← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مستقبلاً، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكدوا من كفره١ وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ تذييل يحمل الوعد والوعيد، الوعد لمن أطاع، والوعيد لمن عصى، إذ لازم كونه تعالى خبيراً بالأعمال أنه يحاسب عليه ويجزي بها، وهو على كل شيء قدير. هداية الآية من هداية الآية: ١- مشروعية السير في سبيل الله غزواً وجهاداً٢. ٢- وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ. ٣- ذم الرغبة في الدنيا لا سيما إذا كانت تتعارض مع التقوى. ٤- الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة. ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أُولِي الضَّرَرِ﴾ : هم العميان والعرج والمرضى. ﴿دَرَجَةً﴾ : منزلة عالية في الجنة. ﴿الْحُسْنَى﴾ : الجنة.

стр. 527

معنى الآيتين: روى أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... ﴾ الآية. أتى النبي ﷺ فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله فما برح حتى نزلت ﴿غَيْرُ أُولِي١ الضَّرَرِ﴾ فأدخلت بين جملتي ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... ﴾ ، ومعنى الآية: إن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله ونفسه ومن لا يجاهد بخلاً بماله. وضناً بنفسه، واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا لحسن نياتهم، وعدم استطاعتهم، فلذا قال: ﴿وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ التي هي: الجنة، وقوله: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ أي: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لعذر درجة، وإن كان الجميع لهم الجنة، وهي الحسنى. وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ لغير عذر ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ وهو الدرجات٢ العالية مع المغفرة والرحمة، وذلك لأن الله تعالى كان أزلاً وأبداً غفوراً رحيما، ولذا غفر لهم ورحمهم، اللهم اغفر لنا وارحمنا معهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان فضل المجاهدين على غيرهم من المؤمنين الذين لا يجاهدون. ٢- أصحاب الأعذار الشرعية ينالون أجر المجاهدين إن كانت لهم رغبة في الجهاد ولم يقدروا عليه لما قام بهم من٣ أعذار وللمجاهدين فعلاً درجة تخصهم دون ذوي الأعذار.

стр. 528

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) ﴾ شرح الكلمات: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ : تفيض أرواحهم عند نهاية آجالهم. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ١﴾ : بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم. ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ : في أي شيء كنتم من دينكم؟ ﴿مَصِيراً﴾ : مأوى ومسكناً. ﴿حِيلَةً﴾ : قدرة على التحول. ﴿مُرَاغَماً﴾ : مكاناً وداراً لهجرته يرغم ويذل به من كان يؤذيه في داره. ﴿وَسَعَةً﴾ : في رزقه. ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ : وجب أجره في هجرته على الله تعالى. معنى الآيات: لما كانت الهجرة من آثار الجهاد ناسب ذكر القاعدين عنها لضرورة ولغير ضرورة فذكر

стр. 529

تعالى في هذه الآيات الهجرة وأحكامها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ١ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حيث تركوا الهجرة ومكثوا في دار الهون يضطهدهم العدو ويمنعهم من دينهم ويحول بينهم وبين عبادة ربهم. هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم ﴿فِيمَ كُنْتُمْ٢﴾ ؟ تسألهم هذا السؤال؛ لأن أرواحهم مدساة مظلمة لأنها لم تزك على الصالحات، فيقولون متعذرين: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ فلم نتمكن من تطهير أرواحنا بالإيمان وصالح الأعمال، فترد عليهم الملائكة قولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وتعبدوا ربكم؟ ثم يعلن الله عن الحكم فيهم بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البعداء ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وساءت جهنم مصيراً يصيرون إليه ومأوى ينزلون فيه. ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار كما استثناهم في القعود عن الجهاد في الآيات قبل هذه فقال عز من قائل: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ٣ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ ، واستضعاف الرجال يكون بالعلل٤، والنساء والولدان بالضعف الملازم لهم، هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة، أي: لا قدرة لهم على التحول والانتقال لضعفهم، ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ إلى دار الهجرة لعدم خبرتهم بالدروب والمسالك فطمعهم تعالى ورجاهم بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المذكورون ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فلا يؤاخذهم ويغفر لهم بعض ما قصروا فيه ويرجمهم لضعفهم وكان الله غفوراً رحيماً. هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث. أما الآية الرابعة (١٠٠) فقد أخبر تعالى فيها أن من يهاجر في سبيله تعالى لا في سبيل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها يجد بإذن الله تعالى في الأرض مذهباً يذهب إليه وداراً ينزل بها ورزقاً واسعاً يراغم به عدوه الذي اضطهده حتى هاجر من بلاده، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً

стр. 530

في سبيل الله، أي: لأجل عبادته ونصرة دينه ثم مات في طريق هجرته وإن لم يصل إلى دار الهجرة فقد وجب أجره على الله تعالى، وسيوفاه كاملاً غير منقوص، ويغفر الله تعالى له ما كان من تقصير سابق ويرحمه فيدخله جنته. إذ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ١ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب الهجرة٢ عندما يحال بين المؤمن وعبادة ربه تعالى إذ لم يخلق إلا لها. ٢- ترك الهجرة كبيرة من كبائر الذنوب يستوجب صاحبها دخول النار. ٣- أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة. ٤- فضل الهجرة في سبيل الله تعالى. ٥- من مات في طريق هجرته أعطى أجر المهاجر كاملاً غير منقوص وهو الجنة. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً (٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ

стр. 531

كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) ﴾ شرح الكلمات: ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ : أي: مسافرين مسافة قصر، وهي: أربعة برد، أي: ثمانية وأربعون ميلاً. ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ : بأن تصلوا الظهرين ركعتين ركعتين، والعشاء ركعتين لطولها. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ : هذا خرج مخرج الغالب، فليس الخوف بشرط في القصر وإنما الشرط السفر١. ﴿حِذْرَهُمْ﴾ : الحيطة والأهبة لما عسى أن يحدث من العدو. ﴿أَسْلِحَتِكُمْ﴾ : جمع سلاح ما يقاتل به من أنواع الأسلحة. ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ : أي: لا تضييق عليكم ولا حرج في وضع الأسلحة للضرورة.

стр. 532

﴿قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ : أديتموها وفرغتم منها. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ : أي: ذهب الخوف فحصلت الطمأنينة بالأمن. ﴿كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ : فرضاً ذات وقت معين تؤدى فيه لا تتقدمه ولا تتأخر عنه. ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ : أي: لا تضعفوا. ﴿تَأْلَمُونَ﴾ : تتألمون. معنى الآيات: بمناسبة الهجرة والسفر من لوازمها ذكر تعالى رخصة قصر الصلاة في السفر وذلك بتقصير الرباعية إلى ركعتين فقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي: سرتم فيها١ مسافرين ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي: حرج وإثم في ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبينت السنة أن المسافر يقصر ولو أمن فهذا القيد غالي فقط، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ تذييل أريد به تقرير عداوة الكفار للمؤمنين، فلذا شرع لهم هذه الرخصة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٠١) ، أما الآيتان بعدها فقد بينت صلاة الخوف وصورتها: أن ينقسم الجيش قسمين قسم يقف تجاه العدو وقسم يصلي مع القائد ركعة، ويقف الإمام مكانه فيتمون لأنفسهم ركعة، ويسلمون ويقفون تجاه العدو، ويأتي القسم الذي كان واقفاً تجاه العدو فيصلي بهم الإمام القائد ركعة ويسلم ويتمون لأنفسهم ركعة ويسلمون، وفي كلا الحالين هم آخذون أسلحتهم لا يضعونها على الأرض خشية أن يميل عليهم العدو وهم عزل فيكبدهم خسائر فادحة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ٢ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ

стр. 533

وَرَائِكُمْ﴾ يريد الطائفة الواقعة تجاه العدو لتحميهم منه ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ١ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ٢ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ سبق هذا الكلام لبيان علة الصلاة طائفة بعد أخرى والأمر بالأخذ بالحذر وحمل الأسلحة في الصلاة، ومن هنا رخص تعالى لهم إن كانوا مرضى وبهم جراحات أو كان هناك مطر فيشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم فقال : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ٣﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ تذييل لكلام محذوف ودل عليه السياق قد يكون تقديره فإن الكفار فجرة لا يؤمن جانبهم، ولذا أعد الله لهم عذاباً مهيناً، وإنما وضع الظاهر مكان المضمر إشارة إلى علة الشر والفساد التي هي الكفر. وقوله تعالى في آية (١٠٣) ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا٤ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ فإنه تعالى يأمر المؤمنين بذكره في كل الأحيان لا سيما في وقت لقاء العدو لما في ذلك من القوة الروحية التي تقهر القوى المادية وتهزمها، فلا يكتفي المجاهدون بذكر الله في الصلاة فقط بل إذا قضوا الصلاة لا يتركون ذكر الله في كل حال وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يريد إذا ذهب الخوف وحل الأمن واطمأنت النفوس أقيموا الصلاة بحدودها وشرائطها وأركانها تامة كاملة، لا تخفيف فيها كما كانت في حال الخوف إذ قد تصلي ركعة واحد، وقد تصلي إيماء وإشارة فقط وذلك إذا التحم المجاهدون بأعدائهم. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ تعليل للأمر بإقام الصلاة فأخبر أن الصلاة مفروضة على المؤمنين وأنها موقوتة بأوقات لا تؤدى إلا فيها. وقوله تعالى في آية (١٠٤) ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب العدو

стр. 534

لإنزال الهزيمة به. ولا تتعللوا في عدم طلبهم بأنكم تألمون لجراحتكم ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ﴾ من النصر والمثوبة العظيمة ﴿مَا لا يَرْجُونَ﴾ فأنتم أحق بالصبر والجلد والمطالبة بقتالهم حتى النصر عليهم، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ فيه تشجيع للمؤمنين على مواصلة الجهاد، لأن علمهم بأن الله تعالى عليم بأحوالهم والظروف الملابسة لهم وحكيم في شرعه بالأمر والنهي لهم يطمئنهم على حسن العافية لهم بالنصر على أعدائهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية صلاة القصر، وهي رخصة١ أكدها رسول الله ﷺ بقوله وعمله فأصبحت سنة مؤكدة لا ينبغي تركها. ٢- مشروعية صلاة الخوف وبيان كيفيتها. ٣- تأكد صلاة الجماعة بحيث لا تترك حتى في ساعة الخوف والقتال. ٤- استحباب ذكر الله تعالى بعد الصلاة وعلى كل حال من قيام وقعود واضطجاع. ٥- ةتقرير فريضة الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها الموقوتة لها. ٦- حرمة الوهن والضعف إزاء حرب العدو والاستعانة على قتاله بذكر الله ورجائه. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ

стр. 535

مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ : أي: بما علمكه بواسطة الوحي. ﴿خَصِيماً﴾ : أي: مخاصماً بالغاً في الخصومة مبلغاً عظيماً. ﴿تُجَادِلْ﴾ : تخاصم. ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ : يحاولون خيانة أنفسهم. ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ : يطلبون إخفاء أنفسهم عن الناس. ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ : بعلمه تعالى وقدرته. ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ : يدبرون الأمر في خفاء ومكر وخديعة. ﴿وَكِيلاً﴾ : الوكيل: من ينوب عن آخر في تحقيق غرض من الأغراض. معنى الآيات: روي أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق وإخوته١، وكان قد سرق درعاً من دار جارٍ له يقال له قتادة وودعها عند يهودي، يقال له: يزيد بن السمين، ولما اتهم طعمة وخاف هو وإخوته المعرة رموا بها اليهودي، وقالوا هو السارق، وأتوا رسول الله ﷺ وحلفوا على براءة أخيهم فصدقهم رسول الله ﷺ وهم بقطع يد اليهودي لشهادة بني أبيرق عليه وإذا بالآيات تنزل ببراءة اليهودي وإدانة طعمة، ولما افتضح طعمة وكان منافقاً أعلن عن ردته وهرب إلى مكة المكرمة ونقب جدار منزل ليسرق فسقط عليه الجدار فمات تحته كافراً.. وهذا تفسير لآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، أيها الرسول ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ٢

стр. 536

النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ١ اللهُ﴾ أي: بما أعلمك وعرفك به لا بمجرد رأي رآه غيرك من الخائنين وعاتبه ربه تعالى بقوله: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: مجادلاً عنهم، فوصم تعالى بني أبيرق بالخيانة، لأنهم خانوا أنفسهم بدفعهم التهمة عنهم بأيمانهم الكاذبة. ﴿وَاسْتَغْفِرِ٢ اللهَ﴾ من أجل ما هممت به من عقوبة اليهودي، ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ فيغفر لك ما هممت به ويرحمك ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث اتهموا اليهودي كذباً وزوراً، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ كطعمة بن أبيرق ﴿يَسْتَخْفُونَ٣ مِنَ النَّاسِ﴾ حياء منهم، ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ ولا يستحيون منه، وهو تعالى معهم في الوقت الذي كانوا يدبرون كيف يخرجون من التهمة بإلصاقها باليهودي البريء، وعزموا أن يحلفوا على براءة أخيهم واتهام اليهودي هذا القول مما لا يرضاه الله تعالى.. وقوله : ﴿وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ فما قام به طعمة من سرقة الدرع ووضعها لدى اليهودي ثم اتهامهم اليهودي، وحلفهم على براءة أخيهم كل ذلك جرى تحت علم الله تعالى، والله به محيط، فسبحانه من إله عظيم. وقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أي: يا هؤلاء ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ هذا الخطاب موجه إلى الذين وقفوا إلى جنب بني أبيرق يدفعون عنهم التهمة فعاتبهم الله تعالى بقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ ، اليوم في هذه الحياة الدنيا لتدفعوا عنهم تهمة السرقة ﴿فَمَنْ٤ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ يتولى الدفاع عنهم في يوم لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً والأمر كله لله فتضمنت الآية تقريعاً شديداً لا يقف أحد بعد موقفاً مخزياً كهذا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . ٢- لا يجوز الوقوف إلى جنب الخونة الظالمين نصرة لهم

стр. 537

٣- وجوب الاستغفار من الذنب كبيراً كان أو صغيراً. ٤- وجوب بغض الخوان الأثيم أياً كان. ٥- استحباب الوعظ والتذكير بأحوال يوم القيامة. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿سُوءاً﴾ : السوء: ما يسيء إلى النفس أو إلى الغير. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ : ظلم النفس: بغشيان الذنوب وارتكاب الخطايا. ﴿إِثْماً﴾ : الإثم: ما كان ضاراً بالنفس فاسداً. ﴿بَرِيئاً﴾ : البريء: من لم يجن جناية قد اتهم بها. ﴿احْتَمَلَ بُهْتَاناً﴾ : تحمل بهتاناً: وهو الكذب المحير لمن رمي به. ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ : الكتاب: القرآن والحكمة السنة. معنى الآيات: هذا السياق معطوف على سابقه في حادثة طعمة بن أبيرق، وهو يحمل الرحمة الإلهية لأولئك الذين تورطوا في الوقوف إلى جنب الخائن ابن أبيرق فأخبرهم تعالى أن من يعمل

стр. 538

سوءاً يؤذي به غيره أو يظلم نفسه بارتكاب ذنب من الذنوب ثم يتوب إلى الله تعالى باستغفاره والإنابة إليه يتب الله تعالى عليه ويقبل توبته وهو معنى قوله تعالى في الآية (١١٠) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ١ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ يغفر له ويرحمه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً﴾ أي: ذنباً من الذنوب صغيرها وكبيرها ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إذ هي التي تتدسى به وتؤاخذ بمقتضاه إن لم يغفر لها. ولا يؤاخذ به غيرها وكان الله عليماً، أي: بذنوب عباده حكيماً، أي: في مجازاتهم بذنوبهم فلا يؤاخذ نفساً بغير ما اكتسب ويترك نفساً قد اكتسبت (١١٢) يخبر تعالى أن من يرتكب خطيئة ضد أحد، أو يكسب إثماً ويرمي به أحداًً بريئاً منه قد تحمل تبعة عظيمة قد تصليه نار جهنم وهو معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ٢ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ . وفي الآية (١١٣) يواجه الله تعالى رسوله بالخطاب ممتنا ًعليه بما حباه به من الفضل والرحمة فيقول: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، والمراد بالطائفة التي ذكر الله تعالى هم بنو أبيرق أخوة طعمة وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ٣﴾ ، فهو كما قال ضلالهم عائد عليهم أما الرسول فلن يضره ذلك وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ امتنان من الله تعالى على رسوله بأنه أنزل عليه القرآن أعظم الكتب وأهداها وعلمه الحكمة وهي ما كشف له من أسرار الكتاب الكريم، وما أوحى إليه من العلوم والمعارف التي كلها نور وهدى مبين، وعلمه من المعارف الربانية ما لم يكن يعلم قبل ذلك وبهذا كان فضله على رسوله عظيماً، فلله الحمد والمنة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه. ٢- عظم ذنب من يكذب على البرآء، ويتهم الأمناء بالخيانة.

стр. 539

٣- تأثير الكلام على النفوس حتى أن الرسول ﷺ كاد يضلله بنو أبيرق فيبرئ الخائن ويدين البريء إلا أن الله عصمه. ٤- عاقبة الظلم عائدة على الظالم. ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (١١٥) ﴾ شرح الكلمات: ﴿نَجْوَاهُمْ١﴾ : النجوى: المسارة بالكلام، وجواهم: أحاديثهم التي يسرها بعضهم إلى بعض. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ٢﴾ : المعروف: ما عرفه الشرع فأباحه، أو استحبه أو أوجبه. ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ : أي: طلباً لمرضاة الله، أي: للحصول على رضا الله . ﴿نُؤْتِيهِ﴾ : نعطيه والأجر العظيم: الجنة وما فيها من نعيم مقيم. ﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ : يحاده ويقاطعه ويعاديه. كمن يقف في شق، والآخر في شق. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أي: يخرج عن إجماع المسلمين. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ : نخذله فتتركه وما تولاه من الباطل والشر والضلال حتى: يهلك فيه.

стр. 540

ونصله نار جهنم: أي: ندخله النار ونحرقه فيها. معنى الآيتين: ما زال السياق في بني أبيرق ففي الآية الأولى (١١٤) يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين ولا في نجواهم لنفاقهم وسوء طواياهم اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف١ استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان أو إصلاح بين الناس للإبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين. ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح٢ بين الناس طلباً لمرضاة الله تعالى فسوف يثيبه بأحسن الثواب ألا وهو الجنة دار السلام إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الثانية (١١٥) فإن الله تعالى يتوعد أمثال طعمة بن أبيرق، فيقول جل ذكره: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يخالفه ويعاديه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي: من بعد ما عرف أنه رسول الله حقاً جاء بالهدى ودين الحق، ثم هو مع معاداته للرسول يخرج من جماعة المسلمين ويتبع غير سبيلهم٣ هذا الشقي الخاسر ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه لكفره وضلاله خذلاناً له في الدنيا ثم نصله نار جهنم يحترف فيها، وبئس المصير جهنم يصير إليها المرء ويخلد فيها. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة تناجي اثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة. ٢- الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجماعاً كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين. ٣- حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم.

стр. 541

﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً (١٢١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ : أن يعبد معه غيره من مخلوقاته بأي عبادة كانت. ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ : أي: ما يدعون. ﴿إِلا إِنَاثاً﴾ : جمع أنثى لأن الآلهة مؤنثة، أو أمواتاً لأن الميت يطلق عليه لفظ أنثى بجامع عدم النفع. ﴿مَرِيداً﴾ : بمعنى ما رد على الشر والإغواء للفساد. ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ : حظاً معيناً. أو حصة معلومة. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ١﴾ : فليقطعن. ﴿خَلْقَ اللهِ﴾ : مخلوق الله: أي: ما خلقه الله تعالى. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ : الخبيث الماكر الداعي إلى الشر سواء كان جنياً أو إنسياً.

стр. 542

﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ : يجعلهم يتمنون كذا وكذا ليلهيهم عن العمل الصالح. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ١ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إخبار منه تعالى عن طعمة بن أبيرق بأنه لا يغفر له وذلك لموته على الشرك، أما إخوته الذين لم يموتوا مشركين فإن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء غفر لهم وإن شاء آخذهم كسائر مرتكبي الذنوب غير الشرك والفكر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ أي: ضل عن طريق النجاة والسعادة ببعده عن الحق بعداً كبيراً وذلك بإشراكه بربه تعالى غيره من مخلوقاته. وقوله تعالى ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً﴾ هذا بيان لقبح الشرك وسوء حال أهله، فأخبر تعالى أن المشركين ما يعبدون إلا أمواتاً لا يسمعون ولا يبصرون ولا ينطقون ولا يعقلون. إذ أوثانهم ميتة وكل ميت فهو مؤنث زيادة على أن أسماءها مؤنثة كاللات والعزى ومناة ونائلة، كما هم في واقع الأمر يدعون شيطاناً مريداً، إذ هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام فعبدوها فهم إذاً عابدون للشيطان في باطن الأمر لا الأوثان، ولذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً٢﴾ لعنه الله وأبلسه عن إبائه السجود لآدم، ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً٣﴾ أي: عدداً كبيراً منهم يعبدونني ولا يعبدونك وهم معلومون معروفون بمعصيتهم إياك، وطاعتهم لي. وواصل العدو تبجحه قائلاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يريد عن طريق الهدى ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ يريد أعوقهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة بأنهم لا يلقون عذاباً أو أنه سيغفر لهم. ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ﴾ فيطيعوني ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ٤﴾ أي: ليجعلون لآلهتهم نصيباً مما رزقنهم ويعلمونها بقطع آذانها لتعرف أنها للآلهة؛ كالبحائر والسوائب التي يجعلونها للآلهة، ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ﴾ أيضاً فيطيعونني فيغيرون خلق الله بالبدع

стр. 543

والشرك، والمعاصي كالوشم والخصي. هذا ما قاله الشيطان ذكره تعالى لنا فله الحمد. ثم قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ لأن من والى الشيطان عادى الرحمن، ومن عادى الرحمن تم له والله أعظم الخسران يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ فيعقوهم عن طلب النجاة والسعادة ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً﴾ إذ هو لا يملك من الأمر شيئاً فكيف يحقق لهم نجاة أو سعادة إذاً؟. وهذا حكم الله تعالى يعلن في صراحة ووضوح فليسمعوه: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: معدلاً أو مهرباً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- سائر الذنوب كبائرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك فلا يغفر لصاحبه. ٢- عبدة الأصنام والأوهام والشهوات والأهواء هم في الباطن عبدة الشيطان إذ هو الذي أمرهم فأطاعوه. ٣- من مظاهر طاعة الشيطان المعاصي كبيرها وصغيرها إذ هو الذي أمر بها وأطيع فيها. ٤- حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع١. ٥- سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً (١٢٢) ﴾ شرح الكلمات: ﴿آمَنُوا﴾ : صدقوا بالله ورسوله٢. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ : الطاعات إذ كل طاعة لله ورسوله هي عمل صالح.

стр. 544

﴿قِيلاً١﴾ : أي: قولاً. معنى الآية الكريمة: لما بين تعالى جزاء الشرك والمشركين عبدة الشيطان بين في٢ هذه الآية جزاء التوحيد والموحدين عبيد الرحمن ، وأنه تعالى سيدخلهم بعد موتهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وأن خلودهم مقدر فيها بإذن الله ربهم فلا يخرجون منها أبداً وعدهم ربهم بهذا وعد الصدق، وليس هناك من هو أصدق وعداً ولا قولاً من الله تعالى. هداية الآية من هداية الآية: ١- الإيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب٣ دخولها. ٢- صدق وعد الله تعالى، وصدق قوله . ٣- وجوب صدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث٤: "وإذا واعد أخلف". ٤- وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ

стр. 545

أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ : جمع أمنية: وهي ما يقدره المرء في نفسه ويشتهيه مما يتعذر غالباً تحقيقه. ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ : اليهود والنصارى. ﴿سُوءاً﴾ : كل ما يسيء من الذنوب والخطايا. ﴿وَلِيّاً﴾ : يتولى أمره فيدفع عنه المكروه. ﴿نَقِيراً﴾ : النقير: نقرة في ظهر النواة. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ : عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه الله تعالى. ﴿خَلِيلاً﴾ : الخليل: المحب الذي تخلل حبه مسالك النفس فهو أكبر من الحبيب. ﴿مُحِيطاً﴾ : علماً وقدرة إذ الكون كله تحت قهره ومدار بقدرته وعلمه. معنى الآيات: روي أن هذه الآية نزلت١ لما تلاحى مسلم ويهودي وتفاخرا، فزعم اليهودي أن نبيهم وكتابهم ودينهم وجد قبل كتاب ونبي المسلمين ودينهم فهم أفضل، ورد عليه المسلم بما هو الحق فحكم الله تعالى بينهما بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ من يهود ونصارى، أي: ليس الأمر والشأن بالأماني العذاب، وإنما الأمر والشأن في هذه القضية أنه سنة الله تعالى في تأثير الكسب الإرادي على النفس بالتزكية أو التدسية فمن عمل٢ سوءاً من الشرك والمعاصي، كمن عمل صالحاً من التوحيد والطاعات يجز بحسبه،

стр. 546

فالسوء يخبث النفس فيحرمها من مجاورة الأبرار والتوحيد والعمل الصالح يزكيها فيؤهلها لمجاورة الأبرار، ويبعدها عن مجاورة الفجار. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ لأن سنن الله؛ كأحكامه لا يقدر أحد على تغييرها أو تبديلها بل تمضي كما هي فلا ينفع صاحب السوء أحد، ولا يضر صاحب الحسنات آخر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ فإنه تقرير لسنته تعالى في تأثير الكسب على النفس والجزاء بحسب حال النفس زكاة وطهراً وتدسية وخبثاً، فإنه من يعمل الصالحات وهو مؤمن تطهر نفسه ذكراً كان أو أنثى ويتأهل بذلك لدخول الجنة، ولا يظلم مقدار نقير فضلاً عما هو أكثر وأكبر وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ١ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ إشادة منه تعالى وتفضيل للدين الإسلامي على سائر الأديان غذ هو قائم على أساس إسلام الوجه٢ لله وكل الجوارح تابعة له تدور في فلك طاعة الله تعالى مع الإحسان الكامل، وهو إتقان العبادة وأداؤها على نحو ما شرعها الله تعالى واتباع ملة إبراهيم بعبادة الله تعالى وحده والكفر بما سواه من سائر الآلهة. وقوله ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ فيه زيادة تقرير فضل الإسلام الذي هو دين إبراهيم الذي اتخذه ربه خليلاً وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ زيادة على أنه إخبار بسعة ملك الله تعالى وسعة علمه وقدرته وفضله فإنه رفع لما قد يتوهم من خلة إبراهيم أن الله تعالى مفتقر إلى إبراهيم أو له حاجة إليه، فأخبر تعالى أن له ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً، وإبراهيم في جملة ذلك فكيف يفتقر إليه أو يحتاج إلى مثله وهو رب كل شيء وملكه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإحسان. ٢- الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ

стр. 547

الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ . ٣- فضل الإسلام على سائر الأديان. ٤- شرف إبراهيم ﵇ باتخاذه ربه١ خليلاً. ٥- غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه . ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً (١٣٠) ﴾

стр. 548

شرح الكلمات: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ١﴾ : يطلبون منك الفتيا في شأن النساء وميراثهن. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ : يقرأ عليكم في القرآن. ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ : ما فرض لهن من المهور والميراث. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ : بالعدل. ﴿نُشُوزاً﴾ : ترفعاً وعدم طاعة. ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ : جلبت النفوس على الشح فلا يفارقها أبداً. ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ : فتركتوها كالمعلقة ما هي بالمزوجة ولا المطلقة. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ : من رزقه الواسع. ﴿وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ : واسع الفضل حكيماً يعطي فضله حسب علمه وحكمته. معنى الآيات: هذه الآيات الأربع كل آية منها تحمل حكماً شرعياً خاصاً فالأولى (١٢٧) نزلت إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب حول حقوق النساء ما لهن وما عليهن لن العرف الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال من الميراث بالمر، وكان اليتامى لا يراعى لهم جانب ولا يحفظ لهم حق كامل، فلذا نزلت الآيات الأولى من هذه السورة وقررت حق المرأة والطفل في الإرث وحضت على المحافظة على مال اليتيم وكثرت التساؤلات لعل قرآناً ينزل إجابة لهم حيث اضطربت نفوسهم لما نزل فنزلت هذه الآية الكريمة تردهم إلى ما في أول السورة وأنه الحكم النهائي في القضية فلا مراجعة بعد هذه، فقال تعالى وهو يخاطب نبيه ﷺ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ أي: وما زالوا يستفتونك في النساء، أي: في شأن مالهن وما عليهن من حقوق؛ كالإرث والمهر وما إلى ذلك. قل لهم أيها الرسول ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وقد أفتاكم فيهن وبين لكم مالهن وما عليهن. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء في أول السورة كافٍ لا تحتاجون معه إلى من يفتيكم أيضاً، إذ بين لكم أن من كانت تحته يتيمة دميمة لا يرغب في نكاحها فليعطها مالها وليزوجها غيره وليتزوج هو من

стр. 549

شاء، ولا يحل له أن يحبسها في بيته لأجل مالها، وإن كانت جميلة وأراد أن يتزوجها فليعطها مهر مثيلاتها ولا يبخسها حقها من مهرها شيئاً. وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ أي: وقد أفتاكم بما يتلى عليكم من الآيات في أول السورة في المستضعفين من الولدان حيث قد أعطاهم حقهم وافياً في آية ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية. فلم هذه المراجعات والاستفتاءات؟ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أي: وما تلى عليكم في أول السورة كان آمراً إياكم بالقسط لليتامى والعدل في أموالهم فارجعوا إليه في قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ ، وقوله تعالى في ختام الآية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ حث لهم على فعل الخير بالإحسان إلى الضعيفين المرأة واليتيم زيادة على توفيتهما حقوقهما وعدم المساس بها. هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ ... ﴾ إلخ. أما الآية الثانية (١٢٨) ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ١ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ٢ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ فقد تضمنت حكماً عادلاً رحيماً وإرشاداً ربانياً سديداً وهو أن الزوجة إذا توقعت من زوجها نشوزاً، أي: ترفعاً أو إعراضاً عنها، وذلك لكبر سنها أو لقلة جمالها، وقد تزوج غيرها في هذا الحال في الإمكان أن تجري مع زوجها صلحاً يحفظ لها بقاءها في بيتها عزيزة محترمة فتتنازل له عن بعض حقها في الفراش وعن بعض ما كان واجباً لها وهذا خير لها من الفراق. ولذا قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ٣﴾ يريد أن الشح ملازم للنفس البشرية لا يفارقها والمرأة كالرجل في هذا إلا أن المرأة أضمن وأشح بنصيبها في الفراش وبباقي حقها من زوجها. إذاً فليراع الزوج هذا، ولذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ أيها الأزواج إلى نسائكم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله تعالى

стр. 550

فيهن فلا تحرموهن ما لهن من حق في الفراش وغيره فإن الله تعالى يجزيكم بالإحسان إحساناً وبالخير خيراً فإنه تعالى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ . هذا ما دلت عليه الآية (١٢٨) وأما الآية الثالثة (١٢٩) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ١ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ فقد تضمنت حقيقة كبرى وهي عجز الزوج عن العدل بين زوجاته اللائي في عصمته، فمهما حرص على العدل وتوخاه فإنه لن يصل إلى منتهاه أبداً، والمراد بالعدل هنا في الحب والجماع. أما في القسمة والكساء والغذاء والعشرة بالمعروف فهذا مستطاع له، ولما علم تعالى هذا من عبده رخص له في ذلك ولم يؤاخذه بميلة النفس، كما قال رسول الله ﷺ : " اللهم هذا قسمي٢ فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" والمحرم على الزوج هو الميل٣ الكامل إلى إحدى زوجاته عن باقيهن، لأن ذلك يؤدي أن تبقى المؤمنة في وضع لا هي متزوجة تتمنع بالحقوق الزوجية ولا هي مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ أي: أيها الأزواج في أعمالكم وفي القسم بين زوجاتكم وتتقوا الله تعالى في ذلك فلا تميلوا كل الميل، ولا تجوروا فيما تطيقون العدل فيه فإنه تعالى يغفر لكم ما عجزتم عن القيام به لضعفكم ويرحمكم في دنياكم وأخراكم لأن الله تعالى كان وما زال عفواً للتائبين رحيما ًبالمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة، أما الآية الرابعة (١٣٠) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ٤ وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ فإن الله تعالى يعد الزوجين الذين لم يوفقا للإصلاح بينهما لشح كل منهما بماله وعدم التنازل عن شيء من ذلك يعدهما ربهما إن هم تفرقا بالمعروف أن يغني كلا من سعته، وهو الواسع الحكيم. فالمرأة يرزقها زوجاً خيراً من زوجها الذي فارقته، والرجل يرزقه كذلك امرأة خيراً ممن فارقها لتعذر الصلح بينهما.

стр. 551

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها. ٢- استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به. ٣- تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش، والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف. ٤- الترغيب في الإصلاح والتقوى وفعل الخيرات. ٥- الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإصلاح والتقوى أعقبت خيراً عاجلاً آجلاً. ﴿وَلِلَّهِ١ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) ﴾

стр. 552

شرح الكلمات: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ : أي: خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً. ﴿وَصَّيْنَا﴾ : عهدنا إليهم بذلك أي: التقوى. ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : اليهود والنصارى. الوكيل: من يفوض إليه الأمر كله ويقوم بتدبيره على أحسن الوجوه. ﴿ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ : جزاء العمل لها. ثواب الآخرة: جزاء العمل لها، وهو الجنة. ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ : سمعياً: لأقوال العباد بصيراً: بأعمالهم وسيجزيهم بها خيراً أو شراً. معنى الآيتين: لما وعد ﵎ كلا من الزوجين المتفرقين بالإغناء عن صاحبه ذكر أنه يملك ما في السموات وما في الأرض، ولذا فهو قادر على إنائهما لسعة ملكه وعظيم فضله، ثم واجه بالخطاب الكريم الأمة جمعاً ومن بينها بني أبيرق فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يريد من اليهود والنصارى وغيرهم أوصاهم بتقواه فلا يقدموا على مشاقته ولا يخرجوا عن طاعته بترك ما أوجب أو بفعل ما حرم، ثم أعلمهم أنهم وإن كفروا كما كفر طعمة وارتد فإن ذلك غير ضائره شيئاً، لأنه ذو الغنى والحمد، وكيف وله جميع ما في السموات وما في الأرض من كائنات ومخلوقات وهو ربها ومالكها والمتصرف فيها. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٣١) ، أما الآية الثانية (١٣٢) فقد كرر تعالى فيها الإعلان عن استحقاقه الحمد والغنى، وذلك لملكه جميع ما في السموات وما في الأرض ولقيوميته عليهما، وكفى به تعالى حافظاً ووكيلاً. وفي الآية الثالثة (١٣٣) يخبر تعالى أنه قادر على إذهاب كافة الجنس البشري واستبداله بغيره وهو على كل ذلك قدير، فقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ١ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ وذلك لعظيم قدرته وكفاية وكالته. وفي الآية الرابعة والأخيرة في هذا السياق (١٣٤) يقول تعالى مرغباً عباده فيما عنده من خير الدنيا والآخرة من كان يريد

стр. 553

بعمله ثواب١ الدنيا ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ فلم يقصر العبد عمله على ثواب الدنيا، وهو يعلم أن ثواب الآخرة عند الله أيضاً، فليطلب الثوابين معاً من الله تعالى، وذلك بالإيمان والتقوى والإحسان، وسيجزيه تعالى بعمله ولا ينقصه له وذلك لعلمه تعالى وقدرته، ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً٢﴾ ، ومن كان كذلك فلا يخاف معه ضياع الأعمال. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات. ٢- غنى الله تعالى عن سائر خلقه. ٣- قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإتيان بغيرهم. ٤- وجوب الإخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا

стр. 554

ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿قَوَّامِينَ﴾ : جمع قوام: وهو كثير القيام بالعدل. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ : بالعدل وهو الاستقامة والتسوية بين الخصوم. ﴿شُهَدَاءَ﴾ : جمع شهيد: بمعنى شاهد. ﴿الْهَوَى﴾ : ميل النفس إلى الشيء ورغبتها فيه. ﴿تَلْوُوا﴾ : أي: ألسنتكم باللفظ تحريفاً له حتى لا تتم الشهادة على وجهها. ﴿تُعْرِضُوا﴾ : تتركوا الشهادة أو بعض كلماتها ليبطل الحكم. معنى الآيات: قوله تعالى في هذه الآية (١٣٥) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ إذ بشهادتكم ينتقل الحق من شخص إلى آخر حيث أقامكم الله ربكم شهداء له في الأرض تؤدى بواسطتكم الحقوق إلى أهلها، وبناء على هذا فأقيموا الشهادة لله ولو شهادتكم على أنفسكم١ أو والديكم أو أقرب الناس إليكم وسواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا يحملنكم غنى الغنى ولا فقر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها، فالله تعالى ربهمها أولى بهما وهو يعطي ويمنع بشهادتكم فأقيموها وحسبكم ذلك واعلموا أنكم إن تلووا٢ ألسنتكم بالشهادة تحريفاً لها وخروجاً بها عن أداء ما يترتب عليها أو تعرضوا عنها فتتركوها أو تتركوا بعض كلماتها فيفسد معناها ويبطل مفعولها فإن الله بعملكم ذلك وبغيره خبير وسوف يجزيكم به فيعاقبكم في الدنيا أو في الآخرة ألا فاحذروا. هذه الآية الكريمة يدخل فيها دخولاً أولياً من شهدوا لأبناء أبيرق بالإسلام والصلاح كما هي

стр. 555

خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة وهي أعظم آية في هذا الباب فليتق الله المؤمنون في شهاداتهم. أما الآية الثانية (١٣٦) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ﴾ فهي في خطاب أهل الكتاب خاصة وفي سائر المؤمنين عامة، فالمؤمنون تدعوهم إلى تقوية إيمانهم ليبلغوا فيه مستوى اليقين، أما أهل الكتاب فهي دعوة لهم للإيمان الصحيح، لأن إيمانهم الذي هم عليه غير سليم، فلذا دعوا إلى الإيمان الصحيح فقيل لهم: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وهو القرآن الكريم، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو التوراة والإنجيل، لأن اليهود لا يؤمنون بالإنجيل، ثم أخبرهم محذراً لهم أن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ﴾ طريق الهدى والسعادة ﴿ضَلالا بَعِيداً﴾ لا ترجى هدايته، وعليه فسوف يهلك ويخسر خسراناً أبدياً. ثم أخبرهم تعالى في الآية بعد هذه (١٣٧) مقرراً الحكم بالخسران الذي تضمنته الآية قبلها فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا١﴾ بمحمد ﷺ ، وكتابه وبما جاء به ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ﴾ أي: لم يكن في سنة الله أن يغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً ينجون به ويسعدون فيه ألا فليحذر اليهود والنصارى هذا وليذكروه، وإلا فالخلود في نار جهنم لازم لهم ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- وجوب العدل في القضاء والشهادة. ٢- حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي٢ عن الشهادة لمن تعينت عليه. ٣- وجوب الاستمرار على الإيمان وتقويته حتى الموت عليه. ٤- بيان أركان الإيمان وهي الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر٣.

стр. 556

٥- المرتد يستتاب ثلاثة أيام وإلا قتل كفراً أخذاً من قوله: ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ . ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ : البشارة: الخير الذي تتأثر به بشرة من يلقى عليه خيراً كان أو شراً. والمنافق: من يبطن الكفر ويظهر الإيمان تقية ليحفظ دمه وماله. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ : يوالونهم محبة ونصرة لهم على المؤمنين. ﴿الْعِزَّةَ﴾ : الغلبة والمنعة. ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ : يذكونها استخفافاً بها وإنكاراً وجحوداً لها. ﴿يَخُوضُوا﴾ : يتكلموا في موضوع آخر من موضوعات الكلام. ﴿مِثْلُهُمْ﴾ : أي: في الكفر والإثم. ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ : ينتظرون متى يحصل لكم انهزام أو إنكسار: فيعلنون عن كفرهم. ﴿نَصِيبٌ﴾ : أي: من النصر وعبر عنه بالنصيب القليل لأن انتصارهم على المؤمنين نادر.

стр. 557

﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ : أي: نستول عليكم ونمنعكم من المؤمنين إن قاتلوكم. ﴿سَبِيلاً﴾ : أي: طريقاً إلى إذلالهم واستعبادهم والتسلط عليهم. معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ يأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة؛ لأن المخبر به يسوء وجوههم وهو العذاب الأليم، وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوأ العذاب وأشده، وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم، ثم وصفهم تعالى بأخس صفاتهم وشرها فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ١ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيعطون محبتهم ونصرتهم وولاءهم للكافرين ويمنعون ذلك المؤمنين وذلك لأن قلوبهم كافرة آثمة لم يدخلها إيمان ولم يُنرها عمل الإسلام، ثم وبخهم تعالى ناعياً عليهم جهلهم فقال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ أي: يطلبون العزة، أي: المنعة والغلبة من الكافرين أجهلوا أم عموا فلم يعرفوا أن ﴿الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ فمن أعزه الله عز ومن أذله ذل، والعزة تطلب الإيمان وصالح الأعمال لا بالكفر والشر والفساد. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى (١٣٨) والثانية (١٣٩) . أما الآية الرابعة (١٤٠) فإن الله تعالى يؤدب المؤمنين فيذكرهم بما أنزل عليهم في سورة الأنعام حيث نهاهم عن مجالسة أهل الباطل إذا خاضوا في الطعن في آيات الله ودينه فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هذا الأدب أخذ الله تعالى به رسوله والمؤمنين، وهم في مكة قبل الهجرة لأن سورة الأنعام مكية ولما هاجروا إلى المدينة، وبدأ النفاق وأصبح للمنافقين مجالس خاصة ينتقدون فيها المؤمنين ويخوضون فيها في آيات الله تعالى استهزاء وسخرية ذكر الله تعالى المؤمنين بما أنزل عليهم في مكة فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ٢ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ٣ حَتَّى

стр. 558

يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً﴾ أي: إذا رضيتم بالجلوس معهم، وهم يخوضون في آيات الله ﴿مِثْلُهُمْ﴾ في الإثم والجريمة١، والجزاء أيضاً، ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ فهل ترضون أن تكونوا معهم في جهنم، وإن قلتم لا إذا فلا تجالسوهم. ثم ذكر تعالى وصفاً آخر للمنافقين يحمل التنفير منهم والكراهية والبغض لهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي: ينتظرون بكم الدوائر ويتحينون الفرص ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: نصر وغنيمة قالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ فأشركونا في الغنيمة، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ في النصر، قالوا لهم: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ٢ عَلَيْكُمْ﴾ أي: نستول عليكم ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن يقاتلوكم، فأعطونا مما غنمتم، وهكذا المنافقون يمسكون العصا من الوسط، فأي جانب غلب كانوا معه. ألا لعنة الله على المنافقين وما على المؤمنين إلا الصبر لأن مشكلة المنافقين عويصة الحل، فالله يحكم بينهم يوم القيامة. أما الكافرون الظاهرون فلن يجعل الله تعالى لهم على المؤمنين سبيلاً لا لاستئصالهم وإبادتهم، ولا لاذلالهم والتسلط عليهم ما داموا مؤمنين صادقين في إيمانهم٣. وهذا ما ختم الله تعالى به الآية الكريمة إذ قال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ٢- الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل، فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإيمان واتباع منهجه. ٣- حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية. ٤- الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإثم إثم. ٥- تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه

стр. 559

فيستأصلونهم، أو يذلونهم ويتحكمون فيهم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) ﴾ شرح الكلمات: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ : بإظهارهم ما يحب وهو الإيمان والطاعات، وإخفائهم الكفر والمعاصي. ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ : بالستر عليهم وعدم فضيحتهم، وبعدم إنزال العقوبة بهم. ﴿يُرَاؤُونَ﴾ : أي: يظهرون الطاعات للمؤمنين كأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين. ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ : أي: يترددون بين المؤمنين والكافرين فأي جانب عز كانوا معه. معنى الآيتين: يخبر تعالى أن المنافقين في سلوكهم الخاص يخادعون الله تعالى بإظهارهم الإيمان به وبرسوله وهم غير مؤمنين إذ الخداع أن تري من تخادعه ما يحبه منك وتستر عليه ما يكرهه والله تعالى عاملهم بالمثل فهو تعالى أراهم ما يحبونه وستر عليهم ما يكرهونه منه وهو العذاب١ المعد لهم عاجلاً أو آجلاً، كما أخبر تعالى إذا قاموا إلى أداء الصلاة قاموا كسالى٢ متباطئين؛ لأنهم لا يؤمنون بالثواب الأخروي، فلذا هم يراءون بالأعمال الصالحة المؤمنين حتى لا يتهمونهم بالكفر، كما أنهم لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً قليلاً في الصلاة٣ وخارج الصلاة،

стр. 560

وذلك لعدم إيمانهم بالله تعالى وعدم حبهم له كما أخبر عنهم بأنهم مذبذبون بين الكفر والإيمان والمؤمنين والكافرين فلا إلى الإيمان والمؤمنين يسكنون، ولا إلى الكفر والمنافقين يسكنون فهم في تردد وحسرة دائمون، وهذه حال من يضله الله فإن من يضلل الله لا يوجد لهدايته سبيل. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان صفات المنافقين١. ٢- قبح الرياء وذم المرائين. ٣- ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإكثار منه في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ . ٤- ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا (١٤٥) إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً (١٤٧) ﴾ شرح الكلمات: ﴿سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ : حجة واضحة لتعذيبكم.

стр. 561

﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ : الدرك: كالطابق، والدركة كالدرجة. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ : ما كانوا قد أفسدوه من العقائد والأعمال. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ : تمسكوا بدينه وتوكلوا عليه. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ : تخلوا عن النفاق والشرك. معنى الآيتين: ما زال السياق في إرشاد الله تعالى المؤمنين إلى ما يعزهم ويكملهم ويسعدهم ففي هذه الآية (١٤٤) يناديهم تعالى بعنوان الإيمان، وهو الروح الذي به الحياة وينهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ومعنى اتخاذهم أولياء موادتهم ومناصرتهم والثقة فيهم والركون إليهم والتعاون معهم، ولما كان الأمر ذا خطورة كاملة عليهم هددهم تعالى بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً١﴾ فيتخلى عنكم ويسلط عليكم أعداءه الكافرين فيستأصلوكم، أو يقهروكم ويستذلوكم ويتحكموا فيكم. ثم حذرهم من النفاق أن يتسرب إلى قلوبهم فأسمعهم حكمه العادل في المنافقين الذين هم رؤوس الفتنة بينهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ٢ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ، فأسفل طبقة في جهنم هي مأوى المنافقين يوم٣ القيامة، ولن يوجد لهم ولي ولا نصير أبداً ثم رحمة بعباده ﵎ يفتح باب التوبة للمنافقين على مصراعيه ويقوله لهم: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى ربهم فآمنوا به وبرسوله حق الإيمان ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ ونفضوا أيديهم من أيدي الكافرين، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ فلم يبقوا يراءون أحداً بأعمالهم. فأولئك الذين ارتفعوا إلى هذا المستوى من الكمال هم مع المؤمنين جزاؤهم واحد، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً وهو كرامة الدنيا وسعادة الآخرة.

стр. 562

وأخيراً في الآية (١٤٧) يقرر تعالى غناه عن خلقه وتنزهه عن الرغبة في حب الانتقام فإن عبده مهما جنى وأساء، وكفر وظلم إذا تاب وأصلح فآمن وشكر. لا يعذبه أدنى عذاب إذا لا حاجة إلى تعذيب عباده فقال هو يخاطب عباده ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ لا يضيع المعروف عنده. لقد شكر لبغي١ سفيهاً كلباً عطشان فغفر لها وأدخلها الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ٢- إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف. ٣- التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه. ٤- لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان الإنسان.

стр. 563

الجزء السادس ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (١٤٩) ﴾ شرح الكلمات: ﴿بِالسُّوءِ١﴾ : ما يسوء إلى من قيل فيه أو فعل به. ﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ : سميعاً للأقوال عليماً بالأعمال. ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ : تظهروا ولا تخفوا. ﴿تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ : أي: لا تؤاخذوا به. معنى الآيتين: يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء، ولازم هذا أن عباده المؤمنين يجب أن يكرهوا ما يكره ربهم ويحبوا ما يحب وهذا شرط الولاية وهي الموافقة وعدم المخالفة، ولما حرم تعالى على عباده الجهر بالسوء بأبلغ عبارة وأجمل أسلوب، استثنى المظلوم فإن له أن يجهر٢ بمظلمته لدى الحاكم ليرفع عنه الظلم فقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ٣ الْقَوْلِ إِلا مَنْ٤ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ –"وما زال"- سَمِيعاً عَلِيماً﴾ ألا فليتق فلا يعصى بفعل السوء ولا بقوله. ثم انتدب عباده المؤمنين إلى فعل الخير في السر أو العلن، وإلى العفو عن صاحب السوء فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ٥ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ فسيكسب فاعل الخير خيراً أبداه أو أخفاه وسيعفو عن صاحب العفو حينما تزل قدمه فيجني بيده أو بلسانه ما يستوجب به المؤاخذة فيشكر الله تعالى له عفوه السابق فيعفو عنه ﴿كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ .

стр. 564

هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير. ٢- استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر. ٣- استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢) ﴾ ١ شرح الكلمات: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ : الرسل: جمع رسول وهم جم غفير، قيل: عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً٢. ﴿سَبِيلاً﴾ : أي: طريقاً بين الكفر والإيمان، وليس ثم إلا طريق واحد وهو الإيمان أو الكفر فمن آمن بكل الرسل فهو المؤمن، ومن آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو الكافر كمن لم يؤمن بأحد منهم.

стр. 565

﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾ : كما فرق اليهود فأمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ﷺ وكما فرق النصارى آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد ﷺ فهم لذلك كفار. ﴿أُجُورَهُمْ﴾ : أجر إيمانهم برسل الله وعملهم الصالح، وهو الجنة دار النعيم. معنى الآيات: يخبر تعالى مقرراً حكمه على اليهود والنصارى بالكفر الحق الذي لا مرية فيه، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ١ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين الكفر بالبعض والإيمان بالبعض سبيلاً، أي: طريقاً يتوصلون به إلى مذهب باطل فاسد وهو التخير بين رسل الله فمن شاءوا الإيمان به آمنوا، ومن لم يشاءوا الإيمان به كفروا به ولم يؤمنوا وبهذا كفروا كفراً لا ريب فيه، ولهم بذلك العذاب المهين الذي يهانون به ويذلون جزاء كبريائهم وسوء فعالهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٢ فسجل عليهم الكفر ثلاث مرات: فالمرة الأولى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ . والثانية: بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ . والثالثة، بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ حيث لم يقل واعتدنا لهم فأظهر في موضع الإضمار لتسجيل الكفر عليهم وللإشارة إلى علة الحكم، وهي الكفر. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥١) ، أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا ٣ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فإنها مقابلة في ألفاظها ومدلولها للآية قبلها، فالأولى تضمنت الحكم بالكفر على اليهود والنصارى، وبالعذاب المهين لهم، والثانية تضمنت الحكم بإيمان المسلمين بالنعيم المقيم لهم وهو ما وعدهم به ربهم بقوله: لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه. ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . فغفر لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه.
следующие страницы →