سنة ٤٧٦ هـ، وأسر صاحبها يحيى بن سكوت ثم قتل. وجاز ابن عباد بعد ذلك، وقصد إلى أمير المسلمين، ولقيه بفاس مستنفراً له في الجهاد، ونزل له عن ثغر الجزيرة ليكون رباطاً لجهاده (١). ويقول لنا ابن أبي زرع، إن أمير المسلمين لما عاد إلى مراكش في سنة ٤٧٥ هـ عقب فتحه لوهران وتونس، ورد عليه كتاب المعتمد بن عباد، يعلمه بحال الأندلس، وما آل إليه أمرها من تغلب العدو على معظم ثغورها، ويسأله الإنجاد والعون، فأجابه يوسف بأنه إذا فتح الله عليه سبتة فإنه سوف يتصل بهم، ثم يحدثنا بعد ذلك عن الغزوة التي قام بها ألفونسو في نفس العام، في أراضي إشبيلية وكيف اخترقها بقواته حتى وصل إلى طريف، وخاض الماء بفرسه قائلا، هذا آخر الأندلس قد وطأته، وأنه لما استولى على طليطلة اتفق أمراء الأندلس وكبراؤها على الاستنصار بيوسف وكتبوا إليه جميعاً يلتمسون منه الغوث، وأنهم سوف يكونون معه يداً واحدة في جهاد العدو. فلما توالت كتب الأندلس على يوسف بعث ابنه المعز لافتتاح سبتة، فحاصرها وافتتحها في شهر ربيع الأول سنة ٤٧٧ هـ، فسر بذلك أمير المسلمين، وسار في الحال بقواته نحو الشمال ليجوز منها إلى الأندلس (٢). وفي أقوال ابن أبي زرع شىء من الغموض والتناقض في التواريخ. ولكنه مع ذلك يؤيد الواقعة الجوهرية، وهي أن اتجاه أمراء الطوائف إلى الاستنصار بأمير المسلمين، حدث قبل سقوط طليطلة ببضعة أعوام، وأن سقوط طليطلة لم يكن إلا عاملا جديداً في تقوية هذا الاتجاه وإذكائه.
وإنه ليلوح لنا أن فكرة استدعاء المرابطين لإنجاد الأندلس، قد خطرت لأول مرة للمعتمد بن عباد حينما اشتد ألفونسو في إرهاقه بطلب الجزية، وأرسل إليه ابن شاليب اليهودي في اقتضائها، وذلك في سنة ٤٧٥ هـ ووقع عندئذ ما وقع من بطش ابن عباد برسل ألفونسو، وخروج ملك قشتالة في قواته للانتقام من ابن عباد، واجتياحه لمملكته، وتخريبه لمدنها ومروجها، من إشبيلية جنوباً حتى مدينة طريف، وذلك حسبما فصلناه في موضعه من أخبار مملكة إشبيلية.
والظاهر أن المعتمد قد أدرك عندئذ، وإن يكن متأخراً، فداحة الخطأ الذي
стр. 1017
ارتكبه، بخضوعه لملك قشتالة ومحالفته، وأدرك مدى ما تنطوي عليه سياسة هذا الملك القوي من الخديعة والغدر، واعتزم عندئذ أمره في استدعاء المرابطين.
وليس معنى ذلك أن ابن عباد كان ينفرد بهذا التفكير وهذا العزم، فلا شك أن معظم أمراء الطوائف قد جالت بخواطرهم تلك الفكرة، فقد كانوا جميعاً يشعرون بنفس الخطر، وكانوا جميعاً يعانون ضغط ملك قشتالة، وتخريبه لأراضيهم، وجشعه في استصفاء أموالهم باسم الجزية، بيد أن ابن عباد، قد كان كبير ملوك الطوائف، وكان يواجه في نفس الوقت أعظم الأخطار المباشرة من عدوان ملك قشتالة، وكان حرياً بأن يتقدمهم في اعتناق هذه الفكرة وتنفيذها.
على أن فكرة الاستنصار بالمرابطين لم تكن دون معارضة، فقد كان ثمة بين ملوك الطوائف من يخشى عواقبها ويحذر ابن عباد من مغبة سياسته، وقد أجابهم ابن عباد بكلمته المأثورة " رعي الجمال خير من رعي الخنازير"، يقصد بذلك أن خير له أن يغدو أسيراً لدى أمير المسلمين يرعي جماله، من أن يغدو أسيراً لملك قشتالة النصراني (١).
ثم كان سقوط طليطلة بعد ذلك بعامين، فكان نذيراً لا شك في خطورته.
وإذا كانت فكرة الاستنصار بالمرابطين، قد بدت من قبل لأمراء الطوائف أملا يداعبهم، فقد بدت عندئذ ضرورة ماسة، وبدت بالنسبة للأندلس مسألة حياة أو موت، ومن ثم فإن الصريخ الذي كان يتخذ من قبل صورة الكتب والدعوات الخاصة، يتخذ عندئذ صورته الرسمية، وتشاطر الأندلس كلها، أمراؤها وفقهاؤها وكافتها هذا الاتجاه، ويبعث ابن عباد وزميلاه المتوكل ابن الأفطس صاحب بطليوس، وعبد الله بن بلقين صاحب غرناطة، سفارتهم الرسمية إلى أمير المسلمين، على يد أبي بكر عبيد الله بن أدهم قاضي قرطبة، وأبى إسحق بن مُقانا قاضي بطليوس، وأبى جعفر القليعى قاضي غرناطة، وأبى بكر بن زيدون وزير المعتمد (٢). وعبر سفراء الأندلس البحر إلى المغرب وقصدوا إلى أمير المسلمين في مراكش، وكانت وفود الأندلس تتوالى من قبل
стр. 1018
ذلك على يوسف مستعطفة باكية، ترجوه الغوث والإنجاد، فيستمع إلى قولهم، ويعدهم خيراً. والظاهر أن سفارة الأندلس الرسمية لم تأت لكي تلتمس العون، دون قيد ولا شرط. وقد وقعت بينها وبين أمير المسلمين مفاوضات أسفرت عن عهود متبادلة، خلاصتها أن يتعاون أمير المسلمين وأمراء الطوائف في محاربة النصارى، وأن يؤمن أمراء الطوائف في ممالكهم، وألا تحرض رعيتهم على شىء من الفساد، ومن جهة أخرى فقد طلب أمير المسلمين عملا بنصح وزيره الأندلسي عبد الرحمن بن أسبط أن يُسلم إليه ثغر الجزيرة، وقد كان يومئذ من أملاك ابن عباد، لكي يكون قاعدة أمينة لعبور جيشه، وقد نزل ابن عباد عند هذه الرغبة، وأمر حاكم الجزيرة ولده يزيد الراضي بإخالائها. لتكون رهن تصرف أمير المسلمين (١).
وقد سبق أن أشرنا إلى ما عمد إليه ملك قشتالة عقب استيلائه على طليطلة، من الكتابة إلى ابن عباد يطالبه بتسليم بلاده، وينذره بسوء المصير، وما كتب به كذلك إلى المتوكل بن الأفطس في هذا المعنى، وإلى ما رد به كل من الأميرين المسلمين، على الملك النصراني، وذلك في أخبار مملكتي إشبيلية وبطليوس.
* * *
وهكذا اعتزم أمير المسلمين أمره، بعد استشارة قومه وفقهائه، وقرر أن يلبي صريخ أهل الأندلس، وأن يبادر إلى غوثهم، ولم يك ثمة شك في أن يوسف وقومه المرابطون، كانت تحدوهم نزعة الجهاد في سبيل الله، بيد أن أولئك الجند الصحراويين الذين نشأوا في غمار القفر والبداوة، كانت تحدوهم في نفس الوقت رغبة في رؤية الأندلس، وما اشتهرت به من الخصب والنعماء، وأن يبلوا حرب النصارى (٢). ومن الصعب علينا في هذا الموطن، أن نستشف نيات يوسف ْالتي كشف عنها فيما بعد، في افتتاح الأندلس وامتلاكها، بيد أنا نرجح أنه لم يكن يجيش بمثل هذه النية في البداية، وأنها خطرت له فيما بعد، بعد أن درس أحوال الأندلس، وأحوال أمرائها. واستنفر يوسف سائر قواته وحشوده للجهاد،
стр. 1019
وكان قد تم له يومئذ فتح سبتة، فسار إليها، والجيوش تتلاحق في أثره من الصحراء، وبلاد الزاب، ومختلف نواحي المغرب، وأصلح مرافئها وحشد السفن لعبور قواته، وكان أول ما عبر منها قوة من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، عبرت إلى ثغر الجزيرة الخضراء، واحتلته وفقاً لما تم الاتفاق عليه، ثم أخذت الجيوش المرابطية تعبر تباعاً، حتى تم عبورها جميعاً إلى شبه الجزيرة. وفي في يوم الخميس منتصف ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ (٣٠ يونيه ١٠٨٦ م) عبر البطل الشيخ في بقية قواته. وما كادت السفن العابرة تمخر عباب المضيق، حتى اضطرب البحر وتعالت الأمواج، فنهض الزعيم المرابطي حسبما يحدثنا بنفسه وسط سفينته، وبسط يديه بالدعاء نحو السماء قائلا: " اللهم إن كنت تعلم أن في جوازنا هذا خيرة للمسلمين، فسهل علينا جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه ". ثم يقول لنا، إنه ما كاد يتم كلامه حتى " سهل الله المركب، وقرب المطلب ". وشاء ربك أن تعبر السفن المرابطية، في ريح طيبة وبحر هادىء، وأن تصل إلى ثغر الجزيرة في سلام (١).
стр. 1020
الفصل الثانِى
موقعة الزلاّقة
مسير يوسف بن تاشفين وجيشه إلى إشبيلية. المعتمد بن عباد يقدم الضيافات والمؤن. لقاء الملكين. زيارة يوسف لإشبيلية. كتبه إلى ملوك الطوائف للمشاركة في الجهاد. مقدم أميرى غرناطة ومالقة ومعز الدولة بن صمادح في قواتهم. مسير الجيوش المرابطية والأندلسية إلى بطليوس. مسيرها إلى سهل الزلاقة. ألفونسو السادس ومبادرته إلى التأهب للقاء المرابطين. استعانته بسائر ملوك النصارى. مسيره إلى الجنوب للقاء المسلمين. مواقع الفريقين. عدد قوات المسلمين والنصارى. الجيش الإسلامي وأقسامه. كتاب يوسف إلى ألفونسو. رد ألفونسو ورد يوسف عليه. بداية المعركة. عنف هجوم النصارى. ثبات المعتمد بن عباد وجند إشبيلية. مهاجمة ألفونسو للمرابطين. اندفاع المرابطين لإنجاد إخوانهم. تغير وجه المعركة. مهاجمة النصارى لمعسكر المرابطين. تطويق قوات لمتونة وصنهاجة للنصارى. المعركة الهائلة. تمزق صفوف القشتاليين. اشتداد هجوم المرابطين من الناحيتين. كثرة القتل بين النصارى. نزول حرس يوسف الأسود إلى المعركة. جرح ألفونسو وفراره. تقدير خسائر الفريقين. مسير ألفونسو في فلوله إلى طليطلة. مبالغة الرواية الإسلامية في تقدير خسائر النصارى. ذيوع أنباء النصر في الأندلس والمغرب. رسالة يوسف عن الفتح. لقب أمير المسلمين وهل اتخذه يوسف عقب الزلاقة. إحجام يوسف عن مطاردة النصارى وبواعثه. عود الجيوش الأندلسية إلى قواعدها. الثناء على المعتمد بن عباد وثباته. تنويه أمير المسلمين ببطولته. يوسف يتلقى نبأ وفاة ولده. إسراعه بالعود إلى المغرب. ما يقال في بواعث هذه الحركة. نصر الزلاقة وطابعه. المعنى الصليبي الذي ينطوي على لقاء المسلمين والنصارى. دعوة ألفونسو عقب هزيمته إلى إنشاء جبهة نصرانية. شعور المؤرخين المسلمين بخطورة الموقعة وصبغتها الصليبية. ما قيل حولها من الأساطير. أثر الزلاقة ونتائجها الحاسمة. انتعاش قوى الأندلس. تحرر ملوك الطوائف من نير قشتالة. ارتداد سيل الجيوش النصرانية عن الأندلس. الإسلام يغنم في اسبانيا حياة جديدة.
نزل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ثغر الجزيرة الخضراء، في يوم الخميس منتصف ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ (٣٠ يونيه ١٠٨٦ م)، وجيوشه الجرارة تحيط بها من كل صوب. وما كاد يطأ بقدميه أرض الأندلس، حتى سجد لله شكراً، ثم أخذ في تحصين الجزيرة، وإصلاح أسوارها وأبراجها، ورتب لها حامية خاصة من جنده، ثم سار في قواته صوب إشبيلية.
وبعث المعتمد بن عباد ولده عبد الله لاستقبال يوسف بالجزيرة، ورتب تقديم المؤن والأطعمة والضيافات للجيش المرابطي، على طول الطريق إلى
стр. 1021
إشبيلية، واستعد لذلك استعداداً عظيماً سر به يوسف. ولما اقترب يوسف من إشبيلية خرج المعتمد إلى لقائه في وجوه أصحابه وفرسانه، وتعانق الملكان، وأبدى كل منهما لأخيه منتهى المودة والإخلاص، وتضرعا إلى الله أن يجعل جهادهما خالصاً لوجهه، وقدم ابن عباد إلى أمير المسلمين جليل الهدايا والتحف، وقدم المؤن والضيافات الكافية لسائر الجيش القادم، وقرت عينه بما رآه من ضخامته وروعة استعداده، وأيقن ببلوغ النصر المنشود. وفي اليوم التالي سار أمير المسلمين إلى إشبيلية، تلاحقه قواته، وأقام هناك ثلاثة أيام. وكان يوسف قد كتب في أثناء ذلك إلى سائر ملوك الطوائف، يدعوهم إلى اللحاق به، والمشاركة في الجهاد في سبيل الله، وكان أول من لبى دعوته منهم عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة وأخوه تميم صاحب مالقة، واعتذر المعتصم بن صمادح صاحب ألمرية بضعفه وكبر سنه، وتوجسه من عدوان النصارى في حصن لييط (أليدو)، وبعث ابنه معز الدولة في فرقة من جنده. ثم سار أمير المسلمين في جيوشه الجرارة، ومعه ابن عباد في قوات إشبيلية، وقرطبة، وقصدوا إلى بطليوس، فلقيهم أميرها عمر المتوكل على مقربة منها، وقدم إليهم المؤن والضيافات الواسعة، وأنفق أمير المسلمين أياماً في بطليوس ينتظر وفود الرؤساء من سائر أقطار الأندلس، بعد أن علم وتأكد لديه أن كل واحد منهم مشغول بمدافعة النصارى (١). ولم يلحق به منهم سوى عبد الله وأخيه تميم ومعز الدولة. وانتظمت القوات الأندلسية إلى وحدة قائمة بذاتها يتولى قيادتها ابن عباد، واحتلت المقدمة، واحتلت الجيوش المرابطية المؤخرة، وانتهت الجيوش الإسلامية المتحدة في سيرها إلى سهل يقع شمالي بطليوس على مقربة من حدود البرتغال الحالية، ويمتد مصعداً نحو قورية، وتسميه الرواية العربية بالزلاقة (٢).
وكانت أنباء عبور المرابطين إلى شبه الجزيرة، قد وصلت إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وهو محاصر لسرقسطة، وذلك في أواخر يوليه أو أوائل أغسطس ١٠٨٦ م (جمادى الأولى سنة ٤٧٩)، فترك الحصار على عجل،
стр. 1022
وتنفس مخنق المستعين بن هود صاحب سرقسطة، وبعث ألفونسو إلى سانشو راميرز ملك أراجون يستدعيه لإنجاده، وكان يومئذ قائماً بحصار طرطوشة، وبعث كذلك إلى أمراء ما وراء البرنيه، وحشد كل ما استطاع حشده من قوات جليقية وأشتوريش وبسكونية (نافار)، واستدعى قائده ألبار هانيس بقواته من بلنسية، وتقاطر إليه سيل من الفرسان المتطوعة من جنوبي فرنسا وإيطاليا.
واعتزم ألفونسو أن يلقي الأعداء في أرضهم حتى لا تخرب بلاده إذا وقعت به الهزيمة، وسار على رأس القوات النصرانية المتحدة إلى الجنوب للقاء المسلمين، وهو واثق من تفوق قواته في العدد والعدة، والكفاية الفنية، ولم تصله أنباء دقيقة عن حالة الجيش الإسلامي (١).
واستقرت الجيوش النصرانية، في مكان يبعد نحو ثلاثة أميال عن المعسكر الإسلامي، يفصل بينها وبين المسلمين فرع وادي يانة الممتد شمالا في اتجاه نهر " التاجُه " والذي يسمى اليوم " جريرو ". وجعل ألفونسو على مقدمة جيشه، قائده ألبار هانيس، وكانت تتألف في معظمها من جنود أراجون، والمتطوعة. وقد اختلفت الرواية في تقدير قوات المسلمين والنصارى. وتقدر بعض الروايات العربية جيش النصارى بثمانين ألف مقاتل، ويقدرها البعض الآخر بخمسين ألفاً أو أربعين ألفاً. وأما الجيش الإسلامي، فيقدره البعض بثمانية وأربعين ألفاً، والبعض الآخر بعشرين ألفاً، على أنه يبدو من الروايات المختلفة أن النصارى كانوا يفوقون المسلمين في العدد (٢). وكان الجيش الإسلامي، ينقسم حسبما قدمنا إلى وحدتين كبيرتين: قوات الأندلس، وتحتل المقدمة ويقودها المعتمد بن عباد، ويقود منها المتوكل بن الأفطس قوات الميمنة، ويشغل أهل شرقي الأندلس الميسرة، وأما القوات المرابطية، فكانت تحتل المؤخرة، وتنقسم إلى قسمين، يضم الأول فرسان البربر من سائر القبائل، ويتولى قيادته داود بن عائشة أبرع قواد البربر، ويتولى يوسف قيادة الجيش الإحتياطي المؤلف من نخبة أنجاده المرابطين من لمتونة وصنهاجة وغيرهما من القبائل البربرية.
ولبث الجيشان الخصيمان، كل منهما تجاه الآخر لا يفصلهما سوى النهر،
стр. 1023
مدى أيام ثلاثة، والرسل تتجاوب بينهما. وكتب يوسف قبيل المعركة إلى ملك قشتالة، عملا بأحكام السنة كتاباً يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام، أو الجزية أو الحرب (١)، ومما جاء فيه: " بلغنا يا أدفونش، أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيت أن تكون لك سفن تعبر فيها البحر إلينا، فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله في هذه الساحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ".
فاستشاط ألفونسو لذلك الخطاب غضباً، ورد على أمير المسلمين بكتاب غليظ يفيض بالوعيد، فاكتفى يوسف بأن رد إليه كتابه ممهورا بتلك العبارة، " الذي يكون ستراه " (٢).
وحاول ألفونسو خديعة المسلمين في تحديد يوم الموقعة، فكتب إلى المعتمد ابن عباد، يوم الخميس، يقول له إن غدا يوم الجمعة، وهو عيدكم، وبعده السبت يوم اليهود، وهم كثير في محلتنا، وبعده الأحد وهو عيدنا، فيكون اللقاء بيننا يوم الاثنين، فأدرك ابن عباد ويوسف خديعته، وجاءت طلائع المعتمد في الليل تنبىء أن معسكر النصارى في حركة وضوضاء وجلبة أسلحة، مما يدل على استعداد القوم لبدء القتال. ومن ثم فقد لبث المسلمون على أهبتهم حذرين متحفزين (٣).
وقد حدث في الواقع ما توقعه المسلمون، فإنه ما كاد يتنفس صبح اليوم التالي، وهو يوم الجمعة ١٢ رجب سنة ٤٧٩ هـ (٢٣ أكتوبر سنة ١٠٨٦ م) (٤)،
стр. 1024
حتى زحف النصارى وابتدأ القتال، واشتبك الجيشان في معركة عامة، فهجمت مقدمة القشتاليين والأرجونيين التي يقودها ألبارهانيس، على مقدمة المسلمين المؤلفة من القوات الأندلسية، والتي يقودها ابن عباد. وكان هجوماً عنيفاً ردها عن مواقعها، واختل نظامها فارتد معظمها نحو بطليوس. ولم يثبت في وجه المهاجمين سوى المعتمد وفرسان إشبيلية، فقاتلوا النصارى بشدة، وأثخن أميرهم الباسل جراحاً، وتفرق معظمهم من حوله، وكثر القتل في جند الأندلس، وكادت تدور عليهم الدائرة، دون أن يتقدم لإنجادهم أحد. وفي الوقت نفسه كان ألفونسو قد هاجم مقدمة المرابطين، التي يقودها داود بن عائشة، وردها أيضاً عن مواقعها. ففي تلك الآونة العصيبة، دفع يوسف بقوات البربر التي يقودها أبرع قواده، وهو سير بن أبي بكر اللمتوني لإنجاد الأندلسيين والمرابطين معاً، ونفذ بقواته إلى قلب النصارى بشدة، وسرعان ما تغير وجه المعركة، واسترد الأندلسيون والمرابطون ثباتهم، وعاد الفارون إلى صفوفهم. واضطرمت المعركة في هذا الجناح رائعة، ترجح بها كفة المسلمين، وكان ألفونسو، في ذلك الوقت قد تقدم في هجومه، حتى صار أمام خيام المرابطين، واقتحم الخندق الذي يحميها، ولكن حدث في نفس الوقت، أن لجأ يوسف إلى خطة مبتكرة، إذ تقدم في قواته الاحتياطية من لمتونة وصنهاجة، وتجاوز النصارى المهاجمين، وقصد إلى المعسكر النصراني ذاته، وهاجمه بشدة، وكانت تحرسه قوة ضعيفة، ففتك بها، ووثب إلى مؤخرة القشتاليين، وأثخن فيهم من الوراء، وطبوله تضرب حول جيشه فيشق دويها الفضاء، ثم أضرم النار في محلة القشتاليين، فارتفعت ألسنتها في الهواء، فلما علم ألفونسو بما حل بمعسكره، ارتد من فوره لينقذ محلته من الهلاك، فاصطدم بمؤخرة المرابطين، ووقعت بين قوات العاهلين معركة هائلة، مزقت فيها صفوف القشتاليين ولم يستطع الملك النصراني أن يصل إلى محلته إلا بعد خسائر فادحة، وهنالك استؤنفت المعركة، ويوسف فوق فرسه يصول ويجول، ويحث جنده على
стр. 1025
الثبات، ويرغبهم في الاستشهاد، ودوي الطبول من حوله يصم الآذان. وينوه الأستاذ بيدال بتأثير وقع الطبول وضجيجها في اضطراب القشتاليين، ويقول إنه لم يسبق من قبل أن عرفت الجيوش الإسبانية، مثل هذا الضجيج الذي تهتز له الأرض، ومن جهة أخرى، فقد عمد المرابطون إلى القتال في صفوف متراصة متناسقة ثابتة، وهي أيضاً خطة جديدة لهم في القتال، ولم يكن للفرسان النصارى عهد بمثلها، إذ كانوا معتادين على القتال الفردي. ومن ثم فقد ألفوا أنفسهم بالرغم من تفوقهم في السلاح، عاجزين عن مناهضة هذه الصفوف المتراصة التي تفوقهم بكثافتها وعديدها (١).
واشتد هجوم المرابطين في نفس الوقت بقيادة سير بن أبي بكر على مقدمة القشتاليين التي يقودها ألبارهانيس، واستردت جيوش الأندلس كل إقدامها وشجاعتها، وكثر القتل من الجانبين في صفوف القشتاليين. وكانت الضربة الأخيرة أن دفع يوسف بحرسه الأسود، وقوامه أربعة آلاف مقاتل إلى قلب المعمعة، واستطاع أحدهم أن يصل إلى ملك قشتالة، وأن يطعنه بخنجره في فخذه طعنة نافذة. وكانت الشمس قد أشرفت على المغيب، وأدرك ألفونسو وقادته وفرسانه أنهم يواجهون الموت، إذا استمروا في موقفهم، وعندئذ بادر ألفونسو في فل من صحبه وأشرافه إلى التراجع، والاعتصام بتل قريب حتى دخل الليل، فسار وصحبه تحت جنح الظلام، وتقدر الرواية من أفلت مع ملك قشتالة بنحو أربعمائة أو خمسمائة فارس، معظمهم جرحى. وكانت صفوف النصارى قد مزقت عندئذ في كل ناحية شر تمزيق، وتعالت أكوام الأشلاء والجرحى، وطورد الفارون في كل مكان، وهلك كثيرون منهم أثناء المطاردة، ولم ينقذ البقية الباقية من النصارى سوى دخول الظلام، وأمر يوسف بوقف المطاردة.
وأمضى المسلمون الليل في ميدان الحرب، يرقبون حركات النصارى، وفي صباح اليوم التالي أخذت فرسانهم في مطاردة المتخلفين، وعمدت قوة أخرى إلى جمع الأسلاب وكانت عظيمة وافرة. ويشير يوسف في رسالته بالفتح إلى المعز بن باديس، إلى وفرة الغنائم من الخيل والبغال والحمير والثياب والأوبار
стр. 1026
ويقول لنا إن الفارس الواحد كان يربط معه خمسة أفراس أو أزيد.
وتقول الرواية الإسلامية، إنه لم ينج من الجيش النصراني سوى خمسمائة فارس أو أقل، هم الذين فروا مع ملك قشتالة. وتابع ملك قشتالة فراره مع فلوله ولم يتوقف إلا عند قورية، على بعد عشرين مرحلة من ميدان الموقعة.
وتضيف الرواية إلى ذلك أن معظم أولئك الفرسان الفارين كانوا مثخنين بالجراح، فمات معظمهم في الطريق، ولم يصل منهم إلى طليطلة مع مليكهم سوى مائة (١).
وهذا هو نفس ما يقرره يوسف في خطاب الفتح الرسمي الذي بعث به إلى المغرب حيث يقول: " وتسلل ألفنش تحت الظلام فاراً لا يهدى ولا ينام، ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق أربعمائة فلم يدخل طليطلة إلا في مائة فارس " (٢). بيد أنه في رسالته التي بعث بها إلى المعز بن باديس، والتي يصف لنا فيها معركة الزلاقة تفصيلا ولاسيما الدور الذي قام به مع جنده، يقول لنا، إنه علم أن الذي انقطع به ألفونسو من عسكره يبلغون نحو ألفي رجل، قد أثخن معظمها جراحة، وأنهم انتظروا حتى دخول الليل، ثم لجأوا إلى الفرار. ثم تقول الرواية الإسلامية أيضاً إن المسلمين لم يخسروا في المعركة سوى نحو ثلاثة آلاف (٣)، ويقول لنا يوسف في رسالته إنه قُتل من أكابره نحو العشرين، هذا في حين أن النصارى قد هلك معظمهم. وتذهب في تقدير خسائر النصارى إلى حد قولها إنهم بلغوا نحو ثلاثمائة ألف (٤). بيد أن هناك أقوالا أكثر اعتدالا، فيروى مثلا أن أمير المسلمين أمر بقطع رؤوس القتلى من النصارى فقطعت وجمعت، فاجتمع منها تل عظيم، أذن من فوقه للصلاة، واجتمع منها بين يدي المعتمد بن عباد أربعة وعشرين ألفاً، وأن رؤوس القتلى التي وزعت على قواعد الأندلس بلغت أربعين ألفاً، وأنه أرسل إلى المغرب أربعين ألفاً أخرى، لتوزع على قواعده. ويقول لنا صاحب روض القرطاس إن الروم (القشتاليين) وكانوا ثمانين ألف فارس، ومائتي ألف راجل، فقتلوا أجمعين ولم ينج منهم إلا ألفنش في مائة فارس، ومن الغريب أن هذه الأرقام نفسها هي التي وردت
стр. 1027
خريطة: موقعة الزلاّقة.
стр. 1028
في خطاب الفتح الرسمي الذي بعث به يوسف إلى المغرب (١). وهذه كلها أقوال تحمل طابع المبالغة بلا ريب، وإن كانت الرواية النصرانية تجمع على أن الموقعة كانت هائلة، وأن خسائر النصارى كانت فيها ذريعة فادحة. ولا ريب أيضاً أن خسائر المسلمين كانت عظيمة، وإن كانت أقل بكثير من خسائر النصارى، وليس من المعقول أن تقتصر على ثلاثة آلاف في مثل هذه الحشود الضخمة. ذلك أنه في معركة، يطبعها من الشدة والتفاني والحماسة الدينية، ما طبعت به موقعة الزلاّقة، لابد أن تكون الخسائر فيها فادحة من الجانبين، الظافر والمغلوب.
وذاعت أنباء النصر في الحال في سائر جنبات الأندلس، وطيرت إلى سائر القواعد الأندلسية. واستبشر المسلمون في شبه الجزيرة بما آتاهم الله من عزيز نصره. وكتب يوسف بأنباء الواقعة أو بالفتح حسبما يوسم خطابه إلى بلاد العدوة، وكتب رسالته المسهبة عن الموقعة وأوصافها إلى المعز بن باديس صاحب إفريقية، وهي التي أشرنا إليها فيما تقدم غير مرة. وتجاوبت أصداء النصر في سائر مدن المغرب وإفريقية، وعم الفرح والبشر سائر الناس، فأخرجوا الصدقات، وأعتقوا الرقاب. وقيل إن يوسف اتخذ لقبه " أمير المسلمين " عقب نصر الزلاّقة (٢) وأن أمراء الأندلس، حينما هنأوه بالنصر أسبغوا عليه هذا اللقب، ولكنا رأينا فيما تقدم، أنه اتخذ هذا اللقب بالمغرب قبل ذلك بأعوام عديدة. بيد أنه مما يلفت النظر أن أمير المسلمين وحلفاءه الأندلسيين، لم يحاولوا استغلال نصرهم بمطاردة العدو داخل بلاده، والزحف إلى أراضي قشتالة، بل ولم يحاولوا السير إلى طليطلة لاستردادها، وهي كانت معقد المحنة التي دفعت ملوك الطوائف إلى الاستغاثة بالمرابطين. ولو بذل المرابطون هذه المحاولة في الوقت الذي حطم فيه جيش قشتالة وفتحت حدودها، لكللت بالنجاح بلا ريب.
وقد قيل لنا في ذلك إن ابن عباد نصح لأمير المسلمين بمطاردة ملك قشتالة والقضاء على فلوله، فاعتذر يوسف عن ذلك بحجة أنه يجب انتظار ورود
стр. 1029
الفارين من المسلمين أولا، حتى لا يهلكهم النصارى. ونسبت في ذلك إلى كلا الرجلين نيات مريبة (١).
وعلى أي حال فقد وقف نصر المسلمين عند هذا الحد، وتفرق الجيش الإسلامي، فارتد أمراء الأندلس كل إلى بلاده. ونلاحظ فيما يتعلق بأمراء الأندلس، وموقف كل منهم خلال المعركة، أن الرواية الإسلامية تخص المعتمد ابن عباد بتقديرها وثنائها. فقد انكشفت سائر القوات الأندلسية الأخرى في بداية المعركة: قوات بطليوس وغرناطة وألمرية، وارتدت منهزمة صوب بطليوس، ولم تعد إلى الميدان إلا حينما لاحت طوالع النصر. ولكن المعتمد ثبت أمام القشتاليين حسبما أسلفنا، وأبلى وجنده الإشبيليون خير البلاء، واثخن جراحاً ولم يغادر ميدان المعركة، حتى تداركته النجدات المرابطية (٢). وينوه أمير المسلمين بثبات المعتمد وبطولته في ذلك اليوم في خطابه بالفتح إلى المغرب إذ يقول: " ولم يثبت فيهم (أي رؤساء الأندلس) غير زعيم الرؤساء والقواد أبو القاسم المعتمد بن عباد، فأتى إلى أمير المسلمين وهو مهيض الجناح، مريض عنة وجراح، فهنأه بالفتح الجليل والصنع الجميل " (٣). وينوه بذلك أيضاً في رسالته إلى المعز بن باديس ويذكر المعتمد فيها بعطف وإجلال، ويثنى عليه الثناء الجم. بيد أنه مما كدر صفو هذا النصر، أن تلقى أمير المسلمين في نفس هذا اليوم ذاته، نبأ وفاة ولده وولي العهد الأمير أبي بكر، وكان قد استخلفه في مراكش وتركه مريضاً بسبتة، فقرر العودة فوراً إلى المغرب، ويؤكد لنا صاحب روض القرطاس أنه لولا ذلك المصاب ما عاد يوسف بمثل هذه السرعة (٤). بيد أنه قيل في ذلك إن إسراع يوسف بالعود، لم يكن راجعاً إلى وفاة ولده، بل كان يرجع بالأخص إلى استيائه وتبرمه بما شهده من أحوال أمراء الأندلس، وخلافاتهم فيما بين أنفسهم وفيما بينهم وبين شعوبهم (٥). ومن ثم فقد عاد أمير المسلمين في قواته إلى إشبيلية فاستراح بظاهرها أياماً، ثم قفل راجعاً إلى المغرب، تاريكاً من جنده ثلاثة آلاف رهن تصرف المعتمد.
стр. 1030
ويعلق العلامة المستشرق الأستاذ كوديرا على ذلك بقوله: " إنه كان من حسن الطالع بالنسبة للنصارى أن يوسف الظافر في الزلاقة، قد تلقى عقب نصره نبأ وفاة ولده الأمير أبي بكر سير، واضطر أن يعود إلى مراكش تاركاً فكرة مطاردة الجيش المنهزم، واجتناء الثمرة التي يمكن أن تجني من مثل هذا النصر العظيم، وهي الاستيلاء على طليطلة. وهي فكرة كانت تبدو طبيعية ولكنها لم تكن قد استقرت في ذهنه بصورة عملية، وذلك بالرغم مما يقوله لنا المؤرخون العرب من أنه لولا موت ابنه لما غادر الأندلس بهذه السرعة. وبالرغم من أن المؤرخين يؤكدون أن هزيمة ألفونسو السادس كانت مروعة. وأنه استطاع الفرار بمنتهى المشقة، مع نفر قليل من صحبه، فإن قواته لم تتضعضع، كما يتصور، بدليل أنه لم يمض سوى قليل، حتى غدا في ظروف تسمح له بالهجوم، ولكن الحظ كان ضده دائماً " (١).
* * *
وقد كان يوم الزلاّقة من أيام الإسلام المشهودة في انتصاره على النصرانية.
ومن الواضح أن لقاء الإسلام والنصرانية في سهول الزلاقة، إنما هو صفحة من سيرة الحروب الصليبية التي كانت اسبانيا أول مهاد لها. والتي اضطرمت بعد ذلك بقليل في المشرق، في الوقت الذي كانت تضطرم فيه في اسبانيا. فموقعة الزلاقة تعني في الواقع أكثر من هزيمة لملك قشتالة، وأكثر من ظفر للمرابطين وحلفائهم الطوائف. ذلك أن فورة المرابطين الدينية، التي اجتاحت بوادي المغرب ومدنه في فترة قصيرة، ثم عبرت البحر إلى اسبانيا لنصرة الدول الإسلامية بادىء ذي بدء، وانتزعتها من الطوائف بعد ذلك، كانت عنيفة رائعة، توجست النصرانية منها، واستشفت في اضطرامها ذلك الخطر الداهم الذي كان غير مرة ينذر بمناهضة النصرانية فيما وراء اسبانيا. وقد جاشت اسبانيا المسلمة بمثل هذه الفورة بعد موقعة بلاط الشهداء وخلاص النصرانية على يد كارل مارتل (سنة ٧٣٢ م) مرتين: الأولى في عهد الناصر لدين الله، والثانية في عهد الحاجب المنصور، وفي كلتا المرتين، رُدت اسبانيا النصرانية إلى ما وراء الجبال الشمالية ونفذ الإسلام إلى قاصية اسبانيا.
стр. 1031
وإن تصرف ألفونسو ملك قشتالة عقب الموقعة، ليؤكد هذا المعنى الصليبي، الذي ينطوي عليه لقاء الزلاقة. فهو قد شعر بأن ذلك التحالف بين الإسلام في إفريقية والأندلس، يوشك أن يقضى على اسبانيا النصرانية، وأنه لابد أن يقابله حلف بين قوى النصرانية، ومن ثم فقد بعث برسله وكتبه إلى الملوك والأمراء النصارى فيما وراء البرنيه، يهيب بهم ويحذرهم من الخطر الداهم، وينذرهم بأنهم إذا لم يتداركوه بالعون، فإنه سوف يضطر إلى الصلح مع المسلمين، وسوف يتركهم أحراراً في عبور البرنيه. وقد ألفت صيحة ألفونسو صداها في فرنسا، وفي مختلف الإمارات الفرنجية التي حولها، وبادر أمير برجونية الدوق أودو، وهو صهر ألفونسو، إذ كانت عمته الملكة كونستانس، بحشد الأمداد، وشاركه في ذلك الكونت دي سان جيل أمير تولوشة. وهرع إلى التطوع فرسان من نورماندي وبواتو، ومن سائر أنحاء فرنسا. وسارت بالفعل قوى الأمداد صوب اسبانيا. ولكن ألفونسو حين علم بأن يوسف بن تاشفين قد عبر البحر في معظم قواته عائداً إلى المغرب، بعث إلى الأمراء الفرنج يشكرهم، وينبئهم برحيل المرابطين، وأنه لم تعد ثمة ضرورة لمقدمهم (١).
واقتصرت الحرب الصليبية عندئذ على منطقة الثغر الأعلى، حيث كان بنو هود أمراء سرقسطة، يواجهون عدوان سانشو راميرز ملك أرجوان، ومحاولاته المتوالية للاستيلاء على تُطيلة، ووشقة، وطرطوشة، وكانت طوائف المتطوعة من الفرنج تهرع إلى تلك الحملات الغازية، لتشترك فيها.
ويشعر المؤرخون المسلمون أنفسهم بخطورة موقعة الزلاّقة، وصبغتها الصليبية، فيحيطون حوادثها بطائفة من الأساطير الدينية. من ذلك ما قصه علينا يوسف نفسه في رسالته لمناسبة عبوره البحر، من المغرب إلى الأندلس، وما دعا به ربه حينما ثارت العواصف في وجه سفنه، وما تلا ذلك من هدوء العواصف والموج، وذلك حسبما فصلناه فيما تقدم (٢). ومن ذلك أن ملك قشتالة حينما كان يتأهب لمحاربة المسلمين، توالت عليه الأحلام المرعبة، فرأى ذات يوم أنه يركب فيلا، قد تدلى بجانبه طبل يحدث صوتاً مرعباً كلما قرعه، وأن فقيهاً مسلماً من أهل طليطلة، فسر له ذلك الحلم بأنه نذير بهزيمته الساحقة،
стр. 1032
مشبهاً ذلك بما حدث عام الفيل من سحق أبرهة وقد كان يركب الفيل أيضاً (١).
ومنه مبالغات الرواية الإسلامية في فداحة خسائر النصارى، ومبالغتها في نفس الوقت في قلة خسائر المسلمين مما تقدم ذكره، إلى غير ذلك.
على أن هذه الأساطير والمبالغات لا يمكن أن تثير ذرة من الريب حول أهمية هذه الموقعة الشهيرة، ولا تنتقص من شأن نتائجها الحاسمة. فقد كان من النتائج العملية المباشرة لنصر الزلاقة، أن عادت إلى اسبانيا المسلمة روح الثقة والأمل، وأخذت قواها المتخاذلة في الانتعاش والنهوض من عثارها، وأن عادت إلى الشعب الأندلسي روح الحماسة الدينية، التي كاد يقضي عليها أمراء الطوائف بتصرفاتهم المشينة، وتراميهم على أعتاب الملوك النصارى، وتحرر أمراء الطوائف من ذلك الخزي الذي لحقهم عصراً بالخضوع لملك قشتالة، ونكلوا عن دفع المغارم التي كان يقتضيها منهم برسم الجزية. بيد أن هذه النتائج المحلية الخاصة، لا تعد شيئاً إذا قيست بالنتائج الهامة البعيدة المدى، التي ترتبت على هذا النصر الباهر. ففي سهول الزلاقة ارتد سيل النصرانية الجارف عن الأندلس المسلمة، بعد أن كان ينذرها بالمحو والفناء العاجل، وغنم الإسلام حياة جديدة في اسبانيا، امتدت إلى أربعة قرون أخرى، ومهدت السبل لسيطرة المرابطين على اسبانيا المسلمة، ومن بعدهم لخلفائهم الموحدين، وجعلت الأندلس، ولاية مغربية زهاء مائة وخمسين عاماً. وبالرغم من أن حياة اسبانيا المسلمة، لم تكن من ذلك الحين سوى صراع دائم بينها وبين اسبانيا النصرانية، فإنها قد استطاعت أن تتابع نشاطها المنتج، وتقدمها الحضاري الباهر. (٢)
стр. 1033
الفصل الثالِث
الفتح المرابطي القسم اللأول
صريخ أهل شرقي الأندلس إلى يوسف. النصارى يتخذون حصن لييط قاعدة للعدوان. مسير المعتمد إلى مرسية وفشله في استردادها. عبور ابن عباد إلى العدوة واستنصاره بيوسف. عبور يوسف إلى الأندلس للمرة الثانية. كتبه إلى الرؤساء ومسيره إلى شرقي الأندلس. محاصرة القوات المرابطية والأندلسية لحصن لييط. صمود النصارى وعجز المحاصرين عن اقتحامه. الخلاف بين أمراء الطوائف وشكاويهم المتبادلة. القبض على ابن رشيق وتسليمه لابن عباد. غضب جند مرسية وأثره في المعسكر المحاصر. مقدم ملك قشتالة لإنجاد الحصن. إنسحاب المسلمين وعودة يوسف إلى المغرب. مقدم يوسف إلى الأندلس للمرة الثالثة. مشروعه في الاستيلاء على الأندلس. بواعث هذا المشروع. موقف ملوك الطوائف. محالفة بعضهم لملك قشتالة. فتاوى الفقهاء في شأنهم. طمع المرابطين في خصب الأندلس. العامل الدفاعي وأثره. مسير يوسف إلى طليطلة وارتداده عنها. مسيره إلى غرناطة. عبد الله بن بلقين ومحالفته السرية مع ملك قشتالة. محاصرة المرابطين لغرناطة. سوء الأحوال داخل المدينة. خروج عبد الله وتسليمه لأمير المسلمين. دخول المرابطين غرناطة. استيلاؤهم على مالقة. القبض على عبد الله وأخيه تميم وإرسالهما إلى العدوة. مقدم ابن عباد وابن الأفطس وجفاء يوسف نحوهما. الوحشة بينهما وبين يوسف. تأهب الجيوش المرابطية لافتتاح قواعد الأندلس. خطة يوسف لافتتاح إشبيلية. فتاوي الفقهاء ضد المعتمد. المعتمد وملك قشتالة. أهباته الدفاعية. استيلاء سير ابن أبي بكر على طريف. زحف الجيوش المرابطية على رندة وجيان وقرطبة. سقوط جيان. مهاجمة قرطبة واقتحامها. مقتل حاكمها الفتح بن عباد. قصة زائدة الأندلسية. الأسطورة النصرانية حولها. الزعم بكونها ابنة المعتمد وزواجها من ألفرنسو السادس. التفسير الحقيقي للأسطورة. حقيقة شخصية زائدة. نصوص تاريخية قاطعة.
عاد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى المغرب عقب موقعة الزلاقة في شعبان سنة ٤٧٩ هـ، حسبما أسلفنا، ولبث في حضرته مراكش حتى أوائل العام التالي، ثم خرج منها ليطوف بالعمالات، ويتفقد أحوال البلاد، وكانت شئون الأندلس خلاك ذلك ما زالت تلاحقه، وكان أهل الأندلس، قد أيقنوا عقب موقعة الزلاقة، أنه لا سبيل لنجاتهم، وخلاصهم من إرهاق النصارى، سوى الالتجاء إلى عاهل المغرب وأنجاده المرابطين، ومن ثم فقد عادت كتب
стр. 1034
أهل الأندلس ووفودهم تترى على يوسف، وتستجير به من عدوان النصارى.
وكان الصريخ هذه المرة آتياً بالأخص من أهل بلنسية ومرسية ولورقة، وكانت شئون شرقي الأندلس يومئذ قد سادها الاضطراب، من جراء تدخل القشتاليين في شئون بلنسية، وسيطرتهم عليها عن طريق صنيعتهم القادر بن ذى النون، وما تلا ذلك من مغامرات السيد إلكمبيادور في تلك المنطقة. بيد أنه كان ثمة مصدر آخر للعدوان المباشر في منطقة مرسية ولورقة وبسطة، هو حصن أليدو Aledo ( وتسميه الرواية العربية حصن لييط)، وكان ألفونسو السادس قد بعث في ربيع سنة ١٠٨٥ م، على أثر استيلائه على طليطلة، قواته بقيادة غرسيه خمينس إلى الأندلس الشرقية. لتغير عليها، وتعيث في أراضيها، فاجتاحت المنطقة الواقعة بين مرسية ولورقة. ثم عمد القشتاليون، لكي يبسطوا قبضتهم على تلك المنطقة، إلى إنشاء حصن ضخم، وافر المناعة، في مكان يسمى أليدو (لييط) يقع بين مرسية ولورقة، وهو أقرب إلى لورقة، وشحنوه بالسلاح والمقاتلة، واتخذوه قاعدة للإغارة على أراضي مرسية وألمرية، وبثوا فيها الرعب والروع، وعجزت القوات الأندلسية المحلية عن رد عدوانهم، حتى ضج أهل هذه الأنحاء مما ينزل بهم من صنوف الضر والأذى، وكثر صريخهم واستغاثاتهم، وتوالت كتبهم ورسلهم على أمير المسلمين في طلب الإنجاد والغوث (١).
وكان المعتمد بن عباد، وهو صاحب السيادة الشرعية على مرسية ولورقة، أشد الناس اهتماماً بإنقاذ تلك المنطقة من عدوان القشتاليين. وكان ألفونسو عقب هزيمة الزلاقة قد عزز حامية لييط وضاعفها، وأوعز إلى قائده غرسية خمينس بأن يشدد الضغط والتنكيل بأراضي لورقة ومرسية انتقاماً من المعتمد، لكونه قد خرج عليه، وعمل على استدعاء المرابطين (٢)، وبلغت حامية هذا الحصن الضخم يومئذ ثلاثة عشر ألف مقاتل منهم ألف فارس، وكان يشاطر المعتمد هذا الاهتمام، المعتصم بن صمادح صاحب ألمرية، لما كان ينزل بأراضيه من عيث نصارى أليدو (لييط)، وكان المعتمد يتوق في نفس الوقت إلى استرداد سلطانه الحقيقي في مرسية, وهي يومئذ تحت حكم ابن رشيق الفعلي، فحشد حملة من جنده، ومن المرابطين الذين تركهم يوسف، وسار أولا إلى لورقة، فامتنعت
стр. 1035
عليه، فغادرها إلى مرسية. وضرب حولها الحصار، ولكن ابن رشيق استطاع أن يكسب المرابطين، وأن يقنعهم بأن يتركوه في سلام، وهكذا فشلت الحملة وعاد ابن عباد إلى إشبيلية دون أن يحقق أي نجاح (١).
فاعتزم المعتمد أمره في استدعاء يوسف، للمعاونة في قمع شر حامية أليدو النصرانية، وعبر البحر بنفسه إلى المغرب مع بعض خاصته، فلقي أمير المسلمين بوادي سبو، وأفضى إليه بملتمسه، وشرح له ما يلقاه المسلمون في منطقة مرسية ولورقة وغيرهما، من عسف النصارى وغاراتهم، وشنيع عيثهم، فوعده يوسف بإجابة ملتمسه، وكان قد تلقى قبل زيارة ابن عباد كثيراً من الكتب، من فقهاء الأندلس وأعيانها، يلحفون في رجاء الإنجاد والغوث، لقمع بغي القشتاليين، والاستيلاء على أليدو مركز بغيهم، وعاد ابن عباد إلى إشبيلية بعد أن اطمأن لوعد يوسف وتأكيداته، وأخذ في إعداد السلاح وآلات الحصار (٢).
- ١ -
وأوفى يوسف بوعده، وعبر البحر إلى الأندلس في قواته في شهر ربيع الأول سنة ٤٨١ هـ (يوليه سنة ١٠٨٨ م). فتلقاه ابن عباد في الجزيرة الخضراء بالمؤن الوفيرة، وبعث أمير المسلمين بكتبه إلى ملوك الطوائف ورؤسائهم يستدعيهم جميعاً للجهاد، وأن يوافوه بقواتهم عند حصن لييط. وكان يوسف يبغي بعد الاستيلاء على حصن أليدو، أن يعمل للقضاء على سلطان " السيد " في منطقة بلنسية، ومن ثم فقد اتجه يوسف عن طريق مالقة صوب شرقي الأندلس، ومعه المعتمد في قواته، وانضم إليه في الطريق تميم بن بلقين صاحب مالقة، وأخوه عبد الله صاحب غرناطة، والمعتصم بن صمادح صاحب ألمرية، كل في قواته. ولما وصل إلى ظاهر حصن أليدو، وافاه هناك ابن رشيق صاحب مرسية في قواته، وعدة من رؤساء الأندلس من شقورة وبسطة وجيان وغيرها.
وضرب المسلمون الحصار حول الحصن، وكاد فضلا عن حاميته الضخمة، التي تضم ثلاثة عشر ألف مقاتل، يضم جماعات كبيرة من نصارى هذه المنطقة الذين التجأوا إليه. وسلط المسلمون آلات الحصار الضخمة على الحصن،
стр. 1036
وضربوه بشدة، ولكن الحصن كان في منتهى المناعة، فلم تنجح الآلات الضخمة في هدمه أو ثلم أسواره، ورد المدافعون كل محاولة للمحاصرين بمنتهى العنف والشدة، وامتنعوا داخل حصنهم. وطال الحصار زهاء أربعة أشهر، والقوات المحاصرة تحاول اقتحامه، كل جماعة بدورها، والنصارى صامدون، يتساقطون داخل حصنهم من الجوع والإعياء. وشعر أمير المسلمين من جراء ذلك بخيبة أمل مرة، بيد أنه شعر كذلك باستياء بالغ لما شهده من أحوال أمراء الأندلس المشاركين في الحصار، فقد كان الخلاف والوقيعة على أشدهما بين أولئك الأمراء الطامعين المتنابذين، فكان تميم صاحب مالقة، وأخوه عبد الله صاحب غرناطة، يشكو كل منهما الآخر، ويتهمه باغتصاب حقوقه في الميراث والسيادة، وكان ابن عباد والمعتصم بن صمادح يوقع كل منهما في حق صاحبه لدى أمير المسلمين، ويتهمه بمختلف التهم. وبرز من بين هذه الخصومات بالأخص خلاف المعتمد وابن رشيق، فقد شكا ابن عباد ابن رشيق لأمير المسلمين، واتهمه باغتصاب الولاية منه على مرسية، واتهمه بما هو شر من ذلك، وهو أنه متفاهم مع ملك قشتالة سراً، وقد دفع إليه جباية مرسية، وأنه يعاون حامية الحصن في الخفاء، واهتم أمير المسلمين لتلك التهم، ومال إلى تصديقها، واستفتى الفقهاء في أمر ابن رشيق، فأفتوا بإدانته، فأمر بتسليمه لابن عباد على شرط أن يبقى على حياته. وكان لهذا الحادث أسوأ الأثر في المعسكر المحاصر، فإن قادة مرسية ومعظمهم من أقارب ابن رشيق ورجاله، غادروا المعسكر في جندهم غاضبين، وقطعوا المؤن التي كانت ترسل إلى المحاصرين من مرسية وأحوازها، فاختل أمر المعسكر، ولحق به الضيق والغلاء، وعلم أمير المسلمين من جهة أخرى أن ملك قشتالة يسير في قوة كبيرة لإنجاد الحصن، فآثر الانسحاب وعدم الاشتباك مع القشتاليين في معركة غير مجدية. وقدم ألفونسو إلى الحصن، فلم يجد بداخله من المدافعين سوى مائه فارس وألف راجل، ولما رأى أنه لا فائدة من الاحتفاظ به، وأنه يقتضي لذلك حامية كبيرة، قرر إخلاءه وتقويض أسواره وأبراجه، وعاد أدراجه، وذلك في سنة ١٠٨٩ م (٤٨٢ هـ). واحتل ابن عباد أطلال الحصن بعد أن غادره النصارى.
ولم ير يوسف بعد هذا الإخفاق مجالا لمحاولات أخرى، فاتجه نحو لورقة،
стр. 1037
بعد أن ترك جيشاً مرابطياً من أربعة آلاف فارس تحت إمرة داود بن عائشة ليعمل في منطقة مرسية وبلنسية، وتحرك أمراء الأندلس كل إلى بلده، وسار يوسف إلى ألمرية فالجزيرة، ثم عبر البحر عائداً إلى المغرب، وقد تغيرت نفسه على أمراء الأندلس (١).
- ٢ -
ولم يمض عام آخر، حتى أعد يوسف بن تاشفين عدته، للجواز إلى شبه الجزيرة للمرة الثالثة، وكان ذلك في أوائل سنة ٤٨٣ هـ (١٠٩٠ م). ولم يكن جوازه في تلك المرة تلبية لدعوة أو استغاثة من أحد، من أمراء الأندلس، كما حدث في المرتين السابقتين، ولكنه عبر عندئذ إلى شبه الجزيرة، وقد انتهى إلى قرار بالغ الخطورة، هو الاستيلاء على الأندلس.
وقد اختلفت الروايات في تصوير البواعث، التي حملت يوسف على اتخاذ هذا القرار. بيد أنه يبدو على ضوء مختلف الروايات، أن يوسف قد تأثر منذ البداية بما شهده من اختلال أحوال أمراء الطوائف، وضعف عقيدتهم الدينية، وانهماكهم في مجالي الترف والعيش الناعم، وما يقتضيه ذلك من إرهاق لشعوبهم بالمغارم الجائرة، وأدرك أن هذه الحياة الناعمة، التي انغمس فيها رؤساء الأندلس وشعوبهم اقتداء بهم، هي التي قوضت منعتهم، وفتت في رجولتهم وعزائمهم، وأضعفت هممهم عن متابعة الجهاد، ومدافعة العدو المتربص بهم، وأن الشقاق الذي استحكم بينهم، ولم ينقطع بعد الزلاقة، سوف يقضي عليهم جميعاً، إذا تركت الأمور في مجراها، وسوف يمهد لاستيلاء النصارى على جميع أنحاء شبه الجزيرة في أقرب وقت. ومن ثم فقد اعتزم أمير المسلمين أمره نحو الأندلس ونحو أمرائها العابثين المترفين (٢).
ذلك هو التصوير العام، للبواعث التي حملت يوسف بن تاشفين، على افتتاح ممالك الطوائف الأندلسية، بيد أنه توجد إلى جانب ذلك بواعث معينة أخرى، منها أن ملوك الطوائف لما شعروا بتغير يوسف عليهم، توافقوا على
стр. 1038
قطع المدد والمؤن عن عساكره ومحلاته التي تركها بالأندلس، فساءه ذلك (١)، ومنها ما وقف عليه يوسف، من رجوع بعض رؤساء الطوائف إلى مصادقة ألفونسو ملك قشتالة وممالأته، بل واستعدائه على محاربة يوسف نفسه، وإمداده لذلك بالأموال والهدايا، وكان هذا بالذات موقف عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة (٢)، ثم كان فيما بعد موقف المعتمد بن عباد، وقد عمد كلاهما في الواقع إلى تحصين بلاده والاستعداد للدفاع عنها (٣).
والظاهر أيضاً أن أمير المسلمين لم يتخذ قراره الخطير بافتتاح الأندلس فجأة، ولكنه عمد إلى دراسته ومشاورة الزعماء والفقهاء في أمره، وقد تلقى في ذلك فتاوي الفقهاء من المغرب والأندلس، بوجوب خلع ملوك الطوائف، وانتزاع الأمر من أيديهم، بل لقد تلقى مثل هذا الرأي من أكابر فقهاء المشرق، وفي مقدمتهم أعلام كالإمام الغزالي، وأبى بكر الطرطوشي نزيل مصر يومئذ وغيرهما (٤).
وإذاً فقد التمس أمير المسلمين لتنفيذ مشروعه، سند أحكام الشرع، وتأييد أهل الرأي، قبل الإقدام عليه.
ويمكننا أن نضيف إلى ما تقدم، ذلك الباعث الطبيعي، الذي يضطرم به كل زعيم قوى وكل متغلب، ونعني شهوة الفتح والتوسع، فلا ريب أن يوسف بن تاشفين وصحبه، وهم أولئك البدو الصحراويون، قد راقهم ما شهدوه من خصب الأندلس ونعمائها، وطيب هوائها. ومن ثم فإن الرواية تحدثنا بصراحة عن " طمع يوسف في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها "، وتذكر لنا أنه قال يوماً لبعض ثقاته؛ " كنت أظن أني قد ملكت شيئاً، فلما رأيت تلك البلاد (الأندلس) صغرت في عينى مملكتي " (٥).
اجتمعت هذه البواعث كلها، لتحمل يوسف على فتح الأندلس، وهي بواعث فوق وضوحها، تسجلها لنا الرواية جميعاً. بيد أننا نستطيع أن نستشف
стр. 1039
من قرار يوسف باعثاً آخر، لم تفطن إليه الرواية الإسلامية، ولعله من البواعث الهامة، في مشروع عاهل المرابطين، وهو العامل الدفاعي والاستراتيجي.
ذلك أن يوسف أدرك لأول وهلة، أن دول الطوائف الضعيفة المتخاذلة، لا تستطيع في ظل أمرائها المترفين الخانعين دفاعاً عن نفسها، وأنه إن تخلى عنها، فسوف تسقط حتماً في يد ملك قشتالة القوي. ولم تغب عن يوسف، وهو ذلك الجندي العظيم، أهمية الصلة الدفاعية والاستراتيجية الوثيقة، التي تربط بين ضفتي العدوة والأندلس، المتقابلتين على طرفي المضيق، ولم يفته أن يدرك أن سقوط الأندلس، في أيدي النصارى، معناه سقوط جناح المغرب الدفاعي من الشمال، ومعناه تهديد اسبانيا النصرانية لسلامة المغرب، متى اجتمعت قواها، وتوفرت لديها وسائل العدوان، ومن ثم فقد قرر أن يبادر إلى احتلال رقعة الوطن الأندلسي، لينقذ الأندلس من هذا الخطر الداهم، وليدعمها ويضاعف أهباتها الدفاعية، ويمكنها من تأدية مهمتها الاستراتيجية في رد عادية العدوان، لا عن نفسها فقط، ولكن عن المغرب أيضاً، ولم ينس أمير المسلمين في ذلك، أن ملك قشتالة استطاع عقب استيلائه على طليطلة، أن يجتاج أراضي الأندلس الوسطى كلها، منذ نهر التاجه جنوباً حتى أرض الفرنتيرة، وأن يصل إلى ثغر طريف قبالة العدوة. دون أن يقف في سبيله أحد من ملوك الطوائف، وكان في ذلك من بوادر الخطر على أرض العدوة القريبة ما فيه.
- ٣ -
عبر أمير المسلمين إلى شبه الجزيرة للمرة الثالثة في أوائل سنة ٤٨٣ هـ، حسبما قدمنا. وكان أبلغ ما أهمه عندئذ ما تواتر إليه من أخبار عن الاتفاقات السرية التي يعقدها المعتمد بن عباد، والمتوكل بن الأفطس، وعبد الله ابن بلقين، مع ألفونسو السادس ملك قشتالة للتعاون في رد المرابطين. واتسمت حملة يوسف في البداية بطابع الجهاد، حيث سار تواً إلى طليطلة، واجتاح في طريقه أراضي قشتالة. ولم يتقدم أحد من أمراء الطوائف يومئذ لمعاونته أو السير معه. وربما كان يوسف يرجو أن يسترد طليطلة، فيشفى بذلك جرح الأندلس الدامي، ويكتسب عطف أهل الأندلس جميعاً. وعاث المرابطون في أحواز طليطلة وخربوا ضياعها، وانتسفوا زروعها، ثم ضربوا الحصار حول العاصمة القوطية القديمة
стр. 1040
وعاصمة قشتالة يومئذ، وكان بداخلها ألفونسو السادس وحليفه سانشو راميرز يقومان بالدفاع عنها، بيد أن المرابطين أيقنوا بعد أن شهدوا أسوارها العالية، وحصانتها الفائقة، بعبث المحاولة، فتركوا الحصار، وارتد يوسف بقواته إلى الجنوب (١).
وعرج يوسف بجيشه على فحص غرناطة، وكان قد قرر أمره نحو غرناطة وصاحبها عبد الله بن بلقين، بل ونحو أمراء الطوائف جميعاً. وكان عبد الله في الواقع مذ عاد من حصار أليدو، ولما شعر به من تغير يوسف، قد عاد إلى استئناف صلاته بألفونسو السادس، عن طريق قائده ومبعوثه في تلك المنطقة ألبار هانيس، وعقد معه فيما يبدو محالفة سرية لمقاومة المرابطين. ويعترف الأمير عبد الله في مذكراته بهذه الصلات، ولكنه يقول لنا إنها لم تكن سوى التزام منه بدفع الجزية لألفونسو، وتعهد من ألفونسو بألا يعترض له بلداً ولا يغدر به (٢). ويقول لنا ابن عذارى من جهة أخرى إن عبد الله بن بلقين كان أول من شهر الخلاف على يوسف بن تاشفين، فنظر في اختيار الآلات وألحق الرماة والرجال، وأعلا الأبراج، وبنا الأسوار، ونصب الرعادات، وملأ بيوت السلاح، وجد في ضرب السهام، ونقل المال والذخيرة، وخرج المتاع والآنية إلى قصبة المنكب لكونها في غاية المنعة، وعلى ضفة البحر، وعمد إلى مال كثير، وثياب نفيسة، وتحف جليلة، وأعلاق دقيقه، فوجه بها إلى أذفونش، وكتب إليه متطارحاً عليه، مستجيراً به، وأعلمه ان البلد بلده وأن فيه قايده، فاهتز لذلك الأذفونش، وقبل المال والهدايا، وأقسم بجميع أيمانه، أن يشد اليد عليه في ملكه، ولا يتركه لضيم ولا خصيمة، وأن ينهض إليه بنفسه، ويبذل جهده في نصره، فقويت نفس حفيد باديس بذلك. وفي ذلك يقول صفيه وأثيره السمسري:
صانع أذفونش والنصارى ... فانظر إلى رأيه الوبير
وشاد بنيانه خلافاً ... لطاعة الله والأمير
يبني على نفسه سفاهاً ... كأنه دودة الحرير
стр. 1041
دعوه يبني فسوف يدري ... إذا أتت قدرة القدير (١)
على أن ما استقر في ذهن يوسف، وما نهضت عليه الأدلة، وأكده رسله يومئذ، هو أن المعتمد بن عباد، وعبد الله بن بلقين وغيرهما من أمراء الطوائف، قد عقدوا مع ملك قشتالة اتفاقات سرية، يتعهدون فيها بالامتناع عن معاونة المرابطين بالمال والمؤن، وبالانضواء تحت لواء ألفونسو وحمايته. وكان بعض حشم عبد الله ولاسيما مؤمل مولى جدّه باديس، قد اتصلوا بأمير المسلمين، وأكدوا له مداخلة عبد الله لملك قشتالة، واهتمامه بتجديد الأسوار وتحصين المدينة. ومن جهة أخرى فقد أصدر فقهاء غرناطة فتوى بخلع عبد الله وأخيه تميم صاحب مالقة، لما يرتكبانه من المظالم والخروج على أحكام الدين، وأهابوا بيوسف أن يرغم أمراء الطوائف على اتباع أحكام الشرع وإلغاء المكوس، والمغارم الجائرة، التي يفرضونها على رعيتهم تعسفاً وظلماً.
وفرض أمير المسلمين على غرناطة شبه حصار، وقام عسكره بحراسة حصونها الخارجية، حتى لا يأتيها مدد من النصارى، وطلب المؤن والعلوفات، فبادر عبد الله بتقديمها. وكانت الأحوال في غرناطة قد ساءت، وشاع الخلاف والتمرد بين سائر الطوائف، وأدرك عبد الله أنه لا سبيل إلى المقاومة، وأرسل إلى أمير المسلمين رسله ومعهم بعض المال، فعادوا إليه بأمان يوسف " في النفس والأهل دون المال "، كما عرض عليه يوسف أن يختار بلداً آخر لإقامته غير غرناطة. فتمهل عبد الله وقتاً. والظاهر أنه كان ينتظر عوناً من القشتاليين لم يتحقق. وفي خلال ذلك كانت أمه وخاصته يلحون عليه في الخروج إلى أمير المسلمين، والانقياد لأمره، كأفضل حل للموقف. ولما اقترب أمير المسلمين بمحلته من المدينة، واشتد بها الهياج، رأى عبد الله أنه لا مناص من اتباع هذا النصح، فسار إلى محلة يوسف، وقدم إليه نفسه، فأصدر له أماناً في نفسه وأهله، وأمر باعتقاله، حتى يتم ضبط أمواله، وكانت لدى عبد الله وأمه أموال طائلة، مكدسة منذ أيام جده باديس، وعلى أثر ذلك أقبل الفقهاء والأعيان إلى محلة يوسف وبايعوه بالطاعة. ودخل يوسف مع قادته وجنده مدينة غرناطة ونزل بقصرها، واستولى على ما فيه من الأموال والتحف الجليلة، وأذاع في
стр. 1042
الناس، أنه سوف يحكم بالعدل والرفق وفقاً لأحكام الشرع، ويعمل على إقامة الخير بينهم، والذب عن حوزتهم، وأنه سوف يرفع عنهم سائر المغارم الجائرة، ولا يفرض عليهم من التكاليف والالتزامات إلا ما يجيزه الشرع. وكان خلع عبد الله بن بلقين بن باديس في اليوم العاشر من شهر رجب سنة ٤٨٣ هـ (سبتمبر سنة ١٠٩٠) (١).
وبعث أمير المسلمين في الوقت نفسه سرية من جنده إلى مالقة، فقبض على صاحبها تميم بن بلقين أخى عبد الله، وحمل مكبلا إلى العدوة، ثم أرسل إلى السوس. وكان الفقهاء قد اتهموه بطائفة من المظالم الشنيعة وطالبوا بخلعه (٢).
وأخذ عبد الله وأهله أولا إلى الجزيرة الخضراء، ثم نقلوا إلى سبتة، فمكناسة وأخذوا أخيراً إلى مدينة أغمات، حيث تقرر إقامتهم، وأنزلوا هنالك داراً حسنة، وعوملوا برفق ورعاية، وعاش عبد الله بأغمات حتى توفي. وكتب فيها مذكراته الموسومة بكتاب " التبيان "، وهي التي رجعنا إليها في غير موضع. وعفا أمير المسلمين فيما بعد عن أخيه تميم، فسكن مراكش حتى توفي بها في سنة ٤٨٨ هـ (٣).
وهكذا سقطت أول دولة من دول الطوائف في أيدي المرابطين، وكان سقوطها نذيراً باضطرام العاصفة، التي قدر لها أن تجتاح الطوائف جميعاً. وشعر المعتمد بن عباد بخطورة هذا النذير، بيد أنه كان من جهة أخرى، ما يزال يعلل نفسه بمختلف الآمال الغامضة، وكان قد استقبل يوسف عند مقدمه بالجزيرة الخضراء، وقدم إليه المؤن والضيافات المعتادة، ويقال إن يوسف وعده عندئذ بغرناطة متى استولى عليها (٤). فلما ظفر يوسف بامتلاكها، سار المعتمد ومعه زميله المتوكل بن الأفطس إلى غرناطة، فقدما التهنئة لأمير المسلمين بهذا الفتح.
وظن المعتمد عندئذ أن يوسف سوف ينجز وعده بالنزول له عن غرناطة، مقابل
стр. 1043
استيلائه على ثغر الجزيرة، ولكن يوسف استقبلهما بجفاء، فانصرفا عنه، وقد أدركا الحقيقة المروعة، وشعرا بأن النهاية المحتومة، قد أضحت على وشك الوقوع. وعاد المعتمد إلى إشبيلية، وهو يعتزم الدفاع عن مملكته جهد الاستطاعة وأخذ في التأهب، وإقامة التحصينات والأسوار، وساءت العلائق بينه وبين أمير المسلمين بسرعة، وكثرت بينهما الوقيعة والسعايات، ودعا أمير المسلمين المعتمد إلى لقائه فرفض، وطلب إليه أن يتبع أحكام الشرع، وأن يلغي المكوس الجائرة، وأن يلتزم الرباط ومدافعة النصارى، فلم يجبه إلى شىء (١).
وغادر أمير المسلمين غرناطة، وجاز إلى العدوة في شهر رمضان سنة ٤٨٣ هـ، وفوض إلى قائده الأكبر سير بن أبي بكر اللمتوني شئون الأندلس. وهنا تختلف الرواية، فيقال إنه لم يأمر قائده في أمر ابن عباد بشىء، وقيل من جهة أخرى، إنه أمره بمحاصرة ابن عباد في إشبيلية، وأنه متى انتهى من أمر إشبيلية، فليتقدم إلى بلاد ابن الأفطس (٢). وقدم أمير المسلمين قائده ابن الحاج على جيش آخر، وعهد إليه بمنازلة قرطبة، وعليها ولد المعتمد الفتح الملقب بالمأمون، وقدم أبا زكريا بن واسنو على جيش ثالث، وعهد إليه بمحاصرة المعتصم بن صمادح صاحب ألمرية، وقدم جروراً الحبشي على عسكر رابع وعهد إليه بمنازلة يزيد الراضي ولد المعتمد برندة. وأقام أمير المسلمين بسبتة يجهز الجيوش والأمداد، ويترقب نتائج أعمال جيوشه في شبه الجزيرة.
- ٤ -
كان من الواضح، على ضوء هذه الأهبات الضخمة، التي اتخذت لمهاجمة ْقواعد مملكة إشبيلية في وقت واحد، أن يوسف بن تاشفين، كان يرى في مملكة إشبيلية واسطة عقد الأندلس، وفي أميرها المعتمد بن عباد، عميد الطوائف، فإذا سقطت في يده إشبيلية، كان له ملك الأندلس.
ولم يكن أمير المسلمين تعوزه المبررات في قتال ابن عباد، فقد كان لديه المبررات المادية والشرعية الكافية. ذلك أنه احتاط للأمر، واستصدر الفتاوي
الشرعية اللازمة، من فقهاء المغرب والأندلس، بأن مسلك المعتمد في مصانعة
стр. 1044
النصارى، وتسليم البلاد، والاحتماء بهم، ومسلكه إزاء شعبه في اقتضاء المكوس الجائرة، وغير ذلك مما يخالف أحكام الشرع، ومجاهرته بالمعاصي، كل ذلك مما يفقده أهليته لحكم المسلمين، ويوجب محاربته وخلعه (١). أما عن المبررات المادية، فقد وقعت في يد يوسف بعض المراسلات السرية الموجهة من ابن عباد إلى ملك قشتالة، يستغيث به ويطلب معونته (٢)، وكان المعتمد بعد أن رأى جنود قشتالة تجتاح بلاده، وتمعن في تخريبها، دون أن يستطيع دفعاً لهم، وشعر من جهة أخرى بما يضمره المرابطون نحوه من النيات الخطرة، قد أيقن أنه لا معدي له عن الالتجاء إلى ملك قشتالة، والتفاهم معه على دفع المرابطين عن الأندلس.
وبينما كان المعتمد منهمكاً في أهباته الدفاعية بإشبيلية، كان قائد المرابطين سير بن أبي بكر، يضع خططه النهائية للانقضاض على قواعد مملكة إشبيلية، وقد بدأ في ذلك بالاستيلاء على طريف أقصى ثغورها الجنوبية، وذلك في شوال سنة ٤٨٣ هـ (ديسمبر ١٠٩٠ م) ونادى فيها بدعوة أمير المسلمين (٣)، ثم اتجه نحو الشمال قاصداً إشبيلية، بينما زحفت الجيوش المرابطية الفرعية على رندة وجيان وقرطبة. فأما رندة فقد حاصرها القائد جرور المرابطي بقواته، وكان يضطلع بالدفاع عنها يزيد الراضي ولد المعتمد. وكانت رندة من أمنع القواعد الجنوبية، فصمد بها الراضي، واضطر جرور أن يقنع بالحصار منتظراً سير الحوادث. وأما جيان، فقد زحف عليها جيش مرابطي بقيادة بطى بن اسماعيل وضرب حولها الحصار. وهنا يقول لنا ابن الخطيب إن جيشاً من القشتاليين قدم لإنجاد جيان، تنفيذاً للحلف المعقود بين ابن عباد وملك قشتالة، وإنه نشبت بين المرابطين والنصارى موقعة أبيد فيها المرابطون (٤). بيد أن ابن أبي زرع يقول لنا بالعكس أن بطى حاصر جيان حتى دخلها صلحاً، وكتب سير بالفتح إلى أمير المسلمين، وأمر بطى بالسير بقواته إلى قرطبة (٥). وقد ذكرنا من
стр. 1045
قبل وفقاً لرواية صاحب الحلل الموشية، أن القوات المرابطية التي سارت لمنازلة قرطبة كانت بقيادة ابن الحاج. وعلى أي حال فقد زحف المرابطون على قرطبة، وبها حاكمها ولد المعتمد، الفتح الملقب بالمأمون، وكان قد اتخذ كل الأهبات الدفاعية الممكنة، وأرسل زوجه وأولاده وأمواله تحوطاً إلى حصن المدور (١)، الواقع جنوب غربي قرطبة على ضفة نهر الوادي الكبير، لكي تبقى بمنجاة من الخطر، وحتى تستطيع أن تلوذ عند الضرورة بحماية ملك قشتالة، وقد كان هذا الإجراء فيما يبدو بإشارة المعتمد أو بموافقته. والواقع أن قرطبة لم تصمد طويلا، فقد اقتحمها المرابطون بعنف، وقتل الفتح بن عباد خلال الهجوم مدافعاً عنها، ورفع المرابطون رأسه على رمح. وكان افتتاح المرابطين لقرطبة في اليوم الثالث من صفر سنة ٤٨٤ هـ (٢٦ مارس سنة ١٠٩١ م) (٢).
* * *
وهنا يجب أن نقف قليلا، لنتناول مسألة تاريخية هامة، غمرتها الأسطورة مدى عصور، ثم ألقى عليها البحث الحديث ضوءه المقنع، تلك هي قصة زائدة الأندلسية.
لقد ذكرت الروايات الإسبانية النصرانية، المعاصرة واللاحقة، أن ألفونسو السادس قد تزوج من ابنة للمعتمد بن عباد تسمى " زائدة " أو أنه قد اتخذها خليلة، وأنجب منها ولده الوحيد سانشو. وتزيد على ذلك أن المعتمد نفسه، حينما شعر بخطر المرابطين الداهم على مملكته، واستغاث بألفونسو لمعاونته على دفعه، هو الذي قدم ابنته المذكورة للملك النصراني، وأنه نزل له عن مواضع معينة من أراضي مملكة طليطلة، كان قد افتتحها، لتكون مهراً لابنته المذكورة، وترجع بعض الروايات المتأخرة هذا التصرف من جانب ابن عباد إلى فرصة سابقة على مقدم المرابطين، وتقول إنه كان ضمن مغريات الحلف الذي عقده المعتمد مع ألفونسو عن طريق وزيره ابن عمار، وأخيراً أن هذا التصرف قد أثار فضيحة كبيرة في الأندلس، واتهم ابن عباد بالتفريط في عرضه ودينه (٣).
стр. 1046
وقد استمرت التواريخ النصرانية تتناقل هذه الأسطورة عصوراً كأنها حقيقة لا ريب فيها، وتتحدث دائماً عن " زائدة الأندلسية " Zeida la Mora أو Ceida وعن ذريتها النصرانية. ونقول نحن إنه لا توجد بين هذه التفاصيل المغرقة، سوى حقيقة واحدة هي شخصية زائدة المذكورة، وأنها كانت حقيقة زوجة أو خليلة لألفونسو السادس، وقد أنجب منها ولده سانشو الذي قتل طفلا في موقعة إقليش (٥٠١ هـ - ١١٠٨ م). ولكنها لم تكن ابنة للمعتمد بن عباد، ولم يقدمها المعتمد لألفونسو ثمناً لحلفه، وهذا هو لب الأسطورة كلها. وهذا هو وجه الإغراق والتحريف. ذلك أنه مما لا يسيغه العقل أن يرضى أمير عظيم مسلم كالمعتمد بن عباد، أن يزوج ابنته من أمير نصراني أو أن يقدمها له جارية وحظية، ومهما كان من استهتار المعتمد وتسامحه الديني، وإذا فرضنا أنه لم يكن يقيم في مثل هذا التصرف الشائن، وزناً للاعتبارات الدينية والشرعية، وهو في ذاته مما لا يقبله العقل، فمن المستحيل عليه ألا يحسب أعظم حساب لنتائجه السياسية، وخصوصاً في مثل هذه الظروف الدقيقة التي كانت تجوزها اسبانيا المسلمة يومئذ، وأقلها أن يضطرم شعبه المسلم بالثورة عليه، وأن يسحقه ويسحق أسرته، ومن جهة أخرى فإن المعتمد كان يرمي من جانب خصومه في الداخل وفي الخارج بألسنة حداد من أجل استهتاره وتهاونه الديني، ولم يكن من المعقول أن يقدّم بمثل هذا التصرف إلى خصومه سلاحاً جديداً يضعه في صف المارقين والخوارج على الدين.
أما التفسير الحقيقي لهذه القصة، وهو ما كشفت عنه البحوث والنصوص الوثيقة، فهو أن زائدة هذه كانت حسبما تقدم زوجة للفتح بن المعتمد الملقب بالمأمون حاكم قرطبة، وأن المأمون حينما هاجم المرابطون المدينة، أرسل زوجته وولده وأمواله إلى حصن المدور، أو أنه حينما اقتحم المرابطون المدينة وقتل الفتح، استطاعت زائدة أن تلوذ مع أولادها بالفرار، وأن تلجأ إلى حصن المدور،
стр. 1047
ثم التجأت إلى حماية ملك قشتالة، حينما اشتد خطر المرابطين على سائر تلك الأنحاء وربما كان ذلك بموافقة المعتمد. ولما كانت زائدة على جانب كبير من الجمال، وكان الملك النصراني من جهة أخرى مزواجاً، كلفاً بالنساء، فقد انتهز فرصة التجائها إليه، واتخذها خليلة ثم تزوجها. وتقول الروايات القشتالية في هذا الموطن، إن زائدة كانت تحب الملك النصراني " بالسماع "، وتتوق إلى الزواج منه، وأن المعتمد (بزعم أن زائدة كانت ابنته) قد نزل لملك قشتالة في هذه المناسبة عن قونقة، ووبذة وإقليش وأوكانيا وكونسويجرا وغيرها من الأماكن، وهي التي كان قد افتتحها من مملكة طليطلة أيام بني ذى النون، وذلك كمهر لزائدة. وقد يكون المعتمد قد نزل حقاً عن هذه الأماكن وغيرها لملك قشتالة، ولكن ذلك لم يكن سوى بعض ما تعهد به لملك قشتالة كثمن لحلفه وعونه. ومتى تقرر أن زائدة، لم تكن ابنته، فإنه لا محل أن يقرن هذا التنازل من جانب المعتمد بقصة زواج زائدة من الملك النصراني. ونقول تتمة لقصة زائدة إنها غدت خليلة أو زوجة لملك قشتالة، على الأرجح عقب سقوط قرطبة بقليل، في أوائل سنة ١٠٩٢ م، وأنها بهذه المناسبة اعتنقت النصرانية وتسمت باسم " إيسابيل "، وفي رواية باسم ماريا، ونصّر أولادها من الفتح، ومن كان معها من الحشم، ورزق منها ألفونسو بولده الوحيد سانشو، وتوفيت زائدة عند مولد ولدها سانشو، ودفنت بدير ساهاجون وذلك في سنة ١٠٩٧، أو ١٠٩٨ م. ولما اجتاح المرابطون أراضي قشتالة، في أوائل عهد الأمير علي بن يوسف بن تاشفين، وسار القشتاليون لمحاربتهم تحت أسوار قلعة إقليش، بعث ألفونسو بولده الصبي سانشو على رأس الجيش لكي يثير حماسة الجند، فقتل في الموقعة التي نشبت بين الفريقين، وقتل معه معظم أكابر الجيش وقادته، وذلك في سنة ٥٠١ هـ (١١٠٨ م). وتوفي ألفونسو على أثر ذلك غماً وحزناً (١).
ولم تذكر لنا الرواية الإسلامية اسم زائدة، ولا شيئاً من قصتها بطريق مباشر، ولكنها مع ذلك تقدم إلينا الدليل القاطع على حقيقة شخصيتها وصفتها، ولدينا في ذلك نصان كلاهما حاسم في تقرير هذه الحقيقة.
أولهما ما ورد في تاريخ ابن عذارى " البيان المغرب " في أخبار سنة ٥٠١ هـ
стр. 1048
وهي الموافقة لسنة (١١٠٨ م) عن الحملة التي أرسلها ألفونسو السادس ضد المرابطين لإنجاد قلعة إقليش، وقد جاء فيه: " وفي خلال ذلك وصل إليه (إلى حصن إقليش) ولد أذفونش شانجه من زوج المأمون بن (عباد) التي كانت تنصرت بنحو سبعة ألاف فارس " (١).
والثاني نص أورده الونشريسي في كتابه: " المعيار المغرب والجامع المعرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب " وقد جاء فيه عن موضوع الخوف على الأبضاع والفروج ما يلي: " ومنها الخوف من الفتنة على الأبضاع والفروج، ومتى يأمن ذو زوجة أو ابنة أو قريبة وضيئة أن يعثر عليها وضىء من كلاب الأعداء وخنازير البعداء، فيغرها في نفسها ويغرها في دينها، ويستولي عليها وتطاوعه، ويحال بينها وبين وليها بالارتداد في الدين، كما عرض لِكُنّة المعتمد بن عباد ومن لها من الأولاد، أعاذنا الله من البلاء وشماتة الأعداء " (٢).
تلك هي الحقيقة حول أسطورة زائدة " ابنة " المعتمد بن عباد، وتقديم أبيها المعتمد إياها زوجة لألفونسو السادس، اكتساباً لمحالفته وعونه ضد المرابطين، وهي أسطورة لبثت عصوراً تمثل في الروايات الإسبانية الكنسية وغيرها كأنها حقيقة لا ريب فيها. وقد زاد من غموضها صمت الرواية الإسلامية المعاصرة واللاحقة. والظاهر أن المؤرخين المسلمين قد شعروا بما يكتنف هذه القصة من دقة وإيلام للنفوس الكريمة، فآثروا الإغضاء عنها، باعتبارها حادثاً لا أهمية له من الناحية التاريخية.
стр. 1049
الفصل الرّابع
الفتح المرابطي القسم الثاني
استيلاء المرابطين على أبدة وبياسة وقلعة رباح. استيلاؤهم على قرمونة. زحف سير بن أبى بكر على إشبيلية. يدعو المعتمد إلى الطاعة. محاصرته لإشبيلية. تأهب المعتمد للدفاع. استغاثته بملك قشتالة. مسير الجند القشتاليين لإنجاده. القتال بين المرابطين والقشتاليين. هزيمة النصارى وارتدادهم. استماتة المعتمد في الدفاع. خصوم المعتمد في الداخل وتفاهمهم مع المرابطين. نجاح المرابطين في ثلم السور. محاولتهم الدخول وردهم. حرق أسطول إشبيلية النهري. هجوم المرابطين على المدينة واقتحامها. المعارك داخل المدينة. بسالة المعتمد في الدفاع. استيلاء المرابطين على المدينة. أسر المعتمد ونهب قصوره. إرغامه على الكتابة إلى ولديه بتسليم رندة وميرتلة. تسليم رندة ومقتل حاكمها الراضي ولد المعتمد. رواية في تسليم إشبيلية بالأمان. ما ينقض هذه الرواية. أقوال ابن اللبانة والفتح بن خاقان. شعر المعتمد في ذلك. حياة المعتمد بعد سقوطه. محنة اعتقاله. مسيره إلى المنفي. نزوله بطنجة. مسيره إلى أغمات. حياته المؤلمة في المعتقل. قسوة أمير المسلمين في معاملته. وفاة اعتماد زوجة المعتمد. قول في صفاتها. شعر المعتمد في محنته. محنته تذكي الشعر بالأندلس. تصفيده بالأغلال. وفاته ودفنه بأغمات. ذكراه في المغرب والأندلس. قبره يغدو مزاراً. زيارة ابن الخطيب لقبره وشعره في ذلك. وصف لأطلال قبره. محنة المعتمد وصداها في الرواية الإسلامية. حملة ابن الأثير على أمير المسلمين. تعليقات دوزي. قسوة أمير المسلمين وما ينتحل لها من الأعذار. المعتمد وما له وما عليه. البواعث التي دفعت يوسف إلى فتح الأندلس. تأملات حول معاملته للأمراء المنزوعين. مسير المرابطين إلى ألمرية. الروايات المختلفة في شأن سقوطها. استيلاء المرابطين على بلنسية. استيلاؤهم على شنتمرية الشرق. استيلاؤهم على سرقسطة. حركاتهم في غرب الأندلس. إغاراتهم على أراضي بطليوس. ابن الأفطس واستغاثته بألفونسو السادس. مسير المرابطين إلى بطليوس وافتتاحها. مصرع المتوكل ابن الأفطس وولديه. انتهاء مملكة بطليوس. مرثية ابن عبدون لبني الأفطس. استيلاء المرابطين على أشبونة. جواز أمير المسلمين الرابع إلى الأندلس. غزو المرابطين لقشتالة وهزيمتهم للنصارى. يوسف يعقد ولاية العهد لولده علي في قرطبة. مرض يوسف ووفاته. وصيته لولده علي.
على أثر سقوط قرطبة، استولى المرابطون على أبدة وبياسة وشقورة، في شرقي قرطبة، وعلى حصن البلاط والمدور في غربها. وبعث فاتح قرطبة القائد بطى بن اسماعيل إلى قلعة رباح، وهي قاصية أراضي المسلمين، حملة من ألف فارس، فاحتلتها. وهكذا سيطر المرابطون على سائر أراضي الوادي الكبير،
стр. 1050
وعلى سائر قواعد مملكة إشبيلية، ما عدا رندة وقرمونة وإشبيلية. وفي أوائل شهر ربيع الأول سنة ٤٨٤ هـ، نجد قائد المرابطين العام، سير بن أبى بكر أمام أبواب قرمونة. وكانت قرمونة أمنع قواعد مملكة إشبيلية الشمالية، وهي حصن إشبيلية من الشرق، فنازلها سير، ودخلها عنوة في السابع عشر من ربيع الأول (١٠ مايو سنة ١٠٩١ م). وأخذ يستعد لمنازلة إشبيلية.
ويقول لنا ابن أبي زرع في هذا الموطن، إن سير بن أبى بكر، حينما أشرف على إشبيلية، وقبل الزحف على قرطبة، كان يعتقد أن المعتمد، سوف يخرج إليه، ويتلقاه كعادته بالمعاونة والضيافات، ولكنه تحصن بالمدينة ولم يعن بشأنه، فكتب إليه سير يطلب إليه تسليم البلاد، والدخول في الطاعة، فرد المعتمد بالرفض، فضرب سير الحصار حول المدينة، وأخذ في منازلتها ومقاتلة ابن عباد، ويقدم إلينا ابن خلكان رواية مماثلة، إذ يقول إن يوسف أمر سيراً أن يعرض على ابن عباد أن يتحول إلى بر العدوة بأهله وماله، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فينازله، فلما عرض سير ذلك، لم يعطه ابن عباد جواباً، فنازله، وحاصره أشهراً (١).
حاصر المرابطون إشبيلية بقوات ضخمة، ولم يشك المعتمد منذ البداية أنه سوف يخوض مع المرابطين معركة الحياة والموت، فتأهب للدفاع عن ملكه وحاضرته بكل ما وسع، واستغاث بحليفه ألفونسو السادس ملك قشتالة. وكان ألفونسو قد اهتز لاجتياح المرابطين لمملكة إشبيلية على هذا النحو الصاعق، وأدرك من جانبه أن المسألة لم تعد تتعلق فقط بمملكة إشبيلية، ولا ملوك الطوائف وحدهم، وإنما أضحت مشكلة شبه الجزيرة الإسبانية كلها، ومسألة خطر اجتياح المرابطين لها واحتلالهم إياها. وكانت تجمعه في ذلك مع ابن عباد قضية واحدة، هي قضية دفع خطر المرابطين عن الوطن المشترك، ومن ثم فقد بادر من فوره بإرساله حملة قوية بقيادة ألبار هانيس أكبر قواده وأبرعهم، لإنجاد ابن عباد.
وتقول الرواية الإسلامية إن هذه الحملة كانت تتألف من عشرين ألف فارس وأربعين ألف راجل (٢)، وتقول الرواية النصرانية إنها كانت تتألف فقط من
стр. 1051
ألفي وخمسمائة فارس. وبعث سير بن أبى بكر لقتال القشتاليين حملة من عشرة آلاف فارس، بقيادة ابراهيم بن إسحاق اللمتوني، وهي حملة تقدرها الرواية النصرانية بخمسة عشر ألفاً. والتقى القشتاليون والمرابطون على مقربة من حصن المدور، وفي رواية أخرى أن اللقاء كان في بلمة من أحواز إشبيلية (١)، ونشبت بينهما معركة عنيفة، قتلت فيها جموع كبيرة من الفريقين، وانتهت بنصر المرابطين وارتداد القشتاليين، وقد أثخن قائدهم ألبار هانيس جراحاً (٢)، وانهار بذلك آخر أمل كان يعلقه ابن عباد على معاونة حلفائه القشتاليين.
واستمر حصار المرابطين لإشبيلية زهاء أربعة أشهر، ودافع المعتمد وجنده عن حاضرتهم أشد دفاع، وصمدت المدينة لهجمات المرابطين ومحاولاتهم، حتى أنه ينسب لقائدهم سير بن أبى بكر أنه قال " لو أني أقصد مدينة الشرك لم تمتنع هذا الامتناع " (٣).
وفي خلال ذلك حاول جماعة من أهل المدينة من خصوم بني عباد، أن يضرموا الثورة داخل المدينة، حتى يضطرب أمر الدفاع، ويمهد السبيل لدخول المرابطين، ووقف المعتمد على أمرهم، ولكنه أبى أن يقوم بإعدامهم وفقاً لنصح قادته، واكتفى بمراقبتهم والتحوط لسعيهم. وأخيراً استطاع المرابطون بمداخلة بعض أولئك الخونة، أن يحدثوا ثلمة في السور، عند باب الفرج على مقربة من النهر (يوم ٥ رجب). ووقف المعتمد على الخبر فبادر لتوه في ثلة من فرسانه، لرد الداخلين من جند العدو، وهو دون درع أو عدة، وليس عليه سوى قميص يشف عن بدنه، وتلقى المعتمد خلال المعركة التي نشبت طعنة تحت إبطه من فارس مرابطي، فوثب المعتمد يطاعنه فشقه بسيفه، ومزقت تلك الثلة من المرابطين، وأصلحت الثلمة على الأثر. بيد أنه حدث في عصر ذلك اليوم ذاته، أن تمكن بعض المرابطين من الوصول إلى أسطول إشبيلية الراسي في الوادي الكبير، وأضرموا النار فيه، فهلكت معظم سفنه، وأدرك الناس عندئذ أن خطط الدفاع عن المدينة، أخذت في الانهيار، وسرى بينهم الرعب، وبادر كثيرون إلى الفرار، بعضهم عن طريق النهر، والبعض الآخر بالترامي
стр. 1052
من شرفات الأسوار، أو الالتجاء إلى القنوات والمغائر، وسيطرت الفوضى على المدينة، وبدت طوالع النهاية منذرة مروعة.
وفي خلال ذلك كان سير بن أبي بكر، يحشد قواته وينظم الضربة الأخيرة.
ووقعت الضربة الحاسمة في يوم الأحد الثاني والعشرين من رجب سنة ٤٨٤ هـ (٧ سبتمبر سنة ١٠٩١ م) (١)، حيث هاجم المرابطون إشبيلية بشدة. واقتحموها من ناحية الوادي الكبير، وانقضوا عليها كالسيل الجارف، يمعنون فيها سفكاً وتخريباً. ونشبت بينهم وبين المدافعين عن المدينة معارك محلية عنيفة، وهجمت فرقة من المرابطين على القصر الملكي، فاستقبلهم المعتمد على باب قصره في ثلة من فرسانه وخاصته، يدافع عن نفسه وملكه حتى اللحظة الأخيرة، أشد دفاع وأروعه، ولكن هذه البسالة النادرة لم تغن شيئاً، وانتهى المرابطون بالاستيلاء على المدينة، وعلى القصور الملكية، وأسروا المعتمد وآله، وقتلوا ابنه مالكاً الملقب بفخر الدولة بين يديه، ونهبوا قصوره - على قول المؤرخ " نهباً قبيحاً " - واحتووا على سائر ذخائره وأمواله، وساد القتل والعيث والنهب في المدينة الغنية التالدة. وكانت محنة مروعة.
وأصدر سير بن أبى بكر أماناً للمعتمد " في النفس والأهل والولد " (٢)
ولكنه أرغمه على مخاطبة ولديه يزيد الراضي وأبى بكر المعتد، ينصحهما بالخضوع والتسليم، وكان الأول حسبما تقدم ممتنعاً برندة، والثاني ممتنعاً بميرتلة (أو مارتلة) في جنوبي البرتغال. وكانت رندة بالأخص ما تزال صعبة المنال، نظراً لحصانتها الفائقة، وقد يطول صمودها. وانضمت " السيدة الكبرى " أعني اعتماد الرميكية أم الأميرين إلى زوجها المعتمد، في حثهما على التسليم واستعطافهما رحمة بوالديهما. فأذعن الأميران للرجاء. فأما يزيد الراضي المدافع عن رندة، فقد قبل التسليم بعد أن قطع له جرور القائد المرابطي عهده
стр. 1053
بالأمان، بيد أنه ما كادت تفتح أبواب المدينة، ويدخلها المرابطون، حتى أمر جرور بالقبض على الراضي وإعدامه، وانتهاب أمواله، ناكثاً بذلك بعهده أشنع نكث، وأمر بقتل كل من ظفر به من الأحرار والجند المدافعين (رمضان سنة ٤٨٤ هـ). وأما ميرتلة، فقد أبقى المرابطون على حياة المعتد، وقنعوا بنهب أمواله (١). وتم للمرابطين بذلك الاستيلاء على سائر قواعد مملكة إشبيلية.
وكان يزيد الراضي، ويكنى أبا خالد، أنبه أبناء المعتمد في ميدان الشعر والأدب، وكان شاعر بني عباد بعد أبيه، وقرينه في نظم القريض الفائق. وكان فوق ذلك عالماً أديباً، حافظاً للشريعة، خبيراً بأنساب العرب ولغاتها. ومن شعره قوله:
يحل زمان المرء ما هو عاقد ... ويسهر في إهلاكه وهو راقد
ويغرَى بأهل الفضل حتى كأنهم ... جناةُ ذنوبٍ وهو للكل حاقد
سينهدُّ مبنيٌ ويقفر عامرٌ ... ويصفر مملوء، ويخمد واقد
ويفترق الألاّف من بعد صحبة ... وكم شهدت مما ذكرت الفراقد (٢)
* * *
وهكذا سقطت مملكة بني عباد في أشهر قلائل، وخبا نجمها الذي سطع حيناً في سماء الأندلس وضاء عالياً، ولكنها سقطت أبية كريمة، في مناظر من الفروسية الرائعة تخلق بالألى شادوها. ولم تسقط قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على يد عميدها الباسل. وقد يبدو من رواية " روض القرطاس " أن المعتمد سلم عاصمته للمرابطين بالأمان مختاراً (٣). والحقيقة التي تجمع عليها سائر الروايات، هي أن المرابطين اقتحموا إشبيلية، كما تقدم، وأخذوها عنوة في مناظر رائعة من السفك والتخريب، وأن المعتمد بن عباد لم يدخر وسيلة في الدفاع عن نفسه وعاصمته، وأنه ظل يدافع حتى اللحظة الأخيرة، وحتى
стр. 1054
اقتحم الأعداء قصره وأسروه. وقد انتهت إلينا في ذلك رواية شاهد عيان، هو أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة، فهو يصف لنا في كتابه " نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العبادية "، مناظر سقوط إشبيلية حسبما شهدها بنفسه في قوله: " إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب، فعظم الخطب في الأمر الواقع، واتسع الخرق على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية باديه، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا انتهى خلق إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيها على سبد لأحد ولا لبد، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشفت وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى وما هم بسكارى " (١).
ويصف لنا الفتح بن خاقان مؤرخ الطوائف، ومعاصرهم تقريباً، منظر الصراع الأخير بين المعتمد ومهاجميه في عبارته المسجعة فيما يلي: " ولما انتشر الداخلون في البلد، وأوهنوا القوى والجلد، خرج (أي المعتمد) والموت يتسعر في ألحاظه، ويتصور من ألفاظه، وحسامه يعد بمضائه، ويتوقد عند انتضائه، فلقيهم في رحبة القصر وقد ضاق به فضاؤها، وتضعضعت من رجتهم أعضاؤها، فحمل فيهم حملة صيرتهم فرقاً، وملأتهم فرقاً، وما زال يوالي عليهم الكر المعاد، حتى أوردهم النهر، وما بهم من جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد، ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله وذهاب ملكه وارتحاله، وعاد إلى قصره واستمسك يومه وليلته، مانعاً لخوذته، دافعاً للذل عن عزته ... " (٢).
وأخيراً يقول لنا ابن الخطيب: " وكان دخول إشبيلية على المعتمد دخول القهر والغلبة يوم الأحد لعشر بقين من رجب. وشملت الغارة، واقتحمت الدور، وخرج ابن عباد وابنه مالك للدفاع، فقتل مالك الملقب بفخر الدولة، وأرهقت ابن عباد الخيل، فدخل القصر ملقياً بيده " (٣).
стр. 1055
وهذا ما يؤيده شعر المعتمد نفسه في وصف صراعه مع أعدائه في ذلك اليوم المشهود:
إن يسلب القوم العدا ... ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه ... لم تُسلم القلب الضلوع
قد رُمْت يوم نزالهم ... ألاّ تحصنني الدروع
وبرزت ليس سوى القميص ... عن الحشا شىء دفوع
وبذلت نفسي كي تسـ ... ـيل إذا يسيل بها النجيع
أجلي تأخر لم يكن ... بهواي ذلي والخضوع
ما سرت قط إلى القتال ... وكان من أملي الرجوع
شيم الألي أنا منهم ... والأصل تتبعه الفروع
ثم يقول لنا الفتح، إن المعتمد لما التجأ إلى قصره، بعد سقوط حاضرته، وتفرق جيشه، وفقد كل أمل في النجاة، فكر في أن يقضي على نفسه بيده، ولكن منعه من ذلك إيمانه المتين، فاستسلم إلى هوان الأسر، وقبض عليه المرابطون وعلى سائر آله وولده ونسائه (١).
- ٢ -
ويجدر بنا قبل أن نتم الكلام على فتوح المرابطين لممالك الطوائف، أن نتتبع مصير المعتمد بن عباد حتى نهايته.
إن هذه المرحلة الأخيرة من حياة المعتمد، وهي مرحلة مؤسية تنفطر لها القلوب الكريمة، تنتمي إلى الأدب أكثر من انتمائها إلى التاريخ، بما تحفل به من الآثار الشعرية الرائعة، التي نظمها المعتمد عن محنته وآلامه في المنفى. وقد شغلت هذه المرحلة على قصرها، من صحف التاريخ والأدب، فراغاً كبيراً لم تشغل مثله حياة المعتمد الملوكية كلها.