← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بذلك عابديهم وعبادة غير الله تعالى شرك. معنى الآيات: مما أوحى به شياطين الجن إلى إخوانهم من شياطين الإنس أن قالوا للرسول ﷺ والمؤمنين: كيف تأكلون ما تقتلونه أنتم وتمتنعون عن أكل ما يقتله الله؟ فأنزل الله تعالى قوله ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين١﴾ . فأمر المؤمنين بعدم الاستجابة لما يقوله المشركون، وقال ﴿وما لكم٢ ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ أي: أي شيء يمنعكم من الأكل مما ذكر اسم الله عليه؟ ﴿وقد فصل٣ لكم﴾ أي بين لكم غاية التبيين ﴿ما حرم عليكم﴾ من المطاعم ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ أي ألجأتكم الضرورة إليه كمن خاف على نفسه الهلاك من شدة الجوع فإنه يأكل مما حرم في حال الإختيار. ثم أعلمهم أن كثيراً من الناس يضلون غيرهم بأهوائهم٤ بغير علم فيحلون ويحرمون بدون علم وهم في ذلك ظلمة معتدون لأن التحريم والتحليل من حق الرب تعالى لا من حق أي أحد من الناس وتوعدهم بما دل عليه قوله: ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ ولازمه أنه سيجازيهم باعتدائهم وظلمهم بما يستحقون من العذاب على اعتدائهم على حق الله تعالى في التشريع بالتحليل والتحريم. وقوله تعالى في الآية الثالثة: (١٢٠) ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ يأمر تعالى عباده بترك ظاهر الإثم كالزنى العلني وسائر المعاصي، وباطن الإثم كالزنى السري وسائر الذنوب الخفية وهو شامل لأعمال القلوب وهي باطنة وأعمال الجوارح وهي ظاهرة، لأن الإثم كل ضار فاسد قبيح كالشرك، والزنى وغيرهما من سائر المحرمات. ثم توعد الذين لا يمتثلون أمره تعالى بترك ظاهر الإثم وباطنه بقوله. ﴿إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون﴾ أي سيجزيهم يوم القيامة بما اكتسبه من الذنوب والآثام ولا ينجو إلا من تاب منهم وصحت توبته وفي الآية الأخيرة في هذا السياق (١٢١) يقول تعالى ناهياً عباده عن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من ذبائح المشركين

стр. 772

والمجوس فقال: ﴿ولا تأكلوا١ مما لم يذكر اسم الله عليه٢﴾ وأخبر أن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه وهو ذبائح المشركين والمجوس فسق خروج عن طاعة الرب تعالى وهو مقتضي للكفر لما فيه من الرضا بذكر اسم الآلهة التي تعبد من دون الله تعالى، ثم أخبرهم تعالى بأن الشياطين وهم المردة من الجن يوحون إلى الأخباث من الإنس من أوليائهم الذين استجابوا لهم في عبادة الأوثان يوحون إليهم بمثل قولهم: كيف تحرمون ما قتل الله وتحلون ما قتلتم أنتم؟ ليجادلوكم بذلك، ويحذر تعالى المؤمنين من طاعتهم وقبول وسواسهم فيقول ﴿وإن أطعتموهم﴾ فأكلتم ذبائحهم أو تركتم أكل ما ذبحتم أنتم وقد ذكرتم عليه اسم الله، ﴿إنكم لمشركون٣﴾ لأنكم استجبتم لما تأمر به الشياطين تاركين ما يأمر به رب العالمين. هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- حِلُّ أكل من ذبائح المسلمين. ٢- وجوب ذكر اسم الله على بهيمة الأنعام عند تذكيتها. ٣- حرمة إتباع الأهواء ووجوب إتباع العلماء. ٤- وجوب ترك الإثم ظاهراً كان أو باطناً وسواء كان من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح. ٥- حرمة الأكل من ذبائح المشركين والمجوس والملاحدة البلاشفة الشيوعيين. ٦- اعتقاد حل طاعة الشياطين شرك والعياذ بالله تعالى. أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ

стр. 773

زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (١٢٤) شرح الكلمات: ميتاً: الميت فاقد الروح، والمراد روح الإيمان. أحييناه: جعلناه حياً بروح الإيمان. مثله: صفته ونعته امرؤ في الظلمات ليس بخارج منها. قرية: مدينة كبيرة. ليمكروا فيها: بفعل المنكرات والدعوة إلى ارتكابها بأسلوب الخديعة والاحتيال. وما يمكرون إلا بأنفسهم: لأن عاقبة المكر تعود على الماكر نفسه لآية ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ . وإذا جاءتهم آية: أي من القرآن الكريم تدعوهم إلى الحق. صغار: الصغار: الذل والهران. معنى الآيات: مازال السياق الكريم في حرب العادلين بربهم الأصنام الذين يزين لهم الشيطان تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم فقال تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ أي أطاعة هذا العبد الذي كان ميتاً بالشرك والكفر فأحييناه بالإيمان والتوحيد وهو عمر بن الخطاب أو عمار بن ياسر كطاعة من مثله رجل في الظلمات ظلمات الشرك

стр. 774

والكفر والمعاصي ليس بخارج من تلك الظلمات وهو أبو جهل١ والجواب لا، إذاً كيف أطاع المشركون أبا جهل وعصوا عمر ﵁ والجواب: أن الكافرين لظلمة نفوسهم وإتباع أهوائهم لا عقول لهم زُين لهم عملهم الباطل حسب سنة الله تعالى في أن من أحب شيئاً وغالى في حبه على غير هدى ولا بصيرة يصبح في نظره زيّناً وهو شيْن وحسناً وهو قبيح، فلذا قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها٢ ليمكروا فيها﴾ فيهلكوا أيضاً. وقوله: ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ هو كما قال: قوله الحق وله الملك، فالماكر من أكابر المجرمين حيث أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم وصرفوهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولكنهم لا يشعرون أي لا يدرون٣ ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم، وقوله تعالى في الآية الثالثة (١٢٤) ﴿وإذا جاءتهم٤ آية..﴾ أي حجة عقلية مما تحمله آيات القرآن تدعوهم إلى تصديق الرسول والإيمان بما جاء به ويدعو إليه من التوحيد بدل أن يؤمنوا ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى٥ مثل ما أوتي رسل الله﴾ أي من المعجزات كعصا موسى وطير عيسى الذي نفخ فيه فكان طائراً بإذن الله فرد الله تعالى عليهم هذا العلو والتكبر قائلاً: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ فإنه يجعلها في القلوب المشرقة والنفوس الزكية، لا في القلوب المظلمة والنفوس الخبيثة، وقوله تعالى ﴿سيصيب الذين أجرموا﴾ على أنفسهم بالشرك والمعاصي وعلى غيرهم حيث أفسدوا قلوبهم وعقولهم، ﴿صغار٦﴾ : أي ذل وهوان ﴿عند الله﴾ يوم يلقونه ﴿وعذاب شديد﴾ قاس لا يطاق ﴿بما كانوا يمكرون﴾ : أي بالناس بتضليلهم وإفساد قلوبهم وعقولهم بالشرك والمعاصي التي كانوا

стр. 775

يجرئونهم عليها ويغرونهم بها. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- الإيمان حياة، والكفر موت، المؤمن يعيش في نور والكافر في ظلمات. ٢- بيان سنة الله تعالى في تزيين الأعمال القبيحة. ٣- قل ما تخلو مدينة من مجرمين يمكرون فيها. ٤- عاقبة المكر عائدة على الماكر نفسه. ٥- بيان تعنت المشركين في مكة على عهد نزول القرآن. ٦- الرسالة توهب لا تكتسب. ٧- بيان عقوبة أهل الإجرام في الأرض فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (١٢٨)

стр. 776

شرح الكلمات: شرح صدره: شرح الصدر توسعته لقبول الحق وتحمل الوارد عليه من أنوار الإيمان وعلامة ذلك: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله. حرجاً: ضيقاً لا يتسع لقبول الحق، ولا لنور الإيمان. كأنما يصعد: يصعب عليه قبول الإيمان حتى كأنه يتكلف الصعود إلى السماء. الرجس: النجس وما لا خير فيه كالشيطان. فصلنا الآيات: بيناها وأوضحناها غاية البيان والتوضيح. يذكرون: يذكرون فيتعظون. دار السلام: الجنة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى فهي مضافة إلى الله تعالى. استكثرتم: أي من إضلال الإنس وإغوائهم. استمتع بعضنا ببعض: انتفع كل منَّا بصاحبه أي تبادلنا المنافع بيننا حتى الموت. أجلنا الذي أجلت لنا: أي الوقت الذي وقت لنا وهو أجل موتنا فمتنا. مثواكم: مأواكم ومقر بقائكم وإقامتكم. حكيم عليم: حكيم في وضع كل شيء في موضعه فلا يخلد أهل الإيمان في النار، ولا يخرج أهل الكفر منها، عليم بأهل الإيمان وأهل الكفران. معنى الآيات: بعد ذلك البيان والتفصيل لطريق الهداية في الآيات من أول السورة إلى قوله تعالى حكاية عن المدعوين إلى الحق العادلين به الأصنام إذ قالوا: ﴿لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ . أعلم تعالى عباده أن الهداية بيده وأن الإضلال كذلك يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بعدله، وأن لكل من الهداية والإضلال سنناً تتبع في ذلك فمن طلب الهداية ورغب

стр. 777

فيها صادقاً علم تعالى ذلك منه وسهل له طرقها وهيأ له أسبابها، ومن ذلك أنه يشرح١ صدره لقبول الإيمان وأنواره فيؤمن ويسلم ويحسن فيكمل ويسعد، ومن طلب الغواية ورغب فيها صادقاً علم الله تعالى ذلك منه فهيأ له أسبابها وفتح له بابها فجعل صدره ضيقاً٢ حرجاً لا يتسع لقبول الإيمان وحلول أنواره فيه حتى لكأنه يتكلف الصعود إلى السماء وما هو بقادر هذه سنته في الهداية والإضلال، وقوله تعالى ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ أي كذلك الفعل في الهداية والإضلال يجعل الله الرجس٣ أي يلقي بكل ما لا خير فيه على قلوبهم من الكبر والحسد والشرك والكفر والشيطان لقبول المحل لكل ذلك نتيجة خلوه من الإيمان بالله ولقائه. وقوله تعالى ﴿وهذا صراط ربك مستقيماً﴾ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ مشيراً إلى ما بينه من الهدى وهذا طريق ربك مستقيماً فاسلكه والزمه فإنه يفضي بك إلى كرامة ربك وجواره في جنات النعيم. وقوله: ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون﴾ يمتن تعالى وله الحمد والمنة بما أنعم به على هذه الأمة من تفصيل الآيات حججاً وبراهين وشرائع ليهتدي طالبوا الهدى المشار إليهم بقوله ﴿لقوم يذكرون﴾ فيذكرون فيؤمنون ويعملون فيكملون ويسعدون في دار السلام إذ قال تعالى ﴿لهم٤ دار السلام عند ربهم وهو وليهم﴾ أي متوليهم بالنصر والتأييد في الدنيا والإنعام والتكريم في الآخرة ﴿بما كانوا يعملون﴾ من الصالحات. هذا ما دلت عليه الآيات الأولى والثانية والثالثة أما الآية الرابعة (١٢٨) فقد تضمنت عرضاً سريعاً ليوم القيامة الذي هو ظرف للجزاء على العمل في دار الدنيا فقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً﴾ ٥ إنسهم وجنهم ويقول ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم٦ من الإنس﴾ أي في إغوائهم وإضلالهم، ﴿وقال أولياؤهم من الإنس﴾ أي الذين كانوا

стр. 778

يوالونهم على الفساد والشر والشرك والكفر ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا ﴿استمتع بعضنا ببعض﴾ أي كل منا تمتع بخدمة الآخر له وانتفع بها، يريدون أن الشياطين زينت لهم الشهوات وحسنت لهم القبائح وأغرتهم بالمفاسد فهذا انتفاعهم منهم وأما الجن فقد انتفعوا من الإنس بطاعتهم والاستجابة لهم حيث خبثوا خبثهم وضلوا ضلالهم. وقولهم ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ أي واستمر ذلك منا إلى أن انتهينا إلى أجلنا الذي أجلته لنا وهو نهاية الحياة الدنيا وها نحن بين يديك، كأنهم يعتذرون بقولهم هذا فرد الله ﵎ عليهم بإصدار حكمه فيهم قائلاً: ﴿النار مثواكم١ خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ ومعنى مثواكم: مقامكم الذي تقيمون فيه أبداً. ومعنى قوله ﴿إلا ما شاء الله﴾ هو استثناء٢ لبيان إرادة الله المطلقة التي لا يقيدها شيء، إذ لو شاء أن يخرجهم من النار لأخرجهم أي ليس هو بعاجز عن ذلك، ومن الجائز أن يكون هذا الاستثناء المراد به من كان منهم من أهل التوحيد ودخل النار بالفسق والفجور وكبير الذنوب بإغواء الشياطين له فإنه يخرج من النار بإيمانه، ويكون معنى (ما) (من) أي إلا من شاء الله. والله أعلم بمراده، وقوله في ختام الآية، ﴿إن ربك حكيم عليم﴾ ، ومن مظاهر حكمنه وعلمه إدخال أهل الكفر والمعاصي النار أجمعين الإنس والجن سواء. هداية الآيات من هداية الآيات:. ١- بيان سنة الله تعالى في الهداية والإضلال. ٢- بيان صعوبة وشدة ما يعاني الكافر إذا عرض عليه الإيمان. ٣- القلوب الكافرة يلقى فيها كل ما لا خير فيه من الشهوات والشبهات وتكون مقراً للشيطان. ٤- فضيلة الذكر المنتج للتذكر الذي هو الاتعاظ فالعمل. ٥- ثبوت التعاون بين أخباث الإنس والجن على الشر والفساد. ٦- إرادة الله مطلقة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا يؤثر فيها شيء.

стр. 779

وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) شرح الكلمات: نولي بعض الظالمين بعضاً: أي نجعل بعضهم أولياء بعض بجامع كسبهم الشر والفساد. بما كانوا يكسبون: أي من الظلم والشر والفساد. ألم يأتكم رسل منكم: الاستفهام للتوبيخ والرسل جمع رسول من أوحى الله تعالى إليه شرعه وأمره بإبلاغه للناس، هذا من الإنس أما من الجن فهم من يتلقون عن الرسل من الإنس ويبلغون ذلك إخوانهم من الجن، ويقال لهم النُّذُر. يقصون عليكم آياتي: يخبرونكم بما فيها من الحجج متتبعين ذلك حتى لا يتركوا شيئاً إلا بلغوكم إياه وعرفوكم به. وينذرونكم لقاء يومكم: أي يخوفونكم بما في يومكم هذا وهو يوم القيامة من العذاب والشقاء. وأهلها غافلون: لم تبلغهم دعوة تعرفهم بربهم وطاعته، ومالهم عليها من جزاء..

стр. 780

معنى الآيات: قوله تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون﴾ إخبار منه تعالى بسنته في أهل الظلم وهي أن يجعل بعضهم أولياء بعض بمعنى يتولاه بالنصرة والمودة بسبب الكسب السيئ الذي يكسبونه على نحو موالاة شياطين الإنس للجن فالجامع بينهم الخبث والشر وهؤلاء الجامع بينهم الظلم والعدوان، ولا مانع من حمل هذا اللفظ على تسليط الظالمين بعضهم على بعض على حد: ولا ظالم إلا سيبتلى بأظلم١. كما أنه تعالى سيوالي يوم القيامة إدخالهم النار فريقاً بعد فريق وكل هذا حق وصالح لدلالة اللفظ عليه. وقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ إخبار منه تعالى بأنه يوم القيامة ينادي الجن والإنس موبخاً لهم فيقول: ﴿ألم يأتكم رسل منكم٢ يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ أي ألم يأتكم رسل من جنسكم تفهمون عنهم ويفهمون عنكم ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ أي يتلونها عليكم ويخبرونكم بما تحمله آياتي من حجج وبراهين لتؤمنوا بي وتعبدوني وحدي دون سائر مخلوقاتي، وينذرونكم أي يخوفونكم، لقاء يومكم هذا الذي أنتم الآن فيه وهو يوم القيامة والعرض على الله تعالى. وما يتم فيه من جزاء على الأعمال خيرها وشرها وأن الكافرين هم أصحاب النار. فأجابوا قائلين: شهدنا على أنفسنا- وقد سبق أن غرتهم٣ الحياة الدنيا فواصلوا الكفر والفسق والظلم- ﴿وشهدوا على أنفسهم٤ أنهم كانوا كافرين﴾ . هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة (١٣١) فقد تضمنت الإشارة إلى علة إرسال الرسل إلى الإنس والجن إذ قال تعالى ﴿ذلك٥ أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم٦

стр. 781

وأهلها غافلون﴾ أي ذلك الإرسال كان لأجل أنه تعالى لم يكن من شأنه ولا مقتضى حكمته أنه يهلك أهل القرى بظلم منه وما ربك بظلام للعبيد ولا بظلم منهم وهو الشرك والمعاصي وأهلها غافلون لم يؤمروا ولم ينهوا، ولم يعلموا بعاقبة الظلم وما يحل بأهله من عذاب. وفي الآية الأخيرة (١٣٢) أخبر تعالى أن لكل عامل١ من خير أو شر درجات من عمله إن كان العمل صالحاً فهي درجات في الجنة، وإن كان العمل سيئاً فاسداً فهي دركات في النار، وهذا يتم حسب علم الله تعالى بعمل كل عامل وهو ما دل عليه قوله، ﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة الله تعالى في أن الأعمال هي سبب الموالاة بين الإنس والجن فذو العمل الصالح يوالي أهل الصلاح، وذو العمل الفاسد يوالي أهل الفساد. ٢- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا. ٣- بيان العلة في إرسال الرسل وهي إقامة الحجة على الناس، وعدم إهلاكهم قبل الإرسال إليهم. ٤- الأعمال بحسبها يتم الجزاء فالصالحات تكسب الدرجات، والظلمات تكسب الدركات. وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

стр. 782

مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) شرح الكلمات: الغني: عن كل ما سواه، فغناه تعالى ذاتي ليس بمكتسب كغنى غيره. ذو الرحمة: صاحب الرحمة العامة التي تشمل سائر مخلوقاته والخاصة بالمؤمنين من عباده. ويستخلف: أي ينشىء خلقاً آخر يخلفون الناس في الدنيا. إن ما توعدون لآت: إن ما وعد الله تعالى به عباده من نعيم أو جحيم لآت لا محالة. على مكانتكم: أي على ما أنتم متمكنين منه من حال صالحة أو فاسدة. عاقبة الدار: أي الدار الدنيا وهي سعادة الآخرة القائمة على الإيمان والعمل الصالح. إنه لا يفلح الظالمون: أي لا يفوز الظالمون بالنجاة من النار ودخول الجنان لأن ظلمهم يوبقهم في الآخر. معنى الآيات: بعد تلك الدعوة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها وبيان جزاء من أقام بها، ومن ضيعها في الدار الآخرة. خاطب الرب ﵎ رسوله قائلاً: ﴿وربك الغني١ ذو الرحمة﴾ أي ربك الذي أمر عباده بطاعته ونهاهم عن معصيته هو الغني عنهم وليس في حاجة إليهم، بل هم الفقراء إليه المحتاجون إلى فضله، ورحمته قد شملتهم أولهم وآخرهم ولم تضق عن أحد منهم، ليعلم أولئك العادلون بربهم الأصنام والأوثان أنه تعالى قادر على إذهابهم بإهلاكهم بالمرة، والإتيان بقوم آخرين أطوع لله تعالى منهم، وأكثر استجابة له منهم: ﴿إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ وليعلموا أن ما يوعدونه من البعث والحساب والجزاء لآت لا محالة وما أنتم بمعجزين الله تعالى ولا فائتينه بحال

стр. 783

ولذا سوف يجزي كلاً بعمله خيراً كان أو شراً وهو على ذلك قدير. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الآية الثالثة (١٣٥) فقد تضمنت أمر الله تعالى للرسول أن يقول للمشركين من قومه وهم كفار قريش بمكة ﴿اعملوا١ على مكانتكم﴾ ما دمتم مصرين على الكفر والشرك ﴿إني عامل﴾ على مكانتي فسوف٢ تعلمون من تكون له عاقبة دار٣ الدنيا وهي الجنة دار السلام أنا أم أنتم مع العلم أن الظالمين لا يفلحون بالنجاة من النار ودخول الجنان، ولا شك أنكم أنتم الظالمون بكفركم بالله تعالى وشرككم به. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير غنى الله تعالى المطلق عن سائر خلقه. ٢- بيان قدرة الله تعالى على إذهاب الخلق كلهم والإتيان بآخرين غيرهم. ٣- صدق وعد الله تعالى وعدم تخلفه. ٤- تهديد المشركين بالعذاب إن هم أصروا على الشرك والكفر والذي دل عليه قوله ﴿اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار﴾ الدنيا ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ . وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ

стр. 784

سَاء مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (١٤٠) شرح الكلمات: مما ذرأ: ما خلق. من الحرث والأنعام: الحرث كل ما يحرث له الأرض من الزروع، والأنعام: الإبل والبقر والغنم. نصيباً: حظاً وقدراً معيناً. لشركائنا: شركاؤهم أوثانهم التي أشركوها في عبادة الخالق .

стр. 785

ساء ما يحكمون: قبح حكمهم في ذلك إذ آثروا أوثانهم على الله. ليردوهم: اللام لام العاقبة ومعنى يردوهم: يهلكوهم. وليلبسوا: ليخلطوا عليهم دينهم. حجر: أي ممنوعة على غير من لم يأذنوا له في أكلها. حرمت ظهورها: أي لا يركبونها ولا يحملون عليها. افتراء على الله: أي كذباً على الله . على أزواجنا: أي إناثنا. وإن يكن ميتة: أي إن ولد ما في بطن الحيوان ميتاً فهم فيه شركاء الذكور والإناث سواء. سفهاً بغير علم: حمقاً وطيشاً وعدم رشد وذلك لجهلهم. معنى الآيات: مازال السياق في التنديد بأفعال العادلين بربهم أصنامهم وأوثانهم فأخبر تعالى عما كانوا يبتدعونه من البدع ويشرعون من الشرائع بدون علم ولا هدى ولا كتاب مبين فقال تعالى عنهم ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً١﴾ أي جعل أولئك العادلون بربهم لله تعالى مما خلق من الزرع والأنعام نصيباً أي قسماً كما جعلوا للآلهة التي يؤلهونها مع الله نصيباً، ﴿فقالوا هذا لله بزعمهم٢، وهذا لشركائنا﴾ . وقوله تعالى: ﴿بزعمهم﴾ لأنه ما طلب منهم ذلك ولا شرعه لهم وإنما هم يكذبون على الله تعالى ثم إذا أنبت أو أنتج ما جعلوه لله، ولم ينبت أو ينتج ما جعلوه للشركاء حولوه إلى الشركاء بدعوى أنها فقيرة وأن الله غني، وإذا حصل العكس لم يحولوا ما جعلوه للآلهة لله بنفس الحجة وهي أن الشركاء فقراء، والله غني. هذا معنى قوله تعالى: ﴿فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم﴾ وهو تحيز ممقوت وتحكم فاسد فلذا قبح تعالى ذلك عليهم فقال ﴿ساء

стр. 786

ما يحكمون﴾ أي بئس الحكم حكمهم هذا وقبح صنيعاً، صنيعهم هذا، وما جعلوه لله ينفقون على الضيفان والفقراء، وما جعلوه للشركاء ينفقونه على السدنة والمقيمين على الأصنام والأوثان. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الثانية (١٣٧) وهي قوله تعالى ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ يريد وكذلك التحكم الباطل والإدعاء الكاذب في جعل لله شيئاً مما ذرأ من الحرث والأنعام، ثم عدم العدل بين الله تعالى وبين شركائهم زين لكثير من المشركين شركاؤهم وهم شياطينهم من الجن والإنس قتل أولادهم كالمؤودة من البنات خوف العار، وكقتل الأولاد الصغار خوف الفقر، أو لنذرها للآلهة١، وفعل الشياطين ذلك من أجل أن يردوهم أي يهلكوهم، ويلبسوا عليهم دينهم٢ الحق أن يخلطوه لهم بالشرك، وهو معنى قوله تعالى ﴿ليردوهم٣ وليلبسوا عليهم دينهم﴾ وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ هو كما قال إذ لو أراد تعالى منعهم من ذلك لمنعهم٤ وهو على كل شيء قدير، إذاً فذرهم أيها الرسول وما يفترون من الكذب في هذا التشريع الجاهلي الباطل القبيح. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة (١٣٨) وهي قوله تعالى: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر٥ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه﴾ . فقد تضمنت هذه الآية ثلاثة ضروب من تشريع الجاهلية وأباطيلهم: الأول: تحريمهم بعض الأنعام والحرث وجعلها لله وللآلهة التي يعبدونها مع الله. الثاني: أنعام أي إبل حرموا ركوبها كالسائبة والحام. الثالث: إبلٌ لا يذكرون اسم الله عليها فلا يحجون عليها ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحال ولا إن حملوا عليها.

стр. 787

وقوله تعالى في ختام الآية ﴿افتراء عليه﴾ أي كذباً على الله تعالى لأنه تعالى ما حرم ذلك عليهم وإنما حرموه هم بأنفسهم وقالوا حرمه الله علينا، ولذا توعدهم الله تعالى على كذبهم هذا بقوله: ﴿سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ أي سيثيبهم الثواب الملائم لكذبهم وهو العذاب الأخروي. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة أما الآية الرابعة (١٣٩) ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتاً فهم فيه شركاء﴾ فقد تضمنت تشريعاً آخر باطلاً اختلقوه بأنفسهم وزعموا أن الله شرعه لهم وهو أنهم حرموا ما في بطون بعض الأنعام على الإناث، وجعلوها حلالاً للذكور خالصة لهم دون النساء فلا يشرب النساء من ألبانها ولا يأكلن لحوم أجنتها إن ذبحوها ولا ينتفعن بها بحال، اللهم إلا أن ولد الجنين ميتاً فإنهم لا يحرمونه على النساء ولا يخصون به الذكور فيحل أكله للنساء والرجال معاً، ولذا توعدهم تعالى بقوله ﴿سيجزيهم وصفهم١ إنه حكيم عليم﴾ أي سيثيبهم على هذا الكذب بما يستحقون من العذاب إنه حكيم في قضائه عليم٢ بعباده. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة أما الخامسة (١٤٠) فقد أخبر تعالى بخسران أولئك المشرعين وضلالهم وعدم هدايتهم بقوله ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً﴾ أي جهلاً ﴿بغير٣ علم، وحرموا ما رزقهم الله﴾ مما سبق ذكره ﴿افتراءً على الله﴾ كذباً ﴿قد ضلوا! وما كانوا مهتدين﴾ . هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- حرمة الابتداع في الدين والتشريع المنافي لشرع الله تعالى وإن لم ينسب إلى الله تعالى. ٢- ما ينذره الجهال اليوم من نذور للأولياء وإعطائهم شيئاً من الأنعام والحرث والشجر هو من عمل المشركين زينه الشيطان لجهال المسلمين. ٣- حرمة قتل النفس لأي سبب كان وتحديد النسل اليوم وإلزام الأمة به من بعض

стр. 788

الحكام من عمل أهل الجاهلية الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم كقتل البنات خشية العار والأولاد خشية الفقر. وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)

стр. 789

شرح الكلمات: أنشأ جنات: خلق جنات جمع جنة وهي البستان. معروشات: ما يعمل له العريش من العنب، وما لا يعرش له من سائر الأشجار. مختلفاً أكله: أي ثمره الذي يأكل منه. متشابهاً: في الورق وغير متشابه في الحب والطعم. حقه: ما وجب فيه من الزكاة. يوم حصاده: يوم حصاده إن كان حباً وجذاذه إن كان نخلاً. ولا تسرفوا: في إخراجه: أي بأن لا تبقوا لعيالكم منه شيئاً. حمولة: الحمولة ما يحمل عليها من الإبل. وفرشا: الفرش الصغار من الحيوان. خطوات الشيطان: مسالكه في التحريم والتحليل للإضلال والغواية. أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين: أنثى الضأن وأنثى الماعز ذكراً كان أو أنثى. نبئوني بعلم: خبروني بأيهما حرم بعلم صحيح لا بوسواس الشياطين. أم كنتم شهداء: أي حاضرين وقت تحريمه تعالى ذلك عليهم إن كان قد حرمه كما تزعمون. معنى الآيات: لما توعد الحق ﵎ المفترين عليه حيث حرموا وحللوا ما شاءوا ونسبوا ذلك إليه افتراء عليه تعالى، وما فعلوه ذلك إلا لجهلهم بالله تعالى وعدم معرفتهم بعلمه وقدرته وإلا لما اتخذوا له أنداداً من الأحجار وقالوا: شركاؤنا، وشفعاؤنا عند الله. ذكر تعالى في هذه الآيات الأربع ظاهر قدرته وعلمه وحكمته وأمره ونهيه وحجاجه في إبطال تحريم المشركين ما أحل الله لعباده فقال تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات١﴾ أي بساتين وحدائق من العنب

стр. 790

معروشات١ أي محمول شجرها على العروش التي توضع للعنب ليرتفع فوقها وغير معروشات أي غير معرش لها، وأنشأ النخل والزرع مختلفاً ثمره وطعمه، وأنشأ الزيتون والرمان متشابهاً في الورق، وغير متشابه في الحب والطعم أيضاً. وأذن تعالى في أكله وأباحه وهو مالكه وخالقه فقال: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾ أي نضج بعض النضج وأمر بإخراج الواجب فيه وهو الزكاة فقال ﴿وآتوا حقه يوم٢ حصاده﴾ أي بعد درسه وتصفيته إذ لا يعطى السنبل، ونهى عن الإسراف وهو تجاوز الحد في إخراج الزكاة غلوا حتى لا يبقوا لمن يعولون ما يكفيهم، فقال: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب٣ المسرفين﴾ وأنشأ من الأنعام: الإبل والبقر والغنم ﴿حمولة﴾ وهي ما يحمل عليها لكبرها ﴿وفرشاً﴾ وهي الصغار التي لا يحمل عليهما، وأذن مرة أخرى في الأكل مما رزقهم من الحبوب والثمار واللحوم وشرب الألبان، فقال: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ ونهى عن اتباع مسالك الشيطان في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم فقال: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ وعلل للنهي فقال: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ ومن عرف عدوه اتقاه ولو بالبعد عنه، وأنشأ ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين﴾ . وهما الكبش والنعجة، ﴿ومن المعز اثنين﴾ وهما التيس والعنزة، وأمر رسوله أن يحاج المفترين في التحريم والتحليل فقال له ﴿قل﴾ يا رسولنا لهم ﴿آلذكرين٤ حرم﴾ الله عليكم ﴿أم الأنثيين أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ أي النعجة والعنزة ﴿نبؤني بعلم إن كنتم صادقين﴾ فإن قلتم حرم الذكرين فلازم ذلك جميع الذكور حرام، وإن قلتم حرم الأنثيين فلازمه أن جميع الإناث حرام وإن قلتم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فكل ما ولد منهما حرام ذكراً كان أو أنثى فكيف إذا حرمتم البعض وحللتم البعض فبأي علم أخذتم نبوئوني به إن كنتم صادقين وقوله تعالى ﴿ومن الإبل اثنين﴾ وهما الناقة والجمل، ﴿ومن البقر اثنين﴾ وهما الثور والبقرة ﴿قل آلذكرين٥ حرم أم الأنثيين أمّا اشتملت عليه أرحام ٦

стр. 791

الأنثيين﴾ ، فهل حرم الذكرين أو الأنثين هذه الأزواج الأربعة فإن حرم الذكرين فسائر الذكور محرمة، وإن حرم الأنثيين فسائر الإناث محرمة، أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وحينئذ يكون كل مولود منهما محرماً ذكراً كان أو أنثى، وبهذا تبين أنكم كاذبون على الله مفترون فالله تعالى لم يحرم من هذه الأزواج الثمانية شيئاً، وإنما حرم الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. وقوله تعالى ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله﴾ بهذا التحريم فهو تبكيت لهم وتقريع، إذ لم يحرم الله تعالى هذا الذي حرموه، ولم يوصهم بذلك ولم يكونوا حال الوصية حضورا، وإنما هو الافتراء والكذب على الله تعالى. وأخيراً سجل عليهم أنهم كذبة ظالمون مضلون وخيرهم بغير علم، وأنهم لا يستحقون الهداية فقال : ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل١ الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ . هداية الآيات. من هداية الآيات: ١- إباحة أكل التمر والعنب والرمان والزيتون. ٢- وجوب الزكاة في الزيتون والتمر والحبوب إذا بلغت النصاب وهو خمسة أوسق والوسق ستون صاعاً، والصاع أربع حفنات. ٣- جواز الأكل من الثمر قبل جذاذه وإخراج الزكاة٢ منه. ٤- حرمة الإسراف في المال بأن ينفقه فيما لا يعنى، أو ينفقه كله ولم يترك لأهله شيئاً. ٥- إباحة أكل بهيمة الأنعام وهي ثمانية أزواج، ضأن٣ وماعز، وإبل وبقر وكلها ذكر وأنثى. ٦- إبطال تشريع الجاهلية في التحريم والتحليل، فالحلال ما أحله الله ورسول والحرام

стр. 792

ما حرمه الله رسوله. ٧- جواز الجدال والحجاج لإحقاق الحق أو إبطال الباطل. ٨- لا أظلم ممن يكذب على الله تعالى، فيشرع لعباده ما لم يشرع لهم. قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) شرح الكلمات: محرماً على طاعم يطعمه: محظوراً ممنوعاً على آكل يأكله. ميتة أو دماً مسفوحاً: الميتة: ما مات دون تزكية، والدم المسفوح؟ المصبوب صباً لا المختلط باللحم والعظام. رجس: نجس وقذر قبيح محرم. أو فسقا أهل لغير الله به: الفسق الخروج عن طاعة الله والمراد ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه وإنما ذكر عليه اسم الأصنام أو غيرها، والإهلال

стр. 793

رفع الصوت باسم المذبوح له. فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد: اضطر: ألجأته الضرورة وهي خوف الهلاك، والباغ الظالم، والعادي: المعتدي المجاوز للحد. هادوا: اليهود. ذي ظفر: صاحب ظفر وهو الحيوان الذي لا يفرق١ أصابعه كالإبل والنعام. ما حملت ظهورها أو الحوايا: أي الشحم العالق بالظهر، والحوايا٢: المباعر والمصارين والأمعاء. أو ما اختلط بعظم: أي عفى لهم عن الشحم المختلط بالعظم كما عفي عن الحوايا والعالق بالظهر. ببغيهم: أي بسبب ظلمهم. ولا يرد بأسه: بطشه وعذابه. معنى الآيات: مازال السياق في الحجاج مع أولئك المحرمين ما لم يحرم الله ففي أولى هذه الآيات يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للذين يحرمون افتراءً على الله ما لم يحرم ﴿لا أجد فيما أوحي إلي﴾ - وأنا رسول الله- ﴿محرماً﴾ أي شيئاً محرماً ﴿على طاعم يطعمه﴾ أي آكل يأكله اللهم ﴿إلا أن يكون ميتة﴾ وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه أي لم يذك الذكاة الشرعية، ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ أي مصبوباً صباً لا الدم المختلط بالعظم واللحم كالكبد والطحال، ﴿أو لحم خنزير فإنه﴾ أي لحم الخنزير ﴿رجس﴾ أي نجس قذر حرام، (أو فسقاً٣ أهل لغير الله به﴾ أي ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه أو ذكر اسم الأصنام عليه فهو فسق أي خروج عن طاعة الرب الذي أمر من أراد ذبح بهيمة أن يذكر عليها اسمه ليحل له أكلها.

стр. 794

هذا معنى قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي١ إلي مجرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ . وقوله تعالى ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ أي غير ظالم بأكل الميتة وما ذكر معها وذلك بأن يأكلها تلذذاً بها لا دفعاً لغائلة الموت وهو كاره لأكلها ﴿ولا عاد﴾ أي غير متجاوز القدر الذي أبيح له وهو ما يدفع به غائلة الموت عن نفسه ﴿فإن ربك غفور رحيم﴾ ومن مظاهر مغفرته ورحمته أنه أذن للمضطر بالأكل مما هو حرام في الضرورة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٤٥) أما الآية الثانية فبعد أن بين تعالى أنه لم يحرم على المؤمنين غير ما ذكر من الميتة وما ذكر بعدها أخبر أنه حرم على اليهود أكل كل ذي ظفر وهو ما ليس له أصابع مفرقة مثل الإبل والنعام والبط والإوز ومن البقر والغنم حرم عليهم شحومهما وهو الشحم اللاصق بالكرش والكلى، وأباح لهم من الشحوم ما حملته البقرة أو الشاة على ظهرها، وما كان لاصقاً بالماعز وهي الحوايا جمع حاوية وكذا الشحم المختلط بالعظام كشحم اللية، وشحم الجانب والأذن والعين وما إلى ذلك. هذا ما تضمنه قوله تعالى من الآية الثانية ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾ ثم أخبر تعالى بأن هذا التحريم عليهم كان عقوبة لهم بسبب ظلمهم وإجرامهم فقال ﴿ذلك جزيناهم ببغيهم٢﴾ أي ذلك التحريم منا عليهم كان جزاء ظلمهم، وقوله ﴿وإنا لصادقون﴾ فيما أخبرنا به عنهم، وهم الكاذبون إذ قالوا إنما حرم هذا على إسرائيل ونحن أتباع له أما نحن فلم يحرم علينا شيء وإنهم لكاذبون. وقوله تعالى ﴿فإن كذبوك﴾ ٣ أي اليهود فيما أخبرت به عنهم ﴿فقل﴾ لهم ﴿ربكم ذو رحمة واسعة٤﴾ ولذا لم يعاجلكم بالعقوبة وقد كذبتموه وكذبتم رسوله وافتريتم على رسله، ولكن ليس معنى ذلك أنكم نجوتم من

стр. 795

العذاب فإن بأس الله لا يرد عن القوم المجرمين١ من أمثالكم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حرمة الميتة وأنواعها في سورة المائدة وهي المنخنقة والموقوذة، والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وحرمة الدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب وحرم بالسنة الحمر٢ الأهلية والبغال، وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور. ٢- قد يُحْرم العبد بالذنوب من كثير من الطيبات كما حصل لليهود. ٣- إمهال الله تعالى المجرمين لا يدل على عدم عقوبتهم فإن بأس الله لا يرد عن القوم المجرمين سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ

стр. 796

لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) شرح الكلمات: أشركوا: أي جعلوا لله شركاء له يعبدونهم معه. ولا حرمنا من شيء: أي مما حرموه من البحائر والسوائب والوصائل والحامات. ذاقوا بأسنا: أي عذابنا. تخرصون: تكذبون. الحجة البالغة: الدليل القاطع للدعاوي الباطلة. هلم شهداءكم: أي أحضروهم. يعدلون: أي به غيره من الأصنام وسائر المعبودات الباطلة. معنى الآيات: ما زال السياق في رد ترهات وأباطيل العادلين بربهم المشركين في ألوهيته سواه فذكر تعالى في الآيتين (١٤٨) و (١٤٩) شبهة للمشركين يتخذونها مبرراً لشركهم وباطلهم وهي قولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا١ ولا حرمنا من شيء٢﴾ يريدون أن عدم مؤاخذة الله تعالى لنا ونحن نشرك به ونحرم ما نحرمه دليل على رضا الله بذلك٣ وإلا لمنعنا منه وحال دون فعلنا له، فرد الله تعالى هذه الشبهة وأبطلها بقوله: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم٤ حتى ذاقوا بأسنا﴾ أي مثل هذا التكذيب الصادر من هؤلاء العادلين بربهم من كفار قريش ومشركيها كذب الذين من قبلهم من الأمم، وما زالوا على تكذيبهم حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلو كان تعالى راضياً بشركهم وشرهم وباطلهم لما أخذهم فإمهال الله تعالى للناس لعلهم يتوبون ليس دليلاً على رضاه بالشرك والشر، والحجة أنه متى انتهت فترة الإمهال نزل بالمكذبين العذاب.

стр. 797

وقوله تعالى ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للمذنبين العادلين بربهم ﴿هل عندكم من علم فتخرجوه﴾ أي ليس لديكم علم على ما تدعونه فتخرجوه لنا، ﴿إن تتبعون١ إلا الظن﴾ أي ما تتبعون في دعاويكم الباطلة إلا الظن، ﴿وإن أنتم إلا تخرصون﴾ أي وما أنتم إلا تخرصون أي تقولون بالحزر والخرص فتكذبون، وقوله تعالى ﴿قل فلله٢ الحجة البالغة﴾ أي يعلم رسوله أن يقول لهم بعد أن دحض شبهتهم وأبطلها إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة البالغة، ومع هذا ﴿فلو شاء﴾ هدايتكم ﴿لهداكم أجمعين﴾ وهو على ذلك قدير، وإنما حكمه في عباده وسنته فيهم أن يكلفهم اختباراً لهم ويوضح الطريق لهم ويقيم الحجة عليهم، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية وأما الآية الثالثة (١٥٠) وهي قوله تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم٣ الذين يشهدون أن الله حرم هذا﴾ أي الذين حرمتموه فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بهم " ﴿فإن شهدوا فلا نشهد معهم﴾ " وإن فرضنا أنهم يأتون بشهداء باطل يشهدون٤ فلا تقرهم أنت أبها الرسول على باطلهم بل بين لهم بطلان ما ادعوه، فإنهم لا يتبعون في دعاويهم إلا الأهواء، وعليه ﴿لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا، والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون﴾ ، وقد جمع هؤلاء المشركون كل هذه العظائم من الذنوب التكذيب بآيات الله، وعدم الإيمان بالآخرة، والشرك بربهم فكيف يجوز اتباعهم وهم مجرمون ضالون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والاستمرار فيها. ٢- لا حجة إلا في قام على أساس العلم الصحيح. ٣- الحكمة في عدم هداية الخلق كلهم مع قدرة الله تعالى على ذلك هو التكليف

стр. 798

والابتلاء. ٤ – مشروعية الشهادة وحضور الشهود. ٥- عدم إقرار شهادة الباطل وحرمة السكوت عنها. ٦ – حرمة اتباع أصحاب الأهواء الذين كذبوا بآيات الله. قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) شرح الكلمات: اتل: اقرأ.

стр. 799

من إملاق: من فقر. الفواحش: جمع فاحشة كل ما قبح واشتد قبحه كالزنى والبخل. حرم الله: أي حرم قتلها وهي كل نفس إلا نفس الكافر المحارب. إلا بالحق: وهو النفس بالنفس وزنى المحصن، والردة. بالتي هي أحسن: أي بالخصلة التي هي أحسن. أشده: الاحتلام مع سلامة العقل. بالقسط: أي بالعدل. إلا وسعها: طاقتها وما تتسع له. تذكرون: تذكرون فتتعظون. السبل: جمع سبيل وهي الطريق. معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال باطل العادلين بربهم المتخذين له شركاء الذين يحرمون بأهوائهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم فقد أمر تعالى رسوله في هذه الآيات الثلاث أن يقول لهم: ﴿١تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ لا ما حرمتموه أنتم بأهوائكم وزينه لكم شركاؤكم. ففي الآية الأولى جاء تحريم خمسة أمور وهي: الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد، وارتكاب الفواحش، وقتل النفس فقال تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم٢ ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً﴾ فأن تفسيرية٣، ولا ناهية وهذا أول محرم وهو الشرك بالله تعالى، ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ ، وهذا أمر إذ التقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً، والأمر بالشيء نهي عن ضده فالأمر بالإحسان يقتضي تحريم الإساءة والإساءة إلى الوالدين هي عقوقهما، فكان عقوق الوالدين محرماً داخلاً ضمن المحرمات المذكورة في هذه الآيات الثلاث. ﴿ولا تقتلوا

стр. 800

أولادكم١ من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ فهذا المحرم الثالث وهو قتل الأولاد من الإملاق الذي هو الفقر وهذا السبب غير معتبر إذ لا يجوز قتل الأولاد بحال من الأحوال وإنما ذكر لأن المشركين كانوا يقتلون أطفالهم لأجله وقوله تعالى ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾ تعليل للنهي عن قتل الأولاد من الفقر إذ مادام الله تعالى يرزقكم أنتم أيها الآباء ويرزق ابناءكم فلم تقتلونهم؟ وفي الجملة بشارة للأب الفقر بأن الله تعالى سيرزقه هو وأطفاله فليصبر وليرج، ولا يقتل أطفاله. وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ . هذا الأمر الرابع مما حرم الله تعالى، وهو فعل الفاحشة التي هي الزنى وسواء ما كان منه ظاهراً أو باطناً والتحريم شامل لكل خصلة قبيحة قد اشتد قبحها وفحش فأصبح فاحشة قولاً كانت أو فعلاً أو اعتقاداً، وقوله: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق٢﴾ هذا هو المحرم الخامس وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها وهي كل نفس ما عدا نفس المحارب فإنها مباحة للقتل، والحق الذي تقتل به النفس المحرمة واحد من ثلاثة وهي القود والقصاص فمن قتل نفساً متعمداً جاز قتله بها قصاصاً. والزنى بعد الإحصان فمن زنى وهو محصن وجب قتله رجماً بالحجارة كفارة له، والردة عن الإسلام، وقد بينت هذه الحقوق السنة فقد قال ﷺ في الصحيح: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وقوله تعالى في ختام الآية ﴿لعلكم تعقلون﴾ أي ليعدكم بترك هذه المحرمات الخمس لأن تكونوا في عداد العقلاء، لأن من يشرك بربه صنماً أو يسيء إلى أبويه أو يقتل أولاده أو يفجر بنساء الناس أو يقتلهم، لا يعتبر عاقلاً أبداً إذ لو كان له عقل ما أقدم على هذه العظائم من الذنوب والآثام. وفي الآية الثانية وهي قوله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده٣، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان

стр. 801

ذا قربى، وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ ففي هذه الآية جاء تحريم أربعة أمور هي: كل مال اليتيم، والتطفيف في الوزن، والجور في الأقوال والأحكام، ونكث العهد. فقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ أي بما ينقصه أو يفسده إلا بالحالة التي هي أحسن له نماءً وحفظاً وقوله ﴿حتى يبلغ أشده﴾ بيان لزمن اليتم وهو من ولادته وفوت والده إلى أن يبلغ زمن الأشد وهو البلوغ، والبلوغ يعرف بالاحتلام أو نبات شعر العانة، وفي الجارية بالحيض أو الحمل، وببلوغ الثامنة عشرة من العمر وعلى شرط أن يبلغ اليتيم١ عاقلاً فإن كان غير عاقل يبقى في كفالة كافله، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل٢ والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أمر بتوفية الكيل والوزن، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وبذا حرم بخس الكيل والوزن والتطفيف فيهما وقوله ﴿بالقسط﴾ أي بالعدل بحيث لا يزيد ولا ينقص، وقوله ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أي طاقتها رفعاً للحرج عن المسلم في الكيل والوزن إذا هو نقص أو زاد بغير عمد ولا تساهل. وقوله تعالى ﴿وإذا قلتم فاعدلوا٣ ولو كان ذا قربى﴾ هذا المحرم الثالث وهو قول الزور وشهادة الزور، إذ الأمر بالعدل في القول ولو كان المقول له أو فيه قريباً نهى عن ضده وهو الجور في القول. وقوله تعالى ﴿وبعهد٤ الله أوفوا﴾ متضمن للمحرم الرابع وهو نكث العهد وخلف الوعد، إذ الأمر بالوفاء بالعهود نهي عن نكثها وعدم الوفاء بها، وقوله تعالى ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ إشارة إلى ما تضمنته هذه الآية الثانية مما حرم تعالى على عباده، وقوله ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي ليعدكم بذلك لأن تذكروا فتتعظوا فتجتنبوا ما حرم عليكم. وقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ هذه هي الآية الثالثة من آيات الوصايا العشر٥ وقد تضمنت

стр. 802

الأمر بالتزام الإسلام عقائداً وعبادات وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً، كما تضمنت النهي عن إتباع غيره من سائر الملل والنحل المعبر عنها بالسبل، ومادام الأمر بالتزام الإسلام يتضمن النهي عن ترك الإسلام فقد تضمنت الآية تحريماً ألا وهو ترك الإسلام وإتباع غيره هذا الذي حرم الله تعالى على عباده لا ما حرمه المشركون بأهوائهم وتزيين شركائهم وقوله تعالى: ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ إشارة إلى التزام الإسلام وترك ما عداه ليعدكم بذلك للتقوى وهي اتقاء غضب الرب تعالى وعذابه. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- هذه الوصايا العشر عليها مدار الإسلام وسعادة الإنسان في الدارين كان عبد الله بن مسعود يقول فيها "من سره أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام: ﴿قل تعالوا.... تتقون﴾ . ٢- حرمة الشرك وحقوق الوالدين وقتل الأولاد والزنى واللواط وكل قبيح من قول أو عمل أو اعتقاد وقتل النفس إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وبخس الكيل والوزن، وقول الزور وشهادة الزور، ونكث العهد وخلف الوعد. والردة عن الإسلام، وإتباع المذاهب الباطلة والطرق الضالة. ٣- كمال المعقل باجتناب المحرمات الخمس الأولى. ٤- الحصول على ملكة المراقبة باجتناب المحرمات الأربع الثانية. ٥- النجاة من النار والخزي والعار في الدارين بالتزام الإسلام حتى الموت والبراءة من غيره من سائر المذاهب١ والملل والطرق. ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء

стр. 803

رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (١٥٧) شرح الكلمات: الكتاب: التوراة. وتفصيلاً لكل شيء: تحتاج إليه أمة بني إسرائيل في عقائدها وعباداتها وفضائلها وأحكامها. وهذا كتاب أنزلناه: القرآن الكريم. مبارك: خيريته ونفعه وبركته دائمة. على طائفتين من قبلنا: اليهود والنصارى. عن دراستهم: أي قراءتهم لكتبهم لأنها بلسانهم ونحن لا نفهم ذلك. وصدف عنها: أعرض عنها ولم يلتفت إليها. سوء العذاب: أي سيء العذاب وهو أشده. معنى الآيات: هذا الكلام متصل بما قبله، فثم١ حرف عطف والمعطوف عليه هو قل تعالوا أتل الآيات أي ثم قل يا رسولنا آتى ربي موسي الكتاب تماماً لنعمه ﴿على الذي أحسن﴾ طاعة ربه وهو

стр. 804

موسى ﵇، ﴿وتفصيلاً لكل شيء﴾ مما تحتاج إليه أمة بني إسرائيل في عقائدها، وعباداتها وأحكامها العامة والخاصة ﴿وهدي﴾ يتبينون به الحق والصواب، ﴿ورحمة﴾ لهم في دنياهم لما يحمله من الدعوة إلى العدل والخير رجاء أن يوقنوا بلقاء ربهم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم١﴾ أي بني إسرائيل ﴿يؤمنون﴾ فيعملون الصالحات ويتخلون عن المفاسد والشرور لما تجلبه لهم من غضب الله تعالى وعذابه. أما الآية الثانية (١٥٥) فقد أشاد الله تعالى بالقرآن الكريم ممتناً بإنزاله وما أودع فيه من البركة التي ينالها كل من يؤمن به ويعمل به ويتلوه تعبداً وتقرباً وتعلماً. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ وقوله ﴿فاتبعوه٢....﴾ أمر للعباد بإتباع ما جاء في القرآن الكريم من عقائد وعبادات وشرائع وأحكام فإن من اتبعه قاده إلى السعادة والكمال في الحياتين، وقوله ﴿واتقوا٣ لعلكم ترحمون﴾ أي اتقوا ترك العمل به ليعدكم ذلك الذي هو متابعة القرآن والتقوى للرحمة فترحمون في الدنيا والآخرة. وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ فمعناها: إن الله تعالى أنزل الكتاب على رسوله محمد ﷺ وأمره بتلاوته وإبلاغه الناس لئلا يقول الكافرون من العرب إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا اليهود والنصارى والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، ﴿وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ إذ لم نعرف لغتهم، ولم نعرف ما يقرأونه في كتابهم، فتقوم الحجة لكم علينا فقطعاً لهذه الحجة أنزلنا الكتاب. وقوله تعالى في الآية الرابعة: ﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة﴾ كما قطع تعالى عذرهم بإنزال كتابه الكريم لو قالوا يوم القيامة إنما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى ونحن لم ينزل إلينا شيء فلذا ما عرفنا ربنا ولا عرفنا محابه ومكارهه فنطيعه بفعل محابه وترك مكارهه، قطع كذلك عذرهم لو قالوا

стр. 805

لو أنا أنزل علينا الكتاب الهادي إلى الحق المعرف بالهدى لكنا أهدى من اليهود والنصارى الذين أوتوا الكتاب قبلنا، فقال تعالى ﴿فقد جاءكم بينة من ربكم﴾ وهو القرآن الكريم ورسوله المبلغ له ﴿وهدى ورحمة﴾ أي وجاءكم الهدى والرحمة يحملهما القرآن الكريم، فأي حجة بقيت لكم تحتجون بها عند الله يوم القيامة إنكم إن لم تقبلوا هذه البينة وما تحمله من هدى ورحمة فقد كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها ولا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، وسيجزيكم بما يجزي به المكذبين بآيات الله الصادفين عنها. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة (١٥٧) ﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم﴾ أي كراهية أن تقولوا. (فقد جاءكم١ بينة من ربكم وهدى٢ ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان منة الله تعالى على موسى ﵇ والثناء عليه لإحسانه. ٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة. - الإشادة بالقرآن الكريم، وما أودع الله فيه من البركة والهدى والرحمة والخير. ٤- قطع حجة المشركين بإنزال الله تعالى كتابه وإرسال رسوله محمد ﷺ . ٥- التنديد٣ بالظلم، وبيان جزاء الظالمين المكذبين بآيات الله المعرضين عنها. هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ

стр. 806

إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (١٦٠) شرح الكلمات: بعض آيات ربك: أي علامات الساعة منها طلوع الشمس من مغربها. كسبت في إيمانها خيراً: من الطاعات والقربات. فرقوا دينهم.: جعلوه طرائق ومذاهب تتعادى. وكانوا شيعاً: طوائف وأحزاباً. من جاء بالحسنة: أي أتى يوم القيامة بالحسنة التي هي الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته والعمل بطاعته وطاعة رسوله. ومن جاء بالسيئة: أي بالشرك بالله ومعاصيه. معنى الآيات: بعد ذكر الحجج وإنزال الآيات التي هي أكبر بينة على صحة التوحيد وبطلان الشرك، والعادلون بربهم الأصنام مازالوا في موقفهم المعادي للحق ودعوته ورسوله فأنزل الله تعالى قوله: ﴿هل ينظرون....﴾ أي ما ينتظرون ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ لقبض أرواحهم، ﴿أو يأتي ربك﴾ يوم القيامة لفضل القضاء، ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الدالة على قرب الساعة كطلوع الشمس من مغربها، إن موقف الإصرار على التكذيب هو موقف المنتظر لما ذكر تعالى من الملائكة ومجيء الرب تعالى أو مجيء علامات الساعة للفناء. وقوله تعالى ﴿يوم يأتي بعض آيات١ ربك﴾ الدالة على قرب الساعة وهي طلوع الشمس من

стр. 807

مغربها إيذاناً بقرب ساعة الفناء في هذه الحال يخبر تعالى أن نفساً لم تكن آمنت قبل ظهوره هذه الآية لو آمنت بعد ظهورها لا يقبل منها إيمانها ولا تنتفع به لأنه أصبح إيماناً اضطرارياً لا اختيارياً، كما أن نفساً آمنت به قبل الآية، ولكن لم نكسب في إيمانها خيراً وأرادت أن تكسب الخير فإن ذلك لا ينفعها فلا تثاب عليه، لأن باب التوبة مفتوح إلى هذا اليوم وهو يوم١ طلوع الشمس من مغربها فإنه يغلق. وقوله تعالى ﴿قل انتظروا إنا منتظرون﴾ يأمر الله رسوله أن يقول لأولئك العادلين بربهم المصرين على الشرك والتكذيب: مادمتم منتظرين انتظروا إنا منتظرون ساعة هلاككم فإنها آتية لا محالة. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٨) أما الآيتان بعدها فإن الله تعالى أخبر رسوله بأن الذين فرقوا دينهم٢ وكانوا شيعاً أي طوائف وأحزاباً وفرقاً مختلفة كاليهود والنصارى، ومن يبتدع من هذه الأمة بدعاً فيتابع عليها فيصبحون فرقاً وجماعات ومذاهب مختلفة متطاحنة متحاربة هؤلاء ﴿لست منهم في شيء﴾ أي أنت بريء منهم، وهم منك بريئون، وإنما أمرهم إلى الله تعالى هو الذي يتولى جزاءهم فإنه سيجمعهم يوم القيامة ثم ينبنهم بما كانوا يعملون من الشر والخير ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، وهم لا يظلمون﴾ من قبلنا فلا ننقص المحسن منهم حسنة من حسناته، ولا نضيف إلى سيئآته سيئة ما عملها، هذا حكم الله فيهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- إثبات صفة الإتيان في عرصات القيامة للرب ﵎ لفصل القضاء. ٢- تقرير أشراط الساعة وإن طلوع الشمس منها وأنها متى ظهرت أغلق باب التوبة. ٣- حرمة الفرقة في الدين وأن اليهود والنصارى فرقوا دينهم وأن أمة الإسلام أصابتها الفرقة كذلك بل وهي أكثر لحديث وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة.

стр. 808

٤- براءة الرسول ﷺ ممن فرقوا دينهم وترك الأمر لله يحكم بينهم بحكمه العادل. ٥- مضاعفة الحسنات، وعدم مضاعفة السيئات عدل من الله ورحمة. قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٥) شرح الكلمات: قيماً١: أي مستقيماً. ملة إبراهيم: أي دين إبراهيم وهو الإسلام. حنيفاً: مائلاً عن الضلالة إلى الهدى. ونسكي: ذبحي تقرباً إلى الله تعالى. ومحياي: حياتي. أبغي رباً: أطلب رباً إلهاً معبوداً أعبده. ولا تزر وازرة: أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة. وزر أخرى: أي إثم نفس أخرى.

стр. 809

خلائف الأرض: أي يخلف بعضكم بعضاً جيل يموت وآخر يحيا إلى نهاية الحياة. ليبلوكم فيما آتاكم: أي ليختبركم فيما أعطاكم من الصحة والمرض والمال والفقر والعلم والجهل. معنى الآيات: في هذه الآيات وهي خاتمة هذه السورة التي بلغت آياتها بضعاً وستين ومائة آية وكانت كلها في الحجاج مع العادلين بربهم وبيان طريق الهدى لهم لعلهم يؤمنون فيوحدون ويسلمون. في هذه الآيات أمر الله رسوله أن يعلن عن مفاصلته لأولئك المشركين فقال له ﴿قل إن صلاتي ونسكي١﴾ أي ما أذبحه تقرباً إلى ربي، ﴿ومحياي﴾ أي ما آتيه في حياتي ﴿ومماتي﴾ أي ما أموت عليه من٢ الطاعات والصالحات ﴿لله رب العالمين﴾ وحده ﴿لا شريك له وبذلك أمرت﴾ أي أمرني ربي ، ﴿وأنا أول المسلمين﴾ لا يسبقني أحد أبداً. كما أمره أن ينكر على المشركين دعوتهم إليه ﷺ لأن يعبد معهم آلهتهم، ليعبدوا معه إلهه وقال: ﴿قل أغير الله أبغي رباً﴾ أي أطلب إلهاً، ﴿وهو رب كل شيء﴾ أي ما من كائن في هذه الحياة إلا والله ربه أي خالقه ورازقه، وحافظه، وأعلمه أنه لا تكسب نفس من خير إلا وهو لها، ولا تكسب من شر إلا عليها، وأنه ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ أي لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، وأن مرد الجميع إلى الله تعالى ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ أي ويقضي بينكم فينجو من ينجو ويهلك من يهلك، كما أخبره أن يقول: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ أي يخلف بعضكم بعضاً هذا يموت فيورث، وهذا الوارث يموت فيورث، وقوله ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ أي هذا غني وهذا فقير، هذا صحيح وهذا ضرير هذا عالم وذاك جاهل، ثم علل تعالى لتدبيره فينا بقوله ﴿ليبلوكم﴾ أي يختبركم فيما آتاكم ليرى الشاكر ويرى الكافر ولازم الابتلاء النجاح أو الخيبة فلذا قال ﴿إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ فيعذب الكافر ويغفر ويرحم الشاكر. هداية الآيات:

стр. 810

من هداية الآيات. ١- ملة إبراهيم ﵇ هي الإسلام. ٢- مشروعية قول ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ في القيام للصلاة١. ٣- لا يصح طلب رب غير الله تعالى لأنه رب كل شيء. ٤- عدالة الله تعالى تتجلى يوم القيامة. ٥- عدالة الجزاء يوم القيامة. ٦- تفاوت الناس في الغنى والفقر والصحة والمرض، والبر والفجور وفي كل شيء مظهر من مظاهر تدبير الله تعالى في خلقه. ينتفع به الذاكرون من غير أصحاب الغفلة والنسيان.
следующие страницы →