← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿فَرِيقاً﴾ : طائفة١ من الحاقدين على الإٍسلام العاملين على الكيد له والمكر به وبأهله. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ : يرجعوكم إلى الكفر بعد إيمانكم. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ : الاستفهام للإنكار والتعجب من كفرهم بعد إيمانهم. ﴿آيَاتُ اللهِ﴾ : آيات القرآن الكريم. ﴿يَعْتَصِمْ﴾ : يتمسك بشدة. ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ : باستفراغ الوسع في إمتثال أمره، واجتناب نهيه، وتقاته٢ هي تقواه. ﴿بِحَبْلِ اللهِ﴾ : كتابه القرآن ودينه الإسلام، لأن الكتاب والدين هما الصلة التي تربط المسلم بربه، وكل ما يربط ويشد شيئاً بآخر هو سبب وحبل. ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ : جمعها على أخوة الإيمان ووحد ببنها بعد الاختلاف والنفرة. ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ : شفا الحفرة: حافتها وطرفها بحيث لو غفل الواقف عليها وقع فيها.

стр. 352

أنقذكم منها: بهدايتكم إلى الإسلام وبذلك أنجاكم من النار. معنى الآيات: بعد أن وبخ تعالى اليهود على خداعهم ومكرهم وتضليلهم للمؤمنين وتوعدهم على ذلك، نادى المؤمنين محذراً إياهم من الوقوع في شباك المضللين من اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ ، وذلك أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جالسين في مجلس يسودهم الود والتصافي ببركة الإسلام الذي هداهم الله تعالى إليه فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فآلمه ذلك التصافي والتحابب وأحزنه بعد أن كان اليهود يعيشون في منجاة من الخوف من جيرانهم الأوس والخزرج لما كان بينهم من الدمار والخراب، فأمر شاس شاباً أن يذكرهم بيوم بعاث فذكروه وتناشدوا الشعر فثارت الحمية القبلية بينهم فتسابوا وتشاتموا حتى هموا بالقتال فأتاهم الرسول ﷺ وذكرهم بالله تعالى وبمقامه فهدأوا، وذهب الشر ونزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ فحذرهم من مكر أهل المكر من اليهود والنصارى، وأنكر عليهم ما حدث منهم حاملاً لهم على التعجب من حالهم أو كفروا بعد إيمانهم فقال : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ﴾ صباح مساء في الصلوات وغيرها، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ١﴾ هادياً ومبشراً ونذيراً وأرشدهم إلى الاعتصام بدين الله وبشر المعتصمين بالهداية إلى طريق السعادة والكمال فقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ أي: بكتابه وسنة نبيه ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم كرر تعالى نداءه٢ لهم بعنوان الإيمان تأكيداً لهم به وأمرهم بأن يبذلوا وسعهم في تقوى الله وذلك بطاعته كامل الطاعة بامتثال أمره واجتناب نهيه حاضاً لهم على الثبات على دين الله حتى يموتوا عليه فلا يبدلوا ولا يغيروا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ٣ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وأمرهم بالتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، ونهاهم عن التفرق والاختلاف وأرشدهم إلى ذكر نعمته تعالى عليهم بالألفة

стр. 353

والمحبة التي كانت ثمرة هدايتهم للإيمان والإسلام، بعد أن كانوا أعداء متناحرين مختلفين فألف بين قلوبهم فأصبحوا بها إخواناً متحابين متعاونين، كما كانوا قبل نعمة الهداية إلى الإيمان على شفا جهنم لو مات أحدهم يومئذ لوقع فيها خالداً أبداً، وكما أنعم عليهم وأنقذهم من النار ما زال يبين لهم الآيات الدالة على طريق الهداية الداعية إليه ليثبتهم على الهداية ويكملهم فيها فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا١ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ٢ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- طاعة كثير من علماء اليهود والنصارى بالأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تؤدي بالمسلم إلى الكفر شعر بذلك أم لم يشعر، فلذا وجب الحذر كل الحذر منهم. ٢- العصمة في التمسك بكتاب الله ورسول الله ﷺ ، فمن تمسك بهما لم يضل. ٣- الأخذ بالإسلام جملة والتمسك به عقيدة وشريعة أمان من الزيغ والضلال، وأخيراً من الهلاك والخسران. ٤- وجوب التمسك بشدة بالدين الإسلامي وحرمة٣ الفرقة والاختلاف فيه. ٥- وجوب ذكر النعم لأجل شكر الله تعالى عليها بطاعته وطاعة رسوله ﷺ . ٦- القيام على الشرك والمعاصي وقوف على شفير جهنم فمن مات على ذلك وقع في جهنم حتماً بقضاء الله وحكمه. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا

стр. 354

تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (١٠٩) ﴾ شرح الكلمات: الأمة: أفراد من البشر أو غيرهم تربطهم رابطة جنس أو لغة أو دين ويكون أمرهم واحداً، والمراد بالأمة هنا المجاهدون وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿الْخَيْرِ﴾ : الإسلام وكل ما ينفع الإنسان في حياته الأولى والآخرة من الإيمان والعمل الصالح. المعروف: المعروف كل ما عرفه الشرع فأمر به لنفعه وصلاحه للفرد أو الجماعة. ﴿الْمُنْكَرِ﴾ : ضد المعروف، وهو ما نهى عنه الشرع لضرر وإفساد، للفرد أو الجماعة. الذين تفرقوا: هم أهل الكتاب من اليهود١ والنصارى. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ٢﴾ : هذا يوم القيامة. ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللهِ﴾ : رحمة الله هنا: الجنة جعلنا الله تعالى من أهلها، آمين.

стр. 355

تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق: هذه آياتنا نقرأها عليك متلبسة بالحق، لا باطل فيها أبداً. وإلى الله ترجع الأمور: إلى الله تصير الأمور فيقضي فيها بما يشاء ويحكم ما يريد فضلاً وعدلاً. معنى الآيات: بعدما أمر الحق ﵎ عباده المؤمنين بتقواه والتمسك بدينه ونهاهم عن الفرقة والاختلاف وحضهم على ذكر نعمه ليشكروها بطاعته أمرهم في هذه الآية (١٠٤) بأن يوجدوا من أنفسهم جماعة تدعو إلى الإسلام وذلك بعرضه على الأمم والشعوب ودعوتهم إلى الدخول فيه، كما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في ديار الإسلام وبين أهله فقال تعالى مخاطباً إياهم: ولتكن منكم١ أي: يجب أن تكون منكم طائفة يدعون إلى الخير، أي: الإسلام، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبشرهم بأن الأمة التي تنهض بهذا الواجب هي الفائزة بسعادة الدنيا والآخرة فقال: فأولئك هم المفلحون الفائزون بالنجاة من العار والنار، وبدخول الجنة مع الأبرار. وفي الآيات (١٠٥) (١٠٧) نهاهم أن يسلكوا أهل الكتاب في التفرق في السياسة والاختلاف في الدين فيهلكوا هلاكهم فقال تعالى: مخاطباً إياهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ فلا ينبغي أن يكون العلم والمعرفة بشرائع الله سبباً في الفرقة والخلاف٢، وهما أداة الوحدة والائتلاف، وأعلمهم بجزاء المختلفين من أهل الكتاب ليعتبروا ولا يتفرقوا فقال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يغادر قدره ولا يعرف مداه، وأخبرهم عن موعد حاول هذا العذاب العظيم بهم، وأنه يوم القيامة حينما تبيض وجوه المؤمنين القائمين على الكتاب والسنة، وتسود وجوه الكافرين المختلفين القائمين على البدع والأهواء، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ٣

стр. 356

وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وبين جزاء الفريقين فقال: فأما الذين اسودت وجوههم من سوء ما عاينوه من أهل الموقف وما أيقنوا أنهم صائرون إليه من عذاب النار فيقال لهم تفريعاً وتوبيخاً: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ إذ هذه وجوه من تلك حالهم، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بالله وشرائعه. وأما الذين ابيضت وجوههم فلم يطل في الهول موقفهم حتى يدخلوا جنة ربهم قال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . وفي الآية (١٠٨) شرف الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بخطابه والوحي إليه فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا١ عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هذه الآيات المتضمنة للهدى والخير نقرأها عليك بالحق الثابت الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه فبلغها عنا وادع بها إلينا فمن استجاب لك نجا ومن أعرض هلك، وما الله يريد ظلماً للعالمين. فلا يعذب إلا بعد الإعلام والإنذار. وفي الآية الأخيرة (١٠٩) يخبر تعالى أنه له ملك السموات والأرض خلقاً وتصرفاً وتدبيراً، وأن مصير الأمور إليه وسيجزي المحسن بالحسنى والمسيء بالسوأى. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب وجود طائفة من أمة الإسلام تدعو الأمم والشعوب إلى الإسلام وتعرضه عليهم وتقاتلهم إن قاتلوها عليه، ووجوب وجود هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مدن وقرى المسلمين. ٢- حرمة الفرقة بين المسلمين والاختلاف في دين الله. ٣- أهل البدع والأهواء يعرفون في عرصات القيامة باسوداد وجوههم. ٤- أهل السنة والجماعة وهم الذين يعيشون عقيدة وعبادة على ما كان عليه رسول الله٢ ﷺ وأصحابه يعرفون يوم العرض بابيضاض وجوههم.

стр. 357

٥- كرامة الرسول على ربه وتقرير نبوته. وشرف من آمن به واتبع ما جاء به. ٦- مرد الأمور إلى الله تعالى في الدنيا والآخرة فيجب على عقلاء العباد أن يتخذوا لهم عند الله عهداً بالإيمان به وتوحيده في عبادته بتحقيق لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ . ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ : وجدتم أفضل وأبرك أمة وجدت على الأرض. ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ : أظهرت وأبرزت لهداية الناس ونفعهم. ﴿أَذىً﴾ : الأذى: الضرر اليسير. ﴿يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ﴾ : ينهزمون فيفرون من المعركة مولينكم أدبارهم، أي: ظهورهم. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ : أحاطت بهم المذلة ولصقت بهم حتى لا تفارقهم. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ : رجعوا من رحلتهم الطويلة في الكفر وعمل الشر بغضب الله. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ... ﴾ إلخ.: ذلك إشارة إلى ما لصق بهم من الذلة والمسكنة وما عادوا به من غضب الله تعالى وما تبعه من عذاب "فالباء" في بأنهم

стр. 358

سببه، أي: بسبب فعلهم كذا وكذا والمسكنة هي ذلة الفاقة والفقر. ﴿يَعْتَدُونَ﴾ : الاعتداء مجاوزة الحد في الظلم والفساد. معنى الآيات: لما أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه والاعتصام بحبله فامتثلوا وأمرهم بتكوين جماعة منهم يدعون إلى الإسلام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فامتثلوا ذكرهم بخير عظيم فقال لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ كما قال لهم رسول الله ﷺ : "كنتم خير الناس للناس.." ووصفهم بما كانوا به خير أمة فقال تأمرون بالمعروف وهو الإسلام وشرائع الهدى التي جاء بها نبيه ﷺ وتنهون عن المنكر وهو الكفر والشرك وكبائر الإثم والفواحش، وتؤمنون بالله. وبما يتضمنه الإيمان بالله من الإيمان بكل ما أمر تعالى بالإيمان به من الملائكة والكتب والرسل والبعث الآخر والقدر. ثم دعا تعالى أهل الكتاب إلى الإيمان الصحيح المنجي من عذاب الله، فقال ، ولو آمن أهل الكتاب بالنبي محمد وما جاء به من الإسلام لكان خيراً لهم من دعوى الإيمان الكاذبة التي يدعونها. وأخبر تعالى عنهم بأن منهم المؤمنين الصادقين في إيمانهم؛ كعبد الله بن سلام وأخيه، وثعلبة بن سعيد وأخيه، وأكثرهم الفاسقون الذين لم يعملوا بما جاء في كتابهم من العقائد والشرائع من ذلك أمر الله تعالى بالإيمان بالنبي الأمي واتباعه على مايجيء به من الإسلام ثم أخبر المسلمين أن فساق أهل الكتاب لن يضروهم إلا أذى يسيراً كإسماعهم الباطل وقولهم الكذب. وأنهم لو قاتلوهم ينهزمون أمامهم مولينهم ظهورهم فارين من القتال ثم لا ينصرون على المسلمين في أي قتال يقع بين الجانبين. كما أخبر تعالى في الآية (١١٢) أنه تعالى ضرب عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا وفي يا البلاد وجدوا لن تفارقهم الذلة والمسكنة في حال من الأحوال إلا في حال دخولهم في الإسلام وهو حبل١ الله، أو معاهدة وارتباط بدولة قوية وذلك هو حبل٢ الناس. كما أخبر تعالى عنهم

стр. 359

أنهم رجعوا من عنادهم وكفرهم بغضب الله، وما يستتبعه من عذاب في الدنيا بحالة الفاقة والفقر المعبر عنها بالمسكنة، وفي الآخرة بعذاب جهنم كما ذكر تعالى علة عقوبتهم، وأنها الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم المستمر واعتداؤهم الذي لا ينقطع فقال تعالى ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إثبات خيرية أمة الإسلام وفي الحديث: "أنتم تتمون١ سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله". ٢- بيان علة خيرية أمة٢ الإسلام، وهي الإيمان بالله والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٣- وعد الله تعالى لأمة الإسلام –ما تمسكت به- بالنصر على اليهود في أي قتال بينهم. ٤- صدق القرآن في إخباره عن اليهود بلزوم الذلة والمسكنة لهم أينما كانوا. ٥- بيان جرائم اليهود التي كانت سبباً في ذلتهم ومسكنتهم وهي الكفر المستمر، وقتل الأنبياء بغير حق والعصيان والاعتداء على حدود الشرع. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ

стр. 360

فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ : غير متساوين. ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ : جماعة قائمة ثابتة على الإيمان والعمل الصالح. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ﴾ : يقرأون القرآن. ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ : ساعات الليل جمع إني وإني. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ : يصلون. ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ : يستدرونها خشية الفوات. ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ : فلن يجحدوه بل يعترف لهم به ويجزون به وافياً. معنى الآيات: بعد أن ذكر تعالى حال أهل الكتاب وأنهم فريقان مؤمن صالح، وكافر فاسد. ذكر هنا في هذا الآيات الثلاث: (١١٣ -١١٤-١١٥) أن أهل الكتاب ليسوا سواء١، أي: غير متساوين في الحال، وأثنى على أهل الصلاح منهم فقال جل ذكره ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ٢﴾ ، أي: على الإيمان الحق والدين الصحيح وهم الذين أسلموا. يتلون آيات الله يقرأونها في صلاتهم آناء الليل، أي: ساعات الليل في صلاة العشاء وقيام الليل وهم يسجدون، وهذا ثناء عليهم بالسجود، إذ هو أعظم مظاهر الخشوع لله تعالى كما أثنى تعالى عليهم بالإيمان الصادق والأمر بالمعروف وهو الدعوة إلى عبادة الله تعالى بعد الإيمان به والإسلام الظاهر والباطن له. وينهون عن المنكر وهو الشرك بعبادة الله تعالى والكفر به وبرسوله فقال : ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: يبادرون إليها قبل فواتها، والخيرات هي كل قول وعمل صالح من سائر القربات. وشهد

стр. 361

تعالى لهم بالصلاح فقال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . وأخيراً في الأية الآخيرة (١١٥) أن ما يفعلونه من الصالحات وما يأتونه من الخيرات لن يجحدوه بل يعترف لهم به ويجزون عليه أتم الجزاء، لأنهم متقون والله عليهم بالمتقين فلن يضيع أجرهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضل الثبات على الحق والقيام على الطاعات. ٢- فضل تلاوة القرآن الكريم في صلاة الليل. ٣- فضل الإيمان والدعوة إلى الإسلام. ٤- فضل المسابقة في الخيرات والمبادرة إلى الصالحات. ٥- فضيلة الكتابي إذا أسلم وحسن إسلامه، وفي الصحيحين يقول الرسول ﷺ : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران" الحديث. ﴿إِنَّ الَّذِينَ١ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿كَفَرُوا﴾ : كذبوا بالله ورسوله وشرعه ودينه. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ : لن تجزي عنهم يوم القيامة أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً، إذ لا مال يومئذ ينفع، ولا بنون.

стр. 362

﴿مَثَلُ﴾ : أي: صفة وحال ما ينفقونه لإبطال دعوة الإسلام، أو للتصدق به. الصر١: الريح الباردة الشديدة البرد التي تقتل الزرع وتفسده. الحرث: ما تحرث له الأرض وهو الزرع. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ : حيث دنسوها بالشرك والمعاصي فعرضوها للهلاك والخسار. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال مؤمني أهل الكتاب وأثنى عليهم بما وهبهم من صفات الكمال ذكر هنا في هاتين الآيتين ما توعد به أهل الكفر من الكتابين وغيرهم من المشركين على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب ليهتدي من هيأه الله تعالى للهداية فقال: إن الذين كفروا أي كذبوا الله ورسوله فلم يؤمنوا ولم يوحدوا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم٢ أي: في الدنيا والآخرة مما أراد الله تعالى بهم شيئاً من الإغناء؛ لأن الله تعالى غالب على أمره وعزيز ذو انتقام، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . فيه بيان حكم الله تعالى فيهم وهو أن أولئك البعداء في الكفر والضلال المتوغلين في الشر والفساد هم أصحاب النار الذين يعيشون فيها لا يفارقونها أبداً ولن تغني عنهم أموالهم التي كانوا يفاخرن بها، ولا أولادهم الذين كانوا يعتزون بهم ويستنصرون، إذ يوم القيامة لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم: سليم من الشك والشرك والكبر والعجب والنفاق. هذا ما تضمنته الآية: (١١٦) أما الآية (١١٧) فقد ضرب تعالى فيها مثلاً لبطلان نفقات الكفار والمشركين وأعمالهم التي يرون أنها نافعة لهم في الدنيا والآخرة ضرب لها مثلاً: ريحاً باردة شديدة البرودة أصابت زرع أناس كاد يُحصد وهم به فرحون وفيه مؤملون فأفسدته تلك الريح وقضت عليه نهائياً فلم ينتفعوا بشيء منه، قال تعالى في هذا المثل: مثل ما ينفقون، أي: أولئك الكفار في هذه الحياة الدنيا، أي: مما يرونه نافعاً لهم من بعض أنواع البر. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ٣ أَصَابَت﴾ أي تلك الريح الباردة حرث قوم، أي: زرعهم النابت

стр. 363

فأهلكته، أي: أفسدته. فحرموا من حرثهم ما كانوا يؤملون، وما ظلمهم١ حيث أرسل عليهم الريح فأهلكت زرعهم، إذ لم يفعل الله تعالى هذا بهم إلا لأنهم ظلموا بالكفر والشرك والفساد فجزاهم الله بالحرمان وبذلك كانوا هم الظالمين لأنفسهم. قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- لن يغني عن المرء مال ولا ولد متى ظلم وتعرض لنقمة الله تعالى. ٢- الكفر هم أهل النار وخلودهم فيها محكوم به مقدر عليهم لا نجاة منه. ٣- ان العمل الصالح بالشرك والموت على الكفر. ٤- حسان ضرب الأمثال في الكلام لتقريب المعاني إلى الأذهان. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) ﴾

стр. 364

شرح الكلمات: ﴿بِطَانَةً﴾ : بطانة الرجل١ الذين يطلعهم على باطن٢ أمره الذي يخفيه على الناس للمصلحة. ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ : من غيركم، أي: من غير المسلمين؛ كالكفار وأهل الكتاب. ﴿لا يَأْلُونَكُمْ﴾ : لا يقصرون في إفساد الأمور عليكم. ﴿خَبَالاً٣﴾ : فساداً في أمور دينكم ودنياكم. ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ : أحبوا عنتكم، أي: مشقتكم. ﴿بَدَتِ الْبَغْضَاءُ﴾ : ظهرت شدة بغضهم لكم. ﴿أُولاءِ﴾ : هؤلاء حذفت منه هاء التنبيه لوجودها في ها أنتم قبلها. ﴿بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ : أي: بالكتب الإلهية كلها. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ : من شدة الغيظ عليكم؛ لأن المغتاظ إذا اشتد به الغيظ بعض أصبعه على عادة البشر، والغيظ: شدة الغضب. ﴿حَسَنَةٌ﴾ : ما يحسن من أنواع الخير؛ كالنصر والتأييد والقوة والخير. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ : ما يسوءكم؛ كالهزيمة أو الموت أو المجاعة. ﴿كَيْدُهُمْ﴾ : مكرهم بكم وتبييت الشر لكم. ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ : علماً به وقدرة عليه، إذ هم واقعون تحت قهره وعظيم سلطانه. معنى الآيات: لما أخبر تعالى عن مصير الكافرين في الآخرة، وأن ذلك المصير المظلم كان نتيجة كفرهم وظلمهم حذر المؤمنين من موالاتهم دون المؤمنين وخاصة أولئك الذين يحملون في صدورهم الغيظ والبغضاء للمسلمين الذين لا يقصرون في العمل على إفساد أحوال المسلمين والذين

стр. 365

يسوءهم أن يروا المسلمين متآلفين متحابين أقوياء ظاهرين متصورين على أهل الشرك والكفر، ويسرهم أيضاً أن يروا المسلمين مختلفين أو ضعفاء منكسرين مغلوبين. فقال تعالى –وقوله الحق- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً. ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ أي: أفراداً من دونكم١ أي: من غير أهل دينكم؛ كاليهود والنصارى والمنافقين والمشركين تستشيرونهم وتطلعونهم على أسراركم وبواطن أموركم، ووصفهم تعالى تعريفاً بهم فقال: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ٢ خَبَالاً﴾ ، يعني: لا يقصرون في إفساد أموركم الدينية والدنيوية. ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: أحبوا عنتكم ومشقتكم، فلذا هم لا يشيرون عليكم إلا بما يفسد عليكم أموركم ويسبب لكم الكوارث والمصائب في حياتكم وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ وصف آخر مشخص لهؤلاء الأعداء المحرم اتخاذهم بطانة، ألا وهو ظهور البغضاء من أفواههم٣ بما تنطق به ألسنتهم من كلمات الكفر والعداء للإسلام وأهله، وما يخفونه من ذلك في صدورهم٤ هو أكبر مما يتفلت من ألسنتهم. ويؤكد تحذيره للمؤمنين فيقول: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ﴾ المتضمنة لبيان أعدائكم وأحوالهم وصفاتهم لتعتبروا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: الخطاب وما يتلى عليم ويقال لكم. ثم يقول تعالى معلماً محذراً ها أنتم أيها المسلمون تحبونهم ولا يحبونكم. قد علم الله أن من بين المؤمنين من يحب بعض الكافرين لعلاقة الإحسان الظاهرة بينهم فأخبر تعالى عن هؤلاء كما أن رحمة المؤمن وشفقته قد تتعدى حتى لأعدائه فلذا ذكر تعالى هذا وأخبر به وهو الحق، وقال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهم لا يؤمنون بكتابكم فانظروا إلى الفرق بينكم وبينهم فكيف إذاً تتخذونهم بطانة تفضون إليهم بأسراركم. وأخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا لقوا المؤمنين قالوا إنا مؤمنون وإذا تفرقوا عنهم وخلوا بأنفسهم ذكروهم وتغيظوا عليهم حتى يعضوا

стр. 366

أطراف أصابعهم١ من شدة الغيظ. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ٢ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وهنا أمر رسوله أن يدعو عليهم بالهلاك فقال له: قل يا رسولنا لهم ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلذا أخبر عنهم كاشفاً الغطاء عما تكنه نفوسهم ويخفونه في صدورهم. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى (١١٨) والثانية (١١٩) وأما الآية الثالثة (١٢٠) فقد تضمنت أيضاً بيان صفة نفسية للكافرين المنهي عن اتخاذهم بطانة وهو استياؤهم وتألمهم لما يرونه من حسن حال المسلمين كائتلافهم واجتماع كلمتهم ونصرهم وعزتهم وقوتهم وسعة رزقهم، كما هو أيضاً فرحهم وسرورهم بما قد يشاهدونه من خلاف بين المسملين أو وقوع هزيمة لجيش من جيوشهم، أو تغير حال عليهم بما يضر ولا يسر وهذه نهاية العداوة وشدة البغضاء، فهل مثل هؤلاء يتخذون أولياء؟. فقال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ٣ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ . ولما وصف تعالى هؤلاء الكفرة بصفات مهيلة مخيفة، قال لعباده المؤمنين مبعداً الخوف عنهم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ما يصيبكم وتتقوا الله تعالى في أمره ونهيه وفي سننه في خلقه لا يضركم٤ كيدهم شيئاً، لأن الله تعالى وليكم مطلع على تحركاتهم وسائر تصرفاتهم وسيحبطها كلها، دل على هذا المعنى قوله في الجملة التذيلية ﴿إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ مستشارين وأصدقاء من أهل الكفر عامة وحرمة إطلاعهم على أسرار الدولة الإسلامية، والأمور التي يخفيها المسلمون على أعدائهم لما في ذلك من الضرر الكبير. ٢- بيان رحمة المؤمنين وفضلهم على الكافرين. ٣- بيان نفسيات الكافرين وما يحملونه من إرادة الشر والفساد للمسلمين. ٤- الوقاية من كيد الكفار ومكرهم تكمن في الصبر والتجلد وعدم إظهار الخوف للكافرين

стр. 367

ثم تقوى الله تعالى بإقامة دينه ولزوم شرعه والتوكل عليه, والأخذ بسننه في القوة والصبر. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ : أي: واذكر إذ غدوت، والغدو: الذهاب أول النهار. ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ : أهل الرجل زوجه وأولاده. ومن لابتداء الغاية إذ خرج ﷺ صباح السبت من بيته إلى أحد حيث نزل المشركون به١ يوم الأربعاء. ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : تنزل المجاهدين الأماكن التي رأيتها صالحة للنزول فيها من ساحة المعركة. ﴿هَمَّتْ﴾ : حدثت نفسها بالرجوع إلى المدينة وتوجهت إرادتها إلى ذلك. ﴿طَائِفَتَانِ﴾ : هما بنو سلمة، وبنو حارثة من الأنصار. ﴿تَفْشَلا﴾ : تضعفا وتعودا إلى ديارهما تاركين الرسول ومن معه يخوضون المعركة وحدهم. ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾ : متولي أمرهما وناصرهما ولذا عصمهما من ترك السير إلى المعركة. ﴿بِبَدْرٍ﴾ : بدر اسم رجل وسمي المكان به؛ لأنه كان له فيه ماء وهو الآن قرية تبعد عن المدينة النبوية بنحو من مائة وخمسين ميلاً "كيلو متر". ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ : لقلة عددكم وعُددِكُم وتفوق العدو عليكم.

стр. 368

معنى الآيات: لما حذر الله تعالى المؤمنين من اتخاذ بطانة من أهل الكفر والنفاق، وأخبرهم أنهم متى صبروا واتقوا لا يضرهم كيد أعدائهم شيئاً ذكرهم بموقفين: أحدهما لم يصبروا فيه ولم يتقوا فأصابتهم الهزيمة وهو غزوة أحد، والثاني صبروا فيه واتقوا فانتصروا وهزموا عدوهم وهو غزوة بدر، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: اذكر يا رسولنا لهم غدوك صباحاً من بيتك إلى ساحة المعركة بأحد، تبوء المؤمنين مقاعد للقتال، أي: تنزلهم الأماكن الصالحة للقتال الملائمة لخوض المعركة، والله سميع لكل الأقوال التي دارت بينكم في شأن الخروج إلى العدو، أو عدمه وقتاله داخل١ المدينة عليم بنياتكم وأعمالكم ومن ذلك هم بنى سلمه وبنى حارثة بالرجوع من الطريق لولا أن الله سلم فعصمهما من الرجوع لأنه وليهما. هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ أي تجبنا وتحجما عن ملاقاة العدو، والله وليهما فعصمهما من ذنب٢ الرجوع وترك الرسول ﷺ يخوض المعركة بدون جناحيها وهما بنو حارثة وبنو سلمة ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فتوكلت الطائفتان على الله وواصلتا سيرهما مع رسول الله ﷺ فسلمهما الله من شر ذنب وأقبحه. والحمد لله. هذا موقف والمقصود منه التذكير بعدم الصبر وترك التقوى فيه حيث أصاب المؤمنين فيه شر هزيمة واستشهد من الأنصار سبعون ومن المهاجرين أربعه وشج٣رأس صلى الله علية وسلم وكسرت رباعيتة واستشهد عمه حمزة٤ رضى الله عنة. والموقف الثاني هو غزوة بدر حيث صير فيها المؤمنون واتقوا أسباب الهزيمة فنصرهم الله وأنجز لهم ما وعدهم لأنهم صبروا واتقوا، فقتلوا سبعين رجلاً وأسروا سبعين وغنموا غنائم طائلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ٥ أَذِلَّةٌ﴾ فاتقوا الله بالعمل بطاعته، ومن ذلك

стр. 369

ترك اتخاذ بطانة من أعدائكم لتكونوا بذلك شاكرين نعم الله عليكم فيزيدكم، فذكر تعالى في هذا الموقف النصر؛ لأنه خير، فقال ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ، ولم يقل في الموقف الأول، ولقد هزمكم الله بأحد وأنتم أعزة؛ لأنه تعالى حيي كريم فاكتفى بتذكيرهم بالغزوة فقط وهم يذكرون هزيمتهم فيها ويعلمون أسبابها وهي عدم الطاعة وقلة الصبر. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضيلة الصبر والتقوى وأنهما عدة الجهاد في الحياة. ٢- استحسان التذكير بالنعم والنقم للعبرة والاتعاظ. ٣- ولاية الله تعالى للعبد تقيه مصارع السوء، وتجنبه الأخطار. ٤- تقوى الله تعالى بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه هي الشكر الواجب على العبد. ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ : الاستفهام انكاري١، أي: ينكر عدم الكفاية. ومعنى يكفيكم يسد حاجتكم.

стр. 370

﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ : أي: بالملائكة عوناً على قتال أعدائكم المتفوقين عليكم بالعدد والعتاد. ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ : واحدهم ملاك وهم عباد الله مكرمون مخلقون من نور لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ﴿بَلَى﴾ : حرف إجابة، أي: يكفيكم. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ١ هَذَا﴾ : أي: من وجههم في وقتهم هذا. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ : معلمين بعلامات تعرفونهم بها. ﴿إِلا بُشْرَى لَكُمْ﴾ : البشرى: الخبر السار الذي يتهلل له الوجه بالبشر والطلاقة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ : اطمئنان القلوب سكونها وذهاب الحروف والقلق عنها. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ : الطرف الطائفة، يريد ليهلك من جيش العدو طائفة. ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ : أي: يخزيهم ويذلهم. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ : يرجعوا إلى ديارهم خائبين لم يحرزوا النصر الذي أملوه. معنى الآيات: ما زال السياق في تذكير الرسول ﷺ والمؤمنين بما تم لهم من النصر في موقف الصبر والتقوى في بدر فقال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ٢﴾ عندما بلغهم وهم حول المعركة أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين برجاله يقاتلون معهم فشق ذلك على أصحابه فقلت: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ أي: يكفيكم. ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ٣ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أي: من وجههم ووقتهم هذا ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ بعلامات وإشارات خاصة بهم، ولما انهزم كرز قبل تحركه وقعد عن إمداد قريش بالمقاتلين لم يمد الله تعالى رسوله والمؤمنين بما ذكر من الملائكة فلم يزدهم على الألف التي أمدهم بها لما استغاثوه في أول المعركة جاء ذلك في سورة

стр. 371

الأنفال في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ فهذه الألف هي التي نزلت فعلاً وقاتلت مع المؤمنين وشوهد ذلك وعلم به يقيناً، أما الوعد بالإمداد الأخير فلم يتم؛ لأنه كان مشروطاً بإمداد كرز لقريش فلما لم يمدهم، لم يمد الله تعالى المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ﴾ أي: الإمداد المذكور ﴿إِلا بُشْرَى﴾ للمؤمنين تطمئن له قلوبهم وتسكن له نفوسهم فيزول القلق والاضطراب الناتج عن الخوف من إمداد كرز المشركين بالمقاتلين، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ١﴾ العزيز أي: الغالب، الحكيم الذي يضع النصر في موضعه فيعطيه مستحقه من أهل الصبر والتقوى ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد فعل فأهلك من المشركين سبعين، أو يكبتهم أي: يخزيهم ويذلهم إذ أسر منهم سبعون، وانقبلوا خائبين لم يحققوا النصر الذي أرادوه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سبب هزيمة المسلمين في أحد وهو عدم صبرهم وإخلالهم بمبدأ التقوى إذ عصى الرماة أمر رسول الله ﷺ ونزلوا من الجبل يجرون وراء الغنيمة هذا على تفسير أن الوعد بالثلاثة آلاف وبالخمسة كان بأحد٢، وكان الوعد مشروطاً بالصبر والتقوى فلما لم يصبروا ولم يتقوا لم يمدهم بالملائكة الذين ذكر لهم. ٢- النصر وإن كانت له عوامله من كثرة العدد وقوة العدة فإنه بيد الله تعالى فقد ينصر الضعيف ويخذل القوى، فلذا وجب تحقيق ولاية الله تعالى أولاً قبل إعداد العدد. وتحقيق الولاية يكون بالإيمان والصبر والطاعة التامة لله ولرسوله ثم التوكل على الله . ٣- ثبوت قتال الملائكة مع أصحاب رسول الله ﷺ في بدر قتالاً حقيقياً؛ لأنهم نزلوا في صورة بشر يقاتلون على خيول، وعليهم شاراتهم وعلاماتهم. ولا يقولن قائل٣: الملك الواحد يقدر على أن يهزم ملايين البشر، فكيف يعقل اشتراك ألف ملك في قتال المشركين وهم لا يزيدون عن الألف رجل، وذلك أن الله تعالى أنزلهم في صورة بشر٤ فأصبحت صورتهم وقوتهم قوة

стр. 372

البشر، ويدل على ذلك ويشهد له أن ملك الموت لما جاء موسى في صورة رجل يريد أن يقبض روحه ضربه موسى ﵇ ففقأ عينه، وعاد إلى ربه تعالى ولم يقبض روح موسى عليهما معاً السلام. من رواية البخاري. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الأَمْرِ﴾ : الشأن والمراد هنا توبة الله على الكافرين أو تعذيبهم. رشَيْءٌ﴾ : شيء نكرة متوغلة في الإيهام. وأصل الشيء: ما يعلم ويخبر به. ﴿أَوْ﴾ : هنا بمعنى حتى، أي: فاصبر حتى يتوب عليهم أو يعذبهم. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ : أي: مالكاً وخلقاً وعبيداً يتصرف كيف يشاء ويحكم كما يريد. ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ : لا مفهوم للأكل بل كل تصرف بالربا حرام سواء كان أكلاً أو شرباً أو لباساً. ﴿الرِّبا١﴾ : لغة: الزيادة، وفي الشرع نوعان: ربا فضل وربا نسيئة، ربا الفضل: يكون في الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فإذا بيع الجنس بمثله يحرم الفضل أي الزيادة ويحرم التأخير،

стр. 373

وربا النسيئة: هو أن يكون على المرء دين إلى أجل فيحل الأجل ولم يجد سداداً لدينه فيقول له أخرني وزد في الدين. ﴿أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ : لا مفهوم لهذا؛ لأنه خرج مخرج الغالب، إذ الدرهم الواحد حرام كالألف، وإنما كانوا في الجاهلية يؤخرون الدين ويزيدون مقابل التأخير حتى يتضاعف الدين فيصبح أضعافاً كثيرة. ﴿تُفْلِحُونَ﴾ : تنجون من العذاب وتظفرون بالنعيم المقيم في الجنة. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ : هيئت وأحضرت للمكذبين لله ورسوله ﷺ . ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ : لترحموا فلا تُعذبوا بما صدر منكم من ذنب المعصية. معنى الآيات: صح١ أن النبي ﷺ كان قد دعا على أفراد من المشركين بالعذاب، وقال يوم أحد لما شج رأسه وكسرت رباعيته: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيه م؟ " فأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: فاصبر حتى يتوب٢ الله تعالى عليهم أو يعذبهم بظلمهم فإنهم ظالمون ولله ما في السموات وما في الأرض ملكاً وخلقاً يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد فإن عذب فبعدله، وإن رحم فبفضله، وهو الغفور لمن تاب الرحيم بمن أناب. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى (١٢٨) والثانية (١٢٩) وأما الآية الثالثة (١٣٠) فإن الله تعالى نادى عباده المؤمنين بعد أن خرجوا من الجاهلية ودخلوا في الإسلام بأن يتركوا أكل الربا وكل تعامل به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً﴾ إذ كان الرجل يكون عليه دين ويحل أجله ولم يجد ما يسدد به فيأتي إلى دائنه ويقول أخر ديني٣ وزد عليّ وهكذا للمرة الثانية والثالثة حتى يصبح الدين بعد ما كان عشراً عشرين وثلاثين. وهذا معنى قوله: ﴿أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ ، ثم أمرهم بتقواه

стр. 374

وواعدهم بالفلاح فقال : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: كي تفلحوا بالنجاة من العذاب والحصول على الثواب وهو الجنة. وفي الآية الرابعة (١٣١) أمرهم تعالى باتقاء النار التي أعدها للكافرين فهي مهيئة محضرة لهم، واتقاؤها يكون بطاعته تعالى وطاعة رسوله ﷺ فقال : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ١﴾ ، أي: المكذبين بالله ورسوله فلذا لم يعلموا بطاعتهما لأن التكذيب مانع من الطاعة، وفي الآية الأخيرة (١٣٢) أمرهم تعالى بطاعته وطاعة رسوله وودعهم على ذلك بالرحمة في الدنيا والآخرة وكأنه يشير٢ إلى الذين عصوا رسول الله في أحد وهم الرماة الذين تخلوا عن مراكزهم الدفاعية فتسبب عن ذلك هزيمة المؤمنين أسوأ هزيمة فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: كي يرحمكم فيتوب عليكم ويغفر لكم ويدخلكم دار السلام والنعيم المقيم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- استقلال الرب تعالى بالأمر كله فليس لأحد من خلقه تصرف في شيء إلا ما أذن فيه للعبد. ٢- الظلم مستوجب للعذاب ما لم يتدارك الرب العبد بتوبة فيتوب ويغفر له ويعفو عنه. ٣- حرمة أكل الربا مطلقاً مضاعفاً كان أو غير مضاعف. ٤- بيان الجاهلية إذ هو هذا الذي نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ . ٥- وجوب التقوى لمن أراد الفلاح في الدنيا والآخرة. ٦- وجوب اتقاء النار ولو بشق تمرة٣. ٧- وجوب طاعة الله ورسوله للحصول على الرحمة الإلهية وهي العفو والمغفرة ودخول الجنة.

стр. 375

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَسَارِعُوا١﴾ : المسارعة إلى الشيء المبادرة إليه بدون توانٍ ولا تراخ. ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ : المغفرة: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها. والمراد هنا: المسارعة إلى التوبة بترك الذنوب، وكثرة الاستغفار وفي الحديث: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يتوضأ ثم يصلي ويستغفر الله إلا غفر له" ٢. ﴿وَجَنَّةٍ﴾ : الجنة دار النعيم فوق السموات، والمسارعة إليها تكون بالإكثار من الصالحات. ﴿أُعِدَّتْ﴾ : هيئت وأحضرت فهي موجودة الآن مهيأة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ : المتقون هم الذين اتقوا الله تعالى فلم يعصوه بترك واجب ولا

стр. 376

بفعل محرم، وإن حدث منهم ذنب تابوا منه فوراً. ﴿فِي السَّرَّاءِ١ وَالضَّرَّاءِ﴾ : السراء: الحال المسرة وهي اليسر والغنى، والضراء: الحال المضرة وهي الفقر. ﴿وَالْكَاظِمِينَ٢ الْغَيْظَ﴾ : كظم الغيظ: حبسه، والغيظ: ألم نفسي يحدث إذا أوذي المرء في بدنه أو عرضه أو ماله، وحبس الغيظ: عدم إظهاره على الجوارح بسبب أو ضرب ونحوهما للتشفي والانتقام. ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ : العفو عدم المؤاخذة للمسيء مع القدرة على ذلك. ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ : المحسنون هم الذين يبرون ولا يسيئون في قول أو عمل. ﴿فَاحِشَةً﴾ : الفاحشة: الفعلة القبيحة الشديدة القبح؛ كالزنى وكبائر الذنوب. ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ : بترك واجب أو فعل محرم فدنسوها بذلك فكان هذا ظلماً لها. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا٣﴾ : أي: يسارعون إلى التوبة، لأن الإصرار هو الشد على الشيء والربط عليه مأخوذ من الصر، والصرة معروفة. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ : أي: أنهم مخالفون للشرع بتركهم ما أوجب، أو بفعلهم ما حرم. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ : الذي هو الجنة. معنى الآيات: لما نادى الله تعالى المؤمنين ناهياً لهم عن أكل الربا آمراً لهم بتقواه ، وباتقاء النار وذلك بترك الربا وترك سائر المعاصي الموجبة لعذاب الله تعالى، ودعاهم إلى طاعته وطاعة رسوله كي يرحموا في دنياهم وأخراهم. أمرهم في الآية الأولى (١٣٣) بالمسارعة إلى شيئين

стр. 377

الأول مغفرة ذنوبهم وذلك بالتوبة النصوح، والثاني دخول الجنة التي وصفها لهم، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا١ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: أحضرت وهيئت للمتقين والمسارعة إلى الجنة هي المسارعة إلى موجبات دخولها، وهي الإيمان والعمل الصالح إذ بهما تزكوا الروح وتطيب فتكون أهلاً لدخول الجنة. هذا ما تضمنته الآية الأولى، وأما الآيتان الثانية والثالثة (١٣٥) فقد تضمنتا صفات المتقين الذين أعدت لهم الجنة دار السلام فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ هذا وصف لهم بكثرة الإنفاق في سبيل الله، وفي كل أحايينهم من غنى وفقر وعسر ويسر، وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ٢ الْغَيْظَ﴾ وصف لهم بالحلم والكرم النفسي، وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ٣ النَّاسِ﴾ وصف لهم بالصفح والتجاوز عن زلات الآخرين تكرماً، وفعلهم هذا إحسان ظاهر ومن هنا بشروا بحب الله تعالى لهم فقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ كما هو تشجيع على الإحسان وملازمته في القول والعمل وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وصف لهم بملازمة ذكر الله وعدم الغفلة، ولذا إذا فعلوا فاحشة ذنباً كبيراً أو ظلموا أنفسهم بذنب٤ دون الفاحش ذكروا وعيد الله تعالى ونهيه علما فعلوا، فبادروا إلى التوبة وهي الإقلاع عن الذنب والندم عن الفعل والعزم على عدم العودة إليه، واستغفار الله تعالى منه. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ٥﴾ وصف لهم بعدم الإصرار، أي: المواظبة على الذنب وعدم تركه وهم يعلمون أنه ذنب ناتج عن تركهم لواجب أو فعلهم محرم، وأما الآية الرابعة (١٣٦) فقد تضمنت بأن جزائهم على إيمانهم وتقواهم وما اتصفوا به من كمالات نفسية، وطهارة روحية ألا وهو مغفرة ذنوبهم، كل ذنوبهم

стр. 378

وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومدح المنان ما جازاهم به من المغفرة والخلود في الجنة ذات النعيم المقيم، فقال: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب تعجيل التوبة وعدم التسويف فيها لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ . ٢- سعة١ الجنة، وأنها مخلوقة الآن لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ . ٣- المتقون هم أهل الجنة وورثتها بحق. ٤- فضل استمرار الإنفاق في سبيل الله، ولو بالقليل. ٥- فضيلة خلة كظم الغيظ بترك المبادرة إلى التشفي والانتقام. ٦- فضل العفو عن الناس مطلقاً مؤمنهم وكافرهم، بارهم وفاجرهم. ٧- فضيلة الاستغفار وترك الإصرار على المعصية للآية والحديث: " ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة". رواه الترمذي وأبو داود وحسنه ابن كثير. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) ﴾

стр. 379

شرح الكلمات: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ : خلت: مضت. ﴿سُنَنٌ١﴾ : جمع سنة، وهي السيرة والطريقة التي يكون عليها الفرد أو الجماعة، وسنن الله تعالى في خلقه قانونه الماضي في الخلق. ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ : الأمر للإرشاد، للوقوف على ديار الهالكين الغابرين لتعتبروا. ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ : عاقبة أمرهم، وهي ما حل بهم من الدمار والخسار كعاد وثمود. ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ : أي: ما ذكر في الآيات بيان للناس به يتبينون الهدى من الضلال وما لازمهما من الفلاح، والخسران. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ : الموعظة: الحال التي يتعظ بها المؤمن فيسلك سبيل النجاة. ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ : لا تضعفوا. ﴿قَرْحٌ﴾ : القرح: أثر السلاح في الجسم؛ كالجرح، وتضم القاف فيكون بمعنى الألم. ﴿الأَيَّامُ٢﴾ : جمع يوم والليالي معها، والمراد بها ما يجريه الله من تصاريف الحياة من خير وغيره، وإعزاز وإذلال. ﴿شُهَدَاءَ٣﴾ : جمع شهيد وهو المقتول في سبيل الله، وشاهد: وهو من يشهد على غيره. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ : ليخلص المؤمنين من أدران المخالفات وأوضار الذنوب. ﴿وَيَمْحَقَ﴾ : يمحو٤ ويذهب آثار الكفر والكافرين. معنى الآيات: لما حدث ما حدث من انكسار المؤمنين بسب عدم الصبر، والطاعة اللازمة للقيادة ذكر تعالى تلك الأحداث مقرونة بفقهها لتبقى هدى موعظة للمتقين من المؤمنين وبدأها بقوله:

стр. 380

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا١ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فأخبر تعالى المؤمنين بأن سننه قد مضت فيمن قبلهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، فقد أرسل الله تعالى إليهم رسله فكذبوهم فأمضى تعالى سننه فيهم فأهلك المكذبين وأنجى المؤمنين بعد ما نالهم من أذى المكذبين، وستمضي سننه اليوم كذلك، فينجيكم وينصركم ويهلك المكذبين أعداءكم. وإن ارتبتم فسيروا في الأرض وقفوا على آثار الهالكين، وانظروا كيف كانت عاقبتهم، ثم قال تعالى: هذا الذي ذكرت في هذه الآيات بيان للناس يتبينون به الحق من الباطل والهدى من الضلال، وهدى يهتدون به إلى سبيل السلام وموعظة يتعظ بها المتقون لاستعدادهم بإيمانهم وتقواهم للاتعاظ فيطيعون الله ورسوله فينجون ويفلحون هذا ما تضمنته الآيتان الأولى (١٣٧) والثانية (١٣٨) وأما الآيتان الثالثة (١٣٩) والرابعة (١٤٠) فقد تضمنتا تعزيه الرب تعالى للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد، إذ قال تعالى مخاطباً لهم ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا فتقعدوا عن الجهاد والعمل، ولا تحزنوا على ما فاتكم من رجالكم، ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي: الغالبون لأعدائكم المنتصرون عليهم، وذلك فيما مضى وفيما هو آتٍ مستقبلا بشرط إيمانكم وتقواكم واعلموا أنه إن يمسسكم قرح بموت أو جراحات لا ينبغي أن يكون ذلك موهناً لكم قاعداً بكم عن مواصلة الجهاد فإن عدوكم قد مسه قرح مثله، وذلك في معركة بدر، والحرب سجال يوم لكم ويوم عليكم وهي سنة من سنن ربكم في الحياة. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ، ثم بعد هذا العزاء الكريم الحكيم ذكر تعالى لهم علة هذا الحدث الجلل، والسر فيه وقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ أي: ليظهر بهذا الحادث المؤلم إيمان المؤمنين وفعلاً فالمنافقون رجعوا من الطريق بزعامة رئيسهم المنافق الأكبر عبد الله بن أبي بن سلول، والمؤمنون واصلوا سيرهم وخاضوا معركتهم فظهر إيمانكم واتخذ الله منهم شهداء، وكانوا نحواً من سبعين شهيداً منهم أربعة من المهاجرين وعلى رأسهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ومصعب بن عمير٢ والباقون من الأنصار ﵃ أجمعين. وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ٣ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: أوجد هذا الذي أوجده في أحد من جهاد وانكسار تخليصا

стр. 381

للمؤمنين من ذنوبهم وتطهيراً لهم ليصفوا الصفاء الكامل، ويمحق الكافرين بإذهابهم وإنهاء وجودهم. إن هذا الدرس نفع المؤمنين فيما بعد فلم يخرجوا من طاعة نبيهم، وبذلك توالت انتصاراتهم حتى أذهبوا ريح الكفر والكافرين من كل أرض١ الجزيرة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عاقبة المكذبين بدعوة الحق الخسار والوبال. ٢- في آي القرآن الهدى والبيان والمواعظ لمن كان من أهل الإيمان والتقوى. ٣- أهل الإيمان هم الأعلون في الدنيا والآخرة. ٤- الحياة دول وتارات فليقابلها المؤمن بالشكر والصبر. ٥- الفتن تمحص الرجال، وتودي بحياة العاجزين الجزعين. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ

стр. 382

ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ : بل أظننتم فلا ينبغي أن تظنوا هذا الظن فالاستفهام إنكاري. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ : ولم يبتلكم بالجهاد حتى يعلم علم ظهور١ من يجاهد منكم ممن لا يجاهد كما هو عالم به في باطن الأمر وخفيه. ﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ : أي مضت من قبله الرسل بلغوا رسالتهم وماتوا. ﴿أَفَإِنْ مَاتَ٢ أَوْ قُتِلَ﴾ : ينكر تعالى على من قال عندما أشيع أن النبي قتل: "هيا بنا نرجع إلى دين قومنا"، فالاستفهام منصب على قوله: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ لا على فإن مات أو قتل، وإن دخل عليها. ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ : رجعتم عن الإسلام إلى الكفر. ﴿كِتَاباً مُؤَجَّلاً٣﴾ : كتب تعالى آجل الناس مؤقتة يمواقيتها فلا تتقدم ولا تتأخر. ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ : الثواب: الجزاء على النية والعمل معاً، وثواب الدنيا الرزق وثواب الآخرة الجنة. ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ : الذين ثبتوا على إسلامهم فاعتبر ثباتهم شكراً لله، وما يجزيهم به هو الجنة ذات النعيم المقيم، وذلك بعد موتهم.

стр. 383

معنى الآيات: ما زال السياق متعلقاً بغزوة أحد فأنكر تعالى على المؤمنين ظنهم أنهم بمجرد إيمانهم يدخلون الجنة بدون أن يبتلوا بالجهاد والشدائد تمحيصاً لهم وإظهاراً للصادقين منهم في دعوى الإيمان والكاذبين فيها، كما يظهر الصابرين الثابتين والجزعين المرتدين فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ثم عابهم تعالى على قلة صبرهم وانهزامهم في المعركة مذكراً إياهم بتمنيات الذين لم يحضروا وقعة بدر، وفاتهم فيها ما حازه من حضرها من الأجر والغنيمة بأنهم إذا قُدر لهم قتال في يوم ما من الأيام يبلون فيه البلاء الحسن فلما قدر تعالى ذلك لهم في وقعة أحد جزعوا وما صبروا وفروا منهزمين فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ١ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: فلما انهزمتم وما وفيتم ما واعدتم أنفسكم به؟ هذا ما تضمنته الآيتان الأولى (١٤٢) والثانية (١٤٣) ، وأما الآية الثالثة (١٤٤) فقد تضمنت عتاباً شديداً لأصحاب رسول الله ﷺ عندما اشتدت المعركة وحمي وطيسها واستحر القتل في المؤمنين نتيجة خلو ظهورهم من الرماة الذين كانوا يحمونهم من ورائهم وضرب ابن قميئة –أقمأه الله- رسول الله ﷺ بحجر في وجهه فشجه وكسر رباعيته، وأعلن أنه قتل محمداً فانكشف المسلمون وانهزموا، وقال من قال منهم لم نقاتل وقد مات رسول الله، وقال بعض المنافقين نبعث إلى ابن أبي رئيس المنافقين يأتي يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان، ونعود إلى دين قومنا!! فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ٢ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وما دام رسولاً كغيره من الرسل، وقد مات الرسل قبله فلم ينكر موته، أو يندهش له إذاً؟ بعد تقرير هذه الحقيقة العلمية الثابتة أنكر تعالى بشدة على أولئك الذين سمعوا صرخة إبليس في المعركة "قتل محمد" ففروا هاربين إلى المدينة، ومنهم من أعلن ردته في صراحة وهم المنافقون، فقال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فعاتبهم

стр. 384

منكراً على المنهزمين والمرتدين من المنافقين ردتهم، وأعلمهم أن ارتداد من ارتد أو يرتد لن يضر الله تعالى شيئاً، فالله غني عن إيمانهم ونصرهم، وأنه تعالى سيجزي الثابتين على إيمانهم وطاعة ربهم ورسوله ﷺ وسيجزيهم دنيا وآخرة بأعظم الأجور وأحسن المثوبات. هذا ما تضمنته الآية الثالثة أما الرابعة (١٤٥) فقد تضمنت حقيقتين علميتين: الأولى: أن موت الإنسان متوقف حصوله على إذن الله خالقه ومالكه فلا يموت أحد بدون علم الله تعالى بذلك فلم يكن لملك الموت أن يقبض روح إنسان قبل إذن الله تعالى له بذلك، وشي آخر وهو أن موت كل إنسان قد ضبط تاريخ وفاته باللحظة فضلاً عن اليوم والساعة، وذلك في كتاب١ خاص، فليس من الممكن أن يتقدم أجل إنسان أو يتأخر بحال من الأحوال، هذه حقيقة يجب أن تعلم، من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ . والثانية: أن من دخل المعركة يقاتل باسم الله فإن كان يريد بقتاله ثواب الدنيا فالله يؤتيه من الدنيا ما قدره له، وليس له من ثواب الآخرة شيء، وإن كان يريد ثواب الآخرة لا غير، فالله يعطيه في الدنيا ما كتب له ويعطيه ثواب الآخرة وهو الجنة وما فيها من نعيم مقيم وأن الله تعالى سيجزي الشاكرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذه الحقيقة التي تضمنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الابتلاء بالتكاليف الشرعية الصعبة منها والسهلة من ضروريات الإيمان. ٢- تقرير رسالة النبي محمد ﷺ وبشريته المفضلة، وموتته المؤلمة٢ لكل مؤمن٣.

стр. 385

٣- الجهاد وخوض المعارك لا يقدم أجل العبد، والفرار من الجهاد لا يؤخره أيضاً. ٤- ثواب الأعمال موقوف على نية العاملين وحسن قصدهم. ٥- فضيلة الشكر بالثبات على الإيمان والطاعة لله ورسوله في الأمر والنهي. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَكَأَيِّنْ١ مِنْ نَبِيٍّ﴾ : كثير من الأنبياء. وتفسر: كأين بكم وتكون حينئذ للتكثير. ﴿رِبِّيُّونَ٢﴾ : ربانيون علماء وصلحاء وأتقياء عابدون. ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ : ما ضعفوا عن القتال ولا انهزموا لأجل ما أصابهم من قتل وجراحات. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ : ما خضعوا ولا ذلوا لعدوهم. الإسراف: مجاوزة الحد في الأمور ذات الحدود التي أن يوقف عندها. ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ : أعطاهم الله تعالى ثواب الدنيا النصر والغنيمة. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ : الذين يحسنون نياتهم فيخلصون أعمالهم لله، ويحسنون أعمالهم فيأتون بها موافقة لما شرعت عليه في كيفياتها وأعدادها وأوقاتها.

стр. 386

معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أحداث غزوة أحد فذكر تعالى هنا ما هو في تمام عتابه للمؤمنين في الآيات السابقة عن عدم صبرهم وانهزامهم وتخليهم عن نبيهم في وسط المعركة وحده حتى ناداهم: إليّ عباد الله إليّ عباد الله فثاب إليه رجال. فقال تعالى مخبراً بما يكون عظة للمؤمنين وعبرة لهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ أي: وكم من نبي من الأنبياء السابقين قاتل معه جموع كثيرة من العلماء والأتقياء والصالحين فما وهنوا، أي: ما ضعفوا، ولا ذلوا لعدوهم ولا خضعوا له كما هم بعضكم أن يفعل أيها المؤمنون، فصبروا على القنال مع أنبيائهم متحملين آلام القتل والجرح فأحبهم ربهم تعالى لذلك لأنه يحب الصابرين. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٤٦) ونصها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا١ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وأما الآية الثانية فأخبر تعالى فيها عن موقف أولئك الربيين وحالهم أثناء الجهاد في سبيله تعالى فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا٢ فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . ولازم هذا كأنه تعالى يقول للمؤمنين لم لا تكونوا أنتم مثلهم وتقولوا قولتهم الحسنة الكريمة وهي الضراعة لله تعالى بدعائه واستغفاره لذنوبهم الصغيرة والكبيرة والتي كثيراً ما تكون سبباً للهزائم والانتكاسات كما حصل لكم أيها المؤمنون فلم يكن لأولئك الربانيين من قول سوى قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فسألوا الله مغفرة ذنوبهم وتثبيتهم أقدامهم في أرض المعركة حتى لا يتزلزلوا فينهزموا، والنصرة على القوم الكافرين أعداء الله وأعدائهم فاستجاب لهم ربهم فأعطاهم ما سألوا وهو ثواب الدنيا بالنصر والتمكين وحسن ثواب الآخرة وهو رضوانه الذي أحله عليهم وهم في الجنة دار المتقين والأبرار، هذا ما دلت عليه الآية الأخيرة (١٤٨) ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ٣ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 387

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الترغيب في الاتساء١ بالصالحين في إيمانهم وجهادهم وصبرهم وحسن أقوالهم. ٢- فضيلة الصبر والإحسان، يحب الله تعالى الصابرين والمحسنين. ٣- فضيلة الاشتغال بالذكر٢ والدعاء عند المصائب والشدائد بدل التأوهات وإبداء التحسرات والتمنيات، وشر من ذلك التصخت والتضجر والبكاء والعويل. ٤- كرم الله تعالى المتجلي في استجابة دعاء عباده الصابرين المحسنين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : المراد من طاعة الكافرين قبول قولهم والأخذ باراشادتهم. ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ : يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان. ﴿خَاسِرِينَ﴾ : فاقدين لكل خير في الدنيا، ولأنفسكم وأهليكم يوم القيامة.

стр. 388

﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ : بل أطيعوا الله ربكم ووليكم ومولاكم فإنه خير من يطاع وأحق من يطاع. ﴿الرُّعْبَ﴾ : شدة الخوف من توقع الهزيمة والمكروه. ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ : مقر إيوائهم ونزولهم. ﴿مَثْوَى﴾ : المثوى مكان الثوى، وهو الإقامة والاستقرار. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ : المشركين الذين أطاعوا غير الله تعالى وعبدوا سواه. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث١ غزوة أحد، فقد روى أن بعض المنافقين لما رأى هزيمة المؤمنين في أحد، قال في المؤمنين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم، ولو كان محمد نبياً لما قتل إلى آخر ما من شأنه أن يقال في تلك الساعة الصعبة من الاقتراحات التي قد كشف عنها هذا النداء الإلهي للمؤمنين، وهو يحذرهم من طاعة الكافرين بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ٢ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ فلا شك أن الكافرين قد طالبوا المؤمنين بطاعته بتنفيذ بعض الاقتراحات التي ظاهرها النصح وباطنها الغش والخديعة، فنهاهم الله تعالى عن طاعتهم في ذلك وهذا النهي وإن نزل في حالة خاصة، فإنه عام في المسلمين على مدى الحياة، فلا يحل طاعة الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم وفي كل ما يأمرون به أو يقترحونه، ومن أطاعهم ردوه عن دينه إلى دينهم فينقلب: يرجع خاسراً في دنياه وآخرته، والعياذ بالله. هذا ما تضمنته الأولى (١٤٩) وأما الآية الثانية (١٥٠) فقد تضمنت الأمر بطاعته تعالى، إذ هو أولى بذلك لأنه ربهم ووليهم ومولاهم، فهو أحق بطاعتهم من الكافرين، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ٣﴾ فأطيعوه، ولا تطيعوا أعداءه وإن أردتم أن تطلبوا النصر بطاعة الكافرين فإن الله تعالى خير الناصرين فاطلبوا النصر منه بطاعته فإنه ينصركم، وفي الآية الثالثة (١٥١) لما امتثل المؤمنون أمر ربهم فلم يطيعوا

стр. 389

الكافرين وعدهم ربهم بأنه سيلقي في قلوب الكافرين الرعب١ وهو الخوف والفزع والهلع حتى تتمكنوا من قتالهم والتغلب عليهم وذلك هو النصر المنشود منكم، وعلل تعالى فعله ذلك بالكافرين بأنهم أشركوا به تعالى آلهة عبدوها معه لم ينزل بعبادتها حجة ولا سلطاناً، وقال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ وأخيراً مأواهم النار، أي: محل إقامتهم النار، وذم تعالى الإقامة في النار فقال: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ، يريد النار بئس المقام للظالمين وهم المشركون٢. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تحرم طاعة الكافرين في حال الاختيار٣. ٢- بيان السر في تحريم طاعة الكافرين، وهو أنه يترتب عليها الردة. والعياذ بالله. ٣- بيان قاعدة من طلب النصر من غير الله أذله الله. ٤- وعد الله المؤمنين بنصرهم بعد إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، إذ هم أبو سفيان بالعودة إلى المدينة بعد انصرافه من أحد ليقضي عمن بقى في المدينة من الرجال، كذا سولت له نفسه، ثم ألقى الله تعالى في قلبه الرعب فعدل عن الموضوع بتدبير الله تعالى. ٥- بطلان كل دعوى ما لم يكن لأصحابها حجة وهي المعبر عنها بالسلطان٤ في الآية إذ الحجة يثبت بها الحق ويناله صاحبه بواسطتها. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ

стр. 390

مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ١﴾ : أنجزكم ما وعدكم على لسان رسوله بقوله للرماة اثبتوا أماكنكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ : تقتلونهم إذ، الحس: القتل. يقال: حسه، إذا قتله فأبطل حسه. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ : بإذنه لكم في قتالهم وبإعانته لكم على ذلك. ﴿فَشِلْتُمْ﴾ : ضعفتم وجبنتم عن القتال. ﴿تُصْعِدُونَ٢﴾ : تذهبون في الأرض فارين من المعركة، يقال: أصعد إذا ذهب في صعيد الأرض. ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ : لا تلوون رؤوسكم على أحد تلتفتون إليه. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ : أي: يناديكم من خلفكم إليَّ عباد الله ارجعوا إليّ عباد الله ارجعوا.
следующие страницы →