← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تأويله: تأويل ما جاء في الكتاب من وعد ووعيد أي عاقبة ما أنذروا به. وضل عنهم: أي ذهب ولم يعثروا عليه. في ستة أيام: هي الأحد إلى الجمعة. يغشي الليل النهار: يغطي كل واحد منهما الآخر عند مجيئه. حثيثاً: سريعاً بلا انقطاع. مسخرات: مذللات. ألا: أداة استفتاح وتنبيه (بمنزلة ألو للهاتف) . له الخلق والأمر: أي له المخلوقات والتصرف فيها وحده لا شريك له. تبارك: أي عظمت قدرته، وجلت عن الحصر خيراته وبركاته. العالمين: كل ما سوى الله تعالى فهو عالم أي علامة على خالقه وإلهه الحق. معنى الآيات: بعد ذلك العرض لأحوال الناس يوم القيامة ومشاهد النعيم والجحيم أخبر تعالى أنه جاء قريشاً لأجل هدايتهم بكتاب عظيم هو القرآن الكريم وفصّله تفصيلاً فبين التوحيد ودلائله، والشرك وعوامله، والطاعة وآثارها الحسنة والمعصية وآثارها السيئة في الحال والمآل وجعل الكتاب هدى أي هادياً ورحمة يهتدي به المؤمنون وبه يرحمون. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٥٢) وهي قوله تعالى: ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصَّلناه على علم١ هدىً٢ ورحمةً لقوم يؤمنون﴾ وأما الآية الثانية (٥٣) فقد استبطأ الحق تعالى فيها إيمان أهل مكة الذين جاءهم بالكتاب المفصّل المبيَّن فقال: ﴿هل يَنْظُرون﴾ أي ما ينظرون ﴿إلاّ تأويله﴾ أي عاقبة ما أخبر به القرآن من القيامة وأهوالها، والنار وعذابها، وعندئذ يؤمنون، وهل ينفع يومئذ الإيمان؟ وهاهم أولاء يقولون ﴿يوم يأتي تأويله﴾ وينكشف الغطاء عما وعد به، ﴿يقول الذين نسوه من قبل﴾ أي قبل وقوعه، وذلك في الحياة الدنيا، نسوه فلم يعملوا بما ينجيهم فيه من العذاب يقولون: ﴿قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ اعترفوا بما

стр. 842

كانوا به يجحدون ويكذبون ثم يتمنون ما لا يتحقَّق لهم أبداً فيقولون: ﴿فهل١ لنا من شفعاء فيشفعوا لنا؟ أو نردُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾ من الشرك والشر والفساد. وتذهب تمنياتهم أدراج الرياح، ولم يرُعْهُمْ إلا الإعلان التالي: ﴿قد خسروا٢ أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ ، خسروا أنفسهم في جهنم، وضاع منهم كلَّ أمل وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أنَّ آلهتهم وأولياءهم يشفعون لهم فينجونهم من النار ويدخلونهم الجنة. وفي الآية الأخيرة يقول تعالى لأولئك المتباطئين في إيمانهم ﴿إنَّ ربَّكم﴾ الذي يُحبُّ أن تعبدوه وتدعوه وتتقربوا إليه وتطيعوه ﴿اللهُ الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغْشِي اللّيْلَ النَّهار يطلبه٣ حثيثاً والشمس والقمرَ والنجّومَ مسخراتٍ بأمره﴾ هذا هو ربكم الحق وإلهكم الذي لا إله لكم غيره، ولا ربَّ لكم سواه، أمّا الأصنام والأوثان فلن تكون ربّاً ولا إلهاً لأحد أبداً لأنّها مخلوقة غير خالقة وعاجزة عن نفع نفسها، ودفع الضّر عنها فكيف بغيرها؟ إنّ ربّكم ومعبودكم الحقّ الذي له٤ الخلق كلّه ملكاً وتصرفاً وله الأمر وحده يتصرف كيف يشاء في الملكوت كله. علويّه وسفليّه فتبارك الله رب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- لا ينفع الإيمان عند معاينة الموت والعذاب كما لا ينفع يوم القيامة. ٢- يحسن التثبت في الأمر والتأني عند العمل وترك العجلة، فالله قادرٌ على خلق السمَّوات والأرض في ساعة ولكن خلقها في ستة٥ أيام بمقدار أيام الدّنيا تعليماً وإرشاداً إلى التثبت في الأمور والتأني فيها. ٣- صفة من صفات الرب تعالى التي يجب الإيمان بها ويحرم تأويلها أو تكييفها وهي

стр. 843

استواؤه تعالى على عرشه. ١ ٤- انحصار الخلق كلّ الخلق فيه تعالى فلا خالق إلا هو، والأمر كذلك فلا آمر ولا ناهي غيره. هنا قال عمر: من بقي له شيء فليطلبه إذ لم يبق شيء ما دام الخلق والأمر كلاهما لله. ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) شرح الكلمات: ادعوا ربكم: سلوه حوائجكم الدنيوية والأخروية فإنّه ربّكم فلا تستحيوا من سؤاله. تضرعاً وخفية: أي حال كونكم ضارعين متذللين مخفي الدعاء غير رافعين أصواتكم به. المعتدين: أي في الدعاء وغيره والاعتداء في الدعاء أن يسأل الله ما لم تجر سنته بإعطائه أو إيجاده أو تغييره كأن يسأل أن يكون نبياً أو أن يرد طفلاً أو صغيراً، أو يرفع صوته بالدعاء. ولا تفسدوا في الأرض: أي بالشرك والمعاصي بعد إصلاحها بالتوحيد والطاعات. المحسنين: الذين يحسنون أعمالهم ونياتهم، بمراقبتهم الله تعالى في كل أحوالهم. معنى الآيات: ما عرّف تعالى عباده بنفسه وأنه ربهم الحق وإلههم، وأنه الخالق الآمر المتصرف بيده كل شيء أمرهم إرشاداً لهم أن يدعوه، وبين لهم الحال التي يدعونه عليها، ليستجيب لهم

стр. 844

فقال: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً١﴾ أي تذللاً وخشوعاً ﴿وخفية﴾ ٢ أي سراً لا جهراً، ونهاهم عن الاعتداء في الدعاء حيث أعلمهم أنه لا يحب المعتدين، والاعتداء في الدعاء أي يُدْعَى غير الله تعالى أو يدعى معه غيره، ومنه طلب ذوات الأسباب بدون إعداد أسبابها، أو سؤال ما لم تجر سنة الله به كسؤال المرء أن يكون نبياً أو يرد من كهولته إلى شبابه أو من شبابه إلى طفولته. ثم بعد هذا الإرشاد والتوجيه إلى ما يكملهم ويسعدهم نهاهم عن الفساد في الأرض بعد أن أصلحها تعالى والفساد في الأرض يكون بالشرك والمعاصي، والمعاصي تشمل سائر المحرمات كقتل الناس وغصب أموالهم وإفساد زروعهم وإفساد عقولهم بالسحر والمخدرات وأعراضهم بالزنى والموبقات. ومرة أخرى يحضهم على دعائه لأن الدعاء هو العبادة وفي الحديث الصحيح "الدعاء هو العبادة" فقال: ادعوا ربكم أي سلوه حاجاتكم حال كونكم في دعائكم خائفين من عذابه طامعين راجين رحمته وبين لهم أن رحمته قريب٣ من المحسنين الذين يحسنون نيّاتهم وأعمالهم ومن ذلك الدعاء فمن أحسن الدعاء ظفر بالإجابة، فثواب المحسنين قريب الحصول بخلاف المسيئين فإنه لا يستجاب لهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- وجوب دعاء الله تعالى فإن الدعاء هو العبادة. ٢- بيان آداب الدعاء وهو: أن يكون الداعي ضارعاً متذللاً، وأن يخفي دعاءه فلا يجهر به، وأن يكون حال الدعاء خائفاً طامعاً٤، وأن لا يعتدي في الدعاء بدعاء غير الله تعالى أو سؤال ما لم تجر سنة الله بإعطائه. ٣- حرمة الإفساد في الأرض بالشرك والمعاصي بعد أن أصلحها الله تعالى بالإسلام. ٤- الترغيب في الإحسان مطلقاً خاصاً وعاماً حيث أن الله تعالى يحب أهله.

стр. 845

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) شرح الكلمات: الرياح: جمع ريح وهو الهواء المتحرك. بشيراً١: جمع بشير أي مبشرات بقرب نزول المطر، قرىء نشراً أي تنشر السحاب للأمطار. رحمته: أي رحمة الله تعالى وهي المطر. أقلت سحاباً ثقالاً: أي حملت سحاباً ثقالاً مشبعاً ببخار الماء. ميت: لا نبات به ولا عب ولا كلأ. كذلك نخرج الموتى: أي كذلك نحيي الموتى ونخرجهم من قبورهم أحياء. تذكرون: تذكرون فتؤمنون بالبعث والجزاء. الطيب: أي الطيب التربة. خبث: أي خبثت تربته بأن كانت سبخة. إلا نَكِداً: أي إلا عسراً. نصرف الآيات: أي ننوعها ونخالف بين أساليبها ونذكر في بعضها ما لم نذكره في بعضها للهداية والتعليم. لقوم يشكرون: لأنهم هم الذين ينتفعون بالنعم بشكرها بصرفها في محاب الله تعالى.

стр. 846

معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان مظاهر القدرة الربانية والرحمة الإلهية الموجبة لعبادته تعالى وحده دون سواه قال تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشراً﴾ وهو أي ربكم الحق الذي لا إله إلا هو وبشراً أي مبشرات١ ونشراً أي تنشر الرياح تحمل السحب الثقال ليسقي الأرض الميتة فتحيا بالزروع والنباتات لتأكلوا وترعوا أنعامكم، وبمثل هذا التدبير ني إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها يحييكم بعد موتكم فيخرجكم من قبوركم أحياء ليحاسبكم على كسبكم في هذه الدار ويجزيكم به الخير بالخير والشر بمثله جزاء عادلاً لا ظلم فيه وهذا الفعل الدال على القدرة والرحمة ولطف التدبير يُريكموه فترونه بأبصاركم لعلكم به تذكرون أن القادر على إحياء موات الأرض قادر على إحياء موات الأجسام فتؤمنوا بلقاء ربكم وتوقنوا به فتعملوا بمقتضى ما يسعدكم ولا يشقيكم فيه. هذا ما تضمنته الآية الأولى (٥٧) ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته﴾ أي المطر ﴿حتى إذا أقلَّت﴾ أي حملت ﴿سحاباً ثقالاً﴾ أي ببخار الماء ﴿سقناه﴾ بقدرتنا ولطف تدبيرنا ﴿لبلد ميت٢﴾ لا حياة به لا نبات ولا زرع، ولا عشب ﴿فأنزلنا به﴾ أي بالسحاب ﴿الماء﴾ العذب الفرات، ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ المختلفة الألوان والروائح والطعوم ﴿كذلك نخرج الموتى﴾ كهذا الإخراج للنبات من الأرض الميتة نخرج الموتى٣ من قبورهم وعملنا هذا نسمعكم إياه ونريكموه بأبصاركم رجاء أن تذكروا فتذكروا أن القادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى رحمة منا بكم وإحساناً منا إليكم. أما الآية الثانية (٥٨) فقد تضمنت مثلاً ضربه الله تعالى للعبد المؤمن والكافر إثر بيان قدرته على إحياء الناس بعد موتهم فقال تعالى: ﴿والبلد الطيب﴾ أي طيب التربة ﴿يخرج نباته بإذن ربه﴾ وذلك بعد إنزال المطر به، وهذا مثل العبد المؤمن ذي القلب الحي الطيب إذا سمع ما ينزل من الآيات يزداد إيمانه وتكثر أعماله الصالحة ﴿والذي خبث﴾ أي والبلد الذي تربته خبيثة سبخة أو حمأة عندما ينزل به المطر لا يخرج نباته إلا نكداً٤ عسراً قليلاً غير

стр. 847

صالح وهذا مثل الكافر عندما يسمع الآيات القرآنية لا يقبل عليها ولا ينتفع بها في خُلقه ولا سلوكه فلا يعمل خيراً ولا يترك شراً. وقوله تعالى: ﴿كذلك نصرف الآيات﴾ أي ببيان مظاهر قدرته تعالى وعلمه وحكمته ورحمته وضرب الأمثال وسوق الشواهد والعبر ﴿لقوم يشكرون﴾ إذ هم المنتفعون بها أما الكافرون الجاحدون فأنى لهم الانتفاع بها وهم لا يعرفون الخير ولا ينكرون الشر. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تقرير عقيدة البعث والحياة بعد الموت للحساب والجزاء إذ هي من أهم أركان الإيمان. ٢- الاستدلال بالحاضر على الغائب وهو من العلوم النافعة. ٣- حسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. ٤- فضيلة الشكر وهو صرف النعمة فيما من أجله وهبها الله تعالى للعبد. لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ (٦٤)

стр. 848

شرح الكلمات: نوحاً: هذا أول الرسل هذا العبد الشكور هو نوح بن لَمْك بن متوشلخ بن أخنوخ أي أدريس١ ﵉، أحد أولى العزم الخمسة من الرسل عاش داعياً وهادياً ومعلماً ألفاً ومائتين وأربعين سنة، ومدة الدعوة ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، وما بعدها عاشها هادياً ومعلماً وللمؤمنين. عذاب يوم عظيم: هو عذاب يوم القيامة. الملأ: أشراف القوم ورؤساؤهم الذين يملأون العين والمجلس. وأنصح لكم: أريد لكم الخير لا غير. أوَ عجبتم: الاستفهام للإنكار، وعجبتم الواو عاطفة والمعطوف عليه جملة: هي كذبتم أي أكذبتم وعجبتم. لينذركم: أي العذاب المترتب على الكفر والمعاصي. ولتتقوا: أي الله تعالى بالإيمان به وتوحيده وطاعته فترحمون فلا تعذبون. والذين معه في الفلك: هم المؤمنون من قومه والفلك هي السفينة التي صنعها بأمر الله تعالى وعونه. عمين: جمع عمٍ٢ وهو أعمى البصيرة أما أعمى العينين يقال فيه أعمى. معنى الآيات: هذا شروع في ذكر قصص ستة من الرسل وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ﵈ والمراد من ذكر هذا القصص هو تنويع أسلوب الدعوة ليشاهد المدعون من كفار قريش صوراً ناطقة ومشاهد حية لأمم سبقت وكيف كانت بدايتها وبم ختمت نهايتها، وهي لا تختلف إلا يسيراً عما هم يعيشونه من أحداث الدعوة والصراع الدائر بينهم وبين نبيهم لعلهم يتعظون.، ومع هذا فالقصص يقرر نبوة محمد ﷺ إذ لو لم يكن رسولاً يوحى إليه لما تأتى له أن يقص من أخبار الماضين ما بهر العقول كما أن المؤمنين مع نبيهم يكتسبون من العبر ما يحملهم على الثبات والصبر، ويجنبهم القنوط واليأس من حسن العافية والظفر والنصر.

стр. 849

وهذا أول قصص بقوله تعالى فيه ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه١﴾ أي وعزتنا لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه كما أرسلناك أنت يا رسولنا إلى قومك من العرب والعجم، فقال: أي نوح في دعوته: ﴿يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره٢﴾ أي ليس لكم على الحقيقة إله غيره، إذ إلإله الحق من يخلق ويرزق ويدبر فيحيي ويميت ويعطي ويمنع، ويضر وينفع، ويسمع ويبصر فأين هذا من آلهة نحتموها بأيديكم، ووضعتموها في بيوتكم عمياء لا تبصر صماء لا تسمع بكماء لا تنطق فكيف يصح أن يطلق عليها اسم الإله وتعبد ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ أنذرهم عذاب يوم القيامة إن هم أصروا على الشرك والعصيان فأجابه الملأ٣ منهم وهم أهل الحل والعقد في البلاد قائلين: ﴿إنا لنراك في ضلال مبين﴾ بسبب موقفك العدائي هذا لآلهتنا، ولعبادتنا إياها فأجاب ﵇ قائلاً: ﴿يا قوم ليس بي ضلالة﴾ مجرد ضلالة فكيف بالضلال كله كما تقولون، ﴿ولكني رسول من رب العالمين﴾ أي إليكم ﴿أبلغكم رسالات ربي وأنصح٤ لكم﴾ أي بما هو خير لكم في حالكم ومآلكم، واعلموا أني ﴿وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ فأنا على علم بما عليه ربي من عظمة وسلطان، وجلال، وجمال، وما عنده من رحمة وإحسان، وما لديه من نكال وعذاب، وأنتم لا تعلمون فاتقوا الله إذاً وأطيعوني يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى آجالكم، ولا يعجل بفنائكم وواصل حديثه معهم وقد دام ألف سنة إلا خمسين عاماً قائلاً: أكذبتم بما دعوتكم إليه وجئتكم به وعجبتم٥ أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولتتقوا الله بتوحيده وعبادته وطاعته رجاء أن ترحموا فلا تعذبوا أمن هذا يتعجب العقلاء؟ وكانت النتيجة لهذه الدعوة المباركة الخيّرة أن كذبوه فأنجاه ربه والمؤمنين معه، وأغرق الظالمين المكذبين، لأنهم كانوا قوماً عمين فلا يستحقون البقاء والنجاة قال تعالى ﴿فكذبوه فأنجيناه والذين معه في

стр. 850

الفلك١، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عمين٢﴾ لا يبصرون الآيات ولا يرون النذر والشواهد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير نبوة محمد ﷺ كنبوة نوح ﵇. ٢- تقرير وتأكيد التوحيد، وبيان معنى لا إله إلا الله. ٣- التحذير من عذاب يوم القيامة بالتذكير به. ٤- أصحاب المنافع من مراكز وغيرها هم الذين يردون دعوه الحق لمنافاتها للباطل. ٥- تقرير مبدأ العاقبة للمتقين. ٦- عمى القلوب أخطرهن عمى العيون على صاحبه. وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)

стр. 851

شرح الكلمات: وإلى عاد: أي ولقد أرسلنا إلى عاد وهم قبيلة عاد، وعاد أبو القبيلة وهو عاد بن عوص ابن إرم بن سام بن نوح ﵇. أخاهم هوداً: أخاهم في النسب لا في الدين. وهود هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام ابن نوح ﵇. أفلا تتقون: أي أتصرّون على الشرك فلا تتَّقون عذاب الله بالإيمان به وتوحيده، والاستفهام إنكاري أي ينكر عليهم عدم تقواهم لله . في سفاهة: السفاهة كالسّفَه وهو خِفّة العقل، وقلّة الإدراك والحلم. أمين: لا أخونكم ولا أغشكم ولا أكْذِبُكم، كما أني مأمون على رسالتي لا أفرط في إبلاغها. بسطة: أي طولاً في الأجسام، إذ كانوا عمالق من عظم ص أجسادهم وطولها. آلاء الله: نعمه واحدها أَلىً وإلىً واْليٌ وإلْوٌ والجمع آلاء. تفلحون: بالنجاة من النار في الآخرة، والهلاك في الدنيا. معنى الآيات: هذا هو القصص الثاني، قَصَصُ هود ﵇ مع قومه عاد الأولى التي أهلكها الله تعالى بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام. قوله تعالى ﴿وإلى عاد١﴾ أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم من النسب هوداً فماذا قال لهم ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ أي وحدوه في العبادة ولا تعبدوا معه آلهة أخرى. وقوله: ﴿مالكم من إله غيره﴾ أي ليس لكم أي إله غير الله، إذ الله هو الإله الحق وما عداه فآلهة باطلة، لأنه تعالى يخلق وهم لا يخلقون. ويرزق وهم لا يرزقون ويدبر الحياة بكل ما فيها وهم مدبَّرون لا يملكون نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً فكيف يكونون آلهة. ثم حضهم على التقوى وأنكر عليهم تركهم لها فقال ﵇ لهم: ﴿أفلا تتقون﴾ أي الله ربّكم فتتركوا الشرك وتوحدوه؟ فأجاب الملأ الذين كفروا من قومه، بأسوأ إجابة وذلك لكبريائهم واغترارهم فقالوا: ﴿إنا لنراك في

стр. 852

سفاهة﴾ أي حمق وطيش وعدم بصيرة بالحياة وإلا كيف تخرج عن إجماع قومك، وتواجههم بعيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، ﴿وإنا لنظنك من الكاذبين﴾ فيما جئت به أي من الرسالة، ودعوت إليه من التوحيد ونبذ الآلهة غير الله تعالى، فأجاب هود ﵇ راداً شبهتهم فقال: ﴿يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين﴾ أي أني لست كما تزعمون أن بي سفاهة ولكني أحمل رسالة أبلغكموها، وأنا في ذلك ناصح لكم مريد لكم الخير أمين١ على وحي الله تعالى إلي، أمين لا أغشكم ولا أخونكم فما أريد لكم إلا الخير. ثم واصل دعوته فقال ﴿أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربَّكم﴾ أي أكذبتم برسالاتي وعجبتم من مجيئكم ذكر من ربكم ﴿على رجل منكم لينذركم﴾ أي عواقب كفركم وشرككم، أمن مثل هذا يتعجب العقلاء أم أنتم لا تعقلون؟. ثم ذكرهم بنعم الله تعالى عليهم لعلّها تُحدْثُ لهم ذكراً في نفوسهم فيتراجعون بعد عنادهم وإصرارهم فقال: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء٢ من بعد قوم نوح﴾ أي بعد أن أهلكهم بالطوفان لإصرارهم على الشرك ﴿وزادكم في الخلق بسطة٣﴾ أي جعل أجسامكم قوية وقاماتكم طويلة هذه نعم الله عليكم ﴿فاذكروا آلاء٤ الله لعلكم تفلحون﴾ لأنكم إن ذكرتموها بقلوبكم شكرتموها بأقوالكم وأعمالكم، وبذلك يتم الفلاح لكم، وهو نجاتكم من المرهوب وظفركم بالمحبوب وذلك هو الفوز المطلوب. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الدعوة إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه وهو معنى لا إله إلا الله. ٢- مشروعية دفع الإتهام، وتبرئة الإنسان نفسه مما يتهم به من الباطل. ٣- من وظائف الرسل ﵈ البلاغ لما أمروا بإبلاغه.

стр. 853

٤- فضيلة النصح وخُلُق الأمانة. ٥- استحسان التذكير بالنعم فإن ذلك موجب للشكر والطاعة. قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي١ فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (٧١) فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (٧٢) شرح الكلمات: ونذر: أي نترك. بما تعدنا: أي من العذاب. رجس: سخطٌ موجبٌ للعذاب. أتجادلونني: أي أتخاصمونني. من سلطان: أي من حجّة ولا برهان يثبت أنها تستحق العبادة. دابر: دابر القوم آخرهم، لأنه إذا هلك آخر القوم هلك أولهم بلا ريب.

стр. 854

معنى الآيات: ما زال السياق في قصص هود ﵇، فهاهم أولاء يردُّون على دعوة هود بقول الملأ منهم ﴿أجئتنا١ لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا﴾ وتهددنا إن نحن لم نترك عبادة آلهتنا، ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ به من العذاب٢ ﴿إن كنت من الصَّادقين﴾ في دعواك فرد هود ﵇ على قولهم هذا قائلاً قد وقع٣ عليكم رجس٤ أي سخط وغضب من الله تعالى وأن عذابكم لذلك أصبح متوقعاً في كل يوم فاضطروا ما سَيَحِلٌّ بكم ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ قال تعالى ﴿فأنجيناه٥ والذين معه برحمة منّا﴾ أي بعد إنزال العذاب، ومن معه من المؤمنين برحمة منا خاصة لا تتم إلا لمثلهم، ﴿وقطعنا دابر القوم الذين كذبوا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين﴾ أهلكناهم بخارقة ريح تدمر كل شيء بأمر بها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وكذلك جزاء الظالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- احتجاج المشركين على صحَّة باطلهم بفعل آبائهم وأجدادهم يكاد يكون سنّةً مطَّردةً في الأمم والشعوب، وهو التقليد المذموم. ٢- من حمق الكافرين استعجالهم بالعذاب، ومطالبتهم به. ٣- آلهة الوثنيين مجرّد أسماء لا حقائق لها إذ إطلاق المرء اسم إله على حجر لا يجعله إلهاً ينفع ويضر، ويحيى ويميت. ٤- قدرة الله تعالى ولطفه تتجلَّى في إهلاك عاد وإنجاء هود والمؤمنين.

стр. 855

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) شرح الكلمات: وإلى ثمود: أي أرسلنا إلى ثمود، وثمود قبيلة سميت باسم جدها وهو ثمود١ بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. أخاهم صالحاً: أي في النسب وصالح هو صالح بن عبيد بن آسف كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. آية: علامة على صدقي في أني رسول الله إليكم. وبوأكم في الأرض: أنزلكم فيها منازل تحبون فيها.

стр. 856

وتنحتون: تنجرون الحجارة في الجبال لتتخذوا منازل لكم لتسكنوها. آلاء الله: نعم الله تعالى وهي كثيرة. ولا تعثوا: أي لا تفسدوا في الأرض مفسدين. استكبروا: عتوا وطغوا وتكبروا فلم يقبلوا الحق ولم يعترفوا به. معنى الآيات: هذا القصص الثالث قصص نبي الله صالح ﵇ قال تعالى ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحاً﴾ أي وأرسلنا إلا قبيلة ثمود١ أخاهم صالحاً نبياً أرسلناه بما أرسلنا به رسلنا من قبله ومن بعده بكلمة التوحيد ﴿قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ وهذا مدلول كلمة الإخلاص التي جاء بها خاتم الأنبياء "لا إله إلا الله " ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ تشهد بأنه لا إله إلا هو، وأني رسوله إليكم، هذه البينة٢ ناقة تخرج من صخرة في جبل، ﴿هذه ناقة٣ الله لكم آية﴾ علامة وأية علامة على صدقي في إرسال الله تعالى لي رسولاً إليكم لتعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً، فذروا هذه الناقة تأكل في أرض٤ الله ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾ ، فكانت الناقة ترعى في المرج، وتأتي إلى ماء القوم فتشربه كله، ويتحول في بطنها إلى لبن خالص فيَحْلِبون ما شاءوا وقال لهم يوماً هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم، ووعظهم ﵇ بقوله: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد﴾ أي بعد هلاكهم، وكانت ديار عاد بحضرموت جنوب الجزيرة العربية وديار ثمود بالحجر شمال الجزيرة بين الحجاز والشام. وقوله ﴿وبوأكم في الأرض﴾ أرض الحِجْر تتخذون من سهولها قصوراً٥ تسكنونها في الصيف، وتنحتون من الجبال بيوتاً تسكنونها في الشتاء، ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ أي نعمه العظيمة لتشكروها بعبادته وحده دون ما أتخذتم من أصنام، وحذَّرهم من عاقبة الفساد فقال ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرض مفسدين﴾ أي لا تنشروا الفساد في الأرض بالشرك وارتكاب المعاصي وإزاء هذه الدعوة

стр. 857

الصادقة الهادفة إلى هداية القوم وإصلاحهم لينجوا من عاقبة الشرك والشر والفساد ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ أي قوم صالح، قالوا ﴿للذين استضعفوا لمن آمن١ منهم﴾ أي لمن آمن من ضعفاء القوم: ﴿أتعلمون أن صالحاً مرسلٌ من ربه﴾ ، وهو استفهام سخرية واستهزاء دال على صلف القوم وكبريائهم، فأجاب المؤمنون من ضعفة القوم قائلين ﴿إنا بما أرسل به مؤمنون﴾ قالوها واضحةً صريحةً مُعْلنةً عن إيمانهم بما جاء به رسول الله صالح غير خائفين، وهنا ردٌ المستكبرون قائلين: ﴿إنا بالذي آمنتم به كافرون﴾ وإمعاناً منهم في الجحود والتكبّر، لم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون حتى لا يعترفوا بالرسالة ولو في جواب رد الكلام فقالوا ﴿إنا بالذي آمنتم به كافرون﴾ . هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- اتحاد دعوة الرسل في الإيمان بالله والكفر بالطاغوت أي في عبادة الله وحده. ٢- تقرير إرسال الرسل بالآيات وهي المعجزات وآية صالح أعجب آية وهي الناقة. ٣- وجوب التذكير بنعم الله إذ هو الباعث على الشكر، والشكر هو الطاعة. ٤- النهي عن الفساد في الأرض والشرك وارتكاب المعاصي. ٥- الضعفة هم غالباً أتباع الأنبياء: وذلك لخلوهم من الموانع كالمحافظة على المنصب أو الجاه أو المال، وعدم إنغماسهم في الملاذ والشهوات. فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)

стр. 858

شرح الكلمات: فعقروا الناقة: نحروها بعد أن عقروا قوائمها أي قطعوها، والناقة هي الآية. وعتوا عن أمر ربهم: تمردوا عن الأمر وعصوا فلم يطيعوا. الرجفة: المرة من رجف إذا اضطرب، وذلك لما سمعوا الصيحة أخذتهم الرجفة. جاثمين١: باركين على الركب كما يجثم الطير أي هلكى على ركبهم. فتولى عنهم: بعد أن هلكوا نظر إليهم صالح وهم جاثمون وقال راثياً لحالهم ﴿يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي﴾ إلى قوله ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾ ثم أعرض عنهم وانصرف. معنى الآيات: مازال السياق في قصص صالح ﵇ فإنه بعد تلك الدعوة الطويلة العريضة والمستكبرون يردونها بصلف وكبرياء، وطالبوا بالآية لتدل على صدقه وأنه من المرسلين وأوتوا الناقة آية مبصرة ولجوا في الجدال والعناد وأخيراً تمالؤوا على قتل الناقة وعقروها ﴿فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها﴾ . قوله تعالى في الآية الأولى (٧٧) ﴿فعقروا٢ الناقة وعتوا عن أمر ربهم﴾ يخبر تعالى أن قوم صالح عقروا الناقة قطعوا أرجلها ثم نحروها وهو العقر، وعتوا بذلك وتكبروا متمردين عن أمر الله تعالى حيث أمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله ولا يمسوها بسوء فإذا بهم يعقرونها تحدياً وعناداً، ﴿وقالوا يا صالح﴾ بدل أن يقولوا يا رسول الله أو يا نبي الله ﴿ائتنا بما تعدنا﴾ أي من العذاب إن مسسنا الناقة بسوء فقد نحرناها فأتنا بالعذاب إن كنت كما تزعم من المرسلين قال تعالى ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ وهي هزة عنيفة اضطربت لها القلوب والنفوس نتيجة صيحة لملك عظيم صاح فيهم صباح السبت٣ كما قال تعالى ﴿فأخذتهم الصيحة

стр. 859

مشرقين﴾ ولما هلكوا وقف عليهم صالح كالمودع كما وقف رسول الله ﷺ على أهل القليب ببدرٍ فناداهم يا فلان يا فلان كذلك صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وقف عليهم وهم خامدون وقال كالراثي المتحسر ﴿يا قوم لقد أبلغتكم١ رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين﴾ وتولى عنهم وانصرف. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- حلول نقمة الله تعالى بكل من عتا عن أمره . ٢- مشروعية الرثاء لمن مات أو أصيب بمصاب عظيم. ٣- علامة قرب ساعة الهلاك إذا أصبح الناس يكرهون النصح ولا يحبون الناصحين. وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) شرح الكلمات: ولوطاً: أي وأرسلنا لوطاً ولوط هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم ﵇. ولد في بابل العراق. الفاحشة: هي الخصلة القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم.

стр. 860

من العالمين: أي من الناس. من الغابرين: الباقين في العذاب. وأمطرنا. أنزلنا عليهم حجارة من السماء كالمطر فأهكتهم. المجرمين: أي المفسدين للعقائد والأخلاق والأعراض. معنى الآيات: هذا هو القصص الرابع قصص نبي الله تعالى لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم ﵇ فقوله تعالى ﴿ولوطاً١ ... ﴾ أي وأرسلنا لوطاً إلى قومه من أهل سذوم، ولم يكن لوط منهم لأنه من أرض بابل العراق هاجر مع عمه إبراهيم وأرسله الله تعالى إلى أهل سذوم٢ وعمورة قرب٣ بحيرة لُوطٍ بالأردن. وقوله إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم منكراً عليهم فعلتهم المنكرة: ﴿أتأتون الفاحشة﴾ وهي إتيان الرجال في أدبارهم ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ أي لم يسبقكم إليها أحد من الناس قاطبة، وواصل إنكاره هذا المنكر موبخاً هؤلاء الذين هبطت أخلاقهم إلى درك لم يهبط إليه أحد غيرهم فقال: ﴿إنكم لتأتون الرجال شهوة٤ من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون﴾ وإلا فالشهوة من النساء هي المفطور عليها الإنسان، لا أدبار الرجال، ولكنه الإجرام والتوغل في الشر والفساد والإسراف في ذلك، والإسراف صاحبه لا يقف عند حد. وبعد هذا الوعظ والإرشاد إلى سبيل النجاة، والخروج من هذه الورطة التي وقع فيها هؤلاء القوم المسرفون ما كان ردهم ﴿إلا أن قالوا أخرجوهم﴾ أي لوطاً والمؤمنين معه ﴿من قريتكم﴾ أي مدينتكم سدوم، معللين الأمر بإخراجهم من البلاد بأنهم أناس يتطهرون من الخبث الذي هم منغمسون فيه قال تعالى بعد أن بلغ الوضع هذا الحد ﴿فأنجيناه وأهله﴾ من بناته وبعض نسائه ﴿إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ حيث أمرهم بالخروج من

стр. 861

البلاد ليلاً قبل حلول العذاب بالقوم فخرجوا، وما إن غادروا المنطقة حتى جعل الله تعالى عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجين فأهلكوا أجمعين. وقوله تعالى في ختام هذا القصص ﴿فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ فإنه خطاب عام لكل من يسمع هذا القصص ليعتبر به حيث شاهد عاقبة المجرمين دماراً كاملاً وعذاباً أليماً. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- شدة قبح جريمة اللواط. ٢- أول من عرف هذه الجريمة القذرة هم قوم لوط١ ﵇. ٣- الإسراف وعدم الاعتدال في الأقوال والأفعال يتولد عنه كل شر وفساد. ٤- الكفر والإجرام يحل رابطة الأخوة والقرابة بين أصحابه والبُراءة منه. ٥- من أتى هذه الفاحشة من المحصنين يرجم٢ بالحجارة حتى الموت. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٨٥) وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ

стр. 862

عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) شرح الكلمات: وإلى مدين آخاهم شعيباً: مدين أبو القبيلة وهو مدين بن إبراهيم الخليل وشعيب من أبناء القبيلة فهو أخوهم في النسب حقيقة إذ هو شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين. ولا تبخسوا الناس أشياءهم: أي لا تنقصوا الناس قيم سلعهم وبضائعهم، إذ كانوا يفعلون ذلك. صراط توعدون: طريق وتوعدون تخيفون المارة وتأخذون عليهم المكوس أو تسلبونهم أمتعتهم. وتبغونها عوجاً: أي تريدون سبيل الله -وهي شريعته- معوجةً حتى توافق ميولكم. المفسدين: هم الذين يعملون بالمعاصي في البلاد. يحكم بيننا: يفصل بيننا فينجي المؤمنين ويهلك الكافرين. معنى الآيات: هذا هو القصص الخامس في سورة الأعراف وهو قصص نبي الله شعيب مع قومه أهل مدين، فقوله تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيباً١﴾ أي وأرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيباً. فماذا قال لهم لما أرسل إليهم؟ ﴿قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ أي قولوا لا إله إلا الله، ولازم ذلك أن يصدقوا برسول الله شعيب حتى يمكنهم أن يعبدوا الله بما

стр. 863

يحب أن يعبد به وبما من شأنه أن يكملهم ويسعدهم في الدارين وقوله ﴿قد جاءتكم١ بينة من ربكم﴾ أي آية واضحة تشهد لي بالرسالة وبما أن ما آمركم به وأنهاكم عنه هو من عند الله تعالى إذاً ﴿فأوفوا الكيل والميزان﴾ أي بالقسط الذي هو العدل، ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ بل أعطوهم ما تستحقه بضائعهم من الثمن بحسب جودتها ورداءتها ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ أي في البلاد بعد إصلاحها، وذلك بترك الشرك والذنوب ومن ذلك ترك التلصص وقطع الطرق، وترك التطفيف في الكيل والوزن وعدم بخس سلع الناس وبضائعهم ذلكم الذي دعوتكم إليه من الطاعة وترك المعصية خير لكم حالاً ومالاً إن كنتم مؤمنين وقوله: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط٢ توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً٣﴾ ينهاهم ﵇ عن أبشع الإجرام وهو أنهم يجلسون في مداخل البلاد، وعلى أفواه السكك، ويتوعدون٤ المارة بالعذاب إن هم اتصلوا بالنبي شعيب وجلسوا إليه صرفاً للناس عن الإيمان والاستقامة، كما أنهم يقطعون الطرق ويسلبون الناس ثيابهم وأمتعتهم أو يدفعون إليهم ضريبة خاصة. وقوله ﴿واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ يذكرهم ﵇ بنعمة الله تعالى عليهم وهي أنهم أصبحوا شعباً كبيراً بعدما كانوا شعباً صغيراً لا قيمة له ولا وزن بين الشعوب وقوله: ﴿وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين﴾ يعظهم ببيان مصير الظلمة المفسدين من الأمم المجاورة والشعوب حيث حلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فهلكوا يعظهم لعلهم يذكرون فيتركوا الشرك والمعاصي، ويعملوا بالتوحيد والطاعة. وأخيراً يخوفهم بالله تعالى ويهددهم بأن حكماً عدلاً هو الله سيحكم بينهم وعندها يعلمون من هو المحق ومن هو المبطل فقال: ﴿وإن كان طائفة منكم﴾ أي جماعة ﴿آمنوا بالذي أرسلت به﴾ من التوحيد والطاعة وترك الشرك والمعاصي، ﴿وطائفة﴾ أخرى ﴿لم يؤمنوا﴾ وبهذا كنا متخاصمين نحتاج إلى من يحكم بيننا إذاً ﴿فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير

стр. 864

الحاكمين﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- دعوة الرسل واحدة في باب العقيدة إذ كلها تقوم على أساس التوحيد والطاعة. ٢- حرمة التطفيف في الكيل والميزان، وبخس الناس أشياءهم، ويدخل في ذلك الصناعات وحرف المهن وما إلى ذلك. ٣- حرمة الفساد في الأرض بالمعاصي لاسيما البلاد التي طهرها الله بالإسلام وأصلحها بشرائعه. ٤- حرمة التلصص وقطع١ الطرق وتخويف المارة. ٥- حرمة الصد عن سبيل الله بمنع الناس من التدين والالتزام بالشريعة ظاهراً وباطناً. قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) شرح الكلمات: الملأ: أشراف القوم الذين يملؤون المجلس إذا جلسوا، والعين إذا نظر إليهم. استكبروا: تكلفوا الكبر وهم حقيرون، حتى لا يقبلوا الحق.

стр. 865

من قريتنا: مدينتنا. في ملتكم: في دينكم. على الله توكلنا: أي فوضنا أمرنا واعتمدنا في حمايتنا عليه. ربنا افتح بيننا: أي يا ربنا احكم بيننا. وأنت خير الفاتحين: أي وأنت خير الحاكمين. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في قصص شعيب مع قومه أهل مدين فبعد أن أمرهم ونهاهم وذكرهم ووعظهم ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ مهددين موعدين مقسمين ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾ . هكذا سنة الطغاة الظلمة إذا غلبوا بالحجج والبراهين يفزعون إلى القوة فلما أفحمهم شعيب خطيب الأنبياء ﵈، وقطع الطريق عليهم شهروا السلاح في وجهه، وهو النفي والإخراج من البلاد أو العودة إلى دينهم الباطل: ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن١ في ملتنا﴾ ورد شعيب على هذا التهديد بقوله: ﴿أو لو كنا كارهين٢﴾ أي أنعود في ملتكم ولو كنا كارهين لها ﴿قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها٣﴾ ووجه الكذب على الله إن عادوا إلى ملة الباطل هو أن شعيباً أخبرهم أن الله تعالى أمرهم بعبادته وحده وترك عبادة غيره، وأنه تعالى أرسله إليهم رسولاً وأمرهم بطاعته إنقاذاً لهم من الباطل الذي هم فيه فإذا أرتد وعاد هو ومن معه من المؤمنين إلى ملة الشرك كان موقفهم موقف من كذب على الله تعالى بأنه قال كذا وكذا والله لم يقل. هذا ثم قال شعيب ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾ ليس من الممكن ولا من المتهيء لنا العودة في ملتكم أبداً، اللهم إلا أن يشاء٤ ربنا شيئاً فإن مشيئته نافذة في خلقه، وقوله: ﴿وسع ربنا كل شيء علما﴾ فإذا كان قد علم أنا نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، فسوف يكون ما علمه كما علمه وهو الغالب على أمره.

стр. 866

ثم قال ﵇ بعد أن أعلمهم أن العودة إلى دينهم غير واردة ولا ممكنة بحال من الأحوال إلاّ في حال مشيئة الله ذلك، وهذا مما لا يشاءه الله تعالى قال: ﴿على الله توكلنا﴾ في الثبات على دينه الحق، والبراءة من الباطل ثم سأل ربه قائلاً: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ أي احكم بيننا وبينهم بالحق ﴿وأنت خير١ الفاتحين﴾ أي الحاكمين، وذلك بإحقاق الحق وإبطال الباطل. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سنة بشرية وهي أن الظلمة والمتكبرين يجادلون بالباطل حتى إذا أعياهم الجدال وأفحموا بالحجج بدل أن يسلموا بالحق ويعترفوا به ويقبلوه، فيستريحوا ويريحوا يفزعون إلى القوة بطرد أهل الحق ونفيهم أو إكراههم على قبول الباطل بالعذاب والنكال. ٢- لا يصح من أهل الحق بعد أن عرفوه ودعوا إليه أن يتنكروا ويقبلوا الباطل بدله. ٣- يستحب الاستثناء في كل ما عزم عليه المؤمن مستقبلاً وإن لم يرده أو حتى يفكر فيه. ٤- وجوب التوكل على الله عند تهديد العدو وتخويفه، والمضي في سبيل الحق. ٥- مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل، لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير الحاكمين. وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ

стр. 867

أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣) شرح الكلمات: لئن اتبعتم شعيباً: أي على ما جاء به من الدين والهدى. الرجفة: الحركة العنيفة كالزلزلة. جاثمين: باركين على ركبهم ميتين. كأن لم يغنوا فيها: أي كأن لم يعمروها ويقيموا فيها زمناً طويلاً. الخاسرين: إذ هلكوا في الدنيا وادخلوا النار في الآخرة. آسى١: أي أحزن أو آسف شديد الأسف. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص شعيب مع أهل مدين فإنه بعد أن هدد الظالمون شعيباً بالإبعاد من مدينتهم هو والمؤمنون معه أو أن يعودوا إلى ملتهم فرد شعيب على التهديد بما أيأسهم من العودة إلى دينهم، وفزع إلى الله يعلن توكله عليه ويطلب حكمه العادل بينه وبين قومه المشركين الظالمين كأن الناس اضطربوا وأن بعضاً قال اتركوا الرجل وما هو عليه، ولا تتعرضوا لما لا تطيقونه من البلاء. هنا قال الملأ الذين استكبروا من قومه مقسمين بآلهة الباطل: ﴿لئن اتبعتم شعيباً﴾ أي على دينه وما جاء به وما يدعو إليه من التوحيد والعدل ورفع الظلم ﴿إنكم إذاً لخاسرون﴾ قال تعالى: ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ استجابة لدعوة شعيب فأصبحوا٢ هلكى جاثمين على الركب. قال تعالى: ﴿الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها٣﴾

стр. 868

أي كأن لم يعمروا تلك الديار ويقيموا بها زمناً طويلاً، وأكد هذا الخبر وهو حكمه في المكذبين الظالمين فقال: ﴿الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ أما الذين صدقوا شعيباً فهم المفلحون الفائزون وودعهم شعيب كما ودع صالح قومه قال تعالى: ﴿فتولى عنهم﴾ وهم جاثمون هلكى فقال ﴿يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم﴾ فأبيتم إلا تكذيبي ورد قولي والإصرار على الشرك والفساد حتى هلكتم ﴿فكيف آسَى على قوم كافرين١﴾ أي لا معنى للحزن والأسف على مثلكم. هداية الآيات هن هداية الآيات: ١- ثمرة الصبر والثبات النصر العاجل أو الآجل. ٢- نهاية الظلم والطغيان والدمار والخسران. ٣- لا أسىً ولا حزناً على من أهلكه الله تعالى بظلمه وفساده في الأرض. ٤- مشروعية توبيخ الظالمين بعد هلاكهم كما فعل رسول الله ﷺ بأهل القليب وكما فعل صالح وشعيب ﵉. وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (٩٥) شرح الكلمات: في قرية: القرية: المدينة الجامعة لأعيان البلاد ورؤسائها وهي المدينة. بالبأساء: بالشدة كالقحط والجوع والحروب.

стр. 869

والضراء: الحالة المضرة كالأمراض والغلاء وشدة المؤونة. يضرعون: يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه ليكشف عنهم السوء. مكان السيئة الحسنة: أي بدل الغلاء الرخاء، وبدل الخوف الأمن، وبدل المرض الصحة. حتى عفوا: كثرت خيراتهم ونمت أموالهم، وأصبحت حالهم كلها حسنة. أخذناهم بغتة: أنزلنا بهم العقوبة فجأة. معنى الآيتين: على إثر بيان قصص خمسة أنبياء ذكر تعالى سنته في الأمم السابقة ليكون ذلك عظه لكفار قريش، وذكرى للمؤمنين فقال تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية١﴾ أي في أهل قرية والمراد بالقرية الحاضرة والعاصمة من كبريات المدن حيث الكبراء والرؤساء من نبي من الأنبياء والمرسلين فكذبوه قومه وردوا دعوته مصرين على الشرك والضلال إلا أخذ الله تعالى أهل تلك المدينة بألوان من العذاب التأديبي كالقحط والجوع وشظف العيش، والأمراض والحروب المعبر عنه بالبأساء والضراء. رجاء أن يرجعوا إلى الحق بعد النفور منه، وقبوله بعد الإعراض عنه ثم يغير تعالى ما بهم من بأساء وضراء إلى يسر ورخاء، وعافية وهناء فتكثر أموالهم وأولادهم ويعظم سلطانهم، ويقولون عندما يوعظون ويذكرون ليتوبوا فيؤمنوا ويتقوا: ﴿قد مس آباءنا الضراء والسراء٢﴾ أي الخير والشر وما هناك ما تخوفوننا به إنما هي الأيام هكذا دول يوم عسر وآخر يسر وبذلك يحق عليهم العذاب فيأخذهم الجبار فجأة ٣ ﴿وهم لا يشعرون﴾ فيتم هلاكهم ويمسون حديث عبرة لمن بعدهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة وعذاب الآخرة أشد وأبقى. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- بيان سنة الله تعالى في الأمم السابقة.

стр. 870

٢- تخويف كفار قريش بما دلت عليه هذه السنة من أخذ الله تعالى المصرين على الكفر المتمردين على الحق. ٣- التذكير والوعظ بتاريخ الأمم السابقة المنبىء عن أسباب هلاكهم وخسرانهم ليتجنبها العقلاء، كما قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (٩٧) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (١٠٠) شرح الكلمات: آمنوا واتقوا: أي آمنوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده واتقوه تعالى بطاعته وعدم معصيته. بركات من السماء والأرض: جمع بركة وهي دوام الخير وبقاؤه والعلم والإلهام والمطر من بركات السماء والنبات والخصب والرخاء والأمن والعافية من بركات الأرض. يكسبون: من الشرك والمعاصي. بياتاً: أي ليلاً وهم نائمون. مكر الله: استدراجه تعالى لهم بإغداق النعم عليهم من صحة

стр. 871

الأبدان ورخاء العيش حتى إذا آمنوا مكره تعالى بهم أخذهم بغتة. أولم يهد لهم: أي أولم يبين لهم بمعنى يتبين لهم. بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم. معنى الآيات: بعدما بين تعالى سنته في الأمم السابقة، وهي أخذ الأمة بعد تكذيبها وعصيانها بالبأساء والضراء، ثم إذا هي لم تتب واستمرت على كفرها وعصيانها أغدق عليها الخيرات حتى عفت بكثرة ما لها وصلاح حالها أخذها بغتة فأهلكها، وتم خسرانها في الدارين، فتح تعالى باب التوبة والرجاء لعباده فقال: ﴿ولو١ أن أهل القرى٢﴾ المكذبين ككفار مكة والطائف وغيرهما من المدن ﴿آمنوا﴾ أي بالله ورسوله وبلقاء الله ووعده ووعيده، ﴿واتقوا﴾ الله تعالى في الشرك وفي معصيته ومعصية رسوله لفتح عليهم أبواب السماء بالرحمات والبركات، وفتح عليهم كنوز الأرض ورزقهم من الطيبات ولكن أهل القرى الأولين كذبوا فأخذهم بالعذاب بما كانوا يكسبون، وأهل القرى اليوم وهم مكذبون فإما أن يعتبروا بما أصاب أهل القرى الأولين فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا، وإما أن يصروا على الشرك والتكذيب فينزل بهم ما نزل بمن قبلهم من عذاب الإبادة والاستئصال، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (٩٦) وهي قوله تعالى ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات٣ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ أما الآيات الثلاث بعدها فإن الله تعالى ينكر على أهل القرى غفلتهم موبخاً لهم على تماديهم وإصرارهم على الباطل معجباً من حالهم فيقول: ﴿أفأمن٤ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون؟﴾ أي أجهلوا ما نزل بمن قبلهم فأمنوا أن

стр. 872

يأتيهم عذابنا ليلاً وهم نائمون؟ ﴿أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا﴾ أي عذابنا ﴿ضحى وهم يلعبون؟﴾ أي أو غفل أهل القرى وأمنوا أن يأتيهم عذابنا ضحى وهم في أعمالهم التي لا تعود عليهم بخير كأنها لعب أطفال يلعبون بها ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ ؟ أي أغرهم إمهالنا لهم واستدراجنا إياهم فأمنوا مكر الله؟ إنهم في ذلك خاسرون إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وقوله تعالى في الآية الخامسة (١٠٠) ﴿أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾ أي عمى الذين يرثون الأرض من بعد أهلها ولم يتبين لهم بعد ولم يعلموا أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا الذين ورثوا ديارهم بذنوبهم ﴿ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾ أي ونجعل على قلوبهم غشاوة حتى لا يعوا ما يقال لهم ولا يفهموا ما يراد بهم حتى يهلكوا كما هلك الذين من قبلهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عرض الرحمن ﵎ رحمته على عباده ولم يطلب منهم أكثر من الإيمان والتقوى. ٢- حرّمة الغفلة ووجوب الذكر واليقظة. ٣- حرمة الأمن من مكر الله تعالى. ٤- إذا أمنت الأمة مكر الله تهيأت للخسران وحل بها لا محالة. ٥- وجوب الاعتبار بما أصاب الأولين، وذلك بترك ما كان سبباً لهلاكهم. تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)

стр. 873

شرح الكلمات: تلك القرى: الإشارة إلى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. من أنبائها: أي من أخبارها. بالبينات: بالحجج والبراهين الدالة عل توحيد الله وصدق رسله. من قبل: أي من قبل خلقهم ووجودهم، إذ علم الله تعالى تكذيبهم عليهم في كتاب المقادير. وما وجدنا لأكثرهم من عهد: أي لم نجد لأكثرهم وفاء بعهودهم التي أخذت عليهم يوم أخذ الميثاق. معنى الآيتين: يخاطب الرب تعالى١ رسوله محمداً ﷺ قائلاً ﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها﴾ أي من أخبارها مع أنبيائها كيف دعتهم رسلهم إلى الإيمان والتوحيد والطاعة، وكيف ردت تلك الأمم دعوة الله واستكبرت على عبادته، وكيف كان حكمنا فيهم لعل قومك يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا. وقوله تعالى ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبنيات﴾ أي بالحجج الواضحات على صدق دعوتهم، وما جاءتهم به رسلهم من أمر ونهي من ربهم. وقوله ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من٢ قبل﴾ أي لم يكن أولئك الهالكون من أهل القرى ليؤمنوا بما كذبوا به في علم الله وقدره إذ علم الله أنهم لا يؤمنون فكتب ذلك عليهم فلذا هم لا يؤمنون. وقوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾ أي كما كتب على الهالكين من أهل القرى أنهم لا يؤمنون ولم يؤمنوا فعلاً فأهلكهم، يطبع كذلك على قلوب الكافرين فلا يؤمنون حتى يأخذهم العذاب وهم ظالمون بكفرهم. وهذا الحكم الإلهي قائم على مبدأ أن الله علم من كل إنسان قبل خلقه ما يرغب فيه وما يؤثره على غيره ويعمله باختياره وإرادته فكتب ذلك عليه فهو عند خروجه

стр. 874

إلى الدنيا لا يعمل إلا به ليصل إلى ما كتب عليه، وقدر له أزلاً قبل خلق السموات والأرض، وقوله تعالى ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد١﴾ أي لم نجد لتلك الأمم التي أهلكنا وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. لم نجد لأكثرهم وفاء بعهدهم الذي أخذناه عليهم قبل خلقهم من الإيمان بنا وعبادتنا وطاعتنا وطاعة رسلنا، وما وجدنا٢ أكثرهم إلا فاسقين عن أمرنا خارجين عن طاعتنا وطاعة رسلنا، وكذلك أحللنا بهم نقمتنا وأنزلنا بهم عذابنا فأهلكناهم أجمعين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: ١- تقرير الوحي الإلهي وإثبات نبوة محمد ﷺ ، لأنه ما قُصَّ من أنباء الأولين لا يُتَلَقَّى إلا بوحي إلهي ولا يتلقى عن الله تعالى إلا رسول أَعِدَّ لذلك. ٢- وجود البينات مهما كانت قوية واضحة غير كاف في إيمان من لم يشأ الله هدايته. ٣- المؤمن من آمن في الأزل، والكافر من كفر فيه. ٤- الطبع على قلوب الكافرين سببه اختيارهم للكفر والشر والفساد وإصرارهم على ذلك كيفما كانت الحال. ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ٣ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِن كُنتَ

стр. 875

جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) شرح الكلمات: ثم بعثنا من بعدهم موسى: أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. موسى: هو موسى بن عمران من ذرية يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. بآياتنا: هي تسع آيات: العصا، واليد، والسنون المجدبة، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والطمس على أموال فرعون. إلى فرعون: أي بعث موسى الرسول إلى فرعون وهو الوليد لق مصعب بن الريان، ملك مصر. وملئه: أي أشراف قومه وأعيانهم من رؤساء وكبراء. فظلموا بها: أي ظلموا أنفسهم بالآيات وما تحمله من هدى حيث كفروا بها. بينة من ربكم: حجة قاطعة وبرهان ساطع على أني رسول الله إليكم. ونزع يده: أخرجها بسرعة من جيبه. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى﴾ هذا شروع في ذكر القصص السادس مما اشتملت عليه سورة الأعراف، وهي قصص موسى ﵇ مع فرعون وملئه. قال تعالى وهو يقص على نبيه ليثبت به فؤاده، ويقرر به نبوته، ويعظ أمته، ويذكر به قومه ﴿ثم بعثنا من بعدهم﴾ أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب موسى بن عمران إلى فرعون وملئه من رجالات ملكه ودولته، وقوله بآياتنا. هي تسع آيات لتكون حجة على صدق

стр. 876

رسالته وأحقية دعوته. وقوله تعالى ﴿فظلموا١ بها﴾ أي جحدوها ولم يعترفوا بها فكفروا بها وبذلك ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم بها، واستمروا على كفرهم وفسادهم حتى أهلكهم الله تعالى بإغراقهم، ثم قال لرسوله ﴿فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾ أي دماراً وهلاكاً وهى عاقبة كل مفسد في الأرض بالشرك والكفر والمعاصي. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٠٣) وأما الآيات بعدها فإنها في تفصيل أحداث هذا القصص العجيب. وأتى موسى فرعون وقال ﴿يا فرعون٢ إني رسول من رب العالمين، حقيق﴾ أي جدير وخليق بي ﴿أن لا أقول على الله إلا الحق، قد جئتكم ببينة من ربكم﴾ دالة على صدقي شاهدة بصحة ما أقول ﴿فأرسل٣ معي بني إسرائيل﴾ لأذهب بهم إلى أرض الشام التي كتب الله لهم وقد كانت دار آبائهم. وهنا تكلم فرعون وطالب موسى بالآية التي ذكر أنه جاء بها فقال ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين﴾ أي فيما تدعيه وتقول به وتدعوا إليه. وهنا ألقى موسى عصاه أي أمام فرعون المطالب بالآية ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ أي حية عظيمة تهتز أمام فرعون وملئه كأنها جان٤، هذه آية وزاده أخرى فأدخل يده في جيبه كما علمه ربه ونزعها ﴿فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ بيضاء بياضاً غير معهود مثله في أيدي الناس. هذا ما تضمنته هذه الآيات الخمس في هذا السياق. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان سوء عاقبة المفسدين بالشرك والمعاصي. ٢- تذكير موسى فرعون بأسلوب لطيف بأنه ليس رباً بل هناك رب العالمين وهو الله رب موسى وهارون والناس أجمعين.

стр. 877

٣- تقرير مبدأ الصدق لدى الرسل ﵈. ٤- ظهور آيتين لموسى العَصَا واليد. قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) شرح الكلمات ساحر عليم: أي ذو علم بالسحر خبير به ليس مجرد مدّع. من أرضكم: أي من بلادكم ليستولى عليها ويحكمكم. فماذا تأمرون: أي أشيروا بما ترون الصواب في حل هذا المشكل. أرجه: أي أمهله وأخاه لا تعجل عليهما قبل اتخاذ ما يلزم من الاحتياطات. في المدائن: مدن المملكة الفرعونية. حاشرين: رجالاً يجمعون السحرة الخبراء في فن السحر للمناظرة. معنى الآيات: ما زال السياق في تفصيل قصص موسى مع فرعون فبعد أن تقدم موسى بما طلب فرعون منه من الآية فأراه آية العصا، واليد، وشاهد الملأ من قوم فرعون الآيتين العظيمتين قالوا ﴿إن هذا لساحر عليم﴾ وذلك لما بهرتهم الآيتان تحول العصا إلى حية عظيمة واليد بيضاء من غير سوء كالبرص بل بياضها عجب١ حتى لكأنها فلقة قمر أي قطعة منه، واتهموا موسى فوراً بالسياسة وأنه يريد بهذا إخراجكم من بلادكم ليستولي عليها هو وقومه من بني إسرائيل، وهنا تكلم فرعون وقال: ﴿فماذا تأمرون٢﴾ أي بم تشيرون عليّ أيها الملأ والحال كما ذكرتم؟ فأجابوه قائلين ﴿أرجه٣ وأخاه﴾ أي أوقفهما عندك ﴿وأرسل في المدائن حاشرين٤﴾

стр. 878

أي رجالاً من الشرط يحشرون أي يجمعون أهل الفن من السحرة من كافة أنحاء الإيالة أي الإقليم المصري، وأجر معه مناظرة فإذا انهزم انتهى أمره وأمنا من خطره على بلادنا وأوضاعنا. هذا ما دلت عليه الآيات الأربع في هذا السياق. هداية الآيات هن هداية الآيات ١- جهل الملأ بالآيات أدى بهم إلى أن قالوا إن موسى ساحر عليم. ٢- مكر الملأ وخبثهم إذ اتهموا موسى سياسياً بأنه يريد الملك وهو كذب بحت وإنما يريد إخراج بني إسرائيل من مصر حيث طال استعبادهم وامتهانهم من قبل الأقباط وهم أبناء الأنبياء وأحفاد إسرائيل واسحق وإبراهيم ﵈. ٣- فضيحة فرعون حيث نسي دعواه الربوبية، فاستشار الملأ في شأنه، إذ الرب الحق لا يستشير عباده فيما يريد فعله لأنه لا يجهل ما يحدث مستقبلاً. ٤- السحر صناعة من الصناعات يتعلم ويبرع فيها المرء، ويتقدم حتى يتفوق على غيره. ٥- حرمة السحر وحرمة تعلمه، ووجوب إقامة الحد على من ظهر عليه وعرف به. وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) شرح الكلمات: السحرة: جمع ساحر وهو من يتقن فن السحر ويؤثر في أعين الناس بسحره. إن لنا لأجراً: أي ثواباً من عندك أي أجراً تعطيناه إن نحن غلبنا.

стр. 879

نحن الملقين: لعصيّنا. سحروا أعين الناس: حيث صار النظارة في الميدان يشاهدون عصي السحر وحبالهم يشاهدونها حيات وثعابين تملأ الساحة. واسترهبوهم: أي خلوا الرهب والرعب في قلوب الناس من قوة أثر السحر في عيونهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحوار الدائر بين موسى ﵇ من جهة وبين فرعون وملئه من جهة أخرى، فقد جاء في الآيات السابقة أن الملأ أشاروا على فرعون بأن يحبس موسى وأخاه هارون ويرسل شرطة في المدن يأتون بالخبراء في فن السحر لمناظرة موسى عسى أن يغلبوه، وفعلاً أرسل فرعون في مدنه حاشرين يجمعون خبراء السحر، وها هم أولاء قد وصلوا قال تعالى ﴿وجاء السحرة فرعون١﴾ وعرفوا أن الموقف جد صعب على فرعون فطالبوه بالأجر العظيم إن هم غلبوا موسى وأخاه فوافق فرعون على طلبهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وجاء السحرة فرعون قالوا إن٢ لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال نعم﴾ وزادهم أيضاً أن يجعلهم من خواصه ورجال قصره فقال ﴿وإنكم لمن المقربين﴾ أي لدينا. وهنا تقدموا لموسى وكأنهم على ثقة في قوتهم السحرية وأن الجولة ستكون لهم، تقدموا بإلقاء آلاتهم السحرية أو تقدم موسى عليهم فقالوا ﴿يا موسى٣ إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين﴾ أي ألق عصاك أو نلقي نحن عصينا فقال لهم موسى ﴿ألقوا﴾ ٤ فألقوا فعلاً فسحروا أعين٥ الناس وجاءوا بسحر عظيم كما أخبر تعالى الأمر الذي استرهب النظارة حتى إن موسى ﵇ أوجس في نفسه خيفة فنهاه ربه تعالى عن ذلك وأعلمه أنه الغالب بإذن الله تعالى جاء هذا الخبر في سورة طه.

стр. 880

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مشروعية طلب الأجرة على العمل الذي يقوم به الإنسان خارجاً عن نطاق العبادة. ٢- مشروعية الترقيات الحكومية لذي الخدمة الجُلى للدولة. ٣- تأثير السحر على أعين الناس حقيقة بحيث يرون الشيء على خلاف ما هو عليه إذ العصي والحبال استحالت في أعين الناس إلى حيات وثعابين. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) شرح الكلمات: تلقف: تأخذ بسرعة فائقة وحذق عجيب. ما يأفكون: ما يقلبون بسحرهم وتمويههم. فوقع الحق: ثبت وظهر. صاغرين: ذليلين. ساجدين: ساقطين على وجوههم سجداً لربهم رب العالمين. معنى الآيات: ما زال السياق في المناظرة أو المباراة بين موسى ﵇ وسحرة فرعون، فبعد أن ألقى السحرة حبالهم وعصيهم في الساحة وانقلبت بالتمويه السحري حيات وثعابين ورهب الناس من الموقف وظن فرعون وملأه أنهم غالبون أوحى الله تعالى إلى موسى أن يلقي عصاه فألقاها ﴿فإذا هي تلقف١ ما يأفكون﴾ أي تأخذه وتبتلعه وبذلك وقع الحق أي ظهر وثبت
следующие страницы →