← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أحداث غزوة أحد فذكر تعالى هنا ما هو في تمام عتابه للمؤمنين في الآيات السابقة عن عدم صبرهم وانهزامهم وتخليهم عن نبيهم في وسط المعركة وحده حتى ناداهم: إليّ عباد الله إليّ عباد الله فثاب إليه رجال. فقال تعالى مخبراً بما يكون عظة للمؤمنين وعبرة لهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ أي: وكم من نبي من الأنبياء السابقين قاتل معه جموع كثيرة من العلماء والأتقياء والصالحين فما وهنوا، أي: ما ضعفوا، ولا ذلوا لعدوهم ولا خضعوا له كما هم بعضكم أن يفعل أيها المؤمنون، فصبروا على القنال مع أنبيائهم متحملين آلام القتل والجرح فأحبهم ربهم تعالى لذلك لأنه يحب الصابرين. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٤٦) ونصها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا١ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وأما الآية الثانية فأخبر تعالى فيها عن موقف أولئك الربيين وحالهم أثناء الجهاد في سبيله تعالى فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا٢ فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . ولازم هذا كأنه تعالى يقول للمؤمنين لم لا تكونوا أنتم مثلهم وتقولوا قولتهم الحسنة الكريمة وهي الضراعة لله تعالى بدعائه واستغفاره لذنوبهم الصغيرة والكبيرة والتي كثيراً ما تكون سبباً للهزائم والانتكاسات كما حصل لكم أيها المؤمنون فلم يكن لأولئك الربانيين من قول سوى قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فسألوا الله مغفرة ذنوبهم وتثبيتهم أقدامهم في أرض المعركة حتى لا يتزلزلوا فينهزموا، والنصرة على القوم الكافرين أعداء الله وأعدائهم فاستجاب لهم ربهم فأعطاهم ما سألوا وهو ثواب الدنيا بالنصر والتمكين وحسن ثواب الآخرة وهو رضوانه الذي أحله عليهم وهم في الجنة دار المتقين والأبرار، هذا ما دلت عليه الآية الأخيرة (١٤٨) ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ٣ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

стр. 387

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الترغيب في الاتساء١ بالصالحين في إيمانهم وجهادهم وصبرهم وحسن أقوالهم. ٢- فضيلة الصبر والإحسان، يحب الله تعالى الصابرين والمحسنين. ٣- فضيلة الاشتغال بالذكر٢ والدعاء عند المصائب والشدائد بدل التأوهات وإبداء التحسرات والتمنيات، وشر من ذلك التصخت والتضجر والبكاء والعويل. ٤- كرم الله تعالى المتجلي في استجابة دعاء عباده الصابرين المحسنين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : المراد من طاعة الكافرين قبول قولهم والأخذ باراشادتهم. ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ : يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان. ﴿خَاسِرِينَ﴾ : فاقدين لكل خير في الدنيا، ولأنفسكم وأهليكم يوم القيامة.

стр. 388

﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ : بل أطيعوا الله ربكم ووليكم ومولاكم فإنه خير من يطاع وأحق من يطاع. ﴿الرُّعْبَ﴾ : شدة الخوف من توقع الهزيمة والمكروه. ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ : مقر إيوائهم ونزولهم. ﴿مَثْوَى﴾ : المثوى مكان الثوى، وهو الإقامة والاستقرار. ﴿الظَّالِمِينَ﴾ : المشركين الذين أطاعوا غير الله تعالى وعبدوا سواه. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث١ غزوة أحد، فقد روى أن بعض المنافقين لما رأى هزيمة المؤمنين في أحد، قال في المؤمنين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم، ولو كان محمد نبياً لما قتل إلى آخر ما من شأنه أن يقال في تلك الساعة الصعبة من الاقتراحات التي قد كشف عنها هذا النداء الإلهي للمؤمنين، وهو يحذرهم من طاعة الكافرين بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ٢ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ فلا شك أن الكافرين قد طالبوا المؤمنين بطاعته بتنفيذ بعض الاقتراحات التي ظاهرها النصح وباطنها الغش والخديعة، فنهاهم الله تعالى عن طاعتهم في ذلك وهذا النهي وإن نزل في حالة خاصة، فإنه عام في المسلمين على مدى الحياة، فلا يحل طاعة الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم وفي كل ما يأمرون به أو يقترحونه، ومن أطاعهم ردوه عن دينه إلى دينهم فينقلب: يرجع خاسراً في دنياه وآخرته، والعياذ بالله. هذا ما تضمنته الأولى (١٤٩) وأما الآية الثانية (١٥٠) فقد تضمنت الأمر بطاعته تعالى، إذ هو أولى بذلك لأنه ربهم ووليهم ومولاهم، فهو أحق بطاعتهم من الكافرين، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ٣﴾ فأطيعوه، ولا تطيعوا أعداءه وإن أردتم أن تطلبوا النصر بطاعة الكافرين فإن الله تعالى خير الناصرين فاطلبوا النصر منه بطاعته فإنه ينصركم، وفي الآية الثالثة (١٥١) لما امتثل المؤمنون أمر ربهم فلم يطيعوا

стр. 389

الكافرين وعدهم ربهم بأنه سيلقي في قلوب الكافرين الرعب١ وهو الخوف والفزع والهلع حتى تتمكنوا من قتالهم والتغلب عليهم وذلك هو النصر المنشود منكم، وعلل تعالى فعله ذلك بالكافرين بأنهم أشركوا به تعالى آلهة عبدوها معه لم ينزل بعبادتها حجة ولا سلطاناً، وقال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ وأخيراً مأواهم النار، أي: محل إقامتهم النار، وذم تعالى الإقامة في النار فقال: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ، يريد النار بئس المقام للظالمين وهم المشركون٢. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تحرم طاعة الكافرين في حال الاختيار٣. ٢- بيان السر في تحريم طاعة الكافرين، وهو أنه يترتب عليها الردة. والعياذ بالله. ٣- بيان قاعدة من طلب النصر من غير الله أذله الله. ٤- وعد الله المؤمنين بنصرهم بعد إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، إذ هم أبو سفيان بالعودة إلى المدينة بعد انصرافه من أحد ليقضي عمن بقى في المدينة من الرجال، كذا سولت له نفسه، ثم ألقى الله تعالى في قلبه الرعب فعدل عن الموضوع بتدبير الله تعالى. ٥- بطلان كل دعوى ما لم يكن لأصحابها حجة وهي المعبر عنها بالسلطان٤ في الآية إذ الحجة يثبت بها الحق ويناله صاحبه بواسطتها. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ

стр. 390

مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ١﴾ : أنجزكم ما وعدكم على لسان رسوله بقوله للرماة اثبتوا أماكنكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ : تقتلونهم إذ، الحس: القتل. يقال: حسه، إذا قتله فأبطل حسه. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ : بإذنه لكم في قتالهم وبإعانته لكم على ذلك. ﴿فَشِلْتُمْ﴾ : ضعفتم وجبنتم عن القتال. ﴿تُصْعِدُونَ٢﴾ : تذهبون في الأرض فارين من المعركة، يقال: أصعد إذا ذهب في صعيد الأرض. ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ : لا تلوون رؤوسكم على أحد تلتفتون إليه. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ : أي: يناديكم من خلفكم إليَّ عباد الله ارجعوا إليّ عباد الله ارجعوا.

стр. 391

﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ١﴾ : جزاكم على معصيتكم وفراركم غماً على غم. والغم: ألم النفس وضيق الصدر. ﴿مَا فَاتَكُمْ﴾ : من الغنائم. ﴿وَلا مَا أَصَابَكُمْ﴾ : من الموت والجراحات والآلام والأتعاب. معنى الآيتين: ما زال السياق في أحداث أحد، فقد تقدم في السياق قريباً نهى الله تعالى المؤمنين عن طاعة الكافرين في كل ما يقترحون، ويشيرون به عليهم. ووعدهم بأنه سيلقي الرعب في قلوب الكافرين، وقد فعل فله الحمد حيث عزم أبو سفيان على أن يرجع إلى المدينة ليقتل من بها ويستأصل شأفتهم، فأنزل الله تعالى في قلبه وقلوب أتباعه الرعب فعدلوا عن غزو المدينة مرة ثانية، وذهبوا إلى مكة. ورجع الرسول والمؤمنون من حمراء الأسد، ولم يلقوا أبا سفيان وجيشه. وفي هاتين الآيتين يخبرهم تعالى بمنته عليهم حيث أنجزهم ما وعدهم من النصر، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ٢ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ ، وذلك أن الرسول ﷺ لما بوأ الرماة مقاعدهم. وكانوا ثلاثين رامياً وجعل عليهم عبد الله بن جبير أمرهم بأن لا يبرحوا أماكنهم كيفما كانت الحال، وقال لهم: إنا لا نزال غالبين ما بقيتم في أماكنكم ترمون العدو فتحمون ظهورنا بذلك، وفعلاً دارت المعركة وأنجز الله تعالى لهم وعده ففر المشركون أمامهم تاركين كل شيء هاربين بأنفسهم والمؤمنون يحسونهم حساً، أي: يقتلونهم قتلاً بإذن الله وتأييده لهم، ولما رأى الرماة هزيمة المشركين والمؤمنون يجمعون الغنائم، قالوا: ما قيمة بقاءنا هنا، والناس يغنمون فهيا بنا ننزل إلى ساحة المعركة لنغنم، فذكرهم عبد الله بن جبير قائدهم بأمر رسول الله ﷺ فتأولوه ونزلوا إلى ساحة المعركة يطلبون الغنائم، وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد، فما رأى الرماة أخلوا مراكزهم إلا قليلاً منهم كر بخيله عليهم فاحتل أماكنهم وقتل من بقي فيها، ورمى المسلمين من ظهورهم فتضعضعوا لذلك، فعاد المشركون إليهم ووقعوا بين الرماة الناقمين والمقاتلين الهاجئين، قوقعت الكارثة فقتل سبعون من المؤمنين ومن

стр. 392

بينهم حمزة عم الرسول ﷺ ، وجرح رسول الله في وجه، وكسرت رباعيته، وصاح الشيطان قائلاً: إن محمداً قد مات، وفر المؤمنون من ميدان المعركة إلا قليلاً منهم، وفي هذا يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ١﴾ يريد تنازع الرماة مع قائدهم عبد الله بن جبير، حيث نهاهم عن ترك مقاعدهم وذكرهم بأمر رسول الله ﷺ فنازعوه في فهمه وخالفوا الأمر ونزلوا، وكان ذلك بعد أن رأوا إخوانهم قد انتصروا وأعدائهم قد انهزموا٢، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ أي: من النصر ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ٣ الدُّنْيَا﴾ وهم الذين نزلوا إلى الميدان يجمعون الغنائم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وهم: عبد الله بن جبير والذين صبروا معه في مراكزهم حتى استشهدوا فيها، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وذلك إخبار عن ترك القتال لما أصابهم من الضعف حينما رأوا أنفسهم محصورين بين رماة المشركين ومقاتليهم فأصعدوا في الوادي هاربين بأنفسهم، وحصل هذا بعلم الله تعالى وتدبيره، والحكمة فيه أشار إليها تعالى بقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي: يختبركم فيرى المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، والصابر من الجزع، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يريد أنه لو شاء يؤاخذهم بمعصيتهم أمر رسوله، فسلط عليهم المشركين فقتلوهم أجمعين، ولم يبقوا منهم أحداً إذ تمكنوا منهم تماماً ولكن الله سلم. هذا معنى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٢) ، أما الآية الثانية (١٥٣) فهي تصور الحال التي كان عليها المؤمنون بعد حصول الانكسار والهزيمة٤ فيقول تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: عفا عنكم في الوقت الذي فررتم في المصعدين في الأودية هاربين من المعركة والرسول يدعوكم من ورائكم إليَّ عباد الله ارجعوا، وأنتم فارون لا تلوون على أحد، أي: لا تلتفتوا إليه. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ يريد جزاكم على معصيتكم غماً، والغم: ألم النفس لضيق الصدر وصعوبة

стр. 393

الحال، وقوله: ﴿بِغَمٍّ﴾ أي: على غم، وسبب الغم الأول فوات النصر والغنيمة، والثاني: القتل والجراحات، وخاصة جراحات نبيهم وإذاعة قتله ﷺ . وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ﴾ أي: ما أصابكم بالغم الثاني الذي هو خبر قتل الرسول ﷺ لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من النصر والغنيمة، ولا على ما أصابكم من القتل والجراحات فأنساكم الغم الثاني ما غمكم به الغم الأول الذي هو فوات النصر والغنيمة. وقوله: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يخبرهم تعالى أنه بكل ما حصل منهم من معصية وتنازع وفرار، وترك للنبي ﷺ في المعركة وحده وانهزامهم وحزنهم خبير مطلع عليه عليم به وسيجزي به المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أو يعفو عنه، والله عفو كريم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- مخالفة القيادة الرشيدة والتنازع في حال الحرب يسبب الهزيمة١ المنكرة. ٢- معصية الله ورسوله والاختلافات بين أفراد الأمة تعقب أثاراً سيئة أخفها عقوبة الدنيا بالهزائم وذهاب الدولة والسلطان٢. ٣- ما من مصيبة تصيب العبد إلا وعند الله ما هو أعظم منها، فلذا يجب حمد الله تعالى على أنها لم تكن أعظم. ٤- ظاهر هزيمة أحد النقمة وباطنها النعمة، وبيان ذلك أن علم المؤمنون أن النصر والهزيمة يتمان حسب سنن إلهية فما أصبحوا بعد هذه الحادثة المؤلمة يغفلون تلك السنن أو يهملونها. ٥- بيان حقيقة كبرى وهي أن معصية الرسول ﷺ مرة واحدة وفي شيء واحد ترتب عليها ألم وجراحات وقتل وهزائم وفوات خير كبير وكثير، فكيف بالذين يعصون رسول الله طوال حياتهم وفي كل أوامره ونواهيه، وهم يضحكون ولا يبكون، وآمنون غير خائفين٣.

стр. 394

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَمَنَةً نُعَاساً١﴾ : الأمنة: الأمن، والنعاس: استرخاء يصيب الجسم قبل النوم. ﴿يَغْشَى٢ طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ : يصيب المؤمنين ليستريحوا ولا يصيب المنافقين. ﴿أَهَمَّتْهُمْ٣ أَنْفُسُهُمْ﴾ : أي: لا يفكرون إلا في نجاة أنفسهم غير مكترثين بما أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه. ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ : هو اعتقادهم٤: أن النبي قُتل أو أنه لا ينصر. ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ﴾ : أي: ما لنا من الأمر من شيء.

стр. 395

﴿مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ : أي: ما لا يظهرون لك. ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ﴾ : لخرجوا من المدينة ظاهرين ليلقوا مصارعهم هناك. ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ : يريد كتب في كتاب المقادير، أي: اللوح المحفوظ. ﴿مَضَاجِعِهِمْ﴾ : جمع مضجع، وهو مكان النوم، والاضطجاع والمراد المكان الذي صرعوا في قتلى. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ١﴾ : ليختبر. ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ : التمحيص: التمييز وهو إظهار شيء من شيء كإظهار الإيمان من النفاق، والحب من الكره. ﴿اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ : أوقعهم في الزلل وهو الخطيئة والتي كانت الفرار من الجهاد. معنى الآيتين: ما زال الساق في الحديث عن غزوة أحد فأخبر تعالى في الآية الأولى (١٥٣) عن أمور عظام: الأول: أنه تعالى بعد الغم الذي أصاب به المؤمنين أنزل على أهل اليقين خاصة أمناً كاملاً فذهب الخوف عنهم حتى أن أحدهم٢ لينام والسيف في يده فيسقط من يده ثم يتناوله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ ، والثاني: أن أهل الشرك والنفاق حرمهم الله تعالى من تلك الأمنة فما زال الخوف يقطع قلوبهم، والغم يسيطر على أنفسهم وهم لا يفكرون إلا في أنفسهم كيف ينجون من الموت، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ٣ أَنْفُسُهُمْ﴾ ، والثالث: أن الله تعالى قد كشف عن سرائرهم، فقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ، والمراد من ظنهم بالله غير الحق ظن المشركين أنهم يعتقدون أن الإسلام باطل وأن محمداً ليس رسولاً، وأن المؤمنين سيهزمون ويموتون وينتهي الإسلام ومن يدعو إليه. والرابع: أن الله تعالى قد كشف سرهم فقال عنهم: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ٤ شَيْءٍ﴾ هذا القول قالوه سراً فيما بينهم، ومعناه ليس لنا من الأمر من شيء

стр. 396

ولو كان لنا ما خرجنا ولا قاتلنا ولا أصابنا الذي أصابنا فأطلعه الله تعالى على سرهم، وقال له: رد عليهم بقولك: إن الأمر كله لله. ثم هتك تعالى مرة أخرى سترهم وكشف سرهم فقال: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: يخفون في أنفسهم من الكفر والبغض والعداء لك ولأصحابك ما لا يظهرونه لك. والرابع: لما تحدث المنافقون١ في سرهم، وقالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ : يريدون لو كان الأمر بأيديهم ما خرجوا لقتال المشركين لأنهم إخوانهم في الشرك والكفر، ولو قتلوا مع من قتل في أحد فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ بالمدينة لبرز، أي: ظهر ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ وصرعوا فيها وماتوا، لأن ما قدره الله نافذ على كل حال، ولا حذر مع٢ القدر، ولا بد أن يتم خروجكم إلى أحد بتدبير الله تعالى ليبتلي الله، أي: يمتحن ما في صدوركم ويميز ما في قلوبكم فيظهر ما كان غيباً لا يعلمه إلا هو إلى عالم المشاهدة ليعلمه ويراه على حقيقته رسوله والمؤمنون، وهذا لعلم الله تعالى بذات الصدور. هذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . هذا ما تضمنته الآية الأولى، أما الآية الثانية (١٥٤) فقد تضمنت إخبار الله تعالى عن حقيقة واحدة ينبغي أن تعلم وهي أن الذين فروا من المعركة لما اشتد القتال وعظم الكرب، الشيطان هو الذي أوقعهم في هذه الزلة، وهي توليهم عن القتال بسبب٣ بعض الذنوب كانت لهم، ولذا عفا الله عنهم ولم يؤاخذهم بهذه الزلة، وذلك لأن الله غفور حليم، فلذا يمهل عبده حتى يتوب فيتوب عليه ويغفر له، ولو لم يكن حليماً لكان يؤاخذ لأول الذنب والزلة فلا يمكن أحداً من التوبة والنجاة. هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ أي: عن القتال، يوم التقى الجمعان، أي: جمع المؤمنين وجمع الكافرين بأحد. ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ٤ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا

стр. 397

كَسَبُوا﴾ ، ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ فلم يؤاخذهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ . هداية الايتين من هداية الآيتين: ١- إكرام الله تعالى لأولياءه بالأمان الذي أنزله في قلوبهم. ٢- إهانة الله تعالى لأعدائه بحرمانهم مما أكرم به أولياءه وهم في مكان واحد. ٣- تقرير مبدأ القضاء والقدر، وأن من كتب موته في مكان لا بد وأن يموت فيه. ٤- أفعال الله تعالى لا تخلو أبداً من حكم عالية فيجب التسليم لله تعالى والرضا بأفعاله في خلقه. ٥- الذنب يولد الذنب، والسيئة تتولد عنها سيئة أخرى، فلذا وجبت التوبة من الذنب فوراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) ﴾ شرح الكلمات: ﴿آمَنُوا﴾ : صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من وعد ووعيد. ﴿لإِخْوَانِهِمْ﴾ : هذه أخوة العقيدة لا أخوة النسب، وهي هنا أخوة النفاق. ﴿ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ﴾ : ضربوا في الأرض بأقدامهم مسافرين١ للتجارة غالباً.

стр. 398

﴿غُزّىً١﴾ : جمع غاز وهو من يخرج لقتال ونحوه من شؤون الحرب. الحسرة٢: ألم يأخذ بخناق النفس بسبب فوت مرغوب أو فقد محبوب. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد ونتائجها المختلفة، ففي هذه الآية (١٥٦) ينادي الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله تعالى ووعيده يناديهم٣ لينهاهم عن الاتصاف بصفات الكافرين النفسية وهو من ذلك قول الكافرين لإخوانهم في الكفر: إذ هم ضربوا في الأرض لتجارة أو لغزو فمات من مات منهم أو قتل من قتل بقضاء الله وقدره، لو كانوا عندنا، أي: ما فارقونا وبقوا في ديارنا ما ماتوا وما قتلوا وهذا دال على نفسية الجهل ومرض الكفر، وحسب سنة الله تعالى فإن هذا القول منهم يتولد، لهم عنه بإذنه تعالى غم نفسي وحسرات قلبية تمزقهم، وقد تودي بحياتهم، وما درى أولئك الكفرة الجهال أن الله يحيي ويميت، فلا السفر ولا القتال يميتان، ولا القعود في البيت جبناً وخوراً يحيي، هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وقوله تعالى في ختام هذه الآية: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ في وعد للمؤمنين إن انتهوا عما نهاهم عنه في الآية ووعيد إن لم ينتهوا فيجزيهم بالخير خيراً، وبالشر إن لم يعفوا شراً. أما الآية الثانية (١٥٧) فإن الله تعالى يبشر عباده المؤمنين مخبراً إياهم بأنهم إن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا فيه يغفر لهم ويرحمهم وذلك خير مما يجمع الكفار من حطام الدنيا ذلك الجمع للحطام الذي جعلهم يجبنون على القتال والخروج في سبيل الله فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ٤ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ٥ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ٦﴾ ، وفي الآية الثالثة (١٥٨) يؤكد تلك الخيرية التي تضمنتها الآية السابقة فيقول: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾

стр. 399

في سبيلنا ﴿لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ١﴾ حتما، وثم يتم لكم جزاؤنا على استشهادكم وموتكم في سبيلنا، ولنعم ما تجزون به في جوارنا الكريم. هداية الآيات: ١- حرمة التشبه بالكفار ظاهراً وباطناً. ٢- الندم يولد الحسران والحسرة غم وكرب عظيمان، والمؤمن يدفع ذلك بذكره القضاء والقدر فلا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه من حطام الدنيا. ٣- موتة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ : كنت رفيقاً بهم، تعاملهم بالرفق واللطف. ﴿فَظّاً﴾ : خشناً في معاملتك شرساً في اختلافك وحاشاه٢ ﷺ . ﴿لانْفَضُّوا﴾ : تفرقوا وذهبوا تاركينك وشأنك. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ : يريد إن زلوا أو أساءوا. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ : اطلب مشورتهم في الأمر ذي الأهمية؛ كمسائل الحرب والسلم.

стр. 400

معنى الآيتين: ما زال السياق في الآداب والنتائج المترتبة على غزوة أحد، ففي هذه الآية (١١٩) يخبر تعالى عما وهب رسوله من الكمال الخلقي الذي هو قوام الأمر فيقول: ﴿فَبِمَا١ رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: فبرحمة من عندنا رحمناهم بها لنت٢ لهم، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً﴾ أي: قاسياً جافاً جافياً قاسي القلب غليظة ﴿لانْفَضُّوا مِنْ٣ حَوْلِكَ﴾ أي: تفرقوا عنك، وحرموا بذلك سعادة الدارين. وبناء على هذا فاعف٤ عن مسيئهم، واستغفر لمذنبهم، وشاور ذي الرأي منهم، وإذا بدا لك رأي راجح المصلحة فاعزم على تنفيذه متوكلاً على ربك فإنه يحب المتوكلين، والتوكل: الإقدام على فعل ما أمر الله تعالى به أو أذن فيه بعد إحضار الأسباب الضرورية له. وعدم التفكير فيما يترتب عليه بل يفوض أمر النتائج إليه تعالى. هذا ما تضمنته الآية الأولى، أما الآية الثانية (١٦٠) فقد تضمنت حقيقة كبرى يجب العلم بها والعمل دائماً بمقتضاها، وهي أن النصر بيد الله، والخذلان كذلك فلا يطلب نصر إلا منه تعالى، ولا يرهب خذلان إلا منه ، وطلب نصره هو إنفاذ أمره بعد إعداد الأسباب اللازمة له، وتحاشي خذلانه تعالى يكون بطاعته والتوكل عليه هذا ما دل عليه قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- كمال رسول الله ﷺ الخلقي. ٢- فضل الصحابة رضوان الله عليهم وكرامتهم على ربهم سحانه وتعالى. ٣- تقرير مبدأ المشورة بين٥ الحاكم وأهل الحل والعقد في الأمة.

стр. 401

٤- فضل العزيمة١ الصادقة مقرونة بالتوكل على الله تعالى. ٥- طلب النصر من غير الله خذلان، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله . ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ : أي: يأخذ من الغنيمة خفية، إذ الغل والغلول بمعنى السرقة من الغنائم قبل قسمتها. ﴿تُوَفَّى﴾ : تجزى ما كسبته في الدنيا وافياً تاماً يوم القيامة. ﴿رِضْوَانَ اللهِ﴾ : المراد به ما يوجب رضوانه من الإيمان والصدق والجهاد. وسخط الله: غضبه الشديد على الفاسقين عن أمره المؤذين لرسوله ﷺ .

стр. 402

﴿مَنَّ﴾ : أنعم وتفضل. ﴿رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ : هو محمد ﷺ . ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ : بما يرشدهم إليه من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والآداب العالية. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ : كل قول صالح نافع أبداً ومنه السنة النبوية. معنى الآيات: الغل والغلول١ والإغلال بمعنى واحد، وهو أخذ المرء شيئاً من الغنائم قبل قسمتها وما دام السياق في غزوة أحد، فالمناسبة قائمة بين الآيات وهذه، ففي الآية الأولى (١٦١) ينفي تعالي أن يكون من شأن الأنبياء أو مما يتأتى صدوره عنهم الإغلال وضمن تلك أن أتباع الأنبياء يحرم عليهم أن يغلوا، ولذا قرئ في السبع أن يُغل بضم٢ الياء وفتح الغين، أي: يفعله أتباعه بأخذهم من الغنائم بدون إذنه. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ثم ذكر تعالى جزاء وعقوبة من يفعل وقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فأخبرهم تعالى أن من أغل شيئاً يأت به يوم القيامة يحمله حتى البقرة والشاة كما يبين ذلك في الحديث٣، ثم يحاسب عليه كغيره ويجزي به، كما تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر ولا تظلم نفس شيئاً لغنى الرب تعالى عن الظلم وعدله. هذا مضمون الآية الأولى، أما الثانية (١٦٢) ينفي تعالى أن تكون حال المتبع لرضوان الله تعالى بالإيمان به ورسوله وطاعتهما بفعل الأمر واجتناب النهي، كحال المتبع لسخط الله تعالى بتكذيبه تعالى وتكذيب رسوله ومعصيتهما بترك الواجبات وفعل المحرمات فكانت جهنم مأواه، وبئس المصير جهنم. هذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ثم ذكر تعالى أن كلاً من

стр. 403

أهل الرضوان، وأصحاب السخط متفاوتون في درجاتهم١ عند الله, بحسب أثر أعمالهم في نفوسهم قوة وضعفاً فقال: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ، فدل ذلك على عدالة العليم الحكيم. هذا ما دلت الآية (١٦٣) ، أما الآية الأخيرة (١٦٤) فقد تضمنت امتنان الله تعالى على المؤمنين من العرب ببعثه رسوله فيهم، يتلو عليهم آيات الله ويدعوهم إليه فيؤمنون ويكملون في إيمانهم ويزكيهم من أوضار الشرك وظلمة الكفر بما يهديهم به، ويدعوهم إليه من الإيمان وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق وسامي الآداب، ويعلمهم الكتاب المتضمن للشرائع والهدايات والحكمة التي هي فهم أسرار الكتاب، والسنة، وتتجلي هذه النعمة أكثر لمن يذكر حال العرب في جاهليتهم قبل هذه النعمة العظيمة عليهم، هذا معنى قوله تعالى في الآية الأخيرة: ﴿لَقَدْ مَنَّ٢ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ٣ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تحريم٤ الغلول، وأنه من كبائر الذنوب٥. ٢- طلب رضوان الله واجب، وتجنب سخطه واجب كذلك، والأول يكون بالإيمان وصالح الأعمال والثاني يكون بترك الشرك والمعاصي. ٣- الإسلام أكبر نعمة وأجلها على المسلمين فيجب شكرها بالعمل به والتقيد بشرائعه وأحكامه. ٤- فضل العلم بالكتاب والسنة.

стр. 404

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) ﴾ شرح الكلمات: المصيبة: إحدى المصائب: ما يصيب الإنسان من سوء وأسوأها مصيبة الموت. ﴿مِثْلَيْهَا﴾ : ضعفيها إذ قتلوا في بدر سبعين من المشركين وأسروا١ سبعين. ﴿أَنَّى هَذَا﴾ : أي: من أين أتانا الذي أتانا من القتل والهزيمة. ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ : أي: بإرادته تعالى وتقديره يربط المسببات بأسبابها. ﴿نَافَقُوا﴾ : أظهروا من الإيمان مالا يبطنون من الكفر. ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ : أي: ادفعوا العدو عن دياركم وأهليكم وأولادكم، إن لم تريدوا ثواب الأخرة. ﴿فَادْرَأُوا﴾ : أي: ادفعوا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ : في دفع المكروه بالحذر.

стр. 405

معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في أحدث غزوة أحد ففي الآية الأولى: ينكر الله تعالى على المؤمنين قولهم بعد أن أصابتهم مصيبة القتل والجراحات والهزيمة: ﴿أَنَّى١ هَذَا﴾ أي: من أي وجه جاءت هذه المصيبة ونحن مسلمون ونقاتل في سبيل الله ومع رسوله؟ فقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا٢ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بأحد قد أصبتم مثليها ببدر، لأن ما قتل من المؤمنين بأحد كان سبعين، وما قتل المشركين ببدر كان سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً، وأمر رسوله ﷺ أن يحييهم: قل هو من عند أنفسكم، وذلك بمعصيتكم لرسول الله خالف الرماة أمره، وبعدم صبركم إذ فررتم من المعركة تاركين القتال. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إشعار بأن الله تعالى أصابهم بما أصابهم به عقوبة لهم حيث لم يطيعوا رسوله ولم يصبروا على قتال أعدائه. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٦٥) ، أما الآيات الثلاث بعدها فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يخبر تعالى المؤمنين أن ما أصابهم يوم أحد عند التقاء جمع المؤمنين وجمع المشركين في ساحة المعركة كان بقضاء الله وتدبيره، وعلته إظهار المؤمنين على صورتهم الباطنية الحقة وأنهم صادقون في إيمانهم، ولذا قال تعالى: وليعلم المؤمنين علم انكشاف وظهور كما هو معلوم له في الغيب وباطن الأمور هذا أولاً، وثانياً: ليعلم الذين نافقوا فأظهروا الإيمان والولاء لله ولرسوله والمؤمنين ثم أبطنوا الكفر والعداء لله ورسوله والمؤمنين، فقال عنهم في الآيتين الثالثة (١٦٧) والرابعة (١٦٨) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ وهم عبد الله إبي بن سلول رئيس المنافقين وعصابته الذين رجعوا من الطريق قبل الوصول إلى ساحة المعركة، وقد قال عبد الله بن حرام والد جابر تعالوا قاتلوا في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة، وإن لم تريدوا ثواب الآخرة فادفعوا عن أنفسكم وأهليكم معرة جيش غاز يريد قتلكم إذ وقوفكم معنا يكثر سوادنا ويدفع عنا خطر العدو الداهم. فأجابوا قائلين: لو نعلم قتالاً سيتم لاتبعناكم، فأخبر تعالى عنهم بأنهم في هذه الحال: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ إذ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ حتى من أنفسهم يعلم أنهم يكتمون عداوة الله ورسوله والمؤمنين وإرادة السوء بالمؤمنين، وأن قلوبهم

стр. 406

مع الكافرين الغازين. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قعدوا عن الجهاد في أحد وقالوا لإخوانهم في النفاق –وهم في مجالسهم الخاصة-: لو أنهم قعدوا فلم يخرجوا كما لم نخرج نحن ما قتلوا. فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم قائلاً: ﴿فَادْرَأُوا﴾ أي: ادفعوا١ عن أنفسكم الموت إذا حضر أجلكم إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو قعدوا ما قتلوا. من هداية الآيات: ١- المصائب٢ ثمرة الذنوب. ٢- كل الأحداث التي تتم في العالم سبق بها علم الله، ولا تحدث إلا بإذنه. ٣- قد يقول المرء قولاً أو يظن ظناً يصبح به على حافة هاوية الكفر. ٤- الحذر لا يدفع٣ القدر. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ﴾ : ولا تظنن. ﴿قُتِلُوا﴾ : استشهدوا. ﴿أَحْيَاءٌ﴾ : يحسون ويتنعمون في نعيم الجنة بالطعام والشراب.

стр. 407

﴿فَرِحِينَ﴾ : مسرورين. ﴿أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ : لما وجدوا من الأمن التام عند ربهم. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ : على ما خلفوا وراءهم في الدنيا لما نالهم من كرامة في الجنة. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ : يفرحون. ﴿وَفَضْلٍ﴾ : وزيادة. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ١﴾ أي: لا تظنن الذين استشهدوا من المؤمنين في أحد وغيرها أمواتاً لا يحسون ولا يتنعمون بطيب الرزق ولذيذ العيش بل هم أحياء عند ربهم يرزقون أرواحهم في حواصل طير خضر يأكلون من ثمار الجنة ويأوون إلى قناديل معلقة بالعرش. إنهم فرحون بما أكرمهم٢ الله تعالى به، ويستبشرون بإخوانهم المؤمنين الذين خلفوهم في الدنيا على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم لم يخافوا ولم يحزنوا لأجل ما يصيرون إليه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى لهم فيها. إن الشهداء جميعاً مستبشرون فرحون بما ينعم٣ الله عليهم ويزيدهم وبأنه تعالى لا يضيع أجر المؤمنين شهداء وغير شهداء بل يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الشهداء أحياء والمؤمنون أحياء في الجنة غير أن حياة الشهداء أكمل. ٢- الشهداء٤ يستبشرون بالمؤمنين الذين خلفوهم على الإيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم نالهم من الكرامة والنعيم ما نالهم هم قبلهم.

стр. 408

٣- لا خوف ينال المؤمن الصالح إذا مات ولا حزن يصيبه. ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿اسْتَجَابُوا١﴾ : اجابوا الدعوة وقبلوا الأمر. ﴿الْقَرْحُ٢﴾ : ألم الجراحات. ﴿أَحْسَنُوا﴾ : أعمالهم وأقوالهم أتوا بها وفق الشرع وأحسنوا إلى غيرهم. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ : ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه فيما أمرهم به أو نهاهم عنه. ﴿جَمَعُوا لَكُمْ﴾ : جمعوا الجيوش لقتالكم. ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ : يكفينا الله ما أرادونا به من الأذى. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ : نعم الوكيل الله نوكل إليه أمورنا ونفوضها إليه. انقلبوا: رجعوا من حمراء الأسد إلى المدينة. أولياء الشيطان: أهل طاعته والاستجابة إليه فيما يدعوهم إليه من الشر والفساد.

стр. 409

معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد وما لابسها من أمور وأحوال والآيات الأربع كلها في المؤمنين الذين حضروا غزوة أحد يوم السبت وخرجوا في طلب أبي سفيان يوم الأحد وعلى رأسهم نبيهم محمد ﷺ ، وذلك أن النبي ﷺ رأى أن يرفع معنويات أصحابه الذين كلموا وهزموا يوم السبت بأحد، وأن يرهب أعداءه فأمر مؤذناً يؤذن بالخروج في طلب أبي سفيان وجيشه، فاستجاب المؤمنون وخرجوا وإن منهم للمكلوم والمجروح، وإن أخوين جريحين كان أحدهما يحمل أخاه على ظهره فإذا تعب وضعه فمشى قليلاً، ثم حمله حتى انتهى رسول الله ﷺ وأصحابه إلى حمراء الأسد، وألقى الله تعالى الرعب في قلب أبي سفيان فارتحل هارباً إلى مكة، وقد حدث هنا أن معبداً الخزاعي١ مر بمعسكر أبي سفيان فسأله عن الرسول فأخبره أنه خرج في طلبكم وخرج معه جيش كبير وكلهم تغيظ عليكم، أنصح لك أن ترحل فهرب برجاله خوفاً من رسول الله ﷺ وأصحابه، فأقام الرسول ﷺ بحمراء الأسد برجاله كذا ليلة ثم عادوا لم يمسسهم سوء وفيهم نزلت هذه الآيات الأربع وهذا نصها: الآية (١٧٢) ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ يريد في أحد واستجابوا: لبوا نداء الرسول ﷺ وخرجوا معه في ملاحقة أبي سفيان، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، إلا وهو الجنة الآية الثانية (١٧٣) ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ٢ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ . المراد من الناس القائلين هم: نفر من عبد القيس مروا بأبي سفيان وهو عازم على العودة إلى المدينة لتصفية المؤمنين بها في نظره فقال له أبو سفيان أخبر محمداً وأصحابه أني ندمت على تركهم أحياء بعدما انتصرت عليهم وإني جامع جيوشي وقادم عليهم، والمراد من الناس الذين جمعوا هم: أبو سفيان، فلما بلغ هذا الخبر الرسول ﷺ وأصحابه زادهم٣ إيماناً فوق إيمانهم بنصر الله تعالى وولايته لهم، وقالوا: حسبنا الله، أي: يكفينا الله شرهم، ونعم الوكيل الذي يكفينا ما أهمنا

стр. 410

ونفوض أمرنا إلى الله. الآية الثالثة (١٧٤) ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: رجعوا من حمراء الأسد؛ لأن أبا سفيان ألقى الله الرعب في قلبه فانهزم وهرب، رجعوا مع نبيهم سالمين في نعمة الإيمان والإسلام والنصر، ﴿وَفَضْلٍ﴾ حيث أصابوا تجارة في طريق عودتهم ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: أذى، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ﴾ بالاستجابة لما دعاهم الله ورسوله وهو الخروج في سبيل الله لملاحقة أبي سفيان وجيشه. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ وما أفاضه على رسوله كاف في التدليل عليه الآية الرابعة (١٧٥) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ١ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من زبيب إن هو خوف المؤمنين منه فبعثه كأنه "طابور" يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، فنزلت الآية: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبي سفيان وجمعه، فلا تخافوهم فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه٢ تعالى، فلا يجبنوا ويخرجوا إلى قتال أبي سفيان وكذلك فعلوا لأنهم المؤمنون بحق ﵃ أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فضل الإحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير. ٢- فضل أصحاب رسول الله على غيرهم، وكرامتهم على ربهم. ٣- فضل كلمة: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ٣﴾ ، قالها رسول الله وقالها إبراهيم من قبل فصلى الله عليهما وسلم. ٤- بيان أن الشيطان يخوف٤ المؤمنين من أوليائه، فعلى المؤمنين أن لا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم.

стр. 411

﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالأِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ﴾ شرح الكلمات: الحزن: غم يصيب النفس لرؤية أو سماع ما يسوءه ويكرهه. ﴿الْكُفْرِ﴾ : الكفر: تكذيب الله تعالى ورسوله فيما جاء به الرسول وأخبر به. ﴿يُسَارِعُونَ﴾ : يبادرون. ﴿حَظّاً﴾ : نصيباً. ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ﴾ : اعتاضوا الكفر عن الإيمان. ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾ : الإملاء: الإمهال والإرخاء بعدم البطش وترك الضرب على أيديهم بكفرهم. ﴿إِثَّمَا﴾ : الإثم: كل ضار قبيح ورأسه: الكفر والشرك. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد، ففي هذه الآيات الثلاث –وقد كشفت الأحداث عن أمور خطيرة، حيث ظهر النفاق مكشوفاً لا ستار عليه، وحصل من ذلك ألم شديد لرسول الله ﷺ والمؤمنين- يخاطب الله تعالى رسوله قائلاً له: لا يحزنك١ مسارعة هؤلاء المنافقين٢ في

стр. 412

الكفر، وقال في الكفر ولم يقل إلى الكفر إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه؛ لأن إسلامهم كان نفاقاً فقط، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ ، والله يريد أن لا يجعل لهم نصيباً من نعيم الآخرة. فلذا تركهم في كفرهم كلما خرجوا منه عادوا إليه، وحكم عليهم بالعذاب العظيم فقال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٧٦) . أما الآية الثانية (١٧٧) فقد تضمنت حكم الله تعالى على الذين يرتدون بعد إيمانهم فيبيعون الإيمان بالكفر، ويشترون الضلالة بالهدى حكم عليهم بأنهم لن يضروا١ الله شيئاً من الضرر، ولهم عذاب أليم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالأِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً٢ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والعذاب الأليم هو عذاب النار إذ لا آلم ولا أشد إيجاعاً منه. وأما الآية الثالثة (١٧٨) فقد تضمنت بطلان حسبان الكافرين أن الله تعالى عندما يمهلهم ويمد في أعمارهم ولم يعاجلهم بالعذاب أن ذلك خيرٌ لهم، لا، بل هو شر لهم، إذ كلما تأخروا يوماً اكتسبوا فيه إثماً فيقدر ما تطول حياتهم بعظم ذنبهم وتكثر آثامهم، وحيئنذ يوبقون ويهلكون هلاكاً لا نظير له قال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ٣ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: ذو إهانة، لأنهم كانوا ذوي كبر وعلو في الأرض وفساد، فلذا ناسب أن يكون عذابهم اهانات لهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا ينبغي للمؤمن أن يحزنه كفر كافر ولا فسق فاسق، لأن ذلك لا يضر الله تعالى شيئاً، وسيجزي الله الكافر والفاسق بعدله. ٢- لا ينبغي للعبد أن يغره إمهال الله له، وعليه أن يبادر بالتوبة من كل ذنب إذ ليس هناك إهمال وإنما هو إمهال. ٣- الموت للعبد٤ خير من الحياة؛ لأنه إذا كان صالحاً فالآخرة خير له من الدنيا وإن كان غير

стр. 413

ذلك حتى لا يزداد إثماً فيوبق بكثرة ذنوبه. ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لِيَذَرَ﴾ : ليترك. ﴿يَمِيزَ﴾ : يميز ويبين. ﴿الْخَبِيثَ﴾ : من خبثت نفسه بالشرك والمعاصي. ﴿الطَّيِّبِ﴾ : من طهرت نفسه بالإيمان والعمل الصالح. ﴿الْغَيْبِ﴾ : ما غاب فلم يدرك بالحواس. ﴿يَجْتَبِي﴾ : يختار ويصطفي. ﴿يَبْخَلُونَ١﴾ : يمنعون ويضنون. يطوقون به: يجعل طوقاً في عنق أحدهم. معنى الآيتين: ما زال السياق في أحداث وقعة أحد، وما لازمها من ظروف وأحوال، فأخبر تعالى في هذه الآية (١٧٩) أنه ليس من شأنه تعالى أن يترك المؤمنين على ما هم عليه فيهم المؤمن الصادق

стр. 414

في إيمانه، والكاذب فيه وهو المنافق. بل لا بد من الابتلاء بالتكاليف الشاقة منها؛ كالجهاد والهجرة والصلاة والزكاة، وغير الشاقة من سائر العبادات حتى يميز المؤمن الصادق وهو الطيب الروح، من المؤمن الكاذب وهو المنافق الخبيث الروح، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ١ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وذلك أن الله لم يكن من سننه في خلقه أن يطلعهم على الغيب فيميز المؤمن من المنافق، والبار من الفاجر، وإنما يبتلي بالتكاليف ويظهر بها المؤمن من الكافر والصالح من الفاسد. إلا أنه تعالى قد يجتبي من رسله من يشاء فيطلعه على الغيب، ويظهره على مواطن الأمور وبناء على هذا٢ فآمنوا بالله ورسله حق الإيمان، فإنكم إن آمنتم صادق الإيمان واتقيتم معاصي الرحمان كان لكم بذلك أعظم الأجور وهو الجنة دار الحبور والسرور هذا ما دلت عليه الآية (١٧٩) ، أما الآية الثانية (١٨٠) فإن الله تعالى يخبر عن خط البخلاء الذين يملكون المال ويبخلون به فيقول: ولا يحسن أي ولا يظن الذين يبخلون بما آتاهم الله من المال الذي تفضل الله به عليهم أن بخلهم به خير لأنفسهم كما يظنون بل هو أي البخل شر لهم، وذلك لسببين الأول: ما يلحقهم في الدنيا من معرة البخل وآثاره السيئة على النفس، والثاني: أن الله تعالى سيعذبهم به بحيث يجعله طوقاً من نار في أعناقهم، أو بصورة ثعبان فيطوقهم٣، ويقول لصاحبه: "أنا مالك أنا كنزك" كما جاء في الحديث. فعلى من يظن هذا الظن الباطل أن يعدل عنه، ويعلم أن الخير في الإنفاق لا في البخل. وأن ما يبخل به هو مال الله، وسيرثه، ولم يجن البخلاء إلا المعرة في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ، فاتقوه فيما آتاكم فآتوا زكاته وتطوعوا بالفضل فإن ذلك خير لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

стр. 415

هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- من حكم التكليف إظهار المؤمن الصادق من المؤمن الكاذب. ٢- استئثار الرب تعالى بعلم الغيب دون خلقه إلا ما يطلع عليه رسله لحكمة اقتضت ذلك. ٣- ثمن الجنة الإيمان والتقوى. ٤- البخل بالمال شر لصاحبه، وليس بخير له كما يظن البخلاء. ٥- من أوتي مالاً ومنع حق الله فيه عذب به يوم القيامة دلت على ذلك هذه الآية وآية١ التوبة وحديث البخاري: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه –أي شدقيه- يقول أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا الآية ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ... ﴾ الآية". ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) ﴾

стр. 416

شرح الكلمات: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ١﴾ : هو عذاب النار المحرقة تحرق أجسادهم. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ : أي: ذلك العذاب بسبب ما قدمته أيديكم من الجرائم. ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ : أمرنا ووصانا في كتابنا "التوراة". ﴿أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ : أي: لا نتابعه، على ما جاء به ولا نصدقه في نبوته. ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ : القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من حيوان وغيره يوضع في مكان فتنزل عليه نار بيضاء من السماء فتحرقه. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ : الآيات والمعجزات. ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ : أي: من القربان. ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ : الاستفهام للتوبيخ، ومن قتلوا من الأنبياء: زكريا ويحي ﵉. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ : جمع زبور وهو الكتاب؛ كصحف إبراهيم. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ : الواضح البين؛ كالتوراة والزبور والإنجيل. معنى الآيات: لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ﴾ ودخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت "المدراس٢" واليهود به وهم يستمعون لأكبر علمائهم وأجل أحبارهم فنحاص فدعاه أبو بكر إلى الإسلام، فقال فنحاص: إن رباً يستقرض، نحن أغنى منه! ينهانا صاحبك عن الربا ويقبله فغضب أبو بكر ﵁ وضرب اليهودي، فجاء إلى رسول الله ﷺ فشكا أبا بكر فسأل الرسول أبا بكر قائلاً: "ما حملك على ما صنعت"؟ فقال إنه قال: إن الله فقير ونحن أغنياء. فأنكر اليهودي فأنزل٣ الله تعالى الآية ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ، أي: نكتبه أيضاً، ونقول لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق﴾ ، وقولنا ذلك بسبب ما

стр. 417

قدمته أيديكم من الشر والفساد وأن الله ليس بظلام للعبيد، فلم يكن جزاؤهكم مجافياً للعدل ولا مباعداً له أبداً لننزه الرب تعالى عن الظلم لعباده، هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٨١) ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ، والآية الثانية (١٨٢) ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ، وأما الآية الثالثة (١٨٣) وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فقد تضمنت دعوى يهودية كاذبة بطالة لا صحة لها البتة، والرد عليها، فالدعوى هي قولهم إن الله١ قد أمرنا موصياً لنا أن لا نؤمن لرسول فنصدقه ونتابعه على ما جاء به، حتى يأتينا بقربان تأكله النار، يريدون صدقة من حيوان أو غيره توضع أمامهم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها، فذلك آية نبوته، وأنت يا محمد ما أتيتنا بذلك فلا نؤمن بك ولا نتابعك على دينك، وأما الرد فهو قول الله تعالى لرسوله ﷺ قل يا رسولنا: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهي المعجزات، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ وهو قربان تأكله النار فلم قتلتموهم، إذ قتلوا زكريا ويحي وحاولوا قتل عيسى، إن كنتم صادقين في دعواكم؟، وأما الآية الرابعة (١٨٤) فإنها تحمل العزاء لرسول الله ﷺ إذ يقول له ربه تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فلم يؤمنوا بك، فلا تحزن ولا تأسى لأنك لست وحدك الذي كُذبت، فقد كذبت رسل كثر كرام، جاءوا أقوامهم بالبينات، أي: المعجزات، وبالزبر، والكتاب المنير؛ كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وكذبتهم أممهم كما كذبك هؤلاء اليهود والمشركين معهم فاصبر ولا تحزن. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- كفر اليهود وسوء أدبهم مع الله تعالى ومع أنبيائهم ومع الناس أجمعين. ٢- تقرير جريمة قتل اليهود للأنبياء وهي من أبشع الجرائم.

стр. 418

٣- بيان كذب اليهود في دعواهم أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا بالرسول حتى١ يأتيهم بقربان تأكله النار. ٤- تعزية الرسول ﷺ وحمله على الصبر والثبات أمام ترهات اليهود وأباطيلهم. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (١٨٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ٢﴾ : أي: ذائقة موت جسدها، أما هي فإنها لا تموت. ﴿تُوَفَّوْنَ﴾ : تعطون جزاء أعمالكم خيراً أو شراً وافية لا نقص فيها. ﴿زُحْزِحَ﴾ : نجي وأبعد. ﴿فَازَ﴾ : نجا من مرهوبه وهو النار، وظفر بمرغوبه وهو الجنة. ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ٣﴾ : المتاع: كل ما يستمتع به، والغرور: الخداع، فشبهت الدنيا بمتاع خادع غار صاحبه، لا يلبث أن يضمحل ويذهب.

стр. 419

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ : لتختبرن في أموالكم بأداء الحقوق الواجبة فيها، أو بذهابها وأنفسكم بالتكاليف الشاقة؛ كالجهاد والحج، أو المرض والموت. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : اليهود والنصارى. ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ : العرب. ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ : يريد أن الصبر والتقوى من الأمور الواجبة التي هي عزائم وليس فيها رخص ولا ترخيص بحال من الأحوال. معنى الآيات: ما زال السياق في تعزية الرسول ﷺ وأصحابه، لقد جاء في الآية السابقة تسلية الرسول ﷺ عما آلمه من تكذيب اليهود والمشركين له، وفي هذه الآية أعظم تسلية وعزاء، إذ أخبر تعالى فيها بأن كل نفس مهما علت أو سفلت ذائقة الموت١ لا محالة، وإن الدنيا ليست دار جزاء وإنما هي دار كسب وعمل، ولذا قد يجرم فيها المجرمون ويظلم الظالمون، ولا ينالهم مكروه، وقد يحسن فيها المحسنون ويصلح المصلحون ولا ينالهم محبوب، وفي هذا تسلية عظيمة وأخرى: العلم بأن الحياة الدنيا بكل ما فيها لا تعدو كونها متاع الغرور، أي: متاع زائل غار ببهرجه وجمال منظره، ثم لا يلبث أن يذهب ويزول. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٨٥) ، أما الآية الثانية (١٨٦) ففيها يخبر تعالى رسوله والمؤمنين بأنهم لا محالة مختبرون في أموالهم وفي أنفسهم. في أموالهم بالحوائج، وبالواجبات، وفي أنفسهم بالمرض والموت والتكاليف الشاقة؛ كالجهاد والحج والصيام، وإنهم لا بد وأن يسمعوا من أهل الكتاب والمشركين أذى كبيراً كما قال فنحاص: الله فقير٢ ونحن أغنياء أو كما قال النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال المشركون: اللات والعزى ومناة آلهة مع الله. حثهم تعالى على الصبر

стр. 420

والتقوى، فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فإن صبركم وتقواكم مما أوجب الله تعالى عليكم وليس هو من باب الندب والاستحباب بل هو من باب الفرض والوجوب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ليست الدار الدنيا بدار جزاء وإنما هي دار عمل. ٢- تعريف الفوز الحق وهو الزحزحة عن النار ودخول الجنة. ٣- بيان حقيقة هذه الحياة وأنها كمتاع خادع لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل. ٤- الابتلاء ضروري فيجب الصبر والتقوى فإنهما من عزائم الأمور لا من رخصها. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ١ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) ﴾ شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : اليهود والنصارى. الكتمان: إخفاء الشيء وجحوده حتى لا يرى ولا يعلم. ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ : ألقوه وطرحوه ولم يلتفتوا إليه، وهو ما أخذ عليهم العهد والميثاق فيه من الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به من الإسلام.

стр. 421

﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ : اعتاضوا عنه حطام الدنيا ومتاعها الزائل إذ كتموه. إبقاء على منافعهم الدنيوية. ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ : أي: يثني عليهم ويذكروا بخير وهم لم يفعلوا ما يوجب لهم ذلك. ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ﴾ : بمنجاة من العذاب في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم. معنى الآيات: ما زال السياق في اليهود فيقول تعالى لنبيه، واذكر لهم إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى أخذ على علمائهم العهد المؤكد بأن يبينوا للناس نعوت النبي ﷺ في كتابهم، وأن يؤمنوا به ويتابعوه على ما جاء به من الهدى ودين الحق وهو الإسلام، ولكنهم كتموه ونبذوه وراء ظهورهم فلم يلتفتوا إليه واستبدلوا بذلك ثمناً قليلاً وهو الجاه والمنصب والمال، قال تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وذم الله تعالى ذلك الثمن القليل فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ، هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٨٧) ، وأما الآية الثانية (١٨٨) ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا١ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . فإن الله تعالى يقول لرسوله ﷺ : لا تحسبن يا رسولنا الذين يفرحون بما أتوا من الشر والفساد بتحريف كلامنا وتبديل أوامرنا وتغيير شرائعنا وهم مع ذلك يحبون أن يحمدهم الناس أي يشكروهم ويثنوا عليهم، ما لم يفعلوا من الخير والإصلاح إذ عملهم كان العكس وهو الشر والفساد من اليهود، ولا تحسبنهم بمفازة، أي: بمنجاة من العذاب، ولهم عذاب أليم يوم القيامة. وأما الآية الثالثة ١٨٩) فقد أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، وأنه على كل شيء قدير فدلل بذلك على قدرته على البطش بالقوم والانتقام منهم، وأنه منجز وعيده لهم وهو عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 422

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- أخذ الله الميثاق على علماء أهل الكتاب ببيان الحق يتناول علماء١ الإسلام فإن عليهم أن يبثوا الحق ويجهروا به، ويحرم عليهم كتمانه٢ أو تأويله إرضاء للناس ليحوزوا على مكسب دنيوي مالاً أو جاهاً أو سلطاناً. ٢- لا يجوز للمسلم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والمعروف، بل من الكمال أن لا يرغب المسلم في مدح الناس وثنائهم وهو فاعل لما يستوجب ذلك فكيف بمن لم يفعل ثم يحب أن يحمد. بل بمن يفعل الشر والفساد ويحب أن يحمد عليه بالتصفيق٣ له وكلمة يحي فلان ... ٣- ملك الله تعالى لكل شيء وقدرته على كل شيء توجب الخوف منه والرغبة إليه وأكثر الناس عن هذا غافلون، وبه جاهلون. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ

стр. 423

آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ : أي: في وجودهما من العدم. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ : تعاقبهما هذا يجيء وذاك يذهب، هذا مظلم وذاك مضيء. ﴿لآياتٍ﴾ : دلائل واضحة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته. ﴿لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ : أصحاب العقول التي تُدرك بها الأشياء وتفهم بها الأدلة. ﴿رَبَّنَا﴾ : يقولون: ربنا إلخ ... ﴿بَاطِلاً﴾ : لا لشيء مقصود منه، وإنما هو من باب اللعب. ﴿سُبْحَانَكَ١﴾ : تنزيهاً لك عن العبث واللعب، وعن الشريك والولد. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ : أجرنا واحفظنا من عذاب النار بتوفيقك لنا للأعمال الصالحة وتجنيبنا الأعمال الفاسدة الموجبة لعذاب النار. ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ : أذللته وأشقيته

стр. 424

﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ : استر وامح. ﴿الأَبْرَارِ﴾ : جمع بر أو بار، وهم المتمسكون بالشريعة. ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ : على ألسنة رسلك من النصر والتأييد. ﴿الْمِيعَادَ﴾ : الوعد. ﴿هَاجَرُوا﴾ : تركوا بلادهم وديارهم وأموالهم وأهليهم فراراً بدينهم. ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ : آذاهم المشركون من أجل الإيمان بي ورسولي وطاعتنا. ﴿ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ : أي: أجراً جزاء كائناً من عند الله، وهو الجنات بعد تكفير السيئات. معنى الآيات: لما قال اليهود تلك المقالة السيئة: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء، وحرفوا الكتاب وبدلوا وغيروا ويحبون أن يحمدوا على باطلهم كانت مواقفهم هذه دالة على عمى في بصائرهم، وضلال في عقولهم، فذكر تعالى من الآيات الكونية ما يدل على غناء، وافتقار عباده إليه، كما يدل على ربوبيته على خلقه، وتدبيره لحياتهم وتصرفه في أمورهم، وأنه ربهم لا رب لهم غيره وإلههم الذي لا إله لهم سواه إلا أن هذا لا يدركه إلا أرباب العقول الحصيفة والبصائر النيرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ١ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ نعم إن في إيجاد السموات والأرض من العدم وفي اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والظلام والضياء، والتعاقب بذهاب هذا ومجيء ذاك دلائل واضحات على غنى الله وافتقار عباده وبراهين ساطعة على ربوبيته لخلقه. وألوهيته لهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٩٠) ، وأما الآيات الأربع بعدها فقد تضمنت وصفاً لأولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض فيهتدون إلى معرفة الرب تعالى فيذكرونه ويشكرونه. فقال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً٢ وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ وهذا شامل لحالهم في الصلاة٣

стр. 425

وخارج الصلاة. وقال عنهم: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ١ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، أي: في إيجادهما وتكوينهما وإبداعهما، وعظيم خلقهما، وما أودع فيهما من مخلوقات. فلا يلبثون أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ ، أي: لا لحكمة مقصودة ولا لهدف مطلوب، بل خلقته بالحق، وحاشاك أن تكون من اللاعبين العابثين سبحانك تنزيها لك عن العبث واللعب بل خلقت ما خلقت لحكم عالية لأجل أن تذكر وتشكر، فتكرم الشاكرين الذاكرين، في دار كرامتك وتهين الكافرين في دار عذابك، ولذا قالوا: في الآية (١٩٢) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . والظالمون هم الكافرون، ولذا يعدمون النصير ويخزون بالعذاب المهين، وقال عنهم في الآية (١٩٣) ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ، والمنادي هو القرآن الكريم والرسول٢ ﷺ وتوسلوا بإيمانهم لربهم طالبين أشرف المطالب وأسماها مغفرة ذنوبهم ووفائهم مع الأبرار فقالوا ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ٣﴾ وهو ما جاء في الآية (١٩٣) ، وأما الآية الخامسة (١٩٤) فقد سألوا ربهم أن يعطيهم ما وعدهم على ألسنة رسله من النصر والتمكين في الأرض، هذا في الدنيا، وأن لا يخزيهم يوم القيامة بتعذيبهم في النار، فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ، أي: وعدك الحق، وفي الآية السادسة (١٩٥) ذكر تعالى استجابته لهم فقال لهم: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بل أجازي الكل بعمله لا أنقصه له ذكراً كان أو أنثى لأن بعضكم من بعض الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر فلا معنى للتفرقة بينكم، وذكر تعالى بعض أعمالهم الصالحة التي استوجبوا بها هذا الإنعام فقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ، وواعدهم قائلاً: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ، وكان ذلك ثواباً منه تعالى على أعمالهم الصالحة، والله عنده حسن الثواب، فليرغب إليه، وليطمع فيه، فإنه البر الرحيم.
следующие страницы →