← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿فِي الْمَهْدِ﴾ : المهد: مضجع الصبي وهو رضيع. ﴿وَكَهْلاً﴾ : الكهولة: سن ما بين الشباب والشيخوخة. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ : تريد لم يقربها ذكر لا للوقاع ولا لغيره، وذلك لعقمها وبعدها عن الرجال الأجانب. ﴿قَضَى أَمْراً﴾ : أراده وحكم بوجوده. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في حِجَاج وفد نصارى نجران إذ قال الله تعالى لرسوله واذكر١ لهم: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية، حيث أخبرتها الملائكة، أي: جبريل ﵇ بأن الله تعالى يبشرها بولد يكون بكلمة الله تعالى اسمه المسيح عيسى بن مريم، وأنه ذو جاه وشرف في الدنيا وفي الآخرة ومن المقربين، وأنه يكلم الناس وهو في مهده وقت رضاعه، كما يكلمهم في شبابه وكهولته٢، وأنه من الصالحين الذين يؤدون حقوق الله تعالى وحقوق عباده وافية غير منقوصة، فردت مريم قائلة: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون لي ولد ولم يغشني بشر بجماع وسنة الله في خلق الولد الغشيان. فأجابها جبريل قائلاً: الأمر هكذا سيخلق الله تعالى منك ولداً من غير أب، وهو يخلق ما يشاء، وإذا حكم بوجود شيء من غير ذوات الأسباب فإنما يقول له: ﴿كن﴾ فهو يكون، كما قضى الله تعالى وأراد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها إذا كلمها جبريل وبشرها بعد أن تمثل لها بشراً. ٢- بيان شرف عيسى ﵇ ووجاهته في الدنيا والآخرة وأنه من المقربين والصالحين. ٣- تكلم عيسى في المهد٣ آي من آيات الله تعالى حيث لم تجر العادة أن الرضيع يتكلم في زمان رضاعه.

стр. 317

٤- جواز طلب الاستفسار١ عما يكون مخالفاً للعادة لمعرفة سر ذلك أو علته أو حكمته. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الْكِتَابَ﴾ : الخط والكتابة. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ : العلم الصحيح والإصابة في الأمور وفهم أسرار التشريع الإلهي. ﴿وَرَسُولاً﴾ : أي وابعثه رسولاً. آية: علامة دالة على رسالته وصدق نبوته. ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ : أي أصور لكم، لا الخلق الذي هو الإنشاء والاختراع إذ ذاك لله تعالى. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ٢﴾ : كصورة الطير.

стр. 318

﴿الأَكْمَهَ﴾ : الذي ولد أعمى. الأبرص: ذو البرص وهو مرض عياء عجز عنه الطب القديم والحديث، والبرص: بياض يصيب الجلد البشري. ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ : تحبسونه وتخفونه عن أطفالكم من الطعام وغيره. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ : من قبلي. ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ : إلهي وإلهكم فاعبدوه. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان حقيقة عيسى ﵇، وأنه عبد الله ورسوله وليس بابن الله ولا بإله مع الله فأخبر تعالى أنه يخلقه بكلمة كن ويعلمه الكتاب والإنجيل والتوراة والإنجيل، وقد فعل، وأ، هـ يبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل وقد فعل فأخبرهم عيسى أنه قد جاءهم بآية من ربهم تدل على صدق رسالته وهذه الآية١ هي أنه يخلق لهم من الطين على صور الطير وينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، وفعلاً كان يمسح على ذي العاهة المستعصاة كالبرص فيبرأ صاحبها فوراً، وطلبوا منه أن يحي لهم سام بن نوح٢ فأحياه بإذن الله، وأنه يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون، فما يخطئ أبداً، ثم قال لهم: إن في ذلك المذكور لآية لكم دالة على صدقي إن كنتم مؤمنين فآمنوا بي ولا تكذبوني وقد جئتكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم٣ عليكم، وفي ذلكم خير لكم ورحمة فآمنوا بي، فكذبوه فقال لهم: اتقوا الله وأطيعوني تنجوا وتسعدوا وأعلمهم أخيراً أن الله تعالى هو ربه وربهم وأن عليهم أن يعبدوه ليكلموا ويسعدوا وأن عبادة الله تعالى وحده وبما شرع هي الصراط المستقيم المفضي بالسالكين إلى الكمال والإسعاد في الحياتين.

стр. 319

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- شرف الكتابة وفضلها. ٢- فضل الحكمة١ وهي الفقه في أسرار الشرع والإصابة في الأمور. ٣- الغيب لله، ويعلم أنبياءه منه ما يشاء. ٤- ثبوت معجزات عيسى ﵇. ٥- لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله، وعيسى كلمة الله وروح منه ورسول إلى بني إسرائيل. ٦- الأمر بالتقوى وطاعة الرسول لتوقف السعادة والكمال عليهما. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 320

الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَحَسَّ١ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ : علم منهم الكفر به وبما جاء به، وهمهم بأذيته. ﴿الْحَوَارِيُّونَ٢﴾ : جمع حواري، والمراد بهم أصفياؤه وأصحابه. ﴿مُسْلِمُونَ﴾ : منقادون لأمر الله ورسوله مطيعون. ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ : الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، ويعبدونه بما يجب أن يعبد به. مكروا: دبروا القتل للمسيح ﵇. ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ : دبر تعالى لإنجائه وخيبهم فيما عزموا عليه. ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ : أحسن المدبرين لإنقاذ أوليائه وإهلاك أعدائه. ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ : متمم لك ما كتب لك من أيام بقاءك مع قومك. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ : إلي جواري في الملكوت الأعلى. ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ : منزهك ومبعدك من رجسهم وكفرهم. ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ : ذلك المذكور من أمر عيسى نقرؤه عليك من جملة آيات القرآن الحكيم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحجاج مع وفد نصارى نجران فذكر تعالى من شأنه أنه لما علم عيسى بكفر قومه وهمهم بقتله غيلة استصرخ المؤمنين قائلاً: ﴿مَنْ أَنْصَارِي٣ إِلَى اللهِ﴾ فأجابه الحواريون وهم أصفياؤه وأحباؤه قائلين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ آمنا بالله واشهد يا روح الله بأنا مسلمون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ٤ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ لك بالوحدانية

стр. 321

ولرسلك بالرسالة. قال تعالى: ونفذ اليهود مكرهم في محاصرتهم لمنزل عيسى ليأخذوه ويصلبوه، ومكر الله تعالى وهو خير الماكرين إذ قال لعبده ورسوله عيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك ورافعك إلى جواري، فقبضه تعالى فأخرجه من روزنة١ المنزل ورفعه٢ إليه وألقى الشبه على رئيس شرطة المهاجمين فظنوه هو المسيح فقتلوه وصلبوه فسبحان المدبر الحكيم، وهكذا: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ٣﴾ ، وقوله له: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يريد منزهه من تهم اليهود الباطلة، إذ قالوا ساحر وابن زنا، ومبعده من ساحة مجتمعهم الذي تعفن بكفرهم والخبث والشر والفساد وواعده بأنه سيجعل الذين اتبعوه فيما جاء به من الإيمان والإسلام والإحسان فوق الذين كفروا بذلك إلى يوم القيامة وقد أنجز الله تعالى وعده فأعز أهل الإسلام ونصرهم، وأزل اليهود والكفار وأخزاهم. كما واعده أيضاً أن يرد الجميع إليه يوم القيامة ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا من الإيمان والكفر، والصلاح والفساد ويجزي كل فريق بما كسب من خير أو شر فقال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ في الدنيا بالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وفي الآخرة بعذاب النار، وما لهم من ناصرين يخلصهم من عذابنا، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجور إيمانهم وصالح أعمالهم في الدنيا نصراً وتمكيناً وفي الآخرة جنات ونعيماً، والله لا يحب الظالمين فكيف يظلم عباده إذ جزاهم بأعمالهم؟ إنه لا يظلم أحداً من عباده مؤمنهم وكافرهم مثقال ذرة بل يجزي بعدله ويرحم بفضله هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- قيام الحجة على نصارى نجران، إذ أخبرهم الرسول ﷺ بالوحي فقرر به بطلان ألوهية عيسى ﵇ بذكر أوصافه وأحواله مع قومه، وكرامة الله تعالى له، ولاتباعه معه ومن بعده في الدنيا والآخرة.

стр. 322

٢- الإسلام دين الأنبياء وسائر الأمم البشرية ولا دين١ حق غيره فكل دين غيره باطل. ٣- تقرير حديث الرسول ﷺ في أن لكل نبي حواريين٢ وأنصاراً. ٤- فضل أهل لا إله إلا الله إذ هم شاهدون بالحق والناطقون به. ٥- تقرير قبض الله تعالى لعيسى ورفعه إليه حياً. ونزوله في آخر الدنيا ليحكم زمناً ثم ليموت الموتة التي كتب الله على كل إنسان، فلم يجمع الله تعالى له بين موتتين. هذا دليل أنه رفع إلى السماء حياً لا ميتاً. ٦- صادق وعد الله تعالى بعزة أهل الإسلام، وذلة اليهود على مدى الحياة. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) ﴾ شرح الكلمات: المثل٣: الصفة المستغربة البديعة. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ : أي ما قصصناه عليك في شأن عيسى٤ هو الحق الثابت من ربك.

стр. 323

﴿الْمُمْتَرِينَ﴾ : الشاكين، إذ الامتراء: الشك. ﴿حَاجَّكَ﴾ : جادلك بالحجج. ﴿نَبْتَهِلْ﴾ : نلتعن أي: نلعن الكاذب منا. ﴿الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ : ما قصه الله تعالى هو القصص الحق الثابت الذي لا شك فيه. المفسدون: الذين يعملون بمعاصي الله تعالى في الأرض من الشرك وكبائر الذنوب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عبودية عيسى ورسالته دون ربوبيته وألوهيته، فقد روي أن وفد نجران قالوا للرسول ﷺ فيما قالوا: كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ فإذا هو كائن، فأي داع لاتخاذ عيسى إلهاً، ألكونه خلقه الله من غير أب فآدم كذلك خلق بدون أب ولا أم، وإنما كان بكلمة الله، فكذلك عيسى خلق بكلمة الله التي هي: ﴿كُنْ﴾ فكان، هذا هو الحق الثابت من الله تعالى في شأن عيسى ﵇ فلا تكونن من الشاكين فيه، وحاشاه ﷺ أن يشك١ ولما أكثروا عليه ﷺ من التردد والمجادلة أرشده ربه تعالى إلى طريق التخلص منهم وهو المباهلة بأن يجتمعوا ويقول كل فريق: اللهم العن الكاذب منا، ومن كان كاذباً منهم يهلك على الفور، فقال له ربه تعالى: فإن حاجوك ﴿فَقُلْ: تَعَالَوْا﴾ "هلموا" ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا٢ وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ وخرج في الغد رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم٣ أجمعين إلا أن النصارى عرفوا الحق وخافوا إن لاعنوا هلكوا فهربوا٤ من الملاعنة، ودعاهم الرسول ﷺ إلى الإسلام فأبوا ورضوا بالكفر إبقاء على زعامتهم ودنياهم ورضوا بالمصالحة فالتزموا بأداء الجزية للمسلمين والبقاء على دينهم الباطل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ٥ الْحَقُّ﴾ فالذي قصصناه عليك في شأن عيسى ﵇، وأنه عبد الله ورسوله وكلمته

стр. 324

ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا هو تعالى، وأن الله لهو العزيز الغالب الذي لا يمانع في شيء أراده، الحكيم في خلقه وتدبيره ثم توعد نصارى نجران وغيرهم من أهل الفساد في الأرض بأنه عليم بهم وسوف يحل نقمته بهم، وينزل لعنته عليهم وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ولاية الله تعالى لرسوله بإرشاده إلى الطريقة التي أنهى بها جدال النصارى الذي ألمه وأتعبه. ٢- مشروعية المباهلة غير أنها تكون في الصالحين الذين يستجاب لهم. ٣- تقرير ألوهية الله تعالى دون سواه وبطلان دعوى النصارى في تأليه عيسى ﵇. ٤- تهديد الله تعالى لأهل الفساد في الأرض وهم الذين يعملون بالشرك والمعاصي. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) ﴾

стр. 325

شرح الكلمات: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ : اليهود والنصارى لأن اليهود عندهم التوراة، والنصارى عندهم الإنجيل. ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ١﴾ : الكلمة السواء: هي العادلة وهي أن نعبد الله وحده لا شريك له ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. ﴿أَرْبَاباً٢﴾ : الأرباب: جمع رب، وهو المألوه المطاع بغير طاعة الله تعالى. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ : أعرضوا عن التوحيد. ﴿اشْهَدُوا﴾ : اعلموا علم رؤيا ومشاهدة بأنا مسلمون. ﴿تُحَاجُّونَ﴾ : تجادلون بحجج٣ باطلة. ﴿يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ : لم يكن إبراهيم على ملة اليهود، ولا على ملة النصارى. ﴿كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً﴾ : مائلاً عن الملل الباطلة إلى ملة الحق وهي الإسلام. ﴿أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ : أحق بالنسبة إلى إبراهيم وموالاته الذين اتبعوه على التوحيد. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : متولي أمرهم وناصرهم. معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال باطل أهل الكتابين إذا قال تعالى لرسوله قل لهم يا أهل الكتاب من يهود ونصارى تعالوا ارتفعوا من وهدة الباطل التي أنتم واقعون فيها إلى كلمة سواء كلمة عدل نصف بيننا وهي أن نعبد الله وحده لا نشرك به سواه وأن لا يتخذ بعضنا٤ بعضاً أرباباً من دون الله فيفرض طاعته على غيره٥ ويلزمه بالسجود له تعظيماً وتقديساً فإن أبوا عليك ذلك

стр. 326

وتولوا عنه فقولوا أيها المؤمنون: اشهدوا أيها المتولون عن الحق بأنا مسلمون. وفي هذا تعريض بل تصريح بأن غيرهم ليسوا مسلمين. هذا معنى الآية الأولى (٦٤) أما الآية الثانية (٦٥) فيأمر تعالى رسوله أيضاً أن يقول للمتولين عن الحق يا أهل الكتاب لم تحاجون في شأن إبراهيم وتدعي كل طائفة منكم أن إبراهيم كان على دينها مع أن اليهودية ما كانت إلا بعد نزول التوراة، والنصرانية ما كانت إلا بعد نزول الإنجيل، وإبراهيم كان قبل نزول الكنابين بمائات السنين، مالكم تقولون بما لا يقبل ولا يعقل أفلا تعقلون؟ ثم وبخهم بما هم أهله قائلاً لهم: اسمعوا يا هؤلاء أنتم جادلتم فيما لكم به علم في شأن دينكم وكتابكم فلم تجادلون فيما ليس لكم به علم في شأن إبراهيم وملته الحنيفية التي قامت على مبدأ التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، والله يعلم من شأن إبراهيم ودينه ما لا تعلمون أننتم فليس من حقكم القول فيما لا تعلمونه. ثم أكذبهم بعد أن وبخهم فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ وإنما كان حنيفاً موحداً مطيعاً لربه مسلماً له ولم يكن من المشركين. وبعد أن وبخ تعالى المجادلين لرسوله وكذبهم في دعواهم أن إبراهيم على دينهم قرر حقيقة كبرى ينبغي أن يعلموها ويقروا بها وهي أن أحق١ الناس بالنسبة لإبراهيم والإنتماء إليه هم الذين اتبعوه على ملة التوحيد وعبادة الله تعالى بما شرع وهذا النبي الكريم العظيم محمد ﷺ والذين آمنوا معه واتبعوا الهدى الذي جاء به، والله تعالى ولي المؤمنين، وعدو الكافرين والمشركين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا يصلح حال البشرية ولا يستقيم أمرها إلا إذا أخذت بمبدأ: الكلمة السواء وهي أن تعبد ربها وحده لا تشرك به سواه، وألا يعلو بعضها على بعض تحت أي قانون أو شعار. ٢- حجية التاريخ وبيان الحاجة إليه، إذ رد الله تعالى على أهل الكتاب في دعواهم أن إبراهيم كان على دينهم بأن التوراة والإنجيل لم ينزلا إلا بعد وفاته فكيف يكون يهودياً أو نصرانياً.

стр. 327

٣- ذم من يجادل١ فيما لا علم له به، ولا شأن له فيه. ٤- اليهودية كالنصرانية لم تكن دين الله تعالى، وإنما هما بدعتان لا غير. ٥- المؤمنون بعضهم أولياء بعض وإن تناءت ديارهم وتباعدت أقطارهم والله ولي المؤمنين. ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ٢﴾ : أحبت فرقة وهم الأحبار والرؤساء فيهم. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ٣﴾ : أي: تمنوا إيقاعكم في الضلال لتشقوا وتهلكوا مثلهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ : أي: وما يدرون ولا يعلمون بأنهم بمحاولة إضلال المؤمنين إنما هم يضلون أنفسهم حيث يتوغلون في الشر فيضاعف لهم العذاب. لبس الحق بالباطل: خلطه به كأنما كسا الباطل ثوب الحق وكسا الحق ثوب الباطل حتى لا يُعرف فيؤخذ به، ويهتدي عليه. معنى الآيات: يخبر تعالى عباده المؤمنين أن فرقة من أهل الكتاب تمنوا لو توقعكم في الضلال لتهلكوا والغالب أن هذه الطائفة تكون في رؤسائهم من أحبار وقسس وإن كان أغلب اليهود

стр. 328

والنصارى يودون إضلال المسلمين حسداً لهم على الحق الذي هم عليه، وأخبر تعالى أنهم بتمنيهم هلاك المسلمين إنما يهلكون أنفسهم وما يدرون ذلك ولا يعلمون به وقال : ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ . هذا معنى الآية (٦٩) أما الآية (٧٠) فقد نادى الرب تعالى أهل الكتاب ليوبخهم وينعي عليهم ضلالهم فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ١ بآيَاتِ اللهِ﴾ أي: لم تجحدون الآيات التي بها نعت الرسول وصفته لله في التوراة والإنجيل والحال أنكم تشهدون أنها صفات الرسول ونعوته وإنها منطبقة عليه؟ أليس هذا قبحاً منكم وشراً تعود عاقبته عليكم؟. وفي الآية (٧١) وبخهم أيضاً على خلطهم الحق بالباطل حتى لا يعرف ويؤخذ به ويهتدي عليه فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ٢ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِل﴾ ِ وشنع عليهم بكتمانهم الحق الذي هو نبوة الرسول محمد ﷺ المبينة في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم فقال: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق من الله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان رغبة كثير من اليهود والنصارى في إضلال المسلمين وإهلاكهم. ٢- عاقبة الشر والفساد تعود على صاحبها في نهاية الأمر. ٣- قبح من يكتم الحق وهو يعرفه. ٤- حرمة التدليس والتلبيس في كل شيء لا سيما في دين الله تعالى لإبعاد الناس عنه. ٥- حرمة كتمان الحق في الشهادة وغيرها. ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ

стр. 329

الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) ﴾ شرح الكلمات: وجه النهار١ وآخره: أوله: وهو الصباح، وأخره: وهو المساء. ﴿وَلا تُؤْمِنُوا٢ إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ : أي: لا تصدقوا إلا ما كان على ملتكم. ﴿الْهُدَى هُدَى اللهِ﴾ : البيان الحق والتوفيق الكامل بيان الله وهداه لا ما يخلط اليهود ويلبسون تضليلاً للناس. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ : أن يعطى أحد نبوة وديناً وفضلاً. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ : يخاصموكم يوم القيامة عند ربكم. ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله﴾ : قل إن التوفيق للإيمان والهداية للإسلام بيد الله لا بيد غيره. ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ : ذو سعة بفضله، عليم بمن يستحق فضله فيمن عليه. معنى الآيات: يخبر تعالى عن كيد اليهود ومكرهم بالمسلمين فيقول: ﴿وَقَالَتْ٣ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وذلك أن كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف عليهما لعائن الله قال لبعض إخوانهم صلوا مع المسلمين صلاة الصبح إلى الكعبة، وصلوا العصر إلى الصخرة بيت المقدس فإن قيل لكم: لم عدلتم

стр. 330

عن الكعبة بعد ما صليتم إليها؟ قولوا لهم قد تبين لنا أن الحق هو استقبال الصخرة لا الكعبة. هذا معنى قوله تعالى فيهم: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ١ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا٢ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني في شأن القبلة، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أي: صباحاً ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ أي: واجحدوا به مساءاً، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إلى استقبال الصخرة بدلاً عن الكعبة، والغرض هو بلبلة أفكار المسلمين وإدخال الشك عليهم٣ وقوله تعالى عنهم: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يريد أنهم قالوا لبعضهم بعضا لا تصدقوا أحداً إلا لمن تبع دينكم من أهل ملتكم وهذا صرف من رؤسائهم لليهود عن الإسلام وقبوله، أي لا تصدقوا المسلمين فيما يقولون لكم، وهنا رد تعالى عليهم بقوله قل يا رسولنا: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ﴾ ، لا ما يحتكره اليهود من الضلال ويزعمون أنه الحق والهدى وهو البدعة اليهودية، وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هو قول اليهود معطوف على قولهم: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ، أما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى ... ﴾ فهو كلام معترض بين كلام اليهود الذي قُدم تعجيلاً للرد عليهم، ومعنى قولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ... ﴾ إلخ. أي: كراهة أن يعترف من قبلكم بأن محمداً نبي حق وأن دينه حق فيتابعه اليهود والمشركون عليه فيسلمون، أو على الأقل يثبت المسلمون عليه، ونحن نريد زلزلتهم وتشكيكهم حتى يعودوا إلى دين آبائهم، أو يحاجوكم عند ربكم يوم القيامة وتكون لهم الحجة عليكم إن أنتم اعترفتم لهم اليوم بأن نبيهم حق ودينهم حق، فلذا واصلوا الإصرار أنه لا دين حق إلا اليهودية وأن ما عداها باطل وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول لهم مبكتاً لهم: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ ، لا بيد اليهود ﴿يُؤْتِيهِ﴾ أي: الفضل الذي هو النبوة والهدى والتوفيق وما يتبع ذلك من خير الدنيا والآخرة، ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده ويحرمه من يشاء، وهو الواسع الفضل العليم بمن يستأهله ويحق له ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .

стр. 331

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تسجيل المكر والخداع على اليهود وأنه صفة من صفاتهم اللازمة لهم إلى يوم القيامة. ٢- الكشف عن التعصب اليهودي وأساليب التمويه والتضليل، والإعلام العالمي اليوم مظهر من مظاهر التضليل اليهودي. ٣- سذاجة اليهود المتناهية في فهم مسائل الدين والاعتقاد توارثوها إلى اليوم، وإلا فأي مؤمن بالله واليوم الآخر يقول: لا تعترفوا للمسملين بأنهم على حق حتى لا يحتجوا عليكم بإعترافكم يوم القيامة؟. إن الله تعالى يعلم أن اليهود يجحدون الإسلام وهو الحق ويكفرون به وهو الحق من ربهم وسيعذبهم في نار جهنم يخلدون فيها، وكونهم لا يصرحون للمسلمين بأنهم على حق وهم يعلمون أنهم على الحق في دينهم ينجيهم هذا من عذاب الله على كفرهم بالإسلام؟. اللهم لا. فما معنى قولهم لا تعترفوا بالإسلام حتى لا يحتج عليكم المسلمون باعترافكم يوم القيامة؟؟ إنه الجهل والسذاجة في الفهم. وسبحان الله ماذا في الخلق من عجائب!!. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) ﴾

стр. 332

شرح الكلمات: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ : ائتمنه على كذا وضعه عنده أمانة وأمنه عليه فلم يخفه. ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ : وزن معروف، والمراد هنا أنه من ذهب بدليل الدينار. ﴿إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ : أي ملازماً له تطالبه١ به ليل نهار. ﴿الأُمِّيِّينَ﴾ : العرب والمشركين. ﴿سَبِيلٌ﴾ : أي: لا يؤاخذنا الله إن نحن أكلنا أموالهم؛ لأنهم مشركون. ﴿بَلَى﴾ : أي: ليس الأمر كما يقول اليهود من أنه ليس عليهم حرج ولا إثم في أكل أموال العرب المشركين بل عليهم الإثم والمؤاخذة٢. ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ : أي: لا حظ ولا نصيب لهم في خيرات الآخرة ونعيم الجنان. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ : لا يطهرهم من ذنوبهم ولا يكفرها عنهم. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في هتك أستار أهل الكتاب وبيان نفسياتهم المريضة وصفاتهم الذميمة ففي هذه الآية (٧٥) يخبر تعالى أن في اليهود من إن أمنته على أكبر مال أداه إليك وافياً كاملاً، ومنهم من إذا أمنته على دينار فأقل خانك فيه وأنكره عليك فلا يؤديه إليك إلا بمقاضاتك له وملازمتك إياه ... فقال تعالى في خطاب رسوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ٣ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ ، ويعلل الرب تعالى سلوكهم هذا بأنهم يقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: لا حرج علينا ولا إثم في أكل أموال العرب لأنهم مشركون فلا نؤاخذ بأكل أموالهم وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوة الباطلة فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنه كذب على الله ولكن يكذبون ليسوغوا كذبهم وخيانتهم. وفي الآية الثانية (٧٦) يقول تعالى: ﴿بَلَى﴾ أي: ليس الأمر كما يدعون بل عليهم الإثم

стр. 333

والحرج والمؤاخذة، وإنما لا إثم ولا حرج ولا مؤاخذة على من أوفى بعهد الله تعالى فآمن برسوله وبما جاء به، واتقى الشرك والمعاصي فهذا الذي يحبه الله فلا يعذبه؛ لأنه يحب المتقين. وأما الآية الأخيرة (٧٧) فيتوعد الرب تعالى بأشد أنواع العقوبات أولئك الذين يعاهدون ويخونون ويحلفون ويكذبون من أجل حطام الدنيا ومتاعها القليل فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ١ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ أي: لا حظ ولا نصيب لهم في نعيم الدار الآخرة ولا يكلمهم تشريفاً لهم وإكراماً، ولا يزكيهم بالثناء عليهم ولا بتطهيرهم من ذنوبهم، ولهم عذاب مؤلم في دار الشقاء وهو عذاب دائم مقيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- يجب أن لا يغتر باليهود ولا يوثق فيهم لما عرفوا به من الخيانة. ٢- من كذب على الله أحرى به أن يكذب على الناس. ٣- بيان اعتقاد اليهود في أن البشرية غير اليهود نجس وأن أموالهم وأعراضهم مباحة لليهود حلال لهم، لأنهم المؤمنون في نظرهم وغيرهم الكفار. ٤- عظم ذنب من يخون عهده من أجل المال، وكذا من يحلف كاذباً لأجل المال، قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين يستحق بها مالاً وهو فيها فاجر لقي٢ الله وهو عليه غضبان". ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً﴾ : طائفة من اليهود المعاصرين للنبي ﷺ بالمدينة النبوية.

стр. 334

﴿يَلْوُونَ١ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ : يحرفون السنتهم بالكلام كأنهم يقرأون الكتاب. ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ : وليس هو من الكتاب. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ : أي: يكذبون على الله لأغراض مادية. معنى الآية: ما زال السياق في اليهود وبيان فضائحهم فأخبر تعالى أن طائفة منهم يلوون ألسنتهم بمعنى يحرفون نطقهم بالكلام تمويهاً على السامعين كأنهم يقرأون التوراة وما أنزل الله فيها، ولي هو من الكتاب المنزل في شيء بل هو الكذب البحت، ويقولون لكم إنه من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب لأجل الحفاظ على الحطام الخسيس والرئاسة الكاذبة. هداية الآية من هداية الآية: ١- بيان مكر اليهود وتضليلهم وخداعهم لهم باسم الدين والعلم. ٢- جرأة اليهود على الكذب على الناس وعلى الله مع علمهم بأنهم يكذبون وهو قبح أشد وظلم أعظم. ٣- التحذير للمسلم من سلوك اليهود في التضليل والقول على الله والرسول لأجل الأغراض الدنيوية الفاسدة. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) ﴾

стр. 335

شرح الكلمات: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ١﴾ : لم يكن من شأن الإنسان٢ الذي يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة. ﴿الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ : الكتاب: وحي الله المكتوب والحكم: بمعنى الحكمة وهي الفقه في أسرار الشرع، والنبوة: ما يشرف الله تعالى به عبده من إنباءه بالغيب وتكليمه بالوحي. ﴿رَبَّانِيِّينَ٣﴾ : جمع رباني: من ينسب إلى الرب لكثرة عبادته وغزارة علمه، أو إلى الربان وهو الذي يرب الناس فيصلح أمورهم ويقوم عليها. ﴿أَرْبَاباً﴾ : جمع رب بمعنى السيد المعبود. ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾ : الاستفهام للإنكار، والكفر هنا: الردة عن الإسلام. معنى الآيتين: ما زال السياق في الرد على أهل الكتاب وفي هذه الآية (٧٩) الرد على وفد نصارى نجران خاصة وهم الذين يؤلهون المسيح ﵇. قال تعالى: ليس من شأن أي إنسان يعطيه الله الكتاب أن ينزل عليه كتاباً ويعطيه الحكم فيه وهو الفهم والفقه في أسراره فيشرفه بالنبوة فيوحي إليه، ويجعله في ذمة أنبيائه، ثم هو٤ يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول للناس: ﴿كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ . إن هذا ما كان ولن يكون أبداً. لا مما هو متصور الوقوع أيضاً فما لكم أنتم يا معشر النصارى تعتقدون هذا في المسيح ﵇؟ إن من أوتى مثل هذا الكمال لا يقول للناس كونوا عباداً لي ولكن يقول لهم كونوا ربانيين تصلحون الناس وتهدونهم إلى ربهم ليكملوا بطاعته ويسعدوا عليها، وذلك بتعليمهم الكتاب وتدريسه ودراسته. هذا معنى الآية (٧٩) أما الآية (٨٠) فإن الله تعالى يخبر عن رسوله محمد ﷺ أنه لا يؤمر الناس بعبادة غير ربه تعالى سواء كان ذلك الغير ملكاً مكرماً أو نبياً مرسلاً، وينكر على من

стр. 336

نسبوا ذلك إليه ﷺ فيقول: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ١ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فهذا لا يصح منه ولا يصدر بحال. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- لم يكن من الممكن لمن آتاه الله الكتاب والحكمة وشرفه بالنبوة أن يدعو الناس لعبادة نفسه فضلاً عن عبادة غيره. ٢- سادات الناس هم الربانيون الذين يربون الناس بالعلم والحكمة فيصلحونهم ويهدونهم. ٣- عظماء الناس٢ من يعلمون الناس الخير ويهدونهم إليه. ٤- السجود لغير الله تعالى كفر لما ورد أن الآية نزلت رداً على من أرادوا أن يسجدوا لرسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ؟!. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) ﴾ شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين.

стр. 337

﴿لَمَا١ آتَيْتُكُمْ٢﴾ : مهما آتيتكم. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ٣﴾ : لتصدقن برسالته ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ : الهمزة الأولى للاستفهام التقرير، وأقررتم: بمعنى اعترفتم. ﴿إِصْرِي﴾ : عهدي وميثاقي. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ : رجع عما اعترف به وأقر. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ : الخارجون عن طاعة الله ورسوله. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ : الاستفهام للإنكار، ويبغون: بمعنى يطلبون. ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ : انقاد وخضع لمجاري أقدار الله وأحكامه عليه. معنى الآيات: ما زال السياق في الرد على نصارى نجران فيقول تعالى لرسوله اذكر لهم ما أخذ الله على النبيين وأممهم من ميثاق أنه مهما آتاهم من كناب وحكمة ثم جاءهم رسول مصدق لما معهم من النور والهدى ليؤمنن به ولينصرنه على أعداءه ومناؤيه من أهل الكفر وأنه تعالى قررهم فأقروا واعترفوا ثم استشدهم على ذلك فشهدوا وشهد تعالى فقال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ثم أكد تعالى ذلك مرة أخرى بأن من يعرض عن هذا الميثاق ولم يف به يعتبر فاسقاً ويلقى جزاء الفاسقين فقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى٤ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وقد نقض هذا الميثاق كل من اليهود والنصارى، إذ لم يؤمنوا بمحمد ﷺ وبما جاء به وقد أخذ عليهم الميثاق بالإيمان به، وبنصره، فكفروا به، وخذلوه، فكانوا بذلك الفاسقين المستوجبين لعذاب الله.

стр. 338

ثم وبخ تعالى أهل الكتاب قائلاً: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ١ –يريد الإسلام- يَبْغُونَ﴾ أي يطلبون، ولله أسلم، أي: انقاد وخضع من في السموات من الملائكة والأرض من سائر المخلوقات الأرضية طوعاً أو كرهاً٢: طائعين أو مكرهين وفوق هذا أنكم ترجعون إليه فيحاسبكم، ويجزيكم بأعمالكم. هذا ما تضمنته الآية الأخيرة (٨٣) إذ قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً. ٢- كفر أهل الكتاب وفسقهم بنقضهم الميثاق وتوليهم عن الإسلام وإعراضهم عنه بعد كفرهم بالنبي محمد ﷺ وقد أخذ عليهم الميثاق بأن يؤمنوا به ويتبعوه. ٣- بيان عظم شأن العهود والمواثيق عند الله تعالى. ٤- الإنكار على من يعرض عن دين الله الإسلام. مع أن الكون كله خاضع منقاد لأمر الله ومجاري أقداره مسلم له. ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) ﴾

стр. 339

شرح الكلمات: ﴿الأَسْبَاطِ﴾ : جمع سبط والسبط الحفيد، والمراد بالأسباط هنا أولاد يعقوب الاثنا عشر والأسباط في اليهود كالقبائل في العرب. ﴿يَبْتَغِ﴾ : يطلب ويريد ديناً غير الدين الإسلامي. ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ : الهالكين بالخلد في نار جهنم والذين خسروا كل شيء حتى أنفسهم. معنى الآيتين: ما زال السياق في حجاج أهل الكتاب فبعد أن وبخهم تعالى بقوله في الآيات السابقة: أفغير دين الله تبتغون يا معشر اليهود والنصارى؟ فإن قالوا: نعم. فقل أنت١ يا رسولنا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ﴾ علينا من وحي وشرع وآمنا بما أنزل على إبراهيم خليل الرحمن وما أنزل على ولديه إسماعيل وإسحق وما أنزل على يعقوب وأولاده الأسباط، وآمنا بما أوتي موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد من أنبياءه بل نؤمن بهم وبما جاؤا به فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما هي حالكم يا معشر اليهود والنصارى. ونحن لله تعالى مسلمون، أي: منقادون مطيعون لا نعبده بغير ما شرع ولا نعبد معه سواه. هذا معنى الآية الأولى (٨٤) أما الآية الثانية (٨٥) فإن الله تعالى يقرر أن كل دين غير الإسلام باطل، وأن من يطلب ديناً غير الإسلام لن يقبل منه بحال ويخسر في الآخرة خسراناً كبيراً فقال تعالى: ﴿وَمَنْ٢ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض.

стр. 340

٢- الإسلام: هو الانقياد والخضوع لله تعالى، وهو يتنافى مع التخيير بين رسل الله ووحيه إليهم. ٣- بطلان سائر الأديان والملل سوى الدين الإسلامي وملة محمد ﷺ . ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً﴾ : الاستفهام هنا للاستبعاد١، والهداية: الخروج من الضلال. ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ : الحجج من معجزات الرسل وآيات القرآن المبينة للحق في المعتقد والعمل. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ : المتجاوزين الحد في الظلم المسرفين فيه حتى أصبح الظلم وصفاً لازماً لهم. ﴿لَعْنَةَ اللهِ﴾ : طرد الله لهم من كل خير، ولعنة الملائكة والناس: دعائهم عليهم بذلك. ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ : ولا هم يمهلون من أنظره إذا أمهله ولم يعجل بعذابه. َأَصْلَحُوا: أصلحوا ما أفسدوه من أنفسهم ومن غيرهم.

стр. 341

معنى الآيات: ما زال السياق في أهل الكتاب١ وإن تناولت غيرهم ممن ارتد عن الإسلام من بعض الأنصار ثم عاد إلى الإسلام فأسلم وحسن إسلامه ففي كل هؤلاء يقول تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ فقد كفر اليهود بعيسى ﵇، وشهدوا أن الرسول محمداً حق وجاءتهم الحجج والبراهين على صدق نبوته وصحة ما جاء به من الدين الحق، والله حسب سنته في خلقه لا يهدي من أسرف في الظلم وتجاوز الحد فيه فأصبح الظلم طبعاً من طباعه، فلهذا كانت هداية من هذه حاله مستبعدة للغاية، وإن لم تكن مستحيلة ثم أخبر تعالى عنهم متوعداً لهم فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في تلك اللعنة الموجبة لهم عذاب النار ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: ولا يمهلون ليعتذروا، أو لا يخفف عنهم العذاب. ثم لما لم تكن توبتهم مستحيلة ولأن الله تعالى يحب توبة عباده ويقبلها منهم قال تعالى فاتحاً باب رحمته لعباده مهما كانت ذنوبهم ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا٢ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الكفر والظلم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ نفوسهم بالإيمان وصالح الأعمال ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكان هذا كالوعد منه بأن يغفر لهم ذنوبهم ويرحمهم بدخول الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- التوغل في الشر والفساد أو الظلم والكفر قد يمنع٣ العبد من التوبة. ولذا وجب على العبد إذا أذنب ذنباً أن يتوب منه فوراً، ولا يواصله مصراً عليه خشية أن يحال بنيه وبين التوبة. ٢- التوبة مقبولة متى قامت على أسسها واستوفت شروطها ومن ذلك الإقلاع عن الذنب فوراً، والندم على ارتكابه، والاستغفار والعزم على عدم العودة إلى الذنب الذي تاب منه وإصلاح ما أفسده مما يمكن إصلاحه.

стр. 342

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) ﴾ شرح الكلمات: الكفر: الجحود لله تعالى والتكذيب لرسوله وما جاء به من الدين والشرع. ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ : أي: ارتدوا عن الإسلام إلى الكفر. ﴿الضَّالُّونَ﴾ : المخطئون طريق الهدى. ﴿مِلءُ الأَرْضِ﴾ : ما يملأها من الذهب. ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ : ولو قدموا فداء لنفسه من النار ما قبل منه. معنى الآيتين: ما زال السياق في أهل الكتاب وهو هنا في اليهود خاصة إذ أخبر تعالى عنهم أنهم كفروا بعد إيمانهم كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة. ثم ازدادوا١ كفراً بمحمد ﷺ والقرآن، فلن تقبل توبتهم إلا إذا تابوا بالإيمان بمحمد ﷺ والقرآن لكنهم مصرون على الكفر بهما فكيف تقبل توبتهم، إذاً مع إصرارهم على الكفر، ولذا أخبر تعالى أنهم هم الضالون البالغون أبعد الحدود في الضلال ومن كانت هذه حاله فلا يتوب ولا تقبل توبته، ثم قرر مصيرهم بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً﴾ يريد يوم القيامة مع أنه لا مال يومئذ ولكن من باب الفرض والتقدير لا غير. فلو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً وقبل منه فداء لنفسه من عذاب الله لافتدى، ولكن

стр. 343

هيهات هيهات١ إنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولكن من جاء ربه بقلب سليم من الشرك والشك وسائر أمراض القلوب نجا من النار ودخل الجنة بإذن الله تعالى. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- سنة الله فيمن توغل في الكفر أو الظلم أو الفسق وبلغ حدا ًبعيداً أنه لا يتوب. ٢- اليأس من نجاة من مات كافراً يوم القيامة. ٣- لا فدية تقبل يوم القيامة من أحد ولا فداء لأحد فيه. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ : لن تحصلوا عليه وتظفروا به. ﴿الْبِرَّ﴾ : كلمة جامعة لكل خير، والمراد به هنا ثوابه وهو الجنة. ﴿تُنْفِقُوا﴾ : تتصدقوا. ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ : من المال الذي تحبونه لأنفسكم وهو أفضل أموالكم عندكم. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ : يريد قلّ أو كثر. ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ : لازمه أنه يجزيكم به بحسب كثرته أو قلته. معنى الآية الكريمة: يخبر تعالى عباده المؤمنين الراغبين في بره٢ تعالى وإفضاله بأن ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة بأنهم لن يظفروا بمطلوبهم من بر ربهم حتى ينفقوا من أطيب أموالهم وأنفسها عندهم وأحبها إليهم. ثم أخبرهم مطمئناً لهم على إنفاقهم أفضل أموالهم بأن ما ينفقونه من قليل

стр. 344

أو كثير نفيس أو خسيس هو به عليم وسيجزيهم به، وبهذا حبب إليهم الإنفاق ورغبهم فيه فجاء أبو طلحة ﵁ يقول يا رسول الله: أن الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، وإن من أحب أموالي إليّ بيرحا "حديقة" فأجعلها حيث أراك الله يا رسول الله، فقال له ﷺ : "مال رابح أو رائج اجعلها في أقربائك" فجعلها في أقربائه حسان بن ثابت وأبي بن كعب ﵃ أجمعين. هداية الآية من هداية الآية: ١- البر وهو فعل الخير يهدي إلى الجنة. ٢- لن يبلغ العبد بر الله وما عنده من نعيم الآخرة حتى ينفق من أحب أمواله إليه. ٣- لا يضيع المعروف عند الله تعالى قل أو كثر طالما أريد وجهه تعالى.

стр. 345

الجزء الرابع ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) شرح الكلمات: ﴿الطَّعَامِ١﴾ : اسم لكل ما يطعم من أنواع المأكولات. حل: الحل: الحلال، وسمى حلالاً لانحلال عقدة الحظ عنه. بني إسرائيل: أولاد يعقوب الملقب بإسرائيل المنحدرون من أبنائه الاثنى عشر إلى يومنا هذا. ﴿حَرَّمَ﴾ : حظر ومنع. ﴿التَّوْرَاةُ﴾ : كتاب أنزل على موسى ﵇ وهو من ذرية إسرائيل. ﴿فَاتْلُوهَا﴾ : اقرأوها على رؤوس الملأ لنتبين صحة دعواكم من بطلانها. افترى٢ الكذب: اختلقه وزوره وقاله. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ : دينه وهي عبادة الله تعالى بما شرع، ونبذ الشرك والبدع. ﴿حَنِيفاً٣﴾ : مائلاً عن الشرك إلى التوحيد.

стр. 346

بِبَكَّةَ: مكة. لِلْعَالَمِينَ: للناس أجمعين. مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ١: آية من الآيات وهو الحجر الذي قام عليه أثناء بناء البيت فارتسمت قدماه وهو صخر فكان هذا آية. َمَنْ دَخَلَهُ: الحرم الذي حول البيت يحددوه المعروفة. آمِناً: لا يخاف على نفس ولا مال ولا عرض. الحج: قصد البيت للطواف به وأداء بقية المناسك. سَبِيلاً: طريقاً والمراد القدرة على السير إلى البيت والقيام بالمناسك. معنى الآيات: ما زال السياق في الحجاج مع أهل الكتاب فقد قال يهود للنبي ﷺ : كيف تدعي أنك على دين إبراهيم، وتأكل ما هو محرم في دينه من لحوم الإبل وألبانها، فرد الله تعالى على هذا الزعم الكاذب بقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ﴾ أي حلالاً لبني إسرائيل، وهم ذرية يعقوب الملقب بإسرائيل، ولم يكن هناك شيء محرم عليهم في دين إبراهيم اللهم إلا ما حرم إسرائيل "يعقوب" على نفسه خاصة وهو لحوم الإبل وألبانها لنذر نذره وهو أنه مرض٢ مرضاً آلمه فنذر٣ لله تعالى إن شفاه ترك أحب الطعام والشراب إليه، وكانت لحوم الإبل وألبانها من أحب الأطعمة والأشربة إليه فتركها لله تعالى، هذا معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ من قبل أن تنزل التوراة، إذ التوراة نزلت على موسى بعد إبراهيم ويعقوب بقرون عدة، فكيف تدعون أن إبراهيم كان لا يأكل لحوم الإبل ولا يشرب ألبانها فأتوا بالتوراة فاقرؤوها فسوف تجدون أن ما حرم الله تعالى على اليهود إنما كان لظلمهم واعتدائهم فحرم عليهم أنواعاً من الأطعمة، وذلك بعد إبراهيم ويعقوب

стр. 347

بقرون طويلة. قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا "اليهود" حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وقال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ١ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ الآية. ولما طولبوا بالإتيان بالتوراة وقراءتها بهتوا ولم يفعلوا فقامت الحجة لرسول الله ﷺ عليهم. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ بعد قيام الحجة بأن الله تعالى لم يحرم على إبراهيم ولا على بني إسرائيل شيئاً من الطعام والشراب إلا بعد نزول التوراة باستثناء ما حرم إسرائيل على نفسه من لحمان الإبل وألبانها فاؤلئك هم الظالمون بكذبهم على الله تعالى وعلى الناس. ومن هنا أمر الله تعالى رسوله أن يقول: صدق الله فيما أخبر به رسوله ويخبره به وهو الحق من الله، إذاً فاتبعوا يا معشر اليهود ملة إبراهيم الحنيف الذي لم يكن أبداً من المشركين. هذا ما تضمنته الآيات الثلاث: ٩٣-٩٤-٩٥، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ٢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ فإنه متضمن الرد٣ على اليهود الذين قالوا إن بيت المقدس هو أول قبلة شرع للناس استقبالها فلم يعدل محمد وأصحابه عنها إلى استقبال الكعبة؟ وهي متأخرة الوجود فأخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة لا بيت المقدس وأنه جعله مباركاً يدوم بدوام الدنيا والبركة لا تفارقه، فكل من يلتمسها بزيارته وحجه والطواف به يجدها ويحظى بها، كما جعله هدى للعالمين، فالمؤمنون يأتون حجاجاً وعماراً فتحصل لهم بذلك أنواع من الهداية، والمصلون في مشارق الأرض ومغاربها يستقبلونه في صلاتهم، وفي ذلك من الهداية للحصول على الثواب وذكر الله والتقرب إليه أكبر هداية، وقوله تعالى في آيات بينات يريد: في المسجد الحرام دلائل واضحات منها: مقام إبراهيم وهو الحجر الذي كان يقوم عليه أثناء بناء البيت حيث بقى أثر قدميه عليه مع إنه صخرة من الصخور ومنها زمزم والحجر والصفا والمروة وسائر المشاعر كلها آيات ومنها: الأمن التام لمن دخله فلا

стр. 348

يخاف غير الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ١ كَانَ آمِناً﴾ ثم هذا الأمن له والعرب يعيشون في جاهلية جهلاء وفوضى لا حد لها، ولكن الله جعل في قلوبهم حرمة الحرم وقدسيته ووجوب أمن كل من يدخله ليحجه أو يعتمره، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ٢ سَبِيلاً﴾ ، لما ذكر تعالى البيت الحرام وما فيه من بركات وهدايات وآيات ألزم عباده المؤمنين به وبرسوله بحجه ليحصل لهم الخير والبركة والهداية، ففرضه بصيغة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ وهي أبلغ صيغ الإيجاب، واستثنى العاجزين عن حجه واعتماره بسبب مرض أو خوف قلة نفقة للركوب والإنفاق على النفس والأهل أيام السفر. وقوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فإنه خبر منه تعالى بأن من كفر بالله ورسوله وحج بيته بعد ما ذكر من الآيات والدلائل الواضحات فإنه لا يضر إلا نفسه، أما الله تعالى فلا يضره شيء وكيف وهو القاهر فوق عباده والغني عنهم أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ثبوت النسخ في الشرائع الإلهية، إذ حرم الله تعالى على اليهود بعض ما كان حلاً لهم. ٢- إبطال دعوى دعوى اليهود أن إبراهيم كان محرماً عليه الإبل وألبانها. ٣- تقرير النبوة المحمدية لتحدي اليهود وعجزهم عن دفع الحق الذي جاء به محمد ﷺ . ٤- البيت الحرام كان قبل بيت المقدس وأن البيت الحرام أول بيت وضع للتعبد بالطواف به. ٥- مشروعية طلب البركة لزيارة البيت وحجه والطواف به والتعبد حوله. ٦- وجوب الحج على الفور٣ لمن لم يكن له مانع يمنعه من ذلك. ٧- الإشارة إلى كفر من يترك الحج وهو قادر عليه، ولا مانع يمنعه منه غير٤ عدم المبالاة.

стр. 349

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) ﴾ شرح الكلمات: الكفر: الجحود. آيات الله: ما أنزل تعالى من الحجج والبينات في القرآن المقررة لنبوة محمد ﷺ وما أنزله تعالى في التوراة والإنجيل من صفات النبي ﷺ ونعوته الموجبة للإيمان به واتباعه على دين الحق الذي جاء به وهو الإسلام. ﴿شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ١﴾ : عليم به مطلع عليه، وما يعملونه هو الكفر والشر والفساد. ﴿تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ٢﴾ : تصرفون الناس ممن آمن منكم ومن العرب عن الإسلام الذي هو سبيل الله تعالى المفضي بأهله إلى سعادة الدارين. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً٣﴾ : تطلبون لها العوج حتى تخرجوا بها عن الحق والهدى فيضل سالكها وذلك بالتحريف والتضليل. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ : بعلمكم بأن الإسلام حق، وأن ما تبغونه له من من الإضلال لأهله والتضليل هو كفر وباطل. معنى الآيتين: بعد دحض الله تعالى شبه أهل الكتاب وأبطلها في الآيات السابقة أمر تعالى رسوله

стр. 350

أن يقول لهم موبخاً مسجلاً عليهم الكفر يا أهل الكتاب لم تكفرون بحجج الله تعالى وبراهينه المثبتة لنبوة نبيه محمد ﷺ ودينه الإسلام تلك الحجج والبراهين التي جاء بها القرآن والتوراة والإنجيل معاً؟ والله ﷻ مطلع على كفركم عليم به، أما تخافون عقابه أما تخشون عذابه؟. كما أمر تعالى رسوله أيضاً أن يقول لهم مؤنباً موبخاً لهم على صرفهم المؤمنين عن الإسلام بأنواع الحيل والتضليل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ١﴾ أي: يا أهل العلم الأول لم تصرفون المؤمنون عن الإسلام الذي هو سبيل الله بما تثيرونه بينهم من الشكوك والأوهام تطلبون للإسلام العوج لينصرف المؤمنون عنه، مع علمكم التام بصحة الإسلام وصدق نبيه محمد ﵊ أما تخافون الله، أما تخشونه تعالى وهو مطلع على سوء تدبيركم غير غافل عن مكركم وغشكم وخداعكم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- شدة قبح كفر وظلم من كان عالماً من أهل الكتاب بالحق ثم كفره وجحده بغياً وحسداً. ٢- حرمة صرف الناس عن الحق والمعروف بأنواع الحيل وضروب الكذب والخداع. ٣- علم الله تعالى بكل أعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم بها فضلاً منه وعدلاً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)

стр. 351

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿فَرِيقاً﴾ : طائفة١ من الحاقدين على الإٍسلام العاملين على الكيد له والمكر به وبأهله. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ : يرجعوكم إلى الكفر بعد إيمانكم. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ : الاستفهام للإنكار والتعجب من كفرهم بعد إيمانهم. ﴿آيَاتُ اللهِ﴾ : آيات القرآن الكريم. ﴿يَعْتَصِمْ﴾ : يتمسك بشدة. ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ : باستفراغ الوسع في إمتثال أمره، واجتناب نهيه، وتقاته٢ هي تقواه. ﴿بِحَبْلِ اللهِ﴾ : كتابه القرآن ودينه الإسلام، لأن الكتاب والدين هما الصلة التي تربط المسلم بربه، وكل ما يربط ويشد شيئاً بآخر هو سبب وحبل. ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ : جمعها على أخوة الإيمان ووحد ببنها بعد الاختلاف والنفرة. ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ : شفا الحفرة: حافتها وطرفها بحيث لو غفل الواقف عليها وقع فيها.

стр. 352

أنقذكم منها: بهدايتكم إلى الإسلام وبذلك أنجاكم من النار. معنى الآيات: بعد أن وبخ تعالى اليهود على خداعهم ومكرهم وتضليلهم للمؤمنين وتوعدهم على ذلك، نادى المؤمنين محذراً إياهم من الوقوع في شباك المضللين من اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ ، وذلك أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جالسين في مجلس يسودهم الود والتصافي ببركة الإسلام الذي هداهم الله تعالى إليه فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فآلمه ذلك التصافي والتحابب وأحزنه بعد أن كان اليهود يعيشون في منجاة من الخوف من جيرانهم الأوس والخزرج لما كان بينهم من الدمار والخراب، فأمر شاس شاباً أن يذكرهم بيوم بعاث فذكروه وتناشدوا الشعر فثارت الحمية القبلية بينهم فتسابوا وتشاتموا حتى هموا بالقتال فأتاهم الرسول ﷺ وذكرهم بالله تعالى وبمقامه فهدأوا، وذهب الشر ونزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ فحذرهم من مكر أهل المكر من اليهود والنصارى، وأنكر عليهم ما حدث منهم حاملاً لهم على التعجب من حالهم أو كفروا بعد إيمانهم فقال : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ﴾ صباح مساء في الصلوات وغيرها، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ١﴾ هادياً ومبشراً ونذيراً وأرشدهم إلى الاعتصام بدين الله وبشر المعتصمين بالهداية إلى طريق السعادة والكمال فقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ أي: بكتابه وسنة نبيه ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم كرر تعالى نداءه٢ لهم بعنوان الإيمان تأكيداً لهم به وأمرهم بأن يبذلوا وسعهم في تقوى الله وذلك بطاعته كامل الطاعة بامتثال أمره واجتناب نهيه حاضاً لهم على الثبات على دين الله حتى يموتوا عليه فلا يبدلوا ولا يغيروا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ٣ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وأمرهم بالتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، ونهاهم عن التفرق والاختلاف وأرشدهم إلى ذكر نعمته تعالى عليهم بالألفة

стр. 353

والمحبة التي كانت ثمرة هدايتهم للإيمان والإسلام، بعد أن كانوا أعداء متناحرين مختلفين فألف بين قلوبهم فأصبحوا بها إخواناً متحابين متعاونين، كما كانوا قبل نعمة الهداية إلى الإيمان على شفا جهنم لو مات أحدهم يومئذ لوقع فيها خالداً أبداً، وكما أنعم عليهم وأنقذهم من النار ما زال يبين لهم الآيات الدالة على طريق الهداية الداعية إليه ليثبتهم على الهداية ويكملهم فيها فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا١ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ٢ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- طاعة كثير من علماء اليهود والنصارى بالأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تؤدي بالمسلم إلى الكفر شعر بذلك أم لم يشعر، فلذا وجب الحذر كل الحذر منهم. ٢- العصمة في التمسك بكتاب الله ورسول الله ﷺ ، فمن تمسك بهما لم يضل. ٣- الأخذ بالإسلام جملة والتمسك به عقيدة وشريعة أمان من الزيغ والضلال، وأخيراً من الهلاك والخسران. ٤- وجوب التمسك بشدة بالدين الإسلامي وحرمة٣ الفرقة والاختلاف فيه. ٥- وجوب ذكر النعم لأجل شكر الله تعالى عليها بطاعته وطاعة رسوله ﷺ . ٦- القيام على الشرك والمعاصي وقوف على شفير جهنم فمن مات على ذلك وقع في جهنم حتماً بقضاء الله وحكمه. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا

стр. 354

تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (١٠٩) ﴾ شرح الكلمات: الأمة: أفراد من البشر أو غيرهم تربطهم رابطة جنس أو لغة أو دين ويكون أمرهم واحداً، والمراد بالأمة هنا المجاهدون وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿الْخَيْرِ﴾ : الإسلام وكل ما ينفع الإنسان في حياته الأولى والآخرة من الإيمان والعمل الصالح. المعروف: المعروف كل ما عرفه الشرع فأمر به لنفعه وصلاحه للفرد أو الجماعة. ﴿الْمُنْكَرِ﴾ : ضد المعروف، وهو ما نهى عنه الشرع لضرر وإفساد، للفرد أو الجماعة. الذين تفرقوا: هم أهل الكتاب من اليهود١ والنصارى. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ٢﴾ : هذا يوم القيامة. ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللهِ﴾ : رحمة الله هنا: الجنة جعلنا الله تعالى من أهلها، آمين.

стр. 355

تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق: هذه آياتنا نقرأها عليك متلبسة بالحق، لا باطل فيها أبداً. وإلى الله ترجع الأمور: إلى الله تصير الأمور فيقضي فيها بما يشاء ويحكم ما يريد فضلاً وعدلاً. معنى الآيات: بعدما أمر الحق ﵎ عباده المؤمنين بتقواه والتمسك بدينه ونهاهم عن الفرقة والاختلاف وحضهم على ذكر نعمه ليشكروها بطاعته أمرهم في هذه الآية (١٠٤) بأن يوجدوا من أنفسهم جماعة تدعو إلى الإسلام وذلك بعرضه على الأمم والشعوب ودعوتهم إلى الدخول فيه، كما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في ديار الإسلام وبين أهله فقال تعالى مخاطباً إياهم: ولتكن منكم١ أي: يجب أن تكون منكم طائفة يدعون إلى الخير، أي: الإسلام، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبشرهم بأن الأمة التي تنهض بهذا الواجب هي الفائزة بسعادة الدنيا والآخرة فقال: فأولئك هم المفلحون الفائزون بالنجاة من العار والنار، وبدخول الجنة مع الأبرار. وفي الآيات (١٠٥) (١٠٧) نهاهم أن يسلكوا أهل الكتاب في التفرق في السياسة والاختلاف في الدين فيهلكوا هلاكهم فقال تعالى: مخاطباً إياهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ فلا ينبغي أن يكون العلم والمعرفة بشرائع الله سبباً في الفرقة والخلاف٢، وهما أداة الوحدة والائتلاف، وأعلمهم بجزاء المختلفين من أهل الكتاب ليعتبروا ولا يتفرقوا فقال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يغادر قدره ولا يعرف مداه، وأخبرهم عن موعد حاول هذا العذاب العظيم بهم، وأنه يوم القيامة حينما تبيض وجوه المؤمنين القائمين على الكتاب والسنة، وتسود وجوه الكافرين المختلفين القائمين على البدع والأهواء، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ٣
следующие страницы →