إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٣١)
شرح الكلمات:
نزلنا عليك القرآن تنزيلا: أي شيئا فشيئا ولم ننزله جملة واحدة لحكمة بالغة.
فاصبر لحكم ربك: أي عليك بحمل رسالتك وإبلاغها إلى الناس.
ولا تطع منهم آثما أو كفورا: الآثم هنا عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيرة.
واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا: أي صل الصبح والظهر والعصر.
ومن الليل فاسجد له: أي صل صلاة المغرب والعشاء.
وسبحه ليلا طويلا: أي تهجد بالليل نافلة لك.
يحبون العاجلة: أي الدنيا.
ويذرون وراءهم يوما ثقيلا: أي يوم القيامة.
وشددنا أسرهم: أي قوينا أعضاءهم ومفاصلهم.
وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا: أي جعلنا أمثالهم في الخلقة بدلا منهم بعد أن نهلكهم.
إن هذه تذكرة: أي عظة للناس.
اتخذ إلى ربه سبيلا: أي طريقا إلى مرضاته وجواره بالإيمان والعمل الصالح وترك
стр. 3187
الشرك والمعاصي.
في رحمته: أي الجنة.
أعد لهم عذابا أليما: أي في النار والأليم ذو الألم الموجع.
معنى الآيات:
لقد عرض المشركون على رسول الله ﷺ عرضا مفاده أن يترك دعوة الله تعالى إلى عبادته وتوحيده ويعبد ربه وحده ويترك المشركين فيما هم فيه وله مقابل ذلك مال أو أزواج أو رئاسة وما إلى ذلك فأبى الله تعالى له ذلك وأنزل قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ١ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً فَاصْبِرْ٢ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ على تحمل رسالتك وتبليغها إلى الناس ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ أي من مشركي قريش ﴿آثِماً﴾ كأبي جهل وعتبة بن ربيعة ﴿ولا كَفُوراً﴾ كالوليد بن المغيرة أي لا تطعهما فيما طلبا إليك وعرضا عليك، وواصل دعوتك واستعن بالصلاة والتسبيح والذكر والدعاء، وفي قوله تعالى ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٣ إشارة إلى صلاة الصبح والظهر والعصر، وفي قوله ﴿وَمِنَ٤ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ صريح في انه التهجد إذ الصلاة نعم العون للعبد ولذا كان ﷺ إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وقوله تعالى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ٥ الْعَاجِلَةَ﴾ أي الدنيا يعني بهم كفار قريش يحبون الدنيا وسميت بالعاجلة لأنها ذاهبة مسرعة، ﴿وَيَذَرُونَ ٦وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ هو يوم القيامة قلم يؤمنوا ولم يعملوا بما يسعدهم فيه ويذكرهم تعالى بأنه خالقهم وقادر على تبديلهم بغيرهم فيقول ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾ أي أوجدناهم من العدم ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ٧﴾ أي قوينا ظهورهم وأعضاءهم ومفاصلهم ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ أي جعلنا أمثالهم في
стр. 3188
الخلقة بدلا عنهم وأهلكناهم ولو شاء تعالى ذلك لكان ولكنه لم يشأ مع أنه في كل قرن يبدل جيلا بجيل هذا يميته وهذا يحييه وهو على كل شيء قدير. وفي خاتمة هذه السورة المشتملة على أنواع من الهدايات الكثيرة يقول تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذه السورة موعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ طريقا إلى رضاه أولا ثم مجاورته في الملكوت الأعلى ثانيا، ولما أعطى تعالى المشيئة قيدها بأن يشاء الله ذلك المطلوب أولا، ومن هنا وجب الافتقار إلى الله تعالى بدعائه والضراعة إليه وهو قوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ إن الله كان عليما بخلقه وبما يصلحهم أو يفسدهم حكيما في تدبيره لأوليائه خاصة ولباقي البشرية عامة فله الحمد وله المنة. وقوله ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِين١َ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ إنه بهذا يدعوا كافة البشرية إلى الافتقار إليه ليغنيهم وإلى عبادته ليزكيهم وإلى جواره فيطهرهم ويرفعهم هؤلاء هم أولياؤه من أهل الإيمان والتقوى ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ أي المشركين ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي أهانهم لكفرهم به وشركهم في عبادته فأعد لهم عذابا مؤلما موجعا نعوذ بالله من عذابه وشديد عقابه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- حرمة طاعة ذوي الإثم وأهل الكفر في حال الاختيار.
٢- على المؤمن أن يستعين بالصلاة والذكر والدعاء فإنها نعم العون.
٣- استحباب نافلة الليل.
٤- مشيئة الله قبل فوق كل مشيئة.
٥- القرآن تذكرة للمؤمنين.
(٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١ ٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
شرح الكلمات:
و المرسلات عرفا: المرسلات الرياح الطيبة والعرف المتتابعة.
فالعاصفات عصفا: فالرياح الشديدة الهبوب المضرة لشدتها.
والناشرات نشرا: الرياح تنشر المطر وتفرقه في السماء نشرا.
فالملقيات ذكرا: أي فالملائكة تلقى بالوحي على الأنبياء للتذكير به.
عذرا أو نذرا: أي للأعذار بالنسبة إلى أقوام أو إنذار بالنسبة إلى آخرين.
إنما توعدون لواقع: أي إنما توعدون أيها الناس لكائن لا محالة.
فإذا النجوم طمست: أي محي نورها وذهبت.
وإذا السماء فرجت: أي انشقت وتصدعت.
وإذا الجبال سيرت: أي نسفت فإذا هي هباء منبث مفرق هنا وهناك.
وإذا الرسل أقتت: أي جمعت لوقت حدد لها لتحضر فيه.
ليوم الفصل: أي اليوم الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ ١ هذا بداية قسم لله تعالى أقسم فيه بعدة أشياء من مخلوقاته ولله أن يقسم بما شاء، والحكمة من الإقسام أن تسكن النفوس للخبر وتطمئن إلى صدق المخبر فيه وبذلك يحصل الغرض من إلقاء الخبر على السامعين والمقسم به هنا المرسلات وهي الرياح المتتابعة الطيبة العذبة والعاصفات٢ منها وهي الشديدة الهبوب التي قد تعصف بالأشجار وتقتلعها وبالمباني وتهدمها والناشرات نشرا وهي الرياح المعتدلة التي تنشر السحاب وتفرقة أو تسوقه
стр. 3191
للإمطار وإنزال المطر والفارقات فرقا وهي آيات القرآن الكريم تفرق بين الحق والباطل والملقيات ذكرا عذرا١ أونذرا وهي الملائكة تلقى بالوحي على من اصطفى الله تعالى من عباده للاعذار والانذار أي تعذر أناسا وتنذر آخرين هذا هو القسم والمقسم هو الله والمقسم عليه هو قوله جل ذكره إن ما توعدون أيها الناس من خير أو شر لواقع أي كائن لا محالة وعليه فأصلحوا أعمالكم بعد تصحيح نياتكم فإن الجزاء واقع لا يتخلف أبدا ولا يتغير ولا يتبدل ومتى يقع هذا الموعود الكائن لا محالة والجواب يقع في يوم الفصل إذاً فما هو يوم الفصل والجواب يوم يحضر الله الشهود من الملائكة والرسل ويفصل بين الناس ومتى يكون يوم الفصل والجواب إذا النجوم طمست أي ذهب نورها ومحي وإذا السماء فرجت أي انشقت وتصدعت وإذا الجبال نسفت٢ أي فتت وإذا الرسل اقتت أي حدد لها وقت معين تحضر فيه وهو يوم الفصل وما أدراك٣ ما يوم الفصل تفخيم لشانه وإعلام بهوله وقوله تعالى ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم يقع الفصل العذاب الهائل الكبير ﴿للْمُكَذِّبِينَ﴾ بالله وبآيته ولقائه ورسوله.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه وليس للعبد أن يقسم بغير خالقه .
٣- علامات القيامة وظاهرة الانقلاب الكوني العام وهي انطماس ضوء النجوم وانفراج السماء ونسف الجبال.
٤- الوعيد الشديد بالويل الذي هو واد في٤جهنم تستغيث جهنم من حره للمكذبين بما يجب التصديق به من أركان الإيمان الستة، والوعد والوعيد الإلهيين.
стр. 3192
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
شرح الكلمات:
ألم نهلك الأولين: أي كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى البعثة النبوية وذلك بتكذيبهم.
ثم نتبعهم الآخرين: أي إن أصروا على التكذيب ككفار مكة.
كذلك نفعل بالمجرمين: أي مثل ذلك الهلاك نهلك المجرمين.
ويل يومئذ للمكذبين: أي إذا جاء وقت الهلاك ويل فيه للمكذبين.
من ماء مهين: أي المني والمهين الضعيف.
في قرار مكين: أي حريز وهو الرحم.
إلى قدر معلوم: أي إلى وقت الولادة.
فقدرنا: أي خلقه.
فنعم القادرون: أي نحن على الخلق والتقدير.
كفاتا: أي تكفت الناس أي تضمهم أحياء فوق ظهرها وأمواتا في بطنها.
رواسي شامخات: أي جبال عاليات.
فراتا: أي عذبا.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ إنه لما أقسم تعالى على وقوع ما أوعد به المكذبين من عذاب يوم القيامة وذكر وقت مجيئه وعلامات ذلك وذكر أن
стр. 3193
الرسل أقتت ليوم الفصل وهو اليوم الذي يفصل فيه تعالى بين الخلائق فيقتص من الظالم للمظلوم، ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وتوعد المكذبين بذلك فقال ويل يومئذ للمكذبين دلل هنا على قدرته على إهلاك المكذبين بما سبق له أن فعله بالمكذبين فقال في استفهام تقريري لا ينكر ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط إلى زمن البعثة النبوية ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ فقد أهلك أكابر مجرمي قريش في بدر وقوله ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ١﴾ وهو وعيد صريح وحقا والله لقد أهلك المجرمين ولم ينج من الهلاك مجرم وويل٢ يومئذ للمكذبين وقوله تعالى ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ٣ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ . هذا استدلال آخر على قدرة الله وعلمه اللذين لا يتم البعث والجزاء إلا عليهما قدرة لا يعجزها شيء وعلم لا يخفى معه شيء فقال مستفهما استفهاما تقريريا ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي ضعيف هو المني ﴿فَجَعَلْنَاهُ٤﴾ أي الماء ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ أي حريز حصين وهو الرحم ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو زمن الولادة ﴿فَقَدَرْنَا٥﴾ أي خلق الجنين على أحسن صورة أدق تركيب المسافات بين الأعضاء كما بين العينين كما بين اليدين والرجلين كما بين الأذنين كلها مقدرة تقديرا عجيبا لا تزيد ولا تنقص ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ على الخلق والتقدير معا والجواب بلى ولم إذاً تكفرون وتكذبون؟ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً؟﴾ هذا استدلال آخر على قدرة الله على البعث والجزاء والاستفهام فيه للتقرير أيضا ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً٦﴾ أي مكان كفاية مأخوذ من كفت الشيء إذا ضمه إلى بعضه بعضا والأرض ضامة للناس كافية لهم كافتة الأحياء٧ على ظهرها يسكنون ويأكلون ويشربون والأموات في بطنه لا تضيق بهم أبدا كما لم تضق بالأحياء ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ أي جبال عاليات
стр. 3194
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً﴾ أي عذبا وهو ماء السماء ناقعا في الأرض وجاريا في الأودية والأنهار والجواب بلى، بلى إذاً مالكم أيها المشركون كيف تكذبون؟ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي ويل لهم إذ حان وقت هلاكهم أي ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ؟﴾
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- الاستدلال على البعث والجزاء بالقدرة والعلم إذ هما أساس البعث والجزاء.
٣- بيان إنعام الله تعالى على عباده في خلقهم ورزقهم وتدبير حياتهم أحياء وأمواتا.
٤- بيان أن الناس أكثرهم لا يشكرون.
٥- الوعيد الشديد للمكذبين الكافرين.
انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)
شرح الكلمات:
انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون: أي من العذاب.
ظل ذي ثلاث شعب: أي دخان جهنم إذا ارتفع انقسم إلى ثلاث شعب لعظمته.
لا ظليل: أي كنين ساتر يكن ويستر.
ولا يغني من اللهب: أي ولا يرد شيئا من الحر.
إنها: أي النار.
بشرر كالقصر: أي الشررة الواحدة كالقصر في عظمته وارتفاعه.
كأنه جمالة صفر: أي الشرر المتطاير من النار الشررة كالقصر في عظمها وارتفاعها
стр. 3195
وكالجمل في هيئتها ولونها والجمل الأصفر الأسود الذي يميل إلى صفرة.
هذا يوم لا ينطقون: أي فيه بشيء.
ولا يؤذن لهم: أي في العذر.
جمعناكم والأولين: أي من المكذبين قبلكم.
فإن كان لكم كيد فكيدون: أي حيلة في دفع العذاب فاحتالوا لدفع العذاب عنكم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي كان عليها مدار الحياة كلها قوله تعالى ﴿انْطَلِقُوا١﴾ هذا يقال للمكذبين يوم القيامة وهم في عرصاتها يقال لهم تقريعاً وتبكيتاً انطلقوا إلى٢ ما كنتم به تكذبون وهو عذاب الآخرة ويتهكم بهم ويسخرون منهم فيقولون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب وهو دخان النار إذا ارتفع يتشعب إلى ثلاث شعب وذلك لعظمته لا ظليل أي ليس هو ظلا حقيقيا كظل لشجرة والجدار فيكن ويستر ولا يغني٣ من اللهب فيدفع الحر وقال تعالى في وصفها ﴿إِنَّهَا﴾ أي النار ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ الشررة الواحدة كالقصر في كبره وارتفاعه كأنه أي الشرر جمالة صفراء٤ أي الشرر كالجمل الأصفر وهو الأسود المائل إلى الصفرة. ثم قال تعالى ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يتوعد المكذبين به وبآياته ولقائه ورسوله ﷺ وقوله تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي هذا يوم القامة يوم لا ينطقون أي فيه بشيء ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ أي في الاعتذار فهم يعتذرون لا اعتذار ولا إذن به. ولطول يوم القيامة وتجدد الأحداث فيه يخبر القرآن مرة باعتذارهم وكلامهم في موطن، وينفيه في آخر، إذ هو ذاك الواقع في مواطن يتكلمون بل ويحلفون كاذبين وفي مواطن يغلب عليهم الخوف والحزن فلا يتكلمون بشيء وفي مواطن يطلب منهم أن يتكلموا فيتكلموا وفي أخرى لا، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وعيد لكل المكذبين بهذا وبغيره وقوله تعالى ﴿هَذَا يَوْمُ٥ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ٦ وَالْأَوَّلِينَ﴾ أي يقال لهم يوم القيامة وهم
стр. 3196
في عرصاتها هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون جمعناكم فيه أيها المكذبون من هذه الأمة والمكذبين الأولين من قبلها، فإن كان لكم كيد أي حيلة على خلاصكم مما أنتم فيه فكيدون أي احتالوا عليً وخلصوا أنفسكم يقال لهم تبكيتا لهم وخزيا وهو عذاب روحي أشد ألماً من العذاب الجسماني ﴿وَيْلٌ ١ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي ويل يوم إذ يجيء يوم الفصل للمكذبين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التهكم والسخرية والتبكيت من ألم أنواع العذاب الروحي يوم القيامة.
٢- عرصات القيامة واسعة والمقام فيها طويل والبلاء فيها شديد.
٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر بعض ما يتم فيه.
٤- التكذيب هو رأس الكفر، وبموجبه يكون العذاب.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
شرح الكلمات:
إن المتقين: أي الذين اتقوا ربهم فآمنوا به وأطاعوه بفعل ما يحب وترك ما يكره.
في ظلال: أي في ظلال الأشجار الوارفة.
وعيون: أي من ماء ولبن وخمر وعسل.
مما يشتهون: لا مما يجدون كما هي الحال في الدنيا.
إنا كذلك نجزي المحسنين: أي كما جزينا المتقين نجزي المحسنين.
كلوا وتمتعوا: أي في هذه الحياة الدنيا.
стр. 3197
وإذا قيل لهم اركعوا: أي صلوا لا يصلون.
بعده يؤمنون: أي بعد القرآن إذ الكتب غيره ليست معجزة والقرآن هو المعجز بألفاظه ومعانيه فمن لم يؤمن بالقرآن ما آمن بغيره بحال من الأحوال.
معنى الآيات:
من باب الترغيب والترهيب وهو أسلوب أمتاز به القرآن الكريم ذكر تعالى ما للمتقين من نعيم مقيم بعد ذكر ما للمكذبين الضالين من عذاب الجحيم فقال تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ وهم الذين اجتنبوا الشرك والمعاصي ﴿فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ في ظلال أشجار الجنة وعيونها من ماء ولبن وخمر وعسل وفواكه كثيرة منوعة مما يشتهون١ على خلاف الدنيا إذ الناس يأكلون مما يجدون فلوا اشتهوا شيئا ولم يجدوه ما أكلوه وأما دار النعيم فإن المرء ما اشتهى شيئا إلا وجده وأكله وهذا هو السر في التعبير في غير موضع بكلمة مما يشتهون. ومن إتمام النعيم أن يقال لهم تطييبا لخواطرهم كلوا واشربوا٢ هنيئا أي متهنئين بما كنتم تعملون من الصالحات وتتركون من السيئات. وقوله تعالى إنا كذلك٣ نجزي المحسنين أي كهذا الجزاء الذي جزينا به المتقين نجزي به المحسنين. ويل يومئذ للمكذبين أي بهذا الوعد الكريم. قوله تعالى ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ . هذا قول الله تعالى لمشركي قريش وكفارها يهددهم الرب ﵎ ناعيا عليهم إجرامهم حتى يحين وقتهم وقد حان حيث أعلمهم أنهم لا يتمتعون إلا قليلا وقد أهلكوا في بدر. وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ هو توعد بالعذاب الأليم لمن يكذب بوعيد الله هذا ووعده ذاك. وقوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا٤﴾ أي صلوا ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ أي لا يصلون ولا يخشعون ولا يتواضعون فيقبلون الحق ويؤمنون به، ويل يومئذ للمكذبين بشرائع الله وهداه التاركين للصلاة وقوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ ٥حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ أي فبأي كتاب يؤمن هؤلاء المكذبون إذا لم يؤمنوا بالقرآن وذلك لما فيه من الخير والهدى ولما يدعوا إليه من السعادة والكمال كما أنه معجز بألفاظه ومعانيه بخلاف الكتب غيره فمن لم يؤمن به لا يرجى له أن يؤمن بغيره بحال من الأحوال.
стр. 3198
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه المؤمنين المتقين المحسنين.
٢- بيان نعيم أهل التقوى والإحسان وفضلهما أي فضل التقوى والإحسان.
٣- صدق القرآن في أخباره إذ وعيد الله لأكابر مجرمي مكة نفذ بعد أقل من خمس سنوات.
٤- من دخل مسجدا وأهله يصلون فليدخل معهم في صلاتهم وإن كان قد صلى حتى لا يكون غيره راكعا لله وهو غير راكع وقد جاء في الصحيح هذا المعنى.
стр. 3199
سورة النبأ
مكية وآياتها أربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (١٦)
شرح الكلمات:
عم١: أي عن أي شيء؟
يتساءلون: أي يسأل بعض قريش بعضا.
عن النبأ العظيم: أي ما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والنبوة والبعث الآخر.
الذي هم فيه مختلفون: أي ما بين مصدق ومكذب.
سيعلمون: عاقبة تكذيبهم عند نزع أرواحهم وعند خروجهم من قبورهم.
أوتادا: أي تثبت بها الأرض كما تثبت الخيمة بالأوتاد.
سباتا: أي راحة لأبدانكم.
стр. 3200
لباسا: أي ساتراً بظلامه وسواده.
وجعلنا النهار معاشا: أي وقتا للمعاش كسبا وأكلا.
شدادا: أي قوية محكمة الواحدة شديدة والجمع شداد.
سراجا وهاجا: أي ضوء الشمس وهاجا وقاداً.
المعصرات: أي السحابات التي حان لها أن تمطر كالجارية المعصر التي دنا وقت حيضها.
ثجاجا: أي صبابا.
وجنات ألفافا: أي بساتين ملتفة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي عن أي شيء يتساءل رجال قريش فيسأل بعضهم بعضا إنهم يتساءلون عن١ النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون إنه ما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والنبوة والبعث الآخر. قال تعالى ردعا لهم وتخويفا كلا سيعلمون٢ عند نزع أرواحهم عاقبة تكذيبهم لرسولنا وإنكارهم لتوحيدنا ولقائنا، ثم كلا سيعلمون٣ يوم يبعثون من قبورهم ويحشرون إلى نار جهنم حين لا ينفعهم علم ولا يجديهم إيمان. وقوله تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً﴾ الآيات فذكر تعالى من مظاهر القدرة والعلم والرحمة والحكمة ما يوجب الإيمان به وبتوحيده ورسوله ولقائه لو كان القوم يعقلون فقال ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ٤ مِهَاداً﴾ أي فراشا ووطاء للحياة عليها؟ وهل يتم هذا بدون علم وقدرة والجبال أوتادا تثبت الأرض بها فيأمنون على حياتهم من الميدان وسقوط كل بناء وخلقناكم أزواجا الخلق مظهر من مظاهر القدرة والعلم وكونهم أزواجا مظهر٥ من مظاهر الحكمة والرحمة وجعلنا نومكم سباتا أي راحة لأبدانكم. وجعلنا الليل لباسا ساترا بظلامه. وجعلنا النهار معاشا للعيش كسبا وتمتعا به. وبنينا فوقكم سبعا شدادا وهي السموات
стр. 3201
السبع الشديدة القوية البناء لا تفنى ولا تزول إلى أن يأذن هو بزوالها، وجعلنا سراجا وهاجا هو الشمس المشرقة المضيئة. وأنزلنا من المعصرات أي السحابات التي حان لها أن تمطر تشبيهاً لها بالجارية المعصر التي قاربت الحيض ماء ثجاجا صبابا وابلا، وذلك لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا الحب كالبر والذرة لطعامكم، والنبات كالكلأ والعشب لحيواناتكم، وجنات أي بساتين ملتفة الأشجار غنًاء بالثمار المختلف الألوان، والطعوم كل هذه المذكورات مفتقرة إلى قدرة لا يعجزها شيء وعلم أحاط بكل شيء وحكمة لا يخلو منها شيء ورحمة تعم كل شيء والله وحده ذو القدرة والعلم والحكمة والرحمة فكيف ينكر توحيده ويكذب رسوله، ويستبعد بعثه للناس يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم على أعمالهم في هذه الدار وهي مختلفة منها الصالح ومنها الفاسد هل من الحكمة في شيء أن يظلم الظالمون ويفسد المفسدون، ويعدل العادلون ويصلح المصلحون ويموتون سواء ولا يكون هناك حياة أخرى يجزي فيها المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه اللهم لا لا إنه لابد من حياة أخرى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة الإلهية في كل الآيات من قوله ألم نجعل الأرض مهادا إلى قوله وجنات ألفافا.
٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء والنبوة والتوحيد وهي التي اختلف الناس فيها ما بين مثبت وناف، ومصدق ومكذب.
٣- سيحصل العلم الكامل بهذه المختلف فيها بين التاس عند نزع الروح ساعة الموت، ولكن لا فائدة من العلم ساعتها إذ قضي الأمر وانتهى الخلاف.
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً (٢٤) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزَاءً وِفَاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا
стр. 3202
لا يَرْجُونَ حِسَاباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (٣٠)
شرح الكلمات:
إن يوم الفصل: أي الفصل بين الخلائق ليجزي كل امرىء بما كسب.
كان ميقاتا: أي ذا وقت محدد معين لدى الله فلا يتقدم ولا يتأخر.
يوم ينفخ في الصور: أي يوم ينفخ اسرافيل في الصور.
فتأتون أفواجا: أي تأتون أيها الناس جماعات جماعات إلى ساحة فصل القضاء.
وفتحت السماء: أي لنزول الملائكة.
وسيرت الجبال: أي ذهب بها من أماكنها.
فكانت سرابا: أي مثل السراب فيتراءى ماء وهو ليس بماء فكذلك الجبال.
إن جهنم كانت مرصادا: أي راصدة لهم مرصدة للظالمين مرجعا يرجعون إليها.
لابثين فيها أحقابا: أي دهورا لا نهاية لها.
لا يذوقون فيها بردا: أي نوما ولا شرابا مما يشرب تلذذا به إذ شرابهم الحميم.
وغساقا: أي ما يسيل من صديد أهل النار، جوزوا به عقوبة لهم.
جزاء وفاقا: إذ لا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار.
كذابا: أي تكذيبا.
فلن نزيدكم إلا عذابا: أي فوق عذابكم الذي أنتم فيه.
معنى الآيات:
بعد أن ذكر تعالى آيات قدرته على البعث والجزاء الذي أنكره المشركون واختلفوا فيه ذكر في هذه الآيات عرضا وافيا للبعث الآخر وما يجري فيه، وبدا بذكر الأحداث للانقلاب الكوني، ثم ذكر جزاء الطاغين تفصيلا فقال ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ أي بين الخلائق كان ميقاتا١ لما أعد الله للمكذبين بلقائه الكافرين بتوحيده المنكرين لرسالة نبيه فيه، يجزيهم الجزاء الأوفى، ثم ذكر تعالى أحداثا تسبقه فقال ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ أي يوم ينفخ إسرافيل نفخة البعث وهي الثانية فتأتون أيها الناس أفواجا أي جماعات. ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ أي انشقت ﴿فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾ لنزول الملائكة منها ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ هباء منبثا كالسراب في نظر الرائي. وقوله تعالى
стр. 3203
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً١﴾ أي إنه بعد الحساب يأتي الجزاء وهاهي ذي قد أرصدت واعدت فهي مرصاد، مرصاد لمن؟ للطاغين المتجاوزين الحد الذي حدد لهم وهو أن يؤمنوا بربهم ويعبدوه وحده ويتقربوا إليه بفعل محابه وترك مكارهه فتجاوزوا ذلك إلى الكفر بربهم والإشراك به وتكذيب رسوله وفعل مكارهه وترك محابه هؤلاء هم الطاغون الذي أرصدت لهم جهنم فكانت لهم مرصادا ومرجعا ومآبا ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً٢﴾ أي دهورا، ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً٣﴾ أي نوما لأن النوم يسمى البرد في لغة بعض العرب، ﴿وَلا شَرَاباً﴾ ذا لذة ﴿إِلَّا حَمِيماً﴾ وهو الماء الحار ﴿وَغَسَّاقاً﴾ وهو ما يسيل من صديد أهل النار ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ أي موافقا لذنوبهم لأنه لا أعظم من الكفر ذنبا ولا من النار عذابا ثم ذكر تعالى مقتضى هذا العذاب فقال ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ أي ما كانوا يؤمنون بالحساب ولا بالجزاء ولا يخافون من ذلك ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً﴾ أي بآياته وحججه تكذيبا زائدا. وقوله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ إذ كانت الملائكة تكتب أعمالهم وتحصيها عليهم فهم يتلقون جزاءهم العادل ويقال لهم توبيخا وتبكيتا وهم في أشد العذاب وأمرّه ﴿فَذُوقُوا ٤فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ فيعظم عندهم الكرب ويستحكم من نفوسهم اليأس. وهذا جزاء من تنكر لعقله فكفر بربه وآمن بالشيطان وعبد الهوى. والعياذ بالله تعالى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التنديد بالطغيان وبيان جزاء الظالمين.
٢- التنديد بالتكذيب بالبعث والمكذبين به.
٣- أعمال العباد مؤمنهم وكافرهم كلها محصاة عليها ويجزون بها.
٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر آثارها.
٥- أبدية العذاب في الدار الآخرة وعدم إمكان نهايته.
стр. 3204
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (٣٣) وَكَأْساً دِهَاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (٤٠)
شرح الكلمات:
إن للمتقين: أي الذين اتقوا الشرك والمعاصي خوفا من ربهم وعذابه.
مفازا: أي مكان فوز ونجاة وهو الجنة.
حدائق وأعنابا: أي بساتين وأعنابا.
وكواعب: أي شابات تكعبت ثديهن الواحدة كاعب والجمع كواعب.
أترابا: أي في سن واحدة وأتراب جمع واحدة ترب.
وكأسا دهاقا: أي خمرا كأسها ملأى بها.
لا يسمعون فيها: أي في الجنة لغوا أي باطلا ولا كذبا من القول.
عطاء حسابا: أي عطاء كثيرا كافيا يقال أعطاني فأحسبني.
يوم يقوم الروح: ملك عظيم يقوم وحده صفا والملائكة صفا وحدهم.
مآبا: أي مرجعا سليما وذلك بالإيمان والتقوى إذ بهما تكون النجاة.
ما قدمت يداه: أي ما أسلفه في الدنيا من خير وشر.
يا ليتني كنت ترابا: أي حتى لا أعذب وذلك يوم يقول الله تعالى للبهائم كوني ترابا وذلك بعد الاقتصاص لها من بعضها بعضا.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء المستلزمة لعقيدة التوحيد والنبوة بعد أن
стр. 3205
ذكر تعالى حال الطغاة الفجار وبين مصيرهم غاية البيان ثًنى بذكر المتقين الأبرار وبين مصيرهم وأنه جنات تجري من تحتها الأنهار فقال وقوله الحق وخبره الصدق ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ١ مَفَازاً﴾ أي مكان فوز ونجاح وبيًنه بقوله حدائق٢ أي بساتين وأعنابا وكواعب جمع كاعب الفتاة ينكعب ثديها أي يستدير ويرتفع كالكعب وذلك عند بلوغها وقوله في وصفهن ﴿أَتْرَاباً﴾ جمع ترب أي في سن واحدة دون الثلاثين سنة ﴿وَكَأْساً ٣ دِهَاقاً﴾ أي كأس خمر ملأى ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ أي في الجنة ﴿لَغْواً وَلا كِذَّاباً﴾ لا قولا باطلا ولا كذبا. وقوله تعالى ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً﴾ أي جزاهم ربهم بذلك فجعله عطاء كافيا٤ ووصف الجبار نفسه تعليما وتذكيرا فأبدل من قوله من ربك: قوله ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي مالكها والمتصرف فيهما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ ملك عظيم لا يقادر قدره وحده صفا ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ هنا لا يملك أحد من الخلق ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ خِطَاباً﴾ وقوله ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ بين يديه ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ٥ الرَّحْمَنُ وَقَالَ﴾ قولا ﴿صَوَاباً﴾ وفي الصحيح أن النبي محمداً ﷺ هو أول من يكلم الله في الموقف حيث يأتي تحت العرش فيخر ساجدا فلا يزال ساجدا يحمد الله تعالى بمحامد يلهمها ساعتئذ فيقول له الرب تعالى ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ٦ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الذي لا مرية فيه ولا شك وهو يوم الفصل وبناء عليه فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا أي مرجعا إليه بالإيمان والطاعة. وقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾ أي خوفناكم عذابا قريبا جدا يبتدىء بالموت ولا ينتهي أبدا، وذلك ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خير أو شر أي يرى جزاء عمله عيانا إن كان عمله خيراً جزي بمثله وإن كان شرا جزي بمثله. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ إنه لما يرى البهائم بعد القصاص لها صارت ترابا يتمنى الكافر وهو في عذابه أن لو كان ترابا مثل البهائم ولولا العذاب وشدته ودوامه لما تمنى أن يكون ترابا أبدا.
стр. 3206
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان كرامة المتقين وفضل التقوى.
٢- وصف جميل لنعيم الجنة.
٣- ذم الكذب واللغو وأهلهما.
٤- بيان شدة الموقف وصعوبة المقام فيه.
٥- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٦- الترغيب في العمل الصالح واجتناب العمل السيء الفاسد.
стр. 3207
سورة النازعات
مكية وآياتها ست وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطَات نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (٥) يوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
شرح الكلمات:
والنازعات غرقا: أي الملائكة تنزع أرواح الفجار والكفار عند الموت بشدة.
والناشطات نشطا: أي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين الصالحين نشطا أي تسلها برفق.
والسابحات سبحا: أي الملائكة تسبح من السماء بأمر الله أي تنزل به إلى الأرض.
فالسابقات سبقا: أي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.
فالمدبرات أمرا: أي الملائكة تدبر أمر الدنيا أي تنزل بتدبيره من لدن الله المدبر الحكيم.
стр. 3208
يوم ترجف الراجفة: أي النفخة الأولى نفخة الفناء التي يتزلزل كل شيء معها.
تتبعها الرادفة: أي النفخة الثانية.
واجفة: أي خائفة قلقة.
أئنا لمردودون في الحافرة: أي أنرد بعد الموت إلى الحياة إذ١ الحافرة اسم لأول الأمر
تلك إذا كرة خاسرة: أي رجعة إلى الحياة خاسرة.
فإنما هي زجرة واحدة: أي نفخة واحدة.
فإذا هم بالساهرة: أي بوجه الأرض أحياء سميت ساهرة لأن من عليها بها يسهر ولا ينام.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿والنازعات٢ غرقا﴾ الآيات هذا قسم عظيم أقسم تعالى به على أنه لابد من البعث والجزاء حيث كان المشركون ينكرون ذلك حتى لا يقفوا عند حد في سلوكهم فيواصلوا كفرهم وفسادهم جريا وراء شهواتهم كل أيامهم وطيلة حياتهم كما قال تعالى بل يريد الإنسان ليفجر أمامه فأقسم تعالى بخمسة أشياء وهي النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، ورجح أنهم أصناف من الملائكة وجائز أن يكون غير٣ ذلك ولا حرج إذ العبرة بكونه تعالى قد أقسم ببعض مخلوقاته على أن البعث حق ثابت وواقع لا محالة، وتقدير جواب القسم بلتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم إذ هو معهود في كثير من الأقسام في القرآن كقوله تعالى من سورة التغابن ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾ وسيتم ذلك البعث والجزاء يوم ترجف الراجفة٤ التي هي النفخة الأولى التي ترجف فيها العوالم كلها ويفنى فيها كل شيء، ثم تتبعها الرادفة وهي النفخة الثانية وهي نفخة البعث من القبور أحياء وأن بين النفختين
стр. 3209
أربعين سنة كما ذكر رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح وقوله تعالى ﴿قلوب يومئذ واجفة﴾ أي خائفة قلقة ﴿أبصارها خاشعة﴾ أي أبصار أصحاب تلك القلوب خاشعة أي ذليلة خائفة. وقوله تعالى ﴿يقولون﴾ أي منكر والبعث ﴿أئنا لمردودون في الحافرة﴾ أي أنرد بعد الموت إلى الحياة من جديد كما كنا أول مرة، ﴿أإذا كنا عظاما نخرة﴾ أي بالية مفتتة وقولهم هذا إستبعاد منهم للبعث وإنكار له، و ﴿قالوا تلك إذاً كرة خاسرة﴾ يعنون أنهم إذا عادوا إلى الحياة مرة أخرى فإن هذه العودة تكون خاسرة وهي بالنسبة إليهم كذلك إذ سيخسرون فيها كل شيء حتى أنفسهم كما قال تعالى ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين.﴾ وقوله تعالى ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ أي صيحة واحدة وهي نفخة إسرافيل الثانية نفخة البعث ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أولئك المكذبون وغيرهم من سائر الخلق ﴿بالساهرة﴾ أي وجه الأرض وقيل فيها الساهرة لأن من عليها يومئذ لا ينامون بل يسهرون أبدا فرد تعالى بهذا على منكري البعث الآخر وقرره عزوجل بما لا مزيد عليه إعذارا وإنذارا ولا يهلك على الله إلا هالك.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١-بيان أن الله تعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته بخلاف العبد لا يجوز له أن يقسم بغير ربه تعالى.
٢-بيان أنروح المؤمن تنزع عند الموت نزعًا سريعا لا يجد من الألم ما يجده الكافر.
٣-تقرير عقيدة البعث والجزاء بالإقسام عليها وذكر كيفية وقوعها.
هلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)
стр. 3210
شرح الكلمات:
موسى: أي موسى بن عمران ﵇.
بالواد المقدس طوى: أي بالواد الطاهر المبارك المسمى بطوى.
اذهب إلى فرعون: أي بأن أذهب إلى فرعون.
إنه طغى: أي تجاوز حده كعبد إلى ادعاء الربوبية والألوهية.
إلى أن تزكى: أي تسلم فتطهر من رجس الشرك والكفر بالإسلام لله تعالى.
وأهديك إلى ربك: أي أرشدك إلى معرفة ربك الحق فتخشاه وتطيعه فتنجو من عذابه.
فأراه الآية الكبرى: أي العصا واليد إذ هي من أكبر الآيات الدالة على صدق موسى.
ثم أدبر يسعى: أي بعد ما كذب وعصى رجع يجمع جموعه ويحشر جنوده لحرب موسى وقال
كلمة الكفر أنا ربكم فلا طاعة إلا لي.
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى: أي عذبه تعالى عذاب الآخرة وهو قوله أنا ربكم الأعلى وعذاب الأولى وهي قوله ما علمت لكم من إله غيري.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿هل أتاك حديث موسى﴾ الآيات.. المقصود من هذه الآيات تسلية الرسول ﷺ وهو يعاني من تكذيب قومه له ولما جاء به من التوحيد والشرع فقص تعالى عليه طرفا من قصة موسى مع فرعون تخفيفا عليه، وتهديداً لقومه بعقوبة تنزل بهم كعقوبة فرعون الذي كان أشد منهم بطشاً وقد أهلكه الله فأغرقه وجنده.. فقال تعالى ﴿هَلْ أَتَاك﴾ ١ يا رسولنا ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ بن عمران، ﴿إِذْ٢ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ أي بالواد المطهر المبارك المسمى طوى ناداه فأعلمه أولاً أنه لا إله إلا هو وأمره بعبادته، ثم أمره بأن يذهب إلى فرعون الوليد بن الريان ملك القبط بمصر فقال له اذهب إلى فرعون إنه طغى أي عتا وتكبر وظلم فأفحش في الظلم والفساد. وعلمه ما يقول له إذا انتهى إليه فقل ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ٣ أي إلى أن تسلم فتزكو روحك وتطهر بالإسلام وأهديك ٤ إلى ربك فتخشى أي وأرشدك إلى ربك وأعرفك به فتخشى أي عقابه فتترك الظلم والطغيان قال تعالى فأراه الآية الكبرى والتي هي اليد والعصا، فكذب فرعون موسى في دعوته وعصى ربه
стр. 3211
فلم يستجب له ولم يطعه فيما أمره به ودعاه إليه من الإيمان برسالة موسى وإرسال بني إسرائيل معه بعد الإسلام لله ظاهرا وباطنا. ثم أدبر فرعون أي عن دعوة الحق رافضا لها يسعى في الباطل والشر ﴿فَحَشَرَ﴾ رجاله وجنده ﴿فَنَادَى﴾ أي ناداهم ليعدهم إلى حرب موسى ﴿فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ يعني أنه لا رب فوقه، ﴿فَأَخَذَهُ الله﴾ أي عذبه ﴿نَكَالَ﴾ أي١ عذاب ﴿الْآخِرَة﴾ أي الكلمة وهي قوله: "أنا ربكم الأعلى" ونكال الأولى وهي قوله (ما علمت لكم من إله غيري) وبين الكلمتين الخبيثتين أربعون سنة فالأولى قالها في بداية الدعوة حيث ادعى أنه بحث واستقصى في البحث واجتهد وأنه بعد كل ذلك الاجتهاد لم يعلم أن للناس من قومه من إله سواه. وقوله تعالى إن في ذلك ﴿لَعِبْرَةً لِمَنْ٢ يَخْشَى﴾ أي فيما قص تعالى من خبر موسى وفرعون ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي عظة لمن يخشى الله وعذاب الدار الآخرة فيؤمن ويتقي أي فيزداد إيماناً وتقوى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تسلية الداعي إلى الله تعالى وحمله على الصبر في دعوته حتى ينتهي بها على غايتها.
٢- إثبات مناجاة موسى لربه تعالى وأنه كلمه ربه كفاحاً بلا واسطة.
٣- تقرير أن لا تزكية للنفس البشرية إلا بالإسلام أي بالعمل بشرائعه.
٤- لا تحصل الخشية من الله للعبد إلا بعد معرفة الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء.
٥- وجود المعجزات لا يستلزم الإيمان فقد رأى فرعون أعظم الآيات كالعصا واليد وما آمن.
٦- التنديد والوعيد الشديد لمن يدعي الربوبية والألوهية فيأمر الناس بعبادته.
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)
стр. 3212
شرح الكلمات:
أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها؟ : أي أشد خلقا.
رفع سمكها: أي غلظها وارتفاعها.
فسواها: أي جعلها مستوية سطحا واحدا ما فيها نتوء ولا انخفاض.
وأغطش ليلها: أي أظلمه جعله مظلما.
وأخرج ضحاها: أي ضوءها ونهارها.
والأرض بعد ذلك دحاها: أي بعد أن خلق الأرض خلق السماء ثم دحا الأرض أي بسطها وأخرج منها ماءها ومرعاها.
والجبال أرساها: أي أثبتها على سطح الأرض لتثبت ولا تميد.
متاعا لكم ولإنعامكم: أي أخرج من الأرض ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم وهي المواشي من الحيوان.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ١ خَلْقاً﴾ الآيات.. سيقت هذه الآيات الكريمة لتقرير عقيدة البعث والجزاء بإيراد أكبر دليل عقلي لا يرده العاقل أبدا وهو أن السماء في خلقها وما خلق الله فيها، أشد خلقا وأقوى وأعظم من خلق الإنسان بعد موته فالبشرية كلها لا ساوي حجمها حجم كوكب واحد من كواكب السماء ولا سلسلة واحدة من سلاسل الجبال في الأرض فضلا عن السماء والأرض. إذاً فالذي قدر على خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها قادر قطعا من باب أولى قادر على خلق الإنسان مرة أخرى وقد خلقه أولا فإعادة خلقه بإحيائه بعد موته أيسر وأسهل وأمكن من خلقه أولا على غير مثال سبق، ولا صورة تقدمت، ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يفكرون وهذا عرض الآيات قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقا ً﴾ أيها المنكرون للبعث المكذبون به ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ ٢ والجواب الذي لاشك فيه هو أن السماء أشد خلقاً من منهم وبيان ذلك فيما يلي:
١- بناها فهي سقف للأرض مرفوعة فوقها مسوَّاة فلا انفطار فيها ولا ارتفاع لبعض وانخفاضا لبعض آخر بل هي كالزجاجة في سمتها واعتدالها في خلقها.
стр. 3213
٢- رفع سمكها١ فإن غلظها مقدر بمسيرة خمسمائة عام.
٣- أغطش ليلها فجعله مظلما.
٤- وأخرج ضحاها فجعل نهارها مضيئا. هذه هي السماء. والأرض بعد ذلك أي بعد٢ أن خلقها أولا وقبل السماء عاد إليها فدحاها بأن بسطها للأنام وأخرج منها ماءها ففجر فيها عيونها وأخرج منها مرعى وهو ما يرعى من سائر الحبوب والثمار والنبات والأشجار منفعة للإنسان ولحيوانه المفتقر إليه في ركوبه٣ وطعامه وشرابه وما ذكر تعالى من مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة في الأرض لا يقل عما ذكر في السماء إن لم يكن أعظم فكيف إذاً ينكر الإنسان على ربه أن يعيده حيا بعد إماتته له ليحاسبه وليجزيه إنه بدل أن ينكر يجب عليه أن يشكر، ولكن الإنسان ظلوم كفار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- بيان إفضال الله تعالى على الإنسان وإنعامه عليه.
٣- مشروعية الاستدلال بالكبير على الصغير وبالكثير على القليل وهو مما يعلم بداهة وبالضرورة إلا أن الغفلة أكبر صارف وأقوى حايل فلا بد من إزالتها أولا.
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)
َأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى
стр. 3214
(٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)
شرح الكلمات:
الطامة الكبرى: أي النفخة الثانية وأصل الطامة الداهية التي تعلو على كل داهية.
ما سعى: أي ما عمل في الدنيا من خير وشر.
فأما من طغى: أي كفر وظلم.
وآثر الحياة الدنيا: أي باتباع الشهوات.
فإن الجحيم هي المأوى: أي النار مأواه.
مقام ربه: أي قيامه بين يديه ليسأله عما قدم وأخر.
ونهى النفس عن الهوى: أي المردى المهلك باتباع الشهوات.
فإن الجنة هي المأوى: أي مأواه الذي يأوي إليه بعد الحساب.
عن الساعة: أي القيامة للحساب والجزاء.
أيان مرساها: أي متى وقوعها وقيامها.
فيم أنت من ذكراها: أي في أي شيء من ذكراها أي ليس عندك علمها حتى تذكرها.
إلى ربك منتهاها: أي منتهى علمها إلى الله وحده فلا يعلمها سواه.
لم يلبثوا: أي في قبورهم.
إلا عشية أو ضحاها: أي عشية يوم أو ضحى تلك العشية.
معنى الآيات:
بعد أن بين تعالى مظاهر قدرته في حياة الناس وما خلق لهم فيها تدليلا على البعث والجزاء وذكر في هذه الآيات مظاهر قدرته في معادهم تدليلا على قدرته على بعثهم بعد موتهم ومحاسبتهم ومجازاتهم فقال عز من قائل ﴿فَإِذَا جَاءَتِ١ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ أي القيامة وسميت بالطامة الكبرى لأنها تطم على٢ كل شيء ولا يعظمها سيء ولا ريح عاد ولا صيحة ثمود ولا رجفة يوم الظلة. ﴿يَوْمَ
стр. 3215
يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ من خير أو شر لأنه أيقن أنه محاسب ومجزي بعمله. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أي أبرزها فظهرت لمن يراها لا يخفيها شيء. والناس بعد ذلك مؤمن وكافر والطريقان طريق جنة وطريق نار. ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ أي عتا عن أمر ربه فعصاه ولم يطعه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه. ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الآخرة فعمل للدنيا وصرف كل جهده وطاقته لها، ولم يعمل للآخرة فما صام ولا صلى ولا تصدق ولا زكى ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي مأواه ومستقره ومثواه شرابه الحميم وطعامه الزقوم ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ وهو الوقوف بين يديه لمساءلته ومجازاته فأدى الفرائض واجتنب النواهي، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أي نفسه عن هواها فلم يجبها في هوى يبغضه الله ولم يطعها في شيء حرمه الله فإن الجنة دار السلام والأبرار والمتقين الأخيار هي مأواه ولنعم المأوى هي حيث العيون الجارية والسرر المرفوعة والأكواب الموضوعة والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة والكواعب العرب الأتراب ولقاء الأحباب١. وقوله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أي يسألك يا رسولنا المنكرون للبعث عن الساعة أي قيامها ومتى رسوها وثبوتها وهي كالسفينة سائرة ليل نهار متى ترسو؟ ﴿فِيمَ﴾ ٢ أي في أي شيء أنت من ذكراها أي ليس عندك علمها فتذكرها لهم إلى ربك وحده علم وقت مجيئها وساعة رسوها لتنقل الناس من دنياهم إلى آخرتهم، وبذلك تنتهي رحلتهم ويستقر قرارهم. وينتهي ليلهم ونهارهم. وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ أي ليس إليك يا رسولنا علمها ولا منتهى أمرها إنما أنت مهمتك غير ما يطلب إنها إنذار من يخشى الساعة ويخاف حلولها لإيمانه بها وبما يكون فيها من نعيم وجحيم أما من لا يؤمن بها فهو لا يخافها وسؤاله عنها سؤال استهزاء، فلا تحفل بهم ولا تهتم لهم فإنهم يوم يرونها كأن لم يلبثوا في دنياهم هذه وقبورهم ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي عشية يوم أو ضحى تلك العشية لما يستقبلون من أهوال الموقف وفظائع العذاب.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء ب١كر أحوالها وصفاتها.
٢- الناس يوم القيامة مؤمن تقي في الجنة، وكافر وفاجر في النار.
٣- بيان استئثار الله تعالى بعلم الغيب والساعة.
٤- بيان أي الشدائد ينسى بعضها بعضا فإن عذاب القبر يهون أمام عذاب النار.
стр. 3216
سورة عبس
مكية وآياتها اثنتان وأربعون آية
يسم الله الرحمن الرحيم
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)
شرح الكلمات:
عبس: أي أن النبي ﷺ بمعنى كلح وجهه وتغير.
وتولى: أي أعرض.
أن جاءه الأعمى: أي لأجل أن جاء عبد الله بن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به من دعوة بعض أشراف قريش للإسلام.
لعله يزكى: أم يتطهر من الذنوب.
أو يذكر: أي يتعظ.
فتنفعه الذكرى: أي الموعظة.
أما من استغنى: عن الإيمان والعلم والدين بالمال والجاه.
فأنت له تصدى: أي يتقبل عليه وتتصدى له.
وما عليك ألا يزكى: أي ليس عليك بأس في عدم تزكيته نفسه بالإسلام.
يسعى: أي في طلب الخير من العلم والهدى.
فأنت عنه تلهى: أي تشاغل.
كلا: أي لا تعد لمثل ذلك.
إنها تذكرة: أي الآيات عظة للخلق.
стр. 3217
مكرمة: أي عند الله.
مرفوعة: أي في السماء.
مطهرة: أي منزهة عن مس الشياطين.
بأيد سفرة: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ.
كرام بررة: مطيعين لله وهم الملائكة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى١ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ هذا عتاب لطيف يعاتب به الله رسوله محمدا ﷺ فالذي عبث بمعنى قطب وجهه وأعرض هو رسول الله ﷺ والأعمى الذي لأجله عبس رسول الله وأعرض عنه هو عبد الله بن أم مكتوم الأعمى أحد المهاجرين ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وسبب هذا العتاب الكريم أن الرسول ﷺ كان في مكة يوما ومعه صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف يدعوهم إلى الإسلام مجتهدا معهم يرغبهم ويرهبهم طمعا في إسلامهم فجاء عبد الله بن أم مكتوم ينادي يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله وكرر ذلك مرارا فانزعج لذلك رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ قطعه لحديثه مع القوم فعبس وتولى عنه لا يجيبه، وما إن عاد النبي ﷺ إلى منزله حتى نزلت هذه الآيات ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ٢ أي قطب وأعرض ﴿أَنْ جَاءَهُ٣ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي وما يعلمك أنه ﴿يَزَّكَّى٤﴾ بما يطلب من القرآن والسنة أي يريد زكاة نفسه وتطهير روحه بما يتعلمه منك، أو يذكر فتنفعه الذكرى. أي وما يعلمك لعله بندائه لك وطلبه منك أن يتذكر بما يسمع منك فيتعظ به وتنفعه الذكرى منك. وقوله تعالى ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ أي عن الإيمان والإسلام وما عندك من العلم بالله والمعرفة استغنى بماله وشرفه في قومه ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى٥﴾ أي تتعرض له مقبلا عليه ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى﴾ أي وأي شيء يلحقك من الأذى إن لم يتزك ذاك المستغنى عنك بشرفه وماله. وكرر تعالى العتاب بالكلمات العذاب٦ ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ
стр. 3218
يَخْشَى﴾ جاءك مسرعا يجري وراءك يناديك بأحب الأسماء إليك يا رسول الله والحال انه يخشى الله تعالى ويخاف عقابه فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب والعذاب ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى١﴾ أي تتشاغل بغيره ﴿كَلاَّ﴾ أي لا تفعل مثل هذا مرة أخرى. وقوله تعالى ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذه الآيات وما تحمل من عتاب حبيب إلى حبيب موعظة ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ من عباد الله ﴿ذَكَرَهُ﴾ أي ذكر الوحي والتنزيل ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ مكرمة عند الله تعالى مرفوعة في السماء مطهرة منزهة عن مس الشياطين لها ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ أي مطيعين لله صادقين هم الملائكة كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وما أقرب هذا الوصف من مؤمن كريم النفس طاهر الروح يحفظ كتاب الله ويعمل به بيده مصحف يقرأه ويرتل كلام الله فيه وقد جاء في الصحيح٢ أن هذا العبد الذي وصفت مع السفرة الكرام البررة. اللهم اجعلني منهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان مقام النبي ﷺ وأنه أشرف مقام وأسماه دل على ذلك أسلوب عتاب الله تعالى له حيث خاطبه في أسلوب شخص غائب حتى لا يواجهه بالخطاب فيؤلمه فتلطف معه، ثم أقبل عليه بعد أن أزال الوحشة يخاطبه وما يدريك.
٢- إثبات ما جاء في الخبر أدبني ربي فأحسن تأديبي فقد دلت الآيات عليه.
٣- بلغ رسول الله ﷺ بتأديب ربه له مستوى لم يبلغه سواه، فقد كان إذا جاءه ابن أم مكتوم يوسع له في المجلس ويجلسه إلى جنبه ويقول له مرحبا بالذي عاتبني ربي٣ من اجله وولاه على المدينة مرات، وكان مؤذناً له في رمضان.
٤-استحالة كتمان الرسول ﷺ لشيء من الوحي فقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لو كان للرسول أن يكتم شيئا من وحي الله لكتم عتاب الله تعالى له في عبس وتولى.
стр. 3219
قُتِلَ الْإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (٣١) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)
شرح الكلمات:
قتل الإنسان: لعن الإنسان الكافر.
ما١أكفره: أي ما حمله على الكفر؟.
من أي شيء خلقه: من نطفة خلقه.
فقدره: أي من نطفة إلى علقة إلى مضغة فبشر سوي.
ثم السبيل يسره: أي سبيل الخروج من بطن أمه.
إذا شاء أنشره: أي إذا شاء إحياءه أحياه.
كلا: حقا أو ليس الأمر كما يدعي الإنسان أدى ما عليه من الحقوق.
لما يقضي ما أمره: أي ما كلفه به من الطاعات والواجبات في نفسه وماله.
إلى طعامه: أي كيف قدر ودبر له.
حبا وعنبا: أي الحب الحنطة والشعير والعنب هو المعروف.
وقضبا: أي القت والرطب وسمي قضبا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد مرة.
وحدائق غلبا: أي كثيرة الأشجار والواحدة غلباء كحمراء كثيفة الشجر.
وفاكهة وأبا: أي ما يتفكه به من سائر الفواكه والأب التبن وما ترعاه البهائم.
متاعا لكم ولأنعامكم: أي ما تقدم ذكره منفعة لكم ولأنعامكم التي هي الإبل والبقر والغنم.
стр. 3220
معنى الآيات:
بعدما عاتب الرب رسوله على انشغاله بأولئك الكفرة المشركين وأعراضه عن ابن أم مكتوم الأعمى فكان أولئك المشركون هم السبب في إعراض الرسول ﷺ عن ابن أم مكتوم وفي عتاب الله تعالى لرسوله ﷺ فاستجوبوا لذلك لعنة الله تعالى عليهم لكفرهم وكبريائهم جرد الله تعالى شخصا منهم غير معلوم والمراد كل كافر متكبر مثلهم فقال ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ أي الكافر ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ أي ما حمله على الكفر والكبر. فلينظر ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ربه الذي يكفر به؟ إنه خلقه من نطفة قذرة ﴿خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي أطوارا نطفة فعلقة فمضغة. أمن كان هذا حاله يليق به أن يكفر ويتكبر ويستغني عن الله؟ فلينظر إلى مبدئه ومنتهاه وما بينهما مبدأه نطفة مذرة وأخره جيفة قذرة. وهو بينهما حامل عذرة. كيف يكفر وكيف يتكبر؟ وقوله تعالى ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ فلولا أن الله تعالى يسر له الخروج من بطن أمه والله ما خرج. ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ﴾ بدون استشارته ولا أخذ رأيه ﴿فَأَقْبَرَهُ١﴾ هيأ له من يقبره وإلا لأنتن وتعفن وأكلته الكلاب، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ٢﴾ ﴿كَلاَّ٣﴾ . أما يصحو هذا المغرور أما يفيق هذا المخدوع. ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ فما له لا يقضي ما أمره ربه من الإيمان به وطاعته ﴿َلْيَنْظُرِ الْإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ٤﴾ الذي حياته متوقفة عليه كيف يتم له بتقدير الله تعالى وتدبيره لعله يذكر فيشكر ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً﴾ كالبر والشعير والذرة وسائر الحبوب المقتاتة وعنبا يأكله رطبا ويابسا ﴿وَقَضْباً﴾ وهو القت الرطب يقضب أي يقطع مرة بعد مرة وهو علف البهائم، ﴿وَزَيْتُوناً﴾ يأكله حبا ويدهن به زيتا ﴿وَنَخْلاً﴾ يأكله ثمرة بسرا ورطبا وتمرا ﴿وَحَدَائِقَ غُلْباً﴾ أي بساتين ملتفة الأشجار كثيرتها الواحدة غلباء٥ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ الفاكهة لكم والأب علف لدوابكم ﴿مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي هذه المذكورات بعضها متاعا لكم أي منافع تتمتعون بها وبعضها لأنعامكم وهو القضب والأب منفعة لها تعيش عليها فبأي وجه تكفر ربك يا أيها الإنسان الكافر؟.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي مقتضية للإيمان به وبآياته ورسوله ولقائه.
стр. 3221
٢- الاستدلال بالصنعة على الصانع. وأن أثر الشيء يدل عليه، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله.
٣- بيان أن الإنسان لا يزال مقصراً في شكر ربه ولو صام الدهر كله وصلى في كل لحظة من لحظاته.
فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
شرح الكلمات:
فإذا جاءت الصاخة: أي النفخة الثانية.
وصاحبته: أي زوجته.
شأن يغنيه: أي حال تشغله عن شأن غيره.
مسفرة: أي مضيئة.
عليها غبرة: أي غبار.
ترهقها قترة: أي ظلمة من سواد ومعنى ترهقها تغشاها
الكفرة الفجرة: أي الجامعون بين الكفر والفجور.
معنى الآيات:
بعدما يبين تعالى بداية أمر الإنسان في حياته ومعاشه فيها ذكر تعالى معاده ومآله فيها فقال عز من قائل ﴿فَإِذَا جَاءَتِ١ الصَّاخَّةُ﴾ وهي القيامة ولعل تسميتها بهذا الاسم الصاخة نظرا إلى نفخة الصور التي تصخ الأذن أي تصمها بمعنى تصيبها بالصمم لشدتها. وهي النفخة الثانية وقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ٢ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ أي زوجته ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهؤلاء أقرب الناس إليه
стр. 3222
ومع هذا يفر عنهم أي يهرب خشية أن يطالبوه بحق لهم عليه فيؤخذ به. وقوله تعالى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ١هُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْن﴾ أي حال وأمر ﴿ٌ يُغْنِيهِ﴾ عن السؤال عن غيره ولو كان أقرب قريب إليه. هنا ورد أن أم المؤمنين عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ قائلة يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال حفاة عراة, ثم انتظرت ساعة فقالت يانبي الله كيف يحشر النساء؟ قال كذلك حفاة عراة قالت واسوأتاه من يوم القيامة: قال وعن ذلك تسألين إنه قد نزلت علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أم لا قالت أي آية هي يانبي الله قال ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . وقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَ٢ةٌ﴾ أي مضيئة مشرقة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وهي وجوه المؤمنين والمؤمنات أهل التقوى وجوههم حسنة مشرقة بالأنوار مستبشرون بالقدوم على ربهم والنزول بجواره الكريم. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي تقوم القيامة ويحشر الناس لفصل القضاء ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي غبار ﴿تَرْهَقُهَا﴾ أي تغشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ . أي ظلمة وسواد ﴿أولئك﴾ أي الذين عليهم الغبرة وتغشاهم القترة ﴿هم الْكَفَرَةُ﴾ في الدنيا ﴿الْفَجَرَةُ﴾ فيها الذين عاشوا على الكفر والفجور وماتوا على ذلك والفجور هو الخروج عن طاعة الله تعالى بترك الواجبات وغشيان المحرمات كالربا والزنا وسفك الدماء.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١-بيان شدة الهول يوم القيامة يدل على فرار المرء من أقربائه.
٢-خطر التبعات على العبد يوم القيامة وهي الحقوق التي يطالب بها العبد يوم القيامة.
٣-شدة الهول والفزع تنسي المرء يوم القيامة أن ينظر إلى عورة أحد من أهل الموقف.
٤-ثمرة الإيمان والتقوى تظهر في الموقف نورا على الوجه وإشراقا له وإضاءة وثمرة الكفر والفجور تظهر ظلمة وسوادا على الوجه وغبارا.
٥-تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض صورة من صورها.
стр. 3223
سورة التكوير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مكية وآياتها تسع وعشرون آية
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (ا٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)
شرح الكلمات:
إذا: أي ظرف لما ذكر بعد من المواضع الأثنى عشر, وجوابها علمت نفس
ما أحضرت.
كورت: أي لفت وذهب بنورها.
انكدرت: أي انقضت وتساقطت على الأرض.
سيرت: ذهب بها على وجه الأرض فصارت هباء منبثا.
وإذا العشار: أي النوق الحوامل.
عطلت: أي تركت بلا راع أو بلا حلب لما دهاهم من الأمر.
الوحوش حشرت: أي جمعت وماتت.
وإذا البحار سجرت: أي أوقدت فصارت نارا.
وإذا النفوس زوجت: أي قرنت بأجسادها ثم بقرنائها وأمثالها في الخير والشر.
وإذا الموءودة: أي البنت تدفن حية خوف العار أو الحاجة.
سئلت: أي تبكيتا لقاتلها.
بأي ذنب قتلت: أي بأي ذنب.
وإذا الصحف نشرت: أي صحف الأعمال فتحت وبسطت.
стр. 3224
وإذا السماء كشطت: أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة.
وإذا الجحيم سعرت: أي نار أججت.
وإذا الجنة أزلفت: أي قربت لأهلها ليدخلوها.
علمت نفس ما أحضرت: أي كل نفس وقت هذه المذكورات ما أحضرت من خير وشر.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى قوله ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ إشتمل على إثنى عشر حدثا جلالا, ستة أحداث منها في الدنيا وستة في الآخرة وكلها معتبرة شرطا لجواب واحد وهو قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت أي من خير وشر لتجزى به والسياق كله في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي انكرها العرب المشركون وبالغوا في إنكارها مبالغة شديدة وكونها عليها مدار إصلاح الفرد والجماعة وأنه بدونها لا يتم إصلاح ولا تهذيب ولا تطهير عني القرآن بها عناية فائقة ويدل لذلك أن فواتح السور والصافات والذاريات والطور والمرسلات والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والبروج والفجر كل هذه بما فيها من إقسامات عظيمة هي لتقرير عقيدة البعث والجزاء. وهذه الأحداث الستة التي تقع في الدنيا وهي مباديء الآخرة:
١- تكوير١ الشمس بلفها وذهاب ضوئها.
٢- إنكدار٢ النجوم بانقضائها وسقوطها على الأرض.
٣- تسيير الجبال بذهابها عن وجه الأرض واستحالتها إلى هباء يتطاير.
٤- تعطيل العشار
٣ وهي النوق الحوامل فلا تحلب ولا تركب ولا ترعى لما أصاب أهلها من الهول والفزع وكانت أفضل أموالهم وأحبها إلى نفوسهم.
٥- حشر الوحوش وموتها وهي دواب البر قاطبة.
٦- تسجير٤ البحار باشتعالها نارا.
وهذه الأحداث الستة التي تقع في الآخرة:
стр. 3225
١- تزويج النفوس وهو قرنها بأجسادها بعد خلق الأجساد لها, وبعد ذلك بأمثالها في الخير والشر.
٢- سؤال الموءودة عن١ذنبها التي قتلت به.
٣- نشر صحف الأعمال وفتحها وبسطها.
٤- كشط السماء٢ أي نزعها من أماكنها نزع الجلد عن الشاة عند سلخها.
٥- تسعير النار أي تأجيجها وتقويتها.
٦- إزلاف الجنة وتقريبها لأهلها أهل الإيمان والتقوى.
وجوب هذه الأحداث التي وقعت شرطا لحرف (إذا) هو قوله تعالى علمت نفس٣ ما أحضرت من حسنات فتصير بها إلى الجنة, أو سيئات فتصير بها إلى النار. الهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- بيان مفصل عن مبادىء القيامة, وخواتيمها وفي حديث الترمذي الحسن الذي قال فيه رسول الله ﷺ من سره أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انشقت.
٣- الترغيب في الإيمان والعمل الصالح إذ بهما المصير إلى الجنة.
٤- الترهيب من الشرك والمعاصي إذ بهما المصير إلى النار.
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ