إِنَّا مُنتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (١٦٠)
شرح الكلمات:
بعض آيات ربك: أي علامات الساعة منها طلوع الشمس من مغربها.
كسبت في إيمانها خيراً: من الطاعات والقربات.
فرقوا دينهم.: جعلوه طرائق ومذاهب تتعادى.
وكانوا شيعاً: طوائف وأحزاباً.
من جاء بالحسنة: أي أتى يوم القيامة بالحسنة التي هي الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته والعمل بطاعته وطاعة رسوله.
ومن جاء بالسيئة: أي بالشرك بالله ومعاصيه.
معنى الآيات:
بعد ذكر الحجج وإنزال الآيات التي هي أكبر بينة على صحة التوحيد وبطلان الشرك، والعادلون بربهم الأصنام مازالوا في موقفهم المعادي للحق ودعوته ورسوله فأنزل الله تعالى قوله: ﴿هل ينظرون....﴾ أي ما ينتظرون ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ لقبض أرواحهم، ﴿أو يأتي ربك﴾ يوم القيامة لفضل القضاء، ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الدالة على قرب الساعة كطلوع الشمس من مغربها، إن موقف الإصرار على التكذيب هو موقف المنتظر لما ذكر تعالى من الملائكة ومجيء الرب تعالى أو مجيء علامات الساعة للفناء. وقوله تعالى ﴿يوم يأتي بعض آيات١ ربك﴾ الدالة على قرب الساعة وهي طلوع الشمس من
стр. 807
مغربها إيذاناً بقرب ساعة الفناء في هذه الحال يخبر تعالى أن نفساً لم تكن آمنت قبل ظهوره هذه الآية لو آمنت بعد ظهورها لا يقبل منها إيمانها ولا تنتفع به لأنه أصبح إيماناً اضطرارياً لا اختيارياً، كما أن نفساً آمنت به قبل الآية، ولكن لم نكسب في إيمانها خيراً وأرادت أن تكسب الخير فإن ذلك لا ينفعها فلا تثاب عليه، لأن باب التوبة مفتوح إلى هذا اليوم وهو يوم١ طلوع الشمس من مغربها فإنه يغلق.
وقوله تعالى ﴿قل انتظروا إنا منتظرون﴾ يأمر الله رسوله أن يقول لأولئك العادلين بربهم المصرين على الشرك والتكذيب: مادمتم منتظرين انتظروا إنا منتظرون ساعة هلاككم فإنها آتية لا محالة.
هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٨) أما الآيتان بعدها فإن الله تعالى أخبر رسوله بأن الذين فرقوا دينهم٢ وكانوا شيعاً أي طوائف وأحزاباً وفرقاً مختلفة كاليهود والنصارى، ومن يبتدع من هذه الأمة بدعاً فيتابع عليها فيصبحون فرقاً وجماعات ومذاهب مختلفة متطاحنة متحاربة هؤلاء ﴿لست منهم في شيء﴾ أي أنت بريء منهم، وهم منك بريئون، وإنما أمرهم إلى الله تعالى هو الذي يتولى جزاءهم فإنه سيجمعهم يوم القيامة ثم ينبنهم بما كانوا يعملون من الشر والخير ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، وهم لا يظلمون﴾ من قبلنا فلا ننقص المحسن منهم حسنة من حسناته، ولا نضيف إلى سيئآته سيئة ما عملها، هذا حكم الله فيهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- إثبات صفة الإتيان في عرصات القيامة للرب ﵎ لفصل القضاء.
٢- تقرير أشراط الساعة وإن طلوع الشمس منها وأنها متى ظهرت أغلق باب التوبة.
٣- حرمة الفرقة في الدين وأن اليهود والنصارى فرقوا دينهم وأن أمة الإسلام أصابتها الفرقة كذلك بل وهي أكثر لحديث وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة.
стр. 808
٤- براءة الرسول ﷺ ممن فرقوا دينهم وترك الأمر لله يحكم بينهم بحكمه العادل.
٥- مضاعفة الحسنات، وعدم مضاعفة السيئات عدل من الله ورحمة.
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٥)
شرح الكلمات:
قيماً١: أي مستقيماً.
ملة إبراهيم: أي دين إبراهيم وهو الإسلام.
حنيفاً: مائلاً عن الضلالة إلى الهدى.
ونسكي: ذبحي تقرباً إلى الله تعالى.
ومحياي: حياتي.
أبغي رباً: أطلب رباً إلهاً معبوداً أعبده.
ولا تزر وازرة: أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة.
وزر أخرى: أي إثم نفس أخرى.
стр. 809
خلائف الأرض: أي يخلف بعضكم بعضاً جيل يموت وآخر يحيا إلى نهاية الحياة.
ليبلوكم فيما آتاكم: أي ليختبركم فيما أعطاكم من الصحة والمرض والمال والفقر والعلم والجهل.
معنى الآيات:
في هذه الآيات وهي خاتمة هذه السورة التي بلغت آياتها بضعاً وستين ومائة آية وكانت كلها في الحجاج مع العادلين بربهم وبيان طريق الهدى لهم لعلهم يؤمنون فيوحدون ويسلمون. في هذه الآيات أمر الله رسوله أن يعلن عن مفاصلته لأولئك المشركين فقال له ﴿قل إن صلاتي ونسكي١﴾ أي ما أذبحه تقرباً إلى ربي، ﴿ومحياي﴾ أي ما آتيه في حياتي ﴿ومماتي﴾ أي ما أموت عليه من٢ الطاعات والصالحات ﴿لله رب العالمين﴾ وحده ﴿لا شريك له وبذلك أمرت﴾ أي أمرني ربي ، ﴿وأنا أول المسلمين﴾ لا يسبقني أحد أبداً. كما أمره أن ينكر على المشركين دعوتهم إليه ﷺ لأن يعبد معهم آلهتهم، ليعبدوا معه إلهه وقال: ﴿قل أغير الله أبغي رباً﴾ أي أطلب إلهاً، ﴿وهو رب كل شيء﴾ أي ما من كائن في هذه الحياة إلا والله ربه أي خالقه ورازقه، وحافظه، وأعلمه أنه لا تكسب نفس
من خير إلا وهو لها، ولا تكسب من شر إلا عليها، وأنه ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ أي لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، وأن مرد الجميع إلى الله تعالى ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ أي ويقضي بينكم فينجو من ينجو ويهلك من يهلك، كما أخبره أن يقول: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ أي يخلف بعضكم بعضاً هذا يموت فيورث، وهذا الوارث يموت فيورث، وقوله ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ أي هذا غني وهذا فقير، هذا صحيح وهذا ضرير هذا عالم وذاك جاهل، ثم علل تعالى لتدبيره فينا بقوله ﴿ليبلوكم﴾ أي يختبركم فيما آتاكم ليرى الشاكر ويرى الكافر ولازم الابتلاء النجاح أو الخيبة فلذا قال ﴿إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ فيعذب الكافر ويغفر ويرحم الشاكر.
هداية الآيات:
стр. 810
من هداية الآيات.
١- ملة إبراهيم ﵇ هي الإسلام.
٢- مشروعية قول ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ في القيام للصلاة١.
٣- لا يصح طلب رب غير الله تعالى لأنه رب كل شيء.
٤- عدالة الله تعالى تتجلى يوم القيامة.
٥- عدالة الجزاء يوم القيامة.
٦- تفاوت الناس في الغنى والفقر والصحة والمرض، والبر والفجور وفي كل شيء مظهر من مظاهر تدبير الله تعالى في خلقه. ينتفع به الذاكرون من غير أصحاب الغفلة والنسيان.
شرح الكلمات:
المص: هذه أحد الحروف المقطعة ويقرأ هكذا: ألف لآم ميم صَادْ. والله أعلم بمراده بها.
كتاب: أي هذا كتاب.
حرج: ضيق.
وذكرى: تذكرة بها يذكرون الله وما عنده وما لديه فيقبلون على طاعته.
أولياء: رؤساؤهم في الشرك.
ما تذكرون: أي تتعظون فترجعون إلى الحق.
وكم من قرية: أي كثيراً من القرى.
بأسنا بياتا: عذابنا ليلاً وهم نائمون.
أو هم قائلون: أي نائمون بالقيلولة وهم مستريحون.
فما كان دعواهم: أي دعاؤهم إلا قولهم إنا كنا ظالمين.
معنى الآيات:
﴿المص﴾ في هذه الحروف إشارة إلى أن هذا القرآن تألف من مثل هذه الحروف المقطعة وقد عجزتم عن تأليف مثله فظهر بذلك أنه كلام الله ووحيه إلى رسوله فآمنوا به وقوله ﴿كتاب﴾ أي هذا كتاب ﴿أنزل إليك﴾ ١ يا رسولنا ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ أي ضيق منه ﴿لتنذر به﴾ قومك عواقب شركهم وضلالهم، وتذكر به المؤمنين منهم ذكرى وقل لهم ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ من الهدى والنور، ﴿ولا تتبعوا من دونه﴾ أي من غيره ﴿أولياء﴾ ٢ لا يأمرونهم إلا بالشرك والشر والفساد، وهم رؤساء الضلال في قريش ﴿قليلاً ما يذكرون﴾ أي تتعظون فترجعون إلى الحق الذي جانبتموه ﴿وكم٣ من قرية﴾ أي وكثيرا من القرى أهلكنا أهلها لما جانبوا الحق ولازموا الباطل ﴿فجاءها٤ بأسنا٥﴾ أي عذابنا الشديد
стр. 813
﴿بياتاً أو هم قائلون﴾ أي ليلاً أو نهاراً، فما كان دعاءهم١ يومئذ إلا قولهم: يا ويلنا إنا كنا ظالمين فاعترفوا بذنبهم، ولكن هيهات إن ينفعهم الاعتراف بعد معاينة العذاب.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- القرآن الكريم هو مصدر نذارة الرسول ﷺ وبشارته بما حواه من الوعد والوعيد، والذكرى والبشرى.
٢- وجوب إتباع الوحي، وحرمة إتباع ما يدعو إليه أصحاب الأهواء والمبتدعة.
٣- الاعتبار بما حل بالأمم الظالمة من خراب ودمار.
٤- لا تنفع التوبة عند معاينة الموت أو العذاب.
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (١٠)
شرح الكلمات:
أرسل إليهم: هم الأمم والأقوام.
فلنقصن عليهم بعلم: فلنخبرنهم بأعمالهم متتبعين لها فلا نترك منها شيئاً.
وما كنا غائبين: أي عنهم أيام كانوا يعملون.
الوزن يومئذ الحق: أي العدل.
فمن ثقلت موازينه: أي بالحسنات فأولئك هم المفلحون بدخول الجنة.
خسروا أنفسهم: بدخولهم النار والاصطلاء بها أبداً.
معايش: جمع معيشة بمعنى العيش الذي يعيشه الإنسان.
стр. 814
قليلاً ما تشكرون: أي شكراً قليلاً والشكر ذكر النعمة للمنعم١ وطاعته بفعل محابه وترك مكارهه.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل٢ إليهم ولنسألن المرسلين٣ فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ يخبر تعالى أنه إذا جمع الخلائق لفصل القضاء مؤكداً الخبر بالقسم أنه يسأل كل أمة أو جماعة أو فرد أرسل إليهم رسله يسألهم عن مدى إجابتهم دعوة رسله إليهم، فهل آمنوا بما جاءتهم به الرسل، وأطاعوهم فيما بلغوهم من التوحيد والعبادة والطاعة والانقياد، كما يسأل الرسل أيضاً هل بلغوا ما ائتمنهم عليه من رسالته المتضمنة أمر عباده بالإيمان به وتوحيده وطاعته في أمره ونهيه، ثم يقصُّ تعالى على الجميع بعلمه كل ما كان منهم من ظاهر الأعمال وباطنها، ولا يستطيعون إخفاء شيء أبداً، ولم يكن سؤاله لهم أولاً، إلا من باب إقامة الحجة وإظهار عدالته فيهم، ولتوبيخ من يستحق التوبيخ منهم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾ عنهم حينما كانوا في الدنيا يعملون فكل أعمالهم كانت مكشوفة ظاهرة له تعالى ولا يخفي عليه منها شيء وهو السميع البصير.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٦) والثانية (٧) أما الآيتان الثالثة والرابعة فقد أخبر تعالى أنه بعد سؤالهم وتعريفهم بأعمالهم ينصب الميزان وتوزن٤ لهم أعمالهم فمن ثقلت موازين حسناته أفلح بالنجاة من النار ودخول الجنة دار السلام ومن خفَّت لقلة حسناته وكثرة سيئاته٥ خسر نفسه بإلقائه في جهنم ليخلد في عذاب أبدي، وعلل تعالى لهذا الخسران في جهنم
стр. 815
بقوله ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ : أي يكذبون ويجحدون، وأطلق الظلم وأريد به التكذيب والجحود لأمرين هما:
أولاً: اكتفاء بحرف الجر الباء إذ لا تدخل على ظلم ولكن على كذب أو جحد يقال كذب به وجحد به ولا يقال ظلم به ولكن ظلمه وهذا من باب التضمين وهو سائغ في لغة العرب التي نزل بها القرآن.
وثانياً: أنهم بدل أن يؤمنوا بالآيات وهي واضحات كذبوا بها فكانوا كأنهم ظلموا الآيات ظلماً حيث لم يؤمنوا بها وهي بينات.
هذا ما دلت عليه الآيتان أما الآية الخامسة (١٠) فقد تضمنت امتنان الله تعالى على عباده، وكان المفروض أن يشكروا نعمه عليهم بالإيمان به وتوحيده وطاعته، ولكن الذي حصل هو عدم الشكر من أكثرهم قال تعالى ﴿ولقد مكناكم في الأرض﴾ حيث جعلهم متمكنين في الحياة عليها يتصرفون فيها ويمشون في مناكبها، وقوله ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ ١ هذه نعمة أخرى وهي أن جعل لهم فيها معايش وأرزاقاً يطلبونها فيها ويحصلون عليها وعليها قامت حياتهم، وقوله ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ أي لا تشكرون إلا شكراً يسيراً لا يكاد يذكر.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير عقيدة البعث والسؤال والحساب ووزن الأعمال يوم القيامة.
٢- صعوبة الموقف حيث تسأل الأمم والرسل ﵈ كذلك.
٣- الفلاح والخسران مبنيان على الكسب في الدنيا فمن كسب خيراً نجا، ومن كسب شراً هلك.
٤- وجوب شكر النعم بالإيمان والطاعة لله ورسوله.
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ
стр. 816
لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
شرح الكلمات:
خلقناكم ثم صورناكم: أي خلقنا أباكم آدم أي قدرناه من الطين ثم صورناه على الصورة البشرية الكريمة التي ورثها بنوه من بعده إلى نهاية الوجود الإنساني.
فسجدوا: أي سجود تحية لآدم ﵇.
إبليس: أبو الشياطين من الجن وكنيته أبو مرة، وهو الشيطان الرجيم.
فاهبط منها: أي من الجنة.
من الصاغرين: جمع صاغر الذليل المهان.
فبما أغويتني: أي فبسبب إضلالك لي.
مذموماً مدحوراً: ممقوتاً مذموماً مطروداً.
معنى الآيات:
مازال السياق في تعداد أنعم الله تعالى على عباده تلك النعم الموجبة لشكره تعالى بالإيمان
стр. 817
به وطاعته فقال تعالى ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم١﴾ أي خلقنا أباكم آدم من طين ثم صورناه بالصورة البشرية التي ورثها بنوه عنه، ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ وفي هذا إنعام آخر وهو تكريم أبيكم آدم بأمر الملائكة بالسجود له تحية له وتعظيما ﴿فسجدوا إلا إبليس٢ لم يكن من الساجدين﴾ أي أبى وامتنع أن يسجد، فسأله ربه تعالى قائلاً: ﴿ما منعك ألا تسجد٣ إذ أمرتك﴾ أي: أي شيء جعلك لا تسجد فأجاب إبليس قائلاً: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار، وخلقته من طين﴾ فأنا أشرف منه فكيف أسجد له، ولم لكن إبليس مصيباً في هذه القياس٤ الفاسد أولاً: ليست النار أشرف من الطين بل الطين أكثر نفعاً وأقل ضرراً، والنار كلها ضرر، وما فيها من نفع ليس بشيء إلى جانب الضرر وثانياً: إن الذي أمره بالسجود هو الرب الذي تجب طاعته سواء كان المسجود له فاضلاً أو مفضولاً، وهنا أمره الرب تعالى أن يهبط من الجنة فقال ﴿اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ أي الذليلين الحقيرين، ولما وقع إبليس في ورطته، وعرف سبب هلكته وهو عدم سجوده لآدم قال للرب ﵎ ﴿انظرني﴾ أي أمهلني لا تمتني ﴿إلى يوم يبعثون﴾ فأجابه الرب بقوله ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ وهو فناء هذه الدنيا فقط وذلك قبل البعث، جاء هذا الجواب في سورة الحجر وهنا قال ﴿إنك من المنظرين﴾ ومراد إبليس في الإمهال التمكن من إفساد أكبر عدد من بني آدم انتقاماً منهم إذ كان آدم هو السبب في طرده من الرحمة، ولما أجابه الرب إلى طلبه قال: ﴿فبما أغويتني﴾ أي أضللتني ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ يريد آدم وذريته، والمراد من الصراط الإسلام إذ هو الطريق المستقيم والموصل بالسالك له إلى رضوان الله تعالى ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم٥ ومن خلفهم وعن
стр. 818
أيمانهم وعن شمائلهم﴾ يريد يحيط بهم فيمنعهم سلوك الصراط المستقيم حتى لا ينجوا ويهلكوا كما هلك هو زاده الله هلاكاً، وقوله ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ هذا قول إبليس للرب تعالى، ولا تجد أكثر أولاد آدم الذي أضللتني بسببه شاكرين لك بالإيمان والتوحيد والطاعات.
وهنا أعاد الله أمره بطرد اللعين فقال ﴿اخرج منها﴾ أي من الجنة ﴿مذموماً مدحوراً﴾ أي ممقوتاً مطروداً (لمن تبعك١ منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ أي فبعزتي لأملأن جهنم منك وممن اتبعك منهم أجمعين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- خطر الكبر على الإنسان.
٢- ضرر القياس٢ الفاسد.
٣- خطر إبليس وذريته على بني آدم، والنجاة منهم بذكر الله تعالى وشكره.
٤- الشكر هو الإيمان والطاعة لله ورسوله ﷺ .
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا
стр. 819
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٢٢)
شرح الكلمات:
وزوجك: هي حواء التي خلقها الله تعالى من ضلع آدم الأيسر.
الجنة: دار السلام التي دخلها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء والمعراج.
في الظالمين: أي لأنفسهم.
فوسوس: الوسوسة: الصوت الخفي، وسوسة١ الشيطان لابن آدم إلقاء معانٍ فاسدة ضارة في صدره مزينة ليعتقدها أو يقول بها أو يعمل.
ليبدي٢ لهما ما ووري: ليظهر لهما ما ستر عنهما من عوراتهما.
وقاسمهما: حلف لكل واحد منهما.
فدلاهما بغرور: أي أدناهما شيئاً فشيئاً بخداعه وتغريره حتى أكلا من الشجرة.
وطفقا يخصفان: وجعلا يشدان عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما.
معنى الآيات:
ولما طرد الرحمن إبليس من الجنة نادى آدم قائلاً له ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك﴾ أي حواء ﴿الجنة فكلا من حيث شئتما﴾ يعنى من ثمارها وخيراتها، ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ أشار لهما إلى شجرة من أشجار الجنة معينة، ونهاهما عن الأكل منها، وعلمهما أنهما إذا أكلا منها كانا من الظالمين المستوجبين للعقاب، واستغل إبليس هذه الفرصة التي أتيحت له فوسوس٣ لهما مزيناً لهما الأكل من الشجرة قائلاً لهما ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن
стр. 820
تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ ﴿وقاسمهما﴾ أي حلف لهما أنه ناصح١ لهما وليس بغاش لهما، ﴿فدلاهما بغرور﴾ وخداع حتى أكلا ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت ... ﴾ أي ظهرت لهما سوءاتهما٢ حيث انحسر النور٣ الذي كان يغطيهما، فجعلا يشدان من ورق الجنة على أنفسهما ليستر عوراتهما، وهو معنى قوله تعالى ﴿وطفقا يخصفا عليهما من ورق الجنة﴾ وعندئذ ناداهما ربهما ، قائلاً: ألم أنهكما عن هذه الشجرة وهو استفهام تأديب وتأنيب، ﴿وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ فكيف قبلتما نصحه وهو عدوكما.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- سلاح إبليس الذي يحارب به ابن آدم هو الوسوسة والتزيين لا غير.
٢- تقرير عداوة الشيطان للإنسان.
٣- النهي يقتضي التحريم إلا أن توجد قرينة تصرف عنه إلى الكراهة.
٤- وجوب ستر العورة من الرجال والنساء سواء.
٥- جواز الاقسام بالله تعالى، ولكن لا يحلف إلا صادقاً.
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)
شرح الكلمات:
ظلمنا أنفسنا: أي بأكلهما من الشجرة.
الخاسرين: الذين خسروا دخول الجنة والعيش فيها.
стр. 821
مستقر: مكان استقرار وإقامة..
متاع إلى حين: تمتع بالحياة إلى حين انقضاء آجالكم.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث عن آدم ﵇، أنه لما ذاق آدم وحواء الشجرة وبدت لهما سؤاتهما وعاتبهما ربهما على ذلك قالا معلنين عن توبتهما: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا١﴾ أي بذوق الشجرة ﴿وإن لم تغفر لنا﴾ أي خطيئتنا هذه ﴿لنكونن من الخاسرين﴾ أي الهالكين، وتابا فتاب الله تعالى عليهما وقال لهم اهبطوا إلى الأرض إذ لم تعد الجنة في السماء داراً لهما بعد ارتكاب المعصية، إن إبليس عصا بامتناعه عن السجود لآدم، وآدم وحواء بأكلهما من الشجرة وقوله ﴿بعضكم لبعض عدو﴾ أي اهبطوا إلى الأرض٢ حال كون بعضكم لبعض عدواً، إبليس وذريته عدو لآدم ونبيه، وآدم وبنوه عدو لإبليس وذريته، ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ ، أي مقام استقرار، ﴿ومتاع إلى حين﴾ أي تمتع بالحياة إلى حين انقضاء الآجال وقوله تعالى ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ ٣ يريد من الأرض التي أهبطهم إليها وهي هذه الأرض التي يعيش عليها بنو آدم، والمراد من الخروج، الخروج من القبور إلى البعث والنشور.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- قول آدم وحواء: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا..﴾ الآية هو الكلمة التي ألقاها تعالى إلى آدم فتلقاها عنه فتاب عليه بها.
٢- شرط التوبة الاعتراف بالذنب وذلك بالاستغفار أي طلب المغفرة.
٣- شؤم الخطيئة كان سبب طرد إبليس من الرحمة، وإخراج آدم من الجنة.
٤- لا تَتِمُّ حياةٌ للإنسان على غير الأرض، ولا يدفن بعد موته في غيرها لدلالة آية ﴿فيها تَحْيَوْن وفيها تموتون ومنها تُخْرجون﴾ .
стр. 822
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٢٨)
شرح الكلمات:
وريشاً١: لباس الزينة والحاجة.
يواري سوءاتكم: يستر عوراتكم.
لباس التقوى.: خير في حفظ العورات والأجسام والعقول والأخلاق.
من آيات الله: دلائل قدرته.
لا يفتننكم: أي لا يصرفنكم عن طاعة الله الموجبة لرضاه ومجاورته في الملكوت الأعلى.
أبويكم: آدم وحواء.
قبيله: جنوده من الجن.
فاحشه: خصلة قبيحة شديدة القبح كالطواف بالبيت عراة.
стр. 823
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿يا بني١ آدم قد نزلنا٢ عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً﴾ هذا النداء الكريم المقصود منه تذكير للمشركين من قريش بنعم الله وقدرته عليهم لعلهم يذكرون فيؤمنون ويسلمون بترك الشرك والمعاصي، من نعمه عليهم أن أنزل عليهم لباساً يوارون به سوءاتهم، ﴿وريشاً﴾ لباساً يتجملون به، في أعيادهم ومناسباتهم، ثم أخبر تعالى أن لباس التقوى خير لصاحبه من لباس الثياب، لأن المتقي عبد ملتزم بطاعة الله ورسوله، والله ورسوله يأمران بستر العورات، ودفع الغائلات، والمحافظة على الكرامات، ويأمران بالحياء، والعفة وحسن السمت ونظافة الجسم والثياب فأين لباس الثياب مجردة عن التقوى٣ من هذه؟؟.
وقوله تعالى ﴿ذلك من آيات الله﴾ أي من دلائل قدرته الموجبة للإيمان به وطاعته، وقوله ﴿لعلهم يذكرون﴾ أي رجاء أن يذكروا هذه النعم فيشكروا بالإيمان والطاعة.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٢٦) وفي الآية الثانية (٢٧) ناداهم مرة ثانية فقال ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما٤ سوءاتهما﴾ يحذرهم من إغواء الشيطان لهم مذكراً إياهم بما صنع مع أبويهما من إخراجهما٥ من الجنة بعد نزعه لباسهما عنهما فانكشفت سوءاتهما الأمر الذي سبب إخراجهما من دار السلام، منبهاً لهم على خطورة العدو من حيث أنه يراهم هو وجنوده، وهم لا يرونهم. ثم أخبر تعالى أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، وذلك حسب سنته في خلقه، فالشياطين يمثلون قمة الشر والخبث فالذين لا يؤمنون قلوبهم مظلمة لانعدام نور الإيمان فيها فهي متهيئة
стр. 824
لقبول الشياطين وقبول ما يوسوسون به ويوحونه من أنواع المفاسد والشرور كالشرك والمعاصي على اختلافها، وبذلك تتم الولاية بين الشياطين والكافرين، وكبرهان على هذا الولاء بينهم أن المشركين إذا فعلوا فاحشة خصلة ذميمة قبيحة شديدة القبح ونهوا عنها احتجوا على فعلهم بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها، وأن الله تعالى أمرهم بها وهي حجة باطلة لما يلي:
أولاً: فعل آبائهم ليس ديناً ولا شرعاً.
ثانياً: حاشا لله تعالى الحكيم العليم أن يأمر بالفواحش إنما يأمر بالفواحش الذين يأتونها وهم الشياطين وأولياؤهم من الإنس ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ ووبخهم معنفاً إياهم بقوله: ﴿أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التذكير بنعم الله تعالى المقتضي للشكر عك ذلك بالإيمان والتقوى١.
٢- التحذير من الشيطان وفتنته لاسيما وأنه يرى الإنسان والإنسان لا يراه.
٣- القلوب الكافرة هي الآثمة، وكذلك تتم الولاية بين الشياطين والكافرين.
٤- قبح الفواحش وحرمتها.
٥- بطلان الاحتجاج بفعل الناس إذ لا حجة إلا في الوحي الإلهي.
٦- تنزه الرب تعالى عن الرضا بالفواحش فضلاً عن الأمر بها.
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (٣٠) يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
стр. 825
شرح الكلمات:
القسط١: العدل في القول والحكمة والعمل.
أقيموا وجوهكم: أي أخلصوا العبادة لله واستقبلوا بيته.
كما بدأكم تعودون: كما بدأ خلقكم أول مرة يعيدكم بعد الموت أحياء.
أولياء من دون الله: يوالونهم محبة ونصرة وطاعة، من غير الله تعالى.
زينتكم: أي البسوا ثيابكم عند الدخول في الصلاة.
ولا تسرفوا: في أكل ولا شرب، والإسراف مجاوزة الحد المطلوب في كل شيء.
معنى الآيات:
مازال السياق قي بيان أخطاء مشركي قريش فقد قالوا في الآيات السابقة محتجين على فعلهم الفواحش بأنهم وجدوا آباءهم على ذلك وأن الله تعالى أمرهم بها وأكذبهم الله تعالى في ذلك وقال في هذه الآية (٢٩) ﴿قل﴾ يا رسولنا ﴿أمر ربي بالقسط﴾ الذي هو العدل وهو الإيمان بالله ورسوله وتوحيد الله تعالى في عبادته، وليس هو الشرك بالله وفعل الفواحش، والكذب على الله تعالى بأنه حلل كذا وهو لم يحلل، وحرم كذا وهو لم يحرم، وقوله تعالى ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ أي وقل لهم يا رسولنا أقيموا وجوهكم عند كل مسجد٢ أي أخلصوا لله العبادة، واستقبلوا بيته الحرام، ﴿وادعوه﴾ ﴿مخلصين له الدين﴾ أي ادعوه وحده ولا تدعوا معه أحداً قوله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ يذكرهم بالدار الآخرة والحياة الثانية، فإن من آمن بالحياة بعد الموت والجزاء على كسبه خيراً أو شراً أمكنه أن يستقيم على العدل والخير طوال الحياة وقوله ﴿فريقاً٣ هدى، وفريقاً حق عليهم الضلالة٤﴾ بيان لعدله وحكمته ومظاهر قدرته فهو المبديء والمعيد والهادي والمضل، له الملك المطلق والحكم
стр. 826
الأوحد، فكيف يعدل به أصنام وأوثان هدى فريقاً من عباده فاهتدوا، وأضل آخرين فضلوا ولكن بسبب رغبتهم عن الهداية وموالاتهم لأهل الغواية، ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله﴾ فضلوا ضلالاً بعيداً ﴿ويحسبون﴾ لتوغلهم في الظلام والضلال ﴿أنهم مهتدون﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ أي: البسوا ثيابكم عند الطواف١ بالبيت فلا تطوفوا عراة، وعند الصلاة فلا تصلوا وأنتم مكشوفوا العورات كما يفعل المشركون المتخذون الشياطين أولياء فأضلتهم حتى زينت لهم الفواحش قولاً وفعلاً واعتقاداً. وقوله: ﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا٢﴾ أي كلوا مما أحل الله لكم واشربوا، ولا تسرفوا بتحريم ما أحل الله، وشرع ما لم يشرع لكم فالزموا العدل، فإنه تعالى لا يحب المسرفين فاطلبوا حبه بالعدل، واجتنبوا بغضه بطاعته وطاعة رسوله ﷺ .
من هداية الآيات:
١- وجوب العدل في القول وفي الحكم.
٢- وجوب إخلاص العبادة صلاةً كانت أو دعاءً لله تعالى.
٣- ثبوت القدر.
٤- وجوب ستر العورة في الصلاة.
٥- حرمة الإسراف في الأكل والشرب وفي كل شيء.
стр. 827
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
شرح الكلمات:
من حرم زينة الله: التحريم: المنع، والزينة. ما يتزين به من ثياب وغيرها.
والطيبات: جمع طيب وهو الحلال غير المستخبث.
خالصة: لا يشاركهم فيها الكفار لأنهم في النار.
الفواحش: جمع فاحشة والمراد بها هنا الزنى واللواط السري كالعلني.
والإثم: كل ضار قبيح من الخمر وغيرها من سائر الذنوب.
والبغي بغير الحق: الظلم بغير قصاص ومعاقبة بالمثل.
وأن تشركوا: أي الشرك بالله وهو عبادة غير الله تعالى.
السلطان: الحجة التي تثبت بها الحقوق المختلف فيها أو المتنازع عليها.
أجل: وقت محدد تنتهي إليه.
معنى الآيات:
لما حرم المشركون الطواف بالبيت بالثياب وطافوا بالبيت عراة بدعوى أنهم لا يطوفون بثياب عصوا الله تعالى فيها، أنكر تعالى ذلك عليهم بقوله: ﴿قل من حرم١ زينة الله التي
стр. 828
أخرج لعباده والطيبات من الرزق١﴾ كلحوم ما حرموه من السوائب، فالاستفهام في قوله ﴿قل من حرم زينة الله﴾ للإنكار. ومعنى أخرجها: أنه أخرج النبات من الأرض كالقطن والكتان ومعادن الحديد لأن الدروع من الحديد، وقوله تعالى: ﴿قل هي للذين٢ آمنوا في الحياة الدنيا﴾ بالأصالة، لأن المؤمنين علماء فيحسنون العمل والإنتاج والصناعة، والكفار تبع هم في ذلك لجهلهم وكسلهم وعدم بصيرتهم، ﴿خالصة٣ يوم القيامة﴾ أي هي خالصة للمؤمنين يوم القيامة لا يشاركهم فيها الكفار ولأنهم في دار الشقاء النار والعياذ بالله تعالى وقوله تعالى ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ أي كهذا التفصيل والبيان الذي بيناه وفصلناه في هذه الآيات وما زلنا نفصل ونبين ما ننزل من آيات القرآن الكريم لقوم يعلمون أما غيرهم من أهل الجهل والضلال فإنهم لا ينتفعون بذلك لأنهم محجوبون بظلمة الكفر والشرك ودخان الأهواء والشهوات والشبهات.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٣٢) أما الآية الثانية (٣٣) فقد تضمنت بيان أصول المحرمات وأمهات الذنوب وهي: الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم: وهو سائر المعاصي بترك الواجب أو فعل الحرام والبغي: وهو الاستطالة على الناس والاعتداء عليهم بهضم حقوقهم وأخذ أموالهم وضرب أجسامهم وذلك بغير حق أوجب ذلك الاعتداء وسوغه كأن يعتدي الشخص فيقتص منه ويعاقب بمثل ما جنى وظلم، والشرك بالله تعالى بعبادة غيره، والقول على الله تعالى بدون علم منه وذلك كشرع ما لم يشرع، بتحريم ما لم يحرم، وإيجاب ما لم يوجب.
هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة والأخيرة في هذا السياق (٣٤) فقد أخبر تعالى فيها أن لكل أمة أجلاً محدداً أي وقتاً معيناً يتم هلاكها فيه لا تتقدمه بساعة ولا تتأخر عنه بأخرى. وفي هذا إشارة أفصح من عبارة وهي أن هلاك الأمم والجماعات والأفراد يتم بسبب
стр. 829
انحرافهم عن منهج الحياة، كالمرء يهلك بشرب السم، وبإلقاء نفسه من شاهق، أو إشعال النار في جسمه كذلك ارتكاب أمهات الذنوب وأصول المفاسد التي ذكر تعالى في قوله ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش.....﴾ من شأنها أن تودي بحياة مرتكبيها لا محالة ما لم يتوبوا منها وتصلح حالهم بالعودة إلى منهج الحياة الذي وضع الله في الإيمان والتوحيد والطاعة لله ورسوله بفعل كل أمر وترك كل نهي.
هداية الآيات
هن هداية الآيات:
١- الإنكار الشديد على من يحرم ما أحل الله من الطيبات كبعض المتنطعين١.
٢- المستلذات من الطعام والشراب والمزينات من الثياب وغيرها المؤمنون أولى بها من غيرهم لأنهم يحسنون العمل، ويبذلون الجهد لاستخراجها والانتفاع بها. بخلاف أهل الجهالات فإنهم عمي لا يبصرون ومقعدون لا يتحركون. وإن قيل العكس هو الصحيح فإن أمم الكفر وأوربا وأمريكا هي التي تقدمت صناعياً وتمتعت بما يتمتع به المؤمنون؟ فالجواب: أن المؤمنين صرفوا عن العلم والعمل وأقعدوا عن الإنتاج والاختراع بإفساد أعدائهم لهم عقولهم وعقائدهم، فعوقوهم عن العمل مكراً بهم وخداعاً لهم. والدليل أن المؤمنين لما كانوا كاملين في إيمانهم كانوا أرقى الأمم وأكملها حضارة وطهارة وقوة وإنتاجاً مع أن الآية تقول ﴿ ... لقوم يعلمون﴾ فإذا حل الجهل محل العلم فلا إنتاج ولا اختراع ولا حضارة.
٣- بيان أصول المفاسد وهي الفواحش وما ذكر بعدها إلى ﴿.....وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ .
٤ - ذكرت هذه المفاسد بطريق التدلي آخرها أخطرها وهكذا أخفها أولها.
٥- أجل٢ الأمم كأجل الأفراد يتم الهلاك عند انتظام المرض كامل الأمة أو أكثر أفرادها كما يهلك الفرد عندما يستشري المرض في كامل جسمه.
стр. 830
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)
شرح الكلمات:
إما يأتينكم: أصل إما إن –الشرطية- وما زائدة لتقوية الكلام أدغمت فيها (إن) فصارت إما.
يقصون١ عليكم آياتي: يتلونها عليكم آية بعد آية مبينين لكم ما دلت عليه من أحكام الله وشرائعه، ووعده ووعيده.
فمن اتقى: أي الشرك فلم يشرك وأصلح نفسه بالأعمال الصالحة.
فلا خوف عليهم: في الدنيا والآخرة.
ولا يحزنون: على ما تركوا وراءهم أو فاتهم الحصول عليه من أمور الدنيا.
معنى الآيتين:
هذا النداء جائز أن يكون نداءً عاماً لكل بني آدم كما هو ظاهر اللفظ وأن البشرية كلها نوديت به على ألسنة رسلها، وجائز أن يكون خاصاً بمشركي العرب وأن يكون المراد من الرسل محمد ﷺ ذكر بصيغة الجمع تعظيماً وتكريماً له، وما نوديت إليه البشرية أو مشركوا العرب هو إخبار الله تعالى لهم بأن من جاءه رسول من جنسه يتلو عليه آيات ربه وهي تحمل العلم بالله وصفاته وبيان محابه ومساخطه، فمن اتقى الله فترك الشرك به، وأصلح ما أفسده قبل العلم من نفسه وخلقه وعقله وذلك بالإيمان والعمل الصالح فهؤلاء في حكم الله أنه ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في الحياتين٢ معاً، أما الذين كذبوا بآيات الله التي جاءت
стр. 831
الرسل بها وقصتها عليهم واستكبروا١ عن العمل بها كما استكبروا عن الإيمان بها، فأولئك البعداء من كل خير ﴿أصحاب النار﴾ أي أهلها ﴿هم فيها خالدون﴾ لا يخرجون منها بحال من الأحوال.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- قطع حجة بني آدم بإرسال الرسل إليهم.
٢- أول ما يبدأ به في باب التقوى الشرك بأن يتخلى عنه الإنسان المؤمنين أولاً.
٣- الإصلاح يكون بالأعمال الصالحة التي شرعها الله مزكية للنفوس مطهرة لها.
٤- التكذيب كالاستكبار كلاهما مانع من التقوى والعمل الصالح. ولذا أصحابهما هم أصحاب النار.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
стр. 832
بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
شرح الكلمات:
فمن أظلم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولذا المشرك ظالم لأنه وضع العبادة في غير موضعها حيث عبد بها من لا يستحقها.
نصيبهم: ما قدر لهم في كتاب المقادير.
رسلنا: المراد بهم ملك الموت وأعوانه.
قالوا ضلوا عنا: غابوا عنا فلم نرهم ولم نجدهم.
في أمم: أي في جملة أمم.
اداركو: أي تداركوا ولحق بعضهم بعضا حتى دخلوها كلهم.
أخراهم لأولاهم: الأتباع قالوا للرؤساء في الضلالة وهم المتبوعون.
تكسبون: من الظلم والشر والفساد.
يلج الجمل في سم الخياط: أي يدخل الجمل في ثقب الإبرة.
المجرمين: الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والمعاصي.
مهاد: فراش يمتهدونه من النار.
غواش: أغشية يتغطون بها من النار كذلك.
معنى الآيات:
يخبر تعالى بأنه لا أظلم ولا أجهل ولا أضل ممن يفترى على الله الكذب فيقول اتخذ ولداً أو أمر بالفواحش، أو حرم كذا وهو لم يحرم، أو كذب بآياته التي جاءت بها رسله فجحدها وعاند في ذلك وكابر، فهؤلاء المفترون المكذبون يخبر تعالى أنه ﴿ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾
стр. 833
أي ما كتب لهم في اللوح المحفوظ من خير وشر وسعادة أو شقاء١ ﴿حتى٢ إذا جاءتهم رسلنا﴾ أي ملك الموت وأعوانه ﴿يتوفونهم﴾ يقولون لهم ﴿أين ما كنتم تدعون من دون الله﴾ أي تعبدون من أولياء؟ فيجيبون قائلين: ﴿ضلوا عنا﴾ أي غابوا فلم نرهم. قال تعالى: ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ ويوم القيامة يقال لهم ﴿ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس﴾ في النار، فيدخلون ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ فلعن المشركون بعضهم بعضاً، واليهود والنصارى كذلك، ﴿حتى إذا اداركوا فيها جميعاً﴾ أي تلاحقوا وتم دخولهم النار أخذوا يشتكون ﴿قالت أخراهم لأولاهم ربنا﴾ أي يا ربنا ﴿هؤلاء أضلونا﴾ عن صراطك فلم نعبدك ﴿فأتهم عذاباً ضعفاً﴾ أي مضاعفاً ﴿من النار﴾ ، فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿لكل ضعف﴾ لكل واحدة منكم ضعف من العذاب ﴿ولكن لا تعلمون﴾ ، إذ الدار دار عذاب فهو يتضاعف على كل من فيها، وحينئذ ﴿قالت أولاهم لأخراهم ما كان لكم علينا من٣ فضل، فذوقوا٤ العذاب بما كنتم تكسبون﴾ أي من الشرك والافتراء على الله والتكذيب بآياته، ومجانبة طاعته وطاعة رسوله.
هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآيتان الرابعة والخامسة فإن الرابعة قررت حكماً عظيماً وهو أن الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا٥ عنها فلم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات وعاشوا عاد الشرك والشر والفساد هؤلاء إذا مات أحدهم وعرجت الملائكة بروحه إلى السماء لا تفتح له أبوب السماء٦، ويكون مآلهم النار كما قال تعالى ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ فعلق دخولهم الجنة على مستحيل وهو دخول الجمل في ثقب الإبرة، والمعلق عاد مستحيل مستحيل. قال تعالى: ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ على أنفسهم حيث أفسدوها بالشرك والمعاصي. هذا ما تضمنته الآية الرابعة، وهي قوله تعالى: ﴿إن الذين
стр. 834
كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط١ وكذلك نجزي المجرم﴾ ٢.
أما الخامسة فقد تضمنت الخبر التالي: ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ أمم أغطية من النار وكما جزى تعالى هؤلاء المكذبين المستكبرين والمجرمين يجزي بعدله الظالمين لأنفسهم حيث لوثوها وخبثوها بأوضار الذنوب والآثام.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- شر الظلم ما كان كذباً على الله وتكذيباَ بشرائعه.
٢- تقرير فتنة القبر٣ وعذابه.
٣- لعن أهل النار بعضهم بعضاً حنقاً على بعضهم بعضاً إذ كان كل واحد سبباً في عذاب الآخرة.
٤- بيان جزاء المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها وهو الحرمان من دخول الجنة وكذلك المجرمون والظالمون.
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
стр. 835
شرح الكلمات:
إلا وسعها: طاقتها وما تتحمله وتقدر عليه من العمل.
ونزعنا: أي أقلعنا وأخرجنا.
من غل: أي من حقد وعداوة.
هدانا لهذا: أي للعمل الصالح في الدنيا الذي هذا جزاؤه وهو الجنة.
بما كنتم تعملون: أي بسبب أعمالكم الصالحة من صلاة وصيام وصدقات وجهاد.
معنى الآيتين:
لما ذكر تعالى جزاء أهل التكذيب والاستكبار عن الإيمان والعمل الصالح وكان شقاءً وحرماناً ذكر جزاء أهل الإيمان والعمل الصالح فقال: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ، ولما كان العمل منه الشاق الذي لا يطاق ومنه السهل الذي يقدر عليه قال: ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أي ما تقدر عليه من العمل ويكون في استطاعتها، ثم أخبر عن المؤمنين العاملين للصالحات فقال ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ . كما أخبر في الآية الثانية أنه طهرهم باطناً فنزع ما في صدورهم من غل١ على بعضهم بعضاً، وأن الأنهار تجري من تحت قصورهم، وأنهم قالوا شاكرين نعم الله عليهم: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ أي لعمل صالح هذا جزاؤه أي الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وقرروا حقيقة وهي أن هدايتهم التي كان جزاؤها الجنة لم يكونوا ليحصلوا عليها لولا أن الله تعالى هو الذي هداهم فقالوا: ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ٢ ثم قالوا والله ﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ فهاهم أهل الكفر والمعاصي في النار، وها نحن أهل الإيمان والطاعات في نعيم الجنة فصدقت الرسل فيما أخبرت به من وعد ووعيد، وناداهم ربهم : هو الذي هداهم فقالوا: ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ، ثم قالوا والله ﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ فها هم أهل الكفر والمعاصي في النار، وها نحن أهل الإِيمان والطاعات في نعيم الجنة فصدقت الرسل فيما أخبرت به من وعد ووعيد، وناداهم ربهم : ﴿أن تلكم الجنة أورثتموها٣ بما كنتم تعملون﴾ فيزداد بذلك نعيمهم وتعظم سعادتهم.
стр. 836
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- الإيمان والعمل الصالح موجبان لدخول الجنة مقتض للكرامة في الدارين.
٢- لا مشقة لا تحتمل في الدين الصحيح الذي جاءت به الرسل إلا ما كان عقوبة.
٣- لا عداوة ولا حسد في الجنة.
٤- الهداية هبة من الله فلا تطلب إلا منه، ولا يحصل عليها إلا بطلبها منه تعالى.
٥- صدقت الرسل فيما أخْبَرَتْ به من شأن الغيب وغيره.
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
شرح الكلمات:
فأذن مؤذن: أي أعلن بأعلى صوته أن لعنة الله على الظالمين.
لعنة الله: أي أمره بطرد الظالمين من الرحمة إلى العذاب.
يصدون عن سبيل الله: سبيل الله هي الإسلام والصد: الصرف فهم صرفوا أنفسهم وصرفوا غيرهم.
ويبغونها عوجاً: يطلبون الشريعة أن تميل مع ميولهم وشهواتهم فتخدم أغراضهم.
وبينهما حجاب. أي باب أهل الجنة وأهل النار حاجز فاصل وهو سور الأعراف.
وعلى الأعراف: سور بين الجنة والنار قال تعالى من سورة الحديد ﴿فضرب بينهم بسور﴾ .
стр. 837
يعرفون كلاً بسيماهم: أي كل من أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم.
صرفت أبصارهم: أي نظروا إلى الجهة التي فيها أصحاب النار.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار فيخبر تعالى أن أصحاب الجنة نادوا أصحاب النار قائلين لهم إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا به هن الجنة ونعيمها حقاً، فهل١ وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من النار وعذابها حقاً؟ فأجابوهم: نعم٢ إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، وهنا أذن مؤذن قائلاً: لعنة٣ الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله التي هي الإسلام الموصل إلى رضا الله تعالى والجنة، ويبغونها عوجاً أي يريدون سبيل الله معوجة تدور معهم حيث داروا في شرورهم ومفاسدهم، وشهواتهم وأهوائهم، وهم بالآخرة كافرون أيضاً فهؤلاء يلعنونهم: لعنة الله على الظالمين الذين تلك صفاتهم قال تعالى في الآية الثالثة: ﴿وبينهما﴾ أي بين أهل الجنة وأهل النار ﴿حجاب﴾ فاصل أي حاجز وهو مكان على مرتفع، وعليه رجال من بني آدم استوت سيئاتهم وحسناتهم فحبسوا هناك حتى يقضي بين أهل الموقف فيحكم فيهم بدخولهم الجنة إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿يعرفون كلاً بسيماهم﴾ أي يعرفون أهل الجنة بسيماهم وهي بياض الوجوه ونضرة النعيم، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة العيون.
﴿ونادوا أصحاب الجنة﴾ أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين: سلام عليكم يتطمعون بذلك كما قال تعالى ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء٤ أصحاب النار﴾ أي نظروا إلى جهة أهل النار فرأوا أهلها مسودة وجوههم زرق أعينهم يكتنفهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، رفعوا أصواتهم قائلين: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ أي أهل النار لأنهم دخلوها بظلمهم والعياذ بالله.
стр. 838
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجود اتصال كامل بين أهل الجنة وأهل النار متى أراد أحدهم ذلك بحيث إذا أراد من في الجنة أن ينظر إلى من في النار ويخاطبه تم له ذلك.
٢- يجوز إطلاق لفظ الوعد على الوعيد للمشاكلة أو التهكم كما في هذه الآيات.
٣- التنديد بالصد عن سبيل الله، والظلم والكفر بالآخرة وهي أسباب الشقاء في الدار الآخرة.
٤- تقرير مبدأ ثقل الحسنات ينجي وخفتها تردي، ومن استوت حسناته وسيئاته ينجو آخر من ينجو من دخول النار.
٥- مشروعية الطمع إذا كان مقتضاه موجوداً.
وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)
شرح الكلمات:
بسيماهم: السيما العلامة الدالة على من هي فيه.
جمعكم: أي للمال وللرجال كالجيوش.
стр. 839
أهؤلاء: إشارة إلى ضعفاء المسلمين وهم في الجنة.
أو مما رزقكم الله: أي من الطعام والشراب.
حرمهما: منعهما.
معنى الآيات:
مازال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار قال تعالى: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالاً﴾ أي من أهل النار يعرفونهم بسيماهم التي هي سيما أصحاب النار من سواد الوجوه وزرقة العيون نادوهم قائلين: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم﴾ أي للأموال والرجال للحروب والقتال، كما لم يغن عنكم استكباركم عن الحق وترفعكم عن قبوله وها أنتم في أشد ألوان العذاب، ثم يشيرون لهم إلى ضعفة المسلمين الذين يسخرون منهم في الدنيا ويضربونهم ويهينونهم١ ﴿أهؤلاء الذين أقسمتم﴾ أي حلفتم ﴿لا ينالهم الله برحمة٢﴾ ثم يقال لأصحاب الأعراف ﴿ادخلوا٣ الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ .
وفي الآية الثالثة يقول تعالى مخبراً عن أصحاب النار وأصحاب الجنة ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب٤ الجنة أن أفيضوا علينا من الماء﴾ ٥ وذلك لشدة عطشهم ﴿أو مما رزقكم الله﴾ أي من الطعام وذلك لشدة جوعهم فيقال لهم: ﴿إن الله حرمهما﴾ أي شراب الجنة وطعامها ﴿على الكافرين﴾ فلا ينالوهما بحال من الأحوال.
ثم وصف الكافرين ليعرض جرائمهم التي اقتضت حرمانهم وعذابهم ليكون ذلك عظة وعبرة للكفار من قريش ومن سائر الناس فقال وهو ما تضمنته الآية الرابعة ﴿الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا يومهم هذا فلم يعملوا له من الإيمان والصالحات، وبسبب جحودهم لآياتنا الداعية إلى الإيمان وصالح الأعمال.
стр. 840
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عدم إغناء المال والرجال أيَّ إغناء لمن مات كافراً مشركاً من أهل الظلم والفساد.
٢- بشرى الضعفة من المسلمين بدخول الجنة وسعادتهم فيها.
٣- تحريم اتخاذ شيء من الدين لهواً ولعباً.
٤- التحذير من الاغترار بالدنيا حتى ينسى العبد آخرته فلم يعد لها ما ينفعه فيها من الإيمان وصالح الأعمال.
وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)
شرح الكلمات:
ولقد جئناهم: أي أهل أولاً ثم سائر الناس.
بكتاب: القرآن العظيم.
فصلناه على علم: بيناه على علم منَّا فبيّنا حلاله وحرامه ووعده ووعيده وقصصه ومواعظه وأمثاله.
стр. 841
تأويله: تأويل ما جاء في الكتاب من وعد ووعيد أي عاقبة ما أنذروا به.
وضل عنهم: أي ذهب ولم يعثروا عليه.
في ستة أيام: هي الأحد إلى الجمعة.
يغشي الليل النهار: يغطي كل واحد منهما الآخر عند مجيئه.
حثيثاً: سريعاً بلا انقطاع.
مسخرات: مذللات.
ألا: أداة استفتاح وتنبيه (بمنزلة ألو للهاتف) .
له الخلق والأمر: أي له المخلوقات والتصرف فيها وحده لا شريك له.
تبارك: أي عظمت قدرته، وجلت عن الحصر خيراته وبركاته.
العالمين: كل ما سوى الله تعالى فهو عالم أي علامة على خالقه وإلهه الحق.
معنى الآيات:
بعد ذلك العرض لأحوال الناس يوم القيامة ومشاهد النعيم والجحيم أخبر تعالى أنه جاء قريشاً لأجل هدايتهم بكتاب عظيم هو القرآن الكريم وفصّله تفصيلاً فبين التوحيد ودلائله، والشرك وعوامله، والطاعة وآثارها الحسنة والمعصية وآثارها السيئة في الحال والمآل وجعل الكتاب هدى أي هادياً ورحمة يهتدي به المؤمنون وبه يرحمون.
هذا ما تضمنته الآية الأولى (٥٢) وهي قوله تعالى: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصَّلناه على علم١ هدىً٢ ورحمةً لقوم يؤمنون﴾ وأما الآية الثانية (٥٣) فقد استبطأ الحق تعالى فيها إيمان أهل مكة الذين جاءهم بالكتاب المفصّل المبيَّن فقال: ﴿هل يَنْظُرون﴾ أي ما ينظرون ﴿إلاّ تأويله﴾ أي عاقبة ما أخبر به القرآن من القيامة وأهوالها، والنار وعذابها، وعندئذ يؤمنون، وهل ينفع يومئذ الإيمان؟ وهاهم أولاء يقولون ﴿يوم يأتي تأويله﴾ وينكشف الغطاء عما وعد به، ﴿يقول الذين نسوه من قبل﴾ أي قبل وقوعه، وذلك في الحياة الدنيا، نسوه فلم يعملوا بما ينجيهم فيه من العذاب يقولون: ﴿قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ اعترفوا بما
стр. 842
كانوا به يجحدون ويكذبون ثم يتمنون ما لا يتحقَّق لهم أبداً فيقولون: ﴿فهل١ لنا من شفعاء فيشفعوا لنا؟ أو نردُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾ من الشرك والشر والفساد. وتذهب تمنياتهم أدراج الرياح، ولم يرُعْهُمْ إلا الإعلان التالي: ﴿قد خسروا٢ أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ ، خسروا أنفسهم في جهنم، وضاع منهم كلَّ أمل وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أنَّ آلهتهم وأولياءهم يشفعون لهم فينجونهم من النار ويدخلونهم الجنة.
وفي الآية الأخيرة يقول تعالى لأولئك المتباطئين في إيمانهم ﴿إنَّ ربَّكم﴾ الذي يُحبُّ أن تعبدوه وتدعوه وتتقربوا إليه وتطيعوه ﴿اللهُ الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغْشِي اللّيْلَ النَّهار يطلبه٣ حثيثاً والشمس والقمرَ والنجّومَ مسخراتٍ بأمره﴾ هذا هو ربكم الحق وإلهكم الذي لا إله لكم غيره، ولا ربَّ لكم سواه، أمّا الأصنام والأوثان فلن تكون ربّاً ولا إلهاً لأحد أبداً لأنّها مخلوقة غير خالقة وعاجزة عن نفع نفسها، ودفع الضّر عنها فكيف بغيرها؟ إنّ ربّكم ومعبودكم الحقّ الذي له٤ الخلق كلّه ملكاً وتصرفاً وله الأمر وحده يتصرف كيف يشاء في الملكوت كله. علويّه وسفليّه فتبارك الله رب العالمين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- لا ينفع الإيمان عند معاينة الموت والعذاب كما لا ينفع يوم القيامة.
٢- يحسن التثبت في الأمر والتأني عند العمل وترك العجلة، فالله قادرٌ على خلق السمَّوات والأرض في ساعة ولكن خلقها في ستة٥ أيام بمقدار أيام الدّنيا تعليماً وإرشاداً إلى التثبت في الأمور والتأني فيها.
٣- صفة من صفات الرب تعالى التي يجب الإيمان بها ويحرم تأويلها أو تكييفها وهي
стр. 843
استواؤه تعالى على عرشه. ١
٤- انحصار الخلق كلّ الخلق فيه تعالى فلا خالق إلا هو، والأمر كذلك فلا آمر ولا ناهي غيره. هنا قال عمر: من بقي له شيء فليطلبه إذ لم يبق شيء ما دام الخلق والأمر كلاهما لله.
ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
شرح الكلمات:
ادعوا ربكم: سلوه حوائجكم الدنيوية والأخروية فإنّه ربّكم فلا تستحيوا من سؤاله.
تضرعاً وخفية: أي حال كونكم ضارعين متذللين مخفي الدعاء غير رافعين أصواتكم به.
المعتدين: أي في الدعاء وغيره والاعتداء في الدعاء أن يسأل الله ما لم تجر سنته بإعطائه أو إيجاده أو تغييره كأن يسأل أن يكون نبياً أو أن يرد طفلاً أو صغيراً، أو يرفع صوته بالدعاء.
ولا تفسدوا في الأرض: أي بالشرك والمعاصي بعد إصلاحها بالتوحيد والطاعات.
المحسنين: الذين يحسنون أعمالهم ونياتهم، بمراقبتهم الله تعالى في كل أحوالهم.
معنى الآيات:
ما عرّف تعالى عباده بنفسه وأنه ربهم الحق وإلههم، وأنه الخالق الآمر المتصرف بيده كل شيء أمرهم إرشاداً لهم أن يدعوه، وبين لهم الحال التي يدعونه عليها، ليستجيب لهم
стр. 844
فقال: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً١﴾ أي تذللاً وخشوعاً ﴿وخفية﴾ ٢ أي سراً لا جهراً، ونهاهم عن الاعتداء في الدعاء حيث أعلمهم أنه لا يحب المعتدين، والاعتداء في الدعاء أي يُدْعَى غير الله تعالى أو يدعى معه غيره، ومنه طلب ذوات الأسباب بدون إعداد أسبابها، أو سؤال ما لم تجر سنة الله به كسؤال المرء أن يكون نبياً أو يرد من كهولته إلى شبابه أو من شبابه إلى طفولته.
ثم بعد هذا الإرشاد والتوجيه إلى ما يكملهم ويسعدهم نهاهم عن الفساد في الأرض بعد أن أصلحها تعالى والفساد في الأرض يكون بالشرك والمعاصي، والمعاصي تشمل سائر المحرمات كقتل الناس وغصب أموالهم وإفساد زروعهم وإفساد عقولهم بالسحر والمخدرات وأعراضهم بالزنى والموبقات. ومرة أخرى يحضهم على دعائه لأن الدعاء هو العبادة وفي الحديث الصحيح "الدعاء هو العبادة" فقال: ادعوا ربكم أي سلوه حاجاتكم حال كونكم في دعائكم خائفين من عذابه طامعين راجين رحمته وبين لهم أن رحمته قريب٣ من المحسنين الذين يحسنون نيّاتهم وأعمالهم ومن ذلك الدعاء فمن أحسن الدعاء ظفر بالإجابة، فثواب المحسنين قريب الحصول بخلاف المسيئين فإنه لا يستجاب لهم.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- وجوب دعاء الله تعالى فإن الدعاء هو العبادة.
٢- بيان آداب الدعاء وهو: أن يكون الداعي ضارعاً متذللاً، وأن يخفي دعاءه فلا يجهر به، وأن يكون حال الدعاء خائفاً طامعاً٤، وأن لا يعتدي في الدعاء بدعاء غير الله تعالى أو سؤال ما لم تجر سنة الله بإعطائه.
٣- حرمة الإفساد في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله تعالى بالإسلام.
٤- الترغيب في الإحسان مطلقاً خاصاً وعاماً حيث أن الله تعالى يحب أهله.
стр. 845
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
شرح الكلمات:
الرياح: جمع ريح وهو الهواء المتحرك.
بشيراً١: جمع بشير أي مبشرات بقرب نزول المطر، قرىء نشراً أي تنشر السحاب للأمطار.
رحمته: أي رحمة الله تعالى وهي المطر.
أقلت سحاباً ثقالاً: أي حملت سحاباً ثقالاً مشبعاً ببخار الماء.
ميت: لا نبات به ولا عب ولا كلأ.
كذلك نخرج الموتى: أي كذلك نحيي الموتى ونخرجهم من قبورهم أحياء.
تذكرون: تذكرون فتؤمنون بالبعث والجزاء.
الطيب: أي الطيب التربة.
خبث: أي خبثت تربته بأن كانت سبخة.
إلا نَكِداً: أي إلا عسراً.
نصرف الآيات: أي ننوعها ونخالف بين أساليبها ونذكر في بعضها ما لم نذكره في بعضها للهداية والتعليم.
لقوم يشكرون: لأنهم هم الذين ينتفعون بالنعم بشكرها بصرفها في محاب الله تعالى.