← Тафсир

Тафсир · id 10088

أيسر التفاسير للجزائري

أبو بكر الجزائري

Полный текст (3 359 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ وقوله ﴿الذي له ملك السموات والأرض﴾ وصف لله تعالى وقوله ﴿لا إله إلا هو﴾ تقرير لألوهية الله تعالى بعد ذكر قدرته وسلطانه وملكه وتدبيره لذا وجب أن لا يكون معبود إلا هو وهو كذلك إذ كل معبود غيره هو معبود عن جهل وعناد وظلم. وقوله ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي﴾ أمر الإله الحق إلى الناس كافة بالإيمان به تعالى رباً وإلهاً، وبرسوله النبي الأمي نبياً ورسولاً، وقوله ﴿الذي يؤمن بالله وكلماته﴾ صفة للنبي الأمي إذ من صفات النبي الأمي محمد ﷺ أنه يؤمن بالله حق الإيمان وأوفاه ويؤمن بكلماته أي بكلمات الرب التشريعية١ وهي آيات القرآن الكريم، والكونية التي يُكوّن الله بها ما شاء من الأكوان إذ بها يقول للشيء كن فيكون كما قال لعيسى بتلك الكلمة كن فكان عيسى ﵇ وقوله ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ هذا أمر الله إلى الناس كافة بعد الأمر بالإيمان به وبرسوله النبي الأمي أمر بإتباع نبيه محمد ﷺ رجاء هداية٢ من يتبعه فيما جاء به فيهتدي إلى سبيل الفوز في الدارين هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٥٨) أما الآية الثانية (١٥٩) فقد تضمنت الإخبار الإلهي بأن قوم موسى وإن ضلوا أو أجرموا وفسقوا ليس معنى ذلك أنه لم يكن فيهم أو بينهم من هم على هدى الله فهذه الآية كانت كالاحتراس من مثل هذا الفهم، إذ أخبر تعالى أن ﴿من قوم موسى أمة﴾ أي جماعة تكثر أو تقل ﴿يهدون بالحق٣﴾ أي يعملون بالحق في عقائدهم وعباداتهم ويدعون إلى ذلك وبالحق يعدلون فيما بينهم وبين غيرهم فهم يعيشون على الإنصاف والعدل، ولم يذكر تعالى أين هم ولا متى كانوا هم؟ فلا يبحث ذلك، إذ لا فائدة فيه، ثم عاد السياق إلى قوم موسي يذكر أحداثهم للعظة والاعتبار وتقرير الحق في توحيد الله تعالى وإثبات نبوة رسوله وتقرير عقيدة البعث والجزاء أو اليوم الآخر. فقال تعالى في الآية الثالثة (١٦٠) ﴿وقطعناهم٤﴾ أي بني إسرائيل ﴿اثنتى عشرة أسباطاً

стр. 912

أمماً﴾ ١ أصل السبط ابن البنت وأريد به هنا أولاد كل سبط من أولاد يعقوب ﵇. فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب كل قبيلة تنتسب إلى أبيها الأول، وأتت لفظ اثنتي عشرة لأن معنى الأسباط الفرق والفرقة مؤنثة، وقوله: ﴿وأوحينا إلى موسى إذا استسقاه قومه﴾ أعلمناه بطريق الوحي وهو الإعلام الخفي السريع، ومعنى ﴿استسقاه﴾ طلبوا منه السقيا لأنهم عطشوا لقلة الماء في صحراء سينا. ﴿أن اضرب بعصاك الحجر﴾ هذا الموحى به، فضرب ﴿فانبجست٢﴾ أي انفجرت ﴿منه اثنتا عشرة عيناً﴾ ليشرب كل سبط من عينه الخاصة حتى لا يقع اصطدام أو تدافع فينجم عنه الأذى وقوله تعالى ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ يريد عرف كل جماعة ماءهم الخاص بهم وقوله تعالى ﴿وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى﴾ هذا ذكر لإنعامه تعالى على بني إسرائيل وهم في معية موسى وهارون في حادثة التيه، حيث أرسل تعالى الغمام وهو سحاب أبيض بارد يظلهم من الشمس حتى لا تلفحهم، وأنزل عليهم المن٣ وهي حلوى كالعسل سقط ليلاً كالطل على الأشجار، وسخر لهم طائراً لذيذ اللحم يقال له السلوى وهو طائر السمانى المعروف وقلنا لهم ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ وقوله تعالى ﴿وما ظلمونا﴾ بتمردهم على أنبيائهم وعدم طاعتهم٤ لربهم حتى نزل بهم ما نزل من البلاء، ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ ٥ هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة (١٦١) فقد تضمنت حادثة بعد أحداث التيه في صحراء سيناء وذلك أن يوشع بن نون بعد أن تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاة موسى وهارون وانقضاء مدة التيه وكانت أربعين سنة غزا يوشع ببني إسرائيل العمالقة في أرض القدس وفتح الله تعالى عليه فقال لبني إسرائيل ادخلوا باب المدينة ساجدين أي منحنين خضوعاً لله وشكراً على نعمة الفتح بعد النصر والنجاة من

стр. 913

التيه، وقوله إثناء دخولكم الباب كلمة ﴿حطة﴾ الدالة على توبتكم واستغفاركم ربكم لذنوبكم فإن الله تعالى يغفر لكم خطئياتكم، وسيزيد الله المحسنين منكم الإنعام والخير الكثير مع رضاه عنكم وإدخالكم الجنة، هذا معنى قوله تعالى ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية﴾ أي مدينة فلسطين١ ﴿وكلوا منها حيث شئتم﴾ لما فيها من الخيرات ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين﴾ . أما الآية الرابعة (١٦٢) فهي قد تضمنت الإخبار عن الذين ظلموا من بني إسرائيل الذين أمروا بدخول القرية ودخول الباب سجداً. حيث بدلوا ﴿قولاً غير الذي قيل لهم﴾ فبدل حطة قالوا حنطة، وبدل الدخول منحنين ساجدين دخلوا يزحفون على أستاههم، فلما رأى تعالى ذلك التمرد والعصيان وعدم الشكران أنزل عليهم وباء من السماء كاد يقضي على آخرهم هذا معنى قوله تعالى ﴿فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون﴾ . هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عموم رسالة النبي محمد ﷺ لكافه الناس عربهم وعجمهم أبيضهم وأصفرهم٢. ٢- هداية الإنسان فرداً أو جماعة أو أمة إلى الكمال والإسعاد متوقفة على إتباع النبي محمد ﷺ . ٣- إنصاف القرآن للأمم والجماعات فقد صرح أن في بني إسرائيل أمة قائمة على الحق، وذلك بعد فساد بني إسرائيل، وقبل مبعث النبي الخاتم أما بعد البعثة المحمدية فلم يبق أحد على الحق، إلا من آمن به واتبعه لنسخ سائر الشرائع بشريعته. ٤ إذا أنعم الله على عبد أو أمة نعمة ثم لم يشكرها تسلب منه أحب أم كره وكائناً من كان.

стр. 914

واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) شرح الكلمات: حاضرة البحر: أي على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس. يعدون في السبت: أي يعتدون وذلك بالصيد المحرم عليهم فيه. يوم سبتهم: أي يوم راحتهم من أعمال الدنيا وهو يوم السبت. شرعاً: جمع شارع أي ظاهرة بارزة تغريهم بنفسها. كذلك نبلوهم: أي نمتحنهم ونختبرهم. بما كانوا يفسقون: أي بسبب ما أعلنوه من الفسق وهو العصيان. م عذرة إلى ربكم: أي ننهاهم فإن انتهوا فذاك وإلا فنهينا يكون عذراً لنا عند ربنا. فلما نسوا ما ذكروا به: أي أهملوه وتركوه فلم يمتثلوا ما أمروا به ولا ما نهوا عنه. عن السوء: السوء هو كل ما يسيء إلى النفس من سائر الذنوب والآثام. بعذاب بئيس: أي ذا بأس شديد.

стр. 915

فلما عتوا عما نهوا عنه: أي ترفعوا وطغوا فلم يبالوا بالنهي. قردة خاسئين: القردة جمع قرد معروف وخاسئين ذليلين حقيرين اخساء. معنى الآيات: ما زال السياق في بني إسرائيل إلا أنه هنا مع رسول الله محمد ﷺ ويهود المدينة فالله تعالى يقول لنبيه محمد ﵊ أسألهم١ أي اليهود ﴿عن القرية٢ التي كانت حاضرة البحر﴾ أي قريبة منه على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس والشام٣، أي أسألهم عن أهلها كيف كان عاقبة أمرهم، أنهم مسخوا قردة وخنازير جزاء فسقهم عن أمر ربهم، وفصل له الحادث تفصيلاً للعبرة والاتعاظ فقال ﴿إذ يعدون في السبت٤﴾ أي يعتدون ما أذن لهم فيه إلى ما حرم عليهم، أذن لهم أن يصيدوا ما شاءوا إلا يوم السبت فإنه يوم عبادة ليس يوم لهو وصيد وطرب، ﴿إذ تأتيهم حيتانهم﴾ أي أسماكهم ﴿يوم سبتهم شرعاً﴾ ظاهرة على سطح الماء تغريهم بنفسها ﴿ويوم لا يسبتون﴾ أي في باقي أيام الأسبوع ﴿لا تأتيهم﴾ إذاً هم مبتلون، قال تعالى ﴿كذلك﴾ أي كهذا الابتلاء والاختبار ﴿نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾ أي بسبب فسقهم عن طاعة ربهم ورسله، إذ ما من معصية إلا بذنب هكذا سنة الله تعالى في الناس. هذا ما تضمنته الآية الأولى (١٦٣) وهي قوله تعالى ﴿وأسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم٥ حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم٦ بما كانوا يفسقون﴾ . وأما الآية الثانية (١٦٤) فالله تعالى يقول لرسوله اذكر لهم أيضاً إذ قالت طائفة منهم أي من أهل القرية لطائفة أخرى كانت تعظ المعتدين في السبت أي تنهاهم عنه لأنه

стр. 916

معصية وتحذرهم من مغبة الاعتداء على شرع الله تعالى قالت ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً﴾ وهذا القول من هذه الطائفة دال على يأسهم من رجوع إخوانهم عن فسقهم وباطلهم، فأجابتهم الطائفة الواعظة ﴿معذرة١ إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ أي وعظنا لهم هو معذرة لنا عند الله تعالى من جهة ومن جهة أخرى ﴿لعلهم يتقون﴾ فيتوبوا ويتركوا هذا الاعتداء، قال تعالى ﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾ وخوفوا منه وهو تحريم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، ومعنى نسوا تركوا ولم يلتفتوا إلى وعظ إخوانهم لهم وواصلوا اعتداءهم وفسقهم، قال تعالى ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء﴾ وهم الواعظون لهم من ملّوا ويئسوا فتركوا وعظهم، وممن واصلوا نهيهم ووعظهم ﴿وأخذنا الذين ظلموا٢ بعذاب بئيس﴾ أي شديد البأس ﴿بما كانوا يفسقون﴾ عن طاعة الله ربهم، إذ قال تعالى لهم ﴿كونوا قردة خاسئين٣﴾ فكانوا قردة خاسئين ذليلين صاغرين حقيرين، ثم لم يلبثوا (مسخاً) ٤ إلا ثلاثة أيام وماتوا. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير الوحي والنبوة لرسول الله محمد ﷺ إذ مثل هذا القصص الذي يذكر لبني إسرائيل لن يتم إلا عن طريق الوحي، وإلا فكيف علمه وذكر به اليهود أصحابه وأهله، وقد مضى عليه زمن طويل. ٢- إذا أنعم الله على أمة نعمة ثم أعرضت عن شكرها تعرضت للبلاء أولاً ثم العذاب ثانياً. ٣- جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد نجى الله تعالى الناهين عن المنكر وأهلك الذين باشروه ولم ينتهوا منه دون غيرهم.

стр. 917

٤ – إطلاق لفظ السوء على المعصية مؤذن بأن المعصية مهما كانت صغيرة تحدث السوء في نفس فاعلها. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) شرح الكلمات: تأذن ١: أعلم وأعلن. ليبعثن: أي ليسلطن. من يسومهم سوء العذاب: أي يذيقهم ويوليهم سوء العذاب كالذلة والمسكنة. وقطعناهم: أي فرقناهم جماعات جماعات. بلوناهم بالحسنات والسيئات: اختبرناهم بالخير والشر أو النعم والنقم.

стр. 918

فخلف من بعدهم خلف: الخلف بإسكان اللام خلف سوء وبالتحريك خلف خير. ورثوا الكتاب: أي التوراة. عرض هذا الأدنى: أي حطام الدنيا الفاني وهو المال. يمسكون بالكتاب: أي يتمسكون بما في التوراة فيحلون ما أحل الله فيها ويحرمون ما حرم. معنى الآيات: ما زال السياق في شأن اليهود فقد أمر تعالى رسوله أن يذكر إعلامه تعالى بأنه سيبعث بكل تأكيد على اليهود إلى يوم القيامة من يذلهم ويضطهدهم عقوبة منه تعالى لهم على خبث طواياهم وسوء أفعالهم، وهذا الإطلاق في هذا الوعيد الشديد يقيد بأحد أمرين الأول بتوبة من تاب منهم ويدل على هذا القيد قوله تعالى في آخر هذه الآية ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ أي لمن تاب والثاني بجوار دولة قوية لهم وحمايتها وهذا مفهوم قوله تعالى من سورة آل عمران ﴿ضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله﴾ وهو الإسلام ﴿وحبل من الناس﴾ ، وهو ما ذكرناه آنفاً. هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق (١٦٧) وهي قوله تعالى ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم١ سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ وأما الآية الثانية (١٦٨) فقد تضمنت بيان فضل الله تعالى على اليهود وهو أن الله تعالى قد فرقهم في الأرض جماعات جماعات، وأن منهم الصالحين، وأن منهم دون ذلك وأنه اختبرهم بالحسنات وهي النعم، والسيئات وهي النقم تهيئة لهم وإعداداً للتوبة إن آثروا التوبة على الاستمرار في الإجرام والشر والفساد. هذا ما تضمنته الآية الثانية وهي قوله تعالى ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون٢ ومن دون ذلك، وبلوناهم بالحسنات

стр. 919

والسيئات لعلهم يرجعون﴾ وأما الآية الثالثة (١٦٩) فقد أخبر تعالى أنه فد خلف من بعد تلك الأمة خلف سوء١ ورثوا الكتاب الذي هو التوراة ورثوه عن أسلافهم ولم يتلزموا بما أخذ عليهم فيه من عهود على الرغم من قراءتهم له فقد آثروا الدنيا على الآخرة فاستباحوا الربا والرشا وسائر المحرمات، ويدعون أنهم سيغفر لهم، وكلما أتاهم مال حرام أخذوه ومنوا أنفسهم بالمغفرة٢ كذباً على الله تعالى قال تعالى موبخاً لهم ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ وقد قرأوا هذا في الكتاب وفهموه ومع هذا يجترئون على الله ويكذبون عليه بأنه سيغفر لهم، ثم يواجههم تعالى بالخطاب مذكراً لهم واعظاً فيقول ﴿والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون؟﴾ ويفتح الله تعالى باب الرجاء لهم في الآية الرابعة في هذا السياق فيقول ﴿والذين يمسكون بالكتاب٣﴾ أي يعملون بحرص وشدة بما فيه من الأحكام والشرائع ولا يفرطون في شيء من ذلك ﴿وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ ، ومعنى هذا أنهم مصلحون إن تمسكوا بالكتاب وأقاموا الصلاة، وان الله تعالى سيجزيهم على إصلاحهم لأنفسهم ولغيرهم أعظم الجزاء وأوفره، لأنه تعالى لا يضيع أجر المصلحين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان موجز لتوبيخ اليهود في هذه الآيات الأربع. ٢- من أهل الكتاب الصالحون، ومنهم دون ذلك. ٣- التنديد بإيثار الدنيا على الآخرة، وبتمني المغفرة مع الإصرار على الإجرام. ٤- تفضيل الآخرة على الدنيا بالنسبة للمتقين. ٥- الحث على التمسك بالكتاب قراءة وتعلماً وعملاً بإحلال حلاله وتحريم حرامه.

стр. 920

٦- فضل اقام الصلاة. وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) شرح الكلمات: وإذ نتقنا الجبل: أي رفعناه من أصله فوق رؤوسهم. واقع بهم: أي ساقط عليهم. خذوا ما آتيناكم بقوة: أي التزموا بالقيام بما عهد إليكم من أحكام التوراة بقوة. واذكروا ما فيه: أي لا تنسوا ما التزمتم به من النهوض بأحكام التوراة. من ظهورهم ذريتهم: أي أخذهم من ظهر آدم ﵇ بأرض نعمان١ من عرفات. أشهدهم على أنفسهم: أي بالله تعالى ربهم وإلاههم ولا رب لهم غيره ولا إله لهم سوأه. المبطلون: العاملون بالشرك والمعاصي إذ كلها باطل لا حق فيه. نفصل الآيات: نبينها ونوضحها بتنويع الأساليب وتكرار الحجج وضرب الأمثال وذكر القصص

стр. 921

معنى الآيات: الآية الأولى في هذا السياق هي خاتمة الحديث على اليهود إذ قال تعالى لرسوله ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة١﴾ أي اذكر لهم أيها الرسول إذ نتقنا أي رفعنا فوقهم جبل الطور من أصله وصار فوقهم كأنه ظلة ﴿وظنوا أنه واقع بهم﴾ أي ساقط عليهم وقلنا لهم ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة٢﴾ والمراد مما آتاهم أحكام التوراة وما تحمل من الشرائع وأخذها العمل بها والالتزام بكل ما أمرت به ونهت عنه وقوله تعالى ﴿واذكروا ما فيه﴾ أي في الذي آتيناكم من الأوامر والنواهي، ولا تنسوه فإن ذكره من شأنه أن يعدكم للعمل به فتحصل لكم بذلك تقوى الله ، هذا ما دلت عليه الآية الأولى وهي خاتمة سياق الحديث عن اليهود. أما الآية الثانية (١٧٢) وهي قوله تعالى ﴿وإذ أخذ ربك من بني٣ آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ ٤ فإنها حادثة جديرة بالذكر والاهتمام لما فيها من الاعتبار، إن الله تعالى أخرج من صلب آدم ذريته فأنطقها بقدرته التي لا يعجزها شيء فنطقت وعقلت الخطاب واستشهدها فشهدت، وخاطبها ففهمت وأمرها فالتزمت وهذا العهد العام الذي أخذ على بني آدم، وسوف يطالبون به يوم القيامة، وهو معنى قوله تعالى ﴿وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا﴾ أي أنك ربنا ﴿أن تقولوا﴾ يوم القيامة ﴿إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم٥، أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ والعبرة من هذا أن الإنسان سرعان ما ينسى، ويعاهد ولا يفي، وما وجد من بني إسرائيل من عدم الوفاء هو عائد إلى أصل الإنسان، وهناك عبرة أعظم وهى أن التوحيد أخذ به العهد على كل آدمي، ومع الأسف أكثر بني آدم ينكرونه، ويشركون بربهم وقوله تعالى ﴿وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون﴾ وكهذا التفصيل الوارد في هذه السورة وهذا

стр. 922

السياق وهو تفصيل عجيب نفصل الآيات تذكيراً للناس وتعليماً ولعلهم يرجعون إلى الحق بعد إعراضهم عنه، والى الإيمان والتوحيد بعد انصرافهم عنهما تقليداً وإتباعاً لشياطين الجن والإنس. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان نفسيات اليهود وأنها نفسية غريبة وإلا كيف وهم بين يدي الله يتمردون عليه ويعصونه برفضهم الالتزام بما عهد إليهم من أحكام حتى يرفع فوقهم الطور تهديداً لهم، وعندئذ التزموا ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى نقضوا عهدهم وعصوا ربهم. ٢- عجيب تدبير الله تعالى في خلقه. ٣- الكافر كفر مرتين كفر بالعهد الذي أخذ عليه وهو في عالم الذّر١ وكفر بالله وهو في عالم الشهادة، والمؤمن آمن مرتين، فلذا يضاعف للأول العذاب ويضاعف للثاني الثواب. ٤- تقرير مبدأ الخليقة، ومبدأ المعاد الآخر. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ

стр. 923

كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) شرح الكلمات واتل عليهم نبأ: إقرأ عليهم. فانسلخ منها: كفر بها وتركها وراء ظهره مبتعداً عنها. فأتبعه الشيطان: لحقه وأدركه. من الغاوين: من الضالين غير المهتدين الهالكين غير الناجين. أخلد إلى الأرض: مال إلى الدنيا وركن إليها وأصبح لا هم له إلا الدنيا. يلهث: اللهث: التنفس الشديد مع إخراج اللسان من التعب والإعياء. ساء: قبح. مثلاً: أي صفة. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿واتل عليهم﴾ أي اقرأ على قومك وعلى كل من يبلغه هذا الكتاب من سائر الناس ﴿نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ أي خبر الرجل١ الذي أعطيناه آيتنا تحمل الأدلة والحجج والشرائع والأحكام والآداب فتركها وابتعد عنها فلم يَتْلُهَا ولم يفكر فيها ولم يعمل بها لا استدلالا ولا تطبيقا ﴿فأتبعه الشيطان﴾ أي لحقه وأدركه وتمكن منه إبليس، لأنه بتخليه عن الآيات وجد الشيطان له طريقاً إليه ﴿فكان من الغاوين﴾ أي الضالين الفاسدين الهالكين ﴿ولو شئنا لرفعناه بها٢﴾ أي بالآيات إلى قمم

стр. 924

المجد والكمال، وإلى الدرجات العلا في الدار الآخرة، ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ أي مال إليها وركن فأكب على الشهوات والسرف في الملذات، وأصبح لا هم له إلا تحصيل ذلك ﴿واتبع هواه﴾ وترك عقله ووحي ربه عنده، فصار مثله أي صفته الملائمة له ﴿كمثل الكلب﴾ أي في اللهث والإعياء، والتبعية وعدم الاستقلال الذاتي ﴿إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ فحيرته وتعبه لا ينقطعان أبداً. وقوله تعالى ﴿ذلك مثل القوم الذي كذبوا بآياتنا﴾ أي هذا المثل الذي ضربناه لذلك الرجل الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها وكان من أمره ما قصصنا عليك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا في كل زمان ومكان، وعليه ﴿فاقصص﴾ يا رسولنا ﴿القصص لعلهم يتفكرون﴾ أي لعل قريشاً تتفكر فتعتبر وترجع إلى الحق فتكمل وتسعد، وقوله تعالى ﴿ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ أي قبح مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فجحدوا بها حتى لا يوحدوا الله تعالى ولا يسلموا إليه، ﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ بتدنيسها بآثار الشرك والمعاصي وقوله تعالى ﴿من يهد الله فهو المهتدي﴾ أي من وفقه الله تعالى للهداية١ فآمن وأسلم واستقام على منهاج الحق فهو المهتدي بحق ومن خذله الله لشدة إعراضه عن الحق وتكبره عنه فضل بإضلال الله تعالى له فأولئك هم الخاسرون الخسران الحق المبين. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- خطر شأن هذا الخبر الذي أمر تعالى رسوله أن يتلوه على الناس. ٢- ترك القرآن الكريم بعدم تلاوته والتدبر فيه، وترك العمل به مفض بالعبد إلى أن يكون هو صاحب المثل في هذه الآية، فأولاً يتمكن منه الشيطان فيصبح من الغواة وثانيا يخلد إلى الأرض كما هو حال الكثيرين فلا يكون لأحدهم هم إلا الدنيا. ثم يتبع هواه لا عقله ولا شرع الله، فإذا به صورة لكلب يلهث لا تنقطع حيرته وإتباعه لغيره كالكلب سواء بسواءء وهذه حال من أعرضوا عن كتاب الله تعالى في هذه الآية فليتأملها العاقل. ٣- لا رفعةَ ولا سعادة ولا كمال إلا بالعمل بالقرآن فهي الآية الرافعة لقوله تعالى ﴿ولو شئنا

стр. 925

لرفعناه بها﴾ أي بالآيات ١ التي انسلخ منها والعياذ بالله. ٤- الهداية بيد الله ألا فليطلبها من أرادها من الله بصدق القلب وإخلاص النية فإن الله تعالى لا يحرمه منها، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه. وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) شرح الكلمات: ذرأنا لجهنم: خلقنا لجهنم أي للتعذيب بها والاستقرار فيها. لا يفقهون بها: كلام الله ولا كلام رسوله. لا يبصرون بها: آيات الله في الكون. لا يسمعون بها: الحق والمعروف. كالأنعام: البهائم في عدم الانتفاع بقلوبهم وأبصارهم وأسماعهم. الغافلون: أي عن آيات الله، وما خُلقوا له وما يراد لهم وبهم. ولله الأسماء الحسنى: الأسماء جمع اسم والحسنى مؤنث الأحسن، والأسماء الحسنى لله خاصة دون غيره فلا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته.

стр. 926

وذروا: اتركوا. يلحدون: يميلون بها إلى الباطل. وممن خلقنا: أي من الناس. معنى الآيات: على إثر ذكر الهدى والضلال وإن المهتدى من هداه الله، والضال من أضله الله أخبر تعالى أنه قد خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس، علماً منه تعالى بأنهم يرفضون هدايته ويتكبرون عن عبادته، ويحاربون أنبياءه ورسله، وإن رفضهم للهداية وتكبرهم عن العبادة عطل حواسهم فلا القلب يفقه ما يقال له، ولا العين تبصر ما تراه، ولا الأذن تسمع ما تخبر به وتحدث عنه فأصبحوا كالأنعام١ بل هم أضل لأن الأنعام ما خرجت عن الطريق الذي سيقت له وخلقت لأجله٢، وأما أولئك فقد خرجوا عن الطريق الذي امروا بسلوكه، وخلقوا له ألا وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له لينجوا من العذاب ويسعدوا في دار النعيم، وقوله تعالى ﴿أولئك هم الغافلون﴾ تقرير لحقيقة وهي أن استمرارهم في الضلال كان نتيجة غفلتهم عن آيات الله الكونية فلا يتأملوها فيعرفوا أن المعبود الحق هو الله وحده ويعبدوه وعن آيات الله التنزيلية فلا يتدبروها فيعلموا أن الله هو الحق المبين فيعبدوه وحده بما شرع لهم في كتابه وسنة نبيه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٧٩) وأما الآية الثانية في هذا السياق (١٨٠) وهي قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحنسى فادعوه٣ بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾ فقد أخبر تعالى فيها بأن الأسماء الحسنى له تعالى خاصة لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وقد أخبر النبي ﷺ أنها مائة اسم٤ إلا اسما أي تسعة وتسعون إسما ًووردت مفرقة في القرآن الكريم، وأمر تعالى عباده أن

стр. 927

يدعوه١ بها يا الله، يا رحمن يا رحيم يا رب، يا حي يا قيوم، وذلك عند سؤالهم إياه وطلبهم منه ما لا يقدرون عليه٢، كما أمرهم أن يتركوا أهل الزيغ والضلال الذين يلحدون في أسماء الله فيؤلونها، أو يعطلونها، أو يشبهونها، أمر عباده المؤمنين به أن يتركوا هؤلاء له ليجزيهم الجزاء العادل على ما كانوا يقولون ويعملون. لأن جدالهم غير نافع فيهم ولا مجد للمؤمنين ولا لهم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة (١٨١) وهي قوله تعالى ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ إنه لما ذكر أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس ذكر هنا أنه خلق للجنة خلقاً آخر من الإنس والجن فذكر صفاتهم التي يستوجبون بها الجنة كما ذكر صفات أهل جهنم التي استوجبوا بها جهنم، فقال ﴿وممن خلقنا﴾ من الناس ﴿أمة﴾ كبيرة ﴿يهدون﴾ أنفسهم وغيرهم ﴿بالحق﴾ الذي هو هدى الله ورسوله وبالحق يعدلون في قضائهم وأحكامهم فينصفون ويعدلون ولا يجورون، ومن هذه الأمة كل صالح في أمة الإسلام يعيش على الكتاب والسنة اعتقاداً وقولاً وعملاً وحكماً وقضاءً وأدباً وخلقاً جعلنا الذي منهم وحشرنا في زمرتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- تقرير مبدأ أن السعادة والشقاء سبق بها قلم القضاء والقدر فكل ميسر لما خلق له. ٢- هبوط الآدمي إلى درك أهبط من درك الحيوان، وذلك عندما يكفر بربه ويعطل حواسه عن الانتفاع بها، ويقصر همه على الحياة الدنيا. ٣- بيان أن البلاء كامن في الغفلة عن آيات الله والإعراض عنها. ٤- الأمر بدعاء الله تعالى بأسمائه الحسنى نحو يا رب يا رحمن، يا عزيز يا جبار.

стр. 928

٥- حرمة تأويل أسماء الله وصفاته وتحريفها كما قال المشركون في الله، اللات، وفي العزيز العزى سموا بها آلهتهم الباطلة، وهو الإلحاد١ الذي توعد الله أهله بالجزاء عليه. ٦- أهل الجنة الذين خلقوا لها هم الذين يهدون بالكتاب والسنة ويقضون بهما. وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) شرح الكلمات: كذبوا بآياتنا:: أي بآيات القرآن الكريم. سنستدرجهم٢:: أي نستميلهم وهم هابطون إلى هوة العذاب درجة بعد درجة حتى ينتهوا إلى العذاب، وذلك بإدرار النعم عليهم مع تماديهم في التكذيب والعصيان حتى يبلغوا الأجل المحدد لهم ثم يؤخذوا أخذة واحدة.

стр. 929

وأملي لهم إن كيدي متين: أي أمهلهم فلا أعجل بعقوبتهم حتى ينتهوا إليها بأعمالهم الباطلة وهذا هو الكيد لهم وهو كيد متين شديد. ما بصاحبهم من جنة: صاحبهم هو محمد ﷺ ، والجنة الجنون والمتحدث عنهم كفار قريش. ملكوت السموات: أي ملك السموات إلا أن لفظ الملكوت أعظم من لفظة الملك. فبأي حديث بعده: أي بعد القرآن العظيم. ونذرهم في طغيانهم: أي نتركهم في كفرهم وظلمهم. يعمهون: حيارى يترددون لا يعرفون مخرجاً ولا سبيلاً للنجاة. معنى الآيات: يخبر تعالى أن الذين كذبوا بآياته التي أرسل بها رسوله محمدا ﷺ فلم يؤمنوا بها وأصروا على الشرك والضلال معرضين عن التوحيد والهدى يخبر تعالى أنه سيستدرجهم بالأخذ شيئاً فشيئاً ودرجة بعد درجة حتى يحق عليهم العذاب فينزله بهم فيهلكون ويخبر أنه يملى لهم أيضاً كيداً بهم ومكراً، أي يزيدهم في الوقت ويطول لهم زمن كفرهم وضلالهم فلا يعاجلهم بالعقوبة بل إنه يزيد في إرزاقهم وأموالهم حتى يفقدوا الاستعداد للتوبة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولذا قال ﴿وأملي١ لهم إن كيدي متين٢﴾ أي قوي شديد. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٨٣) أما الثانية فإنه تعالى يوبخهم على إعراضهم عن التفكير والتعقل فيقول ﴿أو لم يتفكروا﴾ في سلوك الرسول٣ ﷺ وتصرفاته الرشيدة الحكيمة فيعلموا أنه ما به من جنة وجنون كما يزعمون، وإنما هو نذير لهم من عذاب يوم أليم إن هم استمروا على سلوك درب الباطل والشر من الشرك والمعاصي، ونذارته بينه لا لبس فيها ولا غموض لو كانوا يتفكرون. وفي الآية الثالثة (١٨٥) يوبخهم

стр. 930

على عدم نظرهم١ في ملكوت السموات والأرض وفي ما خلق الله من شيء وفي أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، إذ لو نظروا في ملكوت السموات والأرض وما في ذلك من مظاهر القدرة والعلم والحكمة لعلموا أن المستحق للعبادة هو خالق هذا الملكوت، لا الأصنام والتماثيل، كما أنهم لو نظروا فيما خلق الله من شيء من النملة إلى النخلة ومن الحبة إلى القبة لأدركوا أن الله هو الحق وأن ما يدعون هو الباطل كما أنه حرى بهم أن ينظروا في ما مضى من أعمارهم فيدركوا أنه من الجائز أن يكون قد اقترب أجلهم، وقد اقترب فعلا فليعجلوا بالتوبة حتى لا يؤخذوا وهم كفار أشرار فيهلكون ويخسرون خسرانا ًكاملاً. ثم قال تعالى في ختام الآية ﴿فبأي حديث٢﴾ بعد القرآن يؤمنون فالذي لا يؤمن بالقرآن وكله حجج وشواهد وبراهين وأدلة واضحة على وجوب توحيد الله والإيمان بكتابه ورسوله ولقائه ووعده ووعيده فبأي كلام يؤمن، اللهم لا شيء، فالقوم إذاً أضلهم الله، ومن أضله الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون حيارى يترددون لا يدرون ما يقولون، ولا أين يتجهون حتى يهلكوا كما هلك من قبلهم. وما ربك بظلام للعبيد. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- عظم خطر التكذيب بالقرآن الكريم حتى أن المكذب ليستدرج حتى يهلك وهو لا يعلم. ٢- أكبر موعظة وهي أن على الإنسان أن يذكر دائماً أن أجله قد يكون قريباً وهو لا يدري فيأخذ بالحذر والحيطة حتى لا يؤخذ على غير توبة فيخسر. ٣- من لا يتعظ بالقرآن وبما فيه من الزواجر، والعظات والعبر، لا يتعظ بغيره. ٤- من أعرض عن كتاب الله مكذباً بما فيه من الهدى فضل، لا ترجى له هداية أبداً.

стр. 931

١ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) شرح الكلمات: الساعة: أي الساعة بمعنى الوقت الذي تنتهي فيه الحياة الدنيا بالفناء التام. أيان مرساها ٢: أي متى وقت قيامها. لا يجلها لوقتها: أي لا يظهرها في وقتها المحدد لها إلا هو . بغتة: أي فجأة بدون توقع أو انتظار. حفي عنها: أي ملحف مبالغ في السؤال عنها حتى أصبحت تعرف وقت مجيئها. الغيب: الغيب ما غاب عن حواسنا وعن عقولنا فلم يدرك بحاسة ولا بعقل. والمراد به هنا ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد. السوء: كل ما يسوء العبد في روحه أو بدنه. إن أنا إلا نذير: أي ما أنا إلا نذير وبشير فلست بإله يدبر الأمر ويعلم الغيب.

стр. 932

معنى الآيات: لا شك أن أفراداً من قريش أو من غيرهم سألوا النبي ﷺ عن الساعة متى قيامها فأخبره تعالى بسؤالهم وعلمه الجواب فقال وهو يخاطب رسوله ﷺ ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها١﴾ أي متى وقت وقعوها وقيامها؟ قل لهم ﴿إنما علمها عند ربى﴾ أي علم وقت قيامها عند ربي خاصة ﴿لا يجليها لوقتها﴾ أي لا يظهرها لأول وقتها إلا هو ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ أي ثقل أمر علمها عند أهل السموات والأرض ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ أي فجأة، ثم قال له يسألونك هؤلاء الجهال عن الساعة ﴿كأنك حفي عنها﴾ أي كأنك ملحف في السؤال مبالغ في طلب معرفتها حتى عرفتها، قل لهم ﴿إنما علمها٢ عند الله﴾ خاصة، ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، ولذا هم يسألونه، إذ إخفاؤه لحكم عالية لو عرفها الناس ما سألوا ولن يسألوا ولكن الجهل هو الذي ورطهم في مثل هذه الأسئلة وهذا ما دلت عليه الآية الأولى (١٨٧) أما الآية الثانية (١٨٨) فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لأولئك السائلين عن الساعة متى وقت مجيئها ﴿لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً﴾ خيراً ولا شراً ﴿إلا ما شاء الله﴾ شيئاً من ذلك فإنه يُعينني على جلبه أو على دفعه فكيف إذاً أعلم وقت مجيء الساعة حتى تسألوني عنها ﴿ولو كنت أعلم الغيب٣﴾ كما تظنون لاستكثرت من الخيرات وما مسني السوء. وذلك أني إذا عرفت متى الخصب ومتى الجدب، ومتى الغلاء ومتى الرخاء يمكنني بسهولة أن استكثر من الخير عند وجوده، وأتوقى الشر وأدفعه قبل حصوله، يا قوم إنما أنا نذير بعواقب الشرك والمعاصي بشير بنتائج الإيمان والتوحيد والعمل الصالح فلست بإله أعلم الغيب، ووظيفتي هذه صراحة هي البشارة والنذارة ينتفع بها المؤمنون خاصة وهو معنى قوله تعالى ﴿إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ .

стр. 933

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- مرد علم الساعة إلى الله وحده فكل مسؤول عنها غير الله ليس أعلم من السائل١. ٢- للساعة أشراط بعضها في الكتاب وبعضها في السنة وليس معنى ذلك أنه تحديد لوقتها وإنما هي مقدمات تدل على قربها فقط. ٣- استأثر الله بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله، ومَنْ علَّمه الله شيئاً منه علم كما علم نبيه ﷺ بعض المغيبات، والمعلم بالشيء لا يقال فيه يعلم الغيب وإنما يقال علَّمه ربه غيب كذا وكذا فعلمه: ٤- إذا كان الرسول لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يطلب منه ذلك وإذ كان الرسول لا يملك فهل من دونه من العباد يملك؟ إذا عرفت هذا ظهر لك ضلال أقوام يدعون الموتى سائلين ضارعين عند قبورهم ويقولون أنهم لا يدعونهم ولكن يتوسلون بهم فقط. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٩٢) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)

стр. 934

شرح الكلمات: من نفس واحدة: هي نفس آدم ﵇. وجعل منها زوجها: أي خلق منها زوجها وهي حواء خلقها من ضلع آدم الأيسر. ليسكن إليها: أي ليألفها ويأنس بها لكونها من جنسه. فلما تغشاها: أي وطئها. فمرت به: أي ذاهبة جائية تقضى حوائجها لخفت الحمل في الأشهر الأولى. فلما أثقلت ١: أي أصبح الحمل ثقيلاً في بطنها. لئن أتيتنا صالحاً: أي ولداً صالحاً ليس حيواناً بل إنساناً. جعلا له شركاء: أي سموه عبد الحارث وهو عبد الله ﷻ . فتعالى الله عما يشركون: أي أهل مكة حيث أشركوا في عبادة الله أصناماً. وإن تدعوهم إلى الهدى: أي الأصنام لا يتبعوكم. معنى الآيات: يقول تعالى لأولئك السائلين عن الساعة عناداً ومكابرة من أهل الشرك هو أي الله ﴿الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ الإله المستحق للعبادة لا الأصنام والأوثان، فالخالق لكم من نفس واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها حواء هو المستحق للتأليه والعبادة. دون غيره من سائر خلقه. وقوله ﴿ليسكن إليها﴾ : علة لخلقه زوجها منها، إذ لو كانت من جنس آخر لما حصلت الألفة والأنس بينهما وقوله ﴿فلما تغشاها﴾ أي للوطء ووطئها ﴿حملت٢ حملاً خفيفاً فمرت٣ به﴾ لخفته ﴿فلما أثقلت﴾ أي أثقلها الحمل

стр. 935

﴿دعوا الله﴾ أي آدم١ وحواء ربهما تعالى أي سألاه قائلين ﴿لئن آتيتنا صالحاً﴾ أي غلاماً صالحاً ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ أي لك. واستجاب الرب تعالى لهما وآتاهما صالحاً. وقوله تعالى ﴿فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ حيث سمته حواء عبد الحارث بتغرير من إبليس، إذ اقترح عليهما هذه التسمية، وهي من الشرك الخفي المعفو عنه نحو لولا الطبيب هلك فلان، وقوله ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ عائد إلى كفار قريش الذين يشركون في عبادة الله أصنامهم وأوثانهم، بدليل قوله بعد ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئاً﴾ أي من المخلوقات ﴿وهم﴾ أي الأوثان وعبادها ﴿يخلقون، ولا يستطيعون لهم نصراً﴾ إذا طلبوا منهم ذلك. ﴿ولا أنفسهم ينصرون﴾ لأنهم جمادات لا حياة بها ولا قدرة لها وقوله ﴿وإن تدعوهم﴾ أي وإن تدعوا أولئك الأصنام ﴿إلى الهدى﴾ وقد ضلوا الطريق ﴿لا يتبعوكم٢﴾ لأنهم لا يعقلون الرشد من الضلال ولذا فسواء عليكم ﴿أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ أي لم تدعوهم فإنهم لا يتبعونكم ومن هذه حاله وهذا واقعه فهل يصح أن يعبد فتقرب له القرابين ويحلف به، ويعكف عنده، وينادى ويستغاث به؟؟ اللهم لا، ولكن المشركين لا يعقلون. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- بيان أصل خلق البشر وهو آدم وحواء ﵉. ٢- بيان السر في كون الزوج من جنس الزوج وهو الألفة والأنس والتعاون. ٣- بيان خداع إبليس وتضليله للإنسان حيث زين لحواء تسمية ولدها بعبد الحارث وهو عبد الله. ٤- الشرك في التسمية٣ شرك خفي معفو عنه وتركه أولى. ٥- التنديد بالشرك والمشركين، وبيان جهل المشركين وسفههم إذ يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يجيب ولا يتبع.

стр. 936

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (١٩٨) شرح الكلمات: عباد أمثالكم: أي مملوكون مخلوقون أمثالكم لمالك واحد هو الله رب العالمين. شركاءكم: أصنامكم التي تشركون بها. ثم كيدون: بما استطعتم من أنواع الكيد. فلا تنظرون: أي فلا تمهلون لأني لا أبالي بكم. إن وليي الله: أي المتولي أموري وحمايتي ونصرتي الله الذي نزل القرآن. وتراهم ينظرون: أي وترى الأصنام المنحوتة على شكل رجال ينظرون إليك وهم لا يبصرون. معنى الآيات: هذه الآيات الخمس في سياق ما قبلها جاءت مقررة لمبدأ التوحيد مؤكدة له منددة

стр. 937

بالشرك مقبحة له، ولأهله فقوله تعالى ﴿إن الذين تدعون١﴾ أي دعاء عبادة أيها المشركين هم ﴿عباد أمثالكم٢﴾ أي مملوكون لله، الله مالكهم كما أنتم مملوكون لله مربوبون. فكيف يصح منكم عبادتهم وهم مملكون مثلكم لا يملكون لكم ولا لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وإن شككتم في صحة هذا فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين في زعمكم أنهم آلهة يستحقون العبادة. إنكم لو دعوتموهم ما استجابوا، وكيف يستجيبون وهم جماد ولا حياة لهم ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد٣ يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها، أم لهم آذان يسمعون بها﴾ إنه لا شيء لهم من ذلك فكيف إذا يستجيبون، وبأي حق يعبدون فيدعون ويرجون وهم فاقدوا آثار القدرة والحياة بالمرة. ثم أمر الله تعالى رسوله أن يعلن لهم أنه لا يخافهم ولا يعدهم شيئاً إذا كانوا هم يعبدونهم ويخافونهم فقال له قل لهؤلاء المشركين ﴿ادعوا شركاءكم ثم كيدون٤﴾ أنتم وإياهم ﴿فلا تنظرون﴾ أي لا تمهلوني ساعة، وذلك لأن ﴿وليى٥ الله الذي نزل الكتاب﴾ أي القرآن ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ فهو ينصرني منكم ويحميني من كيدكم إنه ولي ووليُّ المؤمنين. أما أنتم ﴿والذين تدعون من دونه﴾ أي من دون الله من هذه الأوثان ﴿لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون﴾ وشيء آخر وهو أنكم ﴿إن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا﴾ فضلاً عن إن تدعوهم إلى الضلال فكيف تصح عبادة من لا يجيب داعية في الرخاء ولا في الشدة. وأخيراً يقول تعالى لرسوله ﷺ ، ﴿وتراهم﴾ أي ترى أولئك الآلهة وهي تماثيل من حجارة ﴿ينظرون إليك٦﴾ إذا قابلتهم لأن أعينهم مفتوحة دائماً، والحال أنهم لا يبصرون، وهل تبصر الصور والتماثيل؟.

стр. 938

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- إقامة الحجة على المشركين بالكشف عن حقيقة ما يدعون أنها آلهة فإذا بها أصنام لا تسمع ولا تجيب لا أيد لها ولا أرجل ولا آذان ولا أعين. ٢- وجوب التوكل على الله تعالى، وطرد الخوف من النفس والوقوف أمام الباطل وأهله في شجاعة وصبر وثبات اعتماداً على الله تعالى وولايته إذ هو يتولى الصالحين. ٣- جواز المبلاغة في التنفير من الباطل والشر بذكر العيوب والنقائص. خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ (٢٠٢) شرح الكلمات: العفو: ما كان سهلاً لا كلفة فيه وهو ما يأتي بدون تكلف. بالعرف: أي المعروف في الشرع بالأمر به أو الندب إليه. وأعرض عن الجاهلين: الجاهلون: هم الذين لم تستنر قلوبهم بنور العلم والتقوى، والإعراض عنهم بعدم مؤاخذتهم على سوء قولهم أو فعلهم. نزغ الشيطان: أي وسوسته بالشر. فاستعذ بالله: أي قل أعوذ بالله يدفعه عنك إنه أي الله سميع عليم. اتقوا: أي الشرك والمعاصي.

стр. 939

طائف من الشيطان: أي ألم بهم شيء من وسوسته. وإخوانهم يمدونهم في الغي: أي إخوان الشياطين من أهل الشرك والمعاصي يمدونهم في الغي. ثم لا يقصرون: أي لا يكفون عن الغي الذي هو الضلال والشر والفساد. معنى الآيات: لما علّم تعالى رسوله كيف يحاج المشركين لإبطال باطلهم في عبادة غير الله تعالى والإشراك به علمه في هذه الآية أسمى الآداب وأرفعها، وأفضل الأخلاق وأكملها فقال له: ﴿خذ العفو١ وأمر بالعرف٢ وأعرض عن الجاهلين﴾ أي خذ من أخلاق الناس ما سهل عليهم قوله وتيسر لهم فعله، ولا تطالبهم بما لا يملكون أو بما لا يعلمون وأمرهم بالمعروف، وأعرض٣ عن الجاهلين منهم فلا تعنفهم ولا تغلظ القول لهم فقد سأل ﷺ عن معنى هذه الآية جبريل ﵇ فقال له: "تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك٤" وقوله ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ٥﴾ أي أثار غضبك حتى لا تلتزم بهذا الأدب الذي أمرت به ﴿فاستعذ بالله﴾ بدفعه عنك إنه سميع لأقوالك عليم بأحوالك. ثم قال تعالى مقرراً حكم الاستعاذة مبيناً جدواها ونفعها لمن يأخذ بها. ﴿إن الذين اتقوا﴾ أي ربهم فلم يشركوا به أحداً ولم يفرطوا في الواجبات ولم يغشوا المحرمات هؤلاء ﴿إذا مسهم طائف٦ من الشيطان﴾ بأن نزغهم بإثارة الغضب أو الشهوة فيهم تذكروا

стр. 940

أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ﴿فإذا هم مبصرون﴾ يرون قبح المعصية وسوء عاقبة فاعلها فكفوا عنها ولم يرتكبوها. وقوله تعالى: ﴿وإخوانهم﴾ أي إخوان الشياطين من أهل الشرك والمعاصي ﴿يمدونهم﴾ أي الشياطين ﴿في الغي﴾ أي في المعاصي والضلالات ويزيدونهم في تزيينها لهم وحملهم عليها، ﴿ثم لا يقصرون﴾ عن فعلها ويكفون عن ارتكابها. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الأمر بالتزام الآداب والتحلي بأكمل١ الأخلاق ومن أرقاها العفو عمن ظلم وإعطاء من حرم، وصلة من قطع. ٢- وجوب الاستعاذة بالله عند٢ الشعور بالوسوسة أو الغضب أو تزيين الباطل٣. ٣- فضيلة التقوى وهي فعل الفرائض وترك المحرمات. ٤- شؤم أخوة الشياطين حيث لا يقصر صاحبها بمد الشياطين له عن الغي الذي هو الشر والفساد. وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُر رَّبَّكَ

стр. 941

فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) شرح الكلمات: قالوا لولا اجتبيتها: أي اخترعتها واختلقتها من نفسك وأتيتنا بها. هذا بصائر من ربكم: أي هذا القرآن حجج وبراهين وأدلة على ما جئت به وادعوكم إليه فهو أقوى حجة من الآية التي تطالبون بها. فاستمعوا له وانصتوا: أي اطلبوا سماعه وتكلفوا له، وانصتوا عند ذلك أي اسكتوا حتى تسمعوا سماعاً ينفعكم. وخيفة: أي خوفاً. بالغدو والآصال: الغدو: أول النهار، والآصال: أواخره. من الغافلين: أي عن ذكر الله تعالى. إن الذين عند ربك: أي الملائكة. يسبحونه: ينزهونه بألسنهم بنحو سبحان الله وبحمده. معنى الآيات: ما زال السياق في توجيه الرسول ﷺ وتعليمه الرد على المشركين خصومه فقال تعالى عن المشركين من أهل مكة ﴿وإذا لم تأتيهم﴾ يا رسولنا ﴿بآية﴾ ١ كما طلبوا ﴿قالوا﴾ لك ﴿لولا﴾ أي هلا ﴿اجتبيتها﴾ أي اخترعتها وأنشأتها من نفسك ما دام ربك لم يعطها قل لهم إنما أنا عبد الله ورسوله لا أفتات عليه ﴿وإنما اتبع ما يوحى إليّ من ربي﴾ وهذا القرآن الذي يوحى إلي بصائر٢ من حجج وبراهين على صدق دعواي وإثبات رسالتي،

стр. 942

وصحة ما أدعوكم إليه من الإيمان والتوحيد وترك الشرك والمعاصي، فهلا آمنتم واتبعتم أم الآية الواحدة تؤمنون عليها والآيات الكثيرة لا تؤمنون عليها أين يذهب بعقولكم؟ وعلى ذكر بيان حجج القرآن وأنواره أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا قرىء عليهم القرآن أن يستمعوا وينصتوا وسواء كان يوم الجمعة على المنبر أو كان في غير ذلك١ فقال تعالى ﴿فإذا قرىء القرآن فاستمعوا له﴾ أي تكلفوا السماع وتعمدوه ﴿وانصتوا﴾ بترك الكلام ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي رجاء أن ينالكم من هدى القرآن رحمته فتهتدوا وترحموا لأن القرآن هدى ورحمة للمؤمنين. ثم أمر تعالى رسوله وأمته تابعة له في هذا الكمال فقال تعالى ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ أي سراً ﴿تضرعاً﴾ أي تذللاً وخشوعاً، ﴿وخيفة٢﴾ أي وخوفاً وخشية ﴿ودون الجهر من القول﴾ وهو السر بأن يسمع نفسه فقط أو من يليه لا غير وقوله ﴿بالغدو والآصال﴾ أي أوائل النهار وأواخره، ونهاه عن ترك الذكر وهو الغفلة فقال ﴿ولا تكن من الغافلين﴾ وذكر له تسبيح٣ الملائكة وعبادتهم ليتأسى بهم، فيواصل العبادة والذكر ليل نهار فقال ﴿إن الذين عند ربك﴾ وهم الملائكة في الملكوت الأعلى ﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ أي طاعته بما كلفهم به ووظفهم فيه ﴿ويسبحونه وله يسجدون٤﴾ فتأس بهم ولا تكن من الغافلين. هداية الآيات من هداية الآيات: ١- القرآن أكبر آية بل هو أعظم من كل الآيات التي أعطيها الرسل ﵈. ٢- وجوب الإنصات عند تلاوة القرآن وخاصة في خطبة الجمعة على المنبر وعند قراءة الإمام في الصلاة الجهرية.

стр. 943

٣- وجوب ذكر الله بالغدو والآصال. ٤- بيان آداب الذكر وهي: ١-السرية. ٢- التضرع والتذلل. ٣- الخوف والخشية. ٤- الإسرار به وعدم رفع الصوت به، لا كما يفعل المتصوفة. ٥- مشروعية الأئتساء بالصالحين والإقتداء بهم في فعل الخيرات وترك المنكرات. ٦- عزيمة السجود عند قوله ﴿وله يسجدون١﴾ وهذه أول سجدات القرآن ويسجد القارىء والمستمع له، أما السامع فليس عليه سجود، ويستقبل بها القبلة ويكبر عند السجود وعند الرفع منه ولا يسلم وكونه متوضأً أفضل.

стр. 944

سورة الأنفال مدنية وآياتها خمس وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ

стр. 945

يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) شرح الكلمات: الأنفال: جمع نفل ١ بتحريك الفاء: ما يعطيه الإمام لأفراد الجيش تشجيعاً لهم. ذات بينكم: أي حقيقة بينكم، والبين الوصلة والرابطة التي تربط بعضكم ببعض من المودة والإخاء. إنما المؤمنون: أي الكاملون في إيمانهم. وجلت قلوبهم: أي خافت إذ الوجل٢: هو الخوف لاسيما عند ذكر وعيده ووعده. وعلى ربهم يتوكلون: على الله وحده يعتمدون وله أمرهم يفوضون. ومما رزقناهم: أي أعطيناهم. أولئك: أي الموصوفون بالصفات الخمس السابقة. لهم درجات: منازل عالية في الجنة. ورزق كريم: أي عطاء عظيم من سائر وجوه النعيم في الجنة. معنى الآيات: هذه الآيات نزلت في غزوة بدر وكان النبي ﷺ قد نفل٣ بعض المجاهدين لبلائهم

стр. 946

وتخلف آخرون فحصلت تساؤلات بين المجاهدين لم يعطي هذا ولم لا يعطي ذاك فسألوا الرسول ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿يسألونك١ عن الأنفال؟﴾ ٢ فأخبرهم أنها ﴿لله والرسول﴾ فالله يحكم فيها بما يشاء والرسول يقسمها بينكم كما يأمره ربه٣ وعليه فاتقوا الله تعالى بترك النزاع والشقاق، ﴿وأصلحوا﴾ ذات بينكم بتوثيق عرى المحبة بينكم وتصفية قلوبكم من كل ضغن أو حقد نشأ من جراء هذه الأنفال واختلافكم في قسمتها، ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ في كل ما يأمرانكم به وينهيانكم عنه ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ حقاً فامتثلوا الأمر واجتنبوا النهي. وقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون﴾ أي الكاملون في إيمانهم الذين يستحقون هذا الوصف وصف المؤمنين هم ﴿الذين إذا ذكر الله﴾ أي اسمه أو وعده أو وعيده ﴿وجلت قلوبهم٤﴾ أي خافت فأقلعت عن المعصية، وأسرعت إلى الطاعة، ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ أي قوي إيمانهم وعظم يقينهم، ﴿وعلى ربهم﴾ لا على غيره ﴿يتوكلون﴾ وفيه تعالى يثقون. وإليه تعالى أمورهم يفوضون، ﴿الذين يقيمون الصلاة﴾ بأدائها بكامل شروطها وكافة أركانها وسائر سننها وآدابها، ﴿ومما رزقناهم﴾ أي أعطيناهم ﴿ينفقون﴾ من مال وعلم، وجاه وصحة بدن من كل هذا ينفقون في سبيل الله ﴿أولئك﴾ الموصوفون بهذه الصفات الخمس ﴿هم المؤمنون حقاُ﴾ وصدقاً، ﴿لهم درجات عند ربهم﴾ أي منازل عالية متفاوتة العلو والارتفاع في الجنة، ولهم قبل ذلك ﴿مغفرة﴾ كاملة لذنوبهم، ﴿ورزق كريم﴾ ٥ طيب واسع لا تنقيص فيه ولا تكدير، وذلك في الجنة دار المتقين.

стр. 947

هداية الآيات من هداية الآيات: ١- الأمر بتقوى الله وإصلاح ذات البين. ٢- الإيمان يزيد١ بالطاعة وينقص بالعصيان. ٣- من المؤمنين من هو كامل الإيمان، ومنهم من هو ناقصه. ٤- من صفات أهل الإيمان الكامل ما ورد في الآية الثانية من هذه السورة٢ وما بعدها. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ٣ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) شرح الكلمات: من بيتك: أي المدينة المنورة. لكارهون: أي الخروج للقتال. إحدى الطائفتين: العير "القافلة" أو النفير: نفير قريش وجيشها.

стр. 948

الشوكة ١: السلاح في الحرب. يبطل الباطل: أي يظهر بطلانه بقمع أهله وكسر شوكتهم وهزيمتهم. ولو كره المجرمون: كفار قريش المشركون. معنى الآيات: قوله تعالى ﴿كما أخرجك ربك﴾ أيها الرسول ﴿من بيتك﴾ بالمدينة ﴿بالحق﴾ متلبساً به حيث خرجت بإذن الله ﴿وان فريقاً٢ من المؤمنين لكارهون﴾ لما علموا بخروج قريش لقتالهم، وكانت العاقبة خيراً عظيماً، هذه الحال مثل حالهم لما كرهوا نزع الغنائم من أيديهم وتوليك قسمتها بإذننا، على أعدل قسمة وأصحها وأنفعها فهذا الكلام في هذه الآية (٥) تضمنت تشبيه حال حاضرة بحال ماضيه حصلت في كل واحدة كراهة بعض المؤمنين، وكانت العاقبة في كل منهما خيراً والحمد لله، وقوله تعالى ﴿يجادلونك في الحق بعدما تبين﴾ أي يجادلونك في القتال بعدما أتضح لهم أن العير٣ نجت وأنه لم يبق إلا النفير٤ ولا بد من قتالها. وقوله تعالى ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ أي إلى الموت عياناً يشاهدونه أمامهم وذلك من شدة كراهيتهم لقتال لم يستعدوا له ولم يوطنوا أنفسهم لخوض معاركه. وقوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ أي اذكر يا رسولنا لهم الوقت الذي يعدكم الله تعالى فيه إحدى الطائفتين العير والنفير، وهذا في المدينة وعند السير أيضاً ﴿أنها لكم﴾ أي تظفرون بها، ﴿وتودون﴾ أي تحبون أن تكون ﴿غير ذات الشوكة﴾ وهي عير أبي سفيان ﴿تكون لكم﴾ ، وذلك لأنها مغنم بلا مغرم لقلة عددها وعددها، والله يريد ﴿أن يحق الحق﴾ أي يظهره بنصر أوليائه وهزيمة أعدائه، وقوله ﴿بكلماته﴾ أي التي تتضمن أمره تعالى إياكم بقتال الكافرين، وأمره الملائكة بالقتال معكم، وقوله ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ أي بتسليطكم عليهم فتقتلوهم حتى لا

стр. 949

تبقوا منهم غير من فر وهرب، وقوله ﴿ليحق الحق﴾ أي لينصره ويقرره وهو الإسلام ﴿ويبطل الباطل﴾ وهو الشرك ﴿ولو كره﴾ ذلك ﴿المجرمون﴾ أي المشركون الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك، وعلى غيرهم أيضاً حيث منعوهم من قبول الإسلام وصرفوهم عنه بشتى الوسائل. هداية الآيات: من هداية الآيات: ١- تقرير قاعدة ﴿عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ وذكر نبذة عن غزوة بدر الكبرى وبيان ذلك أن النبي ﷺ بلغه أن عيراً لقريش تحمل تجارة قادمة من الشام في طريقها إلى مكة وعلى رأسها أبو سفيان بن حرب فانتدب النبي ﷺ بعض أصحابه للخروج إليها عسى الله تعالى أن يغنمهم إياها، لأن قريشاً صادرت أموال بعضهم وبعضهم ترك ماله بمكة وهاجر. فلما خرج النبي ﷺ وأثناء مسيره أخبرهم أن الله تعالى وعدهم إحدى الطائفتين، لا على التعيين جائز أن تكون العير، وجائز أن تكون النفير الذي خرج من مكة للذب عن العير ودفع الرسول وأصحابه عنها حتى لا يستولوا عليها، فلما بلغ الرسول نبأ نجاة العير١ وقدوم النفير استشار أصحابه فوافقوا على قتال المشركين ببدر وكره بعضهم ذلك، وقالوا: إنا لم نستعد للقتال فأنزل الله تعالى هذه الآيات ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ إلى قوله ﴿ ... ولو كره المجرمون﴾ . ٢- بيان ضعف الإنسان في رغبته في كل مالا كلفة فيه ولا مشقة. ٣- إنجاز الله تعالى وعده للمؤمنين إذ أغنمهم طائفة النفير وأعزهم بنصر لم يكونوا مستعدين له.

стр. 950

٤- ذكر نبذة عن وقعة بدر وهي من أشهر الوقائع وأفضلها وأهلها من أفضل الصحابة وخيارهم إذ كانت في حال ضعف المسلمين حيث وقعت في السنة الثانية من الهجرة وهم أقلية والعرب كلهم أعداء لهم وخصوم. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) شرح الكلمات: تستغيثون١: أي تطلبون الغوث من الله تعالى وهو النصر على
следующие страницы →