الظالم: المتجاوز لما حد الله تعالى، والظلم وضع الشيء في غير موضعه.
معنى الآية الكريمة:
ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق فيقرر تعالى في هذه الآية أن الطلاق الذي يملك الزوج الرجعة فيه هو طلقتان: أولى، وثانية فقط، ومن هنا فمن طلق الثانية فهو بين خيارين؛ إما أن يمسك زوجته بمعروف، أو يطلقها بإحسان فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، هذا معنى قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ لأي يحسن العشرة وهو أداء ما للزوج من حقوق، أو تسريح أي تطليق بإحسان بأن يعطيها باقي صداقها إن كان، ويمتعها بشيء من المال ولا يذكرها بسوء.
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ١ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ : حرم تعالى على الزوج أن يأخذ من مهر زوجته شيئاً بدون رضاها، إلا في حال واحدة وهي إذا كرهت المرأة الزوج ولم تطق البقاء معه، وهو غير ظالم لها في هذه الحال يجوز أن تعطي الزوج مالاً ويطلقها ويسمى هذا خلعاً، وهو٢ حلال على الزوج غير الظالم، وهذا معنى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ وهي هنا المعاشرة الحسنة فلا جناح أي لا إثم فميا فدت٣ به نفسها فلها أن تعطي المال للزوج وله أن يأخذه منها مقابل تركها وحل عصمة الزوجية بينهما.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ٤﴾ يريد أحكام شرعه فلا يحل تجاوز الحلال إلى الحرام، ولا تجاوز الإحسان إلى الإساءة ولا المعروف إلى المنكر ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، عرضها للعذاب، وما ينبغي له ذلك.
стр. 212
هداية الآية
من هداية الآية:
١- حرمة الطلاق الثلاث١ بلفظ واحد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ .
٢- المطلقة ثلاث طلقات لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره٢ ويطلقها أو يموت عنها.
٣- مشروعية الخلع وهو أن تكره المرأة البقاء مع زوجها فتخلع نفسها منه بمال تعطيه إياه عوضاً عما أنفق عليها في الزواج بها.
٤- وجوب الوقوف عند حدود الله وحرمة تعديها.
٥- تحريم الظلم وهو ثلاثة أنواع: ظلم الشرك وهذا لا يغفر للعبد إلا بالتوبة منه، وظلم العبد لأخيه الإنسان وهذا لابد من التحلل منه، وظلم العبد لنفسه بتعدي حد من حدود الله وهذا أمره إلى الله إن شاء غفره وإن شاء واخذ به.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ : الطلقة الثالثة فلا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره.
﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ : أي لا إثم ولا حرج عليهما في الزواج من جديد.
﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ : أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بعقد جديد وبشرط أن يظنا إقامة حدود الله فيهما، وإلا فلا يجوز نكاحهما.
معنى الآية الكريمة:
يقول تعالى مبيناً حكم من طلق امرأته الطلقة الثالثة: فإن طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ويكون النكاح صحيحاً ويبني بها الزوج الثاني لحديث: "حتى تذوقي عسيلته
стр. 213
ويذوق عسيلتك"، فإن طلقها الثاني بعد البناء والخلوة والوطء أو مات عنها جاز لها أن تعود إلى الأول إن رغب هو في ذلك وعلما من أنفسهما أنهما يقيمان حدود الله فيهما بإعطاء كل واحد حقوق صاحبه١ مع حسن العشرة وإلا فلا مراجعة تحل لهما. ولذا قال تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ ثم نوه الله تعالى بشأن تلك الحدود فقال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ وهي شرائعه، بينهما لقوم يعلمون٢، إذ العالمون بها هم الذين يقفون عندها ولا يتعدونها فيسلمون من وصمه الظلم وعقوبة الظالمين.
هداية الآية
من هداية الآية:
١- المطلقة ثلاثاً لا تحل لمطلقها٣ إلا بشرطين: الأول: أن تنكح زوجا ًغيره نكاحاً صحيحاً، ويبنى بها ويطأها. والثاني: أن يغلب على ظن كل منهما أن العشرة بينهما تطيب وأن لا يتكرر ذلك الاعتداء الذي أدى إلى الطلاق ثلاث مرات.
٢- موت الزوج الثاني كطلاقه تصح معه الرجعة إلى الزوج الأول بشرطه.
٣- إن تزوجت المطلقة ثلاثاً بنية التمرد على الزوج حتى يطلقها لتعود إلى الأول فلا يحلها هذا النكاح لأجل التحليل، لأن الرسول ﷺ أبطله وقال: "لعن الله المحلل والمحلل له" ويسمى بالتيس المستعار، ذاك الذي يتزوج المطلقة ثلاثاً بقصد أن يحلها للأول.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) ﴾
стр. 214
شرح الكلمات:
﴿أَجَلَهُنَّ﴾ : أجل المطلقة مقاربة١ انتهاء أيام عدتها.
﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ : تسريح المطلقة تركها بلا مراجعة لها حتى تنقضي عدتها وتبين من زوجها.
﴿ضِرَاراً﴾ : مضارة لها وإضراراً بها.
﴿لِتَعْتَدُوا﴾ : لتتجاوزوا حد الإحسان إلى الإساءة.
﴿هُزُواً٢﴾ : لعباً بها بعدم التزامكم بتطبيق أحكامها.
﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ : هنا هي الإسلام.
﴿وَالْحِكْمَةِ٣﴾ : السنة النبوية.
﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ : بالذي أنزله من أحكام الحلال والحرام لتشكروه تعالى بطاعته.
معنى الآية الكريمة:
ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق والخلع والرجعة ففي هذه الآية يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا طلق أحدهم امرأته وقاربت نهاية عدتها أن يراجعها فيمسكها٤ بمعروف، والمعروف هو حسن عشرتها أو يتركها حتى تنقضي عدتها ويسرحها بمعروف فعيطيها كامل حقوقها ولا يذكرها إلا بخير ويتركها تذهب حيث شاءت. وحرم على أحدهم أن يراجع امراته من أجل أن يضر بها فلا هو يحسن إليها ولا يطلقها فتستريح منه، فقال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ يريد عليهن حتى تضطر المرأة المظلومة إلى المخالعة فتفدي نفسها منه بمال وأخبر تعالى: أن من يفعل هذا الإضرار فقد عرض نفسه للعذاب الأخروي.
كما نهى تعالى المؤمنين عن التلاعب بالأحكام الشرعية، وذلك بإهمالها وعدم تنفيذها فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ٥ اللهِ هُزُواً﴾ وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم حيث من
стр. 215
عليهم بالإسلام دين الرحمة والعدالة والإحسان، وذلك ليشكروه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
كما عليهم أن يذكروا نعمة الله عليهم زيادة على الإسلام وهي نعمة إنزال الكتاب. والحكمة ليعظهم بذلك فيأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم، وينهاهم عما فيه شقاؤهم وخسرانهم: ثم أمرهم بتقواه : فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ وأعلمهم أنه أحق أن يُتقى؛ لأنه بكل شيء عليم لا يخفى عليه من أمرهم شيء فليحذروا أن يراهم على معصيته مجانبين لطاعته.
هداية الآية
من هداية الآية:
١- لا يحل للمطلق أن يراجع امرأته من أجل أن يضر بها ويظلمها حتى تخالعه بمال.
٢- حرمة التلاعب بالأحكام الشرعية بعدم مراعتها وتنفيذها.
٣- وجوب ذكر نعمة الله على العبد وذلك بذكرها باللسان، والاعتراف١ بها في الجنان.
٤- وجوب تقوى الله تعالى في السر والعلن.
٥- مراقبة الله تعالى في سائر شؤون الحياة؛ لأنه بكل شيء عليم.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ٢ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ : أي انتهت عدتهن٣.
стр. 216
﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ : أي لا تمنعوهن من التزوج مرة أخرى بالعودة إلى الرجل الذي طلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها.
﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ : إذا رضي الزوج المطلق أن يردها إليه ورضيت هي بذلك.
﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ : أي النهي عن العضل يُكلف به أهل الإيمان إذ هم القادرون على الطاعة.
﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ : أي ترك العضل خير لكم من العضل وأطهر لقلوبكم؛ إذ العضل قد يسبب ارتكاب الفاحشة.
معنى الآية الكريمة:
ينهى الله تعالى أولياء أمور النساء أن يمنعوا المطلقة طلقة أو طلقتين فقط من أن تعود إلى زوجها الذي طلقها وبانت منه بانقضاء عدتها، إذا رضيت هي بالزواج منه مرة أخرى ورضي هو به وعزما على المعاشرة الحسنة بالمعروف وكانت هذه الآية استجابة لأخت معقل بن يسار ﵁ حيث أرادت أن ترجع إلى زوجها١ الذي طلقها وبانت منه بانقضاء العدة فمنعها أخوها معقل.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي هذا النهي عن العضل يوجه إلى أهل الإيمان بالله واليوم الآخر فهم الأحياء الذي يستجيبون لله ورسوله إذا أمروا أو نهوا.
وأخيراً أخبرهم تعالى أن عدم منع المطلقة من العودة إلى زوجها خير لهم، حالاً ومآلاً، وأطهر لقلوبهم ومجتمعهم. وأعلمهم أنه يعلم عواقب الأمور وهم لا يعلمون فيجب التسليم بقبول شرعه، والانصياع لأمره ونهيه. فقال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
هداية الآية
من هداية الآية:
١- حرمة العضل أي منع المطلقة أن ترجع إلى من طلقها.
٢- وجوب٢ الولاية على المرأة؛ لأن الخطاب في الآية كان للأولياء ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ .
стр. 217
٣- المواعظ تنفع أهل الإيمان لحياة قلوبهم.
٤- في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه الخير كله، والطهر جميعه.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ١ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) ﴾
شرح الكلمات:
﴿حَوْلَيْنِ﴾ : عامين.
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ : أي على الأب.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ : بحسب حاله يساراً أو إعساراً.
﴿وُسْعَهَا﴾ : طاقتها وما تقدر عليه.
﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا٢﴾ : أي لا يحل أن تؤذي أم الولد بمنعها من إرضاع ولدها، أو بمنعها الأجرة على إرضاعه هذا في حال طلاقها، أو موت زوجها.
стр. 218
﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ﴾ : أي ولا يضار١ الوالد كذلك بأن يجبر على إرضاع الولد من أمه المطلقة أو يطالب بأجرة لا يطيقها.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ : الوارث هو الرضيع٢ نفسه إن كان له مال وإلا فعلى من يكفله من عصبته.
﴿فِصَالاً﴾ : فطاماً للولد قبل نهاية العامين.
معنى الآية الكريمة:
بمناسبة بيان أحكام الطلاق وقد تطلق المرأة أحياناً وهي حامل ذكر تعالى أحكام الرضاع، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ٣ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي: على الأم المطلقة أن ترضع ولدها حولين كاملين إن أرادت هي وأب الرضيع إتمام الرضاعة، وأن على المولود له وهو الأب إن كان موجوداً نفقة المرضعة طعاماً وشراباً وكسوة بالمعروف بحسب حال الوالد من الغنى والفقر، إذ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها من قدرة.
ثم نبه تعالى على أنه لا يجوز أن تؤذى الوالدة بسبب ولدها بأن تمنع من إرضاع ولدها أو تكره على إرضاعه وهي لا تريد ذلك، أو تحرم النفقة مقابل الإرضاع أو يضيق عليها فيها كما لا يجوز أن يضار أي يؤذي المولود له وهو الأب: بأن يجبر على إرضاع ولده من أمه وقد طلقها ولا يأن يطالب بنفقة باهظة لا يقدر عليها. وعلى الوارث وهو الرضيع نفسه إن كان له مال. فإن لم يكن له مال فعلى عصبته الذكور الأقرب فالأقرب أي عليهم أجرة الإرضاع فإن لم يكن للولد مال وليس له عصبة وجب على الأم أن ترضعه مجاناً؛ لأنها أقرب الناس إليه، ثم ذكر تعالى رخصتين في الإرضاع: الأولى: فطام قبل عامين، فإن لهما ذلك بعد التشاور في ذلك وتقدير مصلحة الولد من هذا الفطام المبكر. فقال تعالى: ﴿فَإِنْ
стр. 219
أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي لا تضييق ولا حرج. والثانية إن أراد المولود له أن يسترضع لولده من مرضعاً غير أمه فله ذلك إن طابت به نفسه الأم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ بشرط أن يسلم الأجرة١ المتفق عليها بالمعروف بلا إجحاف ولا مماطلة، وأخيرا وعظ الله كلاً من المرضِع والمرضَع له بتقواه في هذه الحدود التي وضعها لهما، وأعلمهم أنه بما يعملون بصير فليحذروا مخالفة أمره، وارتكاب نهيه. فسبحانه من إلهٍ عظيم برٍ رحيم.
هداية الآية
من هداية الآية:
١- وجوب إرضاع الأم ولدها الرضعة الأولى "اللَّبا" إن كانت مطلقة وسائر الرضاع إن كانت غير مطلقة.
٢- بيان الحد الأعلى للرضاع وهو عامان٢ تامان. ولذا فالزيادة عليهما غير معتبرة شرعاً.
٣- جواز أخذ الأجرة على الإرضاع.
٤- وجوب نفقة الأقارب على بعضهم في حال الفقر.
٥- جواز إرضاع الوالد ولده من٣ مرضع غير والدته.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ
стр. 220
وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ : يوفيهم الله تعالى ما كتب لهم من العمر فيموتون.
﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ : يتركون زوجات لهم.
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ : ينتظرن حتى انقضاء عدتهن، وهي أربعة أشهر وعشر ليال.
﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ : بلغن انتهاء العدة.
﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ : لا حرج عليكم أيها الأولياء فيما فعلن في أنفسهن من مس الطيب والتجمل والتعرض للخطاب.
﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ : لا إثم عليكم في التعريض دون التصريح بالخطبة، كما لا إثم في إضمار الرغبة في النفس.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ : أي حتى تنتهي العدة.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق والعدد والنفقات، ففي هذه الآية (٢٣٤) أن على من مات١ عليها زوجها أن تنتظر أربعة أشهر وعشر ليال إن كانت حرة، أو نصف المدة إن كانت أمة فلا تتجمل ولا تمس طيباً، ولا تتعرض للخطاب بحال حتى تنقضي عدتها المذكورة في الآية إلا أن تكون حاملاً فإن عدتها تنقضي٢ بوضع حملها لقوله تعالى من سورة الطلاق: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فإذا بلغت أجلها، أي: انتهت المدة التي هي
стр. 221
محدة فيها فلا جناح على ذوي زوجها المتوفي ولا على ذويها هي فيما تفعل بنفسها من ترك الإحداد١ والتعرض للخطاب للتزوج هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما هو مباح لهن ووعظهم في ختام الآية بقوله: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فاحذروه فلا تعملون إلا ما أذن فيه لكم.
أما الآية الثانية (٢٣٥) فقد تضمنت تحريم خطبة المرأة المعتدة من طلاق أو وفاة فلا يحل خطبتها لما في ذلك من الضرر؟ إذ قد تحمل هذه الخطبة من رجل مرغوب فيه لماله أو دينه أو نسبه أن تدعي المرأة انقضاء عدتها وهي لم تنقض، وقد تفوت على زوجها المطلق لها فرصة المراجعة، وهذا كله ضرر محرم. كما تضمنت الآية في صدرها رفع الحرج، أي: الإثم في التعريض بالخطبة دون اللفظ الصريح المحرم فقال تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المسلمون فيما عرضتم من خطبة النساء المعتدات نحو قوله: إني راغب في الزواج، أو إذا انقضت عدتك تشاورينني إن أردت الزواج. كما تضمنت الكشف عن نفسية الرجل إذ قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ مبدين رغبتكم منهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح، ولكن لا تواعدوهن سراً هذا اللفظ هو الدال على تحريم خطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق بائن، أما الطلاق الرجعي فلا يصح الخطبة فيه تعريضاً ولا تصريحاً؛ لأنها في حكم الزوجة، وقوله: ﴿إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ هو الإذن بالتعريض.
كما تضمنت هذه الآية حرمة عقد النكاح على المعتدة حتى تنتهي عدتها إذ قال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ٢ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ، والمراد من الكتاب المدة التي كتب الله على المعتدة أن تتربص فيها. وختمت الآية بوعظ الله تعالى المؤمنين حيث أمرهم أن يعلموا أن الله يعلم ما في أنفسهم ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم وتصرفاتهم فليحذروه غاية الحذر، فلا يخالفوه في أمره ولا نهيه. كما أعلمهم أنه تعالى غفور لمن تاب منهم بعد الذنب حليم عليهم لا يعاجلهم بالعقوبة ليتمكنوا من التوبة.
стр. 222
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- بيان عدة الوفاة وهي أربعة أشهر١ وعشر ليال، وبينت السنة أن عدة الأمة على النصف.
٢- وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها وهو عدم التزين ومس الطيب وعدم التعرض للخطاب وملازمة المنزل الذي توفى عنها زوجها وهي فيه فلا تخرج منه إلا لضرورة قصوى.
٣- حرمة خطبة المعتدة، وجواز التعريض لها بلفظ غير صريح.
٤- حرمة عقد النكاح على معتدة قبل انقضاء عدتها، وهذا من باب أولى ما دام الخطبة محرمة ومن عقد على امرأة قبل انقضاء عدتها يفرق بينهما ولا تحل له بعد عقوبة لهما٢.
٥- وجوب مراقبة الله تعالى في السر والعلن واتقاء الأسباب المفضية بالعبد إلى فعل محرم.
﴿لا جُنَاحَ٣ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ٤ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ٥ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ٦ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ
стр. 223
الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) ﴾
شرح الكلمات:
الجناح: الإثم المترتب على المعصية.
﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ : ما لم تجامعوهن.
﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ : تقدروا لهن١ مهراً.
﴿الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ : ذو الوسع في المال، وقدره: ما يقدر عليه ويستطيعه.
﴿الْمُقْتِرِ﴾ : الضيق العيش.
﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ : هو الزوج.
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ : أي المودة والإحسان.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ : بأدائها في أوقاتها في جماعة مع استيفاء شروطها وأركانها وسننها.
﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ : صلاة العصر، أو الصبح فتجب المحافظة على كل الصلوات وخاصة العصر والصبح لقول الرسول ﷺ : "من صلى البردين –العصر والصبح- دخل الجنة".
﴿قَانِتِينَ﴾ : خاشعين ساكنين٢.
﴿فَرِجَالاً﴾ : مشاة على أرجلكم أو ركباناً على الدواب وغيرها مما يركب.
стр. 224
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في بيان أحكام الطلاق وما يتعلق به، ففي هذه الآية (٢٣٦) : يخبر تعالى عباده المؤمنين أنه لا إثم ولا حرج عليهم إن هم طلقوا أزواجهم قبل البناء بهن، وقبل أن يسموا لهن مهوراً أيضاً، وفي هذين الحالين يجب عليهم أن يمتعوهن١ بأن يعطوا المطلقة قبل البناء ولم تكن قد أعطيت مهراً ولا سمى لها فيعرف مقداره في هذه الحال، وقد تكون نادرة يجب على الزوج المطلق جبراً لخاطرها أن يعطيها مالاً على قدر غناه وفقره تتمتع به أياماً عوضاً عما فاتها من التمتع بالزواج، فقال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ .
وأما الآية الثانية (٢٣٧) فإنه تعالى يخبر أن من طلق امرأته قبل البناء بها وقد سمى لها صداقاً قل أو كثر فإن عليه أن يعطيها وجوباً نصفه إلا أن تعفو عنه المطلقة فلا تأخذه تكرماً، أو يعفو المطلق تكرماً فلا يأخذ منه شيئاً فيعطيها إياه كاملاً فقال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ -أي: فالواجب نصف ما فرضتم- إلا أن يعفون –المطلقات- أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج. ثم بعد تقرير هذا الحكم العادل الرحيم دعا الطرفين٢ إلى العفو، وأن من عفا منهما كان أقرب إلى التقوى فقال : ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ونهاهم مع هذا عن عدم نسيان المودة والإحسان بينهما فقال: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
وأما الآية الثانية (٢٣٨) فإنه تعالى يرشد عباده المؤمنين إلى ما يساعدهم على الالتزام بهذه الواجبات الشرعية والآداب الإسلامية الرفيعة وهو المحافظة على إقامة الصلوات الخمس عامة والصلاة الوسطى خاصة فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ، وكانوا قبلها يتكلمون في الصلاة فمنعهم من ذلك بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي ساكنين خاشعين. وإن حصل خوف لا يتمكنون معه من أداء الصلاة على الوجه
стр. 225
المطلوب من السكون والخشوع فليؤدوها وهم مشاة على أرجلهم أو راكبون على خيولهم، حتى إذا زال الخوف وحصل الأمن فليصلوا على الهيئة التي كانوا يصلون عليها من سكون وسكوت وخشوع، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ١ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يريد الله تعالى بالذكر هنا إقام الصلاة أولاً، ثم الذكر العام مذكراً إياهم بنعمة العلم مطالباً إياهم بشكرها وهو أن يؤدوا الصلاة على أكمل وجوهها وأتمها؛ لأنها المساعد على سائر الطاعات وحسبها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. هذا ما تضمنته الآية الرابعة (٢٣٩) .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان حكم المطلقة قبل البناء وقبل تسمية المهر، وأن لها المتعة فقط بحسب حال المطلق من غنى وفقر.
٢- بيان حكم المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداق فإن لها نصفه وجوباً إلا أن تتنازل عنه برضاها فلها ذلك كما أن الزوج المطلق إذا تنازل عن النصف وأعطاها المسمى كاملاً فله ذلك.
٣- الدعوة إلى إبقاء المودة والفضل والإحسان بين الأسرتين: أسرة المرأة المطلقة، وأسرة الزوج المطلق، حتى لا يكون الطلاق سبباً في العداوات والتقاطع.
٤- وجوب المحافظة على الصلوات الخمس وخاصة صلاة العصر٢ وصلاة الصبح "الصلاة الوسطى"٣.
٥- منع الكلام في الصلاة لغير إصلاحها.
٦- وجوب الخشوع في الصلاة
стр. 226
٧- بيان صلاة الخائف من عدو وغيره وأنه يجوز له أن يصلي وهو ماش أو راكب.
٨- الأمر بملازمة ذكر الله، والشكر على نعمه وبخاصة نعمة العلم بالإسلام.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً١ إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ٢حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الْحَوْلِ﴾ : العام.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ : من بيت الزوج المتوفي قبل نهاية السنة.
﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ : أي متعة لا مبالغة فيها، ولا تقصير.
﴿حَقّاً﴾ : متعيناً على المطلقين الأتقياء.
معنى الآيات:
ما زال السياق في بيان حقوق النساء المطلقات والمتوفى عنهن ففي هذه الآية (٢٤٠) يخبر تعالى أن الذين يتوفون من المؤمنين ويتركون أزواجاً فإن لهن من الله تعالى وصية على ورثة الزوج المتوفى أن ينفذوها وهي أن يسمحوا لزوجة المتوفى عنها أن تبقى معهم في البيت تأكل وتشرب إلى نهاية السنة بما فيها مدة العدة وهي أربعة أشهر وعشر ليال إلا إذا رغبت في الخروج بعد انقضاء العدة فلها ذلك، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ٣ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
стр. 227
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقوله فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن تقدم معناه، وهو أن للمعتدة إذا انقضت عدتها أن تتزين وتمس الطيب وتتعرض للخطاب لتتزوج. وما ختمت به الآية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ إشارة إلى أن هذه الوصية قد شرعها عزيز حكيم فهي متعينة التحقيق والتنفيذ.
وأما الآية الثانية (٢٤١) ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ففيها حكم آخر وهو أن المطلقة المبني بها على مطلقها أن يمتعها بشيء من المال كثياب أو دابة أو خادمة، وعليه فالمطلقة قبل البناء وقبل تسمية المهر لها المتعة واجبة لها إذ ليس لها سواها، والمطلقة قبل البناء وقد سمى لها المهر فإن لها نصف المهر لا غير، والمطلقة بعد البناء وهي هذه المقصودة في هذه الآية لها متعة بالمعروف سواء قيل بالوجوب أو الاستحباب١؛ لأنها لها المهر كاملاً.
وقوله تعالى في الآية الثالثة (٢٤٢) ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ معناه كهذا التبيين لأحكام الطلاق والخلع والرضاع والعدد والمنع يبين تعالى لنا آياته المتضمنة أحكام شرعه لنعقلها ونعمل بها فنكمل عليها ونسعد في الحياتين الدنيا والآخرة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الإبقاء على المعتدة عدة وفاة في بيت الهالك سنة إن طابت نفسها بذلك وذلك بعد انقضاء العدة الواجبة، فالزائد وهو سبعة أشهر وعشرون يوماً في هذه الوصية إلا أن جمهور أهل العلم يقولون بنسخ هذه الوصية، وعدم القول بالنسخ أولى، لاختلافهم في الناسخ لها٢.
٢- حق٣ المطلقة المدخول بها في المتعة بالمعروف
٣- منة الله على هذه الأمة ببيان الأحكام لها لتسعد بها وتكمل عليها، فلله الحمد والشكر.
стр. 228
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا١ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : ألم ينته إلى علمك ... فالرؤية قلبية والاستفهام للتعجب.
﴿أُلُوفٌ﴾ : جمع ألف، وهي صيغة كثرة فهم إذا عشرات الألوف.
﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ : الطريق الموصل إلى مرضاته وهو طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه ومن ذلك جهاد الكفار والظالمين حتى لا تكون فتنة.
﴿يُقْرِضُ اللهَ﴾ : يقتطع شيئاً من ماله وينفقه في الجهاد لشراء السلاح وتسيير المجاهدين.
﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ : يضيق ويبسط يوسع، يقبض ابتلاء، ويبسط امتحاناً.
معنى الآيات:
يخاطب الله تعالى رسوله ﷺ فيقول: ألم ينته إلى علمك قصة الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت وهم ألوف، وهم أهل مدينة من مدن٢ بني إسرائيل أصابها الله تعالى بمرض٣ الطاعون ففروا هاربين من الموت فأماتهم الله عن آخرهم ثم أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل ﵇، فهل أنجاهم فرارهم من الموت، فكذلك من يفر من القتال هل ينجيه فراره من
стр. 229
الموت؟ والجواب: لا، وإذاً فلم الفرار من الجهاد إذا تعين؟ وفي تأديب تلك الجماعة بإماتتها ثم بإحيائها فضل من الله عليها عظيم، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. وإذاً فقاتلوا أيها المسلمون في سبيل١ الله ولا تتأخروا متى دعيتم إلى الجهاد بالنفس والمال، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وأعمالكم فاحذروه، ثم فتح تعالى باب الاكتتاب المالي للجهاد فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي٢ يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ لا شائبة شرك فيه لأحد والنفس طيبة به فإن الله تعالى يضاعفه له أضعافاً كثيرة الدرهم بسبعمائة درهم فأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل إعلاء كلمة الله، ولا تخافوا الفقر فإن ربكم يقبض ويبسط: يضيق على العبد ابتلاء ويوسع امتحاناً، فمنعكم الإنفاق في سبيل الله لا يغير من تدبير الله شيئاً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إذا نزل الوباء ببلد لا يجوز الخروج فراراً منه، بهذا ثبتت السنة.
٢- وجوب ذكر النعم وشكرها.
٣- وجوب القتال في سبيل الله إذا تعين.
٤- فضل الإنفاق في سبيل الله.
٥- بيان الحكمة في تضييق الله على العبد رزقه، وتوسيعه، وهو الابتلاء لأجل الصبر والامتحان لأجل الشكر، فيالخيبة من لم يصبر، عند التضييق عليه، ولم يشكر عند التوسعة له.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا
стр. 230
مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الْمَلأِ﴾ : أشراف الناس من أهل الحل والعقد بينهم إذا نظر المرء إليهم ملأوا عينه رواء وقلبه هيبة.
عسى: كلمة توقع وترج.
﴿كُتِبَ﴾ : فرض ولزم.
﴿مَلِكاً﴾ : يسوسهم في السلم والحرب.
﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ : الاستفهام للإنكار بمعنى كيف يكون له الملك.
﴿اصْطَفَاهُ﴾ : فضله عليكم واختاره لكم.
بسطة في الجسم: أي طولاً زائداً يعلو به من عداه.
معنى الآيات:
لقد فرض الله تعالى على المؤمنين القتال، ودارت رحى المعارك بداية من معركة بدر وكان لابد من المال والرجال الأبطال الشجعان، فاقتضى هذا الموقف شحذ الهمم وإلهاب المشاعر لتقوى الجماعة المسلمة بالمدينة على مواجهة حرب العرب والعجم معاً، ومن هنا لمطاردة الجبن والبخل وهما من شر الصفات في الرجال ذكر تعالى حادثة الفارين من الموت
стр. 231
التاركين ديارهم لغيرهم كيف أماتهم الله ولم ينجيهم فرارهم، ثم أحياهم ليكون ذلك عبرة لهم ولغيرهم، فالفرار من الموت لا يجدي الصبر والصمود حتى النصر، ثم أمر تعالى المؤمنين بعد أن أخذ ذلك المنظر من نفوسهم مأخذه فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ، ولما كان المال المقدم في القتال فتح الله لهم اكتتاباً مالياً وضاعف لهم الربح في القرض بشرط خلوصه وطيب النفس به، ثم قدم لهم هذا العرض التفصيلي لحادثة أخرى تمنل في ثناياها العظات والعبر لمن هو في موقف المسلمين الذين يحاربهم الأبيض والأحمر وبلا هوادة وعلى طول الزمن فقال تعالى وهو يخاطبهم في شخص نبيهم ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ١ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يريد ألم ينته إلى علمك بإخبارنا إياك قول أشراف بني إسرائيل –بعد وفادة موسى- لنبي لهم ابعث لنا٢ ملكاً نقاتل في سبيل الله فنطرد أعداءنا من بلادنا ونسترد سيادتنا ونحكم شريعة ربنا. ونظراً إلى ضعفهم الروحي والبدني والمالي تخوف النبي أن لا يكونوا صادقين فيما طالبوه به فقال: ﴿هَلْ٣ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ بتعيين الملك القائد أن لا تقاتلوا!؟ فدفعتهم الحمية فقالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الحال أنا قد أخرجنا من ديارنا٤ وأبنائنا، وذلك أن العدو وهم البابليون لما غزوا فلسطين بعد أن فسق بنو إسرائيل فتبرجت نساؤهم واستباحوا الزنى والربا وعطلوا الكتاب وأعرضوا عن هدى أنبيائهم فسلط الله عليهم هذا العدو الجبار فشردهم فأصبحوا لاجئين. وما كان من نبي الله شمويل إلا أن بعث من تلك الجماعات الميتة موتاً معنوياً رجلاً منهم هو طالوت وقادهم فلما دنوا من المعركة جبنوا وتولى أكثرهم٥ منهزمين قبل القتال، وصدق نبيهم في فراسته إذ قال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا﴾ .
стр. 232
هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٤٦) من هذا القصص أما الآية الثانية (٢٤٧) فقد تضمنت اعتراض ملأ بني إسرائيل على تعيين طالوت ملكاً عليهم بحجة أنه فقير من أسرة غير شريفة، وأنهم أحق بهذا المنصب منه، ورد عليهم حجتهم الباطلة بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ١ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . كان هذا رد شمويل على قول الملأ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ٢وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ . وكأنهم لما دمغتهم الحجة وهي أن الله تعالى قد اختار طالوت وفضله عليهم بهذا الاختيار وأهله للولاية بما أعطاه وزاده من العلم وقوة الجسم، والقيادات القتالية تعتمد على غزارة العلم وقوة البدن بسلامة الحواس وشجاعة العقل والقلب أقول كأنهم لما بطل اعتراضهم ورضوا بطالوت على عادة بني إسرائيل في التعنت طالبوا بآية تدل على أن الله حقاً اختاره لقيادتهم فقال لهم إلخ وهي الآية (٢٤٨) الآتية.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) ﴾
شرح الكلمات:
﴿نَبِيُّهُمْ﴾ : شمويل.
﴿آيَةَ مُلْكِهِ﴾ : علامة أن الله تعالى ملكه عليكم.
﴿التَّابُوتُ﴾ : صندوق خشبي فيه بقية من آثار آل موسى وآل هارون.
﴿سَكِينَةٌ﴾ : طمأنينة القلب وهدوء نفسي.
стр. 233
﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ : بقية الشيء ما تبقى منه بعد ذهاب أكثره وهي هنا رضاض من الألواح التي تكسرت، وعصا موسى وشيء من آثار أنبيائهم.
﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ : من أرض العمالقة فتضعه بين يدي بني إسرائيل في مخيماتهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ﴾ : أي في إتيان التابوت الذي أخذه العدو بالقوة منكم في رده إليكم علامة قوية على اختيار الله تعالى لطالوت ملكاً عليكم.
معنى الآية الكريمة:
قد أصبح بشرح الكلمات معنى الآية واضحاً وخلاصته أن شمويل النبي أعلمهم أن آية تمليك الله تعالى لطالوت عليهم أن يأتيهم التابوت المخصوب منهم وهو رمز تجمعهم واتحادهم ومصدر استمداد قوة معنوياتهم لما حواه من آثار آل موسى وآل هارون؛ كرضاض الألواح، وعصا موسى ونعله وعمامة هارون وشيء من المن الذي كان ينزل عليهم في التيه، فكان هذا التابوت بمثابة الراية يقاتلون تحتها فإنهم إذا خرجوا للقتال حملوه معهم إلى داخل المعركة ولا يزالون يقاتلون ما بقي التابوت بأيديهم لم يغلبهم عليه عدوهم، ومن هنا وهم يتحفزون للقتال جعل الله تعالى لهم إتيان١ التابوت آية على تمليك طالوت عليهم وفي نفس الوقت يحملونه معهم في قتالهم فتسكن٢ به قلوبهم وتهدأ نفوسهم فيقاتلون وينتصرون بإذن الله تعالى، "أما كيفية حمل الملائكة للتابوت فإن الأخبار تقول إن العمالقة تشاءموا بالتابوت عندهم إذا ابتلوا بمرض البواسير وبآفات زراعية وغيرها ففكروا في أن يردوا هذا التابوت لنبي إسرائيل وساق الله أقداراً لأقدار، فجعلوه في عربة يجرها بقرتان أو فرسان ووجهوها إلى جهة منازل بني إسرائيل فمشت العربة فساقتها٣ الملائكة حتى وصلت بها إلى منازل بني
стр. 234
إسرائيل" فكانت آية وأعظم آية، وقبل بنو إسرائيل بقيادة طالوت، وباسم الله تعالى قادهم في الآية التالية (٢٤٩) بيان السير إلى ساحات القتال.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي١ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ٢ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) ﴾
شرح الكلمات:
﴿فَصَلَ طَالُوتُ﴾ ٣: انفصل من الديار وخرج يريد العدو.
﴿بِالْجُنُودِ﴾ ٤: العسكر وتعداده –كما قيل: سبعون ألف مقاتل.
﴿مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ : مختبركم بنهر جار لعل هو نهر الأردن الآن.
﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ : لم يشرب منه.
﴿غُرْفَةً﴾ ٥: الغرفة بالفتح المرة، وبالضم الاسم من الاغتراف.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ : هم الذين لم يشربوا من النهر، أما من شرب فقد كفر وأشرك.
стр. 235
﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ﴾ : أي: يوم القيامة فهم يؤمنون بالبعث الآخر.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ : كم للتكثير، والفئة: الجماعة يفيء بعضها إلى بعض.
﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ : يسددهم ويعينهم وينصرهم.
معنى الآية:
إنه لما خرج طالوت بالجيش أخبرهم أن الله تعالى مختبرهم في سيرهم هذا إلى قتال عدوهم بنهر ينتهون إليه وهم في حر شديد وعطش شديد، ولم يأذن لهم في الشرب منه إلا ما كان من غرفة واحدة، فمن أطاع ولم يشرب فهو المؤمن، ومن عصى وشرب بغير المأذون به فهو الكافر ولما وصلوا إلى النهر شربوا منه يكرعون؛ كالبهائم إلا قليلاً منهم. وواصل طالوت السير فجاوز النهر وهو ومن معه، ولما كانوا على مقربة من جيش العدو وكان قرابة مائة ألف قال الكافرون والمنافقون: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ فأعلنوا انهزامهم، وانصرفوا فارين، وقال المؤمنون الصادقون وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ كانت هذه الآية في بيان سير طالوت إلى العدو، وفي الآيتين التاليتين (٢٥٠و٢٥١) بيان المعركة وما انتهت إليه من نصر حاسم للمؤمنين الصادقين قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا١ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا٢ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ٣ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ
стр. 236
بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿بَرَزُوا لِجَالُوتَ﴾ : ظهروا في ميدان المعركة وجالوت قائد قوات العمالقة.
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ : أصبب الصبر في قلوبنا صباً حتى تمتلئ فلم يبقى للخوف والجزع موضع.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ : في أرض المعركة حتى لا ننهزم وذلك بتقوية قلوبنا والشد من عزائمنا.
﴿دَاوُدُ﴾ : هو نبي الله ورسوله داود، وكان يومئذ غير نبي١ ولا رسول في جيش طالوت.
﴿وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ : كان ذلك بعد موت شمويل النبي وموت طالوت الملك.
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ : فعلمه صنعة الدروع، وفهم منطق الطير هو وولده سليمان ﵉.
﴿لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ : وذلك بغلبة أهل الشرك على أهل التوحيد، وأهل الكفر على أهل الإيمان.
معنى الآيات:
لما التقى الجيشان جيش الإيمان وجيش الكفر طالب جالوت بالمبارزة فخرج٢ له داود من جيش طالوت فقتله والتحم الجيشان فنصر الله جيش طالوت وكان عدد أفراده ثلاثمائة وأربعة عشر مقاتلاً لا غير لقول الرسول ﷺ لأهل بدر: "إنكم على عدة أصحاب طالوت" وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً فهزم الله جيش الباطل على كثرته ونصر جيش الحق على قلته. وهنا ظهر كوكب داود في الأفق بقتله رأس الشر جالوت فمن الله عليه بالنبوة والملك بعد موت
стр. 237
كل من النبي شمويل والملك طالوت قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ١ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ .
وختم الله القصة ذات العبر والعظات العظيمة بقوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بالجهاد٢ والقتال، لاستولى أهل الكفر وأفسدوا الأرض بالظلم والشرك والمعاصي، ولكن الله تعالى بتدبيره الحكيم يسلط بعضاً على بعض، ويدفع بعضاً ببعض منة منه وفضلاً. كما قال : ﴿وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ .
ثم التفت إلى رسوله محمد ﷺ وقال له تقريراً لنبوته وعلو مكانته: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ﴾ التي تقدمت في هذا السياق ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﷺ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الجهاد الشرعي يشترط له الإمام المبايع بيعة شرعية.
٢- يشترط للولاية الكفاءة وأهم خصائصها العلم، وسلامة العقل والبدن.
٣- جواز التبرك بآثار الأنبياء كعمامة النبي أو ثوبه أو نعله مثلاً.
٤- جواز اختبار أفراد الجيش لمعرفة مدى استعدادهم للقتال والصبر عليه.
٥- فضيلة الإيمان بلقاء الله، وفضيلة الصبر على طاعة الله خاصة في معارك الجهاد في سبيل الله.
٦- بيان الحكمة في مشروعية الجهاد، وهي دفع أهل الكفر والظلم بأهل الإيمان والعدل، لتنتظم الحياة ويعمر الكون.
стр. 238
الجزء الثالث
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ١ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ : أولئك الرسل الذين قص الله تعالى على رسوله بعضاً منهم وأخبره أنه منهم في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . في الآية قبل هذه.
﴿مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ : كموسى ﵇.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ : وهو محمد ﷺ حيث فضله٢ تفضيلاً على سائر الرسل.
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ : المعجزات الدالة على صدق عيسى في نبوته ورسالته.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ : جبريل ﵇ كان يقف دائماً إلى جانب عيسى يسدده ويقويه إلى أن رفعه الله تعالى إليه.
﴿اقْتَتَلُوا﴾ : قتل بعضهم بعضاً.
﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ : النفقة الواجبة وهي الزكاة، ونفقة التطوع المستحبة.
стр. 239
﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ ١: لا يشتري أحد نفسه بمال يدفعه فداء لنفسه من العذاب.
﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ : أي: صداقة تنفع صاحبها.
﴿وَلا شَفَاعَةٌ﴾ : تقبل إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ : بمنع الزكاة والحقوق الواجبة لله تعالى ولعباده هم الظالمون.
معنى الآيتين:
بعد أن قص الله ﵎ على رسوله قصة ملأ بني إسرائيل في طلبهم نبيهم شمويل بأن يعين لهم ملكاً يقودهم إلى الجهاد، وكانت القصة تحمل في ثناياها أحداثاً من غير الممكن أن يعلمها أمي مثل محمد ﷺ بدون ما يتلقاها وحياً يوحيه الله تعالى إليه وختم القصة بتقرير نبوته ورسالته بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، أخبر الله تعالى أن أولئك الرسل فضل بعضهم على بعض، منهم من فضله بتكليمه كموسى ﵇، ومنهم من فضله بالخلة كإبراهيم ﵇، ومنهم من رفعه إليه وأدناه وناجاه وهو محمد ﷺ ، ومنهم من آتاه الملك٢ والحكمة وعلمه صنعة الدروع كداود ﵇، ومنهم من آتاه الملك والحكمة وسخر له الجن وعلمه منطق الطير كسليمان ﵇، ومنهم من آتاه البينات وأيده بروح القدس وهو عيسى ﵇. فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ٣ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كنبينا محمد ﷺ إذ فضله بعموم رسالته وبختم النبوات بنبوته، وبتفضيل أمته، وبإدخاله الجنة في حياته قبل مماته، وبتكليمه ومناجاته مع ما خصه من الشفاعة يوم القيامة. ثم أخبر تعالى أنه لو يشاء هداية الناس لهداهم فلم يختلفوا بعد رسلهم ولم يقتتلوا من بعد ما جائتهم البينات وذلك لعظيم قدرته، وحرية إرادته فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. هذا بعض ما أفادته الآية الأولى (٢٥٣) أما الآية الثانية (٢٥٤) فقد نادى الله تعالى عباده المؤمنين وأمرهم بالإنفاق في سبيل الله تقرباً إليه وتزوداً للقائه قبل يوم القيامة حيث لا
стр. 240
فداء ببيع وشراء، ولا صداقة تجدي ولا شفاعة تنفع، والكافرون بنعم الله وشرائعه هم الظالمون المستوجبون١ للعذاب والحرمان والخسران.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- تفاضل الرسل فيما بينهم بحسب جهادهم وصبرهم وما أهلهم الله تعالى له من الكمال.
٢- صفة الكلام لله تعالى حيث كلم موسى في الطور، وكلم محمداً في الملكوت الأعلى.
٣- الكفر والإيمان والهداية والضلال، والحرب والسلم كل ذلك تبع لمشيئته تعالى وحكمته.
٤- ذم الاختلاف في الدين وأنه مصدر شقاء وعذاب.
٥- وجوب الإنفاق في سبيل الله مما رزق الله تعالى عبده.
٦- التحذير من الغفلة والأخذ بأسباب النجاة يوم القيامة حيث لا فداء ولا خلة تنفع ولا شفاعة ومن أقوى الأسباب الإيمان والعمل الصالح وإنفاق المال تقرباً إلى الله تعالى في الجهاد وغيره.
﴿اللهُ لا ٢إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) ﴾
стр. 241
شرح الكلمات:
﴿اللهُ﴾ : علم على ذات الرب ﵎.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ : الإله المعبود، ولا معبود بحق إلا الله، إذ هو الخالق الرازق المدبر بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، وما عداه من الآلهة فعبادتها بدون حق فهي باطلة.
﴿الْحَيُّ﴾ ١: ذو الحياة العظيمة التي لا تكون لغيره تعالى وهي مستلزمة للقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام.
﴿الْقَيُّومُ﴾ ٢: القائم بتدبير الملكوت كله علويه وسفليه، القائم على كل نفس بما كسبت.
السِّنة: النعاس يسبق النوم.
﴿كُرْسِيُّهُ﴾ : الكرسي: موضع القدمين، ولا يعلم كنهه إلا الله تعالى.
﴿يَؤُودُهُ﴾ : يثقله ويشق عليه.
معنى الآية الكريمة:
لما أخبر تعالى عن يوم القيامة وأنه يوم لا بيع فيه ولا شفاعة وأن الكافرين هم الظالمون، أخبر عن جلاله وكماله وعظيم سلطانه وأنه هو المعبود بحق وأن عبادته هي التي تنجي من أهوال يوم القيامة فقال: ﴿اللهُ لا ٣إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ : أي: أنه الله المعبود بحق ولا معبود بحق سواه. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الدائم الحياة التي لم تسبق بموت ولم يطرأ عليها موت. القيوم: العظيم القيومية على كل شيء، لولا قيوميته على الخلائق ما استقام من أمر العوالم شيء ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ٤﴾ : إذ النعاس والنوم من صفات النقص وهو تعالى ذو الكمال المطلق. وهذه الجملة برهان على الجملة قبلها، إذ من ينعس وينام لا يتأتى له القيومية على
стр. 242
الخلائق ولا يسعها حفظاً ورزقاً وتدبيراً. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ : خلقاً وملكاً وتصرفاً، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ : ينفي تعالى وهو الذي له ما في السموات وما في الأرض ينفي أن يشفع عنده في الدنيا أو في الآخرة أحد كائن من كان بدون أن يأذن له في الشفاعة. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ١﴾ : لكمال عجزهم. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ٢ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ : لكمال ذاته. ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ : ولا يثقله أو يشق عليه حفظ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ : العلي الذي ليس فوقه شيء والقاهر الذي لا يغلبه شيء، العظيم الذي كل شيء أمام عظمته صغير حقير.
هداية الآية الكريمة
من هداية الآية:
١- أنها أعظم آية في كتاب الله تعالى اشتملت على ثمانية عشر إسماً لله تعالى ما بين ظاهر ومضمر، وكلماتها خمسون كلمة وجملها عشر جمل كلها ناطقة بربوبيته تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته الدالة على كمال ذاته وعلمه وقدرته وعظيم سلطانه.
٢- تستحب قراءتها بعد الصلاة المكتوبة، وعند النوم، وفي البيوت لطرد الشيطان.
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴾
стр. 243
شرح الكلمات:
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ : لا يكره المرء على الدخول في الدين١، وإنما يعتنقه بإرادته واختياره.
﴿الرُّشْدُ﴾ ٢: الهدى الموصل إلى الإسعاد والإكمال.
﴿الْغَيِّ﴾ : الضلال المفضي بالعبد إلى الشقاء والخسران.
﴿بِالطَّاغُوتِ﴾ ٣: كل ما صرف عن عبادة الله تعالى من إنسان أو شيطان أو غيرهما.
﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٤: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
﴿لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ : لا تنفك ولا تنحل بحال من الأحوال.
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ : مُتوليهم بحفظه ونصره وتوفيقه.
﴿الظُّلُمَاتِ﴾ : ظلمات الجهل والكفر.
﴿النُّورِ﴾ : نور الإيمان والعلم.
﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ : المتولون لهم الشياطين الذين زينوا لهم عبادة الأوثان فأخرجوهم من الإيمان إلى الكفر ومن العلم إلى الجهل.
معنى الآيتين:
يخبر الله تعالى بعد ذكر صفات جلاله وكماله في آية الكرسي أنه لا إكراه في دينه، وذلك حين أراد بعض الأنصار إكراه من تهود أو تنصر من أولادهم على الدخول في دين الإسلام، ولذا فإن أهل الكتابين ومن شابههم تؤخذ منهم الجزية ويقرون على دينهم فلا يخرجون منه إلا باختيارهم وإرادتهم الحرة، أما الوثنيون والذين لا دين لهم سوى الشرك والكفر فيقاتلون حتى يدخلوا في الإسلام إنقاذاً لهم من الجهل والكفر وما لازمهم من الضلال والشقاء.
ثم أخبر تعالى أنه بإنزال كتابه وبعثه رسوله ونصر أولياءه قد تبين الهدى من الضلال والحق من الباطل، وعليه فمن يكفر بالطاغوت وهو الشيطان الذي زين عبادة الأصنام ويؤمن بالله فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد استمسك٥ من الدين بأمتن عروة وأوثقها، ومن يصر على الكفر بالله والإيمان بالطاغوت فقد تمسك بأوهى من خيط العنكبوت. والله
стр. 244
سميع لأقوال عباده عليم بنياتهم وخفيات أعمالهم وسيجزي كلاً بكسبه. ثم أخبر تعالى أنه ولي عباده المؤمنين فهو يخرجهم من ظلمات١ الكفر والجهل إلى نور العلم والإيمان فيكملون ويسعدون، وأن الكافرين أوليائهم الطاغون من شياطين الجن والإنس الذين حسنوا لهم الباطل والشرور، وزينوا لهم الكفر والفسوق والعصيان، فأخرجوهم بذلك من النور إلى الظلمات فأهلوهم لدخول النار فكانوا أصحابها الخالدين فيها.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- لا يكره أهل الكتابين ومن في حكمهم كالمجوس والصابئة على الدخول٢ في الإسلام إلا باختيارهم وتقبل منهم الجزية فيقرون على دينهم.
٢- الإسلام٣ كله رشد، وما عداه ضلال وباطل.
٣- التخلي عن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل.
٤- معنى لا إله إلا الله، وهي الإيمان بالله والكفر بالطاغون.
٥- ولاية الله تعالى تنال بالإيمان والتقوى.
٦- نصرة الله تعالى ورعايته لأولياءه دون أعداءه.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) ﴾
стр. 245
شرح الكلمات:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : ألم ينته إلى علمك يا رسولنا، والاستفهام يفيد التعجب من الطاغية المحاج لإبراهيم.
﴿حَاجَّ﴾ : جادل ومارى وخاصم.
﴿فِي رَبِّهِ﴾ : في شأن ربه من وجوده تعالى وربوبيته وألوهيته للخلق كلهم.
﴿آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ١﴾ : أعطاه الحكم والسيادة على أهل بلاده وديار قومهم.
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ : هو أبو الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇، وكان هذا الحجاج قبل هجرة إبراهيم إلى أرض الشام.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ : انقطع عن الحجة متحيراً مدهوشاً ذاك الطاغية الكافر وهو النمرود البابلي.
معنى الآية الكريمة:
لما ذكر الله تعالى ولايته لأولياءه وأنه مؤيدهم وناصرهم ومخرجهم من الظلمات إلى النور ذكر مثالاً لذلك وهو محاجة النمرود٢ البابلي لإبراهيم ﵇ فقال تعالى مخاطباً رسوله محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: لم ينته إلى علمك حجاج ذاك الطاغية الذي بطرته نعمة الملك الذي آتيناه امتحاناً له فكفر وادعى الربوبية وحاج خليلنا فبين إنه لأمر عجب. إذ قال له إبراهيم ربي الذي يحي ويميت، وأنت لا تحيي ولا تميت، فقال أنا أحيي٣ وأميت، فرد عليه إبراهيم حجته قائلاً: ربي يأتي بالشمس من المشرق فآت بها أنت من المغرب، فاندهش وتحير وانقطع وأيد الله وليه إبراهيم فانتصر٤، فهذا مثال لإخراج الله تعالى أولياؤه من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
стр. 246
هداية الآية:
من هداية الآية:
١- النعم تبطر صاحبها إذا حرم ولاية الله تعالى.
٢- نصرة الله لأولياءه وإلهامهم الحجة لخصم أعدائهم.
٣-إذا ظلم العبد ووالى الظلم حتى أصبح وصفاً له يحرم هداية الله تعالى فلا يهتدي أبداً.
٤- جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقيدة الصحيحة السليمة.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) ﴾
شرح الكلمات:
﴿قَرْيَةٍ﴾ ١: مدينة لم يذكر الله تعالى اسمها فلا يبحث عنها لعدم جدوى معرفتها.
﴿خَاوِيَةٌ﴾ : فارغة من سكانها ساقطة٢ عروشها على مبانيها وجدرانها.
﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ : كيف يحيي٣.
стр. 247
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ : بعد خوائها وسقوطها على عروشها.
﴿لَبِثْتَ﴾ : مكثت وأقمت.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ١﴾ : لم يتغير بمر السنين عليه.
﴿آيَةً﴾ : علامة على قدرة الله على بعث الناس أحياء يوم القيامة.
﴿نُنْشِزُهَا﴾ : في قراءة ورش: ننشرها، بمعنى: نحييها بعد موتها. وننشزها: نرفعها ونجمعها لتكون حماراً كما كانت.
معنى الآية:
هذا مثل آخر معطوف على الأول الذي تجلت فيه على حقيقتها ولاية الله لإبراهيم حيث أيده بالحجة القاطعة ونصره على عدوه النمرود، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ فارغة من سكانها ساقطة سقوفها على مبانيها فقال المار بها مستبعداً حياتها مرة ثانية: كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه، وسأله: كم لبتث؟ قال: حسب عادة من نام في يوم واستيقظ فيه، فإنه يرى أنه نام يوماً أو بعض يوم، فأجابه مصوباً له فهمه: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ، ولكي تقتنع بما أخبرت به، فانظر إلى طعامك وكان سلة من تين وشرابك وكان عصيراً من عنب فإنه لم يتغير طعمه ولا لونه، وقد مر عليه قرن من الزمن، وانظر إلى حمارك فإنه هلك بمرور الزمن ولم يبقى منه إلا عظامه تلوح بيضاء فهذا دليل قاطع على موته وفناؤه لمرور مائة سنة عليه، وانظر إلى العظام كيف نجمعها ونكسوها لحماً فإذا هي حمارك الذي كنت تركبه من مائة سنة، ونمت وتركته إلى جانبك يرتع، وتجلت قدرة الله تعالى في عدم تغير الذي جرت العادة أنه يتغير في ظرف يوم واحد، وهو سلة التين وشراب العصير. وفي تغير الذي جرت العادة أنه لا يتغير إلا في عشرات الأعوام، وهو الحمار. كما هي ظاهرة في موت صاحبهما وحياته بعد لبثه على وجه الأرض ميتاً لم يعثر عليه أحد طيلة مائة عام. وقال له الرب ﵎ بعد أن وقفه على مظاهر قدرته فعلنا هذا بك لنريك٢ قدرتنا على إحياء القرية متى أردنا إحياءها ولنجعلك في قصتك هذه آية للناس،
стр. 248
تهديهم إلى الإيمان بنا وتوحيدنا في عبادتنا وقدرتنا على البعث الآخر الذي لا ريب فيه لتجزى كل نفس بما كسبت، وأخيراً لما لاحت أنوار ولاية الله في قلب هذا العبد المؤمن الذي أثار تعجبه خراب القرية فاستبعد حياتها قال: أعلم١ أن الله على كل شيء قدير، فهذا مصداق قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ٢ إِلَى النُّورِ﴾
هداية الآية
من هداية الآية:
١- جواز طروء استبعاد ما يؤمن به العبد أنه حق وكائن، كما استبعد هذا المؤمن المار بالقرية حياة القرية مرة أخرى بعد ما شاهد من خرابها وخوائها.
٢- عظيم قدرة الله تعالى بحيث لا يعجزه تعالى شيء وهو على كل شيء قدير.
٣- ثبوت البعث الآخر وتقريره.
٤- ولاية الله تعالى للعبد المؤمن التقي تجلت في إذهاب الظلمة التي ظهرت على قلب المؤمن باستبعاده قدرة الله على إحياء القرية، فأراه الله تعالى من مظاهر قدرته ما صرح في قوله: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) ﴾
стр. 249
شرح الكلمات:
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ : هو خليل الرحمن أبو الأنبياء ﵇.
﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ : يسكن ويهدأ من التطلع والتشوق إلى الكيفية.
﴿فَصُرْهُنَّ١ إِلَيْكَ﴾ : أملهن واضممهن إليك وقطعهن أجزاء.
﴿سَعْياً﴾ : مشياً سريعاً وطيراناً.
﴿عَزِيزٌ﴾ : غالب لا يمتنع عنه ولا منه شيء أراده بحال من الأحوال.
﴿حَكِيمٌ﴾ : لا يخلق عبثاً ولا يوجد لغير حكمة، ولا يضع شيئاً في غير موضعه اللائق به.
معنى الآية الكريمة:
هذا مثل ثالث يوجه إلى الرسول والمؤمنين حيث تتجلى لهم ولايته تعالى لعباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى مجرد ظلمة باستبعاد شيء عن قدرة الله تعالى، أو تطلع إلى كيفية إيجاد شيء ومعرفة صورته. فقال تعالى: اذكروا ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي٢ الْمَوْتَى﴾ . سأل إبراهيم ربه أن يريه طريقة الإحياء كيف تتم هل هي جارية على نواميس معينة أم هي مجرد قدرة يقول صاحبها للشيء كن فيكون، فسأله ربه وهو عليم به أتقول الذي تقول ولن تؤمن؟ قال إبراهيم: بلى أنا مؤمن بأنك على كل شيء قدير، ولكن أريد أن أرى صورة لذلك يطمئن لها قلبي ويسكن من التطلع والتشوق إلى معرفة المجهول لدي. فأمره تعالى إجابه له لأنه وليه فلم يشأ أن يتركه يتطلع إلى كيفية إحياء ربه الموتى، أمره بأخذ أربعة طيور٣ وذبحها وتقطيعها أجزاء وخلطها مع بعضها بعضاً ثم وضعها على أربعة جبال٤ على كل جبل ربع الأجزاء المخلوطة، ففعل، ثم أخذ برأس كل طير على حدة
стр. 250
ودعاه فاجتمعت أجزائه المفرقة المختلطة بأجزاء غيره وجاءه يسعى فقدم له رأسه فالتصق به وطار في السماء وإبراهيم ينظر ويشاهد مظاهر قدرة ربه العزيز الحكيم. سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.
هداية الآية الكريمة
من هداية الآية الكريمة:
١- غريزة١ الإنسان في حب معرفة المجهول والتطلع إليه.
٢- ولاية الله تعالى لإبراهيم حيث أراه من آياته ما اطمئن به قلبه وسكنت له نفسه.
٣- ثبوت٢ عقيدة الحياة الثانية ببعث الخلائق أحياء بالحساب والجزاء.
٤- زيادة الإيمان واليقين كلما نظر العبد إلى آيات الله الكونية، أو قرأ وتدبر آيات الله القرآنية.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) ﴾