← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ : الجبت١: اسم لكل ما عبد من دون الله وكذا الطاغون سواء كانا صنمين أو رجلين. أهدى سبيلا: أكثر هداية في حياتهما وسلوكهما. ﴿نَقِيراً﴾ : النقير: نقرة في ظهر النواة يضرب بها المثل في صغرها. الحسد: تمني زال النعمة عن الغير والحرص على ذلك. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ : السداد في القول والعمل مع الفقه في أسرار التشريع الإلهي. معنى الآيات: روي أن جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ذهبوا إلى مكة يحزبون الأحزاب لحرب رسول الله ﷺ ، فلما نزلوا مكة قالت قريش: نسألهم فإنهم أهل كتاب عن ديننا ودين محمد أيهما خير؟ فسألوهم فقالوا لهم دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى هذه الآيات إلى قوله ﴿عَظِيماً﴾ . وهذا شرحها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ٢ وَالطَّاغُوتِ﴾ ألم ينته إلى علمك أيها الرسول: أن الذين أوتوا حظاً من العلم بالتوراة يصدقون بصحة عبادة الجبت والطاغوت ويقرون عليها ويحكمون بأفضلية عبادتها على عبادة الله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم مشركوا قريش: دينكم خير من دين محمد وأنتم أهدى طريقاً في حياتكم الدينية والاجتماعية ألم يك موقف هؤلاء اليهود مثار الدهشة والاستغراب والتعجب لأهل العلم والمعرفة بالدين الحق، إذ يقرون الباطل ويصدقون به؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أولئك الهابطون في حمأة الرذيلة، البعيدون في أغوار الكفر والشر والفساد لعنهم الله فأبعدهم عن ساحة الخير والهدى، ﴿وَمَنْ

стр. 492

يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ يا رسولنا ﴿نَصِيراً﴾ ينصره من الخذلان الذي وقع فيه والهزيمة الروحية التي حلت به فأصبح وهو العالم يبارك الشرك ويفضله على التوحيد. ثم قال تعالى في الآية (٥٣) ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا١ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ . أي: ليس لهم نصيب من الملك كما يدعون، فالاستفهام للإنكار عليهم دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نواة، وهذا ذم لهم بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل، وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ٢ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ أم بمعنى بل كسابقتها للإضراب –الانتقال من حال سيئة إلى أخرى، والهمزة للإنكار ينكر تعالى عليهم حسدهم للنبي ﷺ والمؤمنين على النبوة والدولة، وهو المراد من الناس وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ﴾ ؛ كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل، والحكمة التي هي السنة التي كانت لأولئك الأنبياء يتلقونها وحياً من الله تعالى، وكلها علم نافع وحكم صائب سديد، والملك العظيم هو ما كان لداود وسليمان ﵉ كل هذا يعرفه اليهود فلم لا يحسدون محمداً والمسلمين، والمراد من السياق ذم اليهود بالحسد كما سبق ذمهم بالبخل والجهل مع العلم. وقوله تعالى في الآية (٥٥) : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ يريد أن من اليهود المعاهدين للنبي ﷺ من آمن بالنبي٣ محمد ورسالته، وهم القليل، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: انصرف وصرف الناس عنهم وهم الأكثرون ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ لمن كفر حسداً وصد عن سبيل الله بخلاً ومكراً، أي: حسبه جهنم ذات السعير جزاء له على الكفر والحسد والبخل، والعياذ بالله تعالى.

стр. 493

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الكفر بالجبت والطاغوت. ٢- بيان مكر اليهود وغشهم وأنهم لا يتورعون عن الغش والكذب والتضليل. ٣- ذم الحسد والبخل. ٤- إيمان بعض اليهود بالإسلام، وكفر أكثرهم مع علمهم بصحة الإسلام ووجوب الإيمان به والدخول فيه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿نُصْلِيهِمْ نَاراً١﴾ : ندخلهم ناراً يحترقون بها. ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ٢﴾ : اشتوت فتهرت وتساقطت. ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ : ليستمر لهم العذاب مؤلماً. ﴿عَزِيزاً حَكِيماً﴾ : غالباً، يعذب من يستحق العذاب. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ : تجري من خلال أشجارها وقصورها الأنهار. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ : من الأذى والقذى مطلقاً. ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً٣﴾ : الظل الظليل: الوارف الدائم لا حر فيه ولا برد به.

стр. 494

معنى الآيتين: على ذكر الإيمان والكفر في الآية السابقة ذكر تعالى في هاتين الآيتين الوعيد والوعد الوعيد لأهل الكفر والوعد لهل الإيمان فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ يريد يدخلهم نار جهنم يحترقون فيها ويصطلون بها ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ تهرت وسقطت بدلهم١ الله تعالى فوراً جلوداً غيرها ليتجدد ذوقهم للعذاب وإحساسهم به، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ تذييل المقصود منه إنفاذ الوعيد فيهم؛ لأن العزيز الغالب لا يعجز عن إنفاذ ما توعد به أعداءه، كما أن الحكيم في تدبيره يعذب أهل الكفر به والخروج عن طاعته، هذا ما تضمنته الآية الأولى (٥٦) من وعيد لأهل الكفر. وأما الآية الثانية (٥٧) فقد تضمنت البشرى السارة لأهل الإيمان وصالح الأعمال، مع اجتناب الشرك والمعاصي فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: بعد تركهم الشرك والمعاصي ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ٢ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يريد نساء من الحور العين مطهرات من كل ما يؤذي أو يُخل بحسنهن وجمالهن نقيات من البول والغائض ودم الحيض. وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ وارفاً كنيناً يقيهم الحر والبرد. وحدث يوماً رسول الله ﷺ فقال: "في الجنة شجرة تسمى٣ شجرة الخلد يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطع ظلها". هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الكفر والمعاصي موجبات٤ للعذاب الأخروي. ٢- بيان الحكمة في تبديل الجلود لأهل النار وهي أن يدوم إحساسهم بالعذاب. ٣- الإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي موجبات للنعيم الأخروي.

стр. 495

٤- الجنة دار النعيم خالية من كدرات الصفو والسعادة فيها. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ١﴾ : أداء الأمانة: تسليمها إلى المؤتمن، والأمانات جمع أمانة وهي ما يؤتمن عليه المرء من قول أو عمل أو متاع. ﴿الْعَدْلِ٢﴾ : ضد الجور والانحراف بنقص أو زيادة. ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾ : نعم شيء يعظكم، أي: يأمركم به أداء الأمانات والحكم بالعدل. ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ : أولوا الأمر: هم الأمراء والعلماء من المسلمين. ﴿تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ : اختلفتم فيه كل فريق يريد أن ينتزع الشيء من يد الفريق الآخر. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ : أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ : أحسن عاقبة، لأن تأويل الشيء ما يؤول إليه في آخر الأمر. معنى الآيتين: روي أن الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ٣ أَنْ تُؤَدُّوا٤ الأَمَانَاتِ﴾ نزلت في شأن عثمان بن

стр. 496

طلحة الحجبي١، حيث كان مفتاح الكعبة عنده بوصفه سادناً٢، فطلبه رسول الله ﷺ منه صبيحة يوم الفتح، فصلى في البيت ركعتين وخرج، فقال العباس ﵁ أعطينيه يا رسول الله، ليجمع بين السقاية والسدانة، فانزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها فقرأ رسول الله ﷺ الآية على الناس، ودعا عثمان بن طلحة وأعطاه المفتاح. غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذا فالآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شيء أن يحفظه ويرعاه حتى يؤديه٣ إلى صاحبه، والآية تتناول حكام المسلمين أولاً بقرينة ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الذي هو القسط، وضد الجور ومعناه: إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ٤ بِهِ﴾ يريد أن أمره تعالى أمة الإسلام حكاماً ومحكومين بأداء الأمانات والحكم بالعدل هو شيء حسن، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فيه الحث على المأمور به بإيجاد ملكة مراقبة الله تعالى في النفس، فإن من ذكر أن الله تعالى يسمع أقواله ويبصر أعماله استقام في قوله فلم يكذب وفي عمله فلم يفرط. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٥٨) . أما الآية الثانية (٥٩) ، فإن الله تعالى لما أمر ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانات التي هي حقوق الرعية، وبالحكم بينهم بالعدل أمر المؤمنين المولي عليهم بطاعته وطاعة رسوله أولاً، ثم بطاعة ولاة الأمور ثانياً، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، والطاعة لأولي الأمر مُقيد بما كان معروفاً للشرع، أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار لحديث: "إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ فهو خطاب عام للولاة والرعية، فمتى حصل خلاف في أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب الله٥ وسنة رسول الله ﷺ فيما حكما فيه وجب قبوله حلواً كان أو مراً، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ

стр. 497

بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فيه أن الإيمان يستلزم الإذعان لقضاء الله ورسوله، وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان المؤمن وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، يريد ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير حالاً ومآلاً، لما فيه من قطع النزاع والسير بالأمة متحدة متحابة متعاونة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- وجوب رد الأمانات بعد المحافظة عليها. ٢- وجوب العدل في الحكم وحرمة الحيف والجور فيه. ٣- وجوب طاعة الله وطاعة الرسول وولاة المسلمين من حكام وعلماء١ فقهاء، لأن طاعة الرسول من طاعة الله، وطاعة الوالي من طاعة الرسول ﷺ ، لحديث: "٢من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقط أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أمري فقد عصاني" ٣. ٤- وجوب رد المتنازع فيه عقيدة أو عبادة أو قضاء إلى الكتاب والسنة ووجوب الرضا بقضائهما. ٥- العاقبة الحميدة والحال الحسنة السعيدة في رد أمة الإسلام ما تنازع فيه إلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ . ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ

стр. 498

اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ١ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ : يقولون كاذبين. ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ : القرآن، وما أنزل من قبلك: التوراة. ﴿الطَّاغُوتِ﴾ : كل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة، والمراد به هنا: كعب بن الأشرف اليهودي أو كاهن من كهان العرب. ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ : جمع منافق: وهو من يبطن الكفر، ويظهر الإيمان خوفاً من المسلمين. ﴿يَصُدُّونَ﴾ : يعرضون عنك ويصرفون غيرهم كذلك. ﴿مُصِيبَةٌ﴾ : عقوبة بسبب كفرهم ونفاقهم. إن يريدون: أي: ما يريدون. ﴿إِلا إِحْسَاناً﴾ : أي: صلحاً بين المتخاصمين. ﴿وَتَوْفِيقاً﴾ : جمعاً وتأليفاً بين المختلفين. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ٢﴾ : أي: اصفح عنهم فلا تؤاخذهم. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ : مرهم بما ينبغي لهم ويجب عليهم. ﴿قَوْلاً بَلِيغاً﴾ : كلاماً قوياً يبلغ شغاف قلوبهم لبلاغته وفصاحته.

стр. 499

معنى الآيات: روي أن منافقاً ويهودياً١ اختلفا في شيء فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد ﷺ لعلمه أنه يحكم بالعدل ولا يأخذ رشوة، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي، فتحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فقضى لليهودي فنزلت٢ فيهما هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ والمراد بهذا المنافق، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ، والمراد به اليهودي، والاستفهام للتعجب. ألم ينته إلى علمك موقف هذين الرجلين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ "كعب٣ بن الأشرف" أو الكاهن الجهني، وقد أمرهم الله أن يكفروا به ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، حيث زين لهم لهم التحاكم عند الكاهن أو كعب اليهودي. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ليحكم بينكم رأيت ياللعجب المنافقين يعرضون عنك اعراضاً هاربين من حكمك غير راضين بالتحاكم إليك لكفرهم بك وتكذيبهم لك ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وحلت بهم بسبب ذنوبهم أيبقون معرضين عنك؟ أم ماذا؟ ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ قائلين٤، ما أردنا إلا الإحسان في عملنا ذلك والتوفيق بين المتخاصمين. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث، وأما الرابعة وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ فإن الله تعالى يشير إليهم بأولئك لبعدهم في الخسة والانحطاط، فيقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من النفاق والزيغ فهم عرضة للنقمة وسوء العذاب، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فلا تؤاخذهم٥، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ آمراً إياهم بتقوى الله والإسلام له ظاهراً وباطناً، مخوفاً إياهم من عاقبة سوء أفعالهم بترك التحاكم إليك وتحاكمهم إلى الطاغوت، وقل لهم في خاصة أنفسهم قولاً بليغاً ينفذ إلى قلوبهم فيحركها ويذهب عنها غفلتها علهم يرجعون.

стр. 500

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إذا وُجد عالم بهما. ٢- وجوب الكفر بالطاغوت أياً كان نوعه. ٣- وجوب الدعوة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة ووجوب قبولها. ٤- استحباب الإعراض عن ذوي الجهالات، ووعظهم بالقول البليغ الذي يصل إلى قلوبهم فيهزها. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما (٦٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ : إذن الله: إعلامه بالشيء وأمره به. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ : بالتحاكم إلى الطاغوت وتركهم إلى رسول الله ﷺ . ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ : طلبوا منه أن يغفر لهم بلفظ اللهم اغفر لنا، أو استغفروا الله. ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ : يجعلونك حكماً بينهم ويفوضون الأمر إليك. ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ١﴾ : أي: اختلفوا لاختلاط وجه الحق والصواب فيه بالخطأ والباطل. ﴿حَرَجاً﴾ : ضيفاً وتحرجاً. ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ : حكمت فيه. ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ : أي: يذعنوا لقبول حكمك ويسلمون به تسليماً تاماً.

стр. 501

معنى الآيتين: بعد تقرير خطأ وضلال من أراد أن يتحاكما إلى الطاغوت، كعب بن الأشرف اليهودي، وهما: اليهودي والمنافق في الآيات السابقة أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما أرسل رسولاً١ من رسله المئات إلا وأمر المرسل إليهم بطاعته واتباعه والتحاكم إليه وتحكيمه في كل ما يختلفون فيه، وذلك أمره وقضاؤه وتقديره فيما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن كما أخبر تعالى أن أولئك الظالمين لأنفسهم بتحاكمهم٢ إلى الطاغوت وصدودهم عن التحاكم إليك أيها الرسول لو جاءوك متنصلين من خطيئتهم مستغفرين الله من ذنوبهم واستغفرت لهم أنت أيها الرسول، أي: سألت الله تعالى لهم المغفرة لو حصل منهم هذا لدل ذلك على توبتهم وتاب الله تعالى عليهم فوجدوه ﴿تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . هذا معنى الآية (٦٤) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . وأما الآية الثانية (٦٥) ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ٣ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾ فإن الله تعالى يقول ﴿فَلا﴾ أي: ليس الأمر كما يزعمون، ثم يقسم تعالى فيقول: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيها الرسول، أي: يطلبون حكمك فيما اختلفوا فيه واختلط عليهم من أمورهم ثم بعد حكمك لا يجدون في صدورهم أدنى شك في صحة حكمك وعدالته، في التسليم له والرضا به وهو معنى الحرج المتبقي في قوله، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- وجوب طاعة الرسول ﷺ فيما يأمر به وينهى عنه. ٢- بطلان من يزعم أن في الآية دليلاً على جواز طلب الاستغفار٤ من الرسول ﷺ ؛ لأن

стр. 502

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية نزلت في الرجلين اللذين أرادا التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي وإعراضهما عن رسول الله ﷺ فاشترط توبتهما إتيانهما لرسول الله ﷺ واستغفارهما الله تعالى، واستغفار الرسول لهما، وبذلك تقبل توبتهما، وإلا فلا توبة لهما، أما من عداهما فتوبته لا تتوقف على إتيانه لرسول الله ﷺ ولا لاستغفاره له وهذا محل إجماع بين المسلمين. ٣- كل ذنب كبر أو صغر يعتبر ظلماً للنفس وتجب التوبة منه بالاستغفار والندم والعزم على عدم مراجعته بحال من الأحوال. ٤- وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة وحرمة التحاكم إلى غيرهما. ٥- وجوب الرضا١ بحكم الله ورسوله والتسليم به. ﴿وَلَوْ٢ أَنَّا كَتَبْنَا٣ عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ٤ أُولَئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠) ﴾

стр. 503

شرح الكلمات: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ : فرضنا عليهم وأوحينا. ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ : أي: قتل أنفسهم. ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ : أي: ما فعل القتل إلا قليل١ منهم. ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ : أي: ما يؤمرون به وينهون عنه. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ : أي: للإيمان في قلوبهم. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ : جمع صديق: وهو من غلب عليه الصدق في أقواله وأحواله لكثرة ما يصدق ويتحرى الصدق. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ : جمع شهيد: من مات في المعركة ومثله من شهد بصحة الإسلام بالحجة والبرهان. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ : جمع صالح: من أدى حقوق الله تعالى وأدى حقوق العباد، وصلحت نفسه وصلح عمله وغلب صلاحه على فساده. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أولئك النفر الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: يقتل بعضكم بعضاً كما حصل ذلك لبني إسرائيل لما فعلوا كما أنا لو كتبنا عليهم أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين في سبيلنا ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ منهم. ثم قال تعالى داعياً لهم مرغباً لهم في الهداية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ما يذكرون به ترغيباً وترهيباً من أوامر الله تعالى لهم بالطاعة والتسليم لكان ذلك خيراً في الحال والمآل، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ للإيمان في قلوبهم وللطاعة على جوارحهم، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والحسنة تنتج حسنة، والسيئة تتولد عنها سيئة. ويقول تعالى: ﴿وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً﴾ يريد لو أنهم استجابوا لنا وفعلوا ما أمرنا به من الطاعات، وتركوا ما نهيناهم عنه من المعاصي لأعطيناهم من لدنا أجراً يوم يلقوننا ولهديناهم في الدنيا ﴿صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ألا وهو الإسلام الذي هو طريق الكمال والإسعاد في الحياتين وهدايتهم إليه هي توفيقهم للسير فيه

стр. 504

وعدم الخروج عنه. هذا ما دلت عليه الآيات: (٦٦-٦٧-٦٨) . أما الآية (٦٩) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ١ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ فقد روى ابن جرير في تفسيره: أنها نزلت حين قال بعض٢ الصحابة يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِك﴾ الآية. وما أنعم الله تعالى عليه هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته ومعرفة محابه ومساخطه والتوفيق لفعل المحاب وترك المساخط هذا في الدنيا، وأما ما أنعم به عليهم في الآخرة فهو الجوار الكريم في دار النعيم. والصديقين هم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بكل ما جاء به رسول الله ﷺ ، وأخبر به والشهداء: جمع شهيد، وهو من قتل في سبيل الله. والصالحون: جمع صالح، وهو من أدى حقوق الله تعالى وحقوق عباده كاملة غير منقوصة، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً٣﴾ يريد وحسن أولئك رفقاء في الجنة يستمتعون برؤيتهم والحضور في مجالسهم، لأنهم ينزلون إليهم، ثم يعودون إلى منازلهم العالية ودرجاتهم الرفيعة، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ٤ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ يريد أن ذلك الالتقاء مع من ذكرتم لهم بفضل الله تعالى، لا بطاعتهم. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً﴾ أي: بأهل طاعته وأهل معصيته وبطاعة المطيعين ومعصية العاصين، ولذلك يتم الجزاء عادلاً رحيماً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- قد يكلف الله تعالى بالشاق للامتحان والابتلاء؛ كقتل النفس والهجرة من البلد ولكن لا يكلف بما لا يطاق. ٢- الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصيات.

стр. 505

٥- الطاعات تثمر قوة الإيمان وتؤهل لدخول الجنان. ٤- مواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة ثمرة من ثمار طاعة الله والرسول ﷺ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ : الحذر والحذر: الاحتراس والاستعداد لدفع المكروه بحسبه. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ١﴾ : النفور: الخروج في اندفاع وانزعاج، والثبات: جمع ثبت، وهي: الجماعة. ﴿لَيُبَطِّئَنَّ٢﴾ : أي: يتبطأ في الخروج فلا يخرج. ﴿مُصِيبَةٌ﴾ : قتل أو جراحات وهزيمة. ﴿شَهِيداً﴾ : أي: حاضراً الغزوة معهم. ﴿فَضْلٌ﴾ : نصر وغنيمة. ﴿مَوَدَّةٌ﴾ : صحبة ومعرفة مستلزمة للمودة٣. ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ : نجاة من معرة التخلف عن الجهاد، والظفر بالسلامة والغنيمة.

стр. 506

معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ١ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً٢﴾ ينادي الله تعالى عباده المؤمنين، وهم في فترة يستعدون فيها لفتح مكة وإدخاله في حظيرة الإسلام، خذوا الأهبة والاستعداد حتى لا تلاقوا عدوكم وأنتم ضعفاء، قوته أشد من قوتكم ﴿فانفروا ثباتٍ﴾ عصابة بعد عصابة وجماعة بعد أخرى ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ بقيادتكم المحمدية وذلك بحسب ما يتطلبه الموقف وتراه٣ القيادة ثم أخبرهم وهو العليم أن منهم، أي: من عدادهم وأفراد مواطنيهم لمن والله ليبطئن عن الخروج إلى الجهاد نفسه وغيره معاً؛ لأنه لا يريد لكم نصراً لأنه منافق كافر الباطن وإن كان مسلم الظاهر ويكشف عن حال هذا النوع من الرجال الرخيص فيقول: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ أيها المؤمنون الصادقون ﴿مُصِيبَةٌ﴾ قتل أو جراح أو هزيمة قال في فرح بما أصابكم وما نجا منه: لقد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم حاضراً فيصيبني ما أصابهم، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: نصر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: معرفة ولا صلة يا ليتني متمنياً حاسداً –كنت معهم في الغزاة ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ بالنجاة من معرة التخلف والظفر بالغنائم والعودة سالماً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب أخذ الأهبة والاستعداد التام على أمة الإسلام في السلم والحرب سواء. ٢- وجوب وجود خبرة عسكرية كاملة وقيادة رشيدة مؤمنة حكيمة عليمة. ٣- وجود منهزمين روحياً مبطئين حسدة بين المسلمين وهم ضعاف الإيمان فلا يؤبه لهم ولا يلتفت إليهم.

стр. 507

﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (٧٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ : الطريق الموصلة إلى إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده، ولا يضطهد مسلم في دينه، ولا من أجل دينه. ﴿يَشْرُونَ﴾ : يبيعون، إذ يطلق الشراء على البيع أيضاً. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ : المستضعف الذي قام به عجز فاستضعفه غيره فآذاه لضعفه. ﴿الْقَرْيَةِ﴾ : القرية في عرف القرآن: المدينة الكبيرة والجامعة والمراد بها هنا مكة المكرمة. ﴿فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ : أي: في نصرة الشرك ومساندة الظلم والعدوان، ونشر الفساد. معنى الآيتين: بعد ما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم وهو الأهبة للقتال أمرهم أن يقاتلوا فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة وهم المؤمنون حقاً فيقدمون أموالهم وأرواحهم طلباً للفوز بالدار الآخرة يقاتلون من لا يؤمن بالله ولا بلقائه بعد أن يدعوه إلى الإيمان بربه والتوبة إليه، ثم أخبرهم.

стр. 508

أن من يقاتل استجابة لأمره تعالى فيقتل، أي: يستشهد أو يغلب وينتصر على كلا الحالين فسوف يؤتيه١ الله تعالى أجراً عظيماً، وهو النجاة من النار ودخول الجنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٧٤) . أما الآية الثانية (٧٥) فإن الله تعالى بعدما أمر عباده بالجهاد استحثهم على المبادرة وخوض المعركة بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ٢ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ليعبد وحده ويعز أولياءه ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ٣ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الذين يضطهدون من قبل المشركين ويعذبون من أجل دينهم حتى صرخوا وجاروا بالدعاء إلى ربهم قائلين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾ بلى أمرنا ويكفينا ما أهمنا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ ينصرنا على أعدائنا، أي: شيء يمنعكم أيها المؤمنون من قتال في سبيل الله، لُيعبد وحده، وليتخلص٤ المستضعفون من فتنة المشركين لهم من أجل دينهم؟ ثم في الآية الثالثة (٧٥) أخبر تعالى عباده المؤمنين حاضاً لهم على جهاد أعدائه وأعدائهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لأنهم يؤمنون به وبوعده ووعيده ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ وهو الكفر٥ والظلم لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى ولا بما عنده من نعيم، ولا بما لديه من عذاب ونكال ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ وهم الكفار، ولا ترهبوهم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ﴾ وما زال ﴿ضَعِيفاً﴾ ، فلا يثبت هو وأولياؤه من الكفرة، أمام جيش الإيمان أولياء الرحمن.

стр. 509

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- فرضية القتال في سبيل الله ولأجل انقاذ المستضعفين من المؤمنين نصرة للحق وإبطالاً للباطل. ٢- المقاتل في سبيل الله باع دنياه واعتاض عنها الآخرة، ولنعم البيع. ٣- المجاهد يؤوب بأعظم صفقة سواء قتل، أو انتصر وغلب وهي الجنة. ٤- لا يمنع المؤمنين من الجهاد خوف أعدائهم، لأن قوتهم من قوة الشيطان وكيد الشيطان ضعيف. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ : أي: عن القتال وذلك قبل أن يفرض. ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ : فرض عليهم.

стр. 510

﴿يَخْشَوْنَ﴾ : يخافون. ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا﴾ : هلا أخرتنا١. ﴿فَتِيلاً﴾ : الفتيل: خيط يكو في وسط النواة. ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ : حصون مشيدة بالشيد، وهو الجص. ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ : الحسنة: ما سر، والسيئة: ما ضر. معنى الآيات: روى أن بعضاً من أصحاب الرسول ﷺ طالبوا بالإذن لهم بالقتال ولم يؤذن لهم لعدم توفر أسباب القتال، فكانوا يؤمرون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ريثما بأذن الله تعالى لرسوله بقتال المشركين، ولما شرع القتال جبن فريق منهم عن القتال وقالوا: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ متعللين٢ بعلل واهية، فأنزل الله تعالى فيهم هاتين الآيتين (٧٧) و (٧٨) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: عن القتال ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ريثما يأذن الله بالقتال عندما تتوفر إمكانياته، فلما فرض القتال ونزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ جبنوا ولم يخرجوا للقتال، وقالوا: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يريدون أن يدافعوا الأيام حتى يموتوا ولم يلقوا عدواً خوراً، فأمر تعالى الرسول أن يقول لهم: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا٣ قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ فعيشكم في الدنيا مهما طابت لكم الحياة هو قليل ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الله بفعل أمره وترك نهيه بعد الإيمان به وبرسوله، وسوف تحاسبون على أعمالكم وتجزون بها ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ لا ينقص حسنة ولا بزيادة سيئة. هذا ما تضمنته الآية الأولى. أما الآية الثانية فقد قال تعالى لهم ولغيرهم ممن يخشون القتال ويجبنون عن الخروج للجهاد: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ ، إذ الموت طالبكم ولابد أن يدرككم، كما قال تعالى لأمثالهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ ، ولو دخلتم حصوناً٤ ما فيها كوة ولا نافذة

стр. 511

فإن الموت يدخلها عليكم ويقبض أرواحكم، ولما ذكر تعالى جبنهم وخوفهم ذكر تعالى سوء فهمهم وفساد ذوقهم فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعني أنه إذا أصابهم خير من غنيمة أخصب ورخاء، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ لا شكراً لله وإنما لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله شيئاً من خير كان ببركته وحسن قيادته، وإن تصبهم سيئة فقر أو مرض أو هزيمة يقولون: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ١﴾ ، أي: أنت السبب فيها. قال تعالى لرسوله: قل لهم ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ الحسنة والسيئة، هو الخالق والواضع السنن لوجودها وحصولها. ثم عليهم في نفسياتهم الهابطة، فقال: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ هذا ما دلت عليه الآية الثانية. أما الآية الثالثة والأخيرة في هذا السياق، وهي قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ٢ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ٣﴾ الآية، فإن الله تعالى يخاطب رسوله ﷺ فيخبره بأن الحسنة من الله تعالى، إذ هو الآمر بقولها أو فعلها وموجد أسبابها الموفق للحصول عليها، أما السيئة فمن النفس، إذ هي التي تأمر بها، وتباشرها مخالفة فيها أمر الله أو نهيه، فلذا لا يصح نسبتها إلى الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ يُسلي به رسوله عما يلاقيه من أذى الناس وما يصادفه من سوء أخلاق بعضهم؛ كالذين ينسبون إليه السيئة تطيراً به فيخبره بأن مهمته أداء الرسالة، وقد أداها والله شاهد على ذلك ويجزيك عليه بما أنت أهله وسيجزي من رد رسالتك وخرج عن طاعتك وكفى بالله شهيداً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- قبح الاستعجال والجبن وسوء عاقبتهما. ٢- الآخرة خير لمن اتقى من الدنيا٤.

стр. 512

٣- لا مفر من الموت ولا مهرب منه بحال١ من الأحوال. ٤- الخير والشر كلاهما بتقدير الله تعالى. ٥- الحسنة من الله والسيئة من النفس، إذ الحسنة أمر الله بأسبابها بعد أن أوجدها وأعان عليها، وأبعد الموانع عنها، والسيئة من النفس؛ لأن الله نهى عنها وتوعد على فعلها، ولم يوفق إليها ولم يعن عليها فهي من النفس٢ لا من الله تعالى. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً (٨٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿حَفِيظاً﴾ : تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها. ﴿طَاعَةٌ﴾ : أي: أمرنا طاعة لك. ﴿بَرَزُوا﴾ : خرجوا.

стр. 513

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ : تدبر القرآن، قراءة الآية أو الآيات وإعادتها المرة بعد المرة ليفقه مراد الله تعالى منها. ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ : أفشوه معلنينه للناس. ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ : يستخرجون معناه الصحيح. معنى الآيات: في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ١﴾ إنذار إلى الناس كافة في أن من لم يطع الرسول محمداً ﷺ ما أطاع الله تعالى، إن أمر الرسول من أمر الله ونهيه من نهي الله تعالى فلا عذر لأحد في عدم طاعة الرسول ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أي: عن طاعتك فيما تأمر به وتنهى عنه، فدعه ولا تلتفت إليه إذ لم نرسلك لتحصي عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتجزيهم بها، إن عليك إلا البلاغ، وقد بلغت فاعذرت. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي: ويقول أولئك المنافقون المنطيرون بك السيئو الفهم لما تقول: طاعة أي: أمرنا طاعة لك، أي: ليس لنا ما نقول إذا قلت ولا ما نأمر به إذا أمرت، فنحن مطيعون لك ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ أي: خرجوا من مجلسك بدل طائفة منهم غير الذي تقول واعتزموه دون الذي وافقوا عليه أمامك، وفي مجلسك، والله تعالى يكتب بواسطة ملائكته الكرام الكاتبين ما يبيتونه٢ من الشر والباطل. وعليه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ ولا تبال بهم ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ فهو حسبك وكافيك ما يبيتونه من الشر لك. وقوله تعالى في الآية الثانية (٨٢) ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ٣ الْقُرْآنَ﴾ يؤتيهم بإعراضهم وجهلهم وسوء فهمهم، إذ لو تدبروا القرآن وهو يُتلى عليهم وسمعوه صباح مساء لعرفوا أن الرسول حق وأن ما جاء به حق فآمنوا وأسلموا وحسن إسلامهم، وانتهى نفاقهم الذي أفسد قلوبهم وعفن آرائهم، إن تدبر القرآن بالتأمل فيه وتكرار آياته مرة بعد أخرى يهدي إلى معرفة الحق

стр. 514

من الباطل وأقرب ما يفهمونه لو تدبروا القرآن كلام الله تعالى وليس كلام بشر، إذ لو كان كلام بشر لوجد فيه التناقض والاختلاف والتضاد، ولكنه كلام خالق البشر، فلذا هو متسق الكلم متآلف الألفاظ والمعاني محكم الآي هادٍ إلى الإسعاد والكمال، فهو بذلك كلام الله حقاً ومن شرف بإنزاله عليه رسول حق ولا معنى أبداً للكفر بعد هذا والإصرار عليه، ومنافقة المسلمين فيه. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وهي الآية الرابعة (٨٣) فإن الله تعالى يخبر عن أولئك المرضى بمرض النفاق ناعياً عليهم إرجافهم وهزائمهم المعنوية فيقول ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ أي: إذا وصل من سرايا الجهاد خبر بنصر أو هزيمة سارعوا بإفشائه وإذاعته، وذلك عائد إلى مرض قلوبهم لأن الخبر وأطلق عليه لفظ الأمر؛ لأن حالة الحرب غير حالة السلم إذا كان بالنصر المعبر عنه بالأمن فهم يعلنونه حسداً أو طمعاً، وإذا كان بالهزيمة المعبر عنها بالخوف يعلنونه فزعاً وخوفاً؛ لأنهم جبناء كما تقدم وصفهم، قال تعالى في تعليمهم وتعليم غيرهم ما ينبغي أن يكون عليه المجاهدون في حال الحرب. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ القائد الأعلى، ﴿وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم أمراء السرايا المجاهدة ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ١﴾ أي: لاستخرجوا سر الخبر وعرفوا ما يترتب عليه فإن كان نافعاً أذاعوه، وإن كان ضاراً أخوفه. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ٢﴾ في قبول تلك الإشاعات المغرضة والإذاعات المثبطة ﴿إِلا قَلِيلاً﴾ منكم من ذوي الآراء الصائبة والحصافة العقلية، إذ مثلهم لا تثيرهم الدعاوى، ولا تغيرهم الأراجيف، ككبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب طاعة الرسول ﷺ فإنه لا يطاع لذاته وإنما يطاع لذات الله .

стр. 515

٢- وجوب تدبر القرآن لتقوية الإيمان١. ٣- آية أن القرآن وحي الله وكلامه سلامته من التناقض والتضاد في الألفاظ والمعاني. ٤- تقرير مبدأ أن أخبار الحرب لا تذاع إلا من قبل القيادة العليا حتى لا يقع الاضطراب في صفوف المجاهدين والأمة كذلك. ٥- أكثر الناس يتأثرون بما يسمعون إلا القليل من ذوي الحصافة العقلية والوعي السياسي. ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : حثهم على الجهاد وحرضهم على القتال. ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ : قوتهم الحربية. روَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ : أقوى تنكيلاً، والتنكيل: ضرب الظالم بقوة حتى يكون عبرة لمثله فينكل عن الظلم. الشفاعة٢: الوساطة في الخير أو في الشر فإن كانت في الخير فهي الحسنة وإن كانت في الشر فهي السيئة.

стр. 516

﴿كِفْلٌ مِنْهَا﴾ : نصيب منها. ﴿مُقِيتاً١﴾ : مقتدراً عليه وشاهداً عليه حافظاً له. ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ : تحية الإسلام، هي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ : أي: يقول: وعليكم السلام. ﴿حَسِيباً﴾ : محاسباً على العمل مجازياً به خيراً كان أو شراً. معنى الآيات: ما زال السياق في السياسة الحربية، ففي هذه الآية: ﴿فَقَاتِلْ٢ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يأمر تعالى رسوله محمداً ﷺ أن يقاتل المشركين لأجل إعلاء كلمة الله تعالى بأن يعبد وحده وينتهي اضطهاد المشركين للمؤمنين وهو المراد من قوله ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وقوله: ﴿لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ٣﴾ أي: لا يكلفك ربك إلا نفسك وحدها، أما من عداك فليس عليك تكليفه، ولكن حرض المؤمنين على القتال معك فحثهم على ذلك ورغبهم فيه. وقوله: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، وهذا وعد من عند الله تعالى بأن يكف بأس الذين كفروا فيسلط عليهم رسوله والمؤمنين فيبددوا قوتهم ويهزموهم فلا يبقى لهم بأس ولا قوة وقد فعل٤، وله الحمد والمنة، وهو تعالى ﴿أَشَدُّ بَأْساً﴾ م كل ذي بأس ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ من غيره بالظالمين من أعدائه. هذا ما دلت عليه الآية (٨٤) ، أما الآية (٨٥) وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ فهو إخبار منه تعالى بأن من يشفع شفاعة حسنة بأن يضم صوته مع مطالب بحق أو يضم نفسه إلى سرية تقاتل في سبيل الله، أو يتوسط لأحد في قضاء حاجته فإن للشافع

стр. 517

قسطاً من الأجر والمثوبة، كما أن ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ بأن يؤيد باطلاً أو يتوسط في فعل شر أو ترك معروف يكون عليه نصيب من الوزر، لأن الله تعالى على كل شيء مقتدر وحفيظ عليم. هذا ما دلت عليه الآية المذكورة. أما الآية الأخيرة (٨٦) فإن الله تعالى يأمر عباده المؤمنين بأن يردوا تحية من يحييهم بأحسن منها فإن لم يكن بأحسن فبالمثل، فمن قال: السلام عليكم، فليقل الراد: وعليكم السلام ورحمة الله، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله. فليرد عليه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً١﴾ فيه تطمين للمؤمنين على أن الله تعالى يثيبهم على إحسانهم ويجزيهم به. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان شجاعة النبي ﷺ بدليل أنه كلف بالقتال وحده وفعل. ٢- ليس من حق الحاكم أن يجند المواطنين تجنيداً إجبارياً، وإنما عليه أن يحضهم على التجنيد ويرغبهم فيه بوسائل الترغيب. ٣- فضل الشفاعة في الخير، وقبح الشفاعة في الشر٢. ٤- تأكيد سنة التحية، ووجوب ردها بأحسن أو بمثل٣. ٥- تقرير ما جاء في السنة بأن السلام عليكم: يعطي عليها المسلم عشر حسنات ورحمة الله: عشر حسنات. وبركاته: عشر كذلك. ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ

стр. 518

أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً (٩١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ١﴾ : لا معبود بحق إلا هو. ﴿فِئَتَيْنِ٢﴾ : جماعتين الواحدة فئة، أي: جماعة. ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ : الارتكاس: التحول من حال حسنة إلى حال سيئة؛ كالكفر بعد الإيمان، أو الغدر بعد الأمان وهو المراد هنا. ﴿سَبِيلاً﴾ : أي: طريقاً إلى هدايتهم.

стр. 519

﴿وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ : الولي: من يلي أمرك، والنصير: من ينصرك على عدوك. ﴿يَصِلُونَ﴾ : أي: يتصلون بهم بموجب عقد معاهدة بينهم. ﴿مِيثَاقٌ﴾ : عهد. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ : ضاقت. ﴿السَّلَمَ﴾ : الاستسلام والانقياد. ﴿الْفِتْنَةِ﴾ : الشرك. ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ : وجدتموهم متمكنين منهم. ﴿سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ : حجة بين على جواز قتالهم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى الآيات قبل هذه أنه تعالى المقيت والحسيب، أي: القادر على الحساب والجزاء، أخبر أنه الله الذي لا إله إلا هو، أي: المعبود دون سواه لربوبيته على خلقه، إذ الإله الحق ما كان رباً خالقاً رازقاً مدبراً بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، وأنه جامع١ الناس ليوم لا ريب في إتيانه وهو يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، ولما كان هذا خبراً يتضمن وعداً ووعيداً أكد تعالى إنجازه، فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ اللهم إنه لا أحد أصدق منك. أما الآيات الأربع الباقية، وهي (٨٨) و (٨٩) و (٩٠) و (٩١) فقد نزلت لسبب معين وتعالج مسائل حربية معينة، أما السبب الذي نزلت فيه فهو اختلاف المؤمنين من أصحاب الرسول ﷺ في طائفة من المنافقين أظهروا الإسلام وهم ضليعون في موالاة الكافرين، وقد يكونون في مكة٢، وقد يكونون في المدينة، فرأى بعض الأصحاب أن من الحزم الضرب على أيديهم وإنهاء نفاقهم، ورأى آخرون تركهم والصبر عليهم ما داموا يدعون الإيمان لعلهم

стр. 520

بمرور الأيام يتوبون. فلما اختلفا واشتد الخلاف في شأنهم أنزل الله تعالى هذه الآيات فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ١ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ٢ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ ومعنى الآية، أي: شيء صيركم في شأن المنافقين فئتين؟ والله تعالى قد أركسهم في الكفر بسبب ما كسبوه من الذنوب العظام. أتريدون أيها المسلمون أن تهدوا من أضل الله، وهل يقدر أحد على هداية من أضله الله؟ وكيف، ومن يضلل الله حسب سنته في إضلال البشر لا يوجد له هادٍ، ولا سبيل لهدايته بحال من الأحوال. ثم أخبر تعالى عن نفسية أولئك المنافقين المختلف فيهم فقال وهي الآية الثالثة (٨٩) ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: أحبوا من قلوبهم كفركم لتكونوا مثلهم، وفيه لازم وهو انتهاء الإسلام، وظهور الكفر وانتصاره. ومن هنا قال تعالى محرماً موالاتهم إلى أن يهاجروا فقال: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ تعولون عليهم في نصرتكم على إخوانهم في الكفر. ظاهر هذا السياق أن هؤلاء المنافقين هم بمكة وهو كذلك. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ٣﴾ ، لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صلاتهم بدار الكفر فيفتر عزمهم ويراجعوا الصدق في إيمانهم فيؤمنوا فإن هاجروا ثم تولوا عن الإيمان الصحيح إلى النفاق الكفر فأعلنوا الحرب عليهم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ؛ لأنهم بارتكاسهم لا خير فيهم ولا يعول عليهم. ثم في الآية (٩٠) استثنى لهم الرب تعالى صنفين من المنافقين المذكورين فلا يأخذونهم أسرى ولا يقاتلونهم، الصنف الأول الذين ذكرهم تعالى بقوله ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ أي: يلجأون ﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ٤ مِيثَاقٌ﴾ فبحكم استجارتهم بهم طالبين الأمان منهم فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم. والصنف الثاني قوم ضاقت صدورهم بقتالكم،

стр. 521

وقتال قومهم فهؤلاء الذين يلم يستسيغوا قتالكم ولا قتال قومهم إن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم فلا تأخذوهم ولا تقتلوهم واصبروا عليهم، إذ لو شاء الله تعالى لسلطهم عليكم فلقاتلوكم هذا الصنف هو المعنى بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ فما دام الله تعالى قد كفهم عنكم فكفوا أنتم عنهم. هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ . أي: المسالمة والمهادنة ﴿فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً١﴾ . لأخذهم وقتالهم. هذا وهناك صنف آخر ذكر تعالى حكم معاملته في الآية الخامسة والأخيرة (٩١) ، وهي قوله تعالى: ستجدون قوماً آخرين٢ غير الصنفين السابقين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ٣﴾ فهم إذاً يلعبون على الحبلين كما يقال ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾ أي: إلى الشرك ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: وقعوا فيها منتكسين، إذ هم منافقون، إذ كانوا معكم عبدوا الله وحده، وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأوثان لمجرد دعوة يدعونها يلبون فيرتدون إلى الشرك، وهو معنى قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: إن لم يعتزلوا قتالكم ويلقوا إليكم السلام، وهو الإذعان والانقياد لكم، ويكفوا أيديهم فعلاً عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ أي: حجة واضحة على جواز أخذهم وقتلهم حيثما تمكنتم منهم وعلى أي حال. هذا ما دلت عليه الآيات الخمس مع العلم أن الكف عن قتال المشركين قد نسخ بآيات براءة إلا أن لإمام المسلمين أن يأخذ بهذا النظام عند الحاجة إليه فإنه نظام رباني ما أخذ به أحد وخاب أو خسر، ولكن خارج جزيرة العرب إذ لا ينبغي أن يجتمع فيها دينان. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب توحيد الله تعالى في عبادته. ٢- الإيمان بالبعث والجزاء.

стр. 522

٣- خطة حكيمة لمعاملة المنافقين بحسب الظروف والأحوال. ٤- تقرير النسخ في القرآن. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (٩٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿إِلا خَطَأً﴾ : أي: إلا قتلاً خطأ، وهو أن لا يتعمد قتله؛ كأن يرمي صيداً فيصيب إنساناً. ﴿رَقَبَةٍ﴾ : أي: مملوك عبداً كان أو أمة ١. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ : مؤداة وافية٢. ﴿إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ : أي: يتصدقوا بها على القاتل فلا يطالبوا بها ولا يأخذوها منه.

стр. 523

﴿مِيثَاقٌ﴾ : عهداً مؤكد بالأيمان. ﴿مُتَعَمِّداً﴾ : مريداً قتله وهو ظالم له. معنى الآيات: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة قتال المنافقين متى يجوز ومتى لا يجوز ناسب ذكر قتل المؤمن الصادق في إيمانه خطأ وعمداً وبيان حكم ذلك، فذكر تعالى في الآية الأولى (٩٢) أنه لا ينبغي١ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا في حال الخطأ، أما في حال العمد فلا يكون ذلك منه ولا يتأتى له وهو مؤمن؛ لن الإيمان نور يكشف عن مدى قبح جريمة قتل المؤمن وما وراءها من غضب الله تعالى وعذابه فلا يقدم على ذلك اللهم إلا في حال الخطأ، فهذا وارد وواقع، وحكم من قتل خطأ أن يعتق رقبة ذكراً كانت أو أنثى مؤمنة وأن يدفع الدية لأولياء القتيل إلا أن يتصدقوا بها فلا يطالبوا بها ولا يقبلونها والدية مائة من٢ الإبل، أو ألف دينار ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً٣ إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ٤ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فإن كان القتيل مؤمناً ولكن من قوم هم عدو للمسلمين محاربين، فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، إذ لا تعطى الدية لعدو يستعين بها على حرب المسلمين وإن كان القتيل من قوم كافرين وهو مؤمن أو كافر ولكن بيننا وبين قومه معاهدة، على القاتل تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله، فمن لم يجد الرقبة فصيام شهرين متتابعين، فذلك توبته لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً٥ مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ عليماً بما يحقق المصلحة لعباده

стр. 524

حكيماً في تشريعه فلا يشرع إلا ما كان نافعاً ومحققاً غير ضار، ومحققاً للخير في الحال والمآل. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية (٩٣) فإنها بينت حكم من قتل مؤمناً عمداً عدواناً، وهو أن الكفارة لا تغني عنه شيئاً لما قضى الله تعالى له باللعن والخلود في جهنم إذ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ إلا أن الدية أو القصاص لازمان ما لم يعف أولياء الدم فإن عفوا عن القصاص ورضوا بالدية أعطوها وإن طالبوا بالقصاص اقتصوا، إذ هذا حقهم وأما حق الله تعالى: فإن القتيل عبده خلقه ليعبده، فمن قتله، فالله تعالى رب العبد خصمه وقد توعده بأشد العقوبات وأفظعها، والعياذ بالله تعالى وذلك حقه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ . هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان أن المؤمن الحق لا يقع منه القتل العمد للمؤمن. ٢- بيان جزاء القتل الخطأ وهو تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله. ٣- إذا كان القتيل مؤمناً وكان من قوم كافرين محاربين، فالجزاء تحرير رقبة ولا دية. ٤- إذا كان القتيل من قوم بين المسلمين مثياق، فالواجب الدية وتحرير رقبة. ٥- من لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين١. ٦- القتل العمد العدوان يجب له أحد شيئين: القصاص. أو الدية حسب رغبة أولياء الدم وإن عفوا فلهم ذلك وأجرهم على الله تعالى، وعذاب الآخرة وعيد إن شاء الله أنجزه وإن شاء عفا عنه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ

стр. 525

عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ : خرجتم تضربون الأرض بأرجلكم غزاة ومسافرين. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ : فتثبتوا حتى لا تقتلوا مسلماً تحسبونه كافراً. ﴿السَّلامَ١﴾ : الاستسلام والانقياد. ﴿تَبْتَغُونَ﴾ : تطلبون. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ : بالهداية فاهتديتم وأصبحتم مسلمين. معنى الآية الكريمة: روي أن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا فلقوا رجلاً يسوق غنماً من بني سليم، فلما رآهم سلم عليهم قائلاً: السلام عليكم. فقالوا له: ما قلتها إلا تقية لتحفظ نفسك ومالك وقتلوه٢. فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يريد خرجتم مسافرين للغزو والجهاد ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ممن تلقونهم في طريقكم هل هم مسلمون فتكفوا عنهم، أو كافرين فتقاتلوهم ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ أعلن إسلامه لكم بالشهادة أو بالسلام ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ فتكذبونه في دعواه الإسلام لتنالوا منه: ﴿تَبْتَغُونَ﴾ بذلك ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا٣﴾ أي: متاعها الزائل فإن كان قصدكم الغنيمة فإن عند الله مغانم كثيرة فأطيعوه وأخلصوا له النية والعمل يرزقكم ويغنمكم خير ما تأملون وترجون وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: مثل هذا الرجل الذي قتلتموه رغبة في غنمه كنتم تستخفون بإيمانكم خوفاً من قومكم ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بأن أظهر دينه ونصركم فلم تعودوا تخفون دينكم. وعليه فتبينوا

стр. 526

مستقبلاً، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكدوا من كفره١ وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ تذييل يحمل الوعد والوعيد، الوعد لمن أطاع، والوعيد لمن عصى، إذ لازم كونه تعالى خبيراً بالأعمال أنه يحاسب عليه ويجزي بها، وهو على كل شيء قدير. هداية الآية من هداية الآية: ١- مشروعية السير في سبيل الله غزواً وجهاداً٢. ٢- وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ. ٣- ذم الرغبة في الدنيا لا سيما إذا كانت تتعارض مع التقوى. ٤- الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة. ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أُولِي الضَّرَرِ﴾ : هم العميان والعرج والمرضى. ﴿دَرَجَةً﴾ : منزلة عالية في الجنة. ﴿الْحُسْنَى﴾ : الجنة.

стр. 527

معنى الآيتين: روى أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... ﴾ الآية. أتى النبي ﷺ فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله فما برح حتى نزلت ﴿غَيْرُ أُولِي١ الضَّرَرِ﴾ فأدخلت بين جملتي ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... ﴾ ، ومعنى الآية: إن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله ونفسه ومن لا يجاهد بخلاً بماله. وضناً بنفسه، واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا لحسن نياتهم، وعدم استطاعتهم، فلذا قال: ﴿وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ التي هي: الجنة، وقوله: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ أي: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لعذر درجة، وإن كان الجميع لهم الجنة، وهي الحسنى. وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ لغير عذر ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ وهو الدرجات٢ العالية مع المغفرة والرحمة، وذلك لأن الله تعالى كان أزلاً وأبداً غفوراً رحيما، ولذا غفر لهم ورحمهم، اللهم اغفر لنا وارحمنا معهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان فضل المجاهدين على غيرهم من المؤمنين الذين لا يجاهدون. ٢- أصحاب الأعذار الشرعية ينالون أجر المجاهدين إن كانت لهم رغبة في الجهاد ولم يقدروا عليه لما قام بهم من٣ أعذار وللمجاهدين فعلاً درجة تخصهم دون ذوي الأعذار.

стр. 528

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ : تفيض أرواحهم عند نهاية آجالهم. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ١﴾ : بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم. ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ : في أي شيء كنتم من دينكم؟ ﴿مَصِيراً﴾ : مأوى ومسكناً. ﴿حِيلَةً﴾ : قدرة على التحول. ﴿مُرَاغَماً﴾ : مكاناً وداراً لهجرته يرغم ويذل به من كان يؤذيه في داره. ﴿وَسَعَةً﴾ : في رزقه. ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ : وجب أجره في هجرته على الله تعالى. معنى الآيات: لما كانت الهجرة من آثار الجهاد ناسب ذكر القاعدين عنها لضرورة ولغير ضرورة فذكر

стр. 529

تعالى في هذه الآيات الهجرة وأحكامها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ١ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حيث تركوا الهجرة ومكثوا في دار الهون يضطهدهم العدو ويمنعهم من دينهم ويحول بينهم وبين عبادة ربهم. هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم ﴿فِيمَ كُنْتُمْ٢﴾ ؟ تسألهم هذا السؤال؛ لأن أرواحهم مدساة مظلمة لأنها لم تزك على الصالحات، فيقولون متعذرين: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ فلم نتمكن من تطهير أرواحنا بالإيمان وصالح الأعمال، فترد عليهم الملائكة قولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وتعبدوا ربكم؟ ثم يعلن الله عن الحكم فيهم بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البعداء ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وساءت جهنم مصيراً يصيرون إليه ومأوى ينزلون فيه. ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار كما استثناهم في القعود عن الجهاد في الآيات قبل هذه فقال عز من قائل: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ٣ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ ، واستضعاف الرجال يكون بالعلل٤، والنساء والولدان بالضعف الملازم لهم، هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة، أي: لا قدرة لهم على التحول والانتقال لضعفهم، ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ إلى دار الهجرة لعدم خبرتهم بالدروب والمسالك فطمعهم تعالى ورجاهم بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المذكورون ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فلا يؤاخذهم ويغفر لهم بعض ما قصروا فيه ويرجمهم لضعفهم وكان الله غفوراً رحيماً. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث. أما الآية الرابعة (١٠٠) فقد أخبر تعالى فيها أن من يهاجر في سبيله تعالى لا في سبيل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها يجد بإذن الله تعالى في الأرض مذهباً يذهب إليه وداراً ينزل بها ورزقاً واسعاً يراغم به عدوه الذي اضطهده حتى هاجر من بلاده، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً

стр. 530

في سبيل الله، أي: لأجل عبادته ونصرة دينه ثم مات في طريق هجرته وإن لم يصل إلى دار الهجرة فقد وجب أجره على الله تعالى، وسيوفاه كاملاً غير منقوص، ويغفر الله تعالى له ما كان من تقصير سابق ويرحمه فيدخله جنته. إذ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ١ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الهجرة٢ عندما يحال بين المؤمن وعبادة ربه تعالى إذ لم يخلق إلا لها. ٢- ترك الهجرة كبيرة من كبائر الذنوب يستوجب صاحبها دخول النار. ٣- أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة. ٤- فضل الهجرة في سبيل الله تعالى. ٥- من مات في طريق هجرته أعطى أجر المهاجر كاملاً غير منقوص وهو الجنة. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً (٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ
следующие страницы →