية منه أهلكهم الله تعالى وأنجى لوطاً وأهله إلا إحدى امرأتيه وكانت عجوزا كافرة وهو معنى قوله تعالى في الآية (٥٧) ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٢) ﴾ حكمنا ببقائها مع الكافرين لتهلك معهم. وقوله تعالى في الآية (٥٨) ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً﴾ هو بيان لكيفية إهلاك قوم لوط بأن
стр. 2044
أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود فأهلكهم. ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١) ﴾ أي قبح هذا المطر من مطر المنذرين الذين كذبوا بما أنذروا به وأصروا على الكفر والمعاصي. وهذا المطر كان بعد أن جعل الله عاليَ بلادهم سافلها، أردف خسفها بمطرٍ من حجارة لتصيب من كان بعيداً عن المدُن.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان سنة أن الظلمة إذا أعيتهم الحجج والبراهين يفزعون إلى القوة.
٢- بيان سنة أن المرء إذا أدْمن على قبح قول أو عمل يصبح غير قبيح عنده.
٣- سنة إنجاء الله أولياءه وإهلاكه أعداءه بعد إصرار المنذَرين على الكفر والمعاصي.
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ
стр. 2045
رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)
شرح الكلمات:
اصطفى: أي اختارهم لحمل رسالته وإبلاغ دعوته.
آلله خير: أي لمن يعبده.
حدائق ذات بهجة: أي بساتين ذات منظر حسن لخضرتها وأزهارها.
يعدلون: أي بربهم غيره من الأصنام والأوثان.
جعل الأرض قراراً: أي قارة ثابتة لا تتحرك ولا تضطرب بسكانها.
وجعل خلالها أنهاراً: أي جعل الأنهار العذبة تتخللها للشرب والسقي.
وجعل لها رواسي: أي جبالاً أرساها بها حتى لا تتحرك ولا تميل.
بين البحرين حاجزا: أي فاصلاً لا يختلط أحدهما بالآخر.
ويكشف السوء: أي الضر، المرض وغيره.
قليلا ما تذكرون: أي ما تتعظون إلا قليلا.
بُشراً بين يدي رحمته: أي مبشرة بين يدي المطر إذ الرياح تتقدم ثم باقي المطر.
أمن يبدأ الخلق ثم يعيده: أي يبدؤه في الأرحام، ثم يعيده يوم القيامة.
هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين: أي حجتكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلها آخر فعل ما ذكر.
معنى الآيات:
لما أخبر الله تعالى رسوله بإهلاك المجرمين ونجاة المؤمنين أمر تعالى رسوله أن يحمده على ذلك تعليماً له ولأمته إذا تجددت لهم نعمة أن يحمدوا الله تعالى عليها ليكون ذلك من شكرها قال تعالى ﴿قُلِ الْحَمْدُ (١) لِلَّهِ﴾ أي الوصف بالجميل لله استحقاقا.
стр. 2046
﴿وَسَلامٌ (١) عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (٢) ﴾ الله لرسالته وإبلاغ دعوته إلى عباده ليعبدوه فيكملوا ويسعدوا على ذلك في الحياتين.
وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ (٣) خَيْرٌ أَمَّا (٤) يُشْرِكُونَ﴾ أي آالله الخالق الرازق المدبر القوي المنتقم من أعدائه المكرم لأوليائه؛ عبادته خير لمن يعبده بها أم عبادة من يشركون. فقوله ﴿أَمَّنْ (٥) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي لحاجتكم إليه غسلا وشربا وسقيا ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ أي بساتين محدقة بالجدران والحواجز ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي حسن وجمال، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي لم يكن في استطاعتكم أن تنبتوا شجرها ﴿أَإِلَهٌ (٦) مَعَ اللهِ﴾ لا والله ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي يشركون بربهم أصناما ويسوّونها به في العبادات. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً (٧) ﴾ أي قارة ثابتة لا تتحرك بسكانها ولا تضطرب بهم فيهلكوا. ﴿وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً﴾ أي فيما بينها. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ أي جبالاً تثبتها، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والملح ﴿حَاجِزاً﴾ (٨) حتى لا يختلط الملح بالعذب فيفسده.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟﴾ والجواب: لا والله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولو علموا لما أشركوا
стр. 2047
بالله مخلوقاته. وقوله تعالى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ (١) إِذَا دَعَاهُ﴾ أي ليكشف ضره ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي يبعده والسوء هو ما يسوء المرء من مرض وجوع وعطش وقحط وجدب. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ جعل جيلاً يخلف جيلاً وهكذا الموجود خلف لمن سلف وسيكون سلفاً لمن خلف ﴿أَإِلَهٌ (٢) مَعَ اللهِ﴾ والجواب لا إله مع الله ﴿قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما تتعظون إلا قليلا بما تسمعون وترون من آيات الله.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الليل بالنجوم وفي النهار بالعلامات الدالة والهادية إلى مقاصدكم ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من يثير الرياح ويرسلها تتقدم المطر وتبشر به؟ لا أحد غير الله إذاً.. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ . والجواب: لا، لا.. الله وحده الإله الحق وما عداه فباطل.
وقوله تعالى: ﴿تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه تعالى نفسه عن شرك المشركين أصناما لا تبدئ ولا تعيد ولا تخلق ولا ترزق ولا تعطي ولا تمنع. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ﴾ أي نطفاً في الأرحام، ثم بعد حياته يميته، ثم يعيده وهو معنى ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ .
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بالمطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنبات. والجواب: الله إذاً ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ والجواب: لا، لا وإن قلتم هناك آلهة مع الله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي حججكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن غير الله يفعل شيئاً مما ذكرفي هذا السياق الكريم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب حمد الله وشكره عند تجدد الشكر، والحمد لله رأس الشكر.
٢- مشروعية السلام عند ذكر الأنبياء ﵈ فمن ذكر أحدهم قال ﵇.
٣- التنديد بالشرك والمشركين.
٤- تقرير التوحيد بأدلتة الباهرة العديدة.
٥- تقرير البعث الآخر وإثباتها بالاستنباط من الأدلة المذكورة.
٦- لا يثبت الأحكام إلا بالأدلة النقلية والعقلية.
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ
стр. 2048
فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)
شرح الكلمات:
من في السموات والأرض: الملائكة والناس.
الغيب إلا الله: أي ما غاب عنهم ومن ذلك متى قيام الساعة إلا الله فإنه يعلمه.
أيَّان يبعثون: أي متى يبعثون.
بل ادّارك علمهم في الآخرة: أي تلاحق وهو ما منهم أحد إلا يظن فقط فلا علم لهم بالآخرة بالمرة.
بل هم منها عمون: أي في عمى كامل لا يبصرون شيئا من حقائقها.
أئنا لمخرجون: أي أحياء من قبورنا.
لقد وعدنا هذا: أي البعث أحياء من القبور.
أساطير الأولين: أي أكاذيبهم التي سطروها في كتبهم.
كيف كان عاقبة المجرمين: أي المكذبين بالبعث كانت دمارا وهلاكاً وديارهم الخاوية شاهدة بذلك.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ لما سأل المشركون من قريش النبي ﷺ عن الساعة أمره تعالى أن يجيبهم بهذا الجواب ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ﴾ الخ.. والساعة من جملة الغيب بل هي أعظمه. ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من الناس ﴿إِلَّا (١) اللهُ﴾ أي لكن
стр. 2049
الله تعالى يعلم غيب السموات والأرض أما غيره فلا يعلم إلا ما علمه الله علام الغيوب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي وما يشعر أهل السموات وأهل الأرض متى يبعث الأموات من قبورهم للحساب والجزاء وهذا كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (١) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قرئ ﴿بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي بلغ حقيقته يوم القيامة إذ يصبح الإيمان بها الذي كان غيبا شهادة ولكن لا ينفع صاحبه يومئذ. وقرئ ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ أي علم المشركين بالآخرة. أي تلاحق وأدرك بعضه بعضا وهو أنه لا علم لهم بها بالمرة. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٢) ﴾ أي لا يرون شيئا من دلائلها، ولا حقائقها بالمرة ويدل على هذا ما أخبر به تعالى عنهم من أنهم لا يؤمنون بالساعة بالمرة قي قوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا (٣) كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أي من قبورنا أحياء. والاستفهام للإنكار الشديد ويؤكدون إنكارهم هذا بقولهم:
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل أن يعدنا محمد. ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي الوعد بالبعث والجزاء ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أكاذيبهم وحكاياتهم التي يسطرونها في الكتب ويقرأونها على الناس. وقوله تعالى في آخر آية من هذا السياق (٦٩) ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي قل لهم يا رسولنا سيروا في الأرض جنوبا أو شمالا أو (٤) غربا ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي أهلكناهم لما كذبوا بالبعث كما كذبتم، فالقادر على خلقهم ثم إماتتهم قادر قطعا على بعثهم وإحيائهم لمحاسبتهم وجزائهم بكسبهم. فالبعث إذاً ضروري لا ينكره ذو عقل راجح أبدا.
стр. 2050
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حصر علم الغيب في الرب ﵎. فمن ادعى أنه يعلم ما في غد فقد كذب (١) .
٢- تساوي علم أهل السماء والأرض في الجهل بوقت الساعة.
٣- المكذبون بيوم القيامة سيوقنون به في الآخرة ولكن لا ينفعهم ذلك.
٤- إهلاك الله الأمم المكذبة بالبعث بعد خلقهم ورزقهم دليل على قدرته تعالى على بعثهم لحسابهم وجزائهم.
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)
شرح الكلمات:
ولا تحزن عليهم الآية: المراد به تسلية الرسول ﷺ .
مما يمكرون: أي بك إذ حاولوا قتله ولم يفلحوا.
متى هذا الوعد: أي بعذابنا.
بعض الذي تستعجلون: وقد حصل لهم في بدر.
إن الله لذو فضل على الناس: أي في خلقهم ورزقهم وحفظهم وعدم إنزال العذاب بهم.
ما تكن صدورهم: أي ما تخفيه وتستره صدروهم.
وما من غائبة: أي ما من حادثة غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين هو اللوح المحفوظ مدونة فيه مكتوبة.
стр. 2051
معنى الآيات:
ما زال السياق في دعوة المشركين إلى التوحيد والإيمان بالنبوة والبعث الآخر ولقد تقدم تقرير كل من عقيدة التوحيد بأدلة لا ترد، وكذا تقرير عقيدة البعث والجزاء ولكن المشركين ما زالوا يعارضون ويمانعون بل ويمكرون فلذا نهى الله تعالى رسوله عن الحزن على المشركين في عدم إيمانهم كما نهاه عن ضيق (١) صدره مما يمكرون (٢) ويكيدون له ولدعوة الحق التي يدعو إليها. هذا ما دلت عليه الآية الآولى (٧٠) وأما الآية الثانية والثالثة فإنه تعالى يخبر رسوله بما يقول أعداؤه ويلقنه الجواب. فقال تعالى: (٧١) ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى (٣) هَذَا الْوَعْدُ﴾ - أي بالعذاب - ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ – فيما تقولون وتعدون- ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي اقترب (٤) منكم ودنا وهو ما حصل لهم في بدر من الأسر والقتل هذا ما دلت عليه الآيتان (٧١و٧٢) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ (٥) ﴾ مؤمنهم وكافرهم إذ خلقهم ورزقهم وعافاهم ولم يهلكهم بذنوبهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ فها هم أؤلاء يستعجلون العذاب ويطالبون به ومع هذا يمهلهم لعلهم يتوبون، وهذا أعظم فضل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ (٦) وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي لا يخفى عليه من أمرهم شيء وسيحصي لهم أعمالهم ويجزيهم بها وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ ووعيد لهم وتهديد وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ (٧) فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ . وهو اللوح المحفوظ أي إن علم ربك أحاط بكل شيء ولا يعزب عنه شيء وهذا مظهر من مظاهر العلم الإلهي المستلزم للبعث والجزاء، إذ لو قل علمه بالخلق لكان من الجائز أن يترك بعضا لا يبعثهم ولا يحاسبهم ولا يجزيهم.
стр. 2052
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تسلية الرسول ﷺ لأنه يعاني شدة من ظلم المشركين وإعراضهم.
٢- بيان تعنت المشركين وعنادهم.
٣- تحقق وعد الله للمشركين حيث نزل بهم بعض العذاب الذي يستعجلون.
٤- بيان فضل الله تعالى على الناس مع ترك أكثرهم لشكره .
٥- بيان إحاطة علم الله بكل شيء.
٦- إثبات وتقرير كتاب المقادير، وهو اللوح المحفوظ.
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
شرح الكلمات:
يقص على بني إسرائيل: أي يذكر أثناء آياته كثيرا مما اختلف فيه بنو إسرائيل.
لهدى ورحمة للمؤمنين: أي به تتم هداية المؤمنين ورحمتهم.
يقضي بينهم بحكمه: أي يحكم بين بني إسرائيل بحكمه العادل.
وهو العزيز العليم: الغالب على أمره، العليم بخلقه.
فتوكل على الله: أي ثق فيه وفوّض أمرك إليه.
إنّك لا تسمع الموتى: أي لو أردت أن تسمعهم لأنهم موتى.
стр. 2053
ولا تسمع الصم الدعاء: أي ولا تقدر على إسماع كلامك الصم الذين فقدوا حاسة السمع.
إذا ولوا مدبرين: أي إذا رجعوا مدبرين عنك غير ملتفتين إليك.
إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا: أي ما تسمع إلا من يؤمن بآيات الله.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ (١) هَذَا الْقُرْآنَ﴾ الكريم الذي أنزل على محمد ﷺ ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ المعاصرين لنزوله ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كاختلافهم في عيسى ﵇ ووالدته إذ غلا فيهما البعض وأفرطوا فألهّوهما وفرط فيهما البعض فقالوا في عيسى ساحر، وفي مريم عاهرة لعنهم الله، وكاختلافهم في صفات الله تعالى وفي حقيقة المعاد، وكاختلافهم في مسائل شرعية وأخرى تاريخية. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً (٢) وَرَحْمَةٌ﴾ أي وإن القرآن الكريم لهدى، أي لهادٍ لمن آمن به إلى سبيل السلام ورحمة شاملة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) به، العاملين بما فيه من الشرائع والآداب والأخلاق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي أيها الرسول ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الناس من وثنيين وأهل كتاب يوم القيامة بحكمه (٤) العادل الرحيم، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب الذي ينفذ حكمه فيمن حكم له أو عليه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالمحقين من المبطلين من عباده فلذا يكون حكمه أعدل وأرحم ولذا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى (٥) اللهِ﴾ أيها الرسول بالثقة فيه وتفويض أمرك إليه فإنه كافيك. وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي إنك يا رسولنا على الدين الحق الذي هو الإسلام وخصومك على الباطل فالعاقبة الحسنى لك، لا محالة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ والكفار موتى بعدم وجود روح الإيمان في أجسامهم والميت
стр. 2054
لا يسمع فلذا لا تقدر على إسماع هؤلاء الكافرين الأموات (١) ، كما أنك ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أي الفاقدين لحاسة السمع ﴿الدُّعَاءَ﴾ أي دعاءك ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أي إذا رجعوا مدبرين غير ملتفتين إليك. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ التي يعيشون عليها فهوّن على نفسك ولا تكرب ولا تحزن ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا﴾ أي ما تسمع إسماع تفهم وقبول إلا المؤمنين بآيات الله, ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي فهم من أجل إيمانهم مسلمون أي منقادون خاضعون لشرع الله وأحكامه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- شرف القرآن وفضله.
٢- لن ينتهي خلاف اليهود والنصارى إلا بالإسلام فإذا أسلموا اهتدوا للحق وانتهى كل خلاف بينهم.
٣- كل خلاف بين الناس اليوم سيحكم الله تعالى بين أهله يوم القيامة بحكمه العادل ويوفي كلا ما له أو عليه وهو العزيز العليم.
٤- الكفار أموات لخلو أبدانهم من روح الإيمان فلذا هم لا يسمعون الهدى ولا يبصرون الآيات مهما كانت واضحات.
فعلى داعيهم أن يعرف هذا فيهم وليصبر على دعوتهم ودعاويهم.
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)
стр. 2055
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
شرح الكلمات:
وقع القول عليهم: أي حق عليهم العذاب.
دابة من الأرض: حيوان يدب على الأرض لم يرد وصفها في حديث صحيح يعول عليه ويقال به (١) .
تكلم الناس: بلسان يفهمونه لأنها آية من الآيات.
أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون: أي بسب أن الناس أصبحوا لا يؤمنو بآيات الله وشرائعه أي كفروا فيبلون بهذه الدابة.
ويوم نحشر: أي اذكر يوم نحشر أي نجمع.
من كل أمة فوجا: أي طائفة وهم الرؤساء المتبوعون في الدنيا.
فهم يوزعون: أي يجمعون برد أولهم على آخرهم.
حتى إذا جاءوا: أي الموقف مكان الحساب.
وقع القول عليهم: أي حق عليهم العذاب.
بما ظلموا: أي بسبب الظلم الذي هو شركهم بالله تعالى.
فهم لا ينطقون: أي لا حجة لهم.
والنهار مبصرا: أي يبصر فيه من أجل التصرف في الأعمال.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي حق العذاب على الكافرين حيث لم يبق في
стр. 2056
الأرض من يأمر بمعروف ولا من ينهى عن منكر ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ﴾ لفتنتهم ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي حيوان أرضي ليس بسماوي ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أي بلسان يفهمونه، ﴿أَنَّ النَّاسَ (١) كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ هذه علة تكليمهم وهي بأن الناس كفروا وما أصبحو يوقنون بآيات الله وشرائعه فيخرج الله تعالى هذه الدابة لِحِكَمٍ منها: أن بها يتميز المؤمن من الكافر. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ أي واذكر يا رسولنا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم البشرية ﴿فَوْجاً﴾ أي جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ بأن يرد أولهم على آخرهم لينتظم سيرهم ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ الموقف موضع الحساب يقول الله تعالى لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ وما اشتملت عليه من أدلة وحجج وشرائع وأحكام ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً﴾ ، وهذا تقريع لهم وتوبيخ. إذ كون الإنسان لم يحط علما بشيء لا يجوز له أن يكذب به لمجرد أنه ما عرفه. وقوله: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ما الذي كنتم تعملون في آياتي من تصديق وتكذيب. قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي وجب العذاب ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي بسبب ظلمهم (٢) ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ . أي بعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم لأنهم ظَلَمةٌ مشركون. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ (٣) يَرَوْا﴾ أي ألم يبصر أولئك المشركون المكذبون بالبعث والجزاء أن الله تعالى جعل ﴿اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وسكونهم هو موتهم على فرشهم بالنوم فيه ﴿وَالنَّهَارَ﴾ أي وجعل ﴿النَّهَارَ مُبْصِراً﴾ أي يبصر فيه لينصرفوا فيه بالعمل لحياتهم، فنوم الليل شبيه بالموت وانبعاث النهار شبيه بالحياة، فهي عملية موت وحياة متكررة طوال الدهر فكيف ينكر العقلاء البعث الآخر وله صورة متكررة طوال الحياة، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في ذلك العمل المتكرر للموت والحياة كل يوم وليلة ﴿لَآياتٍ﴾ أي براهين وحجج قاطعة على وجود بعث وحياة بعد هذا الموت والحياة. وخص المؤمنون بالذكر وبالحصول على البرهان المطلوب من عملية الليل والنهار لأن المؤمنين أحياء يسمعون ويبصرون ويفكرون والكافرين أموات والميت لا يسمع ولا يبصر ولا يعي ولا يفكر.
стр. 2057
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تأكيد آية الدابة والتي تخرج من صدع من الصفا وقد وجد الصدع الآن فيما يبدو وهي الأنفاق التي فتحت
في جبل الصفا وأصبحت طرقاً عظيمة للحجاج، وعما قريب تخرج، وذلك يوم لا يبقى من يأمر بالمعروف ولا من ينهى عن المنكر فيحق العذاب على الكافرين.
٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر وصف لها.
٣- ويل لرؤساء الضلالة والشر والشرك والباطل إذ يؤتى بهم ويسألون.
٤- في آية الليل والنهار ما يدل بوضوح على عقيدة البعث الآخر والحساب والجزاء.
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)
شرح الكلمات:
ويوم ينفخ في الصور: أي يوم ينفخ إسرافيل في البوق نفخة الفزع والفناء والقيام من القبور.
وكل أتوه داخرين: أي وكل من أهل السماء والأرض أتوا الله داخرين أي أذلاء صاغرين.
وترى الجبال تحسبها جامدة: أي تظنها في نظر العين جامدة.
وهي تمر مرّ السحاب: وذلك لسرعة تسييرها.
стр. 2058
من جاء بالحسنة: وهي الإيمان والتوحيد وسائر الصالحات.
فله خير منها: أي الجنة.
ومن جاء بالسيئة: أي الشرك والمعاصي فله النار يكب وجهه فيها.
وهم من فزع يومئذ آمنون: أي أصحاب حسنات التوحيد والعمل الصالح آمنون من فزع هول يوم القيامة.
ومن جاء بالسئية فكبت: أي جاء بالسيئة كالشرك وأكل الربا، وقتل النفس، فكبت وجوههم في النار والعياذ بالله أي ألقوا فيها على وجوههم.
هل تجزون إلا ما كنتم تعملون: أي ما تجزون إلا بعملكم، ولا تجزون بعمل غيركم.
معنى الآيات:
ما زال السياق في ذكر أحداث القيامة تقريراً لعقيدة البعث والجزاء التي هي الباعث على الاستقامة في الحياة. فقال تعالى ﴿وَيَوْمَ (١) يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ أي ونفخ إسرافيل بإذن ربه في الصور الذي هو القرن أو البوق ﴿فَفَزِعَ (٢) مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ وهي نفخة الفزع فتفزع لها الخلائق إلا من استثنى الله تعالى وهم الشهداء فلا يفزعون وهي نفخة الفناء أيضاً إذ بها يفنى كل شيء، وقوله تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ (٣) ﴾ أي أتوا الله تعالى ﴿دَاخِرِينَ﴾ أي صاغرين ذليلين أتوه إلى المحشر وساحة فصل القضاء وقوله ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي لا تتحرك وهي في نفس الواقع تسير (٤) سير السحاب ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أوثق صنعه (٥) وأحكمه ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ وسيجزيكم أيها الناس بحسب علمه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ وهي الإيمان والعمل الصالح ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ألا وهي الجنة ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ وهي الشرك والمعاصي ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ فذلك
стр. 2059
جزاء من جاء بالسيئة.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ (١) إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا تجزون إلا ما كنتم تعملونه في الدنيا من خير وشر وقد تم الجزاء بمقتضى ذلك فقوم دخلوا الجنة وآخرون كبت وجوههم في النار.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيد البعث والجزاء بذكر أحداثها مفصلة.
٢- بيان كيفية خراب العوالم وفناء الأكوان.
٣- فضل الشهداء حيث لا يحزنهم الفزع الأكبر وهم آمنون.
٤- تقرير مبدأ الجزاء وهو الحسنة والسيئة، حسنة التوحيد وسيئة الشرك.
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)
شرح الكلمات:
هذه البلدة: أي مكة المكرمة والإضافة للتشريف.
الذي حرمها: أي الله الذي حرم مكة فلا يختلى خلاها ولا ينفّر صيدها ولا يقاتل فيها.
من المسلمين: المؤمنين المنقادين له ظاهرا وباطناً وهم أشرف الخلق.
وأن أتلو القرآن: أي أمرني أن أقرأ القرآن إنذاراً وتعليماً وتعبّداً.
стр. 2060
سيريكم آياته: أي مدلول آيات الوعيد فيعرفون ذلك وقد أراهموه في بدر وسيرونه عند الموت.
وما ربك بغافل عما يعملون: أي وما ربك أيها الرسول بغافل عما يعمل الناس وسيجزيهم بعملهم.
معنى الآيات:
إنه بعد ذلك العرض الهائل لأحداث القيامة والذي المفروض فيه أن يؤمن كل من شاهده ولكن القوم ما آمن أكثرهم ومن هنا ناسب بيان موقف الرسول ﷺ وهو أنه عبد مأمور بعبادة ربه لا غير، ربه الذي هو رب هذه البلدة الذي (١) حرمها فلا يقاتل فيها ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن يعرفها، وله كل شيء خلقاً وملكاً وتصرفاً فليس لغيره معه شيء في العوالم كلها علويّها وسلفيّها وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي وأمرني ربي أكون في جملة المسلمين أي المنقادين لله والخاضعين له وهم صالحو عباده من الأنبياء والمرسيلين. وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ أي وأمرني أن أتلو القرآن تلاوةَ إنذارٍ وتعليم وتعبداً وتقرباً إليه تعالى وبعد تلاوتي فمن اهتدى عليها فعرف طريق الهدى وسلكه فنتائج الهداية وعائدها عائد عليه هو الذي ينتفع بها. ومن ضل فلم يقبل الهدى وأقام على ضلالته فليس علي هدايته لأن ربي قال لي قل لمن ضل ﴿إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ لا من واهبي الإيمان والهداية إنما يهب الهداية ويمن بها الله الذي بيده كل شيء ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأمرني أن أحمده على كل ما وهبني من نعم لا تعد ولا تحصى ومن أجلِّها إكرامه لي بالرسالة التي شرفني بها على سائر الناس فالحمد لله والمنة له وقوله ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِه (٢) ِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أي وأعلم هؤلاء المشركين أن الله ربي سيريكم آياته في مستقبل أيامكم وقد أراهم أول آية في بدر وثاني آية في الفتح وآخر آية عند الموت يوم تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وتقول لهم "ذوقوا عذاب الحريق" وقوله تعالى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٣) ﴾ أي وما ربك الذي أكرمك وفضلك أيها الرسول ﴿بغافل عما تعملون﴾ أيها الناس مؤمنين وكافرين وصالحين وفاسدين وسيجزي كلاً بعمله وذلك يوم ترجعون إليه ففي الآية وعد ووعيد.
стр. 2061
من هداية الآيات:
١-بيان وظيفة الرسول ﷺ وأنها عبادة الله والإسلام له، وتلاوة القرآن إنذار اً وإعذاراً وتعليما وتعبداً به وتقرباً إلى منزله .
٢- بيان وتقرير حرمة مكة المكرمة والحرم.
٣-الندب إلى حمد الله تعالى على نعمة الظاهرةوالباطنة ولا سيما عند تجدد النعمة وعند ذكرها.
٤-بيان أن عوائد الكسب عائد على الكاسب خيراً كانت أو شراً.
٥- بيان معجزة القرآن الكريم إذ ما علم به المشركين أنهم سيرونها قد رأوه فعلاً وهو غيب، فظهر كما أخبر.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)
شرح الكلمات:
طسم: هذه إحدى الحروف المقطعة تكتب طسم وتقرأ: طا، سينْ، ميمْ.
تلك: أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات القرآن الكريم.
نتلو عليك: أي نقرأ عليك قاصين شيئاً من نبأ موسى وفرعون أي من خبرهما.
لقوم يؤمنون: أي لأجل المؤمنين ليزدادوا إيماناً ويوقنوا بالنصر وحسن العاقبة.
علا في الأرض: أي تكبر وظلم فادعى الربوبية وظلم بني إسرائيل ظلماً فظيعاً.
شيعاً: أي طوائف بعضهم عدوّ لبعض من باب فرّق تسدْ.
ويستحيي نساءهم: أي يبقي على النساء لا يذبح البنات لأنه لا يخاف منهن ويذبح الأولاد لخوفه مستقبلا على ملكه منهم.
ونريد أن نمن: أي ننعم على الذين استضعفوا فنجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
ما كانوا يحذرون: من المولود الذي يولد في بني إسرائيل ويذهب بملكهم.
معنى الآيات:
﴿طسم﴾ : هذا اللفظ الله أعلم بمراده منه، وقد أفاد فائدتين عظيمتين الأولى هي إعجاز القرآن الموجب للإيمان به وبمنزلة من أنزل عليه القرآن وهو محمد ﷺ وذلك أن هذا القرآن الذي أعجز العرب أن يأتوا بسورة مثله قد تألف من مثل هذه الحروف المقطعة فدل ذلك على أنه كلام الله ووحيه.
والثانية أنه لما خاف المشركون من تأثير القرآن على نفوس السامعين له وأمروا باجتناب سماعه واستعملوا وسائل شتى لمنع الناس في مكة من سماعه كانت هذه الحروف تضطرهم إلى السماع لغرابتها عندهم فإذا قرأ القارئ طسم وجد أحدهم نفسه مضطراً إلى السماع، فإذا ألقى سمعه نفذ القرآن إلى قلبه فاهتدى به إن شاء الله تعالى له الهداية كما حصل لكثيرين منهم.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين أي القرآن المبين
стр. 2064
للهدى من الضلال والخير من الشر والحق من الباطل، وقوله ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ (١) نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ أي نقرأ قاصين عليك أيها الرسول شيئا من نبأ موسى وفرعون أي من خبر موسى (٢) وفرعون وقوله ﴿للِقَوْمٍ (٣) يُؤْمِنُونَ﴾ باعتبارهم أنهم هم الذين ينتفعون بما يسمعون في حياتهم ولأنهم في ظرف صعب يحتاجون معه إلى سماع مثل هذا القصص ليثبتوا على إيمانهم حتى ينصرهم الله كما نصر الذين من قبلهم بعد ضعف كان أشد من ضعفهم وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾ إلى آخر الآية هذا بيان لما أخبر أنه يقصه للمؤمنين، يخبر تعالى فيقول: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ..﴾ إلى آخر الآية إن فرعون الحاكم المصري المسمى بالوليد بن الريان الطاغية المدعي الربوبية والألوهية ﴿عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض البلاد المصرية ومعنى علا طغى وتكبر وتسلط (٤) وقوله ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا﴾ أي أهل تلك البلاد المصرية ﴿شِيَعاً﴾ أي طوائف فرق بينها إبقاءً على ملكه على قاعدة فرق تَسُدْ المذهب السياسي القائم الآن في بلاد الكفر والظلم وقوله ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً﴾ من تلك الطوائف وهي طائفة بني إسرائيل وكيفية استضعافهم أنه يذبح أبناءهم ساعة ولادتهم ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي بناتهم ليكبرن للخدمة وتذبيح الأولاد سببه أن كهانه وسياسييه أعلموه أن ملكه مهدد بوجود بني إسرائيل أقوياء كثر في البلاد فاستعمل طريقة تقليلهم والحد من كثرتهم بذبح الأولاد الذكور منهم وإبقاء الإناث منهم وهي سياسة تشبه تحديد النسل اليوم التي يستعملها الهالكون اليوم وهم لا يشعرون.
وقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ هذا تعليل لعلو فرعون وطغيانه فذكر أن سبب ذلك الذي يرتكبه من السياسة العمياء الظالمة أنه ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض بارتكاب الجرائم العظام التي لا توصف.
وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي من بعض خبرهما أنا نريد أي أردنا أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض أرض مصر وهم بنو إسرائيل، نمُنُّ عليهم بإيمانهم وتخليصهم من حكم فرعون وتسلطه ونجعلهم قادة في الخير ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ لحكم البلاد وسياستها بعد إهلاك فرعون وجنوده وهو معنى قوله:
стр. 2065
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ (١) ﴾ . وقوله ﴿وَنُرِيَ (٢) فِرْعَوْنَ﴾ أي من جملة ما نتلو عليك أنا أردنا أن ﴿نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ (٣) ﴾ أي من بني إسرائيل ما كانوا يحذرونه من مولود يولد في بني إسرائيل فيذهب بملك فرعون وذلك بما سيذكر تعالى من أسباب وترتيبات هي عجب! تبتدئ من قوله تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ... ﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير إعجاز القرآن الذي هو آية أنه كتاب الله حقاًَ.
٢- تقرير النبوة المحمدية بهذا الوحي الإلهي.
٣- التحذير من الظلم والاستطالة على الناس والفساد في الأرض.
٤- المؤمنون هم الذين ينتفعون بما يتلى عليهم لحياة قلوبهم.
٥- تقرير قاعدة لا حذر مع القدر.
٦- تحريم تحديد النسل بإلزام المواطن بأن لا يزيد على عدد معين من الأطفال.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى
стр. 2066
أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)
شرح الكلمات:
وأوحينا إلى أم موسى: أعلمناها أن ترضع ولدها الرضعات الأولى التي لا بد منها ثم تضعه في تابوت ثم تلقيه في اليم.
في اليم: أي في البحر وهو نهر النيل.
ولا تخافي ولا تحزني: أي لا تخافي أن يهلك ولا تحزني على فراقه، إنا رادوه إليك.
فالتقطه آل فرعون: أي أعوانه ورجاله.
ليكون لهم عدواً وحزناً: أي في عاقبة الأمر، فاللام للعاقبة والصيرورة.
قرة عين لي ولك: أي تقر به عيني وعينك فنفرح به ونسر.
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا: أي من كل شيء إلا منه ﵇ أي لا تفكر في شيء إلا فيه.
إن كادت لتبدي به: أي قاربت بأن تصرخ بأنه ولدها وتظهر ذلك.
وقالت لأخته قصيه: أي اتبعي أثره حتى تعرفي أين هو.
فبصرت به عن جنب: أي لاحظته وهي مختفية تتبعه من مكان بعيد.
معنى الآيات:
هذه بداية قصة موسى مع فرعون وهو طفل رضيع إلى نهاية هلاك فرعون في ظرف طويل بلغ عشرات السنين. بدأ تعالى بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى (١) ﴾ أي أعلمناها من طريق الإلقاء في القلب ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ آل فرعون الذين يقتلون مواليد بني إسرائيل الذكور في هذه السنة ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي بعد أن تجعليه في تابوت أي صندوق
стр. 2067
خشب مطلي بالقار، ﴿وَلا تَخَافِي﴾ عليه الهلاك ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ على فراقك له ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ (١) ﴾ لترضعيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نرسله إلى عدوكم فرعون وملائه. قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي فعلت ما أمرها الله تعالى به بأن جعلته في تابوت وألقته في اليم أي النيل ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ حيث وجدوه لقطة فأخذوه وأعطوه لآسية بنت مزاحم ﵍ امرأة فرعون. وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ (٢) عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ هذا باعتبار ما يؤول إليه الأمر فهم ما التقطوه لذلك لكن شاء الله ذلك فكان لهم ﴿عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (٣) فعاداهم وأحزنهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ أي آثمين بالكفر والظلم ولذا يكون موسى لهم عدواً وحزناً. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ قالت هذا حين همَّ فرعون بقتله لما نتف موسى لحيته وهو رضيع تعلق به فأخذ شعرات من لحيته فتشاءم فرعون وأمر بقتله فاعتذرت آسية له فقالت هو ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ فقال فرعون قرة عين لك أما أنا فلا وقولها ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في حياتنا بالخدمة ونحوها ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ وذلك بالتبني وهذا الذي حصل، فكان موسى إلى الثلاثين من عمره يعرف بابن فرعون وقوله ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي بما سيكون من أمره وأن هلاك فرعون وجنوده سيكون على يده.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾ أي من أي شيء إلا من موسى وذلك بعد أن ألقته في اليم.
وقوله ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي لتصرخ بأنه ولدها وتظهر ذلك من شدة الحزن لكن الله تعالى ربط على قلبها فصبرت لتكون بذلك من المؤمنين بوعد الله تعالى لها بأن يرده إليها ويجعله من المرسلين.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ (٤) ﴾ أي تتبعي أثره وذلك عندما ألقته في اليم وقوله
стр. 2068
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ (١) ﴾ أي رأته من بعد فكانت تمشي على شاطئ النهر وتلاحقه النظر من بعد حتى رأته انتهى إلى فرع الماء الذي دخل إلى قصر فرعون فعلمت أنه قد دخل القصر. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون أنها أخته لما كانت تلاحقه النظر وتتعرف إليه من بعد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان تدبير الله تعالى لأولياء وصالحي عباده وتجلى ذلك في الوحي إلى أم موسى بإرضاعه وإلقائه في البحر
والتقاط آل فرعون له ليتربى في بيت الملك عزيزاً مكرماً.
٢- بيان سوء الخطيئة وآثارها السيئة وعواقبها المدمرة وتجلى ذلك فيما حل بفرعون وهامان وجنودهما.
٣- فضيلة الرجاء تجلت في قول آسية "قرة عين لي ولك" فقال فرعون: أما لي فلا. فكان موسى قرة عين لآسية ولم
يكن لفرعون.
٤- بيان عاطفة الأمومة حيث أصبح فؤاد أم موسى فارغا إلا من موسى.
٥- بيان عناية الله بأوليائه حيث ربط على قلب أم موسى فصبرت ولم تبده لهم وتقول هو ولدي ليمضي وعد الله
تعالى كما أخبرها. والحمد له رب العالمين.
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ
стр. 2069
فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)
شرح الكلمات:
وحرمنا عليه المراضع: أي منعناه من قبول ثدي أية مرضعة.
من قبل: أي من قبل رده إلى أمه.
فقالت هل أدلكم على: أي قالت أخت موسى.
أهل بيت يكفلونه لكم: يضمونه إليهم، يرضعونه ويربونه لكم.
وهم له ناصحون: أي لموسى ناصحون، فلما قالوا لها إذاً كنت أنت تعريفينه، قالت لا، إنما أعني أنهم ناصحون للملك لا للولد.
فرددناه إلى أمه: أي رددنا موسى إلى أمه أي قبلوا اقتراح أخته.
ولتعلم أن وعد الله حق: إذ أوحى إليها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين.
ولكن أكثرهم لا يعلمون: أي أكثر الناس لا يعلمون وعد الله لأم موسى ولا يعلمون أن الفتاة أخته وأن أمها أمه.
ولما بلغ أشده واستوى: أي ثلاثين سنة من عمره فانتهى شبابه وكمل عقله.
آتيناه حكما وعلما: أي وهبناه الحكمة من القول والعمل والعلم بالدين الإسلامي الذي كان عليه بنو إسرائيل وهذا قبل أن ينبأ ويرسل.
ودخل المدينة: مدينة فرعون وهي مُنْفُ بعد أن غاب عنها مدة.
على حين غفلة من أهلها: لأن الوقت كان وقت القيلولة.
هذا من شيعته: أي على دينه الإسلامي.
وهذا من عدوه: على دين فرعون والأقباط.
هذا من عمل الشيطان: أي هذا الفعل من عمل الشيطان لأنه المهيج غضبي.
إنه عدو مضل مبين: أي الشيطان عدو لابن آدم مضل له عن الهدى، مبين ظاهر الإضلال.
стр. 2070
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصص موسى مع فرعون: إنه بعد أن التقط آل فرعون موسى من النيل وهو رضيع قدموا له المراضع فرفضهن مرضعة بعد أخرى، فاحتار آل فرعون لحبهم لموسى لأن الله تعالى ألقى عليه محبة منه فما رآه أحد إلا أحبه وهذا معنى قوله تعالى في الآية (١٢) ﴿وَحَرَّمْنَا (١) عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل رده إلى أمه. وقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ هذه أخته وقد أمرتها أمها أن تقص آثار موسى وتتبع أخباره فلما علمت أن أخاها لم يقبل المراضع وأن القصر في قلق من جراء عدم رضاع موسى تقدمت وقالت ما أخبر الله تعالى به عنها في قوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ويرضعونه ويحفظونه حتى تنتهي مدة رضاعته ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (٢) ﴾ وهنا ارتابوا في أمرها واستنطقوها واتهموها بأنها تعرفه فقالت: لا أعرفه، إنما عنيت ﴿وهم له ناصحون﴾ أن أهل هذا البيت ناصحون للملك وهنا استجابوا لها فأتت به أمه فما إن رآها حتى رمى نفسه عليها وأخذ ثديها يمتصه فقالوا لها: ما سر قبوله هذه المرأة فأجابت: بأنها طيبة الريح طيبة اللبن فأذنوا لها في إرضاعه في بيتها فعادت به وهو معنى قوله تعالى ﴿فَرَدَدْنَاهُ (٣) إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ أي تفرح وتسر ولا تحزن على فراقه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ إذ وعدها بأنه راده إليها. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لكن أكثر الناس لا يعلمون أنها أمه ولا أن الله وعدها بأن يرده إليها. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي موسى ﴿أَشُدَّهُ (٤) ﴾ أي اكتمال شبابه وهو ثلاثين سنة. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي حكمة وهي الإصابة في الأمور ﴿وَعِلْماً﴾ فقهاً في الدين الإسلامي الذي كان عليه بنو إسرائيل. وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزينا (٥) أم موسى وولدها موسى نجزي المحسنين وقوله