أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)
شرح الكلمات:
وأوحينا إلى أم موسى: أعلمناها أن ترضع ولدها الرضعات الأولى التي لا بد منها ثم تضعه في تابوت ثم تلقيه في اليم.
في اليم: أي في البحر وهو نهر النيل.
ولا تخافي ولا تحزني: أي لا تخافي أن يهلك ولا تحزني على فراقه، إنا رادوه إليك.
فالتقطه آل فرعون: أي أعوانه ورجاله.
ليكون لهم عدواً وحزناً: أي في عاقبة الأمر، فاللام للعاقبة والصيرورة.
قرة عين لي ولك: أي تقر به عيني وعينك فنفرح به ونسر.
وأصبح فؤاد أم موسى فارغا: أي من كل شيء إلا منه ﵇ أي لا تفكر في شيء إلا فيه.
إن كادت لتبدي به: أي قاربت بأن تصرخ بأنه ولدها وتظهر ذلك.
وقالت لأخته قصيه: أي اتبعي أثره حتى تعرفي أين هو.
فبصرت به عن جنب: أي لاحظته وهي مختفية تتبعه من مكان بعيد.
معنى الآيات:
هذه بداية قصة موسى مع فرعون وهو طفل رضيع إلى نهاية هلاك فرعون في ظرف طويل بلغ عشرات السنين. بدأ تعالى بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى (١) ﴾ أي أعلمناها من طريق الإلقاء في القلب ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ آل فرعون الذين يقتلون مواليد بني إسرائيل الذكور في هذه السنة ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي بعد أن تجعليه في تابوت أي صندوق
стр. 2067
خشب مطلي بالقار، ﴿وَلا تَخَافِي﴾ عليه الهلاك ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ على فراقك له ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ (١) ﴾ لترضعيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نرسله إلى عدوكم فرعون وملائه. قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي فعلت ما أمرها الله تعالى به بأن جعلته في تابوت وألقته في اليم أي النيل ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ حيث وجدوه لقطة فأخذوه وأعطوه لآسية بنت مزاحم ﵍ امرأة فرعون. وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ (٢) عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ هذا باعتبار ما يؤول إليه الأمر فهم ما التقطوه لذلك لكن شاء الله ذلك فكان لهم ﴿عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (٣) فعاداهم وأحزنهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ أي آثمين بالكفر والظلم ولذا يكون موسى لهم عدواً وحزناً. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ قالت هذا حين همَّ فرعون بقتله لما نتف موسى لحيته وهو رضيع تعلق به فأخذ شعرات من لحيته فتشاءم فرعون وأمر بقتله فاعتذرت آسية له فقالت هو ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ فقال فرعون قرة عين لك أما أنا فلا وقولها ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في حياتنا بالخدمة ونحوها ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ وذلك بالتبني وهذا الذي حصل، فكان موسى إلى الثلاثين من عمره يعرف بابن فرعون وقوله ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي بما سيكون من أمره وأن هلاك فرعون وجنوده سيكون على يده.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾ أي من أي شيء إلا من موسى وذلك بعد أن ألقته في اليم.
وقوله ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي لتصرخ بأنه ولدها وتظهر ذلك من شدة الحزن لكن الله تعالى ربط على قلبها فصبرت لتكون بذلك من المؤمنين بوعد الله تعالى لها بأن يرده إليها ويجعله من المرسلين.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ (٤) ﴾ أي تتبعي أثره وذلك عندما ألقته في اليم وقوله
стр. 2068
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ (١) ﴾ أي رأته من بعد فكانت تمشي على شاطئ النهر وتلاحقه النظر من بعد حتى رأته انتهى إلى فرع الماء الذي دخل إلى قصر فرعون فعلمت أنه قد دخل القصر. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون أنها أخته لما كانت تلاحقه النظر وتتعرف إليه من بعد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان تدبير الله تعالى لأولياء وصالحي عباده وتجلى ذلك في الوحي إلى أم موسى بإرضاعه وإلقائه في البحر
والتقاط آل فرعون له ليتربى في بيت الملك عزيزاً مكرماً.
٢- بيان سوء الخطيئة وآثارها السيئة وعواقبها المدمرة وتجلى ذلك فيما حل بفرعون وهامان وجنودهما.
٣- فضيلة الرجاء تجلت في قول آسية "قرة عين لي ولك" فقال فرعون: أما لي فلا. فكان موسى قرة عين لآسية ولم
يكن لفرعون.
٤- بيان عاطفة الأمومة حيث أصبح فؤاد أم موسى فارغا إلا من موسى.
٥- بيان عناية الله بأوليائه حيث ربط على قلب أم موسى فصبرت ولم تبده لهم وتقول هو ولدي ليمضي وعد الله
تعالى كما أخبرها. والحمد له رب العالمين.
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ
стр. 2069
فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)
شرح الكلمات:
وحرمنا عليه المراضع: أي منعناه من قبول ثدي أية مرضعة.
من قبل: أي من قبل رده إلى أمه.
فقالت هل أدلكم على: أي قالت أخت موسى.
أهل بيت يكفلونه لكم: يضمونه إليهم، يرضعونه ويربونه لكم.
وهم له ناصحون: أي لموسى ناصحون، فلما قالوا لها إذاً كنت أنت تعريفينه، قالت لا، إنما أعني أنهم ناصحون للملك لا للولد.
فرددناه إلى أمه: أي رددنا موسى إلى أمه أي قبلوا اقتراح أخته.
ولتعلم أن وعد الله حق: إذ أوحى إليها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين.
ولكن أكثرهم لا يعلمون: أي أكثر الناس لا يعلمون وعد الله لأم موسى ولا يعلمون أن الفتاة أخته وأن أمها أمه.
ولما بلغ أشده واستوى: أي ثلاثين سنة من عمره فانتهى شبابه وكمل عقله.
آتيناه حكما وعلما: أي وهبناه الحكمة من القول والعمل والعلم بالدين الإسلامي الذي كان عليه بنو إسرائيل وهذا قبل أن ينبأ ويرسل.
ودخل المدينة: مدينة فرعون وهي مُنْفُ بعد أن غاب عنها مدة.
على حين غفلة من أهلها: لأن الوقت كان وقت القيلولة.
هذا من شيعته: أي على دينه الإسلامي.
وهذا من عدوه: على دين فرعون والأقباط.
هذا من عمل الشيطان: أي هذا الفعل من عمل الشيطان لأنه المهيج غضبي.
إنه عدو مضل مبين: أي الشيطان عدو لابن آدم مضل له عن الهدى، مبين ظاهر الإضلال.
стр. 2070
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصص موسى مع فرعون: إنه بعد أن التقط آل فرعون موسى من النيل وهو رضيع قدموا له المراضع فرفضهن مرضعة بعد أخرى، فاحتار آل فرعون لحبهم لموسى لأن الله تعالى ألقى عليه محبة منه فما رآه أحد إلا أحبه وهذا معنى قوله تعالى في الآية (١٢) ﴿وَحَرَّمْنَا (١) عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل رده إلى أمه. وقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ هذه أخته وقد أمرتها أمها أن تقص آثار موسى وتتبع أخباره فلما علمت أن أخاها لم يقبل المراضع وأن القصر في قلق من جراء عدم رضاع موسى تقدمت وقالت ما أخبر الله تعالى به عنها في قوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ويرضعونه ويحفظونه حتى تنتهي مدة رضاعته ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (٢) ﴾ وهنا ارتابوا في أمرها واستنطقوها واتهموها بأنها تعرفه فقالت: لا أعرفه، إنما عنيت ﴿وهم له ناصحون﴾ أن أهل هذا البيت ناصحون للملك وهنا استجابوا لها فأتت به أمه فما إن رآها حتى رمى نفسه عليها وأخذ ثديها يمتصه فقالوا لها: ما سر قبوله هذه المرأة فأجابت: بأنها طيبة الريح طيبة اللبن فأذنوا لها في إرضاعه في بيتها فعادت به وهو معنى قوله تعالى ﴿فَرَدَدْنَاهُ (٣) إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ أي تفرح وتسر ولا تحزن على فراقه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ إذ وعدها بأنه راده إليها. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لكن أكثر الناس لا يعلمون أنها أمه ولا أن الله وعدها بأن يرده إليها. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي موسى ﴿أَشُدَّهُ (٤) ﴾ أي اكتمال شبابه وهو ثلاثين سنة. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي حكمة وهي الإصابة في الأمور ﴿وَعِلْماً﴾ فقهاً في الدين الإسلامي الذي كان عليه بنو إسرائيل. وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزينا (٥) أم موسى وولدها موسى نجزي المحسنين وقوله
стр. 2071
تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ أي موسى دخل مدينة مُنْفُ (١) التي هي مدينة فرعون وكان غائبا فترة. ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ لأن الوقت كان وقت القيلولة ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ على دين موسى وبني إسرايئل وهو الإسلام ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ لأنه على دين فرعون والأقباط وهو الكفر. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي طلب غوثه على الذي من عدوه ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي ضربه بجمع كفه ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي فقلته ودفنه في الرمال. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أي هذا قول موسى ﵇ اعترف بأن ضربه القبطي كان من تهيج الشيطان لغضبه فقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ للإنسان ﴿مُضِلٌّ﴾ له عن طريق الخير والهدى ﴿مُبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة للإنسان والإضلال.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي دعا موسى ربه معترفا بخطئه أوَّلاً فقال: ﴿رَبِّ﴾ أي يا رب ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي بقتلي القبطي ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ هذا الخطأ، فاستجاب الله تعالى وغفر له، إنه تعالى هو الغفور لذنوب عباده التأئبين له الرحيم بهم فلا يعذبهم بذنب تابوا منه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان حسن تدبير الله تعالى في منع موسى من سائر المرضعات حتى يرده إلى أمه.
٢- بيان حسن رد الفتاة على التهمة التي وجهت إليها وذلك من ولاية الله لها وتوفيقه.
٣- تقرير أن وعد الله حق، وأنه تعالى لا يخلف الوعد ولا الميعاد.
٤- بيان إنعام الله على موسى بالحكمة والعلم قبل النبوة والرسالة.
٥- مشروعية إغاثة الملهوف ونصرة (٢) المظلوم.
٦- وجوب التوبة بعد الوقوع في الزلل، وأول التوبة الاعتراف بالذنب.
стр. 2072
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
شرح الكلمات:
بما أنعمت علي: بإنعامك علي بمغفرة ذنبي.
فلن أكون ظهيرا للمجرمين: أي معيناً لأهل الإجرام.
خائفا يترقب: ماذا يحدث من خير أو غيره بعد القتل.
استنصره بالأمس: أي طلب نصرته فنصره.
يستصرخه: أي يستغيث به على قبطي آخر.
إنك لغوي مبي: أي لذو غواية وضلال ظاهر.
أن يبطش بالذي هو عدو لهما: أي أن يأخذ الذي هو عدو لموسى والقبطي معاً.
إن تريد إلا أن تكون جباراً: أي ما تريد إلا أن تكون جباراً تضرب وتقتل ولا تبالي بالعواقب.
من المصلحين: أي الذين يصلحون بين الناس إذا اختلفوا أو تخاصموا.
стр. 2073
وجاء رجل من أقصى المدينة: أي مؤمن آل فرعون أتى من أبعد نواحي المدينة.
إن الملأ يأتمرون بك: أي يتشاورون ويطلب بعضهم أمر بعض ليقتلوك.
فاخرج إني لك من الناصحين: أي اخرج من هذه البلاد إلى أخرى.
فخرج منها خائفا يترقب: خائف من القتل يترقب ما يحدث له.
معنى الآيات:
لقد تقدم في الآية قبل هذه أن موسى ﵇ قد قتل قبطيا بطريق الخطأ وأنه اعترف لربه تعالى بخطإه واستغفره، وأن الله تعالى غفر له وأعلمه بذلك بما شاء (١) من وسائط. ولما علم موسى بمغفرة الله تعالى له عاهده بأن لا يكون ﴿ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ مستقبلاً ومن ذلك أن يعتزل فرعون وملائه لأنهم ظالمون مجرمون فقال:
﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي بمغفرتك لي خطإي (٢) وذلك بالنظر إلى إنعامك علي بالمغفرة أعاهدك أن لا أكون ﴿ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (٣) ﴾ هذا ما دلت عليه الآية (١٧) أي الأولى في هذا السياق وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ أي فأصبح موسى في مدينة (منف) عاصمة المملكة الفرعونية ﴿خَائِفاً﴾ مما قد يترتب على قتله القبطي ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ الأحداث ماذا تسفر عنه؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ وهو الإسرائيلي الذي طلب نصرته أمس ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي يستغيثه بأعلى صوته فنظر إليه موسى وأقبل عليه ليخلصه قائلاً: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي لذو غواية بينة والغواية الفساد في الخلق والدين لأنك أمس قاتلت واليوم تقاتل أيضا. ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ أي موسى ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ وهو القبطي قال الإسرائيلي ﴿أَتُرِيدُ
стр. 2074
أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ أي تضرب وتقبل كما تشاء ولا تخاف عقوبة ذلك ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ الذين يصلحون بين المتخاصمين قال الإسرائيلي هذا لأنه جبان خاف من هجمة موسى ظاناً أنه يريده هو لما قدم له من القول ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فلما سمع القبطي ما قال مقاتله الإسرائيلي نقلها إلى القصر وكان من عماله فاجتمع رجال القصر برئاسة فرعون يتداولون القضية وينظرون إلى ظروفها ونتائجها وما يترتب عليها وكان من جملة رجال المؤتمر مؤمن آل فرعون (١) (حزقيل) وكان مؤمنا يكتم إيمانه فأتى موسى سراً ليخبره بما يتم حياله وينصح له بالخروج من البلاد وهو ما جاء في قوله تعالى في الآية (٢٠) من هذا السياق ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ من أبعدها فإن قصر الملك كان في طرف المدينة وهي مدينة فرعون (مُنْفُ) ﴿يَسْعَى﴾ فمشى بسرعة وجدٍّ وانتهى إلى موسى فقال ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ أي من بلاد فرعون ﴿خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ خائفاً من القتل يترقب الطلب وماذا سيحدث له من نجاة أو خلافه ودعا ربه قائلا:
﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي من فرعون وملائه أولاً ومن كل ظالم ثانياً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- شكر النعم، فموسى لما غفر الله له شكره بأن تعهد له أن لا يقف إلى جنب مجرم (٢) أبداً.
٢- سوء صحبة الأحمق الغوي فإن الإسرائيلي لغوايته وحمقه هو الذي سبب متاعب موسى.
٣- لزوم إبلاغ الدولة عن أهل الفساد والشر في البلاد لحمايتها.
٤- وجوب النصح وبذل النصيحة فمؤمن آل فرعون يعلم سلامة موسى من العيب ومن الجريمة فتعين له أن
ينصح موسى بمغادرة البلاد لينجو إن شاء الله وليس هذا من باب خيانة البلاد والدولة، لأن موسى من أهل الكمال وما حدث عنه كان من باب الخطأ فرفده ومد إليه اليد إنقاذاً من موت متعين.
стр. 2075
١- الخوف الطبيعي لا يلام عليه فموسى ﵇ قد خاف (١) خوفاً أدى به إلى الالتجاء إلى ربه بالدعاء
فدعاه واستجاب له ولله الحمد والمنة.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا
شرح الكلمات:
ولما توجه تلقاء مدين: أقبل بوجهه جهة مدين التي هي مدينة شعيب.
عسى ربي أن يهديني سواء السبيل: أرجو ربي أن يهديني وسط الطريق حتى لا أضل فأهلك فاستجاب الله له وهداه إلى سواء السبيل ووصل مدين.
ولما ورد ماء مدين: انتهى إلى بئر يسقى منها أهل مدين.
يسقون: أي مواشيهم من بقر وإبل وغنم.
تذودان: أي أغنامهما منعا لهما من الماء حتى تخلو الساحة لهما خوف الاختلاط بالرجال الأجانب لغير ضرورة.
قال ما خطبكما: قال موسى للمرأتين اللتين تذودان ما خطبكما أي ما شأنكما.
стр. 2076
حتى يصدر الرعاء: لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء ويبقى لنا الماء وحدنا.
ثم تولى إلى الظل: أي بعد أن سقى لهما رجع إلى ظل الشجرة التي كان جالساً تحتها.
لما أنزلت علي من خير فقير: أي من طعام (١) محتاج إليه لشدة جوعه ﵇.
تمشي على استحياء: أي واضعة كم درعها على وجهها حياء منه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في شأن موسى ﵇ بعد حادثة القتل والنصح له بمغادرة بلاد مصر إلى بلاد (٢) مدين مدينة شعيب ﵇ قال تعالى مخبرا عنه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي ولما توجه موسى عملا بنصيحة مؤمن آل فرعون تلقاء مدين أي نحوها وجهتها ولم يكن له علم بالطريق الصحراوي والمسافة مسيرة ثمانية أيام قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي (٣) سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي ترجَّى ربه أن يهديه الطريق السوي حتى لا يضل فيهلك، واستجاب الله له فهداه الطريق حتى وصل إلى بلاد مدين وقوله تعالى في الآية الثانية من هذا السياق (٢٣) ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ يَسْقُونَ﴾ أي وحين (٤) ورد ماء مدين وهو بئر يسقي منها الناس مواشيهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أي على الماء ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ أي جماعة كبيرة يسقون أنعامهم ومواشيهم ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ وهما بنتا شعيب ﵇ ﴿تَذُودَانِ﴾ أي تمنعان ماشيتهما من الاختلاط بمواشي الناس. فسألهما لا تطفلاً وإنما حالهما دعاه إلى سؤالهما لأنه رأى الناس يسقون مواشيهم ويصدرون فوجاً بعد فوج والمرأتان قائمتان على ماشيتهما تذودانها عن الحوض حتى لا تختلط ولا تشرب فسألهما لذلك قائلاً: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ أي ما شأنكما فأجابتاه قائلتين: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ لضعفنا وعدم رغبتنا في الاختلاط بالرجال ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقوى على سقي هذه الماشية بنفسه فنحن نسقيها ولكن بعد ما يصدر الرعاء ويبقى في الحوض ماء
стр. 2077
نسقي به، فلما عذرهما سقى لهما ماشيتهما ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقِيرٌ﴾ الذي كان جالسا تحته وهو ظل شجرة وهو شجر صحراوي معروف يقال السمر، ولما تولى إلى الظل سأل ربه الطعام لشدة جوعه إذ خرج من مصر بلا زاد ولا دليل ولولا حسن (١) ظنه في ربه لما خرج هذا الخروج فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي (٢) طعام ﴿فَقِيرٌ﴾ أي محتاج إليه شدة الاحتياج. وفي أقرب ساعة وصلت البنتان إلى والدهما فسألهما عن سبب عودتهما بسرعة فأخبرتاه، فقال لإحداهما اذهبي إليه وقولي له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ وهو معنى قوله تعالى ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ استجابة الله له ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ واضعة كم درعها على وجهها حياء. وقد قال فيها عمر ﵁ إنها ليست سلفعاً (٣) من النساء خرّاجة ولاّجة، وبلغت الرسالة المختصرة وكأنها برقية ونصها ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ !! وقد ورد أنها لما كانت تمشي أمامه تدله على الطريق هبت الريح فكشفت ساقيها قال لها موسى: امشي ورائي ودليني على الطريق بحصى ترميها نحو الطريق وهذا الذي دلها على أمانته لما وصفته لأبيها بأنه ﴿قَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ كما سيأتي فيما بعد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب حسن الظن بالله تعالى وقوة الرجاء فيه والتوكل عليه.
٢- بيان فضل الحياء وشرف المؤمنات اللائي يتعففن عن الاختلاط بالرجال.
٣- بيان مروءة موسى في سقيه للمرأتين.
٤- فضل الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه.
٥- ستر الوجه عن الأجانب سنة المؤمنات من عهد قديم وليس كما يقول المبطلون هو عادة جاهلية، فبنتا
شعيب نشأتا في دار النبوة والطهر والعفاف وغطت إحداهما وجهها عن موسى حياءً وتقوى.
فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا
стр. 2078
يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
شرح الكلمات:
وقص عليه القصص: أخبره بشأنه كله من قتله القبطي وطلب السلطة له ونصح المؤمن له بمغادرة البلاد ووصوله إلى ماء مدين.
لا تخف نجوت من القوم الظالمين: أي من فرعون وملئه إذ لا سلطان لهم على بلاد مدين.
يا أبت استأجره: أي اتخذه أجيراً يرعى لنا الغنم بدلنا.
القوي الأمين: ذكرت له كفاءته وهي القوة البدنية والأمانة.
على أن تأجرني ثماني حجج: أي ثماني سنوات إذ الحجة عام والجمع حجج.
فإن أتممت عشراً فمن عندك: أي جعلت الثمانية عشراً فرغبت عشراً فهذا من كرمك.
قال ستجدني إن شاء الله من الصالحين: أي الذين يوفون ولا ينقضون ولا ينقصون.
ذلك بيني وبينك: أنا أفي بشرطي وأنت تفي بشرطك.
أيما الأجلين قضيت: أي الأجلين الثمانية أو العشرة أتممت.
فلا عدوان علي: وذلك بطلب الزيادة فوق الثمانية أو فوق العشرة.
стр. 2079
والله على ما نقول وكيل: أي وكيل وحفيظ أي أشهد الله على العقد بشطريه أي النكاح ورعي الغنم وبذلك تم العقد.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ما تم بين موسى وابنتي شعيب من السقي لهما ومجيء إحداهما تبلغه رسالة والدها ومشيه معها وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ أي جاء موسى شعيباً ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ (١) ﴾ أي أخبره بشأنه كله من قتله القبطبي خطأ وطلب السلطات له ونصح مؤمن آل فرعون له بالخروج من البلاد، ووصوله إلى ماء مدين قال له شعيب عندئد ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني فرعون وحكومته وهذا ما يعرف الآن باللجوء السياسي فأمنه على نفسه لأن فرعون لا سلطان له على (٢) هذه البلاد.
وقال له شعيب: اجلس تعش معنا فقال موسى أخاف أن يكون عوضاً عما سقيت لابنتيك ما شيتهما وإني لمن أهل بيت لا يطلبون على عمل الخير عوضاً فقال له شعيب لا ليس هذا بأجر على سقيك وإنما عادتنا أن نقري الضيف ونطعم الطعام فأكل ولم ير بذلك بأسا. وقوله تعالى ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ يروى أنها لما قالت ﴿إِنَّ خَيْرَ (٣) مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أثارت حفيظته بهذه الكلمة فسألها: كيف علمت ذلك فذكرت له عن القوة في سقيه (٤) لهما وعن الأمانة في عض بصره عن النظر إليها، فصدقها شعيب وقال لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ أي أزوجك ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ (٥) ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ (٦) حِجَجٍ﴾ أي سنين جمع حجة وهي (٧) السنة وقوله ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي إحسانا منك وكرما، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بطلب العشرة
стр. 2080
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي الذين يوفون بعهودهم قال موسى رداً على كلامه ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أنا عليَّ أن أفي بما اشترطت عليَّ وأنت عليك أن تفي بما اشترطت لي على نفسك ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ (١) ﴾ الثمانية أو العشرة ﴿قَضَيْتُ﴾ أي وفيت وأديت ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي بطلب الزيادة على الثمانية ولا على العشرة. فقال شعيب: نعم ﴿وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ فأشهد الله تعالى على صحة (٢) العقد وبذلك أصبح موسى زوجاً لابنة شعيب التي عيّنها له والغالب أنها الكبرى التي شهدت له بالأمانة والقوة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تجلى كرم شعيب ومروءةه وشهامته في تطمين موسى وإكرامه وإيوائه.
٢- بيان أن الكفاءة شرط في العمل ولا أفضل من القوة وهي القدرة البدنية والعلمية والأمانة.
٣- مشروعية عرض الرجل ابنته على من يرى صدقه وأمانته ليزوجه بها.
٤- مشروعية إشهاد الله تعالى على العقود بمثل ﴿وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ .
٥- فضيلة موسى ﵇ بإيجار نفسه على شبع بطنه وإحصان فرجه.
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا
стр. 2081
جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (٣٢)
شرح الكلمات:
قضى موسى الأجل: أتم المدة المتفق عليها وهي ثمان أو عشر سنوات.
آنس: أبصر.
أوجذوة من النار: عود غليظ في رأسه نار.
لعلكم تصطلون: أي تستدفئون.
نودي: أي ناداه الله تعالى بقوله يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
في البقعة المباركة: قطعة الأرض التي عليها الشجرة الكائنة بشاطئ الوادي.
تهتز كأنها جان: تضطرب وتتحرك بسرعة كأنها حية من حيات البيوت.
ولى مدبراً ولم يعقب: رجع هارباً ولم يعقب لخوفه وفزعه منها.
اسلك يدك في جيبك: أدخلها في جيب قميصك.
من غير سوء: أي عيب كبرص ونحوه.
واضمم إليك جناحك من الرهب: اضمم يدك بأن تضعها على صدرك ليذهب روعك.
فذانك برهانان: أي آيتان من ربك على صدق رسالتك.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في قصص موسى وهو في طريقه بتدبير الله تعالى إلى مصر، إنه لما
стр. 2082
قضى الأجل الذي تعاقد عليه مع صهره شعيب وقد أتم خير الأجلين وأوفاهما وهو العشر حجج قفل (١) ماشيا بأهله زوجته وولده في طريقه إلى مصر لزيارة والدته وإخوته حدث أن ضل الطريق ليلا، وكان الفصل شتاء والبرد شديد فإذا به يأنس ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورٍِ﴾ أي جبل الطور ﴿نَاراً﴾ فقال لأهله امكثوا هنا ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أي أبصرت ﴿نَاراً﴾ سأذهب إليها ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ إذ قد أجد عندها من يدلنا على الطريق أو آتيكم بجذوة (٢) من النار أي خشبة في رأسها نار مشتعلة ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي من أجل اصطلائكم بها أي استدفائكم بها، هذا ما دلت عليه الآية (٢٩) وقوله تعالى في الآية الثانية ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ أي أتى النار ﴿نُودِيَ﴾ أي ناداه مناد ﴿مِنْ (٣) شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ (٤) فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى﴾ أي ناداه ربه ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها فاهتزت واضطربت وتحركت بسرعة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ أي حية عظيمة من الحيات المعروفة بالجنّان ﴿وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي فزع منها فرجع من الفزع إلى الوراء ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي ولم يرجع إليها من الرعب، فقال له ربه تعالى ﴿أَقْبِلْ﴾ أي على العصا ﴿وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ أي الذي آمنهم ربهم فلا يخافون شيئا.
وقال له بعد أن رجع ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي أدخل يدك في جيب قميصك وهو الشق الذي يدخل معه الرأس في الثوب ليلبس وقوله ﴿تَخْرُجْ﴾ أي اليد ﴿بَيْضَاءَ﴾ كالنور ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي برص أو نحوه ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي يدك مع العضد إلى صدرك ﴿مِنَ الرَّهْبِ (٥) ﴾ أي الخوف فإن يذهب عنك بحيث تعود يدك عادية لا نور فيها كما كانت من قبل إدخالها في جيبك أولا.
ثم قال تعالى له: ﴿فَذَانِكَ (٦) ﴾ أي العصا واليد البيضاء. ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي آيتان
стр. 2083
تدلان على رسالتك المرسل بها إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين خارجين عن طاعة الله حيث كفروا به وعبدو غيره وظلموا عباده، لتدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته وإرسال بني إسرائيل معك لتذهب بهم إلى أرض المعاد أي فلسطين وما حولها من أرض الشام.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الأنبياء أوفياء فموسى قضى أوفى الأجلين وأتمها وهو العشر.
٢- مشروعية السفر بالأهل وقد يحصل للمرء أنه يضل الطريق أو يحتاج إلى شيء ويصبر.
٣- فضل تلك البقعة التي كلم الله تعالى فيها موسى ﵇ وهي من جبل الطور.
٤- مشروعية حمل العصا لا سيما للمسافر وراعي ماشية أو سائقها.
٥- مشروعية التدريب على السلاح قبل استعماله.
٦- لا يلام على الخوف الطبيعي.
٧- آية العصا واليد.
٨- من خاف، وضع يده على صدره زال خوفه إن شاء الله تعالى.
٩- التنديد بالفسق وأهله.
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ
стр. 2084
مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)
شرح الكلمات:
إني قتلت منهم نفسا: أي نفس القبطي الذي قتله خطأ قبل هجرته من مصر.
أفصح مني لسان: اي أبين مني قولا.
ردءاً: أي معيناً لي.
سنشد عضدك بأخيك: أي ندعمك به ونقويك بأخيك هارون.
ونجعل لكما سلطاناً: أي حجة قوية يكون لكما بها الغلب.
فلا يصلون إليكما: أي بسوء.
بآياتنا: أي اذهبا بآياتنا.
فلما جاءهم موسى بآياتنا: أي العصا واليد وغيرهما من الآيات التسع.
بيناتٍ: أي واضحات.
سحر مفترى: أي مختلق مكذوب.
عاقبة الدار: أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة.
إنه لا يفلح الظالمون: أي المشركون الكافرون.
معنى الآيات:
لما كلف الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون وحمله رسالته إليه قال موسى كالمشترط لنفسه ﴿قََالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً﴾ يريد نفس القبطي الذي قتله خطأ أيام كان شاباً بمصر ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي يقتلوني به إن لم أبين لهم وأفهمهم حجتي ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ أي أبين مني قولاً وأكثر إفهاما لفرعون وملئه (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً (١) ﴾ أي عونا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ أي (٢) يلخص قولي ويحرره لهم فيكون ذلك تصديقا منه لي، لا مجرد أني إذا قلت قال صدق موسى. وقوله ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ فيما جئتهم به. فأجابه الرب تعالى قائلا ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ
стр. 2085
بِأَخِيكَ﴾ أي نقويك به ونعينك ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ أي برهانا وحجة قوية يكون لكما الغلب بذلك. وقوله ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي بسوء أبداً وقوله ﴿بِآياتِنَا (١) ﴾ أي اذهبا بآياتنا أو يكون لفظ بآياتنا متصلا بسلطاناً أي سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً بآياتنا ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ وعلى هذا فلا نحتاج إلى تقدير فاذهبا وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا﴾ العصا واليد وغيرهما ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ أي واضحات ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ أي الذي جاء به موسى من الآيات ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً (٢) ﴾ أي مكذوب مختلق ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي الذي جئت به يا موسى في ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي في أيامهم وعلى عهدهم. وهنا رد موسى على فرعون بأحسن رد وهو ما أخبر تعالى به عنه بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى (٣) رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي من عند الرب تعالى ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي العاقبة المحمودة يوم القيامة (٤) . ولم يقل له اسكت يا ضال يا كافر إنك من أهل النار بل تلطف معه غاية اللطف امتثالا لأمر الله تعالى في قوله ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وقوله ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي الكافرون والمشركون بربهم هذا من جملة قول موسى لفرعون الذي تلطف فيه وألانه غاية اللين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان أن القصاص كان معروفا معمولا به عند أقدم الأمم، وجاءت الحضارة الغربية فأنكرته فتجرأ الناس على
سفك الدماء وإزهاق الأرواح بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية ولذلك صح أن تسمى الخسارة البشرية بدل الحضارة الغربية.
٢- مشروعية طلب العون عند التكليف بما يشق ويصعب من المسؤولين المكلفين.
٣- مشروعية التلطف في خطاب الجبابرة وإلانة القول لهم، بل هو مشروع مع كل من يدعى إلى الحق من أجل
أن يتفهم القول ولا يفلق عليه بالإغلاظ له.
стр. 2086
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)
شرح الكلمات:
ما علمت لكم من إله غيري: أي ربا يطاع ويذل له ويعظم غيري لعنة الله عليه ما أكذبه.
يا هامان: أحد وزراء فرعون، لعله وزير الصناعة أو العمل والعمال.
فأوقد لي يا هامان على الطين: أي اطبخ لي الآجُرْ وهو اللبن المشوي.
فاجعل لي صرحا: أي بناء عاليا، قصراً أو غيره.
لعلي أطلع إلى إله موسى: أي أقف عليه وأنظر إليه.
стр. 2087
وإني لأظنه من الكاذبين: أي موسى في ادعائه أن له إلها غيري.
فنبذناهم في اليم: أي طرحناهم في البحر غرقى هالكين.
وجعلناهم أئمة: أي رؤساء يقتدى بهم في الباطل.
يدعون إلى النار: أي إلى الكفر والشرك والمعاصي الموجبة للنار.
في هذه الدنيا لعنة: أي خزيا وبعداً عن الخير.
هم من المقبوحين: أي المبعدين من كل خير المشوَّهي الخلقة.
القرون الأولى: قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم.
بصائر للناس: أي فيه من النور ما يهدي كما تهدي الأبصار.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ إن فرعون لما سمع كلام موسى ﵇ المصدق بكلام هارون ﵇ وكان الكلام في غاية اللين، مؤثراً خاف فرعون من الهزيمة، ناور وراوغ فقال في الحاضرين ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ (١) مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أي كما ادعى موسى ولكن سأبحث وأتعرف على الحقيقة إن كان هناك إله آخر غيري، فنادى وزيره هامان وأمره أن يعد اللبن المشوي لأنه قوي ويقوم ببناء صرح عال يصل إلى عنان السماء ليبحث بنفسه عن إله موسى إن كان حسب دعواه وإني لأظن موسى كاذباً في دعوى وجود إله له ولكم غيري هذا معنى قوله تعالى في الآية الأولى (٣٨) ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي (٢) يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣) . يعني في ادعائه أن هناك إلهاً آخر غيري.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ (٤) ﴾ الذي يحق
стр. 2088
لهم الاستكبار ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (١) ﴾ أي كذبوا بالبعث الآخر. قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ (٢) وَجُنُودَهُ﴾ أي بسبب استكبارهم وكفرهم وتكذيبهم بآيات الله ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (٣) ﴾ أي في البحر وقال لرسوله ﷺ ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ إنها كانت وبالاً عليهم وخساراً لهم. وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي وجعلنا فرعون وملأه أئمة في الكفر تقتدي بهم العتاة والطغاة في كل زمان ومكان ﴿يدعون إلى النار﴾ بالكفر والشرك والمعاصي وهي موجبات النار. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بل يضاعف لهم العذاب ويخذلون ويهانون لأن من دعا إلى سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ أي آل فرعون ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ انتهت بهم إلى الغرق الكامل والخسران التام، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤) ﴾ أي المبعدين من رحمة الله الثاوين في جهنم ولبئس مثوى المتكبرين وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي التوراة وذلك بعد إهلاك الظالمين وقوله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ أي قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم وقوله ﴿بَصَائِرَ﴾ أي الكتاب بما يحمل من الهدى والنور ﴿بَصَائِرَ﴾ أي ضياء للناس من بني إسرائيل يبصرون على ضوءه كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي وبيانا لهم ورحمة لمن يعمل به منهم. وقوله ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي وجود الكتاب بصائر وهدى ورحمة بين أيديهم حال تدعوهم إلى أن يتذكّروا دائماً نعم الله عليهم فيشكرونه بالإيمان به وبرسله وبطاعته وطاعة رسله ﵈.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان أن فرعون كان على علم بأنه عبد مربوب لله وأن الله هو رب العالمين.
٢- تقرير صفة العلو والاستكبار لفرعون وأنه كان من العالين.
٣- بيان كيف تكون عاقبة الظلمة دماراً وفساداً.
стр. 2089
١- دعاة الدعارة والخنا والضلال والشرك أئمة أهل النار يدعون إليها وهم لا يشعرون.
٢- بيان إفضال الله تعالى على بني إسرائيل بإنزال التوراة فيهم كتاباً كله بصائر وهدى ورحمة.
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
شرح الكلمات:
وما كنت بجانب الغربي: أي لم تكن يا رسولنا حاضراً بالجانب الغربي من موسى.
إذا قضينا إلى موسى الأمر: أي بالرسالة إلى فرعون وقومه.
وما كنت من الشاهدين: حتى تعلمه وتخبر به.
ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر: أي غير أننا أنشأنا بعد موسى أمما طالت أعمارهم فنسوا العهود وأندرست العلوم وانقطع الوحي فجئنا بك رسولاً وأوحينا إليك خبر موسى وغيره.
وما كنت ثاويا في أهل مدين: أي ولم تكن يا رسولنا مقيماً في أهل مدين فتعرف قصتهم.
стр. 2090
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا: أي لم تكن بجانب الطور أي جبل الطور إذ نادينا موسى وأوحينا إليه ما أوحينا حتى تخبر بذلك.
ما أتاهم من نذير من قبلك: أي أهل مكة والعرب كافة.
ولولا أن تصيبهم مصيبة الخ: لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم رسولا.
معنى الآيات:
بعد انتهاء قصص موسى مع فرعون وإنزال التوراة ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وكان القصص كله شاهداً على نبوة الرسول محمد ﷺ خاطب الله تعالى رسوله فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ أي حاضراً ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي بالجبل الغربي من موسى ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ (١) ﴾ بإرساله رسولاً إلى فرعون وملئه ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الحاضرين إذاً فكيف علمت هذا وتتحدث به لولا أنك رسول حق؟!
وقوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا (٢) قُرُوناً﴾ أي أمما بعد موسى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي طالت بهم الحياة وامتدت فنسوا العهود واندرست العلوم الشرعية وانقطع الوحي فجئنا بك رسولاً وأوحينا إليك خبر موسى وغيره وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً﴾ أي مقيماً ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ فكيف عرفت حديثهم وعرفت إقامة موسى بينهم عشر سنين لولا أنك رسول حق يوحى إليك نبأ الأولين وهو معنى قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ فأرسلناك رسولاً وأوحينا إليك أخبار الغابرين.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ أي جبل الطور ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى وأمرناه بما أمرناه وأخبرناه بما أخبرنا به، فيكف عرفت ذلك وأخبرت به لولا أنك رسول حق يوحى إليك. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ (٣) رَبِّكَ﴾ أي أرسلنا رحمة من ربك للعالمين ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ
стр. 2091
مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهم أهل مكة والعرب أجمعون ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي كي يتعظوا فيؤمنوا ويهتدوا فينجوا ويسعدوا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ (١) ﴾ أي عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي من الشرك والمعاصي ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ أي هلا أرسلت إلينا رسولاً ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لولا قولهم هذا لعاجلناهم (٢) بالعذاب ولما أرسلناك إليهم رسولاً إذاً فمالهم لا يؤمنون ويشكرون؟؟!
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير النبوة المحمدية بأقوى الأدلة العقلية.
٢- بعثة الرسول محمد ﷺ جاءت في أوانها واشتداد الحاجة إليها.
٣- البعثة المحمدية كانت عبارة عن رحمة إلهية رحم الله بها العالمين.
٤- جواب ﴿لولا﴾ في قوله ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ . محذوف وقد ذكرناه وهو لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلناك إليهم ورسولا.
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)
стр. 2092
شرح الكلمات:
فلما جاء هم الحق من عندنا: أي محمد ﷺ رسولا مبينا.
قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى: أي هلا أعطي مثل ما أعطي موسى من الآيات المعجزات من العصا واليد أو كتابا جملة واحدة كالتورة.
أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل: أي كيف يطالبونك بأن تؤتى مثل ما أوتي موسى وقد كفروا بما أوتي موسى من قبل لما أخبرهم اليهود أنهم يجدون نعت محمد في التوراة كفروا بهذا الخبر ولم يقبلوه.
وقالوا سحران تظاهرا: أي التوراة والقرآن كلاهما سحر ظاهر بعضهما بعضاً أي قواه.
فإن لم يستجيبوا لك: أي بالإتيان بالكتاب الذي هو أهدى من التوراة والقرآن.
فاعلم أنما يتبعون أهواءهم: في كفرهم ليس غير، فلا عقل ولا كتاب منير.
ومن أضل ممن اتبع هواه: أي لا أضل منه قط.
ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون: أي بأخبار الأولين وما أحللنا بهم من نقمتنا لما كذبوا رسلنا وأنكروا توحيدنا ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي يتعظون فيؤمنون ويوحدون.
معنى الآيات:
لما قرر تعالى نبوة رسوله محمد ﷺ بأدلته التي لا أقوى منها ولا أوضح وبين حاجة العالم إليها لا سيما العرب وذكر أنه لولا كراهة وقولهم: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لما أرسل (١) إليهم رسوله. ذكر هنا ما واجه به المشركون تلك الرحمة المهداة فقال عنهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ (٢) الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي محمد النبي ﷺ قالوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ أي من الآيات كالعصا واليد البيضاء حتى نؤمن به ونصدق رسالته قال
стр. 2093
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (١) . وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ وذلك أن قريشا لما كثر المؤمنون وهالهم الموقف بعثوا إلى يهود المدينة يسألونهم بوصفهم أهل الكتاب الأول عن مدى صدق محمد ﷺ فيما يقوله فأجابهم اليهود بأنهم يجدون نعوت النبي الأمي في التوراة وأنه رسول حق وليس بكذاب ولا دجال فما كان من المشركين من قريش إلا أن أعلنو كفرهم بالتوراة وقالوا: التوراة والقرآن ﴿سِحْرَانِ (٢) ﴾ تعاونا فلا نؤمن بهما ولا نصدق من جاء بهما وقرئ ﴿سَاحِرَانِ﴾ أي موسى ومحمد ﵉ فلا نؤمن بهما.
هذا معنى قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ أي بكل منهما كافرون.
فكيف لا يخجلون اليوم ويطالبون محمداً أن يعطى مثل الذي أعطي موسى من الآيات يا للعجب أين يذهب بعقول المشركين؟!!
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين الذين كفروا بالتوراة والقرآن ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أنزله بعلمه يكون أكثر هداية من التوراة والقرآن.. أتبعه! ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم بأن الفرقان والتوراة سحران تظاهرا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ بالإتيان بكتاب من عند الله تعالى هو أهدى من الفرقان والتوراة ومن أين لهم بذلك.. إنه المستحيل! إذاً فاعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم فيما يقولون ويدعون فلا عقل ولا نقل عندهم ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ ؟! اللهم إنه لا أضل منه. والنتيجة أنه لا أضل من هؤلاء المشركين من قريش وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ (٣) الظَّالِمِينَ﴾ هذا بيان لسنة الله تعالى في الظالمين الذين أكثروا من الظلم وتوغلوا فيه عقيدة بالشرك وعملا بالمعاصي فإنه يحرمهم الهداية فلا يهتدون أبدا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ (٤) وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لقد وصلنا لهؤلاء المشركين
стр. 2094
من قومك يا رسولنا أي وصلنا لهم القول بأخبار الماضين، وما أحللنا بهم من بأسنا ونقمنا وعظيم عقوباتنا لما كفروا كما كفر هؤلاء وكذبوا بما كذّب به هؤلاء وصلنا لهم القول مبينا واضحاً موصولا أوله بآخره رجاء أن يتذكروا فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا من العذاب ويرحموا بدخول الجنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان تناقض المشركين وكل من يبتع الهوى ويترك الهدى الإلهي.
٢- بيان تحدي المشركين بالإتيان بكتاب من عند الله وعجزهم عن ذلك فبان بذلك أنهم يتبعون أهواءهم وأنه لا أضل منهم اليوم.
٣- بيان سنة الله في حرمان المتوغلين في الظلم من الهداية الإلهية.
٤- بيان أن الله وصل القول لأهل مكة مفصلاً مبيناً لهدايتهم فله الحمد وله المنة وعلى الكافرين اللعنة في جهنم.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)
شرح الكلمات:
الذين آتيناهم الكتاب من قبله: أي التوراة والإنجيل من قبل القرآن الكريم.
وإذا يتلى عليهم: أي القرآن
إنا كنا من قبله مسلمين: أي منقادين لله مطيعن لأمره ونهيه.
стр. 2095
أجرهم مرتين: أي يضاعف لهم الثواب لأنهم آمنوا بموسى وعيسى وآمنوا بمحمد ﷺ .
ويدرءون بالحسنة السئية: أي يدفعون بالحسنة من القول أو الفعل السيئة منهما.
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه: أي الكلام اللاغي الذي لا يقبل ولا يقر عليه لأنه لا يحقق درهماً للمعاش ولا حسنة للمعاد.
سلام عليكم: هذا سلام المتاركة أي قالوا قولا يسلمون به.
لا نبتغي الجاهلين: أي لا نطلب صحبة أهل الجهل لما فيها من الأذى.
معنى الآيات:
إن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ يشمل أيضا اليهود والنصارى من أهل الكتاب إذ هم كالعرب فيما بين لهم من أخبار الماضين وفصل من أنباء إهلاك الأمم السابقة وما أنزل من بأساء وعذاب بالمكذبين، إذ الجميع مطالبون بالإيمان العمل الصالح والتخلي عن الشرك والكفر والمعاصي للنجاة والسعادة فذكر تعالى هنا أن فريقاً من أهل الكتاب يؤمنون بالنبي محمد لأنه الحق من ربهم. فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ (١) الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل نزول (٢) القرآن ﴿مُسْلِمِينَ﴾ أي موحدين منقادين نعبد الله بما شرع على لسان موسى وعيسى ﵉ هذه الآية تعني مجموعة من آمن من أهل الكتاب على عهد رسول الله ونزول القرآن منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ (٣) مَرَّتَيْنِ﴾ أي مضاعفا لأنهم آمنوا برسولهم وعملوا بما جاء به من الحق وآمنوا بمحمد ﷺ وما جاء به من الهدى وقوله ﴿وَيَدْرَأُونَ (٤) ﴾ أي يدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ وهي الصفح والعفو ﴿السَّيِّئَةَ﴾ وهي الأذى من سب وشتم. وقوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥) ﴾ أي
стр. 2096
أي يتصدقون بفضول أموالهم حيث تنبغي الصدقة.
وقوله ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أي إذا سمع أولئك المؤمنون من أهل الكتابين اللغو من سفهاء الناس أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ولا إلى قائله وأجابو قائلين ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾ أي نتائجها حيث نجزى بها ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ حيث تجزون بها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي اتركونا، إنا لا نبتغي (١) محبة الجاهلين، لما في ذلك من الأذى والضرر الناتج عن سلوك أهل الجهل بالله تعالى ومحابه ومكارهه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان فضل أهل الكتاب إذا آمنوا بالنبي الأمي وكتابه وأسلموا لله رب العالمين.
٢- فضيلة من يدرء بالحسنة السيئة، وينفق مما رزقه الله.
٣- فضيلة من يعرض عن اللغو وأهل الجهالات، ويقول ما يسلم به من القول، وهذه إحدى صفات عباد الرحمن ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ أي قولا يسلمون به. وهذا السلام ليس سلام تحية وإنما هو سلام متاركة.
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ
стр. 2097
الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)
شرح الكلمات:
إنك لاتهدي من أحببت: أي هدايته كأبي طالب بأن يسلم ويحسن إسلامه.
وقالوا: أي مشركوا قريش.
إن نتبع الهدى معك: أي إن نتبعك على ما جئت به وندعوا إليه وهو الإسلام.
نتخطف من أرضنا: أي تتجرأ علينا قبائل العرب ويأخذوننا.
يجبى إليه ثمرات كل شيء: أي يحمل ويساق إليه ثمارت كل شيء من كل ناحية.
رزقا من لدنا: أي رزقاً لكم من عندنا يا أهل الحرم بمكة.
بطرت معيشتها: أي كفرت نعمة الله عليها فأسرفت في الذنوب وطغت في المعاصي.
يبعث في أمها رسولا: أي في أعظم مدنها. وهي العاصمة.
إلا وأهلها ظالمون: بالتكذيب للرسول والإصرار على الشرك والمعاصي.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا ... بِالْمُهْتَدِينَ﴾ هذه الآية نزلت في شأن (١) أبي طالب عم الرسول ﷺ إذ كان النبي ﷺ يرغب في إسلامه لما له من سالفة في الوقوف إلى جنب النبي ﷺ يحيمه ويدافع عنه فلما حضرته الوفاة زاره النبي ﷺ وعرض عليه الشهادتين فكان يقول له: ياعم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة وكان حوله عواده من كفار قريش، ومشايخها فكانوا ينهونه عن ذلك حتى قالوا له: أترغب عن دين آبائك؟ أترغب عن ملة عبد المطلب أبيك حتى قال هو على ملة عبد المطلب ومات. فقال النبي ﷺ لأستغفرن لك مالم أُنْهَ عن ذلك فنهاه الله فلم يستغفر له بعد ونزلت هذه الآية كالعزاء له ﷺ فقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته يا نبينا ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته لعلمه أنه يطلب الهداية ولا يرغب عنها كما رغب عنها أبو طالب وأبو لهب وغيرهما،
стр. 2098
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي بالذين سبق في علمه تعالى أنهم يهتدون.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ هذا اعتذار اعتذر به بعض رجالات (١) قريش فقالوا نحن نعرف أن ما جئت به حق ولكننا نخشى إن آمنا بك واتبعناك يتألب علينا العرب ويرموننا عن قوس واحد ونصبح نتخطف من قبل المغيرين كما هو حاصل لغيرنا، وبذلك نحرم هذا الأمن والرخاء وتسوء أحوالنا، لهذا نعتذر عن متابعتك فيما جئت به وأنت تدعوا إليه من الكفر بآلهتنا وهدمها والتخلي عنها. فقال تعالى في الرد على هذا الاعتذار الساقط البارد ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ (٢) لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى (٣) إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ أي لم يوطئ لهم أرض بلد حرمناه فلا يسفك فيه دم، ولا يصاد فيه صيد، ولا يؤخذ فيه أحد بجريرة، أليس هذا كافياً في أن يعلموا أن الذي جعل لهم حرما آمنا قادر على أن يؤمنهم إذا آمنوا وأسلموا، ومن باب أولى. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤) ﴾ فهذه علة إصرارهم على الشرك والكفر. إنها الجهل بالله تعالى وعظمته وعلمه وحكمته. ومعنى يجبى أو تجبى إليه ثمرات كل شيء أي يحمل إليه ويساق من أنحاء البلاد ثمرات كل شيء من أنواع الأرزاق وكان ذلك رزقا منه تعالى لأهل الحرم. أفلا يشكرون.
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي وكثيرا من أهل القرى أهلكناهم ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا (٥) ﴾ لما بطروا عيشهم فلم يشكروا نعمة الله عليهم فأسرفوا في الظلم والمعاصي فأهلكناهم ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي ديارهم ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (٦) كديار عاد وثمود والمؤتفكات. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ لها، فلم نورثها غيرهم وتركناها خاوية خالية لم تسكن. أما يذكرون هذا فيعلموا بذلك قدرتنا فيتقوا فينا ويتوكلوا علينا ويؤمنوا ويوحدوا ويستقيموا على منهج الحق الذي جئت يا رسولنا به.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا أيها الرسول ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ أي أهل المدن والحواضر ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً﴾ كما بعثك في أم القرى مكة ﴿يَتْلُو (٧) عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي لم يكن
стр. 2099
من سنة الله تعالى هذا بل لا يهلك أمة حتى يبعث في أم بلادها رسولاً يتلو عليهم آيات الله المبينة للحق من الباطل والخير من الشر وجزاء ذلك وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا (١) ظَالِمُونَ﴾ أي ولم يكن من سنة الله تعالى في عباده أن يهلك القرى إلا بعد ظلم أهلها.
فللإهلاك شرطان:
الأول: أن يبعث الرسول يتلو آياته فيكذب ويكفر به وبما جاء به.
الثاني: أن يظلم أهل القرى ويعتدوا وذلك بإظهار الباطل والمنكر وإشاعة الشر والفساد في البلاد وهذا من عدل الله تعالى ورحمته بعباده إنه لأرحم بهم من أنفسهم، وكيف ومن أسمائه وصفاته الرحمن الرحيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير مبدأ لا هادي إلا الله. الهداية المنفية هي إنارة قلب العبد وتوفيق العبد للإيمان وعمل الصالحات، وترك الشرك والمعاصي. والهداية المثبة، يقول الله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. تلك هداية الدعوة والوعظ والإرشاد، ومنه ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي يدعوهم إلى الهدى.
٢- مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته فيما ألقاه في قلوب العرب المشركين الجاهليين من تعظيم الحرم وأهله ليهيء بذلك لسكان حرمه أمنا وعيشاً كما قال تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ قريش (٢-٤) .
٣- من رحمة الله وعدله أن لا يهلك أمة من الأمم إلا إذا توفر لهلاكها شرطان:
١- أن يبعث فيهم رسولا يتلو عليهم آيات الله تحمل الهدى والنور.
٢- أن يظلم أهلها بالتكذيب للرسول والكفر بما جاء به والإصرار على الكفر والمعاصي.
٤- التاريخ يعيد نفسه كما يقولون فما اعتذر به المشركون عن قبول الإسلام بحجة تألب العرب عليهم وتعطيل تجارتهم يعتذر به اليوم كثير من المسؤولين فعطلوا الحدود وجاروا الغرب في فصل الدين عن الدولة وأباحوا كبائر الاثم كالربا وشرب الخمور وترك الصلاة حتى لا يقال عنهم إنهم رجعيون متزمتون فيمنعوهم المعونات ويحاصرونهم اقتصاديا.
стр. 2100
وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)
شرح الكلمات:
وما أوتيتم من شيء: أي وما أعطاكم الله من مال أو متاع.
فمتاع الحياة الدنيا وزينتها: فهو ما تتمتعون به وتتزينون ثم يزول ويفنى.
وما عند الله خير وأبقى: أي وما عند الله من ثواب وهو الجنة خير وأبقى.
أفلا تعقلون: لأن من يؤثر القليل الفاني على الكثير الباقي لا عقل له.
وعداً حسنا: أي الجنة.
فهو لاقيه: أي مصيبه وحاصل عليه وظافر به لا محالة.
من المحضرين: أي في نار جهنم.
معنى الآيتين:
لقد سبق في هذا السياق أن المشركين اعتذروا عن الإسلام بعذر مادي بحت وهو وجود عداوة بينهم وبين سائر العرب. يترتب عليها حروب وتعطل التجارة إلى غير ذلك. فقوله تعالى هنا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ (١) مِنْ شَيْءٍ (٢) فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وهو خطاب لهم ولكل من يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة فيستحل المحرمات ويعطل الأحكام ويضيع الفرائض والواجبات لتعارضها في نظره مع جمع المال والتمتع بالحياة الدنيا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي من مال ومتاع وإن كثر ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي فهو متاع الحياة الدنيا ﴿وَزِينَتُهَا﴾ أي تتمتعون وتتزينون به أياماً أو أعواماً ثم ينفد ويزول، أو تموتون عنه وتتركونه ﴿وَمَا عِنْدَ اللهِ﴾
стр. 2101
من نعيم الجنة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ خير في نوعه وأبقى في مدته، فالأول رديء وتصحبه المنغصات ويعقبه الكدر، والثاني جيد صالح خال من المنغصات والكدورات وباق لا يبلى ولا يفنى ولا يزول ولا يموت صاحبه ويخلفه وراءه. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يا من تؤثرون الفاني على الباقي والرديء على الجيد والخبيث على الطيب. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ (١) وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً﴾ وهو المؤمن الصادق في إيمانه المؤكد له بصالح عمله، ﴿وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً﴾ وهو الجنة دار السلام ﴿فَهُوَ (٢) لاقِيهِ﴾ أي لاق موعده بإذن الله بمجرد أن يلفظ أنفاسه وتعرج إلى السماء روحه. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فهو يأكل ويشرب وينكح كالبهائم ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في جهنم في دار العذاب والهوان، والجواب: لا يستويان أبداً وشتان ما بينهما، فالأول وهو المؤمن الصالح الموعود بدار السلام لا يقارن بالكافر المتهالك على الدنيا ثم يتركها فجأة ويجد نفسه مع أهل الكفر والإجرام في عذاب وهون لا يفارقه ولا يخرج منه أبداً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- فائدة العقل أن يعقل صاحبه دون ما يضره، ويبعثه على ما ينفعه فإن لم يعقله دون ما يضره ولم يبعثه على ما ينفعه فلا وجود له، ووجوده كعدمه.
٢- بيان فضل الآخرة على الدنيا.
٣- وعد الله للمؤمن بالجنة خير مما يؤتاه من مال ومتاع وزينة في الحياة الدنيا.
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا
стр. 2102
لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُون (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)
شرح الكلمات:
ويوم يناديهم: أي الرب .
كنتم تزعمون: أي أنهم شركاء لي فعبدتموهم معي.
حق عليهم القول: أي بالعذاب في النار وهم أئمة الضلال.
أغويناهم: أي فغووا ولم نكرههم على الغي.
تبرأنا إليك: أي منهم ما كانوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون أهواءهم.
وقيل ادعوا شركاءكم: نادوهم ليخلصوكم مما أنتم فيه.
لو أنهم كانوا يهتدون: أي لما رأوا العذاب ودّوا لو أنهم كانوا في الدنيا من المهتدين.
ويوم يناديهم: أي الله ﵎.
فعميت عليهم الأنباء: أي فخفيت عليهم الأنباء التي يمكنهم أن يحتجوا بها.
فهم لا يتساءلون: أي انقطعوا عن الكلام.
فأما من تاب وآمن: أي آمن بالله ورسوله وتاب من الشرك.
وعمل صالحا: أدى الفرائض والواجبات.
فعسى أن يكون من المفلحين: أي الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة، وعسى من الله تعالى لا تفيد مجرد الرجاء بل هي لتحقق الموعود به.
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله واذكر يوم ينادي (١) ربك هؤلاء المشركين وقد ماتوا على شركهم فيقول لهم
стр. 2103
﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي أنهم شركائي هذا سؤال تقريع وتأنيب والتقريع والتأنيب ضرب من العذاب الروحي الذي هو أشد من العذاب الجثماني. وقوله تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ (١) حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي نطق الرؤساء من أئمة الضلال وهم الذين حق عليهم العذاب في نار جهنم ﴿رَبَّنَا (٢) هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ فغووا ﴿كَمَا غَوَيْنَا (٣) ﴾ أي ما أكرهناهم على الغواية، ﴿تَبَرَّأْنَا (٤) إِلَيْكَ﴾ أي منهم. ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ بل كانوا يعبدون أهواءهم لا غير. وقوله: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يقال للمشركين تهكّما بهم واستهزاء، ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي لينصروكم ويخلصوكم مما أنتم فيه من الذل والهوان.
قال تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ بالفعل نادوا ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذ لا يقدر واحد من الإنس أو الجن أن يقول هذا كان يعبدني، بل كل معبود يتبرأ ممن عبده كما قالوا في الآية قبل ذي تبرأنا إليك أي منهم ما كانوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون أهواءهم وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ بأعينهم فاشتدت حسرتهم وودوا لو أنهم كانوا في الدنيا من المهتدين. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي ربهم قائلا: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؟ أخبرونا كيف كان موقفكم مع من أرسلنا إليكم؟ هل آمنتم بهم واتبعتموهم أم كذبتموهم وحاربتموهم قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ (٥) عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي فخفيت عليهم الأخبار التي يمكنهم أن يحتجوا بها فلم يجدوا حجة واحدة ولذا ﴿فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُون﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً لأنه سقط في أيديهم وعلموا أنهم صالوا الجحيم لا محالة. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ (٦) ﴾ من هؤلاء المشركين اليوم من الشرك وآمن بالله ولقائه ورسوله وعمل صالحا فأدى الفرائض والواجبات ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي الفائزين بالنجاة من النار ودخول الجنة، فهذه دعوة سخية لكل مشرك وكافر وفاسق أن يتخلى عن الباطل المتلبس به ويؤمن الإيمان الصحيح ويعمل صالحا بأداء الفرائص فإنه ينجو من النار ويدخل الجنة دار الأبرار فهل من تائب؟!.
стр. 2104
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- التنديد بالشرك والمشركين.
٢- براءة الرؤساء في الضلال من المرؤوسين.
٣- التحذير من الغواية وهي الضلال، والانغماس في الذنوب والآثام.
٤- خذلان المعبودين عابديهم يوم القيامة وتبرؤهم منهم.
٥- باب التوبة مفتوح لكل عبد مهما كانت ذنوبه ولا يهلك على الله إلا هالك.
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)
شرح الكلمات:
يخلق ما يشاء: أي من خلقه.
ويختار: أي من يشاء لنبوته وطاعته.
ما كان لهم: أي للمشركين.
الخيرة: أي الاختيار في شيء.
سبحان الله: أي تنزيها لله عن الشرك.
يعلم ما تكن صدورهم: أي ما تسر وتخفي من الكفر وغيره.
له الحمد في الأولى: أي في الدنيا لأنه مولى كل نعمة.
وفي الآخرة: أي في الجنة.
وله الحكم: أي القضاء النافذ.
وإليه ترجعون: بعد النشور وذلك يوم القيامة.
стр. 2105
معنى الآيات:
لقد تقدم في الآيات قبل هذه التنديد بالشرك وتوبيخ المشركين وتحديهم بدعاء شركائهم ليخلصوهم مما هم فيه من العذاب، وكان شركهم باختيارهم الخاص وإرادتهم الحرة إذ تبرأ منهم من اختاروهم آلهة مع الله فعبدوهم معه. وفي هذه الآية يكشف تعالى عن خطئهم في الاختيار، وذلك من وجهين: الأول أنه لا حق لهم في الاختيار. إذ الاختيار لخالق المخلوقات فيختار منها ما يشاء لنبوته أو طاعته أما الذي يُخْلَقُ ولا يَخْلُقُ فكيف يصح منه اختيار. والثاني بحكم أنهم مخلوقون مربوبون لله تعالى وهم يعلمون هذا إذ لو سألهم أحد: من خلقكم؟ لقالوا: الله؛ كان المفروض فيهم والمطلوب منهم أن يطلبوا من الله تعالى خالقهم أن يختار لهم ما يعبدون ويبين لهم كيف يعبدون، إذ هو مولاهم الحق ولا مولى لهم سواه أما أن يركبوا رؤوسهم ويختاروا بأنفسهم ما يعبدون فهذا ظلم منهم كبير استوجبوا به اللوم في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: (٦٨) ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ .. أي وربك يا محمد يخلق ما يشاء ممن يريد خلقهم ويختار (١) من يشاء لما يشاء ممن يشاء من عباده لما يشاء من كمال أو نقصان. أما عبيده فليس لهم حق الاختيار وإنما عليهم السمع والطاعة قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (٢) ﴾ أي حق الاختيار بل الذي يختاره الله هو الذي يجب أن يختاره العبد. وقد كان النبي ﷺ يدعو ويقول: "اللهم خرْ لي واختر لي" وكان يعلم أصحابه دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، ويحضهم على أن يختاروا في الأمر الواحد سبع مرات. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نزه تعالى نفسه عن شرك المشركين وباطل المبطلين وقوله ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهذا برهان أن الخيرة له (٣) وليس لغيره إذ الذي يعلم الظواهر والبواطن والبدايات والنهايات قبل البدء والمنتهى صاحب هذا العلم هو الذي يختار. أما الذي لا يعلم ما يكنه أخوه في صدره بل ولا ما يظهره آخر إلى جنبه أي لا يعلم عاقبته فكيف يصح منه الاختيار أو تكون له خيرة في شيء. وفوق ذلك أنه ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي المعبود الذي لا معبود بحق سواه الذي له الحمد