← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

٢- الاستدلال بالصنعة على الصانع. وأن أثر الشيء يدل عليه، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله. ٣- بيان أن الإنسان لا يزال مقصراً في شكر ربه ولو صام الدهر كله وصلى في كل لحظة من لحظاته. فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) شرح الكلمات: فإذا جاءت الصاخة: أي النفخة الثانية. وصاحبته: أي زوجته. شأن يغنيه: أي حال تشغله عن شأن غيره. مسفرة: أي مضيئة. عليها غبرة: أي غبار. ترهقها قترة: أي ظلمة من سواد ومعنى ترهقها تغشاها الكفرة الفجرة: أي الجامعون بين الكفر والفجور. معنى الآيات: بعدما يبين تعالى بداية أمر الإنسان في حياته ومعاشه فيها ذكر تعالى معاده ومآله فيها فقال عز من قائل ﴿فَإِذَا جَاءَتِ١ الصَّاخَّةُ﴾ وهي القيامة ولعل تسميتها بهذا الاسم الصاخة نظرا إلى نفخة الصور التي تصخ الأذن أي تصمها بمعنى تصيبها بالصمم لشدتها. وهي النفخة الثانية وقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ٢ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ﴾ أي زوجته ﴿وَبَنِيهِ﴾ وهؤلاء أقرب الناس إليه

стр. 3222

ومع هذا يفر عنهم أي يهرب خشية أن يطالبوه بحق لهم عليه فيؤخذ به. وقوله تعالى ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ١هُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْن﴾ أي حال وأمر ﴿ٌ يُغْنِيهِ﴾ عن السؤال عن غيره ولو كان أقرب قريب إليه. هنا ورد أن أم المؤمنين عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ قائلة يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال حفاة عراة, ثم انتظرت ساعة فقالت يانبي الله كيف يحشر النساء؟ قال كذلك حفاة عراة قالت واسوأتاه من يوم القيامة: قال وعن ذلك تسألين إنه قد نزلت علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أم لا قالت أي آية هي يانبي الله قال ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . وقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَ٢ةٌ﴾ أي مضيئة مشرقة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وهي وجوه المؤمنين والمؤمنات أهل التقوى وجوههم حسنة مشرقة بالأنوار مستبشرون بالقدوم على ربهم والنزول بجواره الكريم. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أي تقوم القيامة ويحشر الناس لفصل القضاء ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي غبار ﴿تَرْهَقُهَا﴾ أي تغشاها ﴿قَتَرَةٌ﴾ . أي ظلمة وسواد ﴿أولئك﴾ أي الذين عليهم الغبرة وتغشاهم القترة ﴿هم الْكَفَرَةُ﴾ في الدنيا ﴿الْفَجَرَةُ﴾ فيها الذين عاشوا على الكفر والفجور وماتوا على ذلك والفجور هو الخروج عن طاعة الله تعالى بترك الواجبات وغشيان المحرمات كالربا والزنا وسفك الدماء. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-بيان شدة الهول يوم القيامة يدل على فرار المرء من أقربائه. ٢-خطر التبعات على العبد يوم القيامة وهي الحقوق التي يطالب بها العبد يوم القيامة. ٣-شدة الهول والفزع تنسي المرء يوم القيامة أن ينظر إلى عورة أحد من أهل الموقف. ٤-ثمرة الإيمان والتقوى تظهر في الموقف نورا على الوجه وإشراقا له وإضاءة وثمرة الكفر والفجور تظهر ظلمة وسوادا على الوجه وغبارا. ٥-تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض صورة من صورها.

стр. 3223

سورة التكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مكية وآياتها تسع وعشرون آية إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (ا٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) شرح الكلمات: إذا: أي ظرف لما ذكر بعد من المواضع الأثنى عشر, وجوابها علمت نفس ما أحضرت. كورت: أي لفت وذهب بنورها. انكدرت: أي انقضت وتساقطت على الأرض. سيرت: ذهب بها على وجه الأرض فصارت هباء منبثا. وإذا العشار: أي النوق الحوامل. عطلت: أي تركت بلا راع أو بلا حلب لما دهاهم من الأمر. الوحوش حشرت: أي جمعت وماتت. وإذا البحار سجرت: أي أوقدت فصارت نارا. وإذا النفوس زوجت: أي قرنت بأجسادها ثم بقرنائها وأمثالها في الخير والشر. وإذا الموءودة: أي البنت تدفن حية خوف العار أو الحاجة. سئلت: أي تبكيتا لقاتلها. بأي ذنب قتلت: أي بأي ذنب. وإذا الصحف نشرت: أي صحف الأعمال فتحت وبسطت.

стр. 3224

وإذا السماء كشطت: أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة. وإذا الجحيم سعرت: أي نار أججت. وإذا الجنة أزلفت: أي قربت لأهلها ليدخلوها. علمت نفس ما أحضرت: أي كل نفس وقت هذه المذكورات ما أحضرت من خير وشر. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى قوله ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ إشتمل على إثنى عشر حدثا جلالا, ستة أحداث منها في الدنيا وستة في الآخرة وكلها معتبرة شرطا لجواب واحد وهو قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت أي من خير وشر لتجزى به والسياق كله في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي انكرها العرب المشركون وبالغوا في إنكارها مبالغة شديدة وكونها عليها مدار إصلاح الفرد والجماعة وأنه بدونها لا يتم إصلاح ولا تهذيب ولا تطهير عني القرآن بها عناية فائقة ويدل لذلك أن فواتح السور والصافات والذاريات والطور والمرسلات والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والبروج والفجر كل هذه بما فيها من إقسامات عظيمة هي لتقرير عقيدة البعث والجزاء. وهذه الأحداث الستة التي تقع في الدنيا وهي مباديء الآخرة: ١- تكوير١ الشمس بلفها وذهاب ضوئها. ٢- إنكدار٢ النجوم بانقضائها وسقوطها على الأرض. ٣- تسيير الجبال بذهابها عن وجه الأرض واستحالتها إلى هباء يتطاير. ٤- تعطيل العشار ٣ وهي النوق الحوامل فلا تحلب ولا تركب ولا ترعى لما أصاب أهلها من الهول والفزع وكانت أفضل أموالهم وأحبها إلى نفوسهم. ٥- حشر الوحوش وموتها وهي دواب البر قاطبة. ٦- تسجير٤ البحار باشتعالها نارا. وهذه الأحداث الستة التي تقع في الآخرة:

стр. 3225

١- تزويج النفوس وهو قرنها بأجسادها بعد خلق الأجساد لها, وبعد ذلك بأمثالها في الخير والشر. ٢- سؤال الموءودة عن١ذنبها التي قتلت به. ٣- نشر صحف الأعمال وفتحها وبسطها. ٤- كشط السماء٢ أي نزعها من أماكنها نزع الجلد عن الشاة عند سلخها. ٥- تسعير النار أي تأجيجها وتقويتها. ٦- إزلاف الجنة وتقريبها لأهلها أهل الإيمان والتقوى. وجوب هذه الأحداث التي وقعت شرطا لحرف (إذا) هو قوله تعالى علمت نفس٣ ما أحضرت من حسنات فتصير بها إلى الجنة, أو سيئات فتصير بها إلى النار. الهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- بيان مفصل عن مبادىء القيامة, وخواتيمها وفي حديث الترمذي الحسن الذي قال فيه رسول الله ﷺ من سره أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انشقت. ٣- الترغيب في الإيمان والعمل الصالح إذ بهما المصير إلى الجنة. ٤- الترهيب من الشرك والمعاصي إذ بهما المصير إلى النار. فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ

стр. 3226

(٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) شرح الكلمات: الخنس: أي التي تخنس بالنهار أي تختفي وتظهر بالليل. الجوار الكنس: أي التي تجري أحيانا وتكنس في مكانسها أحيانا أخرى والمكانس محل إيوائها كمكانس بقر الوحش وهي الدرارى الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. إذا عسعس: أي أقبل وأدبر لأن عسعس من أسماء الأضداد. تنفس: أي امتد حتى يصير نهاراً بيناً. إنه: أي القرآن. لقول رسول كريم: أي جبريل كريم على الله تعالى وأضيف إليه القرآن لنزوله به. ذي قوة: أي شديد القوى. عند ذي العرش مكين: أي عند الله تعالى ذّي مكانة. مطاع ثم أمين: أي مطاع في السماء تطيعه الملائكة أمين على الوحي. وما صاحبكم بمجنون: أي محمد ﷺ أي ليس به جنون. ولقد رآه بالأفق المبين: أي ولقد رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلق عليها بالأفق الأعلى البين من ناحية المشرق. وما هو على الغيب: أي وما محمد ﷺ على الغيب وهو ما غاب من الوحي وخبر السماء. بضنين: أي ببخيل وفي قراءة بالظاء أي بمتهم فينقص منه ولا يعطيه كله. وما هو بقول شيطان رجيم: أي وليس القرآن بقول شيطان مسترق للسمع. فأين تذهبون: أي فأي طريق تسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه. ما هو إلا ذكر للعالمين: أي ما القرآن إلا موعظة للجن والإنس. أن يستقيم: أي يتحرى الحق ويعتقده ويعمل بمقتضاه. وما تشاءون إلا أن يشاء الله: أي ومن شاء الاستقامة منكم فإنه لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله قبله إذ لو لم يشأها الله ما أشاءها عبده

стр. 3227

معنى الآيات: لما قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء بوصف كامل لأحداثها وكان الوصف من طريق الوحي فافتقر الموضوع إلى صحة الوحي والإيمان به فإذا صح الوحي وآمن به العبد آمن بصحة البعث والجزاء. ومن هنا أقسم تعالى بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد ﷺ وما يقوله محمد ﷺ هو كلام الله ووحيه وليس هو بمجنون يقول ما لا يدري ويهذر بما لا يعني ولا هو بقول شيطان رجيم ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى إخوانهم من الكهان بل هو كلام الله صدقا وحقاً وما يخبر به كما يخبر صدق وحق فقال تعالى ﴿فَلا﴾ أي ليس١ الأمر كما تدعون بأن ما يقوله رسولنا هو من جنس ما تقوله الكهنة. ولا مما يقوله الشعراء، ولا هو بكلام مجانين. ولا هو سحر الساحرين أقسم بالخنس الجوار الكنس أي بكل ما يكنس ويجري ويكنس من الظباء وبقر الوحش والكواكب والدراري الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. والمراد من الخنوس الاختفاء والكنوس إيواءها إلى مكانسها مواضع٢ إيوائها. وقوله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَْ﴾ أي أقسم بالليل إذا أقبل أو أدبر إذ لفظ عسعس بمعنى أقبل وأدبر فهو لفظ مشترك بين الإقبال والإدبار ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي امتد ضوءه فصار نهاراً بيناً أقسم بكل هذه المذكورات على أن القرآن الذي يصف لكم البعث والجزاء حق الوصف هو قول رسول كريم أي جبريل الكريم على ربه ذي قوة لا يقادر قدرها فلا يقدر إنس ولا جن على انتزاع ما عنده من الوحي ولا على زيادة فيه أو نقص منه. عند ذي العرش مكين أي ذي مكانة محترمة مطاع في السماوات أمين على الوحي هذا أولاً وثانياً والله وما صاحبكم محمد ﷺ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كما تقولون ﴿وَلَقَدْ رَآه﴾ أي رأى محمد ﷺ جبريل بالأفق المبين رآه على صورته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح رآه بالأفق ناحية الشرق وقد سد الأفق كله، والأفق بين والنهار طالع. ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي محمد ﷺ ﴿عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ٣ أي بمظنون فيه التهمة بأن يزيد فيه أو ينقص منه أو يبدل فيه أو يغير كما هو ليس ببخيل فيظن فيه أنه يكتم منه شيئاً أو يخفيه بخلاً به أو ينقص منه شحاً به وبخلاً. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى أوليائهم من الإنس فيخلطون فيه ويكذبون. وقوله تعالى:

стр. 3228

﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد ﷺ واتهامه بالسحر، والقرآن بالشعر والكهانة والأساطير. وقوله إن هو إلا ذكر للعالمين أي ما القرآن إلا ذكر للعالمين من الإنس والجن يذكرون به خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم وماله عليهم من حق العبادة وواجب الشكر ويتعظون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائضه عليهم ولا بارتكاب ما حرمه عليهم وقوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقين على منهاج الحق فيتحرى الحق أولا ويؤمن به ويعمل بمقتضاه ثانيا. ولما سمع أبو جهل هذه الآية ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم. أنزل تعالى قوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فاكبت اللعين فاعلم أن من شاء الاستقامة من العالمين لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله تعالى ولو لم يشأها الله تعالى والله ما شاءها العبد أبدا إذ مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد. وفي كل ما يشاؤه الإنسان فإن مشيئة الله سابقة لمشيئته لأن الإنسان عبد والله رب والرب لا مشيئة تسبق مشيئته. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- مشروعية الإقسام بالله تعالى وأسمائه وصفاته. ٢- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية. ٣- بيان صفات جبريل الكمالية الأمانة، القوة، علو المكانة، الطاعة، الكرم. ٤- براءة الرسول مما اتهمه به المشركون. ٥- بيان أن مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد. فلا يقع في ملك الله تعالى إلا ما يريد.

стр. 3229

سورة الانفطار مكية وآياتها تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ

стр. 3230

وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١ ٠) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَاماً كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) شرح الكلمات: إذا السماء انفطرت: أي انشقت. وإذا الكواكب انتثرت: أي تساقطت. وإذا البحار فجرت: أي اختلطت ببعضها وأصبحت بحراً واحداً الملح والعذب سواء. وإذا القبور بعثرت: قلب ترابها وبعث موتاها. علمت نفس ما قدمت: أي من الأعمال وما لأخرت منها فلم تعمله وذلك عند قراءتها كتاب أعمالها. ما غرك بربك: أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه. الذي خلقك: أي بعد أن لم تكن. فسواك: أي جعلك مستوى الخلقة سالم الأعضاء. فعدلك: أي جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء ليست يد أطول أو رجل أطول من الأخرى. كلا بل تكذبون بالدين: ليس الكرم هو الذي غره وإنما جرأه على المعاصي تكذيبه بالدين الذي هو الجزاء بعد البعث حياً من قبره. وإن عليكم لحافظين كراما: أي وإن عليكم لملائكة كراما على الله تعالى حافظين لأعمالكم. كاتبين: أي لها أي لأعمالكم خيرها وشرها حسنها وقبيحها. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿إِذَا١ السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ٢ أي انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي انفضت وتساقطت ﴿وَإِذَا

стр. 3231

الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي أختلط ماؤها بعضه ببعض ملحها بعذبها لانكسار ذلك الحاجز الذي كان يفصلهما عن بعضهما لزلزلة الأرض إيذاناً بخراب العالم، ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ١ قلبت وأخرج ما فيها من الأموات، إذا حصلت هذه الأحداث الأربعة ثلاثة منها في الدنيا وهي انفطار السماء وانتثار الكواكب وتفجر البحار وهذه تتم بالنفخة الأولى والرابع هو بعثرة القبور يتم في الآخرة بعد النفخة الثانية، وعندها تعلم نفس ما قدمت وما أخرت وهذا جواب إذا في أول الآيات. ومعنى ﴿عَلِمَتْ٢ نَفْسٌ﴾ أي كل نفس مكلفة ما قدمت من أعمال حسنة وسيئة، وما أخرت من أعمال لحقتها بعدها وذلك ما سنته سنن الهدى أو سنن الضلال، لحديث من سن سنة حسنة فله أجرها وأجرمن عمل بها ولا من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عملها لا ينقص من أوزارهم شيء، وهذا العلم يحصل للنفس أولاً مجملا وذلك عند ابيضاض الوجوه واسودادها، ويحصل لها مفصلا عندما تقرأ كتاب أعمالها. وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ٣ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ يخاطب تعالى الإنسان الكافر والفاجر ليسأله موبخا إياه مقرعا مؤنبا بقوله ما غرك أي أي شيء خدعك وجرأك على الكفر بربك الكريم وعصيانه بالفسق عن أمره والخروج عن طاعته. وهو القادر على مؤاخذتك والضرب على يديك ساعة ما كفرت به أو عصيته أليس هو الذي خلقك فسوى خلقك وعدل٤ أعضاءك وناسب بين أجزائك في أي صورة ما شاء ركبك إن شاء بيضك أو سودك طولك أو قصرك جعلك ذكراً أو أنثى إنساناً أو حيوانا قرداً أو خنزيراً هل هناك من يصرفه عما أراد لك والجواب لا أحد إذاً كيف يسوغ لك الكفر به وعصيانه والخروج عن طاعته وبعد هذا التوبيخ والتأنيب قال تعالى ﴿كَلَّا﴾ أي ما غرك كرم٥ الله ولا حلمه ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي بالبعث والجزاء في الدار الآخرة هو الذي جرأكم على الكفر والظلم والإجرام وما علمتم والله إن عليكم لحافظين يحفظون عليكم أعمالكم ويحصونها لكم ويكتبونها في صحائفكم. يعلمون ما

стр. 3232

تفعلون في السر والعلن وسوف تفاجأون يوم تعلم نفس ما قدمت وأخرت بصحائف أعمالكم وقد حوت كل أعمالكم لم تغادر صغيرة ولا كبيرة ويتم الجزاء بموجبها. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-بيان أحداث تسبق يوم البعث وذلك في نفخة الفناء وأما النفخة الثانية وهي نفخة البعث حيث تجمع الخلائق ويجري الحساب فتعطى الصحف وتوزن الأعمال وينصب الصراط، ثم إلى جنة أو إلى نار. ٢- التحذير من السنة السيئة يتركها المرء بعده فإن أوزارها تكتب عليه وهو في قبره. ٣- التحذير من الغرور والانخداع بعامل الشيطان من الإنس والجن. ٤- التحذير من التكذيب بالبعث والجزاء فإنه أكبر عامل من عوامل الشر والفساد في الدنيا وأكبر موجب للعذاب يوم القيامة. ٥-تقرير عقيدة كتابة الأعمال حسنها وسيئها والحساب بمقتضاها يوم القيامة بواسطة ملكين كريمين على كل إنسان مكلف لحديث الصحيح يتعاقبون فيكم الملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث. إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) شرح الكلمات: إن الأبرار: أي المؤمنين المتقين الصادقين. وإن الفجار: أي الكافرين والخارجين عن طاعة الله ورسوله. يصلونها يوم الدين: أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء وهو يوم القيامة. وما هم عنها بغائبين: أي بمخرجين. ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ : أي أي شيء جعلك تدري لولا أنا علمناك. لا تملك نفس لنفس شيئا: أي من المنفعة وإن قلت.

стр. 3233

والأمر يومئذ لله: أي لا لغيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه. معنى الآيات: تقدم أن العرض على الله حق وأن المجازاة تكون بحسب الأعمال التي عملها المرء، وأنها محفوظة محصاة عليه بواسطة ملائكة كرام. وأن الناس يومئذ كما هم اليوم مؤمن بار وكافر فاجر. بين تعالى جزاء الكل مقروناً بعلة الحكم فقال ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي١ نَعِيمٍ﴾ أي في الجنة دار السلام وذلك لبرورهم وهو طاعتهم لله في صدق كامل ﴿إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي نار ذات جحيم وذلك لفجورهم وهو كفرهم وخروجهم عن طاعة ربهم. وقوله ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ ٢ أي يدخلونها ويقاسون حرها ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي يوم الجزاء الذي كفروا به فأدى بهم إلى الفجور وارتكاب عظائم الذنوب. وقوله ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ ٣ أي إذا دخلوها لا يخرجون منها. وقوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي وما يعلمك يا رسولنا ما يوم الدين إنه يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين هكذا يخبر تعالى عن عظم شأن هذا اليوم. ويؤكد ذلك فيقول ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ويكشف عن بعض جوانب الخطورة بقوله ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ من المنفعة حيث يكون الأمر كله فيه لله وحده ولا تنفع فيه الشفاعة إلا بإذنه وما للظالمين فيه من شفيع ولا حميم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان حكم الله في أهل الموقف إذ هم ما بين بار صادق فهو في نعيم وفاجر كافر فهو في جحيم. ٢- بيان عظم شأن يوم الدين وأنه يوم عظيم. ٣- بيان أن الناس في يوم الدين لا تنفعهم شفاعة ولا خلة إذ لا يشفع أحد إلا بإذن الله والكافرون هم الظالمون، وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع.

стр. 3234

سورة المطففين مدنية الأوائل مكية الأواخر وآياتها ست وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) شرح الكلمات: ويل: كلمة عذاب، وواد في جهنم. للمطففين: المنقصين في كيل أو وزن الباخسين فيهما. إذا اكتالوا على الناس: أي من الناس. يستوفون: الكيل. وإذا كالوهم: أي كالوا لهم. أو وزنوهم: أوزنوا لهم. يخسرون: أي ينقصون الكيل أو الوزن. ألا: استفهام توبيخي انكاري. يظن: أي يتيقن. ليوم عظيم: أي يوم القيامة لما فيه من أهوال وعظائم الأمور. يوم يقوم الناس: أي من قبورهم. لرب العالمين: أي يقومون خاشعين ذليلين ينظرون حكم الله فيهم. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿ويل للمطففين١﴾ هذه الآيات الأولى من سورة المطففين قال أحد الأنصار ﵁ كنا أسوأ الناس كيلا٢، حتى إنه ليكون لأحدنا مكيالان مكيال يشتري به وآخر يبيع به، وما إن

стр. 3235

نزلت فينا ويل للمطففين حتى أصبحنا أحسن كيلا ووزنا. وصدق هذا الصاحب الجليل فوالله لقد نزلت المدينة مهاجرا عام ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف فوجدتهم على ما كانوا عليه ولقد كنت أشفق عليهم إذا كالوا لي أو وزنوا لي. فقوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ١ يتوعد بواد في جهنم بسيل صديد أهل النار الذين يبخسون الناس الكيل والميزان أي ينقصوهم ويبينهم تعالى بقوله ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي اشتروا منهم يأخذون كيلهم وافياً وكذا إذا وزنوا وإذا وزنوا وإذا كالوهم أي كالوا لهم٢ أو وزنوا لهم يخسرون أي ينقصون. قال تعالى وبخاً لهم منكراً ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ المطففون٣ ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ من قبورهم ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم الدين والجزاء والحساب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خاشعين ذليلين ينتظرون حكمه فيهم، ويطول بهم الموقف المائة سنة وأكثر وإن أحدهم ليلجمه العرق إلجاماً ومنهم من يصل العرق إلى نصف أذنيه والروايات في هذا كثيرة وصحيحة. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- حرمة٤ التطفيف في الكيل والوزن وهو أن يأخذ زائداً ولو قل أو ينقص عامداً شيئاً ولو قل. ٢- التذكير بالبعث والجزاء وتقريرهما. ٣- عظم يوم القامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحكم بينهم ويجزي كلا بعمله خيرا أو شرا. كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)

стр. 3236

وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) شرح الكلمات: كلا: أي حقا وأن الأمر ليس كما يظن المطففون. لفي سجين: سجين علم على كتاب ديوان الشر دون فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة وهو أيضا موضع في أسفل الأرض السابعة فيه سجين الذي هو ديوان الكتب وبه أرواح الأشقياء عامة. كتاب مرقوم: أي مسطور بين الكتابة فيه أعمالهم. يوم الدين: أي يوم القيامة الذي هو يوم الحساب والجزاء. كل معتد: أي ظالم مضيع حقوق ربه تعالى وحقوق غيره. أثيم: منغمس في الآثام مكثر منها. أساطير الأولين: أي ما سطره الأولون من القصص والأخبار التي لا تصح. معنى الآيات: ما زال السياق في التحذير من الظلم والفسق عن أوامر الرب ﵎ وقوله تعالى ﴿كَلَّا١﴾ أي ليس الأمر كما يظن المطففون والباخسون للحقوق أنه لا دقة في الحساب والجزاء أو أن مثل هذا لا يكتب ولا يحاسب عليه ولا يجزى به حقاً ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ أي الظلمة الفاجرين عن الشرع وحدوده ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ موضع في أسفل الخلق به أرواح الكافرين والظالمين وكتب أعمالهم، وقوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ٢﴾ أي وما أعلمك يا رسولنا ما سجين تفخيم لشأنه. وقوله ﴿كِتَابٌ٣ مَرْقُومٌ﴾ بيان لكتاب الفجار أي أنه مكتوب مسطور أي بين الكتابة, ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي العذاب الأليم بوادي الويل يوم القيامة للمكذبين بالله وآياته ولقائه المكذبين بيوم الجزاء والحساب وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ٤﴾ يريد ومل يكذب بقيوم الجزاء والحساب إلا كل معتد ظالم متجاوز للحد أثيم مرتكب للذنوب والآثام بفسقه عن أوامر ربه وخروجه عن طاعة الله بغشيانه

стр. 3237

المحارم وقوله ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَْْْ﴾ هذا بيان لذلك المعتدي الأثيم وهو أنه إذا قرئت عليه آيات الله تذكيراً له وتعليماً ردها بقوله أساطير الأوليين أي هذه حكايات وأخبار الأولين مسطرة مكتوبة وأنكر كتاب الله وكذب به. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان كتاب الفجار وأنه في سجين وسجين ديوان تدون فيه سائر كتب الفجار من أهل النار وموضع أسفل الأرض السابعة مستودع لكتب أعمال الفجار من كفار وفساق ولأرواحهم إلى يوم القيامة ولفظ سجين مشتق من السجن الذي هو الحبس. ٢- الوعيد الشديد للمكذبين بالله وبآياته ولقائه. كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) شرح الكلمات: ران على قلوبهم: أي غطى قلوبهم وحجبها عن قبول الحق. ما كانوا يكسبون: أي من الذنوب والآثام. لمحجوبون: أي يحال بينهم وبين رؤية الرب إلى يوم القيامة. لصالوا الجحيم: أي لداخلوها ومحرقون معذبون بها. هذا الذي كنتم به تكذبون: أي يقال لهم توبيخا وخزيا لهم وهم في العذاب هذا الذي كنتم به تكذبون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في التنديد بالاعتداء والمعتدين والإثم والآثمين فقال تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ١ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما الأمر كما يدعون من أن القرآن أساطير الأولين وإنما ران على قلوبهم أي غشاها وغطاها أثر الذنوب والجرائم فحجبها عن معرفة

стр. 3238

الحق١ وقبوله, وقوله ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي ردعاً لهم وزجراً عن أقوالهم الباطلة وأعمالهم الفاسدة إنهم عن ربهم لمحجوبون فلا يرونه ولا يرون كرامته ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي لداخلوها ومصطلون بحرها معذبون بأنواع العذاب فيها ثم يقال لهم توبيخاً وخزياً وتأنيباً ﴿هَذَا﴾ أي العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون حتى واصلتم كفركم وإجرامكم فحل بكم هذا الذي أنتم فيه الآن فذوقوا فلن تزدادوا إلا عذاباً. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- التحذير من مواصلة الذنوب وعدم التوبة منها حيث يؤدي ذلك بالعبد إلى أن يحرم التوبة ففي حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب صقل منها فإن عاد عادت حتى تعظم في قلبه فذلك الران الذي قال الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ٢- تقرير رؤية الله تعالى في الآخرة بدليل قوله إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون أي الأشقياء إذاً فالسعداء غير محجوبون فهم يرون ربهم ويشهد له قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. ٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء. كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيم (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)

стр. 3239

شرح الكلمات: كتاب الأبرار: أي كتاب أعمالهم والأبرار هم المطيعون لله ولرسوله الصادقون. لفي عليين: أي في موضع يسمى عليين في أعلى الجنة. كتاب مرقوم: أي كتاب مرقوم بأمان من الله إياه من النار يوم القيامة والفوز بالجنة. يشهده المقربون: أي يحضره المقربون من أهل كل سماء ويحفظونه لأنه يحمل أماناً لصاحبه من النار وفوزه بالجنة. إن الأبرار لفي نعيم: أي إن الذين بروا ربهم بطاعته بأداء الفرائض واجتناب النواهي لفي نعيم الجنة. على الأرائك: أي على الأسرة ذات الحجال. ينظرون: أي ما آتاهم ربهم من صنوف النعيم. تعرف في وجوههم نضرة النعيم: أي حسنه وبريقه وتلألؤه. من رحيق: أي من خمر صرف خالصة لا غش فيها ولا دنس. مختوم: أي مختوم على إنهائها لا يفك ختمه إلا هم. ختامه مسك: أي آخر شربها يفوح برائحة المسك. وفي ذلك: أي لا في غيره. فليتنافس المتنافسون: أي فليطلب بالطاعة والاستقامة الطالبون للنعيم المقيم. ومزاجه من تسنيم: أي ومزاج شرابهم من عين تجري من عال تسمى التسنيم. عينا يشرب بها المقربون: عينا هي التسنيم يشرب منها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى كتاب الفجار وما ختم له به ذكر كتاب الأبرار وما ختم له به فقال ﴿كَلَّا﴾ أي حقا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ وهو جمع برأ أو بار وهو المؤمن الذي بر ربه بطاعته في أداء فرائضه واجتناب نواهيه وكان صادقاً في ذلك كتاب أعمال هؤلاء الأبرار في عليين ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا رسولنا١ ﴿مَا عِلِّيُّونَ﴾ أنه موضع في أعلى٢ الجنان. وقوله ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ يريد كتاب الأبرار الموضوع في عليين كتاب مرقوم بأمان من الله لصاحبه من النار والفوز بالجنة ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون﴾ أي مقربو كل سماء يحضرونه ويحفظون له ويشهدون

стр. 3240

بما فيه من الأمان لصاحبه من النار والفوز بالجنة. وقوله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ ١ وأصحاب الكتب المودعة في عليين لفي نعيم يريد يوم القيامة والنعيم هو نعيم الجنة وهذا لون منه على الأرائك أي الأسرة ذات الحجال ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إنهم جالسون على الأرائك ينظرون٢ باستحسان وإعجاب ملكهم الكبير الذي ملكهم الله تعالى وقد يمتد مسافة ألفي سنة وينتهي إليه بصرهم ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي حسنه وبريقه وتلألؤه وقوله ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ أي من خمر هي الرحيق صافية لا دنس فيها ولا غش مختوم على أوانيها لا يفكها إلا هم. ختامه مسك آخر هذا الشراب٣ يفوح برائحة المسك الأذفر فهي طيبة الرائحة للغاية. وقوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ٤ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي وفي مثل هذا النعيم لا في غيره من حطام الدنيا وشرابها وملكها الزائل يجب أن يتنافس المتنافسون أي في طلبه بالإيمان وصالح الأعمال بعد البعد كل البعد عن الشرك وسيئي الأقوال وقبيح الأفعال. وقوله تعالى ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ, عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي إن ذلك الرحيق يمزج لأصحاب اليمين بماء عين تسمى التسنيم ويشربه المقربون صرفاً أي خالصاً بدون مزج من عين التسنيم وقوله ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ الباء بمعنى من أو ضمن يشرب معنى يتلذذ أي يلتذ بها وقد سبق في سورة الإنسان وقلت إنها لطيب شرابها تكاد تكون آلة للشرب فتكون الباء للآلة على بابها نحو شربت بالكأس. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الثناء على الأبرار وبيان ما أعد الله تعالى لهم وهم المؤمنون المتقون الصادقون في ذلك. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر ما يجري فيها. ٣- الترغيب في العمل الصالح للحصول على نعيم الجنة لقوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .

стр. 3241

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) شرح الكلمات: إن الذين أجرموا: أي على أنفسهم بالشرك والمعاصي كأبي جهل وأمية بن خلف وعتبة بن أبي معيط. من الذين آمنوا: أي كبلال وياسر وعمار وصهيب وخبيب. يتغامزون: أي يشيرون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم. فكهين: أي إذا رجعوا إلى ديارهم وأهليهم يرجعون نشاوى فرحين معجبين بحالهم. وإذا رأوهم: أي وإذا رأى أولئك الفكهون رأوا المؤمنين. قالوا إن هؤلاء لضالون: إن هؤلاء يعنون المؤمنين من أصحاب محمد ﷺ لضالون بترك دينهم واتخاذهم لدين محمد ﷺ الجديد. وما أرسلوا عليهم حافظين: أي ولم يكلفهم الله تعالى بحفظ أعمالهم ورعاية أحوالهم. وإنما هم متطفلون. فاليوم: أي يوم القيامة. من الكفار يضحكون: أي من أجل ما هم فيه من العذاب حيث يرونهم وهم على أرائكهم. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون: أي هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلون من الكفر والشر والفساد؟ والجواب نعم نعم نعم.

стр. 3242

معنى الآيات: بعدما بين تعالى حال الأبرار في دار الأبرار وذكر ما شاء الله أن يذكر من نعيمهم ترغيبا وتعليماً بعد أن ذكر في الآيات قبلها حال المجرمين وما أعد لهم من عذاب في دار العذاب. ذكر تعالى هنا في خاتمة السورة ما أوجب للمجرمين وهو النار, وما أوجب للمؤمنين وهو الجنة فذكر طرفا من سلوك المجرمين وآخر من سلوك المؤمنين فقال عز من قائل ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا١﴾ أي على أنفسهم أي أفسدوها بالشرك والشر والفساد كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي وغيرهم كانوا من الذين آمنوا كبلال وعمار وصهيب وخبيب وأضرابهم من فقراء المؤمنين ﴿يَضْحَكُونَ﴾ ٢ استهزاء بهم وسخرية. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ في شوارع مكة وحول المسجد الحرام ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يشيرون إليهم بالجفن والحاجب على عادة المتكبرين ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ أي رجعوا ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ في ديارهم ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ ٣ ناعمين معجبين بحالهم فرحين بما عندهم ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أي وإذا رأى أولئك المجرمون المؤمنين أشاروا إليهم وقالوا ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ بتركهم دينهم واعتناق دين محمد الجديد في نظرهم. قال تعالى ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ٤ حَافِظِينَ﴾ أي على أعمالهم وأحوالهم حتى يقولوا ما قالوا وإنما هم متطفلون يدعون ما ليس لهم كقبح سلوكهم وسوء فهومهم, قال تعالى ﴿فَالْيَوْمَ﴾ ٥ يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي من الكفار ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ أي الأسرة ذات الحجال ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إلى الكفار وهم في النار ويضحكون منهم وهم يعذبون ولا عجب في كيفية رؤيتهم لهم وهم في النار أسفل سافلين والمؤمنون في أعلى عليين إذ البث التلفزيوني اليوم قطع العجب وأبطله وقوله تعالى ﴿هَلْ ثُوِّبَ٦ الْكُفَّارُ﴾ أي هل جوزي الكفار على أفعالهم الإجرامية؟ والجواب معلوم مما تقدم إذ وصفت حالهم وبين عذابهم والعياذ بالله من عذابه وأليم عقابه.

стр. 3243

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- التنديد بالإجرام والمجرمين. ٢- بيان ما كان عليه المشركون في مكة إبان الدعوة وما لقيه المؤمنون منهم. ٣- بيان أن المؤمنين سيرون المشركين في الجحيم ويضحكون منهم وهم في نعيمهم والمشركون في جحيمهم. ٤- بيان إكرام الله لأوليائه, وإهانته تعالى لأعدائه.

стр. 3244

سورة الانشقاق مكية وآياتها خمس وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (١١) وَيَصْلَى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُور (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) شرح الكلمات: إذا السماء انشقت: أي بالغمام وهو سحاب أبيض رقيق وذلك لنزول الملائكة. وأذنت لربها: أي سمعت وأطاعت. وحقت: أي وحق لها أن تسمع أمر ربها وتطيعه. وإذا الأرض مدت: أي زيد في سعتها كما يمد الأديم أي الجلد إذ لم يبق عليها بناء ولا جبل.

стр. 3245

وألقت ما فيها وتخلت: أي ألقت ما فيها من الموتى ألقتهم أحياء إلى ظهرها وتخلت عنه أي عما كان في بطنها. إنك كادح: أي عامل كاسب للخير أو الشر. إلى ريك كدحا: أي إلى أن تلقى ربك وأنت تعمل وتكسب فليكن عملك مما يرضي عنك ربك. فملاقيه: أي ملاق ربك بعد موتك وبعملك خيره وشره. كتابه: أي كتاب عمله وذلك بعد البعث. وينقلب إلى أهله مسرورا: أي بعد الحساب اليسير يرجع إلى أهله في الجنة من الحور العين فرحا. وراء ظهره: أي يأخذ بشماله من وراء ظهره إهانة له. يدعو ثبورا: أي ينادي هلاكه قائلا واثبوراه واثبوراه أي هلاكه. ويصلى سعيرا: أي ويحرق بالنار حريقا وينضج انضاجة بعد أخرى على قراءة يصلى بالتضعيف. إنه ظن أن لن يحور: أي إنه كان في الدنيا يظن أنه لا يرجع إلى الحياة بعد الموت فلذا لم يعمل خيرا قط ولم يتورع عن ترك الشر قط لعدم إيمانه بالبعث. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ يخبر تعالى أنه إذا انشقت السماء أي تصدعت وتفطرت وذابت فصارت كالدهان ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي وسمعت١ لأمر ربها واستجابت فكانت كما أمرها الله أن تكون منشقة منفطرة حتى تكون كالمهل, ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ٢ مُدَّتْ﴾ من الأديم واتسعت رقعتها حيث زال منها الجبال والآكام والمباني والعمارات وأصبحت قاعا صفصفا ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ أي ما في بطنها من الأموات ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ عنه أي عما كان في بطنها ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ في ذلك كله أي سمعت وأجابت ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي وحق لها أن تسمع وتجيب وتطيع

стр. 3246

وجواب إذا الأولى والثانية واحد وهو ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ١﴾ أو ما أحضرت كما تقدم نظيره في التكوير والانفطار. وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْإنْسَانُ﴾ أي يا ابن آدم ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ٢ كَدْحاً﴾ أي أنك عامل تعمل يوميا ليل ونهار إلى أن تموت وتلقى ربك إنك لا تبرح تعمل لا محالة وتكسب بجوارحك الخير والشر إلى الموت حيث تنتقل إلى الدار الآخرة وتلقى ربك وتلاقيه هذا يشهد له قول الرسول ﷺ في الصحيح٣ " كلكم يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" إذا فمن الخير لك أيها الإنسان المكلف أن تعمل خيراً تلاقي به ربك فيرضى عنك به ويكرمك إنك حقا ملاق ربك بعملك فأنصح لك أن يكون عملك صالحا وانظر إلى الصورة التالية ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ لأنه حوى الخير ولا شر فيه ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً٤﴾ ينظر في كتابه ويقرر هل فعلت كذا فيعترف ويتجاوز عنه وينقلب إلى أهله في الجنة وهم الحور العين والنساء المؤمنات والذرية الصالحة يجمعهم الله ببعضهم كرامة لهم وهو قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ٥ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ﴿وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ أي كتاب أعماله ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ حيث تغل اليمنى مع عنقه وتخرج الشمال وراء ظهره ويعطى كتابه وراء ظهره ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ أي ينادي هلاكه قائلا واثبوراه واثبوراه أي يا هلاكه احضر فهذا أوان حضورك ﴿وَيَصْلَى٦ سَعِيراً﴾ أي ويدخل نار مستعرة شديدة الالتهاب ويصلى أيضا فيها تصلية أي ينضج فيها لحمه المرة بعد المرة وأبدا. والعياذ بالله وعلة ذلك وسببه هو ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ في الدنيا ﴿مَسْرُوراً﴾ لا يخاف الله ولا يرجوا الدار الآخرة يعمل ما يشاء ويترك ما يشاء ﴿إنه ظن أن لن٧ يحور﴾ أي أنه لا يرجع حيا بعد موته ولا يحاسب ولا يجزى هذه علة هلاكه وشقائه فاحذروها

стр. 3247

أيها الناس اليوم فآمنوا بربكم ولقائه واعملوا عملا ينجيكم من عذابه. وقوله تعالى ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ أي ليحورن وليبعثن وليحاسبن وليس كما يظن انه لا يبعث ولا يحاسب ولا يجزى بل لا بد من ذلك كله إن ربه تعالى كان به وبعمله بصيرا لا يخفى عليه من أمره شيء ونتيجة لذلك تم له هذا الحساب والعقاب بِأَمَرِّ العذاب وأَشَدِّه دخول النار وتصلية جحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء ببيان مقدماته في انقلاب الكون. ٢- بيان حتمية لقاء الإنسان ربه. ٣- كل إنسان مكلف بالعقل والبلوغ فهو عامل وكاسب لا محالة إلى أن يموت ويلقى ربه. ٤- أهل الإيمان والتقوى يحاسبون حساباً يسيراً وهو مجرد عرض لا غير ويفوزون أما من نوقش الحساب فقد هلك وعذب لأنه لا يملك حجة ولا عذرا. ٥- التنعم في الدنيا والانكباب على شهواتها وملاذها مع ترك الطاعات والصالحات ثمرة عدم الإيمان أو اليقين بالبعث والجزاء فَلا١ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) شرح الكلمات: بالشفق: أي بالحمرة في الأفق يعد غروب الشمس. وما وسق: أي دخل عليه من الدواب وغيرها. إذا اتسق: اجتمع وتم نوره وذلك في الليالي البيض.

стр. 3248

طبقا عن طبق: أي حالا بعد حال الموت، ثم الحياة، ثم ما بعدها من أحوال القيامة. فما لهم لا يؤمنون: أي أي مانع لهم من الإيمان بالله ورسوله ولقاء ربهم والحجج كثيرة تتلى عليهم. وإذ قرئ عليهم القرآن: أي تلي عليهم وسمعوه. لا يسجدون: أي لا يخضعون فيؤمنوا ويسلموا. بما يوعون: أي يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب. لهم أجر غير ممنون: أي غير مقطوع. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أي فليس الأمر كما تدعون من أنه لا بعث ولا جزاء أقسم بالشفق وهي حمرة١ الأفق بعد غروب الشمس والليل وما وسق أي وما جمع من كل ذي روح من سابح في الماء وطائر في السماء وسارح في الغبراء والقمر إذا اتسق أي اجتمع وتم نوره وذلك في الليالي البيض. وجواب القسم قوله تعالى ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ أي حالاً بعد٢ حال الموت ثم الحياة، ثم العرض، ثم الحساب، ثم الجزاء فهي أحوال وأحوال فليس الأمر كما تتصورون من أنه موت ولا غير. وقوله تعالى٣ ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُون وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ أي ما للناس يؤمنون أي شيء منعهم من الإيمان بالله ورسوله والدار الآخرة مع كثرة الآيات وقوة الحجج وسطوع البراهين. وما لهم أيضا إذا تلي عليهم القرآن وسمعوه لا يخضعون ولا يخشعون ولا يخرون ساجدين مع ما يحمل من أنواع الحجج والبراهين وقوله تعالى ل الذين كفروا أي بدل أن يؤمنوا ويسلموا يكذبون٤ ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ في قلوبهم من الكفر والتكذيب وفي نفوسهم من الحسد والكبر والغل والبغض وبناء على ذلك فبشرهم٥ يا رسولنا أي أخبرهم بما يسوءهم بعذاب أليم عاجلاً وآجلاً ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا٦﴾ أي منهم آمنوا بالله ورسوله وآيات الله ولقائه وعملوا الصالحات فأدوا الفرائض واجتنبوا

стр. 3249

المحارم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي ثواب عند الله إلى يوم يلقونه ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير منقوص ولا مقطوع في الجنة دار السلام. اللهم اجعلنا من أهلها برحمتك يا أرحم الراحمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- بيان أن الإنسان مقبل على أحوال وأهوال حالا بعد حال وهولا بعد هولا إلى أن ينتهي إلى جنة أو نار. ٢- بيان أن عدم إيمان الإنسان بربه يستدعي العجب إذ لا مانع للعبد من الإيمان بخالقه وهو يعلم انه مخلوق وقد تعرف إليه فأنول كتبه وبعث رسله وأقام الأدلة على ذلك. ٣- مشروعية السجود عند تلاوة هذه الآية وهي وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. ٤- علم الله تعالى بما يعي الإنسان في قلبه وما يحمل في نفسه فذكره للعبد بأن يراقب ربه فلا يعي في قلبه إلا الإيمان ولا يحمل في نفسه إلا الخير فلا غل ولا حسد ولا شك ولا عداء ولا بغضاء.

стр. 3250

سورة البروج مكية وآياتها اثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)

стр. 3251

شرح الكلمات: ذات البروج: أي منازل الشمس والقمر الاثني عشر برجا. واليوم الموعود: أي يوم القيامة إذ وعد الله تعالى عباده أن يجمعهم فيه لفصل القضاء. وشاهد: أي يوم الجمعة. ومشهود: أي يوم عرفة. قتل أصحاب الأخدود: أي لعن أصحاب الأخدود. الأخدود: أي الحفر تحفر في الأرض وهو مفرد وجمعه أخاديد. إذ هم عليها قعود: أي على حافتها وشفيرها. وما نقموا منهم: أي ما عابوا أي شيء سوى إيمانهم بالله تعالى. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ١﴾ هذا قسم من أعظم الأقسام إذ أقسم تعالى فيه بالسماء ذات البروج وهي منازل الشمس والقمر الأثنا عشر برجا، ٢ وباليوم الموعود هو يوم القيامة إذ وعد الرب تعالى عباده أن يجمعهم فيه ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون وبالشاهد٣ وهو يوم الجمعة وبالمشهود وهو يوم عرفة وجواب القسم أو المقسم عليه محذوف قد يكون تقديره لتبعثن ثم لتنبؤن لأن السورة مكة والسور المكية تعالج العقيدة بأنواعها الثلاثة والتوحيد والنبوة والبعث والجزاء, وجائز أن يكون الجواب قتل بتقدير اللام وقد نحو لقد قتل أي لعن أصحاب الأخدود وهي حفر حفرها الكفار وأججوا فيها ناراً وأتوا بالمؤمنين المخالفين لدينهم وعرضوا عليهم الكفر أو الإلقاء في النار فاختاروا الإلقاء في النار مع بقاء إيمانهم حتى إن امرأة كانت ترضع صبياً فأحجمت عن إلقاء نفسها مع طفلها في النار فأنطق الله الصبي فقال لها: أماه امضي فإنك على الحق فاقتحمت النار. وقوله ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ بيان للحال التي كانوا يفتنون فيها المؤمنين والمؤمنات إذ كانوا على شفير النار وحافتها قاعدين, وقوله تعالى ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ

стр. 3252

بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ من الإلقاء في النار والارتداد عن الإسلام ﴿شُهُودٌ﴾ أي حضور, ولم يغيروا منكراً ولم يأمروا بمعروف. وقوله تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي وما عابوا عنهم شيئا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض, فحسب العبد من الله هذه الصفات فأنها توجب الإيمان بالله وطاعته ومحبته وخشيته وهي كونه عزيزاً في انتقامه لأوليائه حميداً يحمده لآلائه ونعمه سائر خلقه مالكاً لكل ما في السموات والأرض ليس لغيره ملك في شيء معه وعلمه الذي أحاط بكل شيء دل عليه قوله وهو على كل شيء شهيد. فكيف ينكر على المؤمن إيمانه بربه ذي الصفات العلا. والجلال والجمال والكمال. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك. وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ١ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي فتنوهم عن دينهم فأحرقوهم بالنار ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ بعد فتنتهم للمؤمنين والمؤمنات ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَْ﴾ جزاء لهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ عذاب جهنم في الدار الآخرة وعذاب الحريق في الدنيا. فقد روي أنهم لما فرغوا من إلقاء المؤمنين في النار والمؤمنون كانت تفيض أرواحهم قبل وصولهم إلى النار فلم يحسوا بعذاب النار والكافرون خرجت لهم النار من الأخاديد وأحرقتهم فذاقوا عذاب الحريق في الدنيا, وسيذوقون عذاب جهنم في الآخرة هذا بالنسبة إلى أبدانهم أما أرواحهم فإنها بمجرد مفارقة الجسد تلقى في سجين مع أرواح الشياطين والكافرين وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا٢﴾ بالله وعملوا الصالحات أي آمنوا بالله رباً وإلهاً وعبدوه بأداء فرائضه وترك محارمه ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ أي بساتين ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي من تحت أشجارها وقصورها. وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ٣ حقا هو فوز كبير، لأنه نجاة من النار أولاً ودخول الجنة ثانياً. كما قال تعالى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ .

стр. 3253

هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير عقيدة البعث والجزاء. ٢- فضل يومي الجمعة وعرفة. ٣- بيان ما يبتلى به المؤمنون في هذه الحياة ويصبرون فيكون جزاؤهم الجنة. ٤- الترهيب والترغيب في ذكر جزاء الكافرين والمؤمنين الصالحين. إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ (٢٢) شرح الكلمات: إن بطش ربك: أي أذا أخذ الكافر الشديد. يبدئ ويعيد: أي يبدئ الخلق ويعيده بعد فنائه ويبدئ العذاب ويعيده. الغفور الودود: أي لذنوب عباده المؤمنين المتودد لأوليائه. ذو العرش المجيد: أي صاحب العرش إذ هو خالقه ومالكه والمجيد المستحق لكمال صفات العلو. في تكذيب: أي بما ذكر في سياق الآيات السابقة. من ورائهم محيط: أي هم في قبضته وتحت سلطانه وقهره. قرآن مجيد: أي كريم عظيم. في لوح محفوظ: أي من الشياطين والمراد به اللوح المحفوظ.

стр. 3254

معنى الآيات: لما ذكر تعالى ما توعد به الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من أجل إيمانهم أخبر رسوله معرضا بمشركي قومه وطغاتهم اللذين آذوا المؤمنين في مكة من أجل إيمانهم أخبره بقوله ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ١ لَشَدِيدٌ﴾ أي إن أخذه أليم شديد ودلل على ذلك بقوله ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ فالقادر على البدء والإعادة بطشه شديد. وقوله ﴿يُبْدِئُ﴾ أي الخلق ثم يعيده. ويبدئ العذاب٢ أيضا ثم يعيده ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ فهو قادر على البطش بأعدائه, وهو الغفور لذنوب أوليائه ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أي صاحب العرش خلقا وملكا المجيد العظيم الكريم , ﴿فَعَّالٌ لِمَا٣ يُرِيدُ﴾ إذ لا يكره تعالى على شيء ولا يقدر أحد على إكراهه. وقوله تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود﴾ كيف أهلكهم الله لما طغوا وبغوا وكفروا وعصوا نعم قد أتاك وقرأته على قومك الكافرين ولم ينتفعوا به لأنهم يعيشون في تكذيب لك يحيط بهم لا يخرجون لأنه تكذيب ناشئ من الكبر والحسد والجهل فلذا هم لم يؤمنوا بعد. وقوله تعالى ﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ٤﴾ أي هم في قبضته وتحت قهره وسلطانه لا يخفى عليه منهم شيء ولا يحول بينه وبينهم متى أراد أخذهم شيء. وقوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ٥ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ ٦مَحْفُوظٍ﴾ يرد بهذا على المشركين الذين قالوا في القرآن إنه سحر وشعر وأساطير الاولين فقال ليس هو كما قالوا وادعوا وإنما هو قرآن مجيد في لوح محفوظ من الشياطين فلا تمسه ولا تقربه ولا من غير الشياطين من سائر الخلق أجمعين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تهديد الظلمة بالعذاب عقوبة في الدنيا وفي الآخرة.

стр. 3255

٢- إن الله تعالى لكرمه يتودد لأوليائه من عباده. ٣- فائدة القصص هي الموعظة تحصل للعبد فلا يترك واجباً ولا يغشى محرما. ٤- بيان إحاطة الله تعالى بعباده وأنهم في قبضته وتحت سلطانه. ٥- شرف القرآن الكريم، وإثبات اللوح المحفوظ وتقريره.

стр. 3256

سورة الطارق مكية وآياتها سبع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) شرح الكلمات: والطارق: أي كل ما يطرق ويأتي ليلا وسمي النجم طارقا لطلوعه ليلا. النجم الثاقب: أي الثريا والثاقب المضيء الذي يثقب الظلام بنوره. لما عليها حافظ: أي إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها. خلق من ماء دافق: أي ماء ذي اندفاق وهو بمعنى مدفوق أي مصبوب في الرحم. من بين الصلب والترائب: الصلب: عظم الظهر من الرجل، والترائب عظام الصدر والواحدة تربية. يوم تبلى السرائر: أي تختبر ضمائر القلوب في العقائد والنيات. والسرائر جمع سريرة كالسر.

стр. 3257

ذات الرجع: أي ذات المطر لرجوعه كل حين والرجع من أسماء المطر. ذات الصدع: أي التصدع والتشقق بالنبات. لقول فصل: أي يفصل بين الباطل وفي الخصومات يقطعها بالحكم الجازم. وما هو بالهزل: أي باللعب والباطل بل هو الجد كل الجد. يكيدون كيداً: أي يعملون المكائد للنبي ﷺ . وأكيد كيدا: أي أستدرجهم من حيث لا يعلمون لأوقعهم في المكروه. أمهلهم رويدا: أي زمنا قليلا وقد أخذهم في بدر. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ١ هذا قسم إلهي حيث أقسم تعالى بالسماء والطارق ولما كان لفظ الطارق يشمل كل طارق آت بليل. وأراد طارقاً معيينا فخم من شأنه بالاستفهام عنه الدال على تهويله فقال ﴿٢وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ ثم بينه بقوله ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ وكل نجم هو ثاقب للظلام بضوئه. والمراد به هنا الثريا لتعارف العرب على إطلاق النجم على الثريا. هذا هو القسم والمقسم عليه هو قوله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ٣ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ٤. وهنا قراءتان سبعيتان الأولى بتخفيف ميم لما وحينئذ تصبح زائدة لتقوية الكلام لا غير واللام للفرق بين أن النافية والمؤكدة الداخلة على الاسم وهو هنا ضمير شأن محذوف والتقدير أنه على أي الحال والشأن كل نفس عليها حافظ. والثانية بتشديد لما وحينئذ تكون إن نافية بمعنى ما ولما بمعنى إلا ويصير الكلام هكذا. ما كل نفس إلا عليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشر. وقوله تعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإنْسَانُ٥﴾ أي الكافر المكذب بالبعث والجزاء ﴿مَّم خُلِقَ﴾ أي من أي شيء خلق. وبين تعالى مما خلقه بقوله ﴿خُلِقَ مِنْ٦ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي ذي اندفاق وهو المني يصب في الرحم يخرج من بين الصلب والترائب أي يخرج الماء من صلب الرجل وهو عظام ظهره وترائب المرأة وهي محل القلادة من صدرها, وقد اختلف في تقدير فهم هذا الخبر عن الله تعالى وجاء

стр. 3258

العلم الحديث فشرح الموضوع وأثبت أن ماء الرجل يخرج حقا مما ذكر الله تعالى في هذه الآية وأن ماء المرأة كذلك يخرج مما وصف وصدق الله العظيم. وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ١ لَقَادِرٌ﴾ أي الذي خلقه مما ذكر من ماء دافق فجعله بشراً سوياً ثم أماته بعد أن كان حياً قادر على إرجاعه حياً كما كان وأعظم مما كان. وذلك يوم٢ تبلى السرائر أي تختبر٣ الضمائر وتكشف الأسرار وتعرف العقائد والنيات الصالحة من الفاسدة والسليمة من المعيبة ويومها ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ ليس لهذا الكافر والمكذب بالبعث والحياة الثانية ماله قوة يدفع بها عن نفسه عذاب ربه ولا ناصر ينصره فيخلصه من العذاب. وقوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ أقسم تعالى بالسماء ذات السحب والغيوم والأمطار, والأرض ذات التشقق عن النباتات والزروع المختلفة على أن القرآن الكريم قول فصل وحكم عدل في كل مختلف فيهمن الحق والباطل فما أخبر به وحكم فيه من أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وأن الساعة آتية لا ريب فيها هو الحق الذي لا مرية فيه والصدق الذي لا كذب معه وقوله تعالى وما هو بالهزل أي وليس القرآن باللعب الباطل بل هو الحق من الله الذي لا باطل معه. وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أي إن كفار قريش يمكرون بالنبي محمد ﷺ وبدعوته مكرا ويكدون لهم كيدا. وقوله ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ أي وأنا أمكر بهم أكيد لهم كيدا فمن يغلب مكره وكيده الخالق المالك أم المخلوق المملوك؟ فمهل الكافرين يا رسولنا أمهلهم قليلا, فقد كتبنا في كتاب عندنا ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وقد أنجز الله وعده لرسوله والمؤمنين فلم يمض إلا سنيات قلائل, ولم يبق في مكة من سلطان إلا الله, ولا من معبود يعبد إلا الله. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير المعاد والبعث والجزاء. ٢- تقرير أن أعما العباد محصية محفوظة وأن الحساب يجري بحسبها. ٣- بيان مادة تكوين الإنسان ومصدر تكوين تلك المادة. ٤- التحذير من إسرار الشر وإخفاء الباطل, وإظهار خلاف ما في الضمائر, فإن الله تعالى عليم بذلك, وسيختبر عباده في كل ما يسرون ويخفون.

стр. 3259

٥- إثبات أن القرآن قول فصل ليس فيه من الباطل شيء وقد تأكد هذا بمرور الزمان فقد صدقت أنباؤه ونجحت في تحقيق الأمن والاستقرار أحكامه.

стр. 3260

سورة الأعلى مكية وآياتها تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى (٦) إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى (١٣) شرح الكلمات: سبح اسم ربك: أي نزه اسم ربك أن يسمى به غيره وأن يذكر بسخرية أو لعب أي لا يذكر إلا بإجلال وإكبار ونزه ربك عما لا يليق به من الشرك والصاحبة والولد والشبيه والنظير. الأعلى: أي فوق كل شيء والقاهر لكل شيء. الذي خلق فسوى: أي الإنسان فسوى أعضاءه بأن جعلها متناسبة غير متفاوتة. والذي قدر فهدى: أي قدر ما شاء لمن شاء وهداه إلى إتيان ما قدر له وعليه. والذي أخرج المرعى: أي أنبت العشب والكلأ. فجعله غثاء أحوى: أي بعد الخضرة والنضرة هشيما يابسا أسود. سنقرئك فلا تنسى: أي القرآن فلا تنساه بإذننا. إلا ما شاء الله: أي إلا ما شئنا أن ننسيكه فإنك تنساه وذلك إذا أراد الله تعالى نسخ شيء من القرآن بلفظه فإنه ينسي فيه رسول الله ﷺ .
следующие страницы →