← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هداية الآية: من هداية الآية: ١- النعم تبطر صاحبها إذا حرم ولاية الله تعالى. ٢- نصرة الله لأولياءه وإلهامهم الحجة لخصم أعدائهم. ٣-إذا ظلم العبد ووالى الظلم حتى أصبح وصفاً له يحرم هداية الله تعالى فلا يهتدي أبداً. ٤- جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقيدة الصحيحة السليمة. ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿قَرْيَةٍ﴾ ١: مدينة لم يذكر الله تعالى اسمها فلا يبحث عنها لعدم جدوى معرفتها. ﴿خَاوِيَةٌ﴾ : فارغة من سكانها ساقطة٢ عروشها على مبانيها وجدرانها. ﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ : كيف يحيي٣.

стр. 247

﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ : بعد خوائها وسقوطها على عروشها. ﴿لَبِثْتَ﴾ : مكثت وأقمت. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ١﴾ : لم يتغير بمر السنين عليه. ﴿آيَةً﴾ : علامة على قدرة الله على بعث الناس أحياء يوم القيامة. ﴿نُنْشِزُهَا﴾ : في قراءة ورش: ننشرها، بمعنى: نحييها بعد موتها. وننشزها: نرفعها ونجمعها لتكون حماراً كما كانت. معنى الآية: هذا مثل آخر معطوف على الأول الذي تجلت فيه على حقيقتها ولاية الله لإبراهيم حيث أيده بالحجة القاطعة ونصره على عدوه النمرود، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ فارغة من سكانها ساقطة سقوفها على مبانيها فقال المار بها مستبعداً حياتها مرة ثانية: كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها؟ فأماته الله مائة عام ثم أحياه، وسأله: كم لبتث؟ قال: حسب عادة من نام في يوم واستيقظ فيه، فإنه يرى أنه نام يوماً أو بعض يوم، فأجابه مصوباً له فهمه: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ، ولكي تقتنع بما أخبرت به، فانظر إلى طعامك وكان سلة من تين وشرابك وكان عصيراً من عنب فإنه لم يتغير طعمه ولا لونه، وقد مر عليه قرن من الزمن، وانظر إلى حمارك فإنه هلك بمرور الزمن ولم يبقى منه إلا عظامه تلوح بيضاء فهذا دليل قاطع على موته وفناؤه لمرور مائة سنة عليه، وانظر إلى العظام كيف نجمعها ونكسوها لحماً فإذا هي حمارك الذي كنت تركبه من مائة سنة، ونمت وتركته إلى جانبك يرتع، وتجلت قدرة الله تعالى في عدم تغير الذي جرت العادة أنه يتغير في ظرف يوم واحد، وهو سلة التين وشراب العصير. وفي تغير الذي جرت العادة أنه لا يتغير إلا في عشرات الأعوام، وهو الحمار. كما هي ظاهرة في موت صاحبهما وحياته بعد لبثه على وجه الأرض ميتاً لم يعثر عليه أحد طيلة مائة عام. وقال له الرب ﵎ بعد أن وقفه على مظاهر قدرته فعلنا هذا بك لنريك٢ قدرتنا على إحياء القرية متى أردنا إحياءها ولنجعلك في قصتك هذه آية للناس،

стр. 248

تهديهم إلى الإيمان بنا وتوحيدنا في عبادتنا وقدرتنا على البعث الآخر الذي لا ريب فيه لتجزى كل نفس بما كسبت، وأخيراً لما لاحت أنوار ولاية الله في قلب هذا العبد المؤمن الذي أثار تعجبه خراب القرية فاستبعد حياتها قال: أعلم١ أن الله على كل شيء قدير، فهذا مصداق قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ٢ إِلَى النُّورِ﴾ هداية الآية من هداية الآية: ١- جواز طروء استبعاد ما يؤمن به العبد أنه حق وكائن، كما استبعد هذا المؤمن المار بالقرية حياة القرية مرة أخرى بعد ما شاهد من خرابها وخوائها. ٢- عظيم قدرة الله تعالى بحيث لا يعجزه تعالى شيء وهو على كل شيء قدير. ٣- ثبوت البعث الآخر وتقريره. ٤- ولاية الله تعالى للعبد المؤمن التقي تجلت في إذهاب الظلمة التي ظهرت على قلب المؤمن باستبعاده قدرة الله على إحياء القرية، فأراه الله تعالى من مظاهر قدرته ما صرح في قوله: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) ﴾

стр. 249

شرح الكلمات: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ : هو خليل الرحمن أبو الأنبياء ﵇. ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ : يسكن ويهدأ من التطلع والتشوق إلى الكيفية. ﴿فَصُرْهُنَّ١ إِلَيْكَ﴾ : أملهن واضممهن إليك وقطعهن أجزاء. ﴿سَعْياً﴾ : مشياً سريعاً وطيراناً. ﴿عَزِيزٌ﴾ : غالب لا يمتنع عنه ولا منه شيء أراده بحال من الأحوال. ﴿حَكِيمٌ﴾ : لا يخلق عبثاً ولا يوجد لغير حكمة، ولا يضع شيئاً في غير موضعه اللائق به. معنى الآية الكريمة: هذا مثل ثالث يوجه إلى الرسول والمؤمنين حيث تتجلى لهم ولايته تعالى لعباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى مجرد ظلمة باستبعاد شيء عن قدرة الله تعالى، أو تطلع إلى كيفية إيجاد شيء ومعرفة صورته. فقال تعالى: اذكروا ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي٢ الْمَوْتَى﴾ . سأل إبراهيم ربه أن يريه طريقة الإحياء كيف تتم هل هي جارية على نواميس معينة أم هي مجرد قدرة يقول صاحبها للشيء كن فيكون، فسأله ربه وهو عليم به أتقول الذي تقول ولن تؤمن؟ قال إبراهيم: بلى أنا مؤمن بأنك على كل شيء قدير، ولكن أريد أن أرى صورة لذلك يطمئن لها قلبي ويسكن من التطلع والتشوق إلى معرفة المجهول لدي. فأمره تعالى إجابه له لأنه وليه فلم يشأ أن يتركه يتطلع إلى كيفية إحياء ربه الموتى، أمره بأخذ أربعة طيور٣ وذبحها وتقطيعها أجزاء وخلطها مع بعضها بعضاً ثم وضعها على أربعة جبال٤ على كل جبل ربع الأجزاء المخلوطة، ففعل، ثم أخذ برأس كل طير على حدة

стр. 250

ودعاه فاجتمعت أجزائه المفرقة المختلطة بأجزاء غيره وجاءه يسعى فقدم له رأسه فالتصق به وطار في السماء وإبراهيم ينظر ويشاهد مظاهر قدرة ربه العزيز الحكيم. سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: ١- غريزة١ الإنسان في حب معرفة المجهول والتطلع إليه. ٢- ولاية الله تعالى لإبراهيم حيث أراه من آياته ما اطمئن به قلبه وسكنت له نفسه. ٣- ثبوت٢ عقيدة الحياة الثانية ببعث الخلائق أحياء بالحساب والجزاء. ٤- زيادة الإيمان واليقين كلما نظر العبد إلى آيات الله الكونية، أو قرأ وتدبر آيات الله القرآنية. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) ﴾

стр. 251

شرح الكلمات: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ١﴾ : صفتهم المستحسنة العجيبة. ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ : كل ما يوصل إلى مرضاة الله تعالى من الإيمان وصالح الأعمال. ﴿يُضَاعِفُ﴾ : يزيد ويكثر حتى يكون الشيء أضعاف ما كان. ﴿مَنّاً وَلا أَذىً﴾ : المن٢: ذكر الصدقة وتعدادها على من تصدق بها عليه على الوجه التفضل عليه. والأذى: التطاول على المتصدق عليه وإذلاله بالكلمة النابية أو التي تمس كرامته وتحط من شرفه. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ : كلام طيب يقال للسائل المحتاج، نحو: الله يرزقنا وإياكم، الله كريم. الله يفتح علينا وعليك. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ : ستر على الفقير بعدم إظهار فقره، والعفو عن سوء خلقه إن كان كذلك. ﴿غَنِيٌّ﴾ : غني ذاتي لا يفتقر معه إلى شيء أبداً. ﴿حَلِيمٌ﴾ : لا يعاجل بالعقوبة بل يعفو ويصفح. معنى الآيات: يخبر تعالى مرغباً في الجهاد بالمال لتقدمه على الجهاد بالنفس؛ لأن العدة أولاً والرجال ثانياً، أن مثل ما ينفقه المؤمن في سبيل الله وهو هنا الجهاد، في نماءه وبركته وتضاعفه، كمثل حبة٣ بر بذرت في أرض طيبة فأنبتت سبع٤ سنابل في كل سنبلة مائة حبة فأثمرت الحبة الواحدة سبعمائة حبة، وهكذا الدرهم الواحد ينفقه المؤمن في سبيل الله يضاعف إلى سبعمائة

стр. 252

ضعف، وقد يضاعف إلى أكثر لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٦١) ، وأما الآية الثانية (٢٦٢) فهي تحمل بشرى الله تعالى للمنفقين في سبيله الذين لا يتبعون ما أنفقوه مناً به ولا أذى لمن أنفقوه عليه بأن لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من حياتهم ولا هم يحزنون على ما يتركون وراءهم ويخلفون. وهذه هي السعادة حيث خلت حياتهم من الخوف والحزن حل محلها الأمن والسرور. وأخيراً الآية الثالثة (٢٦٣) وهي: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ... ﴾ فإن الله تعالى يخبر بأن الكلمة الطيبة تقال للفقير ينشرح لها صدره وتطيب لها نفسه خير من مال يعطاه صدقة عليه يهان به ويذل فيشعر بمرارة الفقر أكثر، وألم الحاجة أشد، ومغفرة وستر لحالته وعدم فضيحته أو عفو عن سوء خلقه؛ كإلحاحه في المسألة، خير أيضاً من صدقة يفضح١ به ويعاتب ويشنع عليه بها، وقوله في آخر الآية: ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ أي: مستغن عن الخلق حليم لا يعاجل بالعقوبة من يخالف أمره. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضل النفقة في الجهاد وإنها أفضل النفقات. ٢- فضل الصدقات وعواقبها الحميدة. ٣- حرمة المن بالصدقة وفي الحديث: "ثلاثة لا يدخلون الجنة ... " وذكر من بينهم المنان. ٤- الرد الجميل على الفقير إذا لم يوجد ما يعطاه، وكذا العفو عن سوء القول منه ومن غيره خير من الصدقة يتبعها أذى، وفي الحديث: "الكلمة الطيبة صدقة". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ

стр. 253

تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) ﴾ شرح الكلمات: إبطال الصدقة١: حرمان من ثوابها. ﴿بِالْمَنِّ٢ وَالأَذَى﴾ : تقدم معناهما. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ : مراءاة لهم ليكسب محمدتهم، أو يدفع مذمتهم. ﴿صَفْوَانٍ﴾ ٣: حجر أملس. ﴿وَابِلٌ﴾ ٤: مطر شديد. ﴿صَلْداً﴾ : أملس ليس عليه شيء من التراب. ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ : يعجزون عن الانتفاع بشيء من صدقاتهم الباطلة. معنى الآية: بعد أن رغب تعالى في الصدقات ونبه إلى ما يبطل أحرها وهو المن والأذى نادى عباده المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ ناهياً عن إفساد صدقاتهم وإبطال ثوابها فقال: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ مشبهاً حال إبطال الصدقات بحال صدقات المرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر في بطلانها فقال: ﴿وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ٥ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ٦ الآخِرِ﴾ وضرب مثلاً لبطلان صدقات من يتبع صدقاته مناً أو أذى أو يرائي بها الناس أو هو كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾

стр. 254

أي حجر أملس عليه تراب١، ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ أي: نزل عليه مطر شديد فأزال التراب عنه فتركه أملس عارياً ليس عليه شيء، فكذلك تذهب الصدقات الباطلة ولم يبق منها لصاحبها شيء ينتفع به يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: مما تصدقوا به، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ٢ الْكَافِرِينَ﴾ إلى ما يسعدهم ويكملهم لأجل كفرانهم به تعالى. هداية الآية: من هداية الآية: ١- حرمة المن والأذى في الصدقات وفسادها بها. ٢- بطلان صدقة المان والمؤذي والمرائي بهما. ٣- حرمة الرياء وهي من الشرك لحديث: "وإياكم والرياء فإنه الشرك الأصغر". ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) ﴾

стр. 255

شرح الكلمات: المثل: الصفة المستملحة المستغربة. ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ : طلباً لرضا الله تعالى. ﴿وَتَثْبِيتاً﴾ ١: تحقيقاً وتيقناً بمثوبة الله تعالى لهم على إنفاقهم في سبيله. ﴿جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ٢﴾ : بستان كثير الأشجار بمكان مرتفع. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ : مضاعفاً مرتين، أو ضعفي ما يثمر غيرها. الوابل: المطر الغزير الشديد. الطل: المطر الخفيف. ﴿إِعْصَارٌ﴾ : ريح عاصف فيها سموم. معنى الآيتين: لما ذكر الله تعالى خيبة المنفقين أموالهم رياء الناس محذراً المؤمنين من ذلك ذكر تعالى مرغباً في النفقة التي يريد بها العبد رضا الله وما عنده من الثواب الأخروي فقال ضارباً لذلك مثلاً: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ أي: طلباً لمرضاته ﴿وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تحققاً وتيقناً منهم بأن الله تعالى سيثيبهم عليها مثلهم في الحصول ما أمّلوا من رضا الله وعظيم الأجر؛ كمثل جنة بمكان مرتفع عالٍ أصابها مطر غزير فأعطت ثمرها ضعفي ما يعطيه غيرها من البساتين، ولما كانت هذه الجنة بمكان عال مرتفع فإنها إن لم يصبها المطر الغزير فإن الندى والمطر اللين الخفيف كافٍ في سقيها وريها حتى تؤتي ثمارها مضاعفاً مرتين، وختم تعالى هذا الكلام الشريف بقوله: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قواعد به المنفقين ابتغاء مرضاته وتثبيتاً من أنفسهم بعظم الأجر وحسن المثوبة، وأوعد به المنفقين الذين يتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى والمنفقين رياء الناس بالخيبة والخسران. كان هذا معنى الآية الأولى (٢٦٥) وأما الآية الثانية (٢٦٦) فإنه تعالى بسائل عباده تربية

стр. 256

لهم وتهذيباً لأخلاقهم وسموا بهم إلى مدارج الكمال الروحي فيقول: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ١﴾ أي: أيحب أحدكم أيها المنفقون في غير مرضاة الله تعالى أن يكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار وله فيها من كل الثمرات والحال أنه قد تقدمت به السن وأصبح شيخاً كبيراً، ومع هذا العجز فإنه له ذرية صغاراً لا يقدرون على الكسب وجلب عيشهم بأنفسهم، وأصاب ذلك البستان الذي هو مصدر عيش الوالد وأولاده أصابه ريح عاتية تحمل حرارة السموم٢ فأتت على ذلك البستان فأحرقته، كيف يكون حال الرجل٣ الكبير وأولاده؟ هكذا الذي ينفق أمواله رئاء الناس يخسرها كلها في وقت هو أحوج إليها من الرجل العجوز وأطفاله الصغار، وذلك يوم٤ القيامة، وأخيراً يمتن تعالى على عباده بما يبين لهم من الآيات في العقائد والعبادات والمعاملات والآداب ليتفكروا فيها فيهتدوا على ضوئها إلى كمالهم وسعادتهم فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كذلك التبيين ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ٥﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- استحسان ضرب الأمثال تقريباً للمعاني إلى الأذهان لينتفع بها. ٢- مضاعفة أجر الصدقة الخالية من المن والأذى ومراءاة الناس. ٣- بطلان صدقات المان والمؤذي والمرائي وعدم الانتفاع بشيء منها. ٤- وجوب التفكر في آيات الله لا سيما تلك التي تحمل بيان العقائد والأحكام والآداب والأخلاق.

стр. 257

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ (٢٦٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ : من جيد أموالكم وأصلحها. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ : من الحبوب وأنواع الثمار. ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ : لا تقصدوا الرديء تنفقون منه. ﴿إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ١﴾ : إلا أن تغضوا أبصاركم عن النظر في رداءته فتأخذونه بتساهل منكم وتسامح. ﴿حَمِيدٌ﴾ : محمود في الأرض والسماء في الأولى والأخرى لما أفاض ويفيض من النعم على خلقه. ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ : يخوفكم من الفقر ليمنعكم من الإنفاق في سبيل الله. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ : يدعوكم إلى ارتكاب الفواحش ومنها البخل والشح. ﴿الْحِكْمَةَ﴾ : فهم أسرار الشرع، وحفظ الكتاب والسنة. ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ : أصحاب العقول الراجحة المفكرة فيما ينفع أصحابها.

стр. 258

معنى الآيات: بعدما رغب تعالى عباده المؤمنين في الإنفاق في سبيله في الآية السابقة ناداهم هنا بعنوان الإيمان، وأمرهم بإخراج زكاة أموالهم من جيد ما يكسبون فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ١ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ٢ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا﴾ يريد الحبوب والثمار كما أن ما يكسبونه يشمل النقدين والماشية من إبل وبقر وغنم، ونهاهم عن التصدق بالرديء من أموالهم، فقال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا٣ الْخَبِيثَ مِنْه٤ُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يريد لا ينبغي لكم أن تنفقوا الرديء وأنتم لو أعطيتموه في حق لكم ما كنتم لتقبلوه لولا أنكم تغمضون وتتساهلون في قبوله، وهذا منه تعالى تأديب لهم وتربية. وأعلمهم أخيراً أنه تعالى غني عن خلقه ونفقاتهم فلم يأمرهم بالزكاة والصدقات لحاجة به، وإنما أمرهم بذلك لإكمالهم وإسعادهم، وأنه تعالى حميد محمود بماله من إنعام على سائر خلقه، كان هذا معنى الآية (٢٦٧) أما الآية (٢٦٨) فإنه تعالى يحذر عباده من الشيطان ووسواسه فأخبرهم أن الشيطان يعدهم الفقر٥، أي: يخوفهم منه حتى لا يزكوا ولا يتصدقوا ويأمرهم بالفحشاء فينفقون أموالهم في الشر والفساد ويبخلون بها في الخير، والصالح العام، أما هو تعالى فإنه بأمره إياهم بالإنفاق يعدهم مغفرة ذنوبهم؛ لأن الصدقة تكفر الخطيئة، وفضلاً منه وهو الرزق الواسع الحسن، وهو الواسع الفضل العليم بالخلق. فاستجيبوا أيها المؤمنون لنداء الله تعالى، وأعرضوا عن نداء الشيطان فإنه عدوكم لا يعدكم إلا بالشر، يأمركم إلا بالسوء والباطل، كان هذا ما تضمنته الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٢٦٩) فإن الله تعالى يرغب في تعلم العلم النافع الذي يحمل على العمل الصالح، ولا يكون ذلك إلا علم الكتاب والسنة حفظاً وفهماً وفقهاً فيهما فقال

стр. 259

تعالى: ﴿يُؤْتِي﴾ أي: هو تعالى: ﴿الْحِكْمَةَ مَنْ١ يَشَاءُ﴾ من طلبها وتعرض لها راغباً فيها سائلاً الله تعالى أن يعلمه، وأخبر أخيراً أن من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً٢ فليطلب العاقل الحكمة قبل طلب الدنيا هذه تذكرة ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الزكاة في المال الصامت من ذهب وفضة وما يقوم مقامهما من العمل وفي الناطق من الإبل والبقر والغنم إذ الكل داخل في قوله: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ وهذا بشرط الحول٣ وبلوغ النصاب. ٢- وجوب الزكاة في الحرث: الحبوب والثمار وذلك فيما بلغ نصاباً، وكذا في المعادن إذ يشملها لفظ الخارج من الأرض. ٣- قبح الإنفاق من الرديء وترك الجيد. ٤- التحذير من الشيطان ووجوب مجاهدته بالإعراض عن وساوسه ومخالفة أوامره. ٥- إجابة نداء الله والعمل بإرشاده. ٦- فضل العلم على المال. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا٤ هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ

стр. 260

فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ : يريد قليلة أو كثيرة من الجيد أو الرديء. ﴿مِنْ نَذْرٍ﴾ : النذر١: التزام المؤمن بما لم يلزمه به الشارع، كأن يقول: لله عليّ أن أتصدق بألف؛ أو أصوم شهراً أو أصلى كذا ركعة يقول: إن حصل٢ لي كذا من الخير أفعل كذا من الطاعات. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ : أي تظهروها. ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ : فنعم تلك الصدقة التي أظهرتموها لُيفتدى بكم بها. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ : يكفر بمعنى: يسترها ولا يطالب بها، ومن للتبعيض إذ حقوق العباد لا تكفرها الصدقة. معنى الآية الكريمة: بعدما دعا تعالى عباده إلى الإنفاق في الآية السابقة أخبر تعالى أنه يعلم ما ينفقه عباده فإن كان المنفق جيداً صالحاً يعلمه ويجزي به وإن كان خبيثاً رديئاً يعلمه ويجزي به، وقال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ٣﴾ فما كان مبتغي به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون وسيغرمون أجر نفقاتهم ونذرهم لغير الله ولا يجدون من يثيبهم على شيء منها لأنهم ظالمون فيها حيث وضعوها في غير موضعها، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٧٠) .

стр. 261

أما الآية الثانية (٢٧١) فقد أعلم تعالى عباده المؤمنين أن ما ينفقونه لوجهه ومن طيب أموالهم علناً وجهراً هو مال رابح، ونفقة مقبولة يثاب عليها صاحبها، إلا أن ما يكون من تلك النفقات سراً ويوضع في أيدي الفقراء يكون خيراً لصاحبه لبعده من شائبة الرياء، ولإكرام الفقراء، وعدم تعريضهم لمذلة التصدق عليهم وإنه تعالى يكفر عن المنفقين سيئاتهم بصدقاتهم، وأخبر أنه عليم بأعمالهم فكان هذا تطميناً لهم على الحصول على أجور صدقاتهم، وسائر أعمالهم الصالحة. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- الترغيب في الصدقات ولو قلت والتحذير من الرياء فيها وإخراجها من رديء الأموال. ٢- جواز إظهار الصدقة١ عن سلامتها من الرياء. ٣- فضل صدقة السر وعظم أجرها، وفي الحديث الصحيح: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" ذكر من السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ٢ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ

стр. 262

لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ١ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿هُدَاهُمْ﴾ : هدايتهم إلى الإيمان وصالح الأعمال. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ : من مال. ﴿فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ : ثوابه العاجل بالبركة وحسن الذكر والأجل يوم القيامة عائد على أنفسكم. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ : يرد أجره كاملاً لا ينقص منه شيء. ﴿أُحْصِرُوا﴾ : حبسوا ومنعوا من التصرف لأنهم هاجروا من بلادهم. ﴿ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ : أي: سيراً فيها لطلب الرزق بالتجارة وغيرها لحصار العدو لهم. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ : علامات حاجتهم من رثاثة الثياب وصفرة الوجه. ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ : ترك سؤال الناس والكف عنه. ﴿إِلْحَافاً﴾ ٢: إلحاحاً وهو ملازمة السائل من يسأله حتى يعطيه. معنى الآيات: لما أمر تعالى بالصدقات ورغب فيها وسألها غير المؤمنين من الكفار واليهود فتحرج الرسول

стр. 263

والمؤمنون من التصدق على الكافرين فأذهب الله تعالى عنهم هذا الحرج وأذن لهم بالتصدق على غير المؤمنين والمراد من الصدقة: صدقة التطوع لا الواجبة وهي الزكاة، فقال تعالى مخاطباً رسوله وأمته تابعة له: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ لم يوكل إليك أمر هدايتهم لعجزك عن ذلك، وإنما الموكل إليك بيان الطريق لاغير، وقد فعلت فلا عليك أن لا يهتدوا، ولو شاء الله هدايتهم لهداهم، وما تنفقوا من مال تثابوا عليه، سواء كان على مؤمن أو كافر إذا أردتم به وجه الله وابتغاء مرضاته، وأكد تعالى هذا الوعد الكريم بقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ والحال أنكم لا تظلمون بنقص ما أنفقتم ولو كان النقص قليلاً. كان هذا معنى الآية الأولى (٢٧٢) ، أما الآية الثانية وهي: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ... ﴾ فقد بين تعالى فيها أفضل جهة ينفق فيها المال ويتصدق به عليها، وهي فقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وأحصروا في المدينة بجوار رسول الله ﷺ لا يستطيعون ضرباً في الأرض للتجارة ولا للعمل، ووصفهم تعالى بصفات يعرفهم بها رسوله والمؤمنون ولولا تلك الصفات لحسبهم لعفتهم وشرف نفوسهم الجاهل بهم أغنياء غير محتاجين، فقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ لا يسألون١ مجرد٢ سؤال فضلاً عن أن يلحوا ويلحفوا. ثم في نهاية الآية أعاد تعالى وعده الكريم بالمجازاة على ما ينفق في سبيله، فقال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ولازمه أن يثيبكم عليه أحسن ثواب فابشروا واطمأنوا. وأما الآية الثالثة (٢٧٤) في آخر آيات الدعوة إلى الإنفاق جاءت تحمل أعظم بشر للمنفقين في كل أحوالهم بالليل والنهار سراً وعلانية بأن أجر نفقاتهم مدخر لهم عند ربهم يتسلمونه يوم يلقونه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والبرزخ والآخرة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- جواز التصدق على الكافر المحتاج بصدقة التطوع لا الزكاة فإنها حق٣ المؤمنين

стр. 264

٢- ثواب الصدقة عائد على المتصدق عليه فلذا لا يضر إن كان كافرا. ٣- وجوب الإخلاص في الصدقة أي: يجب أن يراد بها وجه الله تعالى لا غير. ٤- تفاضل أجر الصدقة بحسب فضل وحاجة المتصدق عليه. ٥- فضيلة التعفف وهو ترك السؤال مع الاحتياج١، وذم الإلحاح في الطلب من غير الله تعالى أما الله فإنه يحب الملحين في دعائه. ٦- لا جواز التصدق بالليل والنهار وفي السر والعلن إذ الكل يثيب الله تعالى فعليه ما دام قد أريد به وجهه لا وجه سواه. بشرى الله تعالى للمؤمنين المنفقين بادخار أجرهم عنده تعالى ونفي الخوف والحزن عنهم مطلقاً. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) ﴾

стр. 265

شرح الكلمات: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبا١﴾ : يأخذونه ويتصرفون فيه بالكل في بطونهم، وبغير الأكل، والربا هنا: ربا النسيئة وحقيقته أن يكون لك على المرء دين فإذا حل أجله ولم يقدر على تسديده تقول له: أخر وزد. فتؤخره أجلاً وتزيد في رأس المال قدراً معيناً، هذا هو ربا الجاهلية والعمل به اليوم في البنوك الربوية فيسلفون المرء مبلغاً إلى أجل ويزيدون قدراً آخر نحو العشر أو أكثر أو أقل، والربا حرام بالكتاب والسنة والإجماع وسواء كان ربا فضل٢ أو ربا نسيئة. ﴿لا يَقُومُونَ﴾ : من قبوهم يوم القيامة. ﴿يَتَخَبَّطُهُ٣ الشَّيْطَانُ﴾ : يضر به الشيطان ضرباً غير منتظم. ﴿مِنَ الْمَسِّ٤﴾ : المس: الجنون، يقال: بفلان مس من جنون. ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ : أمر أو نهي بترك الربا. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ : ليس عليه أن يرد الأموال التي سبقت توبته. ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ : أي: يذهبه شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منه شيء؛ كمحاق القمر آخر الشهر. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ : يبارك في المال الذي أخرجت منه، ويزيد فيه، ويضاعف أجرها أضعافاً كثيرة. ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ : الكفار: شديد الكفر، يكفر بكل حق وعدل وخير، أثيم: منغمس في الذنوب لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا ارتكبها.

стр. 266

معنى الآيتين: لما حث الله على الصدقات وواعد عليها بعظيم الأجر ومضا عف الثواب ذكر المرابين الذين يضاعفون مكاسبهم المالية بالربا وهم بذلك يسدون طرق البر، ويصدون عن سبيل المعروف فبدل أن ينموا أموالهم بالصدقات نموها بالربويات، فذكر تعالى حالهم عند القيام من قبورهم وهم يقومون، ويقعدون ويغفون١ ويُصرعون، حالهم من حال يصرع في الدنيا بمس الجنون، علامة يعرفون بها يوم القيامة كما يعرفون بانتفاخ بطونهم وكأنها خيمة مضروبة بين أيديهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ , وذكر تعالى سبب هذه النقمة عليهم فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: أصابهم ذلك الخزي والعذاب بأنهم ردوا علينا حكمنا بتحريم الربا، وقالوا إنما البيع مثل الربا، إذ الربا الزيادة في نهاية الأجر، والبيع في أوله، ورد تعالى عليهم، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ٢ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ فما دام قد حرم الربا فلا معنى للاعتراض، ونسوا أن الزيادة في البيع هي في قيمة سلعة تغلو وترخص، وهي جارية على قانون الإذن في التجار، وأما الزيادة في آخر البيع فهي زيادة في الوقت فقط. ثم قال تعالى مبيناً لعباده سبيل النجاة محذراً من طريق الهلاك: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهي تحريمه تعالى للربا ونهيه عنه فانتهى عنه فله ما سلف قبل معرفته للتحريم، أو قبل توبته منه، وأمره بعد ذلك إلى الله إن شاء ثبته على التوبة فنجاه، وإن شاء خذله لسوء عمله، وفساد نيته فأهلكه وأرداه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . أخبر تعالى أنه بعدله يمحق٣ الربا، وبفضله يربي الصدقات، وأنه لا يحب كل كفار لشرع الله وحدوده، أثيم بغشيانه الذنوب وارتكابه المعاصي. كان هذا معنى الآية الأولى (٢٧٥) ، أما الآية الثانية (٢٧٦) فهي وعد رباني صادق وبشرى إلهية سارة لكل من آمن وعمل صالحاً وأقام الصلاة على الوجه الذي تقام به وآتي الزكاة بأن له أجره، وافٍ عند ربه يتسلمه يوم الحاجة إليه في عرصات القيامة وأنه لا يخاف مما يستقبله في الحياة الدنيا والآخرة ولا يحزن أيضاً في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 267

هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان عقوبة آكل الربا يوم القيامة لاستباحتهم وأكلهم له، وعدم التوبة منه. ٢- تحريم الربا وكل مال حرام لما جاء في الآية من الوعيد الشديد. ٣- صفة الحب لله تعالى وأنه تعالى يحب أولياءه وهم أهل الإيمان به وطاعته ويكره أعداءه وهم أهل الكفر به ومعاصيه من أكل الربا وغيره من كبائر الذنوب. ٤- حلية البيع إن تم على شروطه المبنية في كتب الفقه. ٥- من تاب من الربا تقبل توبته، ويحل له ما أفاده منه قبل التوبة بشرط سيأتي في الآيات بعد هذه. ٦- وعيد الله تعالى بمحق الربا ووعده بإرباء١ الصدقة. ٧- بشرى الله تعالى لأهل الإيمان والعمل الصالح مع إقامتهم للصلاة وإيتائهم للزكاة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ : خافوا عقابه بطاعته بأن تجعلوا طاعته وقاية تقيكم غضبه وعقابه.

стр. 268

﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ : اتركوا ما بقي عندكم من المعاملات الربوية. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ : اعلموا بحرب من الله ورسوله واحملوا سلاحكم ولاينفعكم١ سلاح فإنكم المهزومون الهالكون. ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ : بعد التوبة مالكم إلا رأس المال الذي عند المدين لكم فخذوه واتركوا زيادة الربا. العسرة: الشدة والضائقة المالية. ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ : أي انتظار للمدين إلى أن ييسر الله عليه فيعطيكم رأس مالكم الذي أخذه منكم. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ : وأن تتصدقوا على المعسر بترك ما لكم عليه فذلك خير لكم. معنى الآيات: بمناسبة ذكر عقوبة آكل الربا في الآيات السابقة نادى الله تعالى عباده المؤمنين آمراً إياهم بتقواه تعالى، وذلك بطاعته وترك معصيته، وبالتخلي عما بقي عند بعضهم من المعاملات الربوية مذكراً إياهم بإيمانهم إذ من شأن المؤمن الاستجابة لنداء ربه فعل ما يأمره به وترك ما ينهاه عنه فقال تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، ثم هذه المتباطئين بقوله: فإن لم تفعلوا فاعلموا بحرب٢ قاسية ضروس من الله ورسوله، ثم بين لهم طريق التوبة وسبيل الخلاص من محنة الربا بقوله: وإن تبتم بترك الربا فلكم رؤوس٣ أموالكم لا غير لا تظلمون بأخذ زيادة، ولا تظلمون بنقص من رأس مالكم. وإن وجد مدين لكم في حالة إعسار فالواجب انتظاره إلى ميسرته٤، وشيء آخر وهو خير لكم أن تتصدقوا بالتنازل عن ديونكم كلها تطهيراً لأموالكم التي لامسها الربا وتزكية لأنفسكم من آثاره السيئة. ثم ذكر تعالى سائر عباده يوم القيامة وافيه من أهوال ومواقف

стр. 269

صعبة حيث يتم الحساب الدقيق وتجزي فيه كل نفس مؤمنة أو كافرة بارة أو فاجرة ما كسبته من خير وشر وهو لا يظلمون بنقص حسناتهم أو زيادة سيئاتهم فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا التوجيه الذي حملته هذه الآية ذات الرقم (٢٨٠) آخر توجيه تلقته البشرية من ربها تعالى إذ هذه آخر ما نزل من السماء على رسول الله ﷺ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب التوبة من الربا ومن كل المعاصي. ٢- المصر على المعاملات الربوية يحب على الحاكم أن يحاربه١ بالضرب على يديه حتى يترك الربا. ٣- من تاب من الربا لا يظلم بالأخذ من رأس ماله بل يعطاه وافياً كاملاً إلا أن يتصدق بالتنازل عن ديونه الربوية فذلك خير له حالاً ومآلاً. ٤- وجوب ذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح وترك الربا والعاصي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ٢ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ٣ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ

стр. 270

أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿تَدَايَنْتُمْ١﴾ : داين بعضكم بعضاً في شراء أو بيع أو سلم أو قرض. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً٢﴾ : وقت محدد بالأيام أو الشهور أو الأعوام. ﴿بِالْعَدْلِ﴾ : بلا زيادة ولا نقصان ولا غش أو احتيال بالحق والإنصاف. ﴿وَلا يَأْبَ﴾ : لا يمتنع الذي يحسن الكتابة أن يكتب. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ : لأن إملاءه اعتراف منه وإقرار بالذي عليه من الحق. ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ : لا ينقص من الدين الذي عليه شيء ولو قل كفلس وليذكره كله.

стр. 271

شرح الكلمات: ﴿سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ : السفيه: الذي لا يحسن التصرفات المالية، والضعيف: العاجز عن الإملاء؛ كالأخرس، أو الشيخ الهرم. ﴿وَلِيُّهُ﴾ : من يلي أمره ويتولى شؤونه لعجزه وقصوره. ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ : أي المسلمين الأحرار دون العبيد والكفار. ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ : تنسى أو تخطئ لقصر إدراكها. ﴿وَلا تَسْأَمُوا﴾ : لا تضجروا أو تملوا من الكتابة ولو كان الدين صغيراً مبلغه. ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ : أعدل في حكم الله وشرعه. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ : أثبت لها وأكثر تقريراً؛ لأن الكتابة لا تنسى والشهادة تنسى أو يموت الشاهد أو يغيب. ﴿وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا١﴾ : أقرب أن لا تشكوا بخلاف الشهادة بدون كتابة. ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ : أي: تتعاطونها، البائع يعطي البضاعة والمشتري يعطي النقود فلا حاجة إلى كتابتها ولا حرج أو إثم يترتب عليها. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ : إذا باع أحد أحداً داراً أو بستاناً أو حيواناً يشهد على ذلك البيع. ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ بأن يكلف مالاً يقدر عليه بأن يدعي ليشهد في مكان بعيد يشق عليه أو يطلب إليه أن يكتب زوراً أو يشهد به. ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ : أي: خروج عن طاعة ربكم لاحق بكم إثمه وعليكم تبعته يوم القيامة. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ : في أوامره فافعلوها، وفي نواهيه فاتركوها، وكما علمكم هذا يعلمكم كل ما تحتاجون فاحمدوه بألسنتكم واشكروه بأعمالكم، وسيجزيكم بها وهو بكل شيء عليم.

стр. 272

معنى الآية الكريمة: لما حث تعالى على الصدقات وحرم الربا، ودعا إلى العفو على المعسر، والتصدق عليه بإسقاط الدين الأمر الذي قد يتبادر إلى الذهن أن المال لا شأن له ولا قيمة في الحياة فجاءت هذه الآية، آية الدين الكريمة لتعطي للمال حقه وترفع من شأنه فإنه قوام الحياة فقررت واجب الحفاظ عليه بكتابة الديون والإشهاد عليها بمن ترضى عدالتهم وكون الشهود رجلين مسلمين حرين، فإن انعدام رجل من الاثنين قامت امرأتان١ مقامه، واستحث٢ الله تعالى من يحسن الكتابة أن يكتب إذا كان في سعة من أمره، وحرم على الشهود إذا ما دعوا لأداء الشهادة أن يتخلوا عنها، وحرم على المتداينين أن لا يكتبوا ديونهم ولو كانت صغيرة قليلة، فقال تعالى: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ ، ورخص تعالى رحمة منه في عدم كتابة التجارة الحاضرة التي يدفع فيها السلعة في المجلس ويقبض الثمن فيه فقال: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا ... ﴾ ، وأمر بالإشهاد على البيع فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ... ﴾ ، ونهى عن الإضرار بالكاتب أو الشهيدين، بأن يلزم الكاتب أن يكتب إذا كان في شغله، أو الشاهد بأن يطلب منه أن يشهد وهو كذلك في شغله، أو أن يدعي إلى مسافات بعيدة تشق عليه إذ أمره تطوع وفعل خير لا غير فليطلب كاتب وشاهد غيرهما إذا تعذر ذلك منهما لانشغالهما. وحذر من كتمان الشهادة أو الحيف والجور في الكتابة والإضرار بالكاتب والشهيد فقال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ... ﴾ وأكد ذلك بأمره بتقواه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ ... ﴾ بامتثال أمره ونهيه لتكملوا وتسعدوا وكما علمكم هذا العلم النافع ما زال يعلمكم وهو بكل شيء عليم. هذا معنى الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ ... ﴾ . هداية الآية من هداية الآية: ١- وجوب كتابة الديون سواء كانت بيعاً، أو شراءً، أو سلفاً، أو قرضاً هذا ما قرره ابن جرير،

стр. 273

ورد القول بالإرشاد والندب١. ٢- رعاية النعمة بشكرها لقوله تعالى للكاتب: كما علمه الله فليكتب إذ علمه الكتابة وحرم غيره منها. ٣- جواز النيابة في الإملاء لعجز عنه وعدم قدرة عليه. ٤- وجوب العدل والإنصاف في كل شيء لا سيما في كتابة الديون المستحقة المؤجلة. ٥- وجوب الإشهاد على الكتابة لتأكدها به، وعدم نسيان قدر الدين وأجله. ٦- شهود٢ المال لا يقلّون عن رجلين عدلين من الأحرار٣ المسلمين لا غير، والمرأتان المسلمتان اللتان فرض شهادتهما تقومان مقام الرجل الواحد. ٧- الحرص على كتابة الديون والعزم على ذلك ولو كان الدين صغيراً تافهاً. ٨- الرخصة في عدم كتابة التجارة الحاضرة السلعة والثمن المدارة بين البائع والمشتري. ٩- وجوب الإشهاد على بيع العقارات والمزارع والمصانع مما هو ذو بال. ١٠- حرمة الإضرار بالكاتب٤ والشهيد. ١١- تقوى الله تعالى بسبب العلم، وتُكسب المعرفة٥ بإذن الله تعالى. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 274

وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) ﴾ شرح الكلمات: السفر: الخروج من الدار والبلد ظاهراً أو بعيداً بمسافة أربعة برد فأكثر. ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً﴾ : من يكتب لكم، أو لم تجدوا أدوات الكتابة من دواة وقلم. ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ : فاعتاضوا عن الكتابة الرهن فليضع المدين رهناً لدى الدائن. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ : فلا حاجة إلى الرهن. فليؤد المؤتمن أمانته: أي: فليعط الدين الذي أؤتمن عليه حيث تعذرت الكتابة ولم يأخذ دائنه منه رهناً على دينه. ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ : لأن الكتمان من عمل القلب فنسب الإثم إلى القلب. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾ : تظهروا. معنى الآيتين: لما أمر تعالى بالإشهاد والكتابة في البيوع والسلم والفروض في الآيات السابقة أمر هنا –عند تعذر الكتابة لعدم وجود كاتب أو أدوات الكتابة وذلك في السفر- أمر بالاستعاضة عن الكتابة بالرهن وذلك بأن يضع المدين رهناً لدى دائنه عوضاً عن الكتابة يستوثق به دينه هذا في حال عدم ائتمانه والخوف منه، وأما إن أمن بعضهم بعضاً فلا باس بعدم الارتهان فقال تعال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ١ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ٢ ... ﴾ والرهان جمع رهن٣. وقال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ فلم تأخذوا رهاناً، ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في ذلك. ثم

стр. 275

نهى تعالى نهياً جازماً عن كتمان شهادتهم فقال: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ... ﴾ وبين تعالى عظم هذا الذنب فقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ١ ... ﴾ وأعلم أنه عليم بما يعملونه فيجازيهم بعلمه، وهو تهديد ووعيد منه لكاتمي الشهادة والقائلين بالزور فيها. هذا معنى الآية الأولى (٢٨٢) ، أما الآية الثانية (٢٨٣) فإنه تعالى قد أخبر بأن له جميع ما في السموات وجميع ما في الأرض خلفاً وملكاً وتصرفاً، وبناء على ذلك فإن من يبدي ما في نفسه من خير أو شر أو يخفه يحاسب به، ثم هو تعالى بعد الحساب يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان والتقوى، ويعذب من يشاء من أهل الشرك والمعاصي، له كامل التصرف؛ لأن الجميع خلقه وملكه وعبيده. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- جواز أخذ الرهن في السفر والحضر توثيقاً من الدائن لدينه. ٢- جواز ترك أخذ الرهن٢ إن حصل الأمن من سداد الدين وعدم الخوف منه. ٣- حرمة كتمان الشهادة والقول بالزور فيها وأن ذلك من أكبر الكبائر كما في الصحيح. ٤- محاسبة العبد بما يخفي في نفسه من الشك والشرك والنفاق وغير ذلك من بغض أولياء الله وحب لأعدائه، ومؤاخذته بذلك، والعفو عن الهم بالخطيئة والذنب دون الشك والشرك والحب والبغض من المؤمن الصادق الإيمان للحديث الصحيح الذي أخرجه الستة: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل". ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ٣ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا

стр. 276

وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿آمَنَ﴾ : صدق جازماً بصحة الخبر ولم يتردد أو يشك فيه قط. ﴿الرَّسُولُ﴾ : نبينا محمد ﷺ . ﴿كُلٌّ﴾ : كل من الرسول والمؤمنين. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ١﴾ : نؤمن بهم جميعاً ولا نكون؛ كاليهود والنصارى نؤمن ببعض ونكفر ببعض. ﴿سَمِعْنَا﴾ : سماع فهم واستجابة طاعة. ﴿الْمَصِيرُ﴾ : المرجع: أي رجوعنا إليك يا ربنا فاغفر لنا. ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً٢﴾ : التكليف: الإلزام مما فيه كلفة ومشقة تحتمل. ﴿إِلا وُسْعَهَا٣﴾ : إلا ما تتسع لها طاقتها ويكون في قدرتها. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ : من الخير. ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ : من الشر.

стр. 277

﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ : لا تعاقبنا. ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ : فتركنا ما أمرتنا به أو فعلنا ما نهيتنا عنه نسياناً منا غير عمد. ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ : فعلنا غير ما أمرتنا خطأ منا بدون إرادة فعل منا له ولا عزيمة. ﴿إِصْراً﴾ ١: تكليفاً شاقاً يثقل علينا وياسرنا فيحبسنا عن العمل. ﴿مَوْلانَا﴾ : مالكنا وسيدنا ومتولي أمرنا لا مولى لنا سواك. معنى الآيتين: ورد أنه لما نزلت الآية (٢٨٤) ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... ﴾ وفيها ﴿ ... وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ... ﴾ اضطربت لها نفوس المؤمنين، وقالوا من ينجو منا إذا كنا نؤاخذ بما يخفى في أنفسنا من الهم والوسواس وحديث النفس فأمرهم الرسول ﷺ بالرضا بحكم الله تعالى والتسليم به فقال لهم: "قولوا سمعنا وأطعنا ولا تكونوا كاليهود: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ... ﴾ فلما قالوها صادقين أنزل الله تعالى هاتين الآيتين: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ ... ﴾ فأخبر عن إيمانهم مقروناً بإيمان نبيهم تكريماً لهم وتطميناً فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ٢ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... ﴾ وأخبر عنهم بقولهم الذي كان سبب استجابة الله تعالى لهم فقال عنهم: ﴿ ... وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وأخبرهم تعالى أنه لرحمته بهم وحكمته في تصرفه في خلقه لا يكلف نفساً إلا ما تتسع له طاقتها وتقدر على فعله، وإن لها ما كسبت من الخير فتجزى به خيراً وعليها ما اكتسبت من الشر فتجزى به شراً إلا أن يعفو عنها ويعفر لها فقال: ﴿لا يُكَلِّفُ٣ اللهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ... ﴾ وعلمهم كيف يدعونه ليقول لهم قد فعلت، كما صح به الخبر فقال قولوا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ٤﴾ وفعلاً

стр. 278

قد عفا عنهم في النسيان والخطأ وخفف عنهم في التشريع فما جعل عليهم في الدين من حرج، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم ونصرهم على الكافرين بالحجة والبيان وفي المعارك بالسيف والسنان فله الحمد والمنة وهو الكبير المتعال. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: ١- تقرير أركان الإيمان وهي الإيمان وملائكته وكتبه ورسله. ٢- وجوب الإيمان بكافة الرسل وحرمه الإيمان ببعض وترك البعض وهو كفر والعياذ بالله تعالى, ٣- وجوب طاعة الله ورسوله والتسليم والرضا بما شرع الله ورسوله وحرمة رد شيء من ذلك. ٤- رفع الحرج١ عن هذه الأمة رحمة بها. ٥- عدم المؤاخذة بالنسيان٢ أو الخطأ فمن نسي وأكل أو شرب وهو صائم فلا إثم عليه أو أخطأ فقتل فلا إثم عليه. ٦- العفو عن حديث النفس٣ لنزول الآية فيه ما لم يتكلم المؤمن أو يعمل. ٧- تعليم هذا الدعاء واستحباب الدعاء به إئتساء بالرسول ﷺ وأصحابه وقد ورد من قرأ هاتين الآيتين٤ عند النوم كفتاه ﴿آمَنَ الرَّسُولُ ... ﴾ السورة.

стр. 279

سورة آل عمران١ مدنية وآياتها مائتا آية بلا خلاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ

стр. 280

بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ والإنجيل (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الم﴾ : تقدم الكلام على مثله من سورة البقرة فليرجع إليه هناك. ﴿اللهُ﴾ : المعبود بحق ١ . ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ : لا معبود بحق سواه. ﴿الْحَيُّ﴾ : ذو الحياة المستلزمة للإرادة والعلم والسمع والبصر والقدرة. ﴿الْقَيُّومُ﴾ : القيم على كل مخلوقاته بالتربية والرعاية والحفظ. ﴿الْكِتَابَ﴾ : القرآن. ﴿بِالْحَقِّ﴾ : متلبساً به إذ كل ما فيه حق وصدق لا باطل فيه بأي وجه من الوجوه. ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ٢﴾ : من الكتب السابقة لا يخالفها ولا يبطلها؛ لأن مصدر الجميع واحد هو الله تعالى. ﴿التَّوْرَاةَ﴾ ٣: كتاب موسى ﵇ ومعناه بالعبرية الشريعة٤.

стр. 281

﴿وَالأِنْجِيلَ﴾ ١: كتاب عيسى ﵇ ومعناه باليونانية: التعليم الجديد٢. ﴿الْفُرْقَانَ﴾ ٣: ما فرق الله به بين الحق والباطل من الحجج القرآنية والمعجزات الإلهية والعقول النيرة البشرية التي لم يغلب عليها التقليد والجمود والهوى. ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾ : التصوير إيجاد الصورة للشيء لم تكن له من قبل، والأرحام: جمع رحم: مستودع الجنين. معنى الآيات: أخرج ابن جرير الطبري بأسانيد صحيحة أن وفد٤ نجران والمكون من ستين راكباً فيهم أشرافهم وأهل الحل والعقد منهم، وفدوا على رسول الله ﷺ يحاجونه في أمر المسيح ﵇، ويريدون أن يثبتوا إلهيته بالإدعاء الباطل فأنزل الله تعالى نيفاً وثمانين آية من فاتحة السورة ﴿ألم﴾ إلى ما يقرب الثمانين. وذلك رداً لباطلهم، وإقامة للحجة عليهم، وسيلاحظ هذا المتدبر للآيات ويراه واضحاً جلياً في السياق القرآني في هذه الآيات. فقد قال تعالى: ﴿الم، اللهُ لا إِلَهَ٥ إِلا هُوَ﴾ فأخبر أنه تعالى لا معبود بحق إلا هو، فأبطل عبادة المسيح ﵇ وعبادة كل معبود سوى الله تعالى من سائر المعبودات، وقال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فذكر برهان استحقاقه للعبادة دون غيره، وهو كونه تعالى حياً أزلاً وأبداً وكل حي غيره مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء. فلذا لا يستحق الألوهية إلا هو . والمسيح ﵇ مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء فكيف يكون إلهاً؟ وقال تعالى القيوم أي القائم على كل الخلق بالتربية والرعاية والحفظ والتدبير والرزق، وما عداه فليس له ذلك بل هو مربوب مرزوق فكيف يكون إلهاً مع الله؟ ودليل ذلك أنه نزل عليك الكتاب: القرآن بالحق مصحوباً به ليس فيه

стр. 282

من الباطل شيء فآياته كلها مثبتة للألوهية لله نافية لها عما سواه، فكيف يكون المسيح إلهاً مع الله أو يكون هو الله، أو ابن الله كما يزعم نصارى نجران وغيرهم من نصارى اليونان والرومان وغيرهم نزله مصدقاً لما بين يديه من الكتب التي سبقته لا يخالفها ولا يتناقض معها، فدل ذلك أنه وحي الله، وأنزل من قبله التوراة والإنجيل هدى للناس وأنزل الفرقان١ ففرق به بين الحق والباطل في كل ما يلبس أمره على الناس فتبين أن الرب الخالق الرازق المدبر للحياة المحيي المميت الحي الذي لا يموت هو الإله الحق وما عداه مربوب مخلوق لا حق له في الإلوهية والعبادة وإن شفى مريضاً أو أنطق أبكم أو أحيا ميتاً بإذن الله تعالى فإن ذلك لا يؤهله لأن يكون إلهاً مع الله؛ كعيسى بن مرين ﵇ فإن ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان بقدرة الله وإذنه بذلك لعيسى وإلا لما قدر على شيء من ذلك شأنه شأن عباد الله تعالى، ولما رد الوفد ما حاجهم به الرسول وأقام به الحجة عليهم تأكد بذلك كفرهم فتوعدهم الرب تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ٢ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ وهذا وعيد شديد لكل من كذب بآيات الله وجحد بالحق الذي تحمله من توحيد الله تعالى ووجوب طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ فلو كان هناك من يستحق الألوهية معه لعلمه وأخبر عنه، كما قرر بهذه الجملة أن عزته تعالى لا ترام وأنه على الانتقام من أهل الكفر به لقدير. وذكر دليلاً آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ٣﴾ وعيسى ﵇ قد صور في رحم مريم فهو قطعاً ممن صور الله تعالى، فكيف يكون إذاً إلهاً أو إبناً لله كما زعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالعزة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطئ هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند؛ كوفد نصارى نجران ومن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد.

стр. 283

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية١ عن غيره من سائر خلقه. ٢- ثبوت رسالة النبي محمد ﷺ بإنزال الله تعالى الكتاب عليه. ٣- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها الحق والباطل في كل شؤون الحياة. ٤- بطلان ألوهية المسيح؛ لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى على ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلهاً مع الله٢ أو ابناً له تعالى عن ذلك علواً كبيرا. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ٣ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) ﴾

стр. 284

شرح الكلمات: ﴿مُحْكَمَاتٌ١﴾ : الظاهرة الدلالة البينة المعنى التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، وذلك كآيات الأحكام من حلال وحرام وحدود، وعبادات، وعبر وعظات. ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ : غير ظاهرة الدلالة محتملة لمعان يصعب على غير الراسخون في العلم القول فيها وهي كفواتح السور، وكأمور الغيب٢. ومثل قول الله تعالى في عيسى ﵇: ﴿ ... وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ٣ وَرُوحٌ مِنْهُ ... ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ٤..﴾ . ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ : الزيغ: الميل عن الحق بسبب شبهة أو شهوة أو فتنة. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ : أي: طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم ومعتقداتهم. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ : طلباً لتأويله ليوافق معتقداتهم الفاسدة. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ﴾ : وما يعلم ما يؤول إليه أمر المتشابه إلا الله منزله. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ٥﴾ : هم أهل العلم اليقيني في نفوسهم الذين رسخت أقدامهم في معرفة الحق فلا يزلون ولا يشتطون في شبهة أو باطل. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ : أي المحكم والمتشابه فنؤمن به جميعاً. ﴿إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ : أصحاب العقول الراجحة والفهوم السليمة. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا٦﴾ : أي: لا تمل قلوبنا عن الحق بعدما هديتنا إليه وعرفتنا به فعرفناه. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ : أعطنا من عندك رحمة.

стр. 285

معنى الآيات: ما زال تعالى يقرر ربوبيته وألوهيته ونبوة رسوله ويبطل دعوى نصاري نجران في ألوهية المسيح ﵇، فيقول: هو أي: الله الحي القيوم الذي أنزل عليك الكتاب، أي: القرآن منه آيات محكمات، لا نسخ فيها ولا خفاء في معناها ولا غموض في دلالتها على ما نزلت فيه وهذه معظم آي الكتاب وهي أمة واصلة، ومنه آيات أخر متشابهات وهي قليلة والحكمة من إنزالها كذلك الامتحان والاختبار بالحلال والحرام، وبأمور الغيب ليثبت على الهداية والإيمان من شاء الله هدايته، ويزيغ في إيمانه وضل عن سبيله من شاء الله تعالى ضلاله وعدم هدايته. فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... ﴾ أي: ميل عن الحق ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ للخروج به عن طريق الحق وهداية الخلق كما فعل النصارى حيث ادعوا أن الله ثالث ثلاثة؛ لأنه يقول نخلق ونحيي، ونميت، وهذا كلام جماعة فأكثر، وكما قالوا في قوله تعالى في شأن عيسى: ﴿ ... وَرُوحٌ مِنْهُ١ ... ﴾ أنه جزء منه متحد به وكما قال الخوارج في قوله تعالى: ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ٢ ... ﴾ فلا يجوز لأحد أن يحكم في شيء وكفروا علياً وخرجوا٣ عنه لتحكيمه أبا موسى الأشعري في حقيقة الخلاف بين على ومعاوية، وهكذا يقع أهل الزيغ في الضلال حيث يتبعون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم فيظهر لهم معناه ويفهمون مراد الله تعالى منه. وأخبر تعالى أنه لا يعلم تأويله إلا هو ، وأن الراسخين٤ في العلم يفوضون أمره إلى الله منزله فيقولون ﴿ ... آمَنَّا بِهِ٥ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَاب٦﴾ ، ويسألون ربهم الثبات
следующие страницы →