شرح الكلمات:
إن علينا للهدى: أي إن علينا لبيان الحق من الباطل والطاعة من المعصية.
وإن لنا للآخرة والأولى: أي ملك ما في الدنيا والآخرة نعطي ونحرم من نشاء لا مالك غيرنا.
فأنذرتكم: أي خوفتكم.
نارا تلظى: أي تتوقد.
لا يصلاها: أي لا يدخلها ويحترق بلهبها.
إلا الأشقى: أي إلا الأشقى.
الذي كذب وتولى: كذب النبي ﷺ فيما جاء به وتولى وأعرض عن الإيمان به وبما جاء به من التوحيد والطاعة لله ورسوله.
وسيجنبها الأتقى: أي يبعد عنها التقي.
يتزكى: أي يتطهر به فلذا يخليه من النظر إلى غير الله فهو لذلك خال من الرياء والسمعة.
وما لأحد عنده من نعمة تجزى: أي ليس لأحد من الناس عليه منة فهو يكافئه بذلك.
إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى: لكن يؤتي ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله .
ولسوف يرضى: أي يعطيه الله تعالى من الكرامة ما يرضي به في دار السلام.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ الآيات ... بعد أن أعلم تعالى عباده أنه ييسر لليسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، وأنه ييسر للعسرى من بخل واستغنى وكذب بالحسنى أعلم بحقيقة أخرى وهي أن بيان الطريق الموصل بالعبد لليسرى هو على الله تعالى متكفل به وقد بينه بكتابه ورسوله فمن طلب اليسرى فأولا يؤمن بالله ورسوله ويوطن نفسه على طاعتهما ويأخذ في تلك الطاعة العمل بها وثانيا ينفق في سبيل الله ما يطهر به نفسه من البخل وشح النفس ويظهر فقره وحاجته إلى الله تعالى بالتقرب إليه بالنوافل وصالح الأعمال وبذلك يكون قد يسر فعلا لليسرى وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ ١ أي الدنيا وعليه فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ ولا يحصل عليها بحال فطلب الآخرة يكون بالإيمان والتقوى، وطلب الدنيا يكون بالعمل حسب سنتنا في الكسب وحصول المال وقوله تعالى ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً٢ تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى٣ الَّذِي كَذَّبَ
стр. 3292
وَتَوَلَّى﴾ أي فبناء على ما بينا لكم فقد أنذرتكم أي خوفتكم نارا تلظى أي تتوقد التهابا لا يصلاها لا يدخلها ويصطلي بحرها خالدا فيها أبدا إلا الأشقى أي الأكثر شقاوة وهو المشرك وقد يدخلها الشقي من أهل التوحيد ويخرج منها بتوحيده، حيث لم يكذب ولم يتول، ولكن فجر وعصى، وما أشرك وما تولى، وقوله تعالى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ أي يعطي ماله في سبيل الله يتزكى به من مرض الشح والبخل وآثار الذنوب والإثم، وقوله ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ ١وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ أي فهو ينفق ما ينفقه في سبيل الله خاصة وليس ما ينفقه من أجل أن عليه لأحد من الناس فضلا أو يداً فهو يكافئه بها لالا، وإنما هو ينفق ابتغاء وجه ربه الأعلى أي يريد رضا ربه تعالى لا غير. قال تعالى ﴿وَلَسَوْفَ ٢يَرْضَى﴾ أي ما دام ينفق ابتغاء وجهنا فقط فسوف نكافئه ونعطيه عطاء يرضى به وذلك في الجنة دار السلام. هذه الآية الكريمة نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ فقد كان في مكة يشتري العبيد من مواليهم الذين يعذبونهم من أجل إسلامهم فكان يشتريهم ويعتقهم لوجه الله تعالى ومنهم بلال ﵁ فقال المشركون إنما فعل ذلك ليد عنده أي نعمه فهو يكافيه بها فأكذبهم الله في ذلك وأنزل قوله وسيجنبها الأتقى الآيات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان أن الله تعالى متكفل بطريق الهدى فأرسل الرسل وأنزل الكتاب فأبان الطريق وأوضح السبيل.
٢- بيان أن لله تعالى وحده الدنيا والآخرة فمن أرادهما أو إحداهما فليطلب ذلك من الله تعالى فالآخرة تطلب بالإيمان والتقوى والدنيا تطلب باتباع سنن الله تعالى في الحصول عليها.
٣- بيان فضل أبي بكر الصديق وأنه مبشر بالجنة في هذه الآية الكريمة.
стр. 3293
سورة الضحى
مكية وآياتها إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
شرح الكلمات:
والضحى: أي أول النهار ما بين طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى الزوال.
والليل إذا سجى: غطى بظلامه المعمورة وسكن فسكن الناس وخلدوا إلى الراحة.
ما ودعك: أي ما تركك ولا تخلى عنك.
وما قلى: أي ما أبغضك.
ألم يجدك يتيما: أي فاقد الأب إذ مات والده قبل ولادته.
فآوى: أي فآواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.
ووجدك ضالا: أي لا تعرف دينا ولا هدى.
ووجدك عائلا: أي فقيرا.
فأغنى: أي بالقناعة، وبما يسر لك من مال خديجة وأبي بكر الصديق.
فلا تقهر: أي لا تذله ولا تأخذ ماله.
فلا تنهر: أي لا تنهره بزجر ونحوه.
وأما بنعمة ربك فحدث: أي اذكر ما أنعم الله تعالى به عليك شكرا له على ذلك.
стр. 3294
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَالضُّحَى١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ٢ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ هذا قسم من الله تعالى لرسوله محمد ﷺ أقسم له به على أنه ما تركه ولا أبغضه. وذلك أنه أبطأ عنه الوحي أياما فلما رأى ذلك المشركون فرحوا به وعيروه فجاءت امرأة وقالت٣ له ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فحزن لذلك النبي ﷺ فأنزل الله سورة الضحى يقسم له فيها بالضحى وهو أول النهار من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى ما قبل الزوال بقليل، وبالليل إذا سجى أي غطى بظلامه المعمورة وسكن فسكن الناس وخلدوا على الراحة فيه ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ يا محمد أي تركك ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي ما أبغضك ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ أي الدنيا وذلك لما أعد الله لك فيها من الملك الكبير والنعيم العظيم المقيم. وسوف يعطيك ربك من فواضل نعمه حتى ترضى في الدنيا من كمال الدين وظهور الأمر في الآخرة الشفاعة وأن لا يبقى أحد من أمته أهل التوحيد في النار والوسيلة والدرجة الرفيعة التي لا تكون لأحد سواه.
وقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ٤ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ هذه ثلاث منن لله تعالى على رسوله منها عليه وذكره بها ليوقن أن الله معه وله وأنه ما تركه ولن يتركه وحتى تنتهي فرحة المشركين ببطء الوحي وتأخره بضعة أيام. فالمنة الأولى أن والد النبي ﷺ قد مات عقب ولادته وأمه ماتت بعيد فطامه فآواه ربه بأن ضمه إلى عمه أبي طالب فكان أبا رحيما وعما كريما له وحصنا منيعا له، ولم يتخل عن نصرته والدفاع عنه حتى وفاته والثانية منة العلم والهداية فقد كان ﷺ يعيش في مكة كأحد رجالاتها لا يعرف علما ولا شرعا وإن كان معصوما من مقارفه أي ذنب أو ارتكاب أية خطيئة إلا أنه ما كان يعرف إيمانا ولا إسلاما ولا شرعا كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ والثالثة منته عليه بالغنى بعد الحاجة فقد مات والده ولم يخلف أكثر من جارية هي بركة أم أيمن وبضعة جمال، فأغناه الله بغنى القناعة فلم يمد يده لأحد قط وكان يقول
стр. 3295
"ليس الغني عن كثرة العرض ولكن ١الغني غني النفس" هذه ثلاث منن إلهية وما أعظمها والمنة تتطلب شكرا ولله يزيد على الشكر ومن هنا أرشد الله تعالى رسوله إلى شكر تلك النعم ليزيده عليها فقال فأما ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ٢ فَلا تَقْهَرْ﴾ لا تقهره بأخذ ماله أو إذلاله أو أذاه ذاكرا رعاية الله تعالى لك أيام يتمك. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ﴾ وهو الفقير المسكين وذو الحاجة يسألك ما يسد خلته فأعطه ما وجدت عطاءً أو رده بكلمة طيبة تشرح صدره وتخفف ألم نفسه ولا تنهره بزجر عنيف ولا بقول غير لطيف ذاكرا ما كنت عليه من حاجة وما كنت تشعر به من احتياج ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ٣ فَحَدِّثْ﴾ أي أشكر نعمة الإيمان والإحسان والوحي والعلم والفرقان وذلك بالتحدث بها إبلاغا وتعليما وتربية وهداية فذاك شكرها والله يحب الشاكرين هكذا أدب الله ﷻ رسوله وخليله فأكمل تأديبه وأحسه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الدنيا لا تخلو من كدر وصدق الله العظيم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ .
٢- بيان علو المقام المحمدي وشرف مكانته.
٣- مشروعية التذكير بالنعم والنقم حملا للعبد على الصبر والشكر.
٤- وجوب شكر النعم بصرفها في مرضاة المنعم .٤
٥- تقرير معنى الحديث "إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه".
شرح الكلمات:
ألم: الاستفهام للتقرير أي إن الله تعالى يقرر رسوله بنعمه عليه.
نشرح لك صدرك: أي بالنبوة، وبشقه وتطهيره وملئه إيمانا وحكمة.
ووضعنا عنك وزرك: أي حططنا عنك ما سلف من تبعات أيام الجاهلية قبل نبوتك.
الذي أنقض ظهرك: أي الذي أثقل ظهرك حيث كان يشعر ﷺ بثقل السنين التي عاشها قبل النبوة لم يعبد فيها الله تعالى بفعل محابه وترك مكارهه لعدم علمه بذلك.
ورفعنا لك ذكرك: أي أعليناه فأصبحت تذكر معي في الآذان والإقامة والتشهد.
فإن مع العسر يسرا: أي مع الشدة سهولة.
فإذا فرغت: أي من الصلاة.
فانصب: أي اتعب في الدعاء.
وإلى ربك فارغب: أي فاضرع إليه راغبا فيما عنده من الخيرات والبركات.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ١ هذه ثلاث منن أخرى بعد المنن الثلاث التي جاءت في السورة قبلها منها الله تعالى على رسوله بتقريره بها فالأولى بشرح صدره ليتسع٢ للوحي ولما سيلقاه من قومه من سيء القول وباطل الكلام الذي يضيق به الإنسان والثانية وضع الوزر عنه فإنه ﷺ وإن لم يكن له وزر حقيقة فإنه كان يشعر بحمل ثقيل من جراء ترك العبادة والتقرب إلى الله تعالى في وقت ما قبل النبوة ونزول الوحي عليه إذ عاش عمرا أربعين سنة لم يعرف فيها عبادة ولا طاعة لله، أما مقارفة الخطايا فقد كان محفوظا بحفظ الله تعالى له فلم يسجد لصنم ولم يشرب خمرا ولم يقل أو يفعل إثما قط. فقد شق صدره وهو طفل في الرابعة من عمره وأخرجت منه العلقة التي هي محطة الشيطان التي ينزل بها من صدر الإنسان ويوسوس بالشر للإنسان والثالثة رفع الذكر أي ذكره ﷺ إذ قرن اسمه باسمه تعالى في التشهد وفي الأذان والإقامة وذلك الدهر كله وما بقيت الحياة. وقوله تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
стр. 3298
يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فهذه بشرى بقرب الفرج له ولأصحابه بعد ذلك العناء الذي يعانون والشدة التي يقاسون ومن ثم بشر١ ﷺ أصحابه وهو يقول "لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين" وقوله ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ هذه خطة لحياة المسلم وضعت لنبي الإسلام محمد ﷺ ليطبقها أمام المسلمين ويطبقونها معهم حتى الفوز بالجنة والنجاة من النار وهي فإذا فرغت من عمل ديني فانصب لعمل دنيوي وإذا فرغت من عمل دنيوي فانصب لعمل ديني أخروي فمثلا فرغت من الصلاة فانصب نفسك للذكر والدعاء بعدها، فرغت من الصلاة والدعاء فانصب نفسك لدنياك، فرغت من الجهاد فانصب نفسك للحج. ومعنى هذا أن المسلم يحيا حياة الجد والتعب فلا يعرف وقتا للهو واللعب أو للكسل والبطالة قط وقوله إلى ربك فارغب ارغب بعد كل عمل تقوم به في مثوبة ربك وعطائه وما عنده من الفضل والخير إذ هو الذي تعمل له وتنصب من أجله فلا ترغب في غيره ولا تطلب سواه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان ما أكرم الله تعالى به رسوله محمداً ﷺ من شرح صدره ومغفرة ذنوبه ورفع ذكره.
٢- بيان أن انشراح صدر٢ المؤمن للدين واتساعه لتحمل الأذى في سبيل الله نعمة عظيمة.
٣- بيان أن مع العسر يسرا دائما وأبدا، ولن يغلب عسر يسرين فرجاء المؤمن في الفرح دائم.
٤- بيان أن حياة المؤمن ليس فيها لهو ولا باطل ولا فراغ لا عمل فيه أبدا ولا ساعة من الدهر قط وبرهان هذه الحقيقة أن المسلمين من يوم تركوا الجهاد والفتح وهم يتراجعون إلى الوراء في حياتهم حتى حكمهم الغرب وسامهم العذاب والخسف حتى المسخ والنسخ وقد نسخ إقليم الأندلس ومسخت أقاليم في بلاد الروس والصين حتى الأسماء غيرت.
стр. 3299
سورة التين
مكية وآياتها ثمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)
شرح الكلمات:
والتين والزيتون: هما المعروفان التين فاكهة والزيتون ما يستخرج منه الزيت.
وطور سينين: جبل الطور الذي ناجى الرب تعالى فيه موسى ﵇.
وهذا البلد الأمين: مكة المكرمة لأنها بلد حرام لا يقاتل فيها فمن دخلها أمن.
لقد خلقنا الإنسان: جنس الإنسان آدم ﵇ وذريته.
في أحسن تقويم: أي في أجمل صورة في اعتدال الخلق وحسن التركيب.
أسفل سافلين: أي إلى أرذل العمر حتى يخرف ويصبح لا يعلم بعد أن كان يعلم.
أجر غير ممنون: أي غير منقطع فالشيخ الهرم الخرف المسلم يكتب له ما كان يفعله أيام قدرته على العمل فأجره لا ينقطع إلا بموته.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَالتِّينِ١ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ هذا قسم جليل من أقسام الرب تعالى حيث أقسم فيه بأربعة أشياء وهي التين وهو التين المعروف وهو أشبه شيء بفاكهة الجنة لخلوه من العجم.٢ وما يوجد بداخل الفاكهة كالنواة ونحوها، والزيتون وهو ذو منافع يؤكل ويدهن به ويستصبح به ويداوى به كذلك، وبطور سينين وهو جبل سينا في فلسطين إذ تم عليه أكبر
стр. 3300
حدث في تاريخ الحياة وهو أن الله تعالى كلم موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه عدة مرات وأسمعه كلامه وتجلى للجبل فصار دكا. وبمكة أم القرى التي دحيت الأرض من تحتها وفيها بيت الله وحولها حرمه هذا قسم عظيم وجوابه قوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ولقد تضمن هذا الجواب لذلك القسم أكبر مظاهر القدرة والعلم والرحمة وهي موجبة للإيمان بالله وتوحيده ولقائه وهو ما كذب به أهل مكة وأنكروه وبيان ذلك أن الإنسان كائن حي مخلوق فخالقه ذو قدرة قطعا وتعديل خلقه بنصب قامته وتسوية أعضائه وحسن سمته وجمال منظره دال على علم وقدرة وهي موجبة للإيمان بالله ولقائه إذ القادر على خلق الإنسان اليوم وقبل اليوم قادر على خلقه غدا كما شاء متى شاء ولا يرد هذا إلا أحمق جاهل، وقوله ثم رددناه أسفل سافلين وذلك بهرم بعض أفراده والنزول بهم إلى ما أسفل من سن الطفولة حيث يصبح الرجل فاقدا لعقله وقواه فيفقد قواه العقلية والبدنية وقوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وهو أن ما كانوا يقومون به من الفرائض والنوافل وسائر الطاعات والقربات لا ينقطع أجرهم١ منها بكبرهم وعدم قيامهم بها في سن الشيخوخة والهرم والخرف بخلاف الكافر والفاجر والفاسق فليس لهم أعمال لا تنقطع إلا من سن منهم سنة سيئة فإن ذنبه لا ينقطع ما بقى من يعمل بتلك السنة السيئة. وقوله تعالى ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ٢﴾ أي فمن يقدر على تكذيبك يا رسولنا بعد هذه الآيات والحجج والبراهين الدالة على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته فمن يكذب بالبعث والجزاء على الكسب الإرادي الاختياري في هذه الحياة من خير وشر فإنه وإن كذب بالدين وهو الجزاء الأخروي على عمل المكلفين في هذه الحياة الدنيا فإن هذا التكذيب قائم على أساس العناد والمكابرة إذ الحجج الدالة على يوم الدين والجزاء فيه تجعل المكذب به مكابرا أو جاحدا لا غير. وقوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ٣﴾ ؟ بلى فليس هناك أعدل من الله وأحسن حكما فكيف يظن إذا أن الناس يعملون متفاوتين في أعمالهم في هذه الدنيا ثم يموتون سواء ولا جزاء بعد بالثواب ولا بالعقاب هذا ظلم وباطل ومنكر ينزه الرب عنه فقضية البعث الآخر لا تقبل الجدل والمماحكة بحال من الأحوال.
стр. 3301
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان منافع التين والزيتون واستحباب غرس هاتين الشجرتين والعناية بهما.
٢- بيان شرف مكة. وحرمها.
٣- بيان فضل الله على الإنسان في خلقه في أحسن صورة وأقوم تعديل.
٤- تقرير فضل الله على الإنسان المسلم وهو أنه يطيل عمره فإذا هرم وخرف كتب له كل ما كان يعمله من الخير ويجانبه من الشر.
٥- مشروعية قول بلى وأنا على ذلك من الشاهدين بعد قراءة والتين إذ كان النبي ﷺ يقول ذلك.
стр. 3302
سورة العلق
مكية وآياتها تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)
شرح الكلمات:
اقرأ: أي أوجد القراءة وهي جمع الكلمات ذات الحروف باللسان.
باسم ربك: أي بذكر اسم ربك.
الذي خلق: أي خلق آدم من سلالة من طين.
خلق الإنسان: أي الإنسان الذي هو ذرية آدم.
من علق: أي جمع علقة وهي النطفة في الطور الثاني حيث تصير علقة أي قطعة من الدم الغليظ.
وربك الأكرم: أي الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله ولا يساويه.
الذي علم بالقلم: أي علم العباد الكتابة والخط بالقلم.
علم الإنسان: أي جنس الإنسان.
ما لم يعلم: أي ما لم يكن يعلمه من سائر العلوم والمعارف.
стр. 3303
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ هذه الآيات الخمس من أول ما نزل من القرآن الكريم لأحاديث الصحاح١ فيها فإن مما اشتهر في ذلك أن النبي ﷺ كان يأتي حراء يتحنث فيه أي يزيل الحنث فرارا مما عليه قومه من الشرك والباطل حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأت الحديث.
وقوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يأمر الله تعالى رسوله أن يقرأ بادئا قراءته بذكر اسم ربه أي باسم الله الرحمن الرحيم وقوله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أي خلق الخلق كله وخلق آدم من طين وخلق الإنسان من أولاد آدم من علق والعلق اسم جمع واحده علقة وهي٢ قطعة من الدم غليظة كانت في الأربعين يوما الأولى في الرحم نطفة ثم تطورت إلى علقة تعلق بجدار الرحم ثم تتطور في أربعين يوما إلى مضغة لحم، ثم إما أن يؤذن بتخلقها فتخلق وإما لا فيطرحها الرحم قطعة لحم وقوله ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾ تأكيد للأمر الأول لصعوبة الأمر واندهاش الرسول ﷺ للمفاجأة ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ٣ أي وربك الأكرم هو الذي علم بالقلم عباده الكتابة والخط. وقوله ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي من كرمه الذي أفاض منه على عباده نعمه التي لا تحصى إنه علم الإنسان بواسطة القلم ما لم يكن يعلم من العلوم والمعارف وهذه إشادة بالقلم وأنه واسطة العلوم والمعارف والواسطة تشرف بشرف الغاية المتوسط لها فلذا كان لا أشرف في الدنيا من عباد الله الصالحين والعلوم الإلهية في الكتاب والسنة وما دعوا إليه وحضا عليه من العلوم النافعة للإنسان.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير الوحي الإلهي وإثبات النبوة المحمدية.
٢- مشروعية ابتداء القراءة بذكر اسم الله ولذا افتتحت سور القرآن ما عدا التوبة ببسم الله الرحمن الرحيم.
стр. 3304
٣- بيان تطور النطفة في الرحم إلى علقة ومنها يتخلق الإنسان.
٤- اعظام شأن الله تعالى وعظم كرمه فلا أحد يعادله في الكرم.
٥- التنويه بشأن الكتابة والخط بالقلم إذ المعارف والعلوم لم تدون إلا بالكتابة والقلم.
٦ - بيان فضل الله تعالى على الإنسان في تعليمه ما لم يكن يعلم بواسطة الكتابة والخط.
كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْداً إِذَا صَلَّى (١٠)
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
شرح الكلمات:
كلا١: أي لا أداة استفتاح وتنبيه لكسر إن بعدها.
إن الإنسان: أي ابن آدم قبل أن تتهذب مشاعره وأخلاقه بالإيمان والآداب الشرعية.
ليطغى: أي يتجاوز الحد المفروض له في سلوكه ومعاملاته.
أن رآه استغنى: أي عندما يرى نفسه قد استغنى بماله أو ولده أو سلطانه.
إن إلى ربك الرجعى: أي إن إلى ربك أيها الرسول الرجعى أي الرجوع والمصير.
الذي ينهى عبدا إذا صلى: أي أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي لعنه الله.
إن كان على الهدى أو أمر: أي هو رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني.
بالتقوى
стр. 3305
إن كذب وتولى: أي هو أبو جهل.
لئن لم ينته: أي من أذية رسولنا محمد ﷺ ومنعه من الصلاة خلف المقام.
لنسفعا بالناصية: أي لنأخذن بناصيته ونسحبه إلى نار جهنم.
فليدع نادية: أي رجال مجلسه ومنتداه.
سندع الزبانية: أي خزان جهنم.
كلا: أي ارتدع أيها الكاذب الكافر.
واقترب: أي منه تعالى وذلك بطاعته.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان قبل أن يهذبه الإيمان والمعارف الإلهية المشتملة على معرفة محاب الله تعالى, ومساخطه أنه إذا رأى نفسه قدر استغنى بماله أو ولده أو سلطانه أو بالكل وما أصبح في حاجة إلى غيره يطغى فيتجاوز حد الآداب والعدل والحق والعرف فيتكبر ويظلم ويمنع الحقوق ويحتقر الضعفاء ويسخر بغيره. وأبو جهل كان مضرب المثل في هذا الوصف وصف الطغيان حتى قيل أنه فرعون هذه الأمة, وها هو ذا رسول الله ﷺ يصلي في المسجد الحرام خلف المقام فيأتيه هذا الطاغية ويهدده ويقول له لقد نهيتك عن الصلاة هنا فلا تعد, ويقول له إن وجدتك مرة أخرى آخذ بناصيتك وأسحبك على الأرض فينزل الله تعالى هذه الآيات ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ فيقف برسوله على حقيقة ما كان يعلمها وهي أن ما يجده من أبي جهل وأضرابه من طغاة قريش علته كذا وكذا ويسليه فيقول له وإن طغوا وتجبروا إن مرجعهم إلينا وسوف ننتقم لك منهم ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ يا رسولنا ﴿الرُّجْعَى﴾ إذاً فاصبر على أذاهم وانتظر ما سيحل بهم إن مصيرهم إلينا لا إلى غيرنا وسوف ننتقم منهم ثم يقول له قولا يحمل العقلاء على التعجب من سلوك أبي جهل الشائن مع رسول الله ﷺ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ ؟ وهل الذي يصلي ينهى عن الصلاة وهل الصلاة جريمة وهل في الصلاة ضرر على أحد؟ فكيف ينهى عنها؟ ويقول له ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ﴾ أي المصلي الذي نهي عن الصلاة وهو الرسول نفسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3306
﴿عَلَى الْهُدَى﴾ الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة وكرامتهما؟ ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ أي أمر غيره بما يتقي به عذاب الدنيا والآخرة, هل الآمر بالهدى والتقوى أي بأسباب النجاة السعادة يعادي ويحارب؟ ويضرب ويهدد؟ إن هذا العجب العجاب. ويقول أرأيت يا رسولنا إن كذب هذا الذي ينهى عبدا إذا صلى أي كذب بالحق والدين وتولى عن الإيمان والشرع, كيف يكون حاله يوم يلقى ربه؟ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ أن يرى أفعاله الاستفزازية المقيتة وتطاوله على رسول الله وتهديده له بالضرب إن وجده يصلي خلف المقام. بعد هذه الدعوة للطاغية لعله يرجع للحق إذا سمعه, وإذا به يزدادا طغيانا ويقول في مجلس قريش يقول واللات والعزى لئن رأيت محمدا ﷺ يصلي لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه على التراب, وفعلا أتى إلى النبي ﷺ وهو يصلي ليطأ على ركبته فإذا به ينكص على عقبيه, ويتقي بيديه, فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وأنزل الله تعالى ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي صاحبها وهو أبو جهل أي لئن لم ينته عن أذية رسولنا وتعرضه له في صلاته ليمنعه منها لنأخذن بناصيته ونجره إلى جهنم عيانا. ﴿فَلْيَدْعُ﴾ حينئذ رجال ناديه ومجلس قومه فإنا ندعو الزبانية أي خزنة النار من الملائكة كلا فليرتدع هذا الطاغية وليعلم أنه لن يقدر على أن يصل إلى رسولنا بعد اليوم بأذى.
وقال تعالى لرسوله بعد تهديده للطاغية, وردعه له, وارتدع فعلا ولم يجرؤ بعد ذلك اليوم أن يمد لسانه, ولا يده بسوء لرسول الله ﷺ قال لرسوله ﷺ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ فيما يطلب منك من ترك الصلاة في المسجد الحرام فقد كفيناك شره ﴿وَاقْتَرِبْ١﴾ إلينا بالطاعات ومن أهمها الصلاة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سبب نزول الآيات كلا إن الإنسان ليطغى إلى آخر السورة.
٢- بيان طبع الإنسان إذا لم يهذب بالإيمان والتقوى.
٣- نصرة الله لرسوله ﷺ بالملائكة عيانا في المسجد الحرام.
٤- تسجيل لعنة الله على فرعون الأمة أبي جهل وأنه كان أظلم قريش لرسول الله وأصحابه.
٥- مشروعية السجود عند تلاوة هذه السورة إذا قرأ فاسجد واقترب شرع له السجود٢ إلا أن يكون يصلي بجماعة في الصلاة السرية فلا يسجد لئلا يفتنهم.
стр. 3307
سورة القدر
مكية وآياتها خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
شرح الكلمات:
إنا أنزلناه: أي القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا.
في ليلة القدر: أي ليلة الحكم التقدير التي يقضي فيها قضاء السنة كلها.
وما أدراك ما ليلة القدر: أي إن شأنها العظيم.
ليلة القدر خير من ألف شهر: أي العمل الصالح فيها من صلاة وتلاوة قرآن ودعاء خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.
والروح فيها: أي جبريل في ليلة القدر.
بإذن ربهم: أي ينزلون بأمره تعالى لهم بالتنزل فيها.
من كل أمر: أي من كل أمر قضاه الله تعالى في تلك السنة من رزق وأجل وغير ذلك.
سلا هي حتى مطلع الفجر: أي هي سلام من الشر كله من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ١﴾ أي القرآن الكريم الذي كذب به المكذبون وأنكره الكافرون يخبر تعالى أن ما يتلوه عبده ورسوله محمد ﷺ هو حق وحي الله وكتابه أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وذلك في ليلة الحكم والقضاء التي يقضي الله فيها ما يشاء من أحداث العالم
стр. 3308
من رزق وأجل وغيرهما إلى بداية السنة الآتية وذلك كل سنة وهذا كقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ١ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ إذ ما قضاه الله تعالى وحكم بوجوده قد كتب في اللوح المحفوظ ومنه القرآن الكريم ثم في ليلة القدر تؤخذ نسخة من أحداث السنة فتعطى الملائكة وتنفذ حرفيا في تلك السنة، ولذلك كان لليلة القدر بمعنى التقدير شأن عظيم ففضلها الله على ألف شهر وأخبر عن سبب فضلها أن الملائكة تتنزل فيها وجبريل معهم بإذن ربهم أي ينزلون بإذن الله تعالى لهم وأمره إياهم بالنزول ينزلون مصحوبين بكل أمر قضاه الله وحكم به في تلك السنة من خير وشر من رزق وأجل ولفضل هذه الليلة كانت العبادة فيها تفضل غيرها من نوعها بأضعاف مضاعفة إذ العمل تلك الليلة يحسب لصاحبه عمل ألف ليلة أي ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر. هذا ما دل عليه قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ٢ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ٣ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ وقوله ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي هي سلام من كل شر إذ هي كلها خير من غروب الشمس إلى طلوع فجرها إنها كلها سلام سلام الملائكة على العابدين من المؤمنين والمؤمنات وسلامة من كل شر. والحمد لله الذي جعلنا من أهلها.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية.
٢- تقرير عقيدة القضاء والقدر.
٣- فضل ليلة القدر وفضل العبادة فيها٤.
٤- بيان أن القرآن نزل في رمضان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وأنه ابتدئ نزوله على رسول الله ﷺ في رمضان أيضا.
٥- الندب٥ إلى طلب ليلة القدر للفوز بفضلها وذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان وأرجى
стр. 3309
ليلة في العشر الأواخر هي الوتر كالواحدة والعشرين إلى التاسعة والعشرين لحديث الصحيح التمسوها في العشر الأواخر.
٦- استحباب الإكثار من قراءة القرآن وسماعه فيها لمعارضة جبريل الرسول١ ﷺ القرآن في رمضان مرتين.
стр. 3310
سورة البينة ١
مدنية وآياتها ثمان آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)
شرح الكلمات:
من أهل الكتاب: أي اليهود والنصارى.
والمشركين: أي عبدة الأصنام.
منفكين: أي زائلين عما هم عليه منتهين عنه.
حتى تأتيهم البينة: أي الحجة الواضحة وهي محمد ﷺ وكتابه القرآن الكريم.
رسول من الله: أي محمد رسول الله ﷺ .
صحفا مطهرة: أي من الباطل.
стр. 3311
فيها كتب قيمة: أي في تلك الصحف المطهرة كتب من الله مستقيمة.
إلا من بعد ما جاءتهم البينة: أي الرسول محمد ﷺ وكتابه القرآن الكريم.
وما أمروا: أي في كتبهم التوراة والإنجيل.
حنفاء: أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.
دين القيمة: أي دين الملة القيمة أي المستقيمة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وهم اليهود والنصارى١ والمشركون هم عباد الأصنام لم يكونوا منفصلين عما هم عليه من الديانة تاركين لها إلى غاية مجيء البينة لهم فلما جاءتهم البينة. وهي محمد ﷺ وكتابه انفكوا أي ٢انقسموا فمنهم من آمن بمحمد ﷺ وكتابه والدين الإسلامي ومنهم من كفر فلم يؤمن. وقوله تعالى ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ﴾ هو محمد ﷺ وقوله ﴿يَتْلُو صُحُفاً﴾ أي يقرأ على ظهر قلب ما تضمنته تلك الصحف المطهرة من الباطل والمشتملة على كتب٣ من عند الله قيمة أي مستقيمة لا انحراف فيها عن الحق ولا بعد عن الهدى والمراد من الصحف المطهرة القرآن الكريم. وقوله تعالى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي اليهود والنصارى ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وهي محمد ﷺ وكتابه إذ كانوا قبل البعثة المحمدية متفقين على انتظار نبي آخر الزمان وأنه النبي الخاتم للنبوات فلما جاءهم تفرقوا فآمن بعض وكفر بعض. في حين أنهم ما أمروا في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم. وكذا في القرآن وعلى لسان نبيه محمد ﷺ إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ويقيموا الصلاة بأن يؤدوها في أوقاتها بشروطها وأركانها وآدابها ويؤتوا الزكاة التي أوجب الله في الأموال لصالح الفقراء والمساكين. وذلك دين القيمة أي وهذا هو دين الملة القيمة المستقيمة الموصلة للعبد إلى رضا الرب وجنات الخلد بعد انجائه من العذاب والغضب.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان أن الديانات السابقة للإسلام والتي عاصرته كانت منحرفة اختلط فيها الحق بالباطل ولم
стр. 3312
تصبح صالحة للإسلام والهداية البشرية ولا فرق بين اليهودية والنصرانية والمجوسية.
٢- إن أهل الكتاب بصورة خاصة كانوا منتظرين البعثة المحمدية بفارغ الصبر لعلمهم بما أصاب دينهم من فساد، ولما بعث رسول الله ﷺ وجاءتهم البينة على صدقة وصحة ما جاء به تفرقوا فآمن البعض١ وكفر البعض.
٣- مما يؤخذ على اليهود والنصارى أنهم في كتبهم مأمورون بعبادة الله تعالى وحده والكفر بالشرك مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فما بالهم لما جاءهم الإسلام بمثل ما أمروا به كفروا به وعادوه. والجواب أنهم لما انحرفوا عز عليهم أن يستقيموا لما ألفوا من الشرك والضلالة والباطل.
٤- بيان أن الملة القيمة والدين المنجي من العذاب المحقق للإسعاد والكمال ما قام على أساس عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والميل عن كل دين إلى هذا الدين الإسلامي.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
شرح الكلمات:
إن الذين كفروا من أهل الكتاب: أي بالإسلام ونبيه وكتابه هم اليهود والنصارى.
أولئك هم شر البرية: أي شر الخليقة.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: أي آمنوا بالإسلام ونبيه وكتابه وعملوا الصالحات.
أولئك هم خير البرية: أي هم خير الخليقة.
جنات عدن: أي بساتين إقامة دائمة.
﵃: أي بطاعته.
ورضوا عنه: أي بثوابه.
стр. 3313
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ١ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ إنه بعد أن بين الدين الحق المنجي من العذاب والموجب للنعيم وهو الدين الإسلامي أخبر تعالى أن من كفر به من أهل الكتاب ومن المشركين هم في نار جهنم خالدين فيها هذا حكم الله فيهم لكفرهم بالحق وإعراضهم عنه بعدما جاءتهم البينة وعرفوا الطريق وتنكبوه رضا بالباطل واقتناعا بالكفر والشرك بدل الإيمان والتوحيد هؤلاء الكفرة الفجرة هم شر الخليفة كلها. وهو معنى قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ٢ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ كما أخبر تعالى بأن جزاء من آمن بالله ورسوله وعمل بالدين الإسلامي فأدى الفرائض واجتنب النواهي وسابق في الخيرات والصالحات هؤلاء هم٣ خير البرية إذ قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ وقوله ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي جزاء أولئك الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ وما جاء به من الهدى والدين الحق أولئك هم خير الخليفة وقوله ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي يوم يلقونه وذلك بعد الموت ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي بساتين إقامة دائمة خالدين فيها أبدا أي لا يخرجون منها ولا يموتون أبدا وقوله ﴿رَضِيَ٤ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي ﵃ بسبب إيمانهم وطاعتهم ورضوا عنهم بسبب ما وهبهم وأعطاهم من النعيم المقيم في دار السلام وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ٥ رَبَّهُ﴾ أي ذلك الجزاء المذكور وهو جزاء عظيم إذ جمع لأهله فيه بين سعادة الروح وسعادة البدن معا هو جزاء عبد خاف ربه فلم يعصه حتى لقيه بعد موته وإن عصاه يوما تاب وإن أخطأ رجع حتى مات وهو على الطاعة لا على المعصية.
стр. 3314
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان جزاء من كفر بالإسلام من سائر الناس وأنه بئس الجزاء.
٢- بيان جزاء من آمن بالإسلام ودخل فيه وطبق قواعده واستقام على الأمر والنهي فيه وهو نعم الجزاء رضى الله والخلود في دار السلام.
٣- فضل الخشية إن حملت صاحبها على طاعة الله ورسوله فأطاعهما بأداء الفرائض وترك المحرمات في الاعتقاد والقول والعمل.
стр. 3315
سورة الزلزلة ١
مدنية وآياتها ثماني آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (٨)
شرح الكلمات:
إذا زلزلت الأرض: أي حركت لقيام الساعة.
وأخرجت الأرض أثقالها: أي كنوزها وموتاها فألقتها وتخلت.
مالها: أي وقال الكافر مالها أي أي شيء جعلها تتحرك هذه الحركة.
تحدث أخبارها: أي تخبر بما وقع عليها من خير وشر وتشهد به لأهله.
أوحى لها: أي بأن تحدث أخبارها فحدثت.
يصدر الناس أشتاتا: أي من موقف الحساب.
стр. 3316
ليروا أعمالهم: أي جزاء أعمالهم إما إلى الجنة وإما إلى النار.
مثقال ذرة: زنة نملة صغيرة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا١﴾ أي تحركت حركتها الشديدة لقيام الساعة وأخرجت الأرض أثقالها من كنوز وذلك في النفخة الأولى, وأموات وذلك في النفخة الثانية ففي الإخبار إجمال إذ المقصود تقرير البعث والجزاء ليعمل الناس بما ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة. وقوله ﴿وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا؟﴾ ٢ لا شك أن هذا الإنسان السائل كان كافرا بالساعة ولذا تساءل أما المؤمن فهو يعلم ذلك لأنه جزء من عقيدته. وقوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا٣﴾ أي تخبر بما جرى عليها من خير وشر بلسان القال أو الحال. وهي في هذا الإخبار مأمورة لقوله تعالى ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي بذلك وقوله ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً٤﴾ أي يوم تزلزل الأرض وتهتز للنفخة الثانية نفخة يصدر الناس فيها أشتاتاً أي يصدرون من ساحة فصل القضاء فمن آخذ ذات اليمين ومن آخذ ذات الشمال ليروا أعمالهم أي جزاء أعمالهم في الدنيا من حسنة وسيئة فالحسنة تورث الجنة والسيئة تورث النار. وقوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً٥﴾ أي وزن ذرة من خير في الدنيا يثب عليه في الآخرة ومن يعمل مثقال ذرة أي وزن ذرة من شر في الدنيا يجز به في الآخرة إلا أن يعفو الجبار وبما أن الكفر مانع من دخول الجنة فإن الكافر إذا عمل حسنة في الدنيا, وليس له في الآخرة شيء منها وذلك لحديث عائشة ﵂ إذ سألت الرسول ﷺ عن عبد الله بن جدعان هل ينفعه في الآخرة ما كان يفعله في الدنيا من إطعام الحجيج وكسوتهم فقال لها. لا إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. كما أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يأكل مع الرسول ﷺ ونزلت هذه الآية ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ الآية فرفع أبو بكر يده من الطعام وقال إني لراء ما عملت من خير وشر؟ فقال
стр. 3317
النبي ﷺ أن ما ترى مما تكره فهو من مثاقيل ذر شر كثير, ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة وتصديق ذلط في كتاب الله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات
١- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢- الإعلام بالانقلاب الكوني الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات غير السموات.
٣- تكلم الجمادات من آيات الله تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته وهي موجبات ألوهيته بعبادته وحده دون سواه.
٤- تقرير حديث الصالح اتقوا النار ولو بشق تمرة.١
٥- الكافر عمله الخيري ينفعه في الدنيا دون الآخرة.
٦- المؤمن يجزي٢ بالسيئة في الدنيا ويدخر له صالح عمله للآخرة.
ضبحا: أي تضبح ضبحا والضبح صوت الخيل إذا عدت أي جرت.
فالموريات قدحا: أي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت بالليل.
فالمغيرات صبحا: أي الخيل تغير على العدو صباحا.
فأثرن به نقعا: هيجن به أي بمكان عدوها نقعا أي غبارا.
فوسطن به جمعا: أي بالنقع جمع العدو أي حيث تجمعاته.
لكنود: لكفور بجحد نعمه تعالى عليه.
لشهيد: أي يشهد على نفسه بعمله.
وإنه لحب الخير: أي المال.
إذا بعثر: أي أثير وأخرج ما في القبور.
وحصل ما في الصدور: بين وأفرز ما في الصدور من الإيمان والكفر.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ ١ الآيات إلى قوله ﴿أَفَلا يَعْلَمُ﴾ تضمنت قسما إلهيا عظيما على حقيقة كبرى يجهلها كثير من الناس وهي كفر الإنسان لربه ولنعمه عليه يعد المصائب وينسى النعم والفواصل وهذا بيان ما أقسم تعالى به وهو العاديات ضبحاً وهي الخيل٢ تضبح أي تخرج صوتا خاصا غير الصهيل المعروف فالموريات قدحا أي الخيل توري النار بحوافرها إذا مشت فوق الحجارة ليلا ويدخل ضمن هذا كل قادحة للنار فالمغيرات صبحا أي جماعات الخيل يركبها فرسانها للإغارة على العدو بها صباحا. وقوله فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا أي فأثارت الخيل النقع وهو الغبار والتراب عند سيرها بفرسانها فتوسطت جمع العدو وكتائبه لقتال أعداء الله الكافرين بالله وآياته ولقائه المفسدين في الأرض بالشرك والمعاصي هذا ما أقسم الله تعالى به وهو الخيل ذات الصفات الثلاث: العدو والإوراء والإغارة والمقسم عليه قوله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ المراد من الإنسان الكافر والجاهل بربه تعالى الذي لم تتهذب روحه بمعرفة الله ومحابه ومكارهه ولم يزك نفسه بفعل المحاب وترك المكاره هذا الإنسان أقسم تعالى على أنه كفور لربه تعالى ولنعمه عليه أي شديد الكفر كثير بذكر المصائب ويشعر بها ويصرخ لها ويصر عليها وينسى النعم والفواضل عليه فلا يذكرها ولا يشكر الله تعالى عليها. فالكنود الكفور.٣ وقوله تعالى
стр. 3320
وإنه على ذلك لشهيد أي وإن الله تعالى على هذا الوصف في الإنسان لشهيد فأخبر تعالى بما علمه من الإنسان وشهد به عليه كما أن الإنسان شهيد بأعماله وصنائع أقواله وأفعاله شهيد على نفسه بالكفر والجحود. وقوله وإنه لحب الخير لشديد هذا مما أقسم تعالى عليه أيضا وهو وصف للإنسان الكنود وهو أنه شديد حب المال وسمي المال خيرا تسمية١ عرفية إذ تعارف الناس على ذلك كما أنه خير من حيث أنه يحصل به الخير الكثير إذا أنفق في مرضاة الله تعالى.
وقوله تعالى ﴿أَفَلا ٢يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ٣ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أي أيكفر الإنسان بربه ويجحد نعمه عليه وإحسانه إليه ويحب المال أشد الحب فيمنع حقوق الله فيه ويكتسب مما حرم الله عليه وقوله تعالى ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا ٤بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ أي بعثرت القبور وأخرج ما فيها من البشر للحساب والجزاء ووقفوا بين يدي الله تعالى وأفرز وبين ما كان خفيا في الصدور من الاعتقادات والنيات الصالحة والفاسدة ولا يخفى على الله تعالى منهم شيء حيث ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ٥ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ كما هو اليوم خبير إلا أنها ساعة الحساب والمجازاة فذكر فيها علم الله تعالى وخبرته بالظواهر والبواطن والضمائر والسرائر فلا يخفى على الله من ذلك شيء وسيتم الجزاء العادل بحسب هذا العلم وتلك الخبرة الإلهية. فلو علم الكفور من الناس المحب للمال هذا وأيقنه لعدل من سلوكه وأصلح من اعتقاده ومن أقواله وأعماله فالآيات دعوة إلى مراقبة الله تعالى بعد الإيمان والاستقامة على طاعته.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- الترغيب في الجهاد والإعداد له كالخيل أمس، ونفاث الطائرات اليوم.
٢- بيان حقيقة وهي أن الإنسان كفور لربه ونعمه عليه يذكر المصيبة إذا أصابته وينسى النعم التي غطته إلا إذا آمن وعمل صالحا.
стр. 3321
٣- بيان أن الإنسان يحب المال حبا شديدا إلا إذا هذب بالإيمان وصالح الأعمال.
٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
стр. 3322
سورة القارعة
مكية وآياتها إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)
شرح الكلمات:
القارعة: القيامة وسميت القارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها.
ما القارعة: أي أي شيء هي؟ فالاستفهام للتهويل من شأنها.
وما أدراك ما القارعة: زيادة في التهويل أمرها وتعظيمه.
كالفراش المبثوث: أي كغوغاء الجراد المنتشر يموج بعضهم في بعض.
كالعهن المنفوش: أي كالصوف المندوف هذه حالها أولا ثم تكون كثيبا مهيلا ثم تكون هباء منبثا.
في عيشة راضية: أي يرضاها صاحبها في الجنة فهي مرضية له.
فأمه هاوية: أي مأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه وهي النار.
نار حامية: أي هي نار حامية.
стр. 3323
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿الْقَارِعَةُ﴾ إلى آخر السورة الكريمة تضمنت آياتها الإحدى عشرة آية وصفاً لعقيدة البعث والجزاء التي كذب بها المشركون وأنكروها وبالغوا في إنكارها فأخبر تعالى أن القيامة التي تقرع الناس بأهوالها وعظائم ما يجري فيها بحيث يكون الناس وهم اشرف الكائنات الأرضية يكونون في خفة أحلامهم وحيرة عقولهم كالفراش المبثوث وهو غوغاء الجراد وتجمعه وتراكمه وانتشاره وهو يموج بعضه فوق بعض. وتكون الجبال على رسوها وعلوها وضخامة ذواتها كالعهن المنفوش أي كالصوف المندوف بالمنداف وهو يتطاير هنا وهناك. هذا في أول الأمر وقد تكون كالرمل المتهيل. ثم كالهباء المنبث فإذا بعثوا ووقفوا بين يدي ربهم لحسابهم ومجازاتهم ﴿فمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي موازين حسناته فقد نجا من النار وهو ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضية له وهو بها راض وكيف لا وهي الجنة دار النعيم المقيم. ﴿وأمّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي قلت حسناته وكثرت سيئاته أو لم يكن له حسنة بالمرة كأهل الكفر والشرك ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي فأمه التي تضمه إليها وتؤيه عندها هاوية بحيث يهوى فيها على أم رأسه وقوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ؟﴾ أي هي ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ هذا الاستفهام للتهويل من شأنها وهي كذلك لا أشد هولا منها إنها النار دار البوار والخسران أعاذنا الله تعالى منها وعتق رقابنا منها اللهم آمين.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١-تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر صورة صادقة لها.
٢-التحذير من أهوال يوم القيامة وعذاب الله تعالى فيها.
٣-تقرير عقيدة وزن الأعمال صالحها وفاسدها وترتيب الجزاء عليها.
تقرير أن الناس يوم القيامة فريقان فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 3324
سورة التكاثر
مكية وآياتها ثماني آيات١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
شرح الكلمات:
ألهاكم: أي شغلكم عن طاعة الله تعالى.
التكاثر: أي التباهي بكثرة المال.
حتى زرتم المقابر: أي تشاغلتم بجمع المال والتباهي بكثرته حتى متم ونقلتم إلى المقابر.
كلا: أي ما هكذا ينبغي أن تفعلوا فارتدعوا عن هذا التكاثر.
سوف تعلمون: أي إذا دخلتم قبوركم علمتم خطأكم في التكاثر في الأموال والأولاد.
كلا: أي حقا.
لو تعلمون علم اليقين: أي علما يقينيا عاقبة التكاثر لما تفاخرتم بكثرة أموالكم.
لترون الجحيم: أي النار.
يومئذ: أي يوم ترون الجحيم عين اليقين.
عن النعيم: أي تنعمتم به وتلذذتم من الصحة والفراغ والأمن والمطاعم والمشارب.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ٢﴾ هذا خطاب الله تعالى للمشتغلين بجمع المال وتكثيره للمباهاة به
стр. 3325
والتفاخر الأمر الذي ألهاهم عن طاعة الله ورسوله فماتوا ولم يقدموا لأنفسهم خيراً فقال تعالى لهم ألهاكم أي شغلكم التكاثر أي في الأموال للتفاخر بها والمباهاة بكثرتها ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ١ أي بعد موتكم نقلتم إليها لتبقوا فيها إلى أن تخرجوا منها للحساب والجزاء أي يوم القيامة. وقوله لهم ﴿كُلّاً﴾ أي ما هكذا ينبغي أن تفعلوا فاتدعوا عن هذا السلوك المفضي بكم إلى الهلاك والخسران. سوف تعلمون عاقبة تشاغلكم عن طاعة الله وطاعة رسوله والتزود للدار الآخرة ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ ٢تَعْلَمُونَ﴾ كرر الوعيد والتهديد. وقوله ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ٣﴾ أي٤ حقا لو تعلمون ما تجدونه في قبوركم ويوم بعثكم ونشوركم لما تشاغلتم بالأموال وتكاثرتم فيها. وقوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا جواب قسم نحو وعزتنا لترون الجحيم أي النار وذلك يوم القيامة المشرك يراها ويصلاها والمؤمن يراها وينجيه الله تعالى منها. ثم لترونها عين اليقين أي الأمر الذي لا شك فيه إذ يؤتى بجهنم فيراها أهل الموقف أجمعون وقوله ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم ترون الجحيم عين اليقين ﴿عَنِ النَّعِيمِ٥﴾ الذي كان لكم في الدنيا من صحة وفراغ وأمن وطعام وشراب. فمن أدى شكره نجا، ومن لم يؤد شكره أخذ به ولا يعفى إلا عن ثوب يستر العورة وكسرة خبز تسد الجوعة وجحر يكن من الحر والبرد وقد صح أن النبي ﷺ قال لبي بكر وعمروا ابن التيهان "هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة يشير إلى بسر ورطب وماء بارد" وصح أيضا "أنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ "
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التحذير من جمع المال وتكثيره مع عدم شكره وترك طاعة الله ورسوله من أجله.
стр. 3326
٢- إثبات عذاب القبر وتأكيده بقوله حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون أي في القبر.
٣- تقرير عقيدة البعث وحتمية الجزاء بعد الحساب والاستنطاق والاستجواب.
٤- حتمية سؤال العبد عن النعم التي أنعم الله تعالى عليه بها في الدنيا فإن كان شاكرا لها فاز وإن كان كافرا لها أخذ والعياذ بالله.
стр. 3327
سورة العصر
مكية وآياتها ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
شرح الكلمات:
والعصر: أي الدهر كله.
إن الإنسان: أي جنس الإنسان كله.
لفي خسر: أي في نقصان وخسران إذ حياته هي رأس ماله فإذا مات ولم يؤمن ولم يعمل صالحا خسر كل الخسران.
وتواصوا بالحق: أي أوصى بعضهم بعضا باعتقاد الحق وقوله والعمل به.
وتواصوا بالصبر: أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على اعتقاد الحق وقوله والعمل به.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ١﴾ الآيات الثلاث تضمنت هذه الآيات حكما ومحكوما عليه ومحكوما به فالحكم هو ما حكم به تعالى على الإنسان٢ كل الإنسان من النقصان والخسران والمحكوم عليه هو الإنسان ابن آدم والمحكوم به هو الخسران لمن لم يؤمن ويعمل صالحا والربح والنجاة من الخسران لمن آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فقوله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ﴾
стр. 3328
هو قسم أقسم الله به والعصر هو الدهر كله ليله ونهاره وصبحه ومساؤه وجواب القسم قوله تعالى ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي نقصان وهلكة وخسران إذ يعيش في كبد ويموت على جهنم فيخسر كل شيء حتى نفسه التي بين جنبيه وقوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهؤلاء استثناهم الله تعالى من الخسر فهم رابحون غير خاسرين وذلك بدخولهم الجنة دار السعادة والمراد من الإيمان الإيمان بالله ورسوله وما جاء به رسوله من الهدى ودين الحق والمراد من العمل الصالح الفرائض والسنن والنوافل، وقوله ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي باعتقاده وقوله والعمل به وذلك باتباع الكتاب والسنة، وقوله ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ١﴾ أي أوصى بعضهم بعضا بالحق اعتقادا وقولا وعملا وبالصبر على ذلك حتى يموت أحدهم وهو يعتقد الحق ويقول به ويعمل بما جاء فيه فالإسلام حق والكتاب حق والرسول حق فهم بذلك يؤمنون ويعملون ويتواصون بالثبات على ذلك حتى الموت.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- فضيلة سورة العصر لاشتمالها على طريق النجاة في ثلاث آيات حتى قال الإمام الشافعي لو ما أنزل الله تعالى على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم.
٢- بيان مصير الإنسان الكافر وأنه الخسران التام.
٣- بيان فوز أهل الإيمان والعمل الصالح المجتنبين للشرك والمعاصي.
٤- وجوب التواصي بالحق والتواصي بالصبر بين المسلمين.
شرح الكلمات:
ويل لكل همزة لمزة: كلمة يطلب بها العذاب وواد في جهنم الهمزة كثير الهمز واللمز كذلك وهم الطعانون المظهرون العيوب للإفساد.
جمع مالا وعدده: أي أحصاه وأعده لحوادث الدهر.
يحسب أن ماله أخلده: أي يجعله خالدا في الحياة لا يموت.
كلا: أي ليس الأمر كما يزعم ويظن.
لينبذن: أي ليطرحن في الحطمة.
في الحطمة: أي النار التي تحطم كل ما يلقى فيها.
تطلع على الأفئدة: أي تشرف على القلوب فتحرقها.
مؤصدة: أي مغلقة مطبقة.
في عمد ممددة: أي يعذبون في النار بأعمدة ممدة.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ١ يتوعد الرب ﵎ بواد في جهنم يسيل بصديد أهل النار وقيوحهم كل همزة لمزة٢ أي كل مغتاب عياب ممن يمشون بالنميمة ويبغون للبراء العيب وقوله ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ هذا وصف آخر لتلك الهمزة اللمزة وهو أنه ﴿جَمَعَ مَالاً﴾ كثيرا من حرام وحلال ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أي أحصاه وعرف مقداره وأعده لحوادث الدهر كما يزعم. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي يظن أنه لا يموت لكثرة أمواله ومتى كان المال ينجي من الموت؟ إنه الغرور في الحياة، لو كان المال يخلد أحدا لأخلد قارون، وقوله تعالى ﴿كَلَّا﴾ ٣ لا يخلده ماله بل وعزتنا وجلالنا ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ٤ أي يطرحن ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ النار المستعرة التي تحطم كل ما يلقى فيها وقوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ ٥ هذا الاستفهام لتعظيم أمرها وتهويل شأنها، وبينها تعالى بقوله ﴿نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ أي المستعرة المتأججة، ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى