﴿وَالأِنْجِيلَ﴾ ١: كتاب عيسى ﵇ ومعناه باليونانية: التعليم الجديد٢.
﴿الْفُرْقَانَ﴾ ٣: ما فرق الله به بين الحق والباطل من الحجج القرآنية والمعجزات الإلهية والعقول النيرة البشرية التي لم يغلب عليها التقليد والجمود والهوى.
﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾ : التصوير إيجاد الصورة للشيء لم تكن له من قبل، والأرحام: جمع رحم: مستودع الجنين.
معنى الآيات:
أخرج ابن جرير الطبري بأسانيد صحيحة أن وفد٤ نجران والمكون من ستين راكباً فيهم أشرافهم وأهل الحل والعقد منهم، وفدوا على رسول الله ﷺ يحاجونه في أمر المسيح ﵇، ويريدون أن يثبتوا إلهيته بالإدعاء الباطل فأنزل الله تعالى نيفاً وثمانين آية من فاتحة السورة ﴿ألم﴾ إلى ما يقرب الثمانين. وذلك رداً لباطلهم، وإقامة للحجة عليهم، وسيلاحظ هذا المتدبر للآيات ويراه واضحاً جلياً في السياق القرآني في هذه الآيات.
فقد قال تعالى: ﴿الم، اللهُ لا إِلَهَ٥ إِلا هُوَ﴾ فأخبر أنه تعالى لا معبود بحق إلا هو، فأبطل عبادة المسيح ﵇ وعبادة كل معبود سوى الله تعالى من سائر المعبودات، وقال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فذكر برهان استحقاقه للعبادة دون غيره، وهو كونه تعالى حياً أزلاً وأبداً وكل حي غيره مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء. فلذا لا يستحق الألوهية إلا هو . والمسيح ﵇ مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء فكيف يكون إلهاً؟ وقال تعالى القيوم أي القائم على كل الخلق بالتربية والرعاية والحفظ والتدبير والرزق، وما عداه فليس له ذلك بل هو مربوب مرزوق فكيف يكون إلهاً مع الله؟ ودليل ذلك أنه نزل عليك الكتاب: القرآن بالحق مصحوباً به ليس فيه
стр. 282
من الباطل شيء فآياته كلها مثبتة للألوهية لله نافية لها عما سواه، فكيف يكون المسيح إلهاً مع الله أو يكون هو الله، أو ابن الله كما يزعم نصارى نجران وغيرهم من نصارى اليونان والرومان وغيرهم نزله مصدقاً لما بين يديه من الكتب التي سبقته لا يخالفها ولا يتناقض معها، فدل ذلك أنه وحي الله، وأنزل من قبله التوراة والإنجيل هدى للناس وأنزل الفرقان١ ففرق به بين الحق والباطل في كل ما يلبس أمره على الناس فتبين أن الرب الخالق الرازق المدبر للحياة المحيي المميت الحي الذي لا يموت هو الإله الحق وما عداه مربوب مخلوق لا حق له في الإلوهية والعبادة وإن شفى مريضاً أو أنطق أبكم أو أحيا ميتاً بإذن الله تعالى فإن ذلك لا يؤهله لأن يكون إلهاً مع الله؛ كعيسى بن مرين ﵇ فإن ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان بقدرة الله وإذنه بذلك لعيسى وإلا لما قدر على شيء من ذلك شأنه شأن عباد الله تعالى، ولما رد الوفد ما حاجهم به الرسول وأقام به الحجة عليهم تأكد بذلك كفرهم فتوعدهم الرب تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ٢ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ وهذا وعيد شديد لكل من كذب بآيات الله وجحد بالحق الذي تحمله من توحيد الله تعالى ووجوب طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ فلو كان هناك من يستحق الألوهية معه لعلمه وأخبر عنه، كما قرر بهذه الجملة أن عزته تعالى لا ترام وأنه على الانتقام من أهل الكفر به لقدير. وذكر دليلاً آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ٣﴾ وعيسى ﵇ قد صور في رحم مريم فهو قطعاً ممن صور الله تعالى، فكيف يكون إذاً إلهاً أو إبناً لله كما زعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالعزة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطئ هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند؛ كوفد نصارى نجران ومن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد.
стр. 283
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية١ عن غيره من سائر خلقه.
٢- ثبوت رسالة النبي محمد ﷺ بإنزال الله تعالى الكتاب عليه.
٣- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها الحق والباطل في كل شؤون الحياة.
٤- بطلان ألوهية المسيح؛ لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى على ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلهاً مع الله٢ أو ابناً له تعالى عن ذلك علواً كبيرا.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ٣ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) ﴾
стр. 284
شرح الكلمات:
﴿مُحْكَمَاتٌ١﴾ : الظاهرة الدلالة البينة المعنى التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، وذلك كآيات الأحكام من حلال وحرام وحدود، وعبادات، وعبر وعظات.
﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ : غير ظاهرة الدلالة محتملة لمعان يصعب على غير الراسخون في العلم القول فيها وهي كفواتح السور، وكأمور الغيب٢. ومثل قول الله تعالى في عيسى ﵇: ﴿ ... وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ٣ وَرُوحٌ مِنْهُ ... ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ٤..﴾ .
﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ : الزيغ: الميل عن الحق بسبب شبهة أو شهوة أو فتنة.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ : أي: طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم ومعتقداتهم.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ : طلباً لتأويله ليوافق معتقداتهم الفاسدة.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ﴾ : وما يعلم ما يؤول إليه أمر المتشابه إلا الله منزله.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ٥﴾ : هم أهل العلم اليقيني في نفوسهم الذين رسخت أقدامهم في معرفة الحق فلا يزلون ولا يشتطون في شبهة أو باطل.
﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ : أي المحكم والمتشابه فنؤمن به جميعاً.
﴿إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ : أصحاب العقول الراجحة والفهوم السليمة.
﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا٦﴾ : أي: لا تمل قلوبنا عن الحق بعدما هديتنا إليه وعرفتنا به فعرفناه.
﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ : أعطنا من عندك رحمة.
стр. 285
معنى الآيات:
ما زال تعالى يقرر ربوبيته وألوهيته ونبوة رسوله ويبطل دعوى نصاري نجران في ألوهية المسيح ﵇، فيقول: هو أي: الله الحي القيوم الذي أنزل عليك الكتاب، أي: القرآن منه آيات محكمات، لا نسخ فيها ولا خفاء في معناها ولا غموض في دلالتها على ما نزلت فيه وهذه معظم آي الكتاب وهي أمة واصلة، ومنه آيات أخر متشابهات وهي قليلة والحكمة من إنزالها كذلك الامتحان والاختبار بالحلال والحرام، وبأمور الغيب ليثبت على الهداية والإيمان من شاء الله هدايته، ويزيغ في إيمانه وضل عن سبيله من شاء الله تعالى ضلاله وعدم هدايته. فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... ﴾ أي: ميل عن الحق ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ للخروج به عن طريق الحق وهداية الخلق كما فعل النصارى حيث ادعوا أن الله ثالث ثلاثة؛ لأنه يقول نخلق ونحيي، ونميت، وهذا كلام جماعة فأكثر، وكما قالوا في قوله تعالى في شأن عيسى: ﴿ ... وَرُوحٌ مِنْهُ١ ... ﴾ أنه جزء منه متحد به وكما قال الخوارج في قوله تعالى: ﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ٢ ... ﴾ فلا يجوز لأحد أن يحكم في شيء وكفروا علياً وخرجوا٣ عنه لتحكيمه أبا موسى الأشعري في حقيقة الخلاف بين على ومعاوية، وهكذا يقع أهل الزيغ في الضلال حيث يتبعون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم فيظهر لهم معناه ويفهمون مراد الله تعالى منه. وأخبر تعالى أنه لا يعلم تأويله إلا هو ، وأن الراسخين٤ في العلم يفوضون أمره إلى الله منزله فيقولون ﴿ ... آمَنَّا بِهِ٥ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَاب٦﴾ ، ويسألون ربهم الثبات
стр. 286
على الحق فيقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً..﴾ ترحمنا بها في دنيانا وأخرانا إنك أنت وحدك الوهاب، لا إله غيرك ولا رب سواك، ويقررون مبدأ المعاد والدار الآخرة فيقولون سائلين ضارعين ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لمحاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم فاغفر لنا وارحمنا يومئذ حيث آمنا بك وبرسولك وبكتابك محكم آيه ومتشابهه، إنك لا تخلف الميعاد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- في كتاب الله المحكم والمتشابه، فالمحكم يجب الإيمان به، والعمل بمقتضاه، والمتشابه يجب الإيمان به ويفوض أمر تأويله إلى الله منزله ويقال: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ .
٢- أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه١ يجب هجرانهم والإعراض عنهم؛ لأنهم مبتدعة وأهل أهواء.
٣- استحباب الدعاء بطلب النجاة عند ظهور الزيغ ورؤية الفتن٢ والضلال.
٤- تقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
стр. 287
وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ١ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ (١٣) ﴾
شرح الكلمات:
﴿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : هم وفد نجران ويهود المدينة والمشركون والمنافقون.
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ : لن تجزي عنهم ولن تقيهم عذاب الله إذا حل بهم.
﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ : الوقود ما توقد به النار من حطب أو فحم حجري أو غاز.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ : كعادتهم وسننهم في كفرهم وتكذيبهم وما حل بهم من عذاب في الدنيا والآخرة.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا٢﴾ : هم يهود المدينة بنو قينقاع.
﴿آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ٣﴾ : علامة واضحة، والفئتان: المسلمون وقريش إلتقتا في بدر.
﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ : يقوي.
﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ العبرة: العظة، وما يعبر به ذو البصيرة مواضع الخطر فينجو.
معنى الآيات:
لما أصر وفد نجران على الكفر والتكذيب واتباع المتشابه من آي الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل من الحق والخروج عنه. توعد الرب تعالى جنس الكافرين من نصارى ويهود وعرب وعجم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾ بالحق لما جاءهم وعرفوه معرفة لا لبس فيها ولا
стр. 288
غموض، ولكن منعهم من قبوله الحفاظ على المناصب والمنافع هؤلاء جميعهم سيعذبهم الله تعالى في نار جهنم ولن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً، واعلم أنهم وقود النار، التي مهدوا لها بكفرهم وبئس المهاد مهدوه لأنفسهم. ثم أخبر تعالى أنهم في كفرهم وعنادهم حتى يأتيهم العذاب كدأب آل فرعون والذين من قبلهم من الأمم التي كذبت رسلها؛ كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح حتى أخذهم الله بالعذاب في الدنيا بالهلاك والدمار، وفي الآخرة بعذاب النار وبئس المهاد، وكان ذلك بذنوبهم لا بظلم الله تعالى ثم أمر الله تعالى رسوله محمد ﷺ أن يقول ليهود المدينة الذين قالوا للرسول لا يغرنك أنك قاتلت من لا يحسن الحرب فانتصرت عليهم يريدون قريشاً في موقعة بدر، إنك إن قاتلتنا ستعلم أنا نحن الناس، لما قالوا قولتهم هذه يهددون بها رسول الله ﷺ والمسلمين أمره أن يقول لهم١ ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يريد في المعركة وتنهزمون وتموتون، وبعد موتكم تحشرون إلى جهنم وبئس المهاد جهنم مهدتموها لأنفسكم بكفركم وعنادكم وجحودكم للحق بعد معرفته. وفتح أعينهم على حقيقة لو تأملوها لما تورطوا في حرب الرسول حتى هزمهم وقتل من قتل منهم وأجلى من أجلاهم. وهي أن المسلمين الذين قاتلوا المشركين في بدر وانتصروا عليهم كانوا أقل عدد وأنقص عدة، ومع ذلك انتصروا؛ لأنهم يقاتلون في سبيل الله، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت والشرك والظلم والطغيان، ونصر الله الفئة القليلة المسلمة٢ وهزم الفئة الكافرة الكثيرة، فلو اعتبر اليهود بهذه الحقيقة لما تورطوا في حرب مع الرسول ﷺ أبداً. ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وهي البصائر. فقال تعالى لهم: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ –في بدر- جماعة- تقاتل في سبيل الله- إعلاء لكلمته- وأخرى فئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت ﴿يَرَوْنَهُمْ٣مِثْلَيْهِمْ
стр. 289
رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ لقربهم منهم. ومع هذا نصر الله الأقلية وهم الأكثرية الكافرة، وذلك لأن الله تعالى يؤيد بنصره من يشاء، فأيد أولياءه وهزم أعداءه، وإن في هذه الحادثة لعبرة وعظة ومتفكر ولكن لمن كان ذا بصيرة. أما من لا بصيرة له فإنه لا يرى شيئاً حتى يقع في الهاوية، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور لهم: ﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الكفر مورث لعذاب يوم القيامة والكافر معذب قطعاً.
٢- الأموال والأولاد والرجال والعتاد مهما كثروا لن يغنوا من بأس الله شيئاً إذا أراده بالكافرين في الدنيا والآخرة.
٣- الذنوب بريد العذاب١ العاجل والأجل.
٤- ذم الفخر والتعالي وسوء عاقبتهما.
٥- العاقل من اعتبر بغيره، ولا عبرة لغير أولي الأبصار أي البصائر.
٦- صدق خبر القرآن في ما أخبر به اليهود من هزيمتهم، فكان هذا دليل صدق على أن القرآن وحي الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الحق.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ٢ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ : جعل حبها مستحسناً في نفوسهم لا يرون فيه قبحاً ولا دمامة.
стр. 290
﴿الشَّهَوَاتِ١﴾ : جمع شهوة بمعنى المشتهى طبعاً وغريزة؛ كالطعام والشراب اللذيذين.
َالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ: القنطار: ألف ومائة أوقية فضة، والمقنطرة: الكثيرة بعضها فوق بعض.
َالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ٢: ذات السمات الحسان والمعدة للركوب عليها للغزو والجهاد.
َالأَنْعَامِ: الإبل والبقر والغنم وهي الماشية.
َالْحَرْثِ٣ الزروع والحقول وسائر النباتات النافعة.
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ذلك المذكور من النساء والبنين إلخ. متاع الحياة الدنيا يريد يستمتع به فيها ويموت صاحبها ويتركها.
معنى الآية الكريمة:
لما ذكر تعالى عناد من كفر من النصارى، واليهود، والمشركين، وجحودهم، وكفرهم، ذكر علة الكفر وبين سببه ألا وهو ما زينه تعالى لبني البشر عامة ليفتنهم فيه ويمتحنهم به وهو حب الشهوات، أي: المشتهيات بالطبع البشري من النساء٤، والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث وهو كل ما يحرث من سائر الحبوب والنباتات الغذائية والعطرية وغيرها. هذا الذي جعل تلك الجماعات ترفض الحق وتدفعه؛ لأنه يحول بينهم وبين هذه المشتهيات غالباً فلا يحصلون عليها، ولم يعلموا أنها مجرد متاع زائل فلا يبيعوا بها الجنة دار الخلد والسلام، ولذا قال تعالى ذلك أي ما ذكر من أصناف المحبوبات متاع الحياة الدنيا لا غير إما الآخرة فلا ينفع فيها شيء من ذلك بل لا ينفع فيها إلا الزهد فيه والإعراض عنه إلا ما لابد منه للبلغة به إلى عمل الدار الآخرة وهو الإيمان وصالح الأعمال، والتخلي عن الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي.
стр. 291
وختم تعالى الآية بقوله مرغباً في العمل للدار الآخرة داعياً عباده إلى الزهد في المتاع الفاني للتعلق قلوبهم بالنعيم الباقي فقال: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ، أي: المرجع الحسن، والنزول الكريم والجوار الطيب السعيد.
هداية الآية
من هداية الآية:
١- يزين الله تعالى بمعنى يجعل الشيء زيناً محبوباً للناس للإبتلاء والاختبار قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً١﴾ ويزين الشيطان للإضلال والإغواء، فالله يزين الزين ويقبح القبيح، والشيطان يزين القبيح، ويقبح الزين. فانظر الفرق وتأمل.
٢- المزينات في هذه الآية من تزيين الله تعالى للابتلاء، وكلها زينة في الواقع وليس فيها قبيح إلا إذا طلبت من غير حلها وأخذت بشره ونهم فأفسدت أخلاق آخذها أو طغت عليه محبتها فأنسته لقاء الله وما عنده فهلك بها كاليهود والنصارى والمشركين.
٣- كل ما في الدنيا مجرد متاع، والمتاع دائماً قليل وزائل فعلى العاقل أن ينظر إليه كما هو فلا يطلبه بما يحرمه حسن٢ المآب عند الله. اللهم لا تحرمنا حسن مآبك يا الله يا رحمن يا رحيم.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (١٧) ﴾
стр. 292
شرح الكلمات:
﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ١﴾ : أخبركم بنبأ عظيم لأن النبأ لا يكون إلا بالأمر العظيم.
﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ : أي: المذكور في الآية السابقة من النساء والبنين. إلخ.
﴿اتَّقَوْا﴾ : خافوا ربهم فتركوا الشرك به ومعصيته ومعصية رسوله.
﴿مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ : من خلال قصورها وأشجارها أنهار٢ الماء، وأنهار اللبن وأنهار العسل وأنهار الخمر.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ : مقيمين فيها إقامة لا يرحلون بعدها أبداً.
َأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ: زوجات: هي الحور العين نقيات من دم الحيض والبوم وكل أذى وقذر.
الصَّابِرِينَ: على الطاعات لا يفارقونها وعلى المكروه لا يتسخطون، وعن المعاصي لا يقارفونها.
َالصَّادِقِينَ: في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم.
َالْقَانِتِينَ: العابدين المحسنين الداعين الضارعين.
َالْمُنْفِقِينَ: المؤدين للزكاة المتصدقين بفضول أموالهم.
َالْمُسْتَغْفِرِينَ٣ بِالأَسْحَارِ: السائلين ربهم المغفرة في آخر الليل وقت السحور.
معنى الآيات:
لما بين الله تعالى ما زينه للناس من حب الشهوات من النساء والبنين اوالقناطير المنقطرة من الذهب والفضة إلى آخر ما ذكر تعالى، وبين أن حسن المآب عنده فليطلب منه بالإيمان والصالحات أمر رسوله أن يقول للناس كافة أؤنبئكم بخير من ذلك المذكور لكم. وبينه بقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
стр. 293
وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ ... ﴾ وهو رضاه عز١ وجل عنهم وهو أكبر من النعيم المذكورقبله، قال تعالى في آية أخرى٢: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ... ﴾ .
ثم أخبر تعالى أنه بصير بعباده يعلم المؤمن الصادق والمنافق الكاذب، والعامل المحسن والعامل المسيء وسيجزي كلا بعدله وفضله، ثم ذكر صفات المتقين التي ورثوا بها ما وصف من النعيم فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فذكر صفة الإيمان والخشية والضراعة والدعاء لهم ثم كر باقي الصفات الكمالية فقال: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ، يتهجدون آخر الليل وقبيل طلوع الفجر يكثرون من الاستغفار وهو طلب المغفرة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا مهما كان.
٢- نعيم الآخرة خاص بالمتقين الأبرار، ونعيم الدنيا غالباً ما يكون للفجار.
٣- التقوى وهي ترك الشرك والمعاصي هي العامل الوراثي لدار السلام.
٤- استحباب الضراعة والدعاء والاستغفار٣ في آخر الليل.
٥- الصفات المذكورة لأهل التقوى هنا كلها واجبة لا يحل أن لا يتصف بها مؤمن ولا مؤمنة في الحياة.
﴿شَهِدَ٤ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو٥ الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ
стр. 294
لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ١ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿شَهِدَ﴾ : أخبر عن علم بحضوره الأمر المشهود به.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ : لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله ﵎.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ : أصحاب العلم الصحيح المطابق للواقع وهم الأنبياء والعلماء.
القسط: العدل في الحكم والقول والعمل.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ : الغالب ذو العزة التي لا تغلب، الحكيم في خلقه وفعله وسائر تصرفاته.
﴿الدِّينَ﴾ : ما يدان الله تعالى به أي: يطاع فيه ويخضع له به من الشرائع والعبادات.
﴿الإِسْلامُ٢﴾ : الانقياد لله بالطاعة والخلوص من الشرك، والمراد به هنا ملة الإسلام.
﴿بَغْياً﴾ : ظلماً وحسداً.
﴿حَاجُّوكَ﴾ : جادلوك وخاصموك بحجج باطلة واهية.
стр. 295
﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ : أخلصت كل أعمالي القلبية والبدنية لله وحده لا شريك له.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ : كذلك أخلصوا لله كل أعماله له وحده لا شريك له.
﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : اليهود والنصارى.
الأميين: العرب المشركين سموا بالأميين لقلة من يقرأ ويكتب فيهم.
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ : الهمزة الأولى للاستفهام والمراد به الأمر أي: أسلموا خيراً لكم لظهور الحق وانبلاج نوره بينكم بواسطة كتاب الله ورسوله ﷺ .
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ : فإن أجابوك وأسلموا فقد اهتدوا إلى سبيل النجاة.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ : أدبروا عن الحق بعد رؤيته وأعرضوا عه بعد معرفته فلا يضرك أمرهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت.
معنى الآيات:
يخبر الجبار أنه١ شهد أنه لا إله إلا هو وأن الملائكة وأولي العلم يشهدون كذلك شهادة علم وحق قامت على مبدأ الحضور الذاتي، والفعلي وأنه تعالى قائم في الملكوت كله، علويه وسفليه، بالعدل، فلا رب غيره ولا إله سواه، العزيز في ملكه وخلقه الحكيم في تدبيره وتصريفه فلا يضع شيئاً في غير موضعه اللائق به. فرد بهذه الشهادة على باطل نصارى نجران، ومكر اليهود، وشرك العرب، وأبطل كل باطلهم ، ثم أخبر أيضاً أن الدين الحق الذي لا يقبل تعالى ديناً سواه، هو الإسلام، القائم على مبدأ الانقياد الكامل لله تعالى بالطاعة، والخلوص التام من سائر أنواع الشرك فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ﴾ في حكمه وقضائه الإسلام، وما عداه فلا يقبله٢ ولا يرضاه. ثم أخبر تعالى عن حال نصارى نجران، المجادلين لرسوله، في شأن تأليه عيسى بالباطل فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يريد أن خلاف أهل الكتاب لم يكن عن جهل منهم بالحق ومعرفته٣ ولكن كان عن علم حقيقي وإنما حملهم على الخلاف المسبب للفتن
стр. 296
والحروب وضياع الدين، البغي والحسد إذ كل فرقة تريد الرئاسة والسلطة الدينية والدنيوية لها دون غيرها، وبذلك يفسد أمر الدين والدنيا، وهذه سنة بشرية تورط فيها المسلمون١ بعد القرون المفضلة أيضاً، والتاريخ شاهد. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يتوعد تعالى ويهدد كل من يكفر بآياته الحاملة لشرائعه فيجحدها ويعرض عنها فإنه تعالى يحصي عليه ذنوب كفره وسيئات عصيانه ويحاسبه بها ويجزيه وإنه سريع الحساب؛ لأنه لا يشغله شيء عن آخر ولا يعيبه إحصاء ولا عدد، ثم يلتفت بالخطاب إلى رسوله قائلاً له: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ يريد وفد نجران النصراني فاختصر الحجاج معهم بإظهار موقفك المؤيس لهم داعياً إياهم إلى الإسلام الذي عرفوه وأنكروه حفاظاً على الرئاسة والمنافع بينهم فقل لهم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أيضاً أسلم وجهه لله فليس فينا شيء لغير الله وقلوبنا وأعمالنا وحياتنا كلها فأسلموا٢ أنتم يا أهل الكتاب ويا أميون ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وإن تولوا وأعرضوا فلا يضرك إعراضهم، إذ ما كلفت إلا البلاغ وقد بلغت، أما الحساب والجزاء فهو إلى الله تعالى البصير بأعمال عباده العليم بنياتهم وسوف يجزيهم بعلمه ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز الحكيم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- اعتبار الشهادة والأخذ بها إن كانت قائمة على العلم وكان الشاهد أهلاً لذلك بأن كان مسلماً عدلا ً.
٢- شهادة الله أعظم شهادة تثبت بها الشرائع والأحكام وتليها شهادة الملائكة وأولي العلم.
٣- بطلان كل دين بعد الإسلام وكل ملة غير ملته لشهادة الله تعالى بذلك وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الآية (٨٥) من هذه السورة والآتي تفسيرها إن شاء الله تعالى.
٤- الخلاف بين أهل العلم والدين يتم عندما يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فيتورطون في
стр. 297
المطاعم والمشارب، ويتشوقون إلى الكراسي والمناصب، ويرغبون في الشرف يومئذ يختلفون بغياً بينهم وحسداً لبعضهم بعضاً.
٥- من أسلم قلبه لله وجوارحه وأصبح وقفاً في حياته على الله فقد اهتدى إلى سبيل النجاة والسلام.
٦- من علق قلبه بالحياة الدنيا وأعرض عما يصرفه عنها من العبادات ضل في حياته وسعيه وحسابه على الله وسيلقى جزاءه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿يَكْفُرُونَ﴾ : يجحدون ويكذبون.
﴿النَّبِيِّينَ﴾ : جمع نبي وهو ذكر من بنى آدم أوحى إليه الله تعالى.
القسط: العدل والحق والخير والمعروف.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ : أخبرهم إخباراً يظهر أثره على بشرة وجوههم ألماً وحسرة.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ : بطلت وذهبت لم يجنوا منها شيئاً ينفعهم، ويهلكون بذلك ويعدمون الناصر لهم؛ لأن الله خذلهم وأراد إهلاكهم وعذابهم في جهنم.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في هتك أستار الكفرة من أهل الكتابيين اليهود والنصارى، فذكر تعالى هنا أن الذين يكفرون١ بآيات الله وهي حججه وأعلام دينه، وما بعث بها رسله، ويقتلون مع
стр. 298
ذلك النبيين بغير حق١ ولا موجب للقتل، ويقتلون الذين يأمرونهم٢ من أتباع الأنبياء المؤمنين الصالحين، هذه جرائم بعض أهل الكتاب فبشرهم بعذاب أليم، ثم أخبر أن أولئك البعداء في مهاوي الشر والفساد والظلم والعناد حبطت أعمالهم في الدنيا فلا يجنون منها عاقبة حسنة ولا مدحاً ولا ثناء بل سُجلت لهم بها عليهم لعنات في الحياة والممات، والآخرة كذلك وليس لهم فيها من ناصرين ينصرونهم فيخلصونهم من عذاب الله وهيهات هيهات أن يوجد من دون الله ولي أو نصير.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- الكفر والظلم من موجبات هلاك الدنيا ولزوم عذاب الآخرة.
٢- قتل الآمرين بالمعروف٣ والناهين عن المنكر كقتل الأنبياء في عظم الحرم.
٣- الشرك محبط للأعمال مفسد لها في الدنيا والآخرة.
٤- من خذله الله تعالى لا ينصره أحد، ومن ينصره الله لا يغلبه أحد.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ
стр. 299
لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥﴾
شرح الكلمات:
﴿أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ : اعطوا حظاً وقسطاً من التوراة.
﴿يُدْعَوْنَ﴾ : يُطلب١ إليهم أن يتحاكموا فيما اختلفوا فيه من الحق إلى كتابهم الذي يؤمنون به وهو التوراة فيأبون ويعرضون.
﴿يَتَوَلَّى﴾ : يرجع وهو مصمم على عدم العودة إلى الحق.
﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ : هذا قول اليهود ويعنون بالأيام الأربعين يوماً تلك التي عبدوا فيها العجل بع غياب موسى ﵇ عنهم.
﴿يَفْتَرُونَ﴾ : يكذبون.
﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ : هو يوم القيامة.
﴿مَا كَسَبَتْ﴾ : ما عملت من خير أو شر.
﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ : بأن يعذبوا بدون المقتضي لعذابهم من الشرك والكفر والمعاصي.
معنى الآيات:
ما زال السياق في فضح أهل الكتاب بذكر ذنوبهم وجرائمهم، فيقول تعالى لرسوله حاملاً له على التعجب من حال اليهود ألم تر يا رسولنا إلى الذين أوتوا نصيباً٢ من الكتاب، أي ألم ينته إلى علمك أمرهم حيث يدعون إلى التحاكم٣ إلى كتاب الله تعالى فيما انكروه٤ واختلفوا فيه من صفاتك وشأن نبوتك ورسالتك، ثم يتولى عدد منهم وهم مصممون على عدم العودة وطلب الحق والإقرار به إنها حال تدعو إلى التعجب حقاً، وصارفهم عن قبول الحق
стр. 300
ومراجعته هو اعتقادهم الفاسد بأن النار لا تمسهم إذا ألقوا فيها إلا مدة أربعين يوماً، وهي المدة التي عبد فيها أسلافهم العجل يوم غاب موسى عنهم لمناجاته ربه تعالى في جبل الطور. وهذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة بل يُخلدون في النار لا بعبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً بل بكفرهم وظلمهم وجحودهم وعنادهم، ويبين تعالى الحقيقة لرسوله والمؤمنين وهي أن هذه الدعوى اليهودية ما هي إلا فرية١ افتراها علماؤهم ليهونوا عليهم ارتكاب الجرائم وغثيان عظائم الذنوب. كما حصل للمسلمين في القرون المظلمة من تاريخ الإسلام حيث أصبح مشايخ التصوف يدجلون على المريدين بأنه يستغفرون لهم ويغفر لهم. ثم قال تعالى معظماً حالهم مهولاً موقفهم: فكيف٢ أي: حالهم. إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، وهو يوم القيامة كيف تكون حالهم أنها حال يعجز الوصف عنها، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ من خير أو شر وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم إن كانت لهم حسنات، ولا بالزيادة في سيئاتهم وما لهم إلا السيئات.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- من الإعراض عن الدين والكفر به رفض التحاكم إليه قال قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء: ٦٥] .
٢- أفسد شيء للأديان بعقائدها وشرائعها وعباداتها الافتراء فيها والابتداع عليها والقول فيها بغير علم.
٣- مضرة الاغترار بما يقوله بعض المفسرين والمحشين على الكتب الدينية من الحكايات والأباطيل بحجة الترغيب أو الترهيب فيغتر بها الناس فيضلوا ويهلكوا.
٤- فضيلة ذكر أهوال يوم القيامة وما يلاقي فيها أهل الظلم والفساد وفي القرآن: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [سورة ص: ٤٦]
стр. 301
﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿اللهُمَّ﴾ : يا الله حذف حرف النداء "يا" وعوض عنه الميم المشددة وهو خاص بنداء الله تعالى.
﴿مَالِكَ﴾ : المالك: الحاكم المتصرف يفعل في الملك ما يشاء ويحكم ما يريد لعظم سلطانه وقوة إرادته.
﴿الْمُلْكَ﴾ : المملوك: والمقصود به ما سوى المالك ، من سائر الكائنات.
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ : السلطان والتصرف في بعض الملكوت.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ : تدخل الليل في النهار فلا يبقى ليل، وتولج النهار في الليل فلا يبقى نهار.
﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ : أي تخرج جسماً حياً من جسم ميت في المحسوسات؛ كالدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، ومن المعنويات تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ١﴾ : بغير عدد ولا حد لواسع فضله وغناه عما سواه.
стр. 302
معنى الآيتين:
من المناسبات التي قيلت في نزول هاتين الآيتين: أن الرسول ﷺ لما أخبر أصحابه أن ملك أمته سيبلغ كذا وكذا في أحاديث صحاح سخر اليهود والمنافقون من إخبار الرسول بذلك مستبعدين له غاية البعد لجهلهم وكفرهم فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين ضمن الرد على نصارى نجران فأمره أن يقول: ﴿اللهُمَّ١ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ... ﴾ إلخ.. أمره أن يقول ذلك ليعطيه ما وعده بن من اتساع ملك أمته حتى تشمل ملك فارس والروم، وليرد على ضلال النصارى في تأليه عيسى ﵇، إذ المعبود بحق المستحق للعبادة والتأليه دون سواه من هو مالك الملك كله، ويتصرف فيه وحده يؤتي منه ما يشاء لمن يشاء، وينزع عمن أعطاهم ما شاء ومتى شاء لا يحول دون تصرفه حائل، ولا يقف دون إعطائه أو نزعه واقف. يعز الذليل متى شاء ويذل العزيز متى شاء، بيده الخير٢ لا بيد غيره يُفيضه على من يشاء، ويمنعه عمن يشاء وهو على كل شيء قدير. يولج النهار في الليل فلا يبقى نهار، ويولج الليل في النهار فلا يبقى ليل، مظهر من مظاهر القدرة الموجبة لألوهيته وطاعته ومحبته، ويدخل ساعات من الليل في النهار فيقصر الليل ويطول النهار، ويدخل ساعت من النهار في الليل فيطول، مظهر من مظاهر الحكمة والقدرة والرحمة، يخرج الحي من الميت؛ الإنسان من النطفة، والنبتة من الحبة. ويخرج الميت من الحي؛ النطفة من الإنسان الحي، والبيضة من الدجاجة، والكافر من المؤمن الحي، والعكس كذلك، هذه مظاهر ربوبيته المستلزمة لألوهيته تفرر أنه الإله الحق، لا رب غيره ولا إله سواه، وبذلك تأكد أمران: الأول: أن الله قادر على إعطاء رسوله ما وعده لأمته، وقد فعل. والثاني: أن عيسى لم يكن إلا عبداً مربوباً لله بالعبودية وشرفه بالرسالة وأيده، بالمعجزات.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- فضل الدعاء٣ بهاتين الآيتين بأن يقرأهما العبد ثم يقول: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما
стр. 303
تعطي منهما من تشاء، وتمنع من تشاء اقض عني الدين، فإنه يقضى بإذن الله تعالى ويعطى إن سأل حاجة له من حوائج الدنيا والآخرة.
٢- استجابة الله تعالى لرسوله ﷺ وإنجازه١ ما وعده في أمته.
٣- بطلان ألوهية عيسى ﵇ وثبوت عبوديته ورسالته وكرامته.
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿لا يَتَّخِذِ﴾ : لا يجعل.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ : جمع ولي يتولونهم بالنصر والمحبة والتأييد.
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ٢﴾ : أي: بريء الله تعالى منه، ومن برئ الله منه هلك.
стр. 304
﴿تُقَاةً١﴾ : وقاية باللسان وهما الكلمة الملينة للجانب، المبعدة للبغضاء.
﴿مُحْضَراً﴾ : حاضراً يوم القيامة.
﴿أَمَداً بَعِيداً﴾ : مدى وغاية بعيدة.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ : أي: يخوفكم عقابه إن عصيتموه.
معنى الآيات:
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي: أعواناً وأنصاراً يبادلونهم المحبة والمناصرة على إخوانهم المؤمنين، وأعلمهم تعالى أن من يفعل ذلك فقد برئ الله تعالى منه، وذلك لكفره وردته، حيث والى أعداء الله وعادى أولياءه، فقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ٢ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: برئ الله تعالى منه وانقطعت صلته وانبت حبل الولاية بينه وبين الله تعالى، ويا هلاكه، ثم رخص تعالى للمؤمنين المستضعفين الذين يعيشون تحت سلطان الكافرين في أن يعطوهم حلاوة لسانهم دون قلوبهم وأعمالهم٣ فيتقون بذلك شرهم وأذاهم، وذلك بكلمة المصانعة والمجاملة، قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة ... ﴾ ولما كان أمر البراء والولاء ذا خطر عظيم، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي: في أن تتخذوا أعداءه أولياء ضد أوليائه وأخبرهم أن المصير إليه لا إلى غيره فليحذر العصاة من وقوفهم بين يدي الله، فقال: ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ .
هذا ما تمضنته الآية الأولى (٢٨) ، وأما الآية الثانية (٢٩) فقد أمر تعالى رسوله ﷺ أن يقول للناس مؤمنهم وكافرهم ﴿ ... إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ ... ﴾ من حب أو بغض، من رضى أو سخط فلا تنطقوا به ولا تظهروه بحال من الأحوال، أو أن تظهروه بقول أو عمل أو حال فإنه تعالى يعلمه ويعلم ما في السموات والأرض، ويحاسب به ويجزي عليه وهو
стр. 305
على كل شيء قدير. ألا فليراقب الله العاقل وليتقه، فلا يقدم على معاصيه، وخاصة موالاة أعدائه على أوليائه. وأما الآية الثالثة (٣٠) ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ... ﴾ ففيها يذكر تعالى عباده بيوم القيامة ليقصروا عن الشر ويرعووا من الظلم والفساد فيقول أذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، أي: حاضراً تجزى به، وما عملت من سوء وشر حاضراً أيضاً ويسوءها مرآة فتود بكل قلبها لو أن بينها وبينه غاية من المسافة لا تدرك وينهي تعالى تذكيره وإرشاده بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ مؤكداً التحذير الأول به، ويختم الآية بقوله: ﴿وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ، ونعم ما ختم به إذ لولاه لطارت قلوب العالمين فزعاً وخوفاً فذو الرأفة بعباده ولا يوأس من رحمته.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة موالاة الكافرين١ مطلقاً.
٢- موالاة الكافرين على المؤمنين ردة وكفر وبراءة من الله تعالى.
٣- جواز التقية في حال ضعف المؤمنين وقوة الكافرين.
٤- وجوب الحذر من عذاب الله تعالى وذلك بطاعته تعالى.
٥- خطورة الموقف يوم القيامة ووجوب الاستعداد له بالإيمان والتقوى.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿تُحِبُّونَ اللهَ﴾ : لكمال ذاته وإنعامه عليكم.
стр. 306
﴿يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ : لطاعتكم إياه وطهارة أرواحكم بتقواه.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ : يسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ : أعرضوا عن الإيمان والطاعة.
معنى الآيتين:
لما ادعى وفد نصارى نجران أن تعظيمهم المسيح وتقديسهم له ولأمه إنما هو من باب طلب حب١ الله تعالى بحب ما يحب وتعظيم ما يعظم، أمر الله تعالى رسوله محمد ﷺ في هذه الآية أن يقول لهم: إن كنتم تحبون الله تعالى ليحبكم فاتبعوني على ما جئت به من التوحيد والعبادة يحببكم الله تعالى، ويغفر لكم ذنوبكم أيضاً وهو الغفور الرحيم. وبهذا أبطل دعواهم في أنهم ما ألهوا المسيح ﵇ إلا طلباً لحب الله تعالى والحصول عليه. وأرشدهم إلى أمثل طريق على حب٢ الله تعالى وهو متابعة الرسول على ما جاء به من الإيمان والتوحيد والعبادة المزكية بالروح المورثة لحب الله تعالى وهذا ما تضمنته الآية الأولى (٣١) ، وأما الآية الثانية (٣٢) فقد أمر تعالى رسوله أن يأمر وفد نصارى نجران وغيرهم من أهل الكتاب والمشركين بطاعته وطاعة رسوله إذ هما طريق الكمال والإسعاد في الدنيا والآخرة. فإن أبوا وأعرضوا أو تولوا فقد باءوا بغضب الله وسخطه عليهم؛ لأنهم كافرون والله لا يحب الكافرين هذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ .
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- محبة العبد للرب تعالى واجب وإيمان لقول الرسول ﷺ : "أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من النعم وأحبوني بحب٣ الله تعالى"، وقوله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله
стр. 307
أحب إليه مما سواهما".
٢- محبة الله تعالى للعبد هي غاية ما يسعى إليه أولوا العلم في الحياة.
٣- طريق الحصول على محبة الله تعالى للعبد هو اتباع النبي محمد ﷺ بالإيمان بما جاء به واتباع شرعه وطاعته في المنشط والمكره، للآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ إذ ليس الشأن أن يحُب العبد، وإنما الشأن أن يُحبّ!.
٤- دعوى محبة الله ورسوله مع مخالفة أمرهما ونهيهما دعوى باطلة وصاحبها خاسر لا محالة.
﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ١ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿اصْطَفَى آدَمَ﴾ : اختار وآدم هو أبو البشر ﵇.
стр. 308
﴿َآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ : آل الرجل: أهله واتباعه على دينه الحق.
﴿عِمْرَانَ﴾ : رجل صالح من صلحاء بني إسرائيل في عهدهم الأخير: هو زوج حنة وأبو مريم ﵈.
﴿الْعَالَمِينَ﴾ : هم الناس المعاصرون لهم.
امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ : حنة١.
﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ : ألزمت نفسها أن تجعله لله يعبده ويخدم بيته الذي هو بيت المقدس.
﴿مُحَرَّراً٢﴾ : خالصاً لا شركة فيه لأحد غير الله بحيث لا تنتفع به أبداً.
﴿مَرْيَمَ﴾ : خادمة الرب تعالى.
﴿إِنِّي أُعِيذُهَا﴾ : أحصنها وأحفظها بجنابك من الشيطان.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ : زكريا أبو يحي ﵉ وكانت امرأته أختاً لحنة.
﴿الْمِحْرَابَ﴾ : مقصورة ملاصقة للمسجد.
﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ؟ : من أين لك هذا، أي من أين جاءك.
معنى الآيات:
لما ادعى نصارى وفد نجران ما ادعوه في المسيح ﵇ من تأليهه وتأليه أمه أنزل الله تعالى هذه الآيات يبين فيها مبدأ أمر عيسى وأمه وحقيقة أمرهما فأخبر تعالى أنه اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران اصطفاهم لدينه واختارهم لعبادته ففضلهم بذلك على الناس وأخبر أنهم ذرية٣ بعضهم من بعض لم تختلف عقائدهم، ولم تتباين فضائلهم وكمالاتهم الروحية، وذلك لحفظ الله تعالى لهم وعنايته بهم. وأخبر تعالى أنه سميع عليم، أي سميع لقول امرأة عمران عليم بحالها لما قالت: ﴿ ... رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً..﴾ وذلك أنها كانت لا تلد، فرأت في حديقة منزلها طائراً يطعم أفراخه فحنت إلى الولد وسألت ربها أن يرزقها ولداً وتجعله له يعبده ويخدم بيته، فاستجاب الله تعالى لها فحملت ومات زوجها وهي
стр. 309
حبلى، وقالت ما قص الله تعالى عنها في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ١ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ، وحان وقت الولادة فولدت ولكن أنثى لا ذكراً فتحسرت لذلك، وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وكيف لا يعلم وهو الخلاق العليم. وقالت: ﴿.. وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى..﴾ في باب الخدمة في بيت المقدس، فلذا هي آسفة جداً، وأسمت مولودتها: مريم، أي خادمة الله، وسألت ربها أن يحفظها وذريتها من الشيطان الرجيم، واستجاب الله تعالى لها، فحفظها وحفظ٢ ولدها عيسى ﵇، فلم يقربه شيطان قط. وتقبل٣ الله تعالى ما نذرته له وهو مريم، فأنبتها نباتاً حسناً فكانت تنمو نماء عجيباً على خلاف المواليد، وكفلها زكريا فتربت في بيت خالتها وذلك أن حنة لما وضعتها أرضعتها ولفتها في قماطها وبعثت بها إلى صلحاء بني إسرائيل يسندونها إلى من يرون تربيتها في بيته، لأن أمها نذرتها لله تعالى، فلا يصح منها أن تبقيها في بيتها ووالدها مات أيضاً، فأحب كل واحد أن يكفلها فكفلها زكريا وأصبحت في بيت خالتها٤ بتدبير الله تعالى لها، ولما كبرت أدخلها المحراب لتتعبد فيه، وكان يأتيها بطعامها، فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيعجب لذلك ويسألها قائلاً: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ ؟ فتجيبه قائلة: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ٥ اللهِ﴾ وتعلل لذلك فتقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان إفضال الله تعالى وإنعامه على من يشاء.
٢- بيان أن عيسى ﵇ ليس بابن الله ولا هو الله، ولا ثالث ثلاثة، بل هو عبد الله ورسوله أمه مريم، وجدته حنة، وجده عمران، من بيت شرف وصلاح في بني إسرائيل.
٣- استجابة الله تعالى لدعاء أولياؤه كما استجاب لحنة ورزقها الولد وأعاذ بنتها وولدها من الشيطان الرجيم.
стр. 310
٤- مشروعية١ النذر لله تعالى وهو التزام المؤمن الطاعة تقرباً إلى الله تعالى.
٥- بيان فضل الذكر على الأنثى في باب النهوض بالأعمال والواجبات.
٦- جواز التحسر والتأسف لما يفوت العبد من الخير الذي كان يأمله.
٧- ثبوت كرامات الأولياء كما تم لمريم في محرابها.
٨- تقرير نبوة محمد ﷺ ، إذ مثل هذه القصص لا يتأتى لأمي أن يقصه إلا أن يكون رسولاً يوحى إليه. ولهذا ختمه بقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ﴾ .
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾
شرح الكلمات:
﴿هُنَالِكَ﴾ : ثم عندما٢ رأى كرامة الله لمريم ﵍.
﴿زَكَرِيَّا﴾ : أحد أنبياء بني إسرائيل ورسلهم.
﴿هَبْ لِي﴾ : أعطني.
стр. 311
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ : من عندك.
﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ : أولاداً أطهاراً صالحين.
﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ : هي: عيسى ﵇؛ لأنها كان بكلمة الله تعالى: "كن".
﴿وَسَيِّداً١ وَحَصُوراً٢﴾ : شريفاً ذا علم وحلم، ولا رغبة له في النساء لقلة مائه.
﴿غُلامٌ﴾ : ولد ذكر.
﴿عَاقِرٌ٣﴾ : عقيم لا تلد لعقهما وعقرها.
﴿آيَةً﴾ : علامة أستدل بها على بداية الحمل لأشكر نعمتك.
﴿إِلا رَمْزاً﴾ : إلى إشارة بالرأس أو باليد يفهم منها ما يفهم من الكلام.
﴿َالإِبْكَارِ﴾ : أول النهار، والعشي: آخره.
معنى الآيات:
لما شاهد زكريا من كرامات الله لمريم أنها تؤتى بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، ذكر أن الله تعالى قد يعطي ما شاء لمن يشاء على غير نظام السنن الكونية، فكبر سنه وعقم امرأته لا يمنعان أن يعطيه الله تعالى ولداً، فسأل ربه الولد فاستجاب٤ له ربه فبشرته الملائكة بالولد وهو قائم يصلي في محرابه قائلة: أن الله يبشرك بولد اسمه يحي٥ مصدقاً بكلمة من الله يريد أنه يصدق بعيسى بن مريم ويكون على نهجه، لأن عيسى هو الكلمة إذا قال بقول تعالى له: "كن" فكان، ووصفه بأنه سيد ذو علم وحلم وتقى وحصور لا يأتي٦ النساء، ونبي من الصالحين، فلما سمع البشارة من الملائكة جاءه الشيطان وقال له: إن الذي سمعته من البشرى هو من الشيطان ولو كان من الرحمن لأوحاه إليك وحياً، وهنا أراد زكريا أن يتثبت من الخبر فقال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي
стр. 312
عَاقِرٌ﴾ فأوحى إليه: أن هذا فعل الله والله يفعل ما يشاء. وهنا قال زكريا: رب اجعل لي آية يريد علامة يستدل بها على وجود الحمل ليستقبل النعمة بالشكر فأجابه ربه قائلاً: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ يريد أنك تصبح وأنت عاجز عن الكلام لمدة ثلاثة أيام، فلا تقدر أن تخاطب أحداً إلا بالإشارة وهي الرمز فيفهم عنك، وأمره تعالى أن يقابل هذا الإنعام بالشكر التام فقال له: ﴿وَاذْكُرْ١ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ﴾ يريد صل بالعشي آخر النهار والإبكار أوله.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الاعتبار بالغير، إذ زكريا دعا بالولد لما رأى كرامة الله تعالى لمريم.
٢- مشروعية الدعاء وكونه سراً أقرب إلى الإجابة، وكونه في الصلاة كذلك.
٣- جواز تلبيس إبليس على المؤمن، ولكن الله تعالى يذهب كيده ووسوسته.
٤- جواز سؤال الولد الصالح.
٥- كرامات الله تعالى لأولياؤه –استجابة دعاؤهم.
٦- فضل الإكثار من الذكر، وفضيلة صلاتي الصبح والعصر وفي الحديث: "من صلى البردين دخل الجنة".
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) ﴾
стр. 313
شرح الكلمات:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ : اذكر لوفد نصارى نجران ما قالت الملائكة فإن ذلك دليل على صحة نبوتك، وصدقك في أمر التوحيد، وعدم ألوهية عيسى.
﴿اصْطَفَاكِ﴾ : اختارك لعبادته وحسن طاعته.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ : من الذنوب وسائر النقائص المخلة بالولاية لله تعالى.
﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ١﴾ : أي فضلك على نساء العالمين بما أهلك له من كرامة ولادة عيسى من غير أب.
﴿اقْنُتِي٢﴾ : أطيعي ربك وأقنتي له واخشعي.
﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ : اشهدي صلاة الجماعة في بيت المقدس.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ : أي ما ذكرت من قصة مريم وزكريا من أخبار الغيب.
﴿لَدَيْهِمْ﴾ : عندهم وبينهم.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ٣﴾ : جمع قلم وهو ما يكتب به وإلقاءها لأجل الاقتراع بها على كفالة مريم.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ : في شأن كفالة مريم عليها وعليهم السلام.
معنى الآيات:
يقول تعالى لنبيه اذكر لوفد نجران الذين يحاجونك في ألوهية المسيح، إذ قالت الملائكة مخاطبة مريم أم المسيح بما أهلها الله تعالى له وأكرمها به من اصطفاء٤ الله تعالى لها لتكون من صالحي عباده، وتطهيره إياها من سائر الذنوب والنقائص والعيوب مفضلاً على نساء عالمها حيث برأها وأكرمها وأظهر آية قدرته فيها فولدت عيسى بكلمة الله وليس على سنته
стр. 314
تعالى في تناسل البشر من ذكر وأنثى، وأمرها بمواصلة الطاعة والإخبات والخشوع لله تعالى فقال: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي١ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ٢﴾ ، وخص الصلاة بالذكر لأهميتها وذكرها بأعظم أركانها وهو السجود والركوع وفي بيت المقدس مع الراكعين.
هذا معنى الآيتين الأولى (٤٢) والثانية (٤٢) ، أما الآية الثالثة (٤٤) فقد خاطب الرب ﵎ رسوله محمداً ﷺ مشيراً إلى ما سبق في هذا القصص المتعلق بآل عمران حنة ومريم وزكريا ويحي، ومريم أخيراً بأنه كله من أنباء الغيب، وإخباره يوحيه تعالى إليه فهو بذلك نبيه ورسوله، وما جاء به من الدين هو الحق، وما عداه فهو باطل، وبذلك تقرر مبدأ التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، وبطل باطل أهل الكتاب فلا عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا هو إله مع الله، وإنما هو عبد الله ورسول الله. ثم تقريراً لمبدأ الوحي وتأكيداً له قال تعالى لرسوله أيضاً، وما كنت لديهم أي عند علماء بني إسرائيل وصلحائهم وفي حضرتهم، وهم يقترعون على النذيرة: "مريم" من يكفلها فرموا بأقلامهم في النهر فمن وقف قلمه في الماء كان كافلها بإذن الله، فالقوا أقلامهم تلك الأقلام التي كانت تكتب الحق والهدى لا الباطل والضلال كما هي أغلب أقلام أرباب الصحف والمجلات اليوم، فوقف قلم زكريا ففاز بكفالتها٣ بإذن الله تعالى وقد تقدم قول الله تعالى: فكفلها زكريا، بهذا قامت الحجة على أهل الكتاب وغيرهم بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدين الحق هو الإسلام وما عداه فباطل وضلال!.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- فضل مريم ﵍ وأنها ولية صديقة، وقد أخبر النبي ﷺ أنه من كمل النساء ففي
стр. 315
الصحيح: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل النساء١ إلا آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
٢- أهل القرب من الله هم أهل طاعته القانتون له.
٣- الصلاة سلم العروج إلى الملكوت الأعلى.
٤- ثبوت الوحي المحمدي وتقريره.
٥- مشروعة الاقتراع عند الاختلاف وهذه وإن كانت في شرع من قبلنا إلا أنها مقررة في شرعنا والحمد الله.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ٢ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) ﴾
شرح الكلمات:
﴿يُبَشِّرُكِ﴾ : يخبرك بخبر سار مفرح لك.
﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ٣﴾ : هو المسيح ﵇ وسمي كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى: ﴿كن﴾
﴿الْمَسِيحُ٤﴾ : لقب عيسى ﵇ ومن معانيه الصديق.
الوجيه: ذو الجاه والقدر والشرف بين الناس.
стр. 316
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ : المهد: مضجع الصبي وهو رضيع.
﴿وَكَهْلاً﴾ : الكهولة: سن ما بين الشباب والشيخوخة.
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ : تريد لم يقربها ذكر لا للوقاع ولا لغيره، وذلك لعقمها وبعدها عن الرجال الأجانب.
﴿قَضَى أَمْراً﴾ : أراده وحكم بوجوده.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في حِجَاج وفد نصارى نجران إذ قال الله تعالى لرسوله واذكر١ لهم: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية، حيث أخبرتها الملائكة، أي: جبريل ﵇ بأن الله تعالى يبشرها بولد يكون بكلمة الله تعالى اسمه المسيح عيسى بن مريم، وأنه ذو جاه وشرف في الدنيا وفي الآخرة ومن المقربين، وأنه يكلم الناس وهو في مهده وقت رضاعه، كما يكلمهم في شبابه وكهولته٢، وأنه من الصالحين الذين يؤدون حقوق الله تعالى وحقوق عباده وافية غير منقوصة، فردت مريم قائلة: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون لي ولد ولم يغشني بشر بجماع وسنة الله في خلق الولد الغشيان. فأجابها جبريل قائلاً: الأمر هكذا سيخلق الله تعالى منك ولداً من غير أب، وهو يخلق ما يشاء، وإذا حكم بوجود شيء من غير ذوات الأسباب فإنما يقول له: ﴿كن﴾ فهو يكون، كما قضى الله تعالى وأراد.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها إذا كلمها جبريل وبشرها بعد أن تمثل لها بشراً.
٢- بيان شرف عيسى ﵇ ووجاهته في الدنيا والآخرة وأنه من المقربين والصالحين.
٣- تكلم عيسى في المهد٣ آي من آيات الله تعالى حيث لم تجر العادة أن الرضيع يتكلم في زمان رضاعه.
стр. 317
٤- جواز طلب الاستفسار١ عما يكون مخالفاً للعادة لمعرفة سر ذلك أو علته أو حكمته.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الْكِتَابَ﴾ : الخط والكتابة.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ : العلم الصحيح والإصابة في الأمور وفهم أسرار التشريع الإلهي.
﴿وَرَسُولاً﴾ : أي وابعثه رسولاً.
آية: علامة دالة على رسالته وصدق نبوته.
﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ : أي أصور لكم، لا الخلق الذي هو الإنشاء والاختراع إذ ذاك لله تعالى.
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ٢﴾ : كصورة الطير.
стр. 318
﴿الأَكْمَهَ﴾ : الذي ولد أعمى.
الأبرص: ذو البرص وهو مرض عياء عجز عنه الطب القديم والحديث، والبرص: بياض يصيب الجلد البشري.
﴿تَدَّخِرُونَ﴾ : تحبسونه وتخفونه عن أطفالكم من الطعام وغيره.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ : من قبلي.
﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ : إلهي وإلهكم فاعبدوه.
معنى الآيات:
ما زال السياق في بيان حقيقة عيسى ﵇، وأنه عبد الله ورسوله وليس بابن الله ولا بإله مع الله فأخبر تعالى أنه يخلقه بكلمة كن ويعلمه الكتاب والإنجيل والتوراة والإنجيل، وقد فعل، وأ، هـ يبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل وقد فعل فأخبرهم عيسى أنه قد جاءهم بآية من ربهم تدل على صدق رسالته وهذه الآية١ هي أنه يخلق لهم من الطين على صور الطير وينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، وفعلاً كان يمسح على ذي العاهة المستعصاة كالبرص فيبرأ صاحبها فوراً، وطلبوا منه أن يحي لهم سام بن نوح٢ فأحياه بإذن الله، وأنه يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون، فما يخطئ أبداً، ثم قال لهم: إن في ذلك المذكور لآية لكم دالة على صدقي إن كنتم مؤمنين فآمنوا بي ولا تكذبوني وقد جئتكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم٣ عليكم، وفي ذلكم خير لكم ورحمة فآمنوا بي، فكذبوه فقال لهم: اتقوا الله وأطيعوني تنجوا وتسعدوا وأعلمهم أخيراً أن الله تعالى هو ربه وربهم وأن عليهم أن يعبدوه ليكلموا ويسعدوا وأن عبادة الله تعالى وحده وبما شرع هي الصراط المستقيم المفضي بالسالكين إلى الكمال والإسعاد في الحياتين.
стр. 319
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- شرف الكتابة وفضلها.
٢- فضل الحكمة١ وهي الفقه في أسرار الشرع والإصابة في الأمور.
٣- الغيب لله، ويعلم أنبياءه منه ما يشاء.
٤- ثبوت معجزات عيسى ﵇.
٥- لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله، وعيسى كلمة الله وروح منه ورسول إلى بني إسرائيل.
٦- الأمر بالتقوى وطاعة الرسول لتوقف السعادة والكمال عليهما.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 320
الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) ﴾
شرح الكلمات:
﴿أَحَسَّ١ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ : علم منهم الكفر به وبما جاء به، وهمهم بأذيته.
﴿الْحَوَارِيُّونَ٢﴾ : جمع حواري، والمراد بهم أصفياؤه وأصحابه.
﴿مُسْلِمُونَ﴾ : منقادون لأمر الله ورسوله مطيعون.
﴿الشَّاهِدِينَ﴾ : الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، ويعبدونه بما يجب أن يعبد به.
مكروا: دبروا القتل للمسيح ﵇.
﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ : دبر تعالى لإنجائه وخيبهم فيما عزموا عليه.
﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ : أحسن المدبرين لإنقاذ أوليائه وإهلاك أعدائه.
﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ : متمم لك ما كتب لك من أيام بقاءك مع قومك.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ : إلي جواري في الملكوت الأعلى.
﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ : منزهك ومبعدك من رجسهم وكفرهم.
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ : ذلك المذكور من أمر عيسى نقرؤه عليك من جملة آيات القرآن الحكيم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحجاج مع وفد نصارى نجران فذكر تعالى من شأنه أنه لما علم عيسى بكفر قومه وهمهم بقتله غيلة استصرخ المؤمنين قائلاً: ﴿مَنْ أَنْصَارِي٣ إِلَى اللهِ﴾ فأجابه الحواريون وهم أصفياؤه وأحباؤه قائلين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ آمنا بالله واشهد يا روح الله بأنا مسلمون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ٤ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ لك بالوحدانية