﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ : الدرك: كالطابق، والدركة كالدرجة.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ : ما كانوا قد أفسدوه من العقائد والأعمال.
﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ : تمسكوا بدينه وتوكلوا عليه.
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ : تخلوا عن النفاق والشرك.
معنى الآيتين:
ما زال السياق في إرشاد الله تعالى المؤمنين إلى ما يعزهم ويكملهم ويسعدهم ففي هذه الآية (١٤٤) يناديهم تعالى بعنوان الإيمان، وهو الروح الذي به الحياة وينهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ومعنى اتخاذهم أولياء موادتهم ومناصرتهم والثقة فيهم والركون إليهم والتعاون معهم، ولما كان الأمر ذا خطورة كاملة عليهم هددهم تعالى بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً١﴾ فيتخلى عنكم ويسلط عليكم أعداءه الكافرين فيستأصلوكم، أو يقهروكم ويستذلوكم ويتحكموا فيكم. ثم حذرهم من النفاق أن يتسرب إلى قلوبهم فأسمعهم حكمه العادل في المنافقين الذين هم رؤوس الفتنة بينهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ٢ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ، فأسفل طبقة في جهنم هي مأوى المنافقين يوم٣ القيامة، ولن يوجد لهم ولي ولا نصير أبداً ثم رحمة بعباده ﵎ يفتح باب التوبة للمنافقين على مصراعيه ويقوله لهم: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى ربهم فآمنوا به وبرسوله حق الإيمان ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ ونفضوا أيديهم من أيدي الكافرين، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ فلم يبقوا يراءون أحداً بأعمالهم. فأولئك الذين ارتفعوا إلى هذا المستوى من الكمال هم مع المؤمنين جزاؤهم واحد، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً وهو كرامة الدنيا وسعادة الآخرة.
стр. 562
وأخيراً في الآية (١٤٧) يقرر تعالى غناه عن خلقه وتنزهه عن الرغبة في حب الانتقام فإن عبده مهما جنى وأساء، وكفر وظلم إذا تاب وأصلح فآمن وشكر. لا يعذبه أدنى عذاب إذا لا حاجة إلى تعذيب عباده فقال هو يخاطب عباده ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ لا يضيع المعروف عنده. لقد شكر لبغي١ سفيهاً كلباً عطشان فغفر لها وأدخلها الجنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
٢- إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف.
٣- التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه.
٤- لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان الإنسان.
стр. 563
الجزء السادس
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (١٤٩) ﴾
شرح الكلمات:
﴿بِالسُّوءِ١﴾ : ما يسوء إلى من قيل فيه أو فعل به.
﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ : سميعاً للأقوال عليماً بالأعمال.
﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ : تظهروا ولا تخفوا.
﴿تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ : أي: لا تؤاخذوا به.
معنى الآيتين:
يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء، ولازم هذا أن عباده المؤمنين يجب أن يكرهوا ما يكره ربهم ويحبوا ما يحب وهذا شرط الولاية وهي الموافقة وعدم المخالفة، ولما حرم تعالى على عباده الجهر بالسوء بأبلغ عبارة وأجمل أسلوب، استثنى المظلوم فإن له أن يجهر٢ بمظلمته لدى الحاكم ليرفع عنه الظلم فقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ٣ الْقَوْلِ إِلا مَنْ٤ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ –"وما زال"- سَمِيعاً عَلِيماً﴾ ألا فليتق فلا يعصى بفعل السوء ولا بقوله. ثم انتدب عباده المؤمنين إلى فعل الخير في السر أو العلن، وإلى العفو عن صاحب السوء فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ٥ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ فسيكسب فاعل الخير خيراً أبداه أو أخفاه وسيعفو عن صاحب العفو حينما تزل قدمه فيجني بيده أو بلسانه ما يستوجب به المؤاخذة فيشكر الله تعالى له عفوه السابق فيعفو عنه ﴿كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ .
стр. 564
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير.
٢- استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر.
٣- استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢) ﴾ ١
شرح الكلمات:
﴿وَرُسُلِهِ﴾ : الرسل: جمع رسول وهم جم غفير، قيل: عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً٢.
﴿سَبِيلاً﴾ : أي: طريقاً بين الكفر والإيمان، وليس ثم إلا طريق واحد وهو الإيمان أو الكفر فمن آمن بكل الرسل فهو المؤمن، ومن آمن بالبعض وكفر بالبعض فهو الكافر كمن لم يؤمن بأحد منهم.
стр. 565
﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾ : كما فرق اليهود فأمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ﷺ وكما فرق النصارى آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد ﷺ فهم لذلك كفار.
﴿أُجُورَهُمْ﴾ : أجر إيمانهم برسل الله وعملهم الصالح، وهو الجنة دار النعيم.
معنى الآيات:
يخبر تعالى مقرراً حكمه على اليهود والنصارى بالكفر الحق الذي لا مرية فيه، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ١ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين الكفر بالبعض والإيمان بالبعض سبيلاً، أي: طريقاً يتوصلون به إلى مذهب باطل فاسد وهو التخير بين رسل الله فمن شاءوا الإيمان به آمنوا، ومن لم يشاءوا الإيمان به كفروا به ولم يؤمنوا وبهذا كفروا كفراً لا ريب فيه، ولهم بذلك العذاب المهين الذي يهانون به ويذلون جزاء كبريائهم وسوء فعالهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٢ فسجل عليهم الكفر ثلاث مرات: فالمرة الأولى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ . والثانية: بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ . والثالثة، بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ حيث لم يقل واعتدنا لهم فأظهر في موضع الإضمار لتسجيل الكفر عليهم وللإشارة إلى علة الحكم، وهي الكفر.
هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥١) ، أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا ٣ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فإنها مقابلة في ألفاظها ومدلولها للآية قبلها، فالأولى تضمنت الحكم بالكفر على اليهود والنصارى، وبالعذاب المهين لهم، والثانية تضمنت الحكم بإيمان المسلمين بالنعيم المقيم لهم وهو ما وعدهم به ربهم بقوله: لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه. ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . فغفر لهم ذنوبهم ورحمهم بأن أدخلهم دار كرامته في جملة أوليائه.
стр. 566
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقيدتهم وبطلان أعمالهم.
٢- كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به.
٣- بطلان إيمان من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض.
٤- صحة الدين الإسلامي وبطلان اليهودية١ والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين، ووعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (١٥٤) ﴾
شرح الكلمات:
﴿جَهْرَةً﴾ : عياناً نشاهده ونراه بأبصارنا.
﴿الصَّاعِقَةُ﴾ : صوت حاد ورجفة عنيفة صعقوا بها.
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ : بسبب ظلمهم بطلبهم ما لا ينبغي.
﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ : أي: إلهاً فعبدوه.
﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ : أي: لم يؤاخذهم به.
﴿سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ : حجة واضحة وقدرة كاملة قهر بها أعداءه.
стр. 567
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ : أي: جبل الطور بسيناء.
﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ : أي: راكعون متواضعين خاشعين لله شكراً لنعمه عليهم.
﴿لا تَعْدُوا١﴾ : لا تعتدوا، أي: لا تتجاوزوا ما حد لكم فيه من ترك العمل إلى العمل فيه.
﴿مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ : عهداً مؤكداً بالأيمان.
معنى الآيتين:
لما نعى الرب تعالى على أهل الكتاب قولهم نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض حيث آمن اليهود بموسى وكفروا بعيسى وآمن النصارى بعيسى وكفروا بمحمد ﷺ ، كما كفر به اليهود أيضاً ذكر تعالى لرسوله أن اليهود إذا سألوك أن تنزل عليهم٢ كتاباً من السماء فلا تعجب من قولهم، ولا تحفل به إذ هذه سننهم وهذا دأبهم، فإنهم قد سألوا موسى قبلك أعظم من هذا، فقالوا له: أرنا الله جهرة، فأغضبوا الله تعالى، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون واتخذوا العجل إلهاً يعبدونه في غياب موسى عليهم، وكان ذلك منهم بعد مشاهداتهم البينات حيث فلق الله لهم البحر وأنجاهم وأغرق عدوهم ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم سلطاناً مبيناً، ولم يؤثر ذلك في طباعهم هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٣) وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً٣ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ٤ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ٥ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ . أما الآية الثانية (١٥٤) فقد أخبر تعالى أنه رفع فوقهم الطور تهديداً لهم ووعيداً وذلك ما امتنعوا أن يتعهدوا بالعمل بما في التوراة، فلما رفع الجبل فوقهم خافوا فتعهدوا معطين بذلك ميثاقاً غير أنهم نقضوه كما سيأتي الإخبار بذلك. هذا
стр. 568
معنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ كان هذا عندما دخل يوشع بن نون فتى موسى مدينة القدس فاتحاً أوحى الله تعالى إليه أن يأمر بني إسرائيل أن يدخلوا باب المدينة خاضعين متطامنين شكراً لله تعالى على نعمة الفتح فبدل أن يطيعوا ويدخلوا الباب راكعين متطامنين دخلوه زحفاً على استاهم مكراً وعناداً والعياذ بالله. وقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: ونهيناهم عن الصيد في السبت فتعدوا نهينا وصادوا عصياناً وتمرداً، وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ أي: على أن يعملوا بما شرعنا لهم تحليلاً وتحريماً في التوراة، ومع هذا فقد عصوا وتمردوا وفسقوا، إذاً فلا غرابة في سؤالهم إياك على رسالتك وليؤمنوا بك أتنزل عليهم كتاباً من السماء. هذا معنى قوله تعالى في الآية (١٥٤) ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: لا تتجاوزا ما أحللنا لكم إلى ما حرمنا عليكم ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً١﴾ .
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإسلامية وكفرهم بها على علم إنها دعوة حق.
٢- بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.
٣- نفض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعاً لهم لا يفارقهم أبداً، ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ
стр. 569
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) ﴾
شرح الكلمات:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ : الباء سببية: أي: فبسبب نقضهم ميثاقهم، والنقض: الحل بعد الإبرام.
﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ : أي: بدون موجب لقتلهم، ولا موجب لقتل الأنبياء قط.
﴿غُلْفٌ١﴾ : جمع أغلف، وهو ما عليه غلاف يمنعه من وصول المعرفة والعلم إليه.
﴿بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ : البهتان: الكذب الذي يحير من قبل فيه، والمراد هنا رميهم لها بالزنى.
﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ : أيك لم يصلبوه، والصلب شده على خشبة وقتله عليها.
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ : أي: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن عند حضور الموت أن عيسى عبد الله ورسوله فما هو ابن زنى ولا ساحر كما يقول اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يقول النصارى.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن اليهود وبيان الجرائم التي كانت سبباً في لعنهم وذلهم، وغضب الله تعالى عليهم، وهذا تعداد تلك الجرائم الواردة في الآيات الثلاث الأولى في هذا السياق وهي: (١٥٥ -١٥٦-١٥٧) .
стр. 570
١- نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بها في التوراة.
٢- كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد ﷺ .
٣- قتلهم الأنبياء؛ كزكريا ويحي وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة.
٤- قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ والباء سببية والميم صلة والأصل، فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً﴾ أي: إيماناً قليلاً؛ كلإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً.
٥- كفرهم: أي: بعيسى ومحمد ﷺ أيضاً.
٦- قولهم على مريم بهتاناً عظيماً١ حيث رموها بالفاحشة، وقالوا عيسى ابن مريم ابن زنى لعنهم الله.
٧- قولهم متبجحين متفاخرين أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم ﵇ وهو رسول الله، وأكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: برحل آخر ظنوه أنه هو فصلبوه وقتلوه، وأما المسيح فقد رفعه الله تعالى إليه وهو عنده في السماء كما قال تعالى في الآية (١٥٨) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي: غالباً على أمره حكيماً في فعله وتدبيره.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ ، هذا إخبار من الله تعالى بحقيقة أخرى وهي أن الذين طوقوا منزل المسيح وهجموا عليه ليلقوا عليه القبض من أجل أن يقتلوه هؤلاء اختلفوا٢ في هل الرجل الذي ألقي عليه شبه عيسى هو عيسى أو غيره إنهم لم يجزموا أبداً بأن من ألقوا عليه القبض وأخرجوه فصلبوه وقتلوه هو المسيح ﵇، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ٣ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ
стр. 571
إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ١.
أما الآية الأخيرة في هذا السياق (١٥٩) فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو ابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإيمان لا نيفع صاحبه لأن حصل عند معاينة الموت قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإيمان بمحمد ﷺ ودين الحق الذي جاء به.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان جرائم اليهود.
٢- بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى ﵇.
٣- تقرير رفع عيسى ﵇ إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا.
٤- الإيمان؛ كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
стр. 572
أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿فَبِظُلْمٍ﴾ : الباء سببية، أي: فبسبب ظلمهم.
﴿هَادُوا﴾ : اليهود إذ قالوا: أنا هدنا إليك.
﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ : هي كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم.
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا﴾ : قبوله والتعامل به وأكله.
﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ : أصحاب القدم الثابتة في معرفة الله وشرائعه ممن علومهم راسخة في نفوسهم ليست لنيات بل هي يقينات.
معنى الآيات:
ما زال السياق في اليهود من أهل الكتاب يبين جرائمهم ويكشف الستار عن عظائم ذنوبهم، ففي الآية الأولى (١٦٠) سجل عليهم الظلم العظيم والذي به استوجبوا عقاب الله تعالى حيث حرم عليهم طيبات كثيرة كانت حلالاً لهم، كما سجل عليهم أقبح الجرائم، وهي صدهم أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله تعالى، وذلك بجحودهم الحق وتحريفهم كلام الله، وقبولهم الرشوة في إبطال الأحكام الشرعية. هذا ما تضمنته الآية الأولى، أما الثانية (١٦١) فقد تضمنت تسجيل جرائم أخرى على اليهود وهي أولاً استباحتهم للربا١ وهو حرام، وقد نهوا عنه، وثانياً أكلهم أموال الناس بالباطل؛ كالرشوة والفتاوى الباطلة التي كانوا يأكلون بها. وأما قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ فهو زيادة على عاقبهم به في الدنيا أعد لمن كفر منهم ومات على كفره عذاباً أليماً موجعاً يعذبون به يوم القيامة. وأما الآية الثالثة (١٦٢) فقد نزلت في عبد الله بن سلام وبعض العلماء من يهود المدينة فذكر تعالى؛ كالاستثناء من أولئك الموصوفين بأقبح الصفات وهي صفات جرائم
стр. 573
اكتسبوها، وعظائم من الذنوب اقترفوها لجهلهم وعمى بصائرهم. إن الراسخين١ في العلم الثابتين فيه الذين علومهم الشرعية يقينية لا ظنية هؤلاء شأنهم في النجاة من العذاب والفوز بالنعيم في دار السلام شأن المؤمنين من هذه الأمة يؤمنون بما أنزل إليك أيها الرسول وما أنزل من قبلك، وخاصة المقيمين٢ للصلاة، وكذا المؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر هؤلاء جميعاً وعدهم الله تعالى بالأجر العظيم الذي لا يقادر قدره ولا يعرف كنهه فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ .
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة.
٢- حرمة الصد عن الإسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة.
٣- حرمة الربا وأنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة.
٤- حرمة أكل أموال الناس بالباطل؛ كالسرقة والغش والرشوة.
٥- من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك؛ كعبد الله بن سلام وآخرين.
٦- الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات.
٧- فضل إقام الصلاة لنصب والمقيمي الصلاة في الآية على المدح والتخصيص.
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ
стр. 574
مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦) ﴾
شرح الكلمات:
﴿إِنَّا١ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ : الوحي٢: الإعلام السريع الخفي، ووحي الله تعالى إلى أنبيائه: إعلامهم بما يريد أن يعلمهم به من أمور الدين وغيره.
﴿وَالأَسْبَاطِ﴾ : أولاد يعقوب ﵇.
﴿زَبُوراً٣﴾ : الزبور: أحد الكتب الإلهية أنزله على نبيه داود ﵇.
﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ : ورد منهم في سورة الأنعام ثمانية عشر رسولاً وسبعة ذكروا في سور أخرى وهم: محمد ﷺ ، وهو، وشعيب، وصالح، وذو الكفل، وإدريس، وآدم.
﴿حُجَّةٌ﴾ : عذر يعتذر به إلى ربهم .
معنى الآيات:
روى أن اليهود لما سمعوا ما أنزل الله تعالى فيهم في الأية السابقة أنكروا أن يكون هذا وحيا، وقالوا لم يوح الله تعالى إلى غير موسى فرد الله تعالى قولهم بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ٤ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فذكر عدداً من الأنبياء، ثم قال: ورسلاً، أي: وأرسلنا رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل، أي: قص عليه أسماءهم وبعض٥ ما جرى لهم مع أممهم وهم
стр. 575
يبلغون دعوة ربهم، وأرسل رسلاً لم يقصصهم عليه، وفوق ذلك أنه كلم موسى تكليماً، فأسمعه كلاماً بلا واسطة، فكيف ينكر اليهود ذلك ويزعمون أنه ما أنزل الله على بشر من شيء، وقد أرسلهم تعالى رسلاً مبشرين من آمن وعمل صالحاً بالجنة، ومنذرين من كفر وأشرك وعمل سوء بالنار وما فعل ذلك إلا لقطع حجة الناس يوم القيامة حتى لا يقولوا ربنا ما أرسلت إلينا رسولاً هذا معنى قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعد إرسالهم، ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً﴾ غالباً لا يمانع في شيء أراده ﴿حَكِيماً﴾ في أفعاله وتدبيره، هذا بعض ما تضمنته الآيات الثلاث (١٦٣-١٦٤-١٦٥) ، أما الآية الرابعة (١٦٦) وهي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ .
فقد روي أن يهوداً جمعهم النبي ﷺ وأبلغهم أنه رسول الله صدقاً وحقاً ودعاهم إلى الإيمان وبما جاء به من الدين الحق فقالوا: من يشهد لك بالرسالة إذ كانت الأنبياء توجد في وقت واحد فيشهد بعضهم لبعض، وأنت من يشهد لك فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَكِنِ١ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ يريد إنزال الكتاب إليك شهادة منه لك بالنبوة والرسالة، أنزله بعلمه بأنك أهل للاصطفاء والإرسال، وبكل ما تحتاج إليه البشرية في إكمالها وإسعادها، إذ حوى أعظم تشريع تعجز البشرية لو اجتمعت أن تأتي بمثله، أليس هذا كافياً في الشهادة لك بالنبوة والرسالة، بلى، والملائكة أيضاً يشهدون ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ فلا تطلب شهادة بعد شهادته تعالى لو كانوا يعقلون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير مبدأ الوحي الإلهي.
٢- أول الرسل٢ نوح ﵇ وآخرهم محمد ﷺ .
стр. 576
٣- إثبات صفة الكلام لله تعالى.
٤- بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي الحجة على الناس يوم القيامة.
٥- شهادة الرب ﵎ والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته ﷺ .
٦- ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد ﷺ بالنبوة والرسالة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) ﴾
شرح الكلمات:
﴿كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ : كفروا: جحدوا بنبوة محمد ﷺ ، وصدوا: صرفوا الناس عن الإيمان به ﷺ بما يبذرون من بذور الشك.
﴿كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ : جحدوا نبوة محمد ﷺ وظلموا ببقائهم على جحودهم بغياً منهم وحسداً للعرب أن يكون فيهم رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور.
﴿الرَّسُولُ﴾ : هو محمد ﷺ الكامل في رسالته الصادق في دعوته.
﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ : أي يكون إيمانكم خيراً لكم.
معنى الآيات:
بعد أن أقام الله تعالى الحجة على رسالة نبيه محمد ﷺ بشهادته له بالرسالة وشهادة ملائكته، وشهادة القرآن لما فيه من العلوم والمعارف الإلهية بعد هذا أخبر تعالى أن الذين
стр. 577
كفروا وصدوا عن سبيل١ الله وهم اليهود٢ قد ضلوا ضلالاً بعيداً قد يتعذر معه الرجوع إلى الحق، وهذا ما تضمنته الآية الأولى (١٦٧) كما أخبر في الآية الثانية (١٦٨) أن الذين كفروا وظلموا هم أيضاً اليهود لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً، اللهم إلا طريق جهنم، وهذا قائم على سنته في خلقه وهي أن المرء إذا كفر كفر عناد وجحود وأضاف إلى الكفر الظلم لم يبق له أي استعداد لقبول الهداية الإلهية، لم يبق له من طريق يرجى له سلوكه إلا طريق جهنم يخلد فيها خلوداً أبدياً، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ في ختام الآية يقرر فيه أن دخول أصحاب هذه الصفات من اليهود جهنم وخلودهم فيها ليس بالأمر الصعب على الله المتعذر عليه فعله بل هو من السهل اليسير، أما الآية الأخيرة (١٧٠) فهي تتضمن إعلاناً إليهاً موجهاً إلى الناس كافة مشركين وأهل كتاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ٣﴾ الكامل الخاتم جاءكم بالدين الحق من ربكم فآمنوا بخ خيراً لكم، وإن أبيتم وأعرضتم إيثاراً للشر على الخير والضلال على الهدى فاعلموا أن لله ما في السموات٤ والأرض خلقاً وملكاً وتصرفاً وسيجزيكم بما اخترتم من الكفر والضلال جهنم وساءت مصيراً فإنه عليم بمن استجاب لندائه فآمن وأطاع، وبمن أعرض فكفر وعصى حكيم في وضع الجزاء في موضعه اللائق به. فلا يجزي المحسن بالسوء، ولا المسيء بالإحسان.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل اله والظلم، وهذا كفر اليهود، العياذ بالله.
٢- سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك ويهلك.
﴿الْمَسِيحُ﴾ : هو عيسى ﵇ ولقب بالمسيح لأنه ممسوح من الذنوب، أي: لا ذنب له قط.
﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا﴾ : أي: قول الله تعالى له ﴿كن﴾ فكان –ألقاها إلى مريم: أوصلها لها وأبلغها إياها وهي قول الملائكة لها إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم.
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ : أي: عيسى كان بنفخة جبريل روح الله في كم درعها.
﴿وَكِيلاً﴾ : حفيظاً وشاهداً عليماً.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ : لا يرفض عبوديته لله تعالى أنفة وكبراً.
﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ : يرى نفسه كبيرة فوق ما طلب منه أن يقوله أو يفعله إعجاباً وغروراً.
﴿وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ : أي: لا يجدون يوم القيامة ولياً يتولى الدفاع عنهم ولا نصيراً ينصرهم حتى لا يدخلوا النار ويعذبوا فيها.
معنى الآيات:
ما زال السياق مع أهل الكتاب، ففي الآية الأولى (١٧١) نادى الرب ﵎ النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإنجيل ونهاهم عن الغلو في دينهم من التنطع والتكلف؛ كالترهب واعتزال النساء وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلو، كما نهاهم عن قولهم على الله ﵎ غير الحق، وذلك بنسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأخبرهم بأن عيسى لم يكن١ أبداً غير رسول الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم٢، حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ وهو روح الله في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي ﴿كن﴾ وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل ﵇ فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله فارجعوا إلى الحق وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد ﷺ ، ولا تقولوا زوراً وباطلاً: الله ثالث ثلاثة آلهة٣. انتهوا عن القول الكذب يكن
стр. 580
انتهاؤكم خيراً لكم حالاً ومآلاً، إنما الله إله واحد له ولا ند ولا ولد. سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، ولم يكن ذا حاجة وله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به وكيلاً شاهداً عليماً فحسبكم الله تعالى رباً وإلهاً فإنه يكفيكم كل ما يهمكم فلا تلتفتون إلى غيره ولا تطلبون سواه.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٧١) ، وأما الآيتان الثانية (١٧٢) والثالثة (١٧٣) فقد أخبر تعالى أن عبده ورسوله المسيح ﵇ لن يستنكف أبداً أن يعبد الله وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد تعالي كل من يستنكف عن عبادته عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات آمنوا بألوهيته تعالى وحده وعبدوه وحده بما شرع لهم من أنواع العبادات وهي الأعمال الصالحة فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف. وأما الذين استنكفوا واستكبروا، أي: حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع إليه فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً، أي: موجعاً لا يجدون لهم من دونه ولياً ولا ناصراً فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع١ والضلال.
٢- حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة.
٣- بيان المعتقد الحق في عيسى٢ ﵇، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة
стр. 581
جبريل١ ﵇.
٤- حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله.
٥- بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿بُرْهَانٌ﴾ : البرهان: الحجة، والمراد به هنا: محمد٢ ﷺ .
﴿نُوراً مُبِيناً﴾ : هو القرآن الكريم.
﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ : أي: تمسكوا بالقرآن وبما يحمله من الشرائع.
﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ : الجنة.
﴿صِرَاطاً﴾ : طريقاً يفضي بهم إلى جوار ربهم في دار الكرامة.
معنى الآيتين:
ينادي٣ الرب ﵎ سائر الناس مشركين ويهود ونصارى مخبراً إياهم قاطعاً للحجة عليهم بأنه أرسل إليهم رسوله محمد ﷺ ، وهو البرهان الساطع والدليل القاطع على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ووجوب الإيمان به وبرسله ولزوم عبادته بطاعته وطاعة رسوله وأنه أنزل عليه كتابه شافياً كافياً هادياً نوراً مبيناً يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور. بهذا قد أعذر الله تعالى إلى الناس كافة وقطع عليهم كل معذرة
стр. 582
وحجة ثم هم صنفان مؤمن وكافر، فالذين آمنوا بالله رباً وإلها وبرسوله نبياً ورسولاً واعتصموا بالقرآن فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وصدقوا أنباءه والتزموا آدابه فهؤلاء سيدخلهم في رحمة١ منه وفضل وذلك بأن ينجيهم من النار ويدخهلم الجنان، وذلك هو الفوز العظيم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ . وأما الذين كفروا به وبرسوله وكتابه فمصيرهم معروف وجزاءهم معلوم فلا حاجة إلى ذكره: إنه الحرمان والخسران.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.
٢- إطلاق لفظ البرهان على النبي ﷺ ؛ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته.
٣- القرآن نور لما يحصل به من الإهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال.
ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) ﴾
شرح الكلمات:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ٢﴾ : يطلبون فتياك في كذا.
стр. 583
﴿يُفْتِيكُمْ﴾ : يبين لكم ما أشكل عليكم من أمر الملائكة.
﴿الْكَلالَةِ﴾ : أن يهلك الرجل ولا يترك ولداً ولا يترك ولد ولد، وإنما يترك أخاً أو أختاً.
الحظ: النصيب.
﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ : كيلا تضلوا، أي: تخطئوا في قسمة التركة.
معنى الآية الكريمة:
هذه الآية تسمى آية الكلالة١، وآيات المواريث أربع: الأولى في شأن الولد والوالد: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ٢﴾ . والثانية: في شأن الزوج والزوجة: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ إلخ ... وفي شأن الإخوة لأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إلخ.. وهاتان الآيتان تقدمتا في أول سورة النساء. والثالثة، هي هذه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ إلخ.. وهي في شأن ميراث الأخوة والأخوات عند موت أحدهم ولم يترك ولداً ولا ولد ولد.. وهو معنى الكلالة. والرابعة: في آخر سورة الأنفال وهي في شأن ذوي الأرحام، وهي قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ .
وهذه الآية نزلت عند سؤال بعض الصحابة ﵃ عن الكلالة، فقال تعالى: يسألونك أيها الرسول عن الكلالة. قل للسائلين: ﴿اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ ، وهذه فتواه: إن هلك امرؤ ذكراً كان أو أنثى، وليس له ولد ولا ولد ولد وله أخت شقيقة أو لأب فلها نصف ما ترك، وهو يرثها أيضاً إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء، أي: ذكوراً وإناثاً فللذكر مثل حظ الأنثيين وبعد أن بين تعالى كيف يورث من مات كلالة قال مبيناً حكمة هذا البيان: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: كيلا٣ تضلوا في قسمة التركات فتخطئوا الحق وتجوروا في قسمة أموالكم. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ٤﴾ فلا
стр. 584
يجهل شيئاً ولا يخفى عليه آخر، وكيف وقد أحاط بكل شيء علما سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.
هداية الآية
من هداية الآية الكريمة:
١- جواز١ سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له.
٢- إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً، وتقرير نبوة محمد ﷺ ، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته.
٣- بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة؛ فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والاختان لهما الثلثان، والأخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد.
الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) ﴾
شرح الكلمات:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ : العقود: هي العهود التي بين العبد والرب تعالى وبين العبد وأخيه والوفاء بها: عدم نكثها والإخلال بمقتضاها.
﴿بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ١﴾ : هي الإبل والبقر والغنم.
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ : أي: محرمون بحج أو عمرة.
﴿شَعَائِرَ اللهِ﴾ : جمع شعيرة، وهي هنا مناسك الحج والعمرة وسائر أعلام دين الله تعالى.
﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ : رجب وهو شهر مضر الذي كانت تعظمه.
﴿الْهَدْيَ﴾ : ما يُهدى للبيت والحرم من بهيمة الأنعام.
﴿الْقَلائِدَ﴾ : جمع قلادة ما يقلد الهدي، وما يتقلده الرجل من لحاء شجر الحرم ليأمن.
﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ : قاصديه يطلبون ربح تجارة أو رضوان الله تعالى.
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ٢﴾ : أي: من إحرامكم.
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ : أي: لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا عليهم.
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ : أي: لأجل أن صدوكم.
﴿الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ : البر: كل طاعة لله ورسوله. والتقوى: فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى عنه الله ورسوله ﷺ .
стр. 587
﴿الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ : الإثم: سائر الذنوب، والعدوان: الظلم وتجاوز الحدود.
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ : أي: عقابه شديد لا يطاق ولا يحتمل.
معنى الآيتين:
ينادي الحق ﵎ عباده المؤمنين بعنوان الإيمان فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يا من آمنتم بي وبرسولي ووعدي ووعيدي ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ١﴾ فلا تحلوها وبالعهود فلا تنكثوها، فلا تتركوا واجباً ولا ترتكبوا منهياً، ولا تحرموا حلالاً ولا تحلو حراماً أحللت لكم بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم إلا ما يتلى عليكم وهي الآتية في آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ٢ ... ﴾ فلا تحرموها وحرمت عليكم الصيد وأنتم حرم٣ فلا تحلوه. وسلموا الأمر لي فلا تتنازعوا فيما أحل وأحرم فإني أحكم ما أريد. هذا ما تضمنته الآية الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ٤﴾ .
أما الآية الثانية فقد تضمنت أحكاماً بعضها نُسخ العمل به وبعضها محكم يعمل به إلى يوم الدين، فمن المحكم والواجب العمل به تحريم شعائر الله، وهي أعلام دينه من سائر ما فرض وأوجب، ونهى وحرم. فلا تستحل بترك واجب، ولا بفعل محرم، ومن ذلك مناسك الحج والعمرة. ومن المنسوخ الشهر الحرام فإن القتال كان محرماً في الأشهر الحرم ثم نسخ بقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، ومن المنسوخ أيضاً: هدي المشركين وقلائدهم والمشركون أنفسهم فلا يسمح لهم بدخول الحرم ولا يقبل منهم هدي، ولا يجيرهم من القتل تقليد أنفسهم بلحاء شجر الحرم ولو تقلدوا شجر الحرم كله. هذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ٥ وَلا الْقَلائِدَ٦ وَلا آمِّينَ
стр. 588
الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ . والمراد بالفضل: الرزق بالتجارة في الحج، والمراد بالرضوان: ما كان المشركون يطلبونه بحجهم من رضى الله ليبارك لهم في أرزاقهم ويحفظهم في حياتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ خطاب للمؤمنين أذن لهم في الاصطياد الذي كان محرماً وهم محرمون إذن لهم فيه بعد تحللهم من إحرامهم. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ ينهي عباده المؤمنين أن يحملهم بغض قوم صدورهم يوم الحديبية عن دخول المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بغير ما أذن الله تعالى لهم فيه، وهو قتالهم إن قاتلوا وتركهم إن تركوا. ثم أمرهم تعالى بالتعاون على البر والتقوى، أي: على أداء الواجبات والفضائل، وترك المحرمات والرذائل، ونهاهم عن التعاون عن ضدها، فقال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ١ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ٢ وَالْعُدْوَانِ﴾ . ولما كانت التقوى تعم الدين كله فعلاً وتركاً أمرهم بها، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بالإيمان به ورسوله وبطاعتهما في الفعل والترك، وحذرهم من إهمال أمره بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فاحذروه بلزوم التقوى.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- وجوب الوفاء بالعهود التي بين الله تعالى وبين العبد والمحافظة على العقود التي بين العبد وأخيه العبد لشمول الآية ذلك.
٢- إباحة أكل لحوم الإبل والبقر والغنم إلا الميتة منها.
٣- تحريم الصيد في حال الإحرام وحليته بعد التحلل من الإحرام وهو صيد البر لا البحر٣.
٤- وجوب احترام شعائر الدين كلها أداء لما وجب أداؤه، وتركاً لما وجب تركه.
٥- حرمة الاعتداء مطلقاً على الكافر.
٦- وجوب التعاون بين المؤمنين على إقامة الدين، ورحمة تعاونهم على المساس به.
стр. 589
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الْمَيْتَةُ﴾ : ما مات من بهيمة الأنعام حتف أنفه، أي: بدون تذكية١.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ : أي: ما ذكر عليه اسم غير اسم الله تعالى، مثل المسيح، أو الولي، أو صنم.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ : أي: بحبل ونحوه فماتت.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ٢﴾ : أي: المضروبة بعصا أو حجر فماتت به.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ : الساقطة من عال إلى أسفل، مثل: السطح والجدار والجبل فماتت.
﴿وَالنَّطِيحَةُ٣﴾ : ما ماتت بسبب نطح أختها لها بقرونها أو رأسها.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ : أي: ما أكلها الذئب وغيره من الحيوانات المفترسة.
﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ٤﴾ : أي: أدركتم فيه الروح مستقرة فذكيتموه٥ بذبحه أو نحره.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ : أي: ما ذبح على الأصنام المنصوبة التي تمثل إلهاً أو زعيماً أو عظيماً، ومثلها ما ذبح على أضرحة الأولياء وقبورهم وعلى الجان.
стр. 590
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾ : أي: وحرم عليكم ما تحصلون عليه بالاستقسام بالأزلام ومثله ما يأخذه صاحب الكهانة والشواقة وقرعة الأنبياء، والحروز الباطلة التي فيها طلاسم وأسماء الجن والعفاريت.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ : أي: ما ذكر من أكل الميتة إلى الاستقسام بالإزلام خروج عن طاعة الله تعالى ومعصية له .
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ : أي: من ألجأته ضرورة الجوع فخاف على نفسه الموت فلا بأس أن يأكل مما ذكر.
﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ : المخمصة: شدة الجوع حتى يضمر البطن لقلة الغذاء به.
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ : غير مائل لإثم يريد غير راغب في المعصية بأكل ما أكل من الميتة، وذلك بأن يأكل أكثر مما يسد به رمقه ويدفع به غائلة الجوع المهلك.
معنى الآية الكريمة:
هذه الآية الكريمة هي تفسير وتفصيل لقوله تعالى في الآية الأولى من هذه السورة، وهو قوله: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ حيث ذكر في هذه الآية سائر المحرمات من اللحوم وهي عشر كما يلي:
الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب١.
وقوله تعالى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ٢﴾ يريد ما أدركتم فيه الروح مستقرة. بحيث إذا ذبحتموه اضطرب للذبح وركض برجليه فإن هذا علامة أنه كان حياً وأنه مات بالذبح٣.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ يريد ولا يحل لكم الاستقسام بالأزلام، ولا أكل ما يعطى عليها وحقيقتها أنهم كانوا في الجاهلية يضعون القداح المعبر عنها بالأزلام جمع زلم وهو رمح صغير لا زج له ولا ريش فيه، يضعونها في خريطة كالكيس، وقد كتب على واحد أمرني
стр. 591
ربي، وآخر: نهاني ثم يحيلها المستقسم بها في الخريطة ويخرج زلماً منها فإن وجده مكتوباً عليه: أمرني ربي، مضى في عمله سفراً أو زواجاً، أو بيعاً أو شراء، وإن وجده مكتوباً عليه: نهاني ربي، ترك ما عزم على فعله١ فجاء الإسلام فحرم الاستقسام بالأزلام، وسن الاستخارة وهي: أن يصلي المؤمن ركعتين من غير الفريضة ويقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عنى واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ويسمي حاجته. ويفعل أو يترك ما عزم عليه، والذي يأتيه هو الخير بإذن الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ يريد ما ذكرت لكم مما حرمت عليكم إتيانه هو الفسق فاتركوه.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ يخبر تعالى عباده المؤمنين: أن الكافرين من المشركين وغيرهم قد يئسوا من أن يردوكم عن دينكم كما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإسلام، وظهوركم عليهم في كل معركة دارت بينكم وبينهم إذاً فلا تخشوهم بعد الآن أن يتمكنوا من قهركم وردكم إلى الكفر واخشوني أنا بدلهم، وذلك بطاعتي وطاعة رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً٢﴾ فهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمنين بما هو إنعام عليهم منه وامتنان فأولا: إكمال الدين٣ بجميع عقائده وعباداته وأحكامه وآدابه حتى قيل أن هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة عام
стр. 592
حجة الوداع، ولم يعش بعدها رسول الله ﷺ إلا أحدى وثمانين ليلة ثم توفاه الله تعالى. وثانياً: إتمام نعمته تعالى عليهم فآمنهم بعد الخوف وقواهم بعد ضعف، ونصرهم وأعزهم بعد قهر وذل وسودهم وفتح البلاد لهم وأظهر دينهم، وأبعد الكفر والكفار عنهم، فعلمهم بعد جهل وهداهم بعد ضلال فهذه من النعمة التي أتمها عليهم. وثالثاً: رضاه بالإسلام ديناً لهم حيث بعث رسوله به وأنزل كتابه فيه فين عقائده وشرائعه فأبعدهم عن الأديان الباطلة؛ كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وأغناهم عنها بما رضيه لهم ألا وهو الإسلام القائم على الاستسلام لله تعالى ظاهراً وباطناً، وذلك سلم العروج إلى الكمالات ومرقى كل الفواضل والفضائل والسعادات، فلله الحمد وله المنة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يريد تعالى من اضطر، أي: ألجأته الضرورة وهي شدة الجوع وهي المخمصة١ والمسغبة إلى أكل ما حرمت عليكم من الميتة وأنواعها فأكل فلا إثم عليه فإني غفور لعبادي المؤمنين رحيم بهم إلا أن يكون قد أكل من الميتة وأنواعها متعمداً المعصية مائلاً إليها غير مبال بتحريمي لها، فذاك الذي عصاني وتعرض لنقمتي وعذابي فإن تاب فإني غفور رحيم، وإن أصر فإن عذابي أليم شديد.
هداية الآية
من هداية الآية:
١- حرمة الميتة وما ذكر معها وهي عشر من المحرمات.
٢- حرمة الاستقسام بالأزلام ومثلها قرعة الأنبياء وخط الرمل والكهانة وما أشبه ذلك.
٣- حرمة الذبح على القبور والقباب والنصب التذكارية وهي من الشرك.
٤- جواز أكل ما أدركه المسلم حياً من الحيوان المأكول فذكاه وإن كان قد جرح أو كسر أو أشرف على الموت بأي سبب مميت٢.
стр. 593
٥- وجوب خشية الله تعالى وحرمة خشية الكفار.
٦- حرمة الابتداع في الدين وحرمة التشريع المنافي للشرع الإسلامي.
٧- جواز أكل الميتة للمضطر، وهو من لحقه ضرر من شدة الجوع فخاف على نفسه الهلاك على شرط أن لا يكون قاصداً المعصية مائلاً إلى الإثم.
﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾
شرح الكلمات:
﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ : ما أذن الله تعالى في أكله وأباحه لعباده المؤمنين.
﴿الْجَوَارِحِ﴾ : جمع جارحة بمعنى كاسبة تخرج بمعنى تكسب.
﴿مُكَلِّبِينَ١﴾ : أي: مرسلين الجارحة على الصيد سواء كانت الجارحة كلباً أو طيراً٢.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ : ذبائح اليهود والنصارى.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ : جمع محصنة وهي العفيفة الحرة من النساء.
стр. 594
﴿أُجُورَهُنَّ﴾ : مهورهن وصدقاتهن.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ : غير مجاهرين بالزنى.
﴿أَخْدَانٍ﴾ : جمع خدن وهو الخليل والصاحب السري.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ﴾ : أي: يرتد عن الإيمان، فالباء بمعنى عن إذ يقال: ارتد عن كذا ...
﴿حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ : بطل عمله ما قدمه من الصالحات فلا يثاب عليه.
معنى الآيتين:
ورد أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فاستأذن فأذن له النبي ﷺ ، فأبى أن يدخل لوجود كلب صغير في البيت فقال: "إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب". فأمر النبي بعدها بقتل الكلاب، فقتلت ثم جاء بعضهم يسأل عما يحل لهم من أمة الكلاب، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ١ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وهي كل ما لذ وطاب مما أباحه الله تعالى ولم ينه عنه، وأحل لكم كذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكلاب الخاصة بالاصطياد والفهود والنمور والطيور؛ كالصور ونحوها. مكبلين، أي: مرسلين لها على الصيد لتمسكه لكم، ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ . أي: تؤدبون تلك الجوارح بالأدب الذي أدبكم الله تعالى به، وحد الجارحة المؤدبة أنها إذا اشليت، أي: أرسلت على الصيد ذهبت إليه وإذا زُجرت انزجرت، وإذا دعيت أجابت. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم ٢ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ يفيد شرطين لحلية الصيد زيادة على كون الجارحة معلمة وهما: أولاً: أن يذكر اسم الله عند إرسال الجارحة بأن يقول: بسم الله هاته مثلاً، والثاني٣: أن لا تأكل الجارحة منه فإن أكلت منه فقد أمسكت لنفسها ولم تمسك لمن أرسلها، اللهم إلا إذا أدركت حية لم تمت
стр. 595
ثم ذكيت فعند ذلك تحل بالتذكية لا بالاصطياد١، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ وعيد لمن لم يتق الله في أكل ما حرم أكله من الميتة وأنواعها، ومن صيد صاده غير معلم من الجوارح، أو صاده معلم ولكنه أكل منه فمات قبل التذكية. فلنتق عقوبة الله في ذلك فإن الله سريع الحساب.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٤) ، أما الآية الثانية (٥) وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ، أي: في هذا اليوم الذي أكمل الله تعالى لكم فيه الدين أحل لكم ما سألتم عنه وهو سائر الطيبات، وكذا طعام الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى خاصة فطعامهم، أي: ذبائحهم حل لكم، وطعامكم حل لهم، أي: لا بأس أن تطعموهم من طعامكم فإن ذلك جائز لكم ولهم. وأحل لكم أيضاً نكاح المحصنات، أي: العفائف من المؤمنات، والمحصنات من نساء الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهن العفائف من اليهوديات والنصرانيات، على شرط إتيانهن أجورهن، أي: مهورهن حال كونكم محصنين، أي: عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول، لا مسافحين بإعطاء المرأة أجرة وطئها فقط بدون عقد مستوف لشروطه، ولا متخذي أيضاً بأن تنكوحهن سراً بحكم الصحبة والصداقة والمحبة إذ ذاك هو الزنى فلا يحل بأجرة ولا بغير أجرة، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ٢ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فيه إشارة إلى أن استباحة المحرمات والجرأة على ذلك قد تؤدي إلى الكفر، ومن يكفر بعد إيمانه فقد حبط عمله، أي: بطل ثواب ما عمله في إسلامه، حتى ولو راجع الإسلام فليس له إلا ما عمله بعد رجوعه إلى الإسلام، وإن مات قبل العودة إلى الإسلام فهو قطعاً في الآخرة من الخاسرين وبإلقائهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- مشروعية سؤال من لا يعلم عما ينبغي له أن يعلمه.
٢- حلية الصيد إن توفرت شروطه، وهي: أن يكون الجارح معلماً وأن يذكر اسم الله تعالى عند
стр. 596
إرساله وأن لا يأكل منه الجارح، ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة١ بشرط ذكر اسم الله عند رميه ولو وجد ميتاً فلم يذك.
٣- إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب.
٤- إباحة نكاح الكتابيات بشرط أن تكون حرة٢ عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي ووكيل: زوجني فلانة. فيقول له: قد زوجتكها.
٥- حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة.
٦- المعاصي قد تقود إلى الكفر.
٧- المرتد عن الإسلام يحبط عمله فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهله يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
стр. 597
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) ﴾
شرح الكلمات:
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ: أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون١، أي: على غير وضوء.
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ: أي: بعد غسل الكفين ثلاثاً، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلاثاً ثلاثاً لبيان رسول٢ الله ﷺ ذلك.
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ: أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين إلا أن يكون عليها خف ساتر فإنه يجوز المسح عليه دون حاجة إلى نزعه وغسل الرجلين، وذلك إن لبسه بعد وضوء ولم يمض على لبسه أكثر من يوم وليلة إن كان مقيماً، أو ثلاثة أيام إن كان مسافراً بهذا جاءت السنة٣.
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً: الجنب: من قامت به جنابة، وهي شيئان: غياب رأس الذكر في الفرج، وخروج المني بلذة في نوم أو يقظة.
فَاطَّهَّرُوا: يعني: فاغتسلوا، والغسل: هو غسل سائر الجسد بالماء.
الْغَائِطِ: كناية عن الخارج من أحد السبيلين من عذرة أو فساء أو ضراط، أو بول أو مذي.
أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ: ملامسة النساء كناية عن الجماع، كما أن من لامس امرأة ليلتذذ بها
стр. 598
أو لامسها لغير قصد اللذة ووجد اللذة فقد انتقض وضوءه، ومن هذا مس الفرج باليد لأنه مظنة اللذة، لذا قال الرسول ﷺ : "من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتوضأ".
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً﴾ : اقصدوا تراباً أو حجراً أو رملاً أو سبخة مما صعد على وجه الأرض.
الحرج: المشقة والعسر والضيق.
﴿وَمِيثَاقَهُ﴾ : أي: ميثاق الله تعالى، وهو عهده المؤكد، والمراد به هنا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذ بها وجب الالتزام بسائر التكاليف الشرعية.
معنى الآيتين:
نادى الرب تعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليأمرهم بالطهارة، إذا هم أرادوا الصلاة، وهي مناجاة العبد لربه لحديث المصلى يناجي١.٢ ربه، وبين لهم الطهارة الصغرى منها وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وبين لهم ما ينوب عنها إذا تعذر وجود الماء الذي به الطهارة أو عجزوا عن استعماله، وهو التيمم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وحدُ الوجه طولاً من منبت الشعر أعلى الجبهة إلى منتهى الذقن أسفل الوجه وحده عرضاً من وتد الأذن اليمنى إلى وتد الأذن اليسرى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فيشمل الغسل الكفين والذراعين إلى بداية العضدين، فيدخل في الغسل المرفقان ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ واللفظ محتمل للكل والبعض، والسنة بينت أن الماسح يقبل بيديه ويدبر بهما فيمسح جميع رأسه، وهو أكمل وذلك ببلل يكون في كفيه، كما بينت السنة مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بعد مسح الرأس ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، أي: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، وهما العظمان النائتان عند بداية الساق، وبينت السنة رخصة المسح٣ على الخفين بدلاً من غسل الرجلين، كما بينت غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، وكون
стр. 599
الغسل ثلاثاً ثلاثاً على وجه الاستحباب، وقول بسم الله عند الشروع، أي: البدء في الوضوء. كما بينت السنة وجوب الترتيب بين الأعضاء المغسولة الأول فالأول، ووجوب الفور بحيث لا يفصل بزمن بين أعضاء الوضوء حال غسلها بل يفعلها في وقت واحد إن أمكن ذلك وأكدت وجوب النية حتى لكأنه شرط في صحة الوضوء١.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ٢﴾ أي: وإن أصابت أحدكم جنابة وهي الجماع والاحتلام فمن جامع زوجته فأولج ذكره في فرجها ولو لم ينزل، أي: لم يخرج منه المني فقد أجنب، كما أن من احتلم فخرج منه مني فقد أجنب بل كل من خرج منه مني بلذة في نوم أو يقظة فقد أجنب وانقطاع دم حيض المرأة، ودم نفاسها؛ كالجنابة يجب منه الغسل، وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ يريد فاغتسلوا وقد بينت السنة كيفية الغسل وهي: أن ينوي المرء رفع الحدث الأكبر بقلبه ويغسل كفيه قائلاً: بسم الله ويغسل فرجه وا حولهما، ثم يتوضأ الوضوء الأصغر المعروف، ثم يخلل أصول شعر رأسه ببلل يديه، ثم يغسل رأسه٣ ثلاث مرات، ثم يقبض الماء على شق جسده الأيمن كله من أعلاه إلى أسفله، ثم الأيسر، ويتعاهد الأماكن التي قد ينبو عنها الماء فلا يمسها؛ كالسرة وتحت الإبطين، والرفقين وهما أصل الفخذين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ذكر تعالى في هذه الجملة الكريمة نواقض الوضوء وموجب الانتقال منه إلى التيمم فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ ، فالمريض قد يعجز عن الوضوء لضعف جسمه بعدم القدرة على التحرك، وقد تكون به جراحات أو دماميل يتعذر معها استعمال الماء حيث يزداد المرض بمس الماء، وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إذ السفر مظنة عدم وجود الماء هذه موجبات الانتقال من الوضوء إلى التيمم، وقوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ٤ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ .
стр. 600
ذكر في الجملة الأولى نواقض الوضوء إجمالاً وهو الخارج من السبيلين من عذرة وفساء وضراط وبول ومذي كنى عنه بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وهو مكان التغوط والتبول، وذكر موجب الغسل وهو الجماع، وكنى عنه بالملامسة، تعليماً لعباده المؤمنين الآداب الرفيعة في مخاطباتهم، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ للوضوء أو الغسل بعد أن طلبتموه فلم تجدوه فتيمموا، اقصدوا من أم الشيء إذا قصده صعيداً طيباً يريد ما صعد على وجه الأرض من أجزائها؛ كالتراب والرمل والسبخة والحجارة، وقوله: ﴿طَيِّباً﴾ يريد به طاهراً من النجاسة والقذر، وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ بين فيه كيفية التيمم، وهي أن يقصد المرء التراب الطاهر وإن تعذر ذلك فما تيسر له من أجزاء الأرض فيضرب بكفيه الأرض فيمسح بهما وجهه وكفيه طاهراً أو باطناً مرة واحدة وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من ذلك الصعيد، وبهذا بين تعالى كيفية التيمم، وهي التي علمها رسول الله ﷺ عمار بن ياسر١ ﵁ وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ يخبر تعالى أنه يأمرنا بالطهارة بقسميها الصغرى وهي الوضوء، والكبرى وهي الغسل، وما ينوب عنهما عند العجز، وهو التيمم، ما يريد بذلك إيقاعنا في الضيق والعنت، ولكنه تعالى يريد بذلك تطهيرنا من الأحداث والذنوب، لأن الوضوء كفارة لذنب المتوضئ كما جاء بيانه في السنة٢ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بهدايتكم إلى الإسلام وتعليمكم شرائعه فيعدكم بذلك لشكره وهو طاعته بالعمل بما جاء به الإسلام من الأعمال الباطنة والظاهرة، وهو معنى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦) ، أما الآية الأخيرة (٧) وه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فإنه تعالى يأمر عباده المؤمنين أن يذكروا نعمته عليهم بهدايتهم إلى الإيمان ليشكروه بالإسلام، كما يذكروا ميثاقه الذي واثقهم به، وهو العهد الذي قطعه المؤمن على نفسه لربه تعالى بالتزامه بطاعته وطاعة رسوله محمد ﷺ عندما تعهد أن لا إله إلا الله وأن