← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قيل: يحرم١ من الرضاعة ما يحرم من النسب، ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ، فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حراماً. وقال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ، فالربيبة: هي بنت الزوجة إذا نكح الرجل امرأة وبنى بها لا يحل له الزواج من ابنتها، أما إذا عقد فقط ولم يبين فإن البنت تحل له لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: لا إثم ولا حرج٢. ومن المحرمات بالمصاهرة امرأة الابن بنى بها أم لا يبن، لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أي: ليس ابناً بالتبني، أما الابن من الرضاع فزوجته كزوجة الابن من الصلب؛ لأن اللبن الذي تغذ به هو السبب فكان إذاً كالولد للصلبن، ومن المحرمات بالمصاهرة أيضاً: أخت الزوجة، فمن تزوج امرأة لا يحل له أن يتزوج أختها حتى تموت أو يفارقها وتنتهي عدتها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الجاهلية فإنه عفو بشرط عدم الإقامة عليه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإسلام منها، وخاصة أزواج الآباء، فزوجة الأب محرمة على الابن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها. ٢- بيان المحرمات من النسب وهن سبع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. ٣- بيان المحرمات من الرضاع وهن: المحرمات من النسب؛ فالرضيع يحرم عليه٣ أمه المرضع له وبناته، وأخواتها، وعماته وخالاته، وبنات أخيه، وبنات أخته. ٤- بيان المحرمات من المصاهرة، وهن سبع أيضاً: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بابنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة إذا دخل بأمها، وامرأة الولد من الصلب

стр. 457

بنى بها الولد أو لم يبن١، وكذا ابنه٢ من الرضاع، وأخت امرأته ما دامت اختها تحته لم يفارقها بطلاق أو وفاة. والمحصنات٣ من النساء، أي: المتزوجات قبل طلاقهن أو وفاة أزواجهن وانقضاء عدتهن.

стр. 458

الجزء الخامس ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ : جمع محصنة١، والمراد بها هنا: المتزوجة. ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ : المملوكة بالسبي والشراء، ونحوهما. ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ : أي: ما عداه، أي: ما عدا ما حرم عليكم. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ : المسافح: الزاني، لأن السفاح هو الزني.

стр. 459

﴿أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ : مهورهن نحلة. ﴿طَوْلاً١﴾ : سعة وقدرة على المهر. ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ : العفيفات. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ : مهورهن. ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ : الخدين: الخليل الذي يفجر بالمرأة سراً تحت شعار الصداقة. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ : بأن أسلمن أو تزوجن، إذ الإحصان يكون بهما. ﴿الْعَنَتَ﴾ : العنت: الضرر في الدين والبدن. معنى الآيتين: ما زال السياق في بيان ما يحرم من النكاح وما يجوز، ففي الآية الأولى (٢٤) عطف تعالى على المحرمات في المصاهرة المرأة المتزوجة فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ أي: ذوات الأزواج، فلا يحل نكاحهن إلا بعد مفارقة الزوج بطلاق أو وفاة، وبعد انقضاء العدة أيضاً واستثنى تعالى من المتزوجات المملوكة باليمين، وهي: المرأة تسبى في الحرب الشرعية، وهي الجهاد في سبيل الله، فهذه من الجائز أن يكون زوجها لم يمت في الحرب وبما أن صلتها قد انقطعت بدار الحرب وبزوجها وأهلها وأصبحت مملوكة، أذن الله تعالى رحمة بها في نكاحها ممن ملكها من المؤمنين. ولذا ورد أن الآية نزلت في سبايا أوطاس وهي وقعة كانت بعد موقعة حنين فسبى فيها المسلمون النساء والذراري، فتحرج المؤمنون في غشيان أولئك النسوة، ومنهم المتزوجات، فأذن لهم في غشيانهن بعد أن تسلم إحداهن وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل؛ لأنها مشركة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، يريد ما حرمه تعالى من المناكح، قد كتبه على المسلمين كتاباً وفرضه فرضاً لا يجوز إهماله أو التهاون به. فكتاب الله منصوب على المصدرية٢. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ٣ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ٤﴾ ، أي: ما بعد الذي حرمه من المحرمات بالنسب

стр. 460

وبالرضاع، وبالمصاهرة على شرط أن لا يزيد المرء على أربع كما هو ظاهر قوله تعالى في أول السورة: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ، أي: لا حرج عليكم أن تطلبوا بأموالكم من النساء غير ما حرم عليكم فتتزوجوا ما طاب لكم حال كونكم محصنين غير مسافحين، وذلك بأن يتم النكاح بشروطه من الولي والصداق والصيغة والشهود، إذ أن نكاحاً بغير هذه الشروط فهو السفاح، أي: الزنا، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ١ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ يريد تعالى: أيما رجل تزوج امرأة فأفضى إليها، أي: وطئها إلا وجب لها المهر كاملاً، أما التي لم يتم الاستمتاع بها بأن طلقها قبل البناء فليس لها إلا نصف المهر المسمى، وإن لم يكن قد سمى لها إلا المتعة، فالمراد من قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ٢﴾ أي: بنيتم بهن ودخلتم عليهن. وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ يريد إذا أعطى الرجل زوجته ما استحل به فرجها، وهو المهر كاملاً فليس عليهما بعد ذلك من حرج في أن تسقط المرأة من مهرها لزوجها، أو تؤجله أو تهبه كله له أو بعضه إذ ذاك لها وهي صاحبته كما تقدم ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء/٤] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ المراد مه إفهام المؤمنين بأن الله تعالى عليم بأحوالهم حكيم في تشريعه فليأخذوا بشرعة ورخصه وعزائمه، فإنه مراعى فيه الرحمة والعدل، ولنعم تشريع يقوم على أساس الرحمة والعدل. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٤) ، أما الآية الثانية (٢٥) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ... ٣﴾ فقد تضمنت بيان رحمة الله بعباده المؤمنين إذ رخص لمن لم يستطع نكاح الحرائر لقلة ذات يده، مع خوفه العنت الذي هو الضرر في دينه بالزنى، أو في بدنه

стр. 461

بإقامة الحد عليه، رخص له أن يتزوج المملوكة بشرط أن تكون مؤمنة، وأن يتزوجها بإذن١ مالكها، وأن يؤتيها صداقها وأن يتم ذلك على مبدأ الإحصان الذي هو الزواج بشروطه لا السفاح، الذي هو الزنى العلني المشار إليه بكلمة: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ ، ولا الخفي المشار إليه بكلمة: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أي: أخلاء، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ ، أي: قدرة مالية أن ينكح المحصنات، أي: العفائف من ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، أي: من إمائكم المؤمنات لا الكافرات بحسب الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله، ولذا قال: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فيه تطييب لنفس المؤمن إذ تزوج للضرورة الأمة فإن الإيمان أذهب الفوارق بين المؤمنين، وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ فيه ببيان الشروط التي لا بد منها وقد ذكرناها آنفاً. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ –أي: الإماء- بالزواج وبالإسلام ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي: زنين فعليهن حد هو نصف ما على المحصنات من العذاب وهو جلد خمسين جلدة وتغريب ستة أشهر؛ لأن الحرة إن زنت٢ وهي بكر تجلد مائة جلدة وتغرب سنة. أما الرجم والذي هو الموت فإنه لا ينصف، فلذا فهم المؤمنون في تنصيف العذاب أنه الجلد لا الرجم وهو إجماع لا خلاف فيه وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ يريد أبحت لكم ذلك لم خاف على نفسه الزنى، إذا لم يقدر على الزواج من الحرة لفقره واحتياجه وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا ... ﴾ أي: على العزوبة خير لك من نكاح الإماء. وقوله ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، ولذا رخص لهم في نكاح الإماء عند خوف العنت، وأرشدهم إلى ما هو خير منه وهو الصبر٣. فلله الحمد وله المنة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها.

стр. 462

٢- جواز نكاح المملوكة باليمين وإن كان زوجها حياً في دار الحرب إذا أسلمت؛ لأن الإسلام فصل بينهما. ٣- وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة مهرها لزوجها شيئاً. ٤- جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر. ٥- وجوب إقامة الحد على من زنت من الإماء إن أحصن بالزواج والإسلام. ٦- الصبر على العزوبة خير من١ الزواج بالإماء لإرشاد الله تعالى إلى ذلك. ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً (٢٨) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ٢﴾ : يريد الله أن يبين لكم بما حرم عليكم وأحل لكم ما يكملكم ويسعدكم في دنياكم وأخراكم. ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ٣﴾ : طرائق الذين من قبلكم من الأنبياء والصالحين لتنهجوا نهجهم فتطهروا وتكملوا وتفلحوا مثلهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ : يرجع بكم عما كنتم عليه من ضلال الجاهلية إلى هداية الإسلام. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ٤﴾ : من اليهود والنصارى والمجوس والزناة.

стр. 463

﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ : تحيدوا عن طريق الطهر والصفاء إلى طريق الخبث والكدر بارتكاب المحرمات من المناكح وغيرها فتبتعدوا عن الرشد بعداً عظيماً. ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ : لا يصبر عن النساء، فلذا رخص تعالى لهم في الزواج من الفتيات المؤمنات. معنى الآيات: لما حرم تعالى ما حرم من المناكح وأباح ما أباح منها علل لذلك بقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ١﴾ أي: بما شرع ليبين ما هو نافع لكم مما هو ضار بكم فتأخذوا النافع وتتركوا الضار، كما يريد أن يهديكم طرائق الصالحين من قبلكم من أنبياء ومؤمنين صالحين لتسلكوها فتكملوا وتسعدوا في الحياتين، كما يريد بما بين لكم أن ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرجع بكم من ضلال الجاهلية إلى هداية الإسلام فتعيشوا على الطهر والصلاح، وهو تعالى عليم بما ينفعكم ويضركم حكيم في تدبيره لكم فاشكروه بلزوم طاعته، والبعد عن معصيته. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٦) ، أما الآية الثانية (٢٧) فقد تضمنت الإخبار بأن الله تعالى يريد بما بينه من الحلال والحرام في المناكح وغيرها أن يرجع بالمؤمنين من حياة الخبث والفساد التي كانوا يعيشونها قبل الإسلام إلى حياة الطهر والصلاح في ظل تشريع عادل رحيم. وأن الذين يتبعون الشهوات من الزناة والنصارى وسائر المنحرفين عن سنن الهدى فإنهم يريدون من المؤمنين أن ينحرفوا مثلهم فينغمسوا في الملاذ والشهوات البهيمية حتى يصبحوا مثلهم لا فضل لهم عليهم، وحينئذ لا حق لهم في قيادتهم أو هدايتهم. هذا معنى الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٢٨) فقد أخبر تعالى أنه بإباحته للمؤمنين العاجزين عن نكاح الحرائر نكاح الفتيات المؤمنات يريد بذلك التخفيف والتيسير٢ عن المؤمنين رحمة بهم وشفقة عليهم لما يعلم تعالى من ضعف الإنسان وعدم صبره عن النساء بما غرز فيه من غريزة

стр. 464

الميل إلى أنثاه لحفظ النوع ولحكم عالية، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ١ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً٢﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- منة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر. ٢- منة الله على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم. ٣- منته تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات. ٤- الكشف عن نفسية الإنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناة، والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر يود أن يطهر ويصلح كل الناس. ٥- ضعف الإنسان أمام غرائزه لا سيما غريزة الجنس. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) ﴾

стр. 465

شرح الكلمات: ﴿آمَنُوا﴾ : صدقوا الله والرسول. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ : بغير حق يبيح أكلها. ﴿تِجَارَةً١﴾ : بيعاً وشراءً فيحل لصاحب البضاعة أن يأخذ النقود ويحل لصاحب النقود أخذ البضاعة، إذاً لا باطل. ﴿تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ : أي: تزهقوا أرواح بعضكم بعضاً. ﴿عُدْوَاناً وَظُلْماً﴾ : اعتداء يكون فيه ظالماً. ﴿نُصْلِيهِ نَاراً﴾ : ندخله نار جهنم يحترق فيها. معنى الآيتين: ما زال السياق في بيان ما يحل وما يحرم من الأموال والأعراض والأنفس ففي هذه الآية (٢٩) ينادي الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل بالسرقة أو الغش أو القمار أو الربا وما إلى ذلك من وجوه التحريم٢ العديدة فيقول: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، أي: بغير عوض مباح، أو طيب نفس، ثم يستثنى ما كان حاصلاً عن تجارة قائمة على مبدأ التراضي بين البيعين لحديث: "إنما البيع عن تراض" و" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" فقال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ٣ مِنْكُمْ﴾ فلا بأس بأكله فإنه حلال لكم. هذا ما تضمنته الآية كما قد تضمنت حرمة قتل المؤمنين لبعضهم بعضاً، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ والنهي شامل لقتل الإنسان نفسه وقتله أخاه المسلم؛ لأن المسلمين كجسم واحد، فالذي يتقل مسلماً منهم كأنما قتل نفسه. وعلل تعالى هذا التحريم لنا فقال: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، فلذا حرم عليكم قتل بعضكم بعضاً.

стр. 466

هذا ما تضمنته الآية الأولى (٢٩) ، أما الآية الثانية (٣٠) فقد تضمنت وعيداً شديداً بالإصلاء بالنار والإحراق فيها كل من يقتل مؤمناً عدواناً وظلماً، أي: بالعمد١ والإصرار والظلم المحض، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: القتل ﴿عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: الإصلاء والإحراق في النار ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لكمال قدرته بهذا العذاب إذا لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه بحال من الأحوال. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا. ٢- إباحة التجارة والترغيب٢ فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل. ٣- تقرير مبدأ " إنما البيع عن تراض"، و"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا". ٤- حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين؛ لأنهم أمة واحدة. ٥- الوعيد الشديد لقاتل النفس٣ عدواناً وظلماً بالإصلاء بالنار. ٦- إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده وابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ : تبتعدوا لأن الاجتناب ترك الشيء عن جنب بعيداً عنه لا يقبل عليه ولا يقربه.

стр. 467

﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ : الكبائر: ضد الصغائر، والكبيرة تعرف بالحد لا بالعد، فالكبيرة ما توعد الله ورسوله عليهما، أو لعن الله ورسوله فاعلها أو شرع لها حد يقام على صاحبها، وقد جاء في الحديث الصحيح بيان العديد من الكبائر، وعلى المؤمن أن يعلم ذلك ليجتنبه. ﴿نُكَفِّرْ﴾ : نغطي ونستر فلا نطالب بها ولا نؤاخذ عليها. ﴿مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ : المدخل الكريم هنا: الجنة دار المتقين. معنى الآية الكريمة: يتفضل الجبار ﷻ وعظم إنعامه وسلطانه فيمن على المؤمنين من هذه الأمة المسلمة بأن وعدها وعد الصدق بأن من اجتنب منها كبائر الذنوب كفر عنه صغائرها وأدخله الجنة دار السلام وخلع عليه حلل الرضوان فقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ١ عَنْهُ﴾ ، ما أنهاكم عنه أنا ورسولي ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التي هي دون الكبائر٢ وهي الصغائر، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ الذي هو الجنة، ولله الحمد والمنة. لهذا كانت هذه الأية مبشرات القرآن لهذه الأمة. هداية الآية من هداية الآية: ١- وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت. ٢- الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر. ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له٣. ٣- الجنة لا يدخلها إلا ذوو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش٤.

стр. 468

﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ : التمني: التشهي والرغبة في حصول الشيء، وأداته: ليت، ولو، فإن كان مع زوال المرغوب فيه عن شخص ليحصل للمتمني فهو الحسد. ﴿مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾ : أي: ما فضل الله به أحداً منكم فأعطاه علماً أو مالاً أو جاهاً أو سلطاناً. ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ : أي: حصة وحظ من الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية. ﴿مَوَالِيَ﴾ : الموالي: من يلون التركة ويرثون الميت من أقارب. ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ : أي: حالفتموهم وتآخيتم معهم مؤكدين ذلك بالمصافحة واليمين. ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ : من الرفادة والوصية والنصرة لأنهم ليسوا ورثة. معنى الآيتين: صح أو لم يصح أن أم سلمة ﵂ قالت: ليتنا كنا رجالاً فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال فإن الله سميع عليم، والذين يتمنون١ حسداً وغير حسد ما أكثرهم ومن هنا نهى

стр. 469

الله تعالى في هذه الآية الكريمة (٣٢) عباده المؤمنين عن تمني ما فضل الله تعالى به بعضهم على بعض فأعطى هذا وحرم ذاك لحكم اقتضت ذلك، ومن أظهرها الابتلاء بالشكر والصبر، فقال تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ﴾ –من علم أو مال. أو صحة أو جاه أو سلطان- ﴿بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وأخبر تعالى أن سنته في الثواب والعقاب الكسب والعمل، فليعمل من أراد الأجر والمثوبة بموجبات ذلك من الإيمان والعمل الصالح، ولا يتمنى ذلك تمنياً، وليكف عن الشرك والمعاصي من خاف العذاب والحرمان ولا يتمنى النجاة تمنياً كما على من أراد المال والجاه فليعمل له بسنته المنوطة به، ولا يتمنى فقط فإن التمني كما قيل بضائع النوكى، أي: الحمقى، فلذا قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ، فرد القضية إلى سنته فيها وهي كسب الإنسان. كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ثم بين تعالى سنة أخرى في الحصول على المرغوب: وهي دعاء الله تعالى فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فمن سأل ربه وألح١ عليه موقناً بالإجابة أعطاه فيوفقه للإتيان بالأسباب، ويصرف عنه الموانع، ويعطيه بغير سب إن شاء، وهو على كل شيء قدير، بل ومن الأسباب المشروعة الدعاء والإخلاص فيه. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٣٣) فإن الله تعالى يخبر مقرراً حكما ً شرعياً قد تقدم في السياق، وهو أن لكل من الرجال والنساء ورثة يرثون إذا مات فقال: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا٢ مَوَالِيَ﴾ أي: أقارب يرثونه إذا مات، وذلك من النساء والرجال، أما الذين هم موالي بالحلف أو الإخاء فقط، أي: ليسوا من أولي الأرحام، فالواجب إعطاؤهم نصيبهم من النصرة والرفادة. والوصية لهم بشيء إذ لاحظ لهم في الإرث، لقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ، ولما كان توزيع المال وقسمته تتشوق له النفوس وقد يقع فيه حيف أو ظلم أخبر تعالى أنه على كل شيء شهيد فلا يخفى عليه من أمر الناس شيء فليتق ولا يُعص.

стр. 470

فقال: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ لا يخفى عليه من أمركم شيء فاتقوه وأطيعوه ولا تعصوه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- قبح التمني وترك العمل. ٢- حرمة الحسد. ٣- فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد. ٤- تقرير مبدأ التوارث في الإسلام. ٥- من عاقد أحداً على حلف أو آخى أحداً وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث١، أما الإرث فلا حق له لنسخ ذلك. ٦- وجوب مراقبة الله تعالى؛ لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) ﴾

стр. 471

شرح الكلمات: ﴿قَوَّامُونَ﴾ : جمع قوام١: وهو من يقوم على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً. ﴿بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ﴾ : بأن جعل الرجل أكمل في عقله ودينه وبدنه فصلح للقوامة. ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ٢﴾ : وهذا عامل آخر مما ثبتت به القوامة للرجال على النساء فإن الرجل بدفعه المهر وبقيامه بالنفقة على المرأة كان أحق بالقوامة التي هي الرئاسة. ﴿فَالصَّالِحَاتُ٣﴾ : جمع صالحة: وهي المؤدية لحقوق الله تعالى وحقوق زوجها. ﴿قَانِتَاتٌ﴾ : مطيعات لله ولأزواجهن. ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ : حافظات لفروجهن وأموال أزواجهن. ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾ : النشوز: الترفع عن الزوج وعدم طاعته. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ : بالترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية. ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ : أي: لا تطلبوا لهن طريقاً تتوصلون به إلى ضربهن بعد أن أطعنكم. ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ : الشقاق: المنازعة والخصومة حتى يصبح كل واحد في شق مقابل. ﴿حَكَماً﴾ : الحكم: الحاكم، والمحكوم في القضايا للنظر والحكم فيها. معنى الآيتين: يروى في سبب نزول هذه الآية أن: سعد٤ بن الربيع ﵁ أغضبته امرأته فلطمها، فشكاه وليها إلى رسول الله ﷺ ، كأنه يريد القصاص فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ . فقال ولي المرأة: أردنا أمراً وأراد الله غيره، وما أراده الله خير. ورضي بحكم الله تعالى وهو أن الرجل

стр. 472

ما دام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتى من عقل أكمل من عقلها، وعلمه أغرز من علمها غالباً، وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهايتها أبعد من نظرها يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها فلما وجبت له الرئاسة عليها، وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربها بما لا يشين جارحة أو كيسر عضواً فيكون ضربه لها؛ كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه، وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ ، وهن: اللائي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام ﴿قَانِتَاتٌ﴾ : أي: مطيعات لله تعالى، وللزوج، ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: حافظات مال الزوج وعرضه لحديث: "وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله١" ﴿بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ أي: بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستطيع حفظ شيء وإن قل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً، وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولاً نبته عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف. وقوله تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ . فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت، أي: ترفعت على زوجها ولم تؤدي إليه حقوقه الواجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: ترفعهن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كأن يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أولاً، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها، فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي: أن يهجرها٢ الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد

стр. 473

أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معاً، وإن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي: أن يضربها١ ضرباً غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر٢ عضواً. وأخيراً فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقاً إلى أذيتها لا يضرب ولا بهجران لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي: الأزواج ﴿فَلا تَبْغُوا﴾ أي: تطلبوا ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ لأذيتهن باختلاف الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ تذييل الكلام بما يشعر من أراد أن يعلو٣ على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه. هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة (٣٤) ، أما الآية الثانية (٣٥) فقد تضمنت حكماً اجتماعياً آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام ذلك لصعوبة الحال، فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث ولي الزوجة حكماً من قبله، ويبعث ولي الزوج حكماً من قبله، أو يبعث الزوج نفسه حكماً وتبعث الزوجة أيضاً حكماً من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك، الكل جائز لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا﴾ وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلاً عالماً بصيراً حتى يمكنه الحكم والقضاء بالعدل. فيدرس الحكمان القضية أولاً مع طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوج من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على إصلاح ذات البين، فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضى الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم، فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤد ما وجب عليه، وإن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 474

خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ ، والخوف هنا بمعنى: التوقع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ فإنه يعني الحكمين، ﴿يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، أي: إن كان قصدهما الإصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتهما ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ . ذكر تعليلاً لما واعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليماً خبيراً ما عرف نيات الحكمين وما يجري في صدورهما من إرادة الإصلاح أو الإفساد. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته. ٢- وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن. ٣- بيان علاج مشكلة نشوز١ الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانياً. ٤- لا يحل اختلاف الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره. ٥- مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك. ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ

стр. 475

النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ١﴾ : الخطاب للمؤمنين ومعنى: اعبدوا: أطيعوه في أمره ونهيه مع غاية الذل والحب والتعظيم له . ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ٢ شَيْئاً﴾ : أي: لا تعبدوا معه غيره بأي نوع من أنواع العبادات التي تعبد الله تعالى بها عباده من دعاء وخشية وذبح ونذر وركوع وسجود وغيرها. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ : أصحاب القرابات. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ : المسافر استضاف أو لم يستضف. ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى٣﴾ : أي: القريب لنسب أو مصاهرة. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ : أي: الأجنبي مؤمناً كان أو كافراً. ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ : الزوجة، والصديق الملازم؛ كالتلميذ والرفيق في السفر. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ : من الأرقاء العبيد فتيان وفتيات. ﴿مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ : الاختيال: الزهو في المشي، والفخر والافتخار بالحسب والنسب والمال بتعداد ذلك وذكره.

стр. 476

﴿يَبْخَلُونَ﴾ : يمنعون الواجب بذله من المعروف مطلقاً. ﴿وَيَكْتُمُونَ﴾ : يجحدون ما أعطاهم الله من علم ومال تفضلاً منه عليهم. ﴿قَرِيناً﴾ : القرين: الملازم الذي لا يفارق صاحبه مشدود معه بقرن، أي بحبل. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ١﴾ : أي: أي شيء يضرهم أو ينالهم بمكروه إذا هم آمنوا؟. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هداية المؤمنين، وبيان الأحكام الشرعية لهم ليعملوا بها فيكملوا ويسعدوا، ففي الآية الآولى (٣٦) يأمر تعالى المؤمنين بعبادته وتوحيده٢ فيها وبالإحسان٣ إلى الوالدين وذلك بطاعتهم في المعروف وإسداء الجميل لهم، ودفع الأذى عنهم، وكذا الأقرباء، واليتامى، والمساكين، والجيران٤ مطلقاً أقرباء أو أجانب، والصاحب الملازم الذي لا يفارق؛ كالزوجة والمرافق في السفر والعمل والتلمذة والطلب، ونحو ذلك من الملازمة التي لا تفارق إلا نادراً، إذ الكل يصدق عليه لفظ الصاحب بالجنب. وكذا ابن السبيل وما ملكت اليمين من أمة أو عبد والمذكورون الإحسان إليهم آكد وإلا فالإحسان معروف يبذل لكل الناس كما قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ، وقال ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ دال على أن منع الإحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٣٦) . وأما الآية الثانية (٣٧) وقد تضمنت بمناسبة ذم البخل والكبر والتنديد ببخل بعض أهل الكتاب وكتمانهم الحق وهو ناتج عن بخلهم أيضاً قال تعالى: ﴿الَّذِينَ٥ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ أي: من مال وعلم وقد كتموا نُعوت النبي

стр. 477

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفاته الدالة عليه في التوراة والإنجيل، وبخلوا بأموالهم وأمروا بالبخل بها، إذ كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم على محمد فإنا نخشى عليكم الفقر، وخبر الموصول الذين محذوف تقديره هم الكافرون حقاً دل عليه قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا١ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ . هذا ما جاء في هذه الآية الثانية. أما الآيتان الثالثة (٣٨) والرابعة (٣٩) فإن الأولى منهما قد تضمنت بيان حال أناس آخرين غير اليهود وهم المنافقون فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: مراءاة لهم ليتقوا بذلك المذمة ويحصلوا على المحمدة. ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ . لأنهم كفار مشركون وإنما أظهروا الإسلام تقية فقط، ولذا كان إنفاقهم رياء لا غير. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً﴾ أي: بئس القرين له الشيطان وهذه الجملة: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ ... ﴾ دالة على خبر الموصول المحذوف اكتفى بها عن ذكره كما في الموصول الأول وقد يقدر بمثل: الشيطان٢ قرينهم، هو الذي زين لهم الكفر بالله واليوم الآخر. هذا ما تضمنته الآية الثانية (٣٩) وهي قوله تعالى ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ٣ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ فقد تضمنت الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم، فقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أي شيء يضرهم أو أي أذى يلحقهم في العاجل أو الآجل، لو صدقوا الله ورسوله وأنفقوا في سبيل الله مما رزقهم الله، وفي الخطاب دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيداً لهم، وإنما قال: ﴿وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستوجب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا.

стр. 478

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير عشرة حقوق والأمر بأدائها فوراً وهي عبادة الله وحده والإحسان بالوالدين، وإلى كل المذكورين١ في الآية الأولى. ٢- ذم الاختيال٢ الناجم عن الكبر وذم الفخر وبيان كره الله تعالى لهما. ٣- حرمة البخل٣ والأمر به وحرمة كتمان العلم وخاصة الشرعي منه. ٤- حرمة الرياء وذم صاحبها. ٥- ذم قرناء السوء لما يأمرون به ويدعون إليه قرنائهم حتى قيل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ٤ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثا (٤٢) ﴾ شرح الكلمات: الظلم: وضع شيء في غير موضعه.

стр. 479

﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ : المثقال: الوزن مأخوذ من الثقل فكل ما يوزن فيه ثقل، والذرة أصغر حجم في الكون حتى قيل إنه الهباء أو رأس النملة. الحسنة: الفعلة الجميلة من المعروف. ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ : يريد فيها ضعفها. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ : من عنده. ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ : جزاء كبيراً وثواباً عظيماً. الشهيد: الشاهد على الشيء لعلمه به. ﴿يَوَدُّ﴾ : يحب. ﴿تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ : يكونون تراباً مثلها. ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ : أي: لا يخفون كلاماً. معنى الآيات: لما أمر تعالى في الآيات السابقة بعبادته والإحسان إلى من ذكر من عباده. وأمر بالإنفاق في سبيله، وندد بالبخل والكبر والفخر، وكتمان العلم، وكان هذا يتطلب الجزاء بحسبه خيراً أو شراً ذكر في هذه الآية (٤٠) ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ١ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، ذكر عدله في المجازاة ورحمته، فأخبر أنه عند الحساب لا يظلم عبده وزن ذرة وهي أصغر شيء وذلك بأن لا ينقص من حسناته حسنة، ولا يزيد في سيئاته سيئة، وإن توجد لدى مؤمن حسنة واحدة يضاعفها بأضعاف يعلمها هو ويعط من عنده بدون مقابل أجراً عظيماً لا يقادر قدره، فلله الحمد والمنة. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٤٠) ، أما الآية الثانية (٤١) فإنه تعالى لما ذكر الجزاء والحساب الدال عليه السياق ذكر ما يدل على هول يوم الحساب وفظاعة الأمر فيه، فخاطب رسوله ﷺ قائلاً: ﴿فَكَيْف ٢ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ ؟ ومعنى الآية: فكيف تكون حال أهل الكفر والشر والفساد إذا جاء الله تعالى بشهيد من كل أمة ليشهد٣ عليهما فيما أطاعت وفيما عصت

стр. 480

ليتم الحساب بحسب البينات والشهود والجزاء بحسب الكفر والإيمان والمعاصي والطاعات، وجئنا بك أيها الرسول الخليل ﷺ شهيداً على هؤلاء، أي: على أمته ﷺ من آمن به ومن كفر، إذ يشهد أنه بلغ رسالته وأدى أمانته ﷺ . هذا ما تضمنته الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٤٢) فإنه تعالى لما ذكر ما يدل على هول يوم القيامة في الآية (٤١) ذكر مثلاً لذلك الهول وهو أن الذين كفروا يودون وقد عصوا الرسول لو يسوون بالأرض فيكونون تراباً حتى لا يحاسبوا ولا يجزوا بجهنم. وأنهم في ذلك اليوم لا يكتمون الله كلاماً؛ إذ جوارحهم تنطق فتشهد عليهم. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يؤتى من كل أمة بشهيد ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى١ بِهِمُ الأَرْضُ﴾ فيكونون تراباً مثلها٢. مرادهم أن يسووا هم بالأرض فيكونون تراباً وخرج الكلام على معنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، والأصل: أدخلت القلنسوة في رأسي، وقوله ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ إخبار عن عجزهم عن كتمان شيء عن الله تعالى؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم بعد أن يختم على أفواههم، كما قال تعالى من سورة يس ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان عدالة الله تعالى ورحمته ومزيد فضله. ٢- بيان هول يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن لو سويت به الأرض فكان تراباً. ٣- معرفة رسول الله ﷺ بآثار الشهادة على العبد بيوم القيامة إذ أخبر عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال له رسول الله ﷺ يوماً: "اقرأ عليَّ القرآن، فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ حتى وصلت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ٣ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية، وإذا عينا رسول الله ﷺ تذرفان الدموع٤ وهو يقول: حسبك. أي: كفاك ما قرأت عليَّ".

стр. 481

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (٤٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ : لا تدنوا كناية عن الدخول فيها، أو لا تدنوا من مساجدها. ﴿سُكَارَى﴾ : جمع سكران، وهو من شرب مسكراً فستر عقله وغطاه. ﴿تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ : لزوال السكر عنكم ببعد شربه عن قوت الصلاة، وهذا كان قبل تحريم الخمر وسائر المسكرات. ﴿وَلا جُنُباً١﴾ : الجنب: من به جنابة وللجنابة سببان جماع، أو احتلام. ﴿عَابِرِي٢ سَبِيلٍ﴾ : مارين بالمسجد مروراً بدون جلوس فيه. ﴿الْغَائِطِ﴾ : المكان المنخفض للتغوط: أي: التبرز فيه. ﴿لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ : جامعتموهن. ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ : اقصدوا تراباً طاهراً. ﴿عَفُوّاً غَفُوراً﴾ : عفواً: لا يؤاخذ على كل ذنب، غفوراً: كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه. معنى الآية الكريمة: لا شك أن لهذه الآية سبباً نزلت بمقتضاه، وهو أن عبد الرحمن بن عوف ﵁

стр. 482

حسب رواية الترمذي أقام مأدبة لبعض الأصحاب فأكلوا وشربوا وحضرت الصلاة فقاموا لها وتقدم أحدهم يصلي بهم، فقرأ بسورة الكافرون، وكان ثملان فقراً: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وهذا باطل قراءته بحذف حروف النفي فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ١ آمَنُوا....﴾ أي: يا من صدقتكم بالله ورسوله، ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاة﴾ أي: لا تدخلوا فيها، والحال أنكم سكارى من الخمر إذ كانت يومئذ حلالاً غير حرام، حتى تكون عقولكم تامة تميزون بها الخطأ من الصواب فتعلموا ما تقولون في صلاتكم. ولا تقربوا مساجد الصلاة للجلوس فيها، وأنتم جنب حتى تغتسلوا اللهم إلا من كان منكم عابر سبيل، إذ كانت طرق بعضهم إلى منازلهم على المسجد النبوي. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ بجراحات يضرها الماء أو مرضى مرضاً لا تقدرون معه على استعمال الماء للوضوء أو الغسل، أو كنتم ﴿عَلَى سَفَرٍ٢ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بمضاجعهن أو مستموهن بقصد الشهوة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ تغتسلون به إن كنتم جنباً أو تتوضأون به إن كنتم محدثين حدثاً أصغر ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ أي: اقصدوا تراباً طاهراً ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ مرة واحدة فإن ذلك مجزئ لكم عن الغسل والوضوء، فإن صح المريض أو وجد الماء فاغتسلوا أو توضأوا ولا تيمموا لانتفاء الرخصة بزوال المرض أو وجود الماء. وقوله تعالى في ختام الآية ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ يخبر تعالى عن كماله المطلق فيصف نفسه بالعفو عن عباده المؤمنين إذا خالفوا أمره، وبالمغفرة لذنوبهم إذا هم تابوا إليه، ولذا هو لم يؤاخذهم لما صلوا وهم سكارى لم يعرفوا ما يقولون، وغفر لهم وأنزل هذا القرآن تعليماً لهم وهداية لهم. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: ١- تقرير مبدأ النسخ للأحكام الشرعية في القرآن والسنة. ٢- حرمة مكث٣ الجنب في المسجد، وجواز العبور والاجتياز بدون مكث.

стр. 483

٣- وجوب الغسل على الجنب وهو من قامت به جنابة بأن احتلم فرأى الماء، أجامع أهله فأولج ذكره١ في فرج امرأته ولم لم ينزل ماء. وكيفية الغسل: أن يغسل كفيه قائلاً: بسم الله ناوياً رفع الحدث الأكبر ثم يستنجي فيغسل فرجيه وما حولهما، ثم يتوضأ فيغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق الماء، ويستثره ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثم يغمس كفيه في الماء ثم يخلل أصول شعر رأسه، ثم يحثو الماء على رأسه بغسله بكل حثوة، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن يغسله، ثم على شقه الأيسر يغسله. من أعلاه إلى أسفله، ويتعهد بالماء إبطيه وكل مكان من جسمه ينبو عنه الماء كالسرة وتحت الركبتين٢. ٤- إذا لم يجد المرء التراب لمطر ونحوه تيمم بكل أجزاء الأرض٣ من رمل وسبخة وحجارة والتيمم هو أن يضرب بكفه الأرض ثم يمسح وجهه وكفيه بهما لحديث عمار ﵁ في الصحيح. ٥- بيان عفو الله وغفرانه لعدم مؤاخذة من صلوا وهم سكارى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ

стр. 484

وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً (٤٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : ألم تبصر، أي: بقلبك، أي: تعلم. ﴿نَصِيباً﴾ : حظاً وقسطاً. ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ : أي: الكفر بالإيمان. ﴿الأعداء﴾ : جمع عدو، وهو يقف بعيداً عنك يود ضرك ويكره نفعك. ﴿هَادُوا﴾ : أي: اليهود، قيل لهم ذلك لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ، أي: تبنا ورجعنا. ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ : التحريف: الميل بالكلام عن معناه إلى معنى باطل للتضليل. ﴿الْكَلِمَ﴾ : الكلام، وهو كلام الله تعالى في التوراة. ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ : أي: اسمع ما تقول لا أسمعك الله. وهذا كفر منهم صريح. ﴿وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ : سبهم للرسول ﷺ هو الطعن الأعظم في الدين. ﴿وَانْظُرْنَا﴾ : وأمهلنا حتى تسمع فتفهم. ﴿وَأَقْوَمَ﴾ : أعدل وأصوب. ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ : طردهم من رحمته وأبعدهم من هداه بسبب كفرهم برسول الله ﷺ . معنى الآيات: روي أن هذه الآيات نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت أحد عظماء اليهود بالمدينة، كان إذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه، وقال: راعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعليه فأنزل الله تعالى هذه الآيات الثلاث إلى قوله ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً﴾ ، وهذا شرحها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ١ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ

стр. 485

تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: ألم ينته إلى علمك وإلى علم أصحابك ما يحملكم على التعجب: العلم بالذين أتوا نصيباً من الكتاب وهم: رفاعة بن زيد وإخوانه من اليهود، أعطوا حظاً من التوراة فعرفوا صحة الدين الإسلامي، وصدق نبيه ﷺ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ وهو الكفر يشترونها بالإيمان، حيث جحدوا نعوت النبي وصفاته في التوراة للإبقاء على مركزهم بين قومهم يسودون ويتفضلون، ويريدون مع ذلك أن تضلوا أيها المؤمنون السبيل سبيل الحق والرشد، وهو الإيمان بالله ورسوله والعمل بطاعتهما للإسعاد والإكمال. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ١ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ الذين يودون ضركم ولا يودون نفعكم، ولذا أخبركم بهم لتعرفوهم وتجتنبوهم فتنجوا من مكرهم وتضليلهم. ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً﴾ لكم تعتمدون عليه وتفوضون أموركم إليه ﴿وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً﴾ ينصركم عليهم وعلى غيرهم فاعبدوه وتوكلوا عليه. ﴿مِنَ٢ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: هم من اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، والكلام هو كلام الله تعالى في التوراة، وتحريفه بالميل به عن القصد، أو بتبديله وتغييره تضليلاً للناس وإبعاداً لهم عن الحق المطلوب منهم الإيمان به والنطق والعمل به. ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلك كفراً وعناداً ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا٣ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ٤﴾ ، أي: لا أسمعك الله ﴿وراعنا﴾ وهي كلمة ظاهرها أنها من المراعاة وباطنها الطعن في رسول الله ﷺ ، إذ اليهود يعدونها من الرعونة يقولونها لرسول الله ﷺ سباً وشتماً له قبحهم الله ولعنهم وقطع دابرهم، وقوله تعالى: ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ أي: يلوون ألسنتهم بالكلمة التي يسبون بخا حتى لا تظهر عليهم، ويطعنون بها رسول الله ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا بدل راعنا لكان خيراً لهم وأقوم، أي: أعدل وأكثر لياقة وأدباً، ولكن لا يقولون هذا؛ لأن الله تعالى لعنهم وحرمهم من كل توفيق بسبب كفرهم فهم لا يؤمنون إلا قليلاً. أي: إيماناً لا ينفعهم لقلته فهو لا يصلح أخلاقهم ولا يطهر نفوسهم ولا يهيئهم للكمال في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 486

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم. ٢- في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم . ٣- الكشف عن سوء نيات وأعمال اليهود إزاء رسول الله ﷺ . ٤- الإيمان١ القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : اليهود والنصارى، والمراد بهم هنا اليهود لا غير. ﴿بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً﴾ : القرآن. ﴿نَطْمِسَ وُجُوهاً﴾ : نذهب آثارها بطمس الأعين وإذهاب أحداقها. ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ : نجعل الوجه قفا، والقفا وجهاً. ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ : لعنهم: مسخهم قردة خزياً لهم وعذاباً مهيناً. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ : أمر الله: مأموره كائن لا محالة لأنه تعالى لا يعجزه شيء. معنى الآية الكريمة: ما زال السياق في اليهود المجاورين للرسول ﷺ ، ففي هذه الآية ناداهم الله تبارك٢

стр. 487

وتعالى بعنوان العلم والمعرفة وهو نسبتهم إلى الكتاب الذي هو التوراة آمراً إياهم بالإيمان بكتابه، أي: القرآن الكريم وبمن أنزله عليه محمد ﷺ ، إذ الإيمان بالمنزل إيمان بالمنزل عليه ضمنا. فقال: ﴿آمنوا﴾ بالفرقان المصدق لما معكم من أصول الدين ونعوت الرسول والأمر بالإيمان به ونصرته خفوا إلى الإيمان واتركوا التردد من قبل أن يحل بكم ما حل ببعض أسلافكم حيث مسخوا قردة وخنازير ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً١﴾ فنذهب حدقة أعينها وشاخص أنوفها ونُغلق أفواهها فتصبح الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوهاً يمشون القهقراء وهو معنى قوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ أي: الذين اعتدوا منكم في السبت حيث صادوا فيه، وهو محرم عليهم فمسخهم قردة خاسئين. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: مأموره ﴿مَفْعُولاً﴾ ناجزاً، لا يتخلف ولا يتأخر لأن الله تعالى لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير. هداية الآية من هداية الآية: ١- المفروض أن ذا العلم يكون أقرب إلى الهداية، ولكن من سبقت شقوته لما يعلم الله تعالى من اختياره الشر والإصرار عليه لا ينفعه العلم، ولا يهتدي به هؤلاء اليهود الذين دعاهم الله تعالى إلى الإيمان فلم يؤمنوا. ٢- وجوب تعجيل التوبة قبل نزول العذاب وحلول ما لا يحب الإنسان من عذاب ونكال. ٣- قد يكون المسخ في الوجه بمسخ الأفكار والعقول فتفسد حياة المرء وتسوء، وهذا الذي حصل ليهود المدينة. فنقضوا عهودهم فهلك من هلك منهم وأجلى من أجلى نتيجة إصرارهم على الكفر وعداء الرسول ﷺ والمؤمنين. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ٢ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾

стр. 488

شرح الكلمات: ﴿لا يَغْفِرُ﴾ : لا يمحو ولا يترك للمؤاخذة. ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ : أي: يعبد معه غيره تأليها له بحبه وتعظمه وتقديم القرابين له، وصرف العبادات له كدعائه والاستعانة به والذبح والنذر له. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ : أي ما دون الشرك والكفر من سائر الذنوب والمعاصي التي ليست شركاً ولا كفراً. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ : أي: لمن يشاء المغفرة له من سائر المذنبين بغير الشرك والكفر. ﴿افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ : افترى: اختلق وكذب كباً بنسبته العبادة إلى غير الرب تعالى، والإثم: الذنب العظيم الكبير. معنى الآية الكريمة: يروى أنه لما نزل قول الله تعالى من سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله ﷺ وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ١ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، فأخبر تعالى عن نفسه بأنه لا يغفر الذنب المعروف بالشرك والكفر، وأما سائر الذنوب كبيرها وصغيرها فتحت المشيئة إن شاء غفرها لمرتكبها فلم يعذبه بها، وإن شاء آخذه بها وعذبه، وأن من يشرك به تعالى فقد اختلق الكذب العظيم إذ عبد من لا يستحق العبادة وأنه من لا حق له في التأليه فلذا هو قائل بالزور وعامل بالباطل، ومن هنا كان ذنبه عظيماً. هداية الآية الكريمة من هداية الآية: ١- عظم ذنب٢ الشرك والكفر وأن كل الذنوب دونهما. ٢- الشرك ذنب٣ لا يغفر لمن مات بدون توبة منه.

стр. 489

٣- سائر الذنوب دون الشرك والكفر لا ييأس فاعلها من مغفرة الله تعالى له وإنما يخاف. ٤- الشرك زور وفاعله قائل بالزور فاعلٌ به. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ١ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) ﴾ شرح الكلمات: تزكية النفس: تبرئتها من الذنوب والآثام. ﴿يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ : يطهر من الذنوب من يشاء من عباده بتوفيقه للعمل بما يزكي النفس، وإعانته عليه. الفتيل: الخيط الأبيض يكون في وسط النواة، أو ما يفتله المرء بأصبعيه من الوسخ في كفه أو جسمه وهو أقل الأشياء وأتفهها. ﴿الْكَذِبَ﴾ : عدم مطابقة الخير للواقع. معنى الآيتين: عاد السياق إلى الحديث عن أهل الكتاب فقال تعالى لرسوله والمؤمنين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وهو أمر يحمل على العجب والاستغراب إذ المفروض أن المرء لا يزكي نفسه حتى يزكيه غيره، فاليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ . وقالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ . وقالت اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ٢ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ ، إلى غير ذلك من الدعاوي الباطلة، ولما أنكر تعالى عليهم هذا الباطل الذي يعيشون عليه فعاقهم عن الإيمان والدخول في الإسلام وأخبر تعالى أنه هو الذي يزكي من يشاء من عباده، وذلك بتوفيقه إلى الإيمان وصالح العمال التي تزكو عليها النفس البشرية، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي: أقل قليل فلا يزاد

стр. 490

في ذنوب العبد ولا ينقص من حسناته. ثم أمر الله تعالى رسوله أن يتعجب من حال هؤلاء اليهود والنصارى وهم يكذبون على الله تعالى، ويختلقون الكذب بتلك الدعاوي التي تقدمت آنفاً. وكفى بالكذب إثماً مبيناً. يغمس صاحبه في النار. هداية الآيتين: من هداية الايتين: ١- حرمة تزكية المرء١ نفسه بلسانه والتفاخر بذلك، إما طلباً للرئاسة، وإما تخلياً عن العبادة والطاعة بحجة أنه في غير حاجة إلى ذلك لطهارته، ورضى الله تعالى عنه. ٢- الله يزكي عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى، ويزكيه بتوفيقه وإيمانه للعمل بما يزكي من صلاة وصدقات وسائر الطاعات المشروعة لتزكية النفس البشرية وتطهيرها. ٣- عدالة الحساب والجزاء يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ . ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ٢ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤)

стр. 491

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ : الجبت١: اسم لكل ما عبد من دون الله وكذا الطاغون سواء كانا صنمين أو رجلين. أهدى سبيلا: أكثر هداية في حياتهما وسلوكهما. ﴿نَقِيراً﴾ : النقير: نقرة في ظهر النواة يضرب بها المثل في صغرها. الحسد: تمني زال النعمة عن الغير والحرص على ذلك. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ : السداد في القول والعمل مع الفقه في أسرار التشريع الإلهي. معنى الآيات: روي أن جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ذهبوا إلى مكة يحزبون الأحزاب لحرب رسول الله ﷺ ، فلما نزلوا مكة قالت قريش: نسألهم فإنهم أهل كتاب عن ديننا ودين محمد أيهما خير؟ فسألوهم فقالوا لهم دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى هذه الآيات إلى قوله ﴿عَظِيماً﴾ . وهذا شرحها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ٢ وَالطَّاغُوتِ﴾ ألم ينته إلى علمك أيها الرسول: أن الذين أوتوا حظاً من العلم بالتوراة يصدقون بصحة عبادة الجبت والطاغوت ويقرون عليها ويحكمون بأفضلية عبادتها على عبادة الله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم مشركوا قريش: دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى طريقاً في حياتكم الدينية والاجتماعية ألم يك موقف هؤلاء اليهود مثار الدهشة والاستغراب والتعجب لأهل العلم والمعرفة بالدين الحق، إذ يقرون الباطل ويصدقون به؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أولئك الهابطون في حمأة الرذيلة، البعيدون في أغوار الكفر والشر والفساد لعنهم الله فأبعدهم عن ساحة الخير والهدى، ﴿وَمَنْ

стр. 492

يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ يا رسولنا ﴿نَصِيراً﴾ ينصره من الخذلان الذي وقع فيه والهزيمة الروحية التي حلت به فأصبح وهو العالم يبارك الشرك ويفضله على التوحيد. ثم قال تعالى في الآية (٥٣) ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا١ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ . أي: ليس لهم نصيب من الملك كما يدعون، فالاستفهام للإنكار عليهم دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نواة، وهذا ذم لهم بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل، وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ٢ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ أم بمعنى بل كسابقتها للإضراب –الانتقال من حال سيئة إلى أخرى، والهمزة للإنكار ينكر تعالى عليهم حسدهم للنبي ﷺ والمؤمنين على النبوة والدولة، وهو المراد من الناس وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ﴾ ؛ كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل، والحكمة التي هي السنة التي كانت لأولئك الأنبياء يتلقونها وحياً من الله تعالى، وكلها علم نافع وحكم صائب سديد، والملك العظيم هو ما كان لداود وسليمان ﵉ كل هذا يعرفه اليهود فلم لا يحسدون محمداً والمسلمين، والمراد من السياق ذم اليهود بالحسد كما سبق ذمهم بالبخل والجهل مع العلم. وقوله تعالى في الآية (٥٥) : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ يريد أن من اليهود المعاهدين للنبي ﷺ من آمن بالنبي٣ محمد ورسالته، وهم القليل، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: انصرف وصرف الناس عنهم وهم الأكثرون ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ لمن كفر حسداً وصد عن سبيل الله بخلاً ومكراً، أي: حسبه جهنم ذات السعير جزاء له على الكفر والحسد والبخل، والعياذ بالله تعالى.

стр. 493

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الكفر بالجبت والطاغوت. ٢- بيان مكر اليهود وغشهم وأنهم لا يتورعون عن الغش والكذب والتضليل. ٣- ذم الحسد والبخل. ٤- إيمان بعض اليهود بالإسلام، وكفر أكثرهم مع علمهم بصحة الإسلام ووجوب الإيمان به والدخول فيه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿نُصْلِيهِمْ نَاراً١﴾ : ندخلهم ناراً يحترقون بها. ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ٢﴾ : اشتوت فتهرت وتساقطت. ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ : ليستمر لهم العذاب مؤلماً. ﴿عَزِيزاً حَكِيماً﴾ : غالباً، يعذب من يستحق العذاب. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ : تجري من خلال أشجارها وقصورها الأنهار. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ : من الأذى والقذى مطلقاً. ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً٣﴾ : الظل الظليل: الوارف الدائم لا حر فيه ولا برد به.

стр. 494

معنى الآيتين: على ذكر الإيمان والكفر في الآية السابقة ذكر تعالى في هاتين الآيتين الوعيد والوعد الوعيد لأهل الكفر والوعد لهل الإيمان فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ يريد يدخلهم نار جهنم يحترقون فيها ويصطلون بها ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ تهرت وسقطت بدلهم١ الله تعالى فوراً جلوداً غيرها ليتجدد ذوقهم للعذاب وإحساسهم به، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ تذييل المقصود منه إنفاذ الوعيد فيهم؛ لأن العزيز الغالب لا يعجز عن إنفاذ ما توعد به أعداءه، كما أن الحكيم في تدبيره يعذب أهل الكفر به والخروج عن طاعته، هذا ما تضمنته الآية الأولى (٥٦) من وعيد لأهل الكفر. وأما الآية الثانية (٥٧) فقد تضمنت البشرى السارة لأهل الإيمان وصالح الأعمال، مع اجتناب الشرك والمعاصي فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: بعد تركهم الشرك والمعاصي ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ٢ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يريد نساء من الحور العين مطهرات من كل ما يؤذي أو يُخل بحسنهن وجمالهن نقيات من البول والغائض ودم الحيض. وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ وارفاً كنيناً يقيهم الحر والبرد. وحدث يوماً رسول الله ﷺ فقال: "في الجنة شجرة تسمى٣ شجرة الخلد يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطع ظلها". هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الكفر والمعاصي موجبات٤ للعذاب الأخروي. ٢- بيان الحكمة في تبديل الجلود لأهل النار وهي أن يدوم إحساسهم بالعذاب. ٣- الإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي موجبات للنعيم الأخروي.

стр. 495

٤- الجنة دار النعيم خالية من كدرات الصفو والسعادة فيها. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ١﴾ : أداء الأمانة: تسليمها إلى المؤتمن، والأمانات جمع أمانة وهي ما يؤتمن عليه المرء من قول أو عمل أو متاع. ﴿الْعَدْلِ٢﴾ : ضد الجور والانحراف بنقص أو زيادة. ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾ : نعم شيء يعظكم، أي: يأمركم به أداء الأمانات والحكم بالعدل. ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ : أولوا الأمر: هم الأمراء والعلماء من المسلمين. ﴿تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ : اختلفتم فيه كل فريق يريد أن ينتزع الشيء من يد الفريق الآخر. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ : أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ : أحسن عاقبة، لأن تأويل الشيء ما يؤول إليه في آخر الأمر. معنى الآيتين: روي أن الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ٣ أَنْ تُؤَدُّوا٤ الأَمَانَاتِ﴾ نزلت في شأن عثمان بن
следующие страницы →