← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ : اعتاضوا عنه حطام الدنيا ومتاعها الزائل إذ كتموه. إبقاء على منافعهم الدنيوية. ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ : أي: يثني عليهم ويذكروا بخير وهم لم يفعلوا ما يوجب لهم ذلك. ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ﴾ : بمنجاة من العذاب في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم. معنى الآيات: ما زال السياق في اليهود فيقول تعالى لنبيه، واذكر لهم إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى أخذ على علمائهم العهد المؤكد بأن يبينوا للناس نعوت النبي ﷺ في كتابهم، وأن يؤمنوا به ويتابعوه على ما جاء به من الهدى ودين الحق وهو الإسلام، ولكنهم كتموه ونبذوه وراء ظهورهم فلم يلتفتوا إليه واستبدلوا بذلك ثمناً قليلاً وهو الجاه والمنصب والمال، قال تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وذم الله تعالى ذلك الثمن القليل فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ، هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٨٧) ، وأما الآية الثانية (١٨٨) ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا١ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . فإن الله تعالى يقول لرسوله ﷺ : لا تحسبن يا رسولنا الذين يفرحون بما أتوا من الشر والفساد بتحريف كلامنا وتبديل أوامرنا وتغيير شرائعنا وهم مع ذلك يحبون أن يحمدهم الناس أي يشكروهم ويثنوا عليهم، ما لم يفعلوا من الخير والإصلاح إذ عملهم كان العكس وهو الشر والفساد من اليهود، ولا تحسبنهم بمفازة، أي: بمنجاة من العذاب، ولهم عذاب أليم يوم القيامة. وأما الآية الثالثة ١٨٩) فقد أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، وأنه على كل شيء قدير فدلل بذلك على قدرته على البطش بالقوم والانتقام منهم، وأنه منجز وعيده لهم وهو عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 422

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- أخذ الله الميثاق على علماء أهل الكتاب ببيان الحق يتناول علماء١ الإسلام فإن عليهم أن يبثوا الحق ويجهروا به، ويحرم عليهم كتمانه٢ أو تأويله إرضاء للناس ليحوزوا على مكسب دنيوي مالاً أو جاهاً أو سلطاناً. ٢- لا يجوز للمسلم أن يحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والمعروف، بل من الكمال أن لا يرغب المسلم في مدح الناس وثنائهم وهو فاعل لما يستوجب ذلك فكيف بمن لم يفعل ثم يحب أن يحمد. بل بمن يفعل الشر والفساد ويحب أن يحمد عليه بالتصفيق٣ له وكلمة يحي فلان ... ٣- ملك الله تعالى لكل شيء وقدرته على كل شيء توجب الخوف منه والرغبة إليه وأكثر الناس عن هذا غافلون، وبه جاهلون. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ

стр. 423

آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ : أي: في وجودهما من العدم. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ : تعاقبهما هذا يجيء وذاك يذهب، هذا مظلم وذاك مضيء. ﴿لآياتٍ﴾ : دلائل واضحة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته. ﴿لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ : أصحاب العقول التي تُدرك بها الأشياء وتفهم بها الأدلة. ﴿رَبَّنَا﴾ : يقولون: ربنا إلخ ... ﴿بَاطِلاً﴾ : لا لشيء مقصود منه، وإنما هو من باب اللعب. ﴿سُبْحَانَكَ١﴾ : تنزيهاً لك عن العبث واللعب، وعن الشريك والولد. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ : أجرنا واحفظنا من عذاب النار بتوفيقك لنا للأعمال الصالحة وتجنيبنا الأعمال الفاسدة الموجبة لعذاب النار. ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ : أذللته وأشقيته

стр. 424

﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ : استر وامح. ﴿الأَبْرَارِ﴾ : جمع بر أو بار، وهم المتمسكون بالشريعة. ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ : على ألسنة رسلك من النصر والتأييد. ﴿الْمِيعَادَ﴾ : الوعد. ﴿هَاجَرُوا﴾ : تركوا بلادهم وديارهم وأموالهم وأهليهم فراراً بدينهم. ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ : آذاهم المشركون من أجل الإيمان بي ورسولي وطاعتنا. ﴿ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ : أي: أجراً جزاء كائناً من عند الله، وهو الجنات بعد تكفير السيئات. معنى الآيات: لما قال اليهود تلك المقالة السيئة: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء، وحرفوا الكتاب وبدلوا وغيروا ويحبون أن يحمدوا على باطلهم كانت مواقفهم هذه دالة على عمى في بصائرهم، وضلال في عقولهم، فذكر تعالى من الآيات الكونية ما يدل على غناء، وافتقار عباده إليه، كما يدل على ربوبيته على خلقه، وتدبيره لحياتهم وتصرفه في أمورهم، وأنه ربهم لا رب لهم غيره وإلههم الذي لا إله لهم سواه إلا أن هذا لا يدركه إلا أرباب العقول الحصيفة والبصائر النيرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ١ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ نعم إن في إيجاد السموات والأرض من العدم وفي اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والظلام والضياء، والتعاقب بذهاب هذا ومجيء ذاك دلائل واضحات على غنى الله وافتقار عباده وبراهين ساطعة على ربوبيته لخلقه. وألوهيته لهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٩٠) ، وأما الآيات الأربع بعدها فقد تضمنت وصفاً لأولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض فيهتدون إلى معرفة الرب تعالى فيذكرونه ويشكرونه. فقال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً٢ وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ وهذا شامل لحالهم في الصلاة٣

стр. 425

وخارج الصلاة. وقال عنهم: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ١ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، أي: في إيجادهما وتكوينهما وإبداعهما، وعظيم خلقهما، وما أودع فيهما من مخلوقات. فلا يلبثون أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ ، أي: لا لحكمة مقصودة ولا لهدف مطلوب، بل خلقته بالحق، وحاشاك أن تكون من اللاعبين العابثين سبحانك تنزيها لك عن العبث واللعب بل خلقت ما خلقت لحكم عالية لأجل أن تذكر وتشكر، فتكرم الشاكرين الذاكرين، في دار كرامتك وتهين الكافرين في دار عذابك، ولذا قالوا: في الآية (١٩٢) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . والظالمون هم الكافرون، ولذا يعدمون النصير ويخزون بالعذاب المهين، وقال عنهم في الآية (١٩٣) ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ، والمنادي هو القرآن الكريم والرسول٢ ﷺ وتوسلوا بإيمانهم لربهم طالبين أشرف المطالب وأسماها مغفرة ذنوبهم ووفائهم مع الأبرار فقالوا ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ٣﴾ وهو ما جاء في الآية (١٩٣) ، وأما الآية الخامسة (١٩٤) فقد سألوا ربهم أن يعطيهم ما وعدهم على ألسنة رسله من النصر والتمكين في الأرض، هذا في الدنيا، وأن لا يخزيهم يوم القيامة بتعذيبهم في النار، فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ، أي: وعدك الحق، وفي الآية السادسة (١٩٥) ذكر تعالى استجابته لهم فقال لهم: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بل أجازي الكل بعمله لا أنقصه له ذكراً كان أو أنثى لأن بعضكم من بعض الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر فلا معنى للتفرقة بينكم، وذكر تعالى بعض أعمالهم الصالحة التي استوجبوا بها هذا الإنعام فقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ، وواعدهم قائلاً: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ، وكان ذلك ثواباً منه تعالى على أعمالهم الصالحة، والله عنده حسن الثواب، فليرغب إليه، وليطمع فيه، فإنه البر الرحيم.

стр. 426

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب التفكر في خلق السموات والأرض للحصول على المزيد من الإيمان والإيقان. ٢- استحباب تلاوة هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ ... ﴾ إلى آخر السورة، وذلك عند القيام للتهجد آخر الليل لثبوت ذلك في الصحيح١ عنه ﷺ . ٣- استبحاب ذكر الله في كل حال٢ من قيام أو قعود أو اضطجاع. ٤- استحباب التعوذ من النار بل وجوبه ولو مرة في العمر. ٥- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإيمان وصالح الأعمال. ٦- فضل الهجرة والجهاد في سبيل الله. ٧- المساواة بين المؤمنين والمؤمنات في العمل والجزاء. ٨- استحباب الوفاة بين الأبرار وهم أهل الطاعة لله ولرسوله والصدق فيها وذلك بالحياة معهم والعيش بينهم لتكون الوفاة بإذن الله معهم. ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ

стр. 427

سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ﴾ : لا يكن منك اغترار، المخاطب الرسول ﷺ والمراد أصحابه وأتباعه. ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ : تصرفهم فيها بالتجارة والزراعة والأموال والمآكل والمشارب. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ : تصرفهم ذلك هو متاع قليل يتمتعون به أعواماً وينتهي. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ : مآلهم بعد التمتع القليل إلى جهنم يأوون إليها فيخلدون فيها أبداً. ﴿نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ : النزل: ما يعد للضيعف من قرى: طعام وشراب وفراش. الأبرار: جمع بار، وهو المطيع لله ولرسوله الصادق في طاعته. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ : القرآن والسنة، وما أنزل إليهم؛ التوراة والإنجيل. ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ : مطيعين مخبتين له . ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ : لا يجحدون أحكام الله وما أمر ببيانه للناس مقابل منافع تحصل لهم. ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا١﴾ : الصبر: حبس النفس على طاعة الله ورسولهن والمصابرة: الثبات والصمود أمام العدو. ﴿وَرَابِطُوا﴾ : المرابطة: لزوم الثغور منعاً للعدو من التسرب إلى ديار المسلمين. ﴿تُفْلِحُونَ﴾ : تفوزون بالظفر المرغوب، والسلامة من المرهوب في الدنيا والآخرة.

стр. 428

معنى الآيات: ينهى الله ﵎ دعاة الحق من هذه الأمة في شخصية نبيهم ﷺ أن يغرهم١، أي: يخدعهم ما يتصرف فيه أهل الكفر والشرك والفساد من مكاسب وأرباح وما يتمتعون به من مطاعم ومشارب ومراكب، فيظنوا أنهم على هدى أو أن الله تعالى راضٍ عنهم وغير ساخط عليهم، لا، لا، إنما هو متاع في الدنيا قليل، ثم يردون إلى أسوأ مأوى وشر قرار إنه جهنم التي طالما مهدوا لدخولها بالشرك والمعاصي، وبئس المهاد مهدوه لأنفسهم الخلود في جهنم. هذا معنى الآيتين الأولى والثانية وهما قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ٢ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ، أما الآية الثالثة (١٩٨) ، وهي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ٣ لِلأَبْرَارِ﴾ فإنها قد تضمنت استدراكاً حسناً وهو لما ذكر في الآية قبلها مآل الكافرين وهو شر مآل جهنم وبئس المهاد، ذكر في هذه الآية مآل المؤمنين وهو خير مآل: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ، وما عند الله تعالى من النعيم المقيم في دار السلام خير لأهل الإيمان والتقوى من الدنيا وما فيها فلا يضرهم أن يكونوا فقراء، وأهل الكفر أغنياء موسرين، أما الآية الرابعة (١٩٩) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب٤ِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ الآية فإنها تضمنت الرد الإلهي على بعض المنافقين الذين أنكروا على رسول الله ﷺ والمؤمنين صلاتهم على النجاشي بعد موته، إذ قال بعضهم انظروا إلى محمد وأصحابه يصلون على علج مات في غير ديارهم وعلى غير ملتهم، وهم يريدون بهذا الطعن على رسول الله ﷺ والمؤمنين فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: اليهود والنصارى لمن يؤمن بالله، وما أنزل إليكم أيها المؤمنون، وما أنزل

стр. 429

إليهم في التوراة والإنجيل خاشعين لله، أي: خاضعين له عابدين، لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً كسائر اليهود والنصارى حيث يحرفون كلام الله ويخفون منه ما يجب أن يظهروه ويبينوه حفاظاً على منصب أو سمعة أو منفعة مادية، أما هؤلاء وهم: عبد الله بن سلام من اليهود وأصحمة النجاشي من النصارى، وكل من أسلم من أهل الكتاب فإنهم المؤمنون حقاً المستحقون للتكريم والإنعام قال تعالى فيهم أولئك لهم أجرهم عند ربهم يوفيهم إياه يوم القيامة إن اله سريع الحساب، إذ يتم حساب الخلائق كلهم في مثل نصف يوم من أيام الدنيا. هذا ما تضمنته الآية الرابعة (١٩٩) ، أما الآية الخامسة والأخيرة (٢٠٠) وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا١ وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإنها تضمنت دعوة كريمة ونصيحة غالية ثمينة للأمة الرحيمة بأن تصبر على الطاعات وعلى الشدائد والملمات فتصابر أعداءها حتى يُسلموا أو يسلموا القياد لها. وترابط بخيولها وآلات حربها في حدودها وثغورها مرهبة عدوها حتى لا يطمع في غزوها ودخول ديارها. ولتتق الله تقوى تكون سبباً في فوزها وفلاحها بهذه الرحمة الربانية ختمن سورة آل عمران المباركة ذات الحكم والأحكام وتليها سورة النساء. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تنبيه المؤمنين وتحذيره من الاغترار بما يكون عليه الكافرون من سعة الرزق وهناءة العيش فإن ذلك لم يكن عن رضى الله تعالى عنهم، وإنما هو متاع في الدنيا حصل لهم بحسب سنة الله تعالى في الكسب والعمل ينتج لصاحبه بحسب كده وحسن تصرفه. ٢- ما أعد لأهل الإيمان والتقوى وهم الأبرار من نعيم مقيم في جوار ربهم خير من الدنيا وما فيها. ٣- شرف مؤمني أهل الكتاب وبشارة القرآن لهم بالجنة وعلى رأسهم عبد الله بن سلام وأصحمة النجاشي.

стр. 430

٤- وجوب الصبر والمصابرة والتقوى والمرابطة١ للحصول على الفلاح الذي هو الفوز المرغوب والسلامة من المرهوب في الدنيا والآخرة.

стр. 431

سورة النساء مدنية٢ وآياتها ١ ٧٦ آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿النَّاسُ﴾ : البشر، واحد الناس من غير لفظه وهو إنسان. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ : خافوه إن يعذبكم فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ٣﴾ : هي آدم ﵇. ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ : خلق حواء من آدم من ضلعه٤. ﴿وَبَثَّ﴾ : نشر وفرق في الأرض من آدم وزوجه رجالاً ونساء كثيراً. ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ : كقول الرجل لأخيه: أسألك بالله أن تفعل لي كذا. ﴿وَالأَرْحَامَ﴾ : الأرحام: جمع رحم، والمراد من اتقاء الأرحام صلتها وعدم قطعها. ﴿رَقِيباً﴾ : الرقيب: الحفيظ العليم.

стр. 432

معنى الآية الكريمة: ينادي الرب ﵎ عباده بلفظ عام يشمل مؤمنهم وكافرهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ويأمرهم بتقواه وهي اتقاء عذابه في الدنيا والآخرة بالإسلام التام إليه ظاهراً وباطناً. واصفاً نفسه تعالى بأنه ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة وهي آدم الذي خلقه من طين، وخلق من تلك النفس زوجها١ وهي حواء، وأنه تعالى بث منهما أي: نشر منهما في الأرض رجالاً كثيراً ونساء كذلك ثم كرر الأمر بالتقوى، إذ هي ملاك الأمر، فلا كمال ولا سعادة بدون الالتزام بها قائلاً: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ٢ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ٣﴾ أي: اتقوا الله ربكم الذي آمنت به قلوبكم فكنتم إذا أراد أحدكم من أخيه شيئاً قال له أسألك بالله إلا أعطيتني كذا ... واتقوا الأرحام٤ أن تقطعوها فإن في قطعها فساداً كبيراً وخللاً عظيما يصيب حياتكم فيفسدها عليكم، وتوعدهم تعالى إن لم يمتثلوا أمره بتقواه ولم يصلوا أرحامهم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ مراعياً لأعمالكم محصياً لها حافظاً يجزيكم بها ألا أيها الناس فاتقوه. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: ١- فضل هذه الآي إذ كان النبي ﷺ خطب في حاجة تلا آية آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ . وتلا هذه الآية، ثم آية الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ، ثم يقول: أما بعد ويذكر حاجته. ٢- أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذا كررت في آية واحدة مرتين في أولها وفي آخرها. ٣- وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها. ٤- مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات.

стр. 433

﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿الْيَتَامَى﴾ : جمع يتيم ذكراً كان أو أنثى، وهو من مات والده وهو غير بالغ الحلم. ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ : الخبيث: الحرام، والطيب: الحلال، والمراد بها هنا الرديء والجيد. ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ : الحوب: الإثم العظيم. ﴿أَلا تُقْسِطُوا١﴾ : أن لا تعدلوا. ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ : أي: اثنتين أو ثلاث، أو أربع إذ لاتحل الزيادة على الأربع٢. ﴿أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ : أقرب أن لا تجوروا بترك العدل بين الزوجات. ﴿صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً٣﴾ : جمع صدقة، وهي الصداق والمهر، ونحلة بمعنى فريضة واجبة. ﴿هَنِيئاً﴾ : الهنيء: ما يستلذ به عند أكله. ﴿مَرِيئاً﴾ : المريء: ما تحسن عاقبته بأن لا يعقب آثاراً سيئة.

стр. 434

معنى الآيات: لما أمر تعالى بصلة الأرحام وحرم قطعها في الآية السابقة أمر في هذه الآية أوصياء اليتامى أن يعطوا اليتامى١ أموالهم إذا هم بلغوا سن الرشد وآنسوا منهم الرشد، فقال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ . ونهاهم محرماً عليهم أن يستبدلوا أموال اليتامى الجيدة بأموالهم الرديئة فقال تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾ ، أي: الرديء من أموالكم بالطيب من أموالهم، ملا في ذلك من أذية اليتيم في ماله، ونهاهم أيضاً أن يأكلوا أموال يتاماهم مخلوطة مع أموالهم لما في ذلك من أكل مال التيم بغير حق فقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ٢ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ، وعلل ذلك بأنه إثم عظيم فقال : ﴿إنه﴾ أي: الأكل ﴿كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ والحوب الإثم. هذا معنى الآية الأولى (٢) ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى٣ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً٤ كَبِيراً﴾ ، وأما الآية الثانية (٣) فقد أرشد الله تعالى أولياء اليتيمات أن هم خافوا أن لا يعدلوا معهن إذا تزوج أحدهم وليته أرشدهم أن يتزوجوا ما طاب لهم من النساء غير ولياتهم مثنى، وثلاث ورباع٥. يريد اثنتين أو ثلاث أو أربع كل بحسب قدرته، فهذا خير من الزواج بالولية فيهضم حقها وحقها آكد لقرابتها. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ . وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد تعالى وإن خاف المؤمن ألا يعدل بين زوجاته لضعفه فليكتف بواحدة ولا يزد عليها غيرها أو يتسرى بمملوكته إن كان له مملوكة فإن هذا أقرب إلى أن لا يجور المؤمن ويظلم نساءه. هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ . وفي الآية الرابعة والأخيرة يأمر تعالى بأن يعطوا النساء مهورهن فريضة منه تعالى فرضها على

стр. 435

الرجل لامرأته، فلا يحل له ولا لغيره أن يأخذ منها شيئاً إلا يرضى الزوجة فإن هي رضيت فلا حرج في الأكل من الصداق لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ . هداية الآيات: من هداية الآيات: ١-كل مال حرام فهو خبيث، وكل حلال فهو طيب. ٢-لا يحل للرجل أن يستبدل جيداً من مال يتيمه بمال رديء من ماله؛ كأن يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمراً جيداً ويعطيه رديئاً خسيساً. ٣-لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكلان جميعاً لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما. ٤-جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور. ٥ -وجوب مهور النساء وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر وسواء في ذلك الزوج، وهو المقصود في الآية أو الأب والأقارب. ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً (٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَلا تُؤْتُوا١﴾ : لا تعطوا.

стр. 436

﴿السُّفَهَاءَ﴾ : جمع سفيه، وهو من لا يحسن التصرف في المال. ﴿قِيَاماً١﴾ : القيام: ما يقوم به الشيء، فالأموال جعلها الله تعالى قياماً، أي: تقوم عليها معايش الناس ومصالحهم الدنيوية والدينية أيضاً. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ : أي: قولاً تطيب٢ به نفسه فلا يغضب ولا يحزن. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ : أي: اختبروهم كي تعرفوا هل أصبحوا يحسنون التصرف في المال. ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ : أي: سن الزواج، وهي البلوغ. ﴿آنَسْتُمْ﴾ : أبصرتم الرشد في تصرفاتهم٣. ﴿إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾ : الإسراف: الإنفاق في غير الحاجة الضرورية، والبدار: المبادرة والمسارعة إلى الأكل منه قبل أن ينقل إلى اليتيم بعد رشده. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ : أي: يعف بمعنى يكف عن الأكل من مال يتيمه. ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ : أي: بقدر الحاجة الضرورية. ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ : شاهداً لقرينة فأشهدوا عليهم. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في إرشاد الله تعالى عباده المؤمنين إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا، ونجاتهم وفلاحهم في الآخرة فقال تعالى في الآية الأولى (٥) ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ٤ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ ، فنهاهم تعالى أن يعطوا أموالهم التي هي قوام معاشهم السفهاء من امرأة وولد أو رجل قام به وصف السفه، وهو قلة البصيرة بالأمور المالية، والجهل بطرق التصرف الناجحة مخافة أن ينفقوها في غير وجوهها، أو يفسدوها بأي نوع من الإفساد، كالإسراف ونحوه، وأمرهم أن يرزقوهم فيها ويكسوهم، وقال فيها ولم يقل منها إشارة إلى أن المال ينبغي في تجارة أو صناعة أو

стр. 437

زراعة فيبقى رأس المال والكل يكون من الربح فقط، كما أمرهم أن يقولوا لسفائهم الذين منعوهم المال أن يقولوا لهم قولاً معروفاً؛ كالعدة الحسنة والكلمة الطيبة، هذا ما تضمنته الآية الأولى، أما الثانية (٦) فقد أمرهم تعالى باختبار١ اليتامى إذا بلغوا سن الرشد أو ناهزوا البلوغ٢ بأن يعطوا شيئاً من المال ويطلبوا منهم أن يبيعوا أو يشتروا فإذا وجدوا منهم حسن تصرف دفعوا إليهم أموالهم وأشهدوا عليهم، حتى لا يقول أحدهم في يوم من الأيام ما أعطيتني مالي، ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ أي: شاهداً ورقيباً حفيظاً. ونهاهم أن يأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبداراً أن يكبروا ويريد لا تأكلوا أموال يتاماكم أيها الولاة والأوصياء٣ بطريق الإسراف، وهو الإنفاق الزائد على قدر الحاجة، والمبادرة هي المسارعة قبل أن يرشد السفيه وينقل إليه المال. ثم أرشدهم إلى أقوم الطرق وأسدها في ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً﴾ فليكف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً، ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وذلك بأن يستقرض منه ثم يرده إليه بعد الميسرة، وإن كان الولي فقيراً جاز له أن يعمل بأجر كسائر العمال، وإن كان غنياً فليعمل مجاناً احتساباً وأجره على الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته. ٢- استحباب تنمية الأموال في الأوجه الحلال لقرينة ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ . ٣- وجوب اختبار السفيه قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليه المال إلا بعد وجود الرشد. ٤- وجوب الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده. ٥- حرمة أكل مال اليتيم والسفيه مطلقاً. ٦- الوالي على اليتيم إن كان غنياً فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً استقرض ورد عند الوجد واليسار، وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للوفي أن يعمل بأجرة المثل.

стр. 438

﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿نَصِيبٌ﴾ : الحظ المقدر١ في كتاب الله. ﴿الْوَالِدَانِ﴾ : الأب والأم. ﴿وَالأَقْرَبُونَ﴾ : جمع قريب، وهو هنا الوارث بنسب أو مصاهرة أو ولاء. ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ : قدراً واجباً لازماً. ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ : أصحاب القرابات الذين لا يرثون لبعدهم عن عمودي النسب. ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ : أعطوهم شيئاً يرزقونه. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ : لا إهانة فيه ولا عتاب، ولا تأفيف. الخشية: الخوف في موضع الأمن. ﴿قَوْلاً سَدِيداً﴾ : عدلاً٢ صائباً. ﴿ظُلْماً﴾ : بغير حق يخول لهم أكل مال اليتيم.

стр. 439

﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ : سيدخلون سعيراً ناراً مستعرة يشوون فيها ويحرقون بها. معنى الآيات: لقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال بحجة أن الطفل كالمرأة لا تركب فرساً ولا تحمل كلاً ولا تنكي عدواً، يكسب١ ولا تكسب، وحدث وحدث أن امرأة يقال لها: أم كحة، مات زوجها وترك لها بنتين فمنعهما أخو الهالك من الإرث فشكت: أم كحة إلى٢ رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ، ومن ثم أصبحت المرأة؛ كالطفل الصغير يرثان كالرجال، وقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي: من المال المتروك ﴿أَوْ كَثُرَ﴾ حال كون ذلك نصيباً مفروضاً لابد من إعطائه الوارث ذكراً كان أو أنثى صغيراً أو كبيراً. والمراد من الوالدين: الأب والأم، الأقربون٣؛ كالأبناء والإخوان والبنات والأخوات، والزوج والزوجات، هذا ما تضمنته٤ الآية الأولى (٧) ، وأما الآية الثانية (٨) فقد تضمنت فضيلة جميلة غفل عنها المؤمنون وهي أن من البر والصلة والمعروف إذا هلك هالك، وقدمت تركته للقسمة بين الورثة، وحضر قريب غير وارث لحجبه أو بعده أو حضر يتيم أو مسكين من المعروف أن يعطوا شيئاً من تلك التركة قبل قسمتها وإن تعذر العطاء؛ لأن الورثة يتامى أو غير عقلاء يصرف أولئك الراغبون من قريب ويتيم ومسكين بكلمة طيبة كاعتذار جميل تطيب به نفوسهم هذا ما تضمنته الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ٥ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من المال المتروك ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ إن تعذر إعطاؤهم لمانع يتم أو عقل. أما الآية الثالثة

стр. 440

وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ ، فقد تضمنت إرشاد الله تعالى للمؤمن الذي يحضر مريضاً على فراش الموت بأن لا يسمح له أن يحيف في الوصية بأن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من الثلث أو يذكر ديناً ليس عليه، وإنما يريد حرمان الورثة. فقال تعالى آمراً عباده المؤمنين ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: من بعد موتهم، ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: فليخشوا هذه الحال على أولاد غيرهم ممن حضروا وفاته. كما يخشونها على أولادهم. إذاً فعليهم أن يتقوا الله في أولاد غيرهم. وليقولوا لمن حضروا وفاته ووصيته قولاً سديداً: صائباً لا حيف فيه ولا جور معه. هذا ما تضمنته الآية الثالثة (٩) ، أما الآية الرابعة (١٠) فقد تضمنت وعيداً شديداً لمن يأكل مال اليتيم ظلماً، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى١ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ٢ سَعِيراً﴾ . والمراد من الظلم أنهم أكلوها بغير حق أباح لهم ذلك كأجرة عمل ونحوه، ومعنى: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ إنهم يأكلون النار يوم القيامة، فقوله إنما يأكلون في بطونهم ناراً هو باعتبار ما يؤول إليه أمر أكلهم اليوم، والعياذ بالله من نار السعير. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ التوارث في الإسلام. ٢- استحباب إعطاء من حضر قسمة التركة من قريب أو يتيم ومسكين وإن تعذر إعطاؤهم صُرفوا بالكلمة الطيبة، وفي الحديث: "الكلمة الطيبة صدقة". ٣- وجوب النصح والإرشاد للمحتضر حتى لا يجور في وصيته عند موته. ٤- على من يخاف على أطفاله بعد موته أن يحسن إلى أطفال غيره فإن الله تعالى يكفيه فيهم. ٥- حرمة أكل مال اليتامى ظلماً، والوعيد الشديد فيه.

стр. 441

﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ : يعهد إليكم. ﴿فِي أَوْلادِكُمْ﴾ : في شأن أولادكم والولد يطلق على الذكر والأنثى. ﴿حَظِّ﴾ : الحظ: الحصة أو النصيب. ﴿نِسَاءً﴾ : بنات كبيرات أو صغيرات. ﴿ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ : الثلث: واحد من ثلاثة، والثلثان: اثنان من ثلاثة. ﴿السُّدُسُ﴾ : واحد من ستة. ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ : ذكراً كان أو أنثى، أو كان له ولد ولدٍ أيضاً ذكراً أو أنثى، فالحكم واحد. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ : اثنان فأكثر. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ : أي يُخرجُ الدين١ ثم الوصية ويقسم الباقي على الورثة. ﴿لا تَدْرُونَ﴾ : لا تعلمون. ﴿فَرِيضَةً٢﴾ : فرض الله ذلك عليكم فريضة.

стр. 442

﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ : عليماً بخلقه وما يصلح لهم، حكيماً في تصرفه في شؤون خلقه وتدبيره لهم. معنى الآية الكريمة: هذه الآية الكريمة (١١) ﴿يُوصِيكُمُ١ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ٢ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ إلخ. والتي بعدها (١٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ إلخ. نزلت لتفصيل حكم الآية (٧) والتي تضمنت شرعية التوارث بين الأقارب المسلمين فالآية الأولى (١١) بين تعالى فيها توارث الأبناء مع الآباء، فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أي: في شأن أولادكم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يريد إذا مات الرجل وترك أولاداً ذكوراً وإناثاً فإن التركة تقسم على أساس للذكر مثل نصيب الأنثيين، فلو ترك ولداً وبنتاً وثلاثة دنانير فإن الولد يأخذ دينارين، والبنت تأخذ ديناراً، وإن ترك بنات اثنين أو أكثر ولم يترك معهن ذكراً فإن للبنتين فأكثر الثلثين، والباقي للعصبة، إذ قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ . وإن ترك بنتاً واحدة فإن لها النصف والباقي للعصبة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ، وإن كان الميت قد ترك أبويه، أي: أمه وأباه وترك أولاداً ذكوراً أو إناثاً فإن لكل واحد من أبويه السدس والباقي للأولاد، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، يريد ذكراً كان أو أنثى٣. فإن لم يكن للهالك ولد ولا ولَدْ ولَدٍ فلأمه الثلث٤ وإن كان له أخوة اثنان فأكثر فلأمه السدس٥، هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ . أي: تسقط من الثلث٦ إلى السدس وهذا

стр. 443

يسمى بالحجب فحجبها إخوة ابنها الميت من الثلث إلى السدس. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يريد أن قسمة التركة على النحو الذي بين تعالى يكون بعد قضاء دين الميت وإخراج ما أوصى به إن كان الثلث فأقل وهو معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ معناه: نفذوا هذه الوصية المفروضة كما علمكم الله ولا تحاولوا أن تفضلوا أحداً على أحد فإن هؤلاء الوارثين آباؤكم وأبناؤكم ولا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة، ولذا فاقسموا التركة كما علمكم بلا محاباة فإن الله تعالى هو القاسم والمعطي عليم بخلقه وبما ينفعهم أو يضرهم حكيم في تدبيره لشؤونهم فليفوض الأمر إليه، وليرض بقسمته فإنها قسمة عليم حكيم. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: ١- أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغر منها شيئاً. ٢- الاثنان يعتبران جمعاً. ٣- ولد الولد١ حكمه حكم الولد نفسه في الحجب. ٤- الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أصحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ

стр. 444

مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ : الأزواج هنا: الزوجات. ﴿وَلَدٌ﴾ : المراد هنا بالولد: ابن الصلب ذكراً كان أو أنثى، وولد الولد مثله. ﴿الرُّبُعُ﴾ : واحد من أربعة. ﴿كَلالَةً١﴾ : الكلالة أن يهلك هالك ولا يترك ولداً ولا والداً ويرثه إخوته لأمه. ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ٢﴾ : أي: من الأم. ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ : بهما –أي: الوصية والدين- أحداً من الورثة. ﴿حَلِيمٌ﴾ : لا يعاجل بالعقوبة على المعصية. معنى الآية الكريمة: كانت الآية قبل هذه في بيان الوراثة بالنسب وجاءت هذه في بيان الوراثة بالمصاهرة، والوارثون بالمصاهرة: الزوج والزوجات، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ، فمن ماتت وتركت مالاً ولم تترك ولداً ولا ولد ولدٍ ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها النصف، وإن تركت ولداً أو ولد ولد ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها الربع لا غير لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ . وهذا من بعد سداد الدين إن كان على الهالكة دين، وبعد إخراج الوصية إن أوصت الهالكة بشيء، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ

стр. 445

بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . هذا ميراث الزوجة من زوجها فهو الربع إن لم يترك الزوج ولداً ولا ولد ولد ذكراً كان أو أنثى فإن ترك ولداً أو ولد ولد فللزوجة الثمن، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . هذا وإن كان للزوج الهالك زوجتان أو أكثر فإنهن يشتركن في الربع بالتساوي إن لم يكن للهالك ولد، وإن كان له ولد فلهن الثمن يشتركن فيه بالتساوى وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ أي تورث كلالة أيضاً، والموروث كلالة وهو من ليس له والد ولا ولد، وإنما يرثه إخوته لأمه كما في هذه الآية أو إخوته لأبيه وأمه كما في آي الكلالة في آخر هذه السورة، فإن كان له أخ من أمه فله السدس، وكذا إن كانت له أخت فلها السدس، وإن كانوا اثنين فأكثر فلهم الثلث١ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ٢ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ٣﴾ بأن يوصى بأكثر من الثلث، أو يقر بدين وليس عليه دين وإنما حسد للورثة أو بغضاً لهم لا غير، فإن تبين ذلك فلا تنفذ الوصية ولا يسدد الدين وتقسم التركة كلها على الورثة، وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي: وصاكم أيها المؤمنون بهذا وصية فهي جديرة بالإحترام والامتثال. والله عليم بنياتكم وأحوالكم وما يضركم وما ينفعكم فسلموا قسمته وأطيعوه فيها وهو حليم لا يعاجل بالعقوبة فلا يغركم حلمه أن بطشه شديد وعذابه أليم. هداية الآية من هداية الآية: ١- بيان ميراث الزوج من زوجته، والزوجة والزوجات من زوجهن. ٢- بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والداً ولا ولداً فيرثه إخوته فقط٤ يحوطون به إحاطة

стр. 446

الإكليل بالرأس فلذا سُميت الكلالة. ٣- إهمال الوصية أو الدين إن علم إن الغرض منها الإضرار بالورثة فقط. ٤- عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿تِلْكَ حُدُودُ١ اللهِ﴾ : تلك اسم إشارة أشير به إلى سائر ما تقدم من أحكام النكاح وكفالة اليتامى وتحريم أكل مال اليتيم، وقسمة التركات. وحدود الله هي ما حده لنا وبينه من طاعته وحرم علينا الخروج عنه والتعدي له. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ : هو النجاة من النار ودخول الجنة. العذاب المهين: ما كان فيه إهانة للمعذب بالتقريع والتوبيخ ونحو ذلك. معنى الآيتين: لما بين تعالى ما شاء من أحكام الشرع وحدود الدين أشار إلى ذلك بقوله: ﴿تِلْكَ٢ حُدُودُ اللهِ﴾ قد بينها لكم وأمرتكم بالتزامها، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيها وفي غيرها من الشرائع والأحكام فجزاؤه أنه يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، أنهار العسل واللبن والخمر والماء، وهذا هو الفوز العظيم، حيث نجاه من النار وأدخله الجنة يخلد فيها أبداً. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بتعد تلك الحدود وغيرها من الشرائع والأحكام ومات على ذلك فجزاؤه أن

стр. 447

يدخله ناراً يخلد فيها١ وله عذاب مهين. والعياذ بالله من عذابه وشر عقابه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان حرمة تعدي حدود الله تعالى. ٢- بيان ثواب طاعة الله ورسوله وهو الخلود في الجنة. ٣- بيان جزاء معصية الله ورسوله وهو الخلود في٢ النار والعذاب المهين فيها. ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٨) ﴾

стр. 448

شرح الكلمات: ﴿وَاللاتِي١﴾ : جمع التي، اسم موصول للمؤنث المفرد، واللاتي للجمع المؤنث. ﴿الْفَاحِشَةَ٢﴾ : المراد بها هنا: الزنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ : المحصنات٣. ﴿سَبِيلاً﴾ : طريقاً للخروج من سجن البيوت. ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ : الضمير عائد إلى الفاحشة المتقدم ذكرها. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ : اتركوا آذيتهما بعد أن ظهرت توبتهما. ﴿التَّوْبَةُ﴾ : أصل التوبة الرجوع وحقيقتها الندم على فعل القبيح مع تركه، والعزم على عدم العودة إليه. ﴿السُّوءَ﴾ : كل ما أساء إلى النفس والمراد به هنا: السيئات. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ : لا مع العمد والإصرار وعدم المبالاة. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ : أعددنا وهيأنا. ﴿أَلِيماً﴾ : موجعاً شديد الإيجاع. معنى الآيات: لما ذكر تعالى بحدوده وذكر جزاء متعديها، ذكر هنا معصية من معاصيه وهي فاحشة الزنا، ووضع لها حداً في البيوت حتى الموت أو إلى أن ينزل حكماً آخر يخرجهن من الحبس وهذا بالنسبة إلى المحصنات. فقال تعالى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ٤﴾ أي: من المسلمين بشهدون بأن فلانة زنت بفلانة

стр. 449

فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن١ أو يجعل الله لهن سبيلا. أما غير المحصنات وهن الأبكار فقد قال تعالى في شأنهن، ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ فآذوها، أي: بالضرب الخفيف والتقريع والعتاب، مع الحبس للنساء، أما الرجال فلا يحبسون وإنما يكتفى بآذاهم إلى أن يتوبوا ويصلحوا فحين إذ يعفو عنهم ويكفوا عن أذيتهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ٢ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . ولم يمض على هذين الحدين إلا القليل من الزمن حتى أنجز الرحمن ما وعد وجعل لهن سبيلاً، فقد صح أنه ﷺ كان جالساً بين أصحابه حتى أنزل الله تعالى عليه الحكم النهائي في جريمة الزنا فقال ﷺ : " خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام". والمراد من الثيب بالثيب، أي: إذا ثيب بثيب، وكذا البكر بالبكر. وبهذا أوقف الحد الأول من النساء والرجال معاً ومضى الثاني، أما جلد البكرين فقد نزل فيه آية النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وأما رجم المحصنين فقد مضت فيه السنة، فقد رجم ماعز، والغامدية بأمر رسول الله ﷺ وهو حد قائم إلى يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (١٥) والثانية (١٦) ، وأما الآيتان بعدهما وهما (١٧) و (١٨) فقد أخبر تعالى أن الذين يستحقون التوبة وثبتت لهم من الله تعالى هم المذنبون الذين يرتكبون المعصية بسب جهالة منهم، ثم يتوبون من قريب لا يسوفون التوبة ولا يؤخرونها أما الذين يجترحون السيئات مع علم منهم وإصرار، ولا يتوبون إثر غشيان الذنب فلا توبة تضمن لهم فقد يموتون بلا توبة شأنهم شأن الذين يعملون السيئات ولا يتوبون حتى إذا مرض أحدهما وظهرت عليه علامات الموت وأيقن إنه ميت لا محالة قال إنه تائب كشأن الكافرين إذا تابوا عند٣ معاينة الموت فلا تقبل

стр. 450

منهم توبة أبداً. هذا معنى الآيتين الكريمتين الأولى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِم﴾ أي: يقبل توبتهم لأنه عليم بضعف عباده حكيم يضع كل شيء في موضعه اللائق به، ومن ذلك قبول توبة من عصوه بجهالة لا بعناد ومكابرة وتحدٍ، ثم تابوا من قريب لم يطيلوا١ مدة المعاصي، والثانية: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ، كما هي ليست للذين يعيشون على الكفر فإذا جاء أحدهم الموت قال تبت كفرعون فإنه لما عاين الموت بالغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . فرد الله تعالى عليه: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ . إشارة إلى كل من مات على غير توبة بارتكابه كبائر الذنوب أو بكفر وشرك إلى أن المؤمن الموحد يخرج من النار بإيمانه والكافر يخلد فيها. نعوذ بالله من النار وحال أهلها. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عظم قبح فاحشة الزنى. ٢- بيان حد الزنى قبل نسخه بآية سورة النور، وحكم الرسول ﷺ في رجم المحصن والمحصنة. ٣- التوبة التي تفضل الله بها هي ما كان صاحبها أتى ما أتى من الذنوب بجهالة لا بعلم وإصرار ثم تاب من قريب زمن. ٤- الذين يسوفون التوبة ويؤخرونها يخشى عليهم أن لا يتوبوا حتى يدركهم الموت وهم على ذلك فيكونون من أهل النار، وقد يتوب أحدهما، لكن بندرة وقلة وتقبل توبته إذا لم يعاين أمارات الموت لقول الرسول ﷺ : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". رواه الترمذي وأحمد وغيرهما وإسناده حسن. ٥- لا تقبل توبة من حشرجت نفسه وظهرت عليه علامات الموت، وكذا الكافر من باب أولى لا تقبل له توبة بالإيمان إذا عاين علامات الموت كما لم تقبل توبة فرعون.

стр. 451

﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (٢١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿كَرْهاً﴾ : بدون رضاهن. العضل: المنع بشدة كأنه إمساك بالعضلات أو من العضلات. ﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ : أي: من المهور. الفاحشة: الخصلة القبيحة الشديدة القبح؛ كالزنا. ﴿مُبَيِّنَةٍ١﴾ : ظاهرة واضحة ليست مجرد تهمة أو مقالة سوء. ﴿بِالْمَعْرُوفِ٢﴾ : ما عرفه الشرع واجباً أو مندوباً أو مباحاً. ﴿قِنْطَاراً﴾ : أي: من الذهب أو الفضة مهراً وصداقاً.

стр. 452

﴿بُهْتَاناً وَإِثْماً﴾ : أي: كذباً وافتراء، وإثماً حراماً لا شك في حرمته؛ لأنه ظلم. ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ : أي: خلص الزوج إلى عورة زوجته والزوجة كذلك. ﴿مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ : هو العقد وقول الزوج: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. معنى الآيات: تضمنت هذه الآية: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا١ النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ إبطال ما كان شائعاً بين الناس قبل الإسلام من الظلم اللاحق بالنساء، فقد كان الرجل إ ذا مات والده على زوجته ورثها أكبر أولاده من غيرها فإن شاء زوجها وأخذ مهرها وإن شاء استبقاها حتى تعطيه ما يطلب منها من مال فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ . فبطل ذلك الحكم الجاهلي بهذه الآية الكريمة وأصبحت المرأة إذا مات زوجها اعتدت في بيت زوجها فإذا انقضت عدتها ذهبت حيث شاءت ولها ما لها وما ورثته من زوجها أيضاً وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ٢ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ . فهذا حكم آخر وهو أن يحرم على الزوج إذا كره٣ زوجته أن يضايقها ويضارها حتى تفتدي منه ببعض مهرها، إذ من معاني العضل المضايقة والمضارة، هذا ما لم ترتكب الزوجة فاحشة الزنا أو تترفع عن الزوج وتتمرد عليه وتبخسه حقه في الطاعة والمعاشرة بالمعروف أما إن أتت بفاحشة مبينة لا شك فيها أو أنشزت نشوزاً بيناً فحينئذ للزوج أن يضايقها حتى تفتدي منه بمهرها أو بأكثر حتى يطلقها، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بمعاشرة الزوجات بالمعروف وهو العدل والإحسان، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وإن فرض أن أحداً منكم كره زوجته وهي لم تأتي بفاحشة مبينة فليصبر عليها ولا يطلقها فلعل الله تعالى يجعل في بقائها في عصمته خيراً كثيراً له نتيجة الصبر عليها وتقوى الله تعالى فيها وفي غيرها، فقد يرزق منها ولداً ينفعه، وقد يذهب من نفسه ذلك الكره ويحل محله الحب والمودة. والمراد أن الله تعالى أرشد المؤمن

стр. 453

إن كره زوجته أن يصبر ولا يطلق لما في ذلك من العاقبة الحسنة، لأن الطلاق بغير موجب غير صالح ولا مرغوب للشارع وكم من أمر يكرهه العبد ويصبر عليه فيجعل الله تعالى فيه الخير الكثير. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٩) ، أما الآيتان بعدها فقد تضمنتا: تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطاراً فلا يحل أن يأخذ منه فلساً فضلاً عن دينار أو درهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً١ فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ أتأخذونه بهتاناً، أي: ظلماً بغير حق وكذباً وافتراء وإثماً، أي: ذنبا ًعظيماً، ثم قال تعالى منكراً على من يفعل ذلك: وكيف تأخذونه أي: بأي وجه يحل لكم ذلك، والحال أنه قد أفضى٢ بعضهم إلى بعض أي: بالجماع، إذ ما استحل الزوج فرجها إلا بذلك المهر فكيف إذا يسترده أو شيئاً منه بهتاناً وإثماً مبيناً، فقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ؟ وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ يعني: عقد النكاح فهو عهد مؤكد يقول: الزوج نكحتها على مبدأ: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فأين التسريح بإحسان إذا كان يضايقها حتى تتنازل عن مهرها أو عن شيء منه، هذا ما أنكره تعالى بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إذ هو استفهام إنكاري٣. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه. ٢- حرمة العضل من أجل الافتداء بالمهر وغيره. ٣- الترغيب في الصبر.

стр. 454

٤- جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل إن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها؛ كالزنى أو النشوز. ٥- جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار١ غير أن التيسير فيه أكثر بركة. ٦- وجوب مراعاة العهود والوفاء بها. ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ : لا تتزوجوا امرأة الأب أو الجد. ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ : إلا ما قد مضى قبل هذا التحريم.

стр. 455

﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ : أي: زواج نساء الآباء فاحشة شديدة القبح. ﴿وَمَقْتاً١﴾ : ممقوتاً مبغوضاً للشارع، ولكل ذي فطرة سليمة. ﴿وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ : أي: قبح نكاح أزواج الآباء طريقاً يسلك. ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ : جمع٢ أم، فالأم محرمة ومثلها الجدة وإن علت. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ : الربائب: جمع ربيبة هي بنت الزوجة. ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ : الحلائل٣: جمع حليلة وهي امرأة الابن من الصلب. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالإرث والنكاح وعشرة النساء. وفي هاتين الآيتين ذكر تعالى محرمات النكاح من النسب والرضاع والمصاهرة، فبدأ بتحريم امرأة الأب وإن علا فقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا٤ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ، ولم يقل من ليشمل التحريم منكوحة الأب والطريقة التي كانت متبعة عندهم في الجاهلية. ولذا قال إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه بالإسلام بعد التخلي عنه وعدم المقام عليه، وبهذه اللفظ حرمت امرأة الأب والجد على الابن وابن الابن ولو لم يدخل بها الأب، ثم ذكر محرمات النسب فذكر الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت فهؤلاء سبع محرمات من النسب٥ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْت﴾ ، ثم ذكر المحرمات بالرضاع فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فمن رضع من امرأة خمس٦ رضعات وهو في سن الحولين، تحرم عليه ويحرم عليه أمهاتها وبناتها وأخواتها وكذا بنات زوجها وأمهاته حتى

стр. 456

قيل: يحرم١ من الرضاعة ما يحرم من النسب، ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ، فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حراماً. وقال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ، فالربيبة: هي بنت الزوجة إذا نكح الرجل امرأة وبنى بها لا يحل له الزواج من ابنتها، أما إذا عقد فقط ولم يبين فإن البنت تحل له لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: لا إثم ولا حرج٢. ومن المحرمات بالمصاهرة امرأة الابن بنى بها أم لا يبن، لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أي: ليس ابناً بالتبني، أما الابن من الرضاع فزوجته كزوجة الابن من الصلب؛ لأن اللبن الذي تغذ به هو السبب فكان إذاً كالولد للصلبن، ومن المحرمات بالمصاهرة أيضاً: أخت الزوجة، فمن تزوج امرأة لا يحل له أن يتزوج أختها حتى تموت أو يفارقها وتنتهي عدتها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الجاهلية فإنه عفو بشرط عدم الإقامة عليه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإسلام منها، وخاصة أزواج الآباء، فزوجة الأب محرمة على الابن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها. ٢- بيان المحرمات من النسب وهن سبع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. ٣- بيان المحرمات من الرضاع وهن: المحرمات من النسب؛ فالرضيع يحرم عليه٣ أمه المرضع له وبناته، وأخواتها، وعماته وخالاته، وبنات أخيه، وبنات أخته. ٤- بيان المحرمات من المصاهرة، وهن سبع أيضاً: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بابنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة إذا دخل بأمها، وامرأة الولد من الصلب

стр. 457

بنى بها الولد أو لم يبن١، وكذا ابنه٢ من الرضاع، وأخت امرأته ما دامت اختها تحته لم يفارقها بطلاق أو وفاة. والمحصنات٣ من النساء، أي: المتزوجات قبل طلاقهن أو وفاة أزواجهن وانقضاء عدتهن.

стр. 458

الجزء الخامس ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ : جمع محصنة١، والمراد بها هنا: المتزوجة. ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ : المملوكة بالسبي والشراء، ونحوهما. ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ : أي: ما عداه، أي: ما عدا ما حرم عليكم. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ : المسافح: الزاني، لأن السفاح هو الزني.

стр. 459

﴿أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ : مهورهن نحلة. ﴿طَوْلاً١﴾ : سعة وقدرة على المهر. ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ : العفيفات. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ : مهورهن. ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ : الخدين: الخليل الذي يفجر بالمرأة سراً تحت شعار الصداقة. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ : بأن أسلمن أو تزوجن، إذ الإحصان يكون بهما. ﴿الْعَنَتَ﴾ : العنت: الضرر في الدين والبدن. معنى الآيتين: ما زال السياق في بيان ما يحرم من النكاح وما يجوز، ففي الآية الأولى (٢٤) عطف تعالى على المحرمات في المصاهرة المرأة المتزوجة فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ أي: ذوات الأزواج، فلا يحل نكاحهن إلا بعد مفارقة الزوج بطلاق أو وفاة، وبعد انقضاء العدة أيضاً واستثنى تعالى من المتزوجات المملوكة باليمين، وهي: المرأة تسبى في الحرب الشرعية، وهي الجهاد في سبيل الله، فهذه من الجائز أن يكون زوجها لم يمت في الحرب وبما أن صلتها قد انقطعت بدار الحرب وبزوجها وأهلها وأصبحت مملوكة، أذن الله تعالى رحمة بها في نكاحها ممن ملكها من المؤمنين. ولذا ورد أن الآية نزلت في سبايا أوطاس وهي وقعة كانت بعد موقعة حنين فسبى فيها المسلمون النساء والذراري، فتحرج المؤمنون في غشيان أولئك النسوة، ومنهم المتزوجات، فأذن لهم في غشيانهن بعد أن تسلم إحداهن وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل؛ لأنها مشركة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، يريد ما حرمه تعالى من المناكح، قد كتبه على المسلمين كتاباً وفرضه فرضاً لا يجوز إهماله أو التهاون به. فكتاب الله منصوب على المصدرية٢. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ٣ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ٤﴾ ، أي: ما بعد الذي حرمه من المحرمات بالنسب

стр. 460

وبالرضاع، وبالمصاهرة على شرط أن لا يزيد المرء على أربع كما هو ظاهر قوله تعالى في أول السورة: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ، أي: لا حرج عليكم أن تطلبوا بأموالكم من النساء غير ما حرم عليكم فتتزوجوا ما طاب لكم حال كونكم محصنين غير مسافحين، وذلك بأن يتم النكاح بشروطه من الولي والصداق والصيغة والشهود، إذ أن نكاحاً بغير هذه الشروط فهو السفاح، أي: الزنا، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ١ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يريد تعالى: أيما رجل تزوج امرأة فأفضى إليها، أي: وطئها إلا وجب لها المهر كاملاً، أما التي لم يتم الاستمتاع بها بأن طلقها قبل البناء فليس لها إلا نصف المهر المسمى، وإن لم يكن قد سمى لها إلا المتعة، فالمراد من قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ٢﴾ أي: بنيتم بهن ودخلتم عليهن. وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ يريد إذا أعطى الرجل زوجته ما استحل به فرجها، وهو المهر كاملاً فليس عليهما بعد ذلك من حرج في أن تسقط المرأة من مهرها لزوجها، أو تؤجله أو تهبه كله له أو بعضه إذ ذاك لها وهي صاحبته كما تقدم ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء/٤] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ المراد مه إفهام المؤمنين بأن الله تعالى عليم بأحوالهم حكيم في تشريعه فليأخذوا بشرعة ورخصه وعزائمه، فإنه مراعى فيه الرحمة والعدل، ولنعم تشريع يقوم على أساس الرحمة والعدل. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٤) ، أما الآية الثانية (٢٥) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ... ٣﴾ فقد تضمنت بيان رحمة الله بعباده المؤمنين إذ رخص لمن لم يستطع نكاح الحرائر لقلة ذات يده، مع خوفه العنت الذي هو الضرر في دينه بالزنى، أو في بدنه
следующие страницы →