← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ألفي وخمسمائة فارس. وبعث سير بن أبى بكر لقتال القشتاليين حملة من عشرة آلاف فارس، بقيادة ابراهيم بن إسحاق اللمتوني، وهي حملة تقدرها الرواية النصرانية بخمسة عشر ألفاً. والتقى القشتاليون والمرابطون على مقربة من حصن المدور، وفي رواية أخرى أن اللقاء كان في بلمة من أحواز إشبيلية (١)، ونشبت بينهما معركة عنيفة، قتلت فيها جموع كبيرة من الفريقين، وانتهت بنصر المرابطين وارتداد القشتاليين، وقد أثخن قائدهم ألبار هانيس جراحاً (٢)، وانهار بذلك آخر أمل كان يعلقه ابن عباد على معاونة حلفائه القشتاليين. واستمر حصار المرابطين لإشبيلية زهاء أربعة أشهر، ودافع المعتمد وجنده عن حاضرتهم أشد دفاع، وصمدت المدينة لهجمات المرابطين ومحاولاتهم، حتى أنه ينسب لقائدهم سير بن أبى بكر أنه قال " لو أني أقصد مدينة الشرك لم تمتنع هذا الامتناع " (٣). وفي خلال ذلك حاول جماعة من أهل المدينة من خصوم بني عباد، أن يضرموا الثورة داخل المدينة، حتى يضطرب أمر الدفاع، ويمهد السبيل لدخول المرابطين، ووقف المعتمد على أمرهم، ولكنه أبى أن يقوم بإعدامهم وفقاً لنصح قادته، واكتفى بمراقبتهم والتحوط لسعيهم. وأخيراً استطاع المرابطون بمداخلة بعض أولئك الخونة، أن يحدثوا ثلمة في السور، عند باب الفرج على مقربة من النهر (يوم ٥ رجب). ووقف المعتمد على الخبر فبادر لتوه في ثلة من فرسانه، لرد الداخلين من جند العدو، وهو دون درع أو عدة، وليس عليه سوى قميص يشف عن بدنه، وتلقى المعتمد خلال المعركة التي نشبت طعنة تحت إبطه من فارس مرابطي، فوثب المعتمد يطاعنه فشقه بسيفه، ومزقت تلك الثلة من المرابطين، وأصلحت الثلمة على الأثر. بيد أنه حدث في عصر ذلك اليوم ذاته، أن تمكن بعض المرابطين من الوصول إلى أسطول إشبيلية الراسي في الوادي الكبير، وأضرموا النار فيه، فهلكت معظم سفنه، وأدرك الناس عندئذ أن خطط الدفاع عن المدينة، أخذت في الانهيار، وسرى بينهم الرعب، وبادر كثيرون إلى الفرار، بعضهم عن طريق النهر، والبعض الآخر بالترامي

стр. 1052

من شرفات الأسوار، أو الالتجاء إلى القنوات والمغائر، وسيطرت الفوضى على المدينة، وبدت طوالع النهاية منذرة مروعة. وفي خلال ذلك كان سير بن أبي بكر، يحشد قواته وينظم الضربة الأخيرة. ووقعت الضربة الحاسمة في يوم الأحد الثاني والعشرين من رجب سنة ٤٨٤ هـ (٧ سبتمبر سنة ١٠٩١ م) (١)، حيث هاجم المرابطون إشبيلية بشدة. واقتحموها من ناحية الوادي الكبير، وانقضوا عليها كالسيل الجارف، يمعنون فيها سفكاً وتخريباً. ونشبت بينهم وبين المدافعين عن المدينة معارك محلية عنيفة، وهجمت فرقة من المرابطين على القصر الملكي، فاستقبلهم المعتمد على باب قصره في ثلة من فرسانه وخاصته، يدافع عن نفسه وملكه حتى اللحظة الأخيرة، أشد دفاع وأروعه، ولكن هذه البسالة النادرة لم تغن شيئاً، وانتهى المرابطون بالاستيلاء على المدينة، وعلى القصور الملكية، وأسروا المعتمد وآله، وقتلوا ابنه مالكاً الملقب بفخر الدولة بين يديه، ونهبوا قصوره - على قول المؤرخ " نهباً قبيحاً " - واحتووا على سائر ذخائره وأمواله، وساد القتل والعيث والنهب في المدينة الغنية التالدة. وكانت محنة مروعة. وأصدر سير بن أبى بكر أماناً للمعتمد " في النفس والأهل والولد " (٢) ولكنه أرغمه على مخاطبة ولديه يزيد الراضي وأبى بكر المعتد، ينصحهما بالخضوع والتسليم، وكان الأول حسبما تقدم ممتنعاً برندة، والثاني ممتنعاً بميرتلة (أو مارتلة) في جنوبي البرتغال. وكانت رندة بالأخص ما تزال صعبة المنال، نظراً لحصانتها الفائقة، وقد يطول صمودها. وانضمت " السيدة الكبرى " أعني اعتماد الرميكية أم الأميرين إلى زوجها المعتمد، في حثهما على التسليم واستعطافهما رحمة بوالديهما. فأذعن الأميران للرجاء. فأما يزيد الراضي المدافع عن رندة، فقد قبل التسليم بعد أن قطع له جرور القائد المرابطي عهده

стр. 1053

بالأمان، بيد أنه ما كادت تفتح أبواب المدينة، ويدخلها المرابطون، حتى أمر جرور بالقبض على الراضي وإعدامه، وانتهاب أمواله، ناكثاً بذلك بعهده أشنع نكث، وأمر بقتل كل من ظفر به من الأحرار والجند المدافعين (رمضان سنة ٤٨٤ هـ). وأما ميرتلة، فقد أبقى المرابطون على حياة المعتد، وقنعوا بنهب أمواله (١). وتم للمرابطين بذلك الاستيلاء على سائر قواعد مملكة إشبيلية. وكان يزيد الراضي، ويكنى أبا خالد، أنبه أبناء المعتمد في ميدان الشعر والأدب، وكان شاعر بني عباد بعد أبيه، وقرينه في نظم القريض الفائق. وكان فوق ذلك عالماً أديباً، حافظاً للشريعة، خبيراً بأنساب العرب ولغاتها. ومن شعره قوله: يحل زمان المرء ما هو عاقد ... ويسهر في إهلاكه وهو راقد ويغرَى بأهل الفضل حتى كأنهم ... جناةُ ذنوبٍ وهو للكل حاقد سينهدُّ مبنيٌ ويقفر عامرٌ ... ويصفر مملوء، ويخمد واقد ويفترق الألاّف من بعد صحبة ... وكم شهدت مما ذكرت الفراقد (٢) * * * وهكذا سقطت مملكة بني عباد في أشهر قلائل، وخبا نجمها الذي سطع حيناً في سماء الأندلس وضاء عالياً، ولكنها سقطت أبية كريمة، في مناظر من الفروسية الرائعة تخلق بالألى شادوها. ولم تسقط قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على يد عميدها الباسل. وقد يبدو من رواية " روض القرطاس " أن المعتمد سلم عاصمته للمرابطين بالأمان مختاراً (٣). والحقيقة التي تجمع عليها سائر الروايات، هي أن المرابطين اقتحموا إشبيلية، كما تقدم، وأخذوها عنوة في مناظر رائعة من السفك والتخريب، وأن المعتمد بن عباد لم يدخر وسيلة في الدفاع عن نفسه وعاصمته، وأنه ظل يدافع حتى اللحظة الأخيرة، وحتى

стр. 1054

اقتحم الأعداء قصره وأسروه. وقد انتهت إلينا في ذلك رواية شاهد عيان، هو أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة، فهو يصف لنا في كتابه " نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العبادية "، مناظر سقوط إشبيلية حسبما شهدها بنفسه في قوله: " إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب، فعظم الخطب في الأمر الواقع، واتسع الخرق على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية باديه، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا انتهى خلق إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيها على سبد لأحد ولا لبد، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشفت وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى وما هم بسكارى " (١). ويصف لنا الفتح بن خاقان مؤرخ الطوائف، ومعاصرهم تقريباً، منظر الصراع الأخير بين المعتمد ومهاجميه في عبارته المسجعة فيما يلي: " ولما انتشر الداخلون في البلد، وأوهنوا القوى والجلد، خرج (أي المعتمد) والموت يتسعر في ألحاظه، ويتصور من ألفاظه، وحسامه يعد بمضائه، ويتوقد عند انتضائه، فلقيهم في رحبة القصر وقد ضاق به فضاؤها، وتضعضعت من رجتهم أعضاؤها، فحمل فيهم حملة صيرتهم فرقاً، وملأتهم فرقاً، وما زال يوالي عليهم الكر المعاد، حتى أوردهم النهر، وما بهم من جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد، ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله وذهاب ملكه وارتحاله، وعاد إلى قصره واستمسك يومه وليلته، مانعاً لخوذته، دافعاً للذل عن عزته ... " (٢). وأخيراً يقول لنا ابن الخطيب: " وكان دخول إشبيلية على المعتمد دخول القهر والغلبة يوم الأحد لعشر بقين من رجب. وشملت الغارة، واقتحمت الدور، وخرج ابن عباد وابنه مالك للدفاع، فقتل مالك الملقب بفخر الدولة، وأرهقت ابن عباد الخيل، فدخل القصر ملقياً بيده " (٣).

стр. 1055

وهذا ما يؤيده شعر المعتمد نفسه في وصف صراعه مع أعدائه في ذلك اليوم المشهود: إن يسلب القوم العدا ... ملكي وتسلمني الجموع فالقلب بين ضلوعه ... لم تُسلم القلب الضلوع قد رُمْت يوم نزالهم ... ألاّ تحصنني الدروع وبرزت ليس سوى القميص ... عن الحشا شىء دفوع وبذلت نفسي كي تسـ ... ـيل إذا يسيل بها النجيع أجلي تأخر لم يكن ... بهواي ذلي والخضوع ما سرت قط إلى القتال ... وكان من أملي الرجوع شيم الألي أنا منهم ... والأصل تتبعه الفروع ثم يقول لنا الفتح، إن المعتمد لما التجأ إلى قصره، بعد سقوط حاضرته، وتفرق جيشه، وفقد كل أمل في النجاة، فكر في أن يقضي على نفسه بيده، ولكن منعه من ذلك إيمانه المتين، فاستسلم إلى هوان الأسر، وقبض عليه المرابطون وعلى سائر آله وولده ونسائه (١). - ٢ - ويجدر بنا قبل أن نتم الكلام على فتوح المرابطين لممالك الطوائف، أن نتتبع مصير المعتمد بن عباد حتى نهايته. إن هذه المرحلة الأخيرة من حياة المعتمد، وهي مرحلة مؤسية تنفطر لها القلوب الكريمة، تنتمي إلى الأدب أكثر من انتمائها إلى التاريخ، بما تحفل به من الآثار الشعرية الرائعة، التي نظمها المعتمد عن محنته وآلامه في المنفى. وقد شغلت هذه المرحلة على قصرها، من صحف التاريخ والأدب، فراغاً كبيراً لم تشغل مثله حياة المعتمد الملوكية كلها.

стр. 1056

وإنه لما يثير الدهشة حقاً ما انتهى إليه أمير المسلمين من التحول من تقدير المعتمد بن عباد، وإكباره والثناء البالغ على شجاعته ونجدته ومروءته، في كتبه الرسمية بالفتح، إلى المبالغة في خصومته، والعمل على سحقه، ومعاملته بأقصى ما يعامل به عدو. ويقال في ذلك، إنه فضلا عن البواعث السياسية والعسكرية، فقد لعبت السعاية والوشاية في علائق الرجلين دوراً لا يحمد، وأثارت في قلب يوسف أمرّ ضروب السخط والبغض ضد المعتمد. لم يكن سقوط إشبيلية، وسقوط المعتمد وآله أسرى في أيدي الظافرين خاتمة المحنة، بل كان بداية محنة أفظع وأبلغ إيلاماً للنفس، هي محنة الاعتقال والأغلال والذل والمنفى المروع. وكان أمير المسلمين قد قرر مصير بني عباد، كما قرر مصير عبد الله وأخيه تميم صاحبي غرناطة ومالقة، وقد قتل المرابطون من أبناء المعتمد أربعة، هم الفتح المأمون، ويزيد الراضي، والمعتد بالله، ومالك، ولكنهم أبقوا على حياة المعتمد، وذلك فيما يبدو بإشارة أمير المسلمين ذاته، وربما كانت لدى الظافر في الإبقاء على حياته بواعث غير الرأفة به، فما كان المعتمد بن عباد من أولئك الذين يتهيبون الموت أو يخشونه، بل لقد كان يطلبه ويسعى إليه، حسبما رأينا. وربما أراد عاهل المرابطين بذلك، أن يتجرع المعتمد كأس الذلة إلى نهايتها، وأن يمرغ في التراب، ذلك الذي كان يعتبره قطب الفتنة في الأندلس، وحليف النصارى الخانع، المذنب في حق دينه ووطنه. وأن يذيقه من العذاب المعنوي أروع ألوانه. وهكذا انتزع المعتمد بن عباد وآله من قصر إشبيلية المنيف، وأخذوا جميعاً إلى السفن التي أعدت لنقلهم إلى المنفى، وسارت السفن من إشبيلية في نهر الوادي الكبير في طريقها إلى العُدوة، في مناظر تذيب القلب حزناً وأسى، وضجت جموع الشعب الغفيرة التي احتشدت على ضفتي النهر لوداع المعتمد بالبكاء والنواح حينما شهدت سيدها وراعيها بالأمس تحيق به وجميع آله، أغلال الاعتقال والذلة، ويغادر موطن سلطانه وعزه إلى مصيره المجهول. وفي ذلك يقول شاعر المعتمد أبو بكر بن اللبانة، وقد كان من شهود ذلك اليوم من قصيدة طويلة: نسيت إلاّ غداة النهر كونهم ... في المنشآت كأموات بألحاد والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق أزباد

стр. 1057

حط القناع فلم تستر مخدرة ... ومزقت أوجه تمزيق أبراد حان الوداع فضجت كل صارخة ... وصارخ من مفداة ومن فادى سارت سفائنهم والنوح يتبعها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد (١) وأنزل المعتمد وآله بطنجة، واعتقلوا فيها أياماً. وهنالك زاره الحصري الضرير الشاعر، وألحف في طلب الصلة، ورفع إليه أبياتاً مدحه فيها ولم يراع في ذلك حرج الموقف. وأبت على المعتمد أريحيته الملوكية أن يرده، فبعث إليه بستة وثلاثين مثقالا، وشعراً يعتذر فيه عن ضآلة الهبة، فكانت آخر صلاته الملوكية. ثم أخذوا بعد ذلك إلى مكناسة حيث التقوا بعبد الله بن بلقين وأخيه تميم، وكانا ينتظران أمر السفر إلى مقرهما الأخير (٢)، وهنالك قضيا بضعة أشهر، قبل أن يرسلوا إلى مقرهم النهائي. وأخيراً صدر الأمر بتسييرهم جميعاً إلى أغمات، وهي مدينة صغيرة حصينة تقع على قيد نحو أربعين كيلومتراً من جنوب شرقي مراكش، على مقربة من جبال الأطلس، التي تظلل آكامها الثلوج. وقد كانت حسبما نذكر عاصمة المرابطيين الأولى. وحل المعتمد وآله في أغمات في أواخر منة ٤٨٤ هـ أو أوائل سنة ٤٨٥ هـ. وبينما أنزل عبد الله بن بلقين وأسرته داراً حسنة وعوملوا برفق ورعاية، إذ زج المعتمد وآله إلى قلعة أغمات المنيعة. وهنالك قضى المعتمد بضعة أعوام في أغلال الأسر، يتجرع غصص المهانة والذلة، ويلقى عذاب الشهيد المُعَنى. ولم يكن مقام المعتمد بأغمات معتقلا عادياً، بل كان سجناً شنيعاً بكل معاني الكلمة، ضيق فيه على المعتمد وآله أشد التضييق، ولم يكن يطلق لهم ما يكفيهم من النفقة، فكان المعتمد، وزوجه اعتماد الرميكية التي كانت تسطع في الأندلس بجمالها وخلالها البارعة، وأبناؤه الأمراء وبناته الأقمار، يرتدون الثياب الخشنة (٣). وكان بنات المعتمد يشتغلن بالغزل ليعلن والدهن وأسرتهن.

стр. 1058

وهنالك في شعر المعتمد ما يدل على أنه كان مصفداً في قدميه بالأغلال، على الأقل في أواخر أيام أسره. ولم تكن هذه المعاملة الشنيعة لأعظم ملوك الطوائف عفواً، بل كانت مقصودة، بلا ريب، وكانت قسوة لا مبرر لها من الظافر، ولم تكن تتفق في شىء مع ما أثر عن يوسف بن تاشفين، من الفروسية والخلال الحسنة. وسنرى فيما بعد كيف يفسر هذا الموقف من جانب أمير المسلمين وكيف تلتمس له الأعذار. واشتدت وطأة الأسر على اعتماد زوجة المعتمد، ولم تقو طويلا على مغالبة المحنة، فذوت نضارتها بسرعة ثم توفيت، فدفنت في ظاهر أغمات على مقربة من معتقل زوجها وأولادها، فحزن المعتمد لوفاتها أيما حزن، واشتد به الضنى والأسى. وقد سبق أن أشرنا إلى ما كانت تتمتع به اعتماد الرميكية أيام مجدها وعزها في بلاط إشبيلية من منزلة عالية، وأشرنا إلى صفاتها اللامعة من الجمال والسحر والشاعرية، والمشاطرة في مجالس الشعر والأدب. على أن هذه الصفات الممتازة التي كانت تتمتع بها الرميكية، وهذه الحياة السافرة اللامعة في أعظم بلاط لملوك الطوائف، كانت من جهة أخرى مدعاة للطعن في تصرفها وأخلاقها. فمثلا ينقل إلينا التيجاني الأندلسي عن الحجاري في حق الرميكية ما يأتي: " وهي التي ورطت المعتمد فيما ورطته من الخلاعة والاستهتار والمجاهرة، حتى كتب أهل إشبيلية عليه بذلك، وبتعطيل صلوات الجمع، عقوداً، ورفعوها إلى أمير المسلمين، فكان من أمره معه ما كان، وسجن المعتمد بأغمات، وسجنت الرميكية معه، فماتت هنالك قبله " (١).

стр. 1059

وأذكت المحنة شاعرية المعتمد، وكان القريض عندئذ عزاءه وغذاءه الروحي، فصدرت عنه في معتقله طائفة كبيرة من القصائد المؤسية، وكلها تلهف على سابق مجده، وبكاء على ماضيه، ورثاء لمحنته، فمن ذلك قوله: أنباء أسرك قد طبقن آفاقا ... بل قد عممن جهات الأرض إطلاقا سارت من الغرب لا تطوى لها قدم ... حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا فأحرق الفجع أكباداً وأفئدة ... وأغرق الدمع آماقاً وأحداقا قد ضاق صدر المعالي إذ نعيت لها ... وقيل إن عليك القيد قد ضاقا وقوله: غريب بأرض المغربين أسير ... سيبكي عليه منبر وسرير وتندبه البيض الصوارم والقنا ... وينهل دمع بينهن غزير مضى زمن والملك مستأنس به ... وأصبح منه اليوم وهو نفور برأي من الدهر المضلل فاسد ... متى صلحت للمصلحين دهور أذل بني ماء السماء زمانهم ... وذل بني ماء السماء كبير فياليت شعري هل أبيتن ليلة ... أمامي وخلفي روضة وغدير بمنيته الزيتون مورثة العلا ... يغني حمام أو تدن طيور بزاهرها (١) السامي الذري جاده الحيـ ... ـا تشير الثريا نحونا ونشير ويلحظنا الزاهي (١) وسعد سعوده ... غفورين والصب المحب غيور تراه عسيراً أو يسيراً مناله ... ألا كل ما شاء الإله يسير وقوله في أول عيد له بأغمات، وقد أبكاه منظر أولاده وبناته: فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فساءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعة ... يغزلن للناس ما يملكن قطميرا برزن نحوك للتسليم خاشعة ... أبصارهن حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والأقدام حافية ... كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا أفطرت في العيد لا عادت إساءته ... فكان فطرك للأكباد تفطيرا قد كان دهرك أن تأمره ممتثلا ... فردك الدهر منهياً ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا

стр. 1060

وقوله وقد رأى سرباً من القطا يمر بمعتقله: بكيت إلى سرب القطا إذ مررن به ... سوارح لا سجن يعوق ولا كبل ولم تك والله المعيد حسادة ... ولكن حنيناً إن شكلي لها شكل فأسرع فلا شمل صديع ولا الحشى ... وجيع ولا عينان يبكيهما ثكل وقوله في لوم أمير المسلمين على ظلمه: أبى الدهر أن يقني الحياء ويندما ... وأن يمحو الذنب الذي كان قدّما وأن يتلقى وجه عتبى وجهه ... بعذر يغشى صفحتيه التذمما ستعلم بعدي من تكون سيوفه ... إلى كل صعب من مراقيك سلما سترجع إن حاولت دوني فتكة ... بأخجل من خد المبارز أحجما وأذكت مأساة بني عباد في الوقت نفسه دولة الشعر في الأندلس، ونظم أكابر شعراء العصر في رثاء دولتهم، والتوجع على أيامهم، طائفة من القصائد المؤثرة، التي ما زالت تحتفظ حتى اليوم بكل روعتها وحياتها. وكان أغزرهم في ذلك مادة، أبو بكر بن اللبانة، شاعر المعتمد المتقدم ذكره، فقد بقي على صلاته ووفائه للمعتمد، وزاره في سجنه بأغمات، ونظم في دولته وأيامه، وفي محنته وأسره، عدة من قصائده الرنانة، يضمها كتاب وضعه في تاريخ بني عباد، وأسماه: " كتاب نظم السلوك في مواعظ الملوك " (١). واستطال أسر المعتمد وسجنه حتى سنة ٤٨٨ هـ، بيد أنه استطاع في غمر المحنة والبؤس الطاحن، أن يحتفظ بكثير من جلاله السابق، فكان هذا الجلال يشع في ظلمات سجنه، كما يشع ضوء الشمس إذا أحدق به الغمام (٢). وفي أواخر أيامه صدرت أوامر أمير المسلمين بالتضييق عليه وتصفيده بالأغلال، بسبب ثورة محلية قام بها ولده عبد الجبار في بعض حصون إشبيلية، وكان ممن أفلت عند سقوطها وذلك حسبما نذكر بعد. وفي اليوم الحادي عشر من شوال سنة ٤٨٨ هـ (أواخر أكتوبر ١٠٩٥ م)، توفي المعتمد في سجنه بقلعة أغمات بعد

стр. 1061

اعتقال دام زهاء أربعة أعوام (١)، وكان سنه عند وفاته سبعاً وخمسين سنة وبضعة أشهر. ودفن بظاهر أغمات إلى جانب زوجه اعتماد الرميكية. ومما قاله في رثاء نفسه قبل وفاته، وأوصى بأن يكتب على قبره: قبر الغريب سقاك الرائح الغادي ... حقاً ظفرت بأشلاء ابن عباد بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت ... بالخصيب إن أجدبوا بالري للصادي بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا ... بالموت أحمر بالضرغامة العادي بالدهر في نقم بالبحر في نعم ... بالبدر في ظلم بالصدر في النادي نعم هو الحق حاباني به قدر ... من السماء فوافاني لميعاد ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه .. . إن الجبال تهادى فوق أعواد كفاك فارفق بما استودعت من كرم ... رواك كل قطوب البرق رعاد ويقدم إلينا صاحب البيان المغرب بعض تفاصيل عن ثورة عبد الجبار بن المعتمد وهي الثورة التي اتخذت ذريعة للتنكيل بأبيه وتصفيده في سجنه بأغمات، وذلك أن عبد الجبار امتنع بحصن أركش، الواقعة جنوبي إشبيلية وشرقي شريش، في جمع كبير من أصحابه. وبعث إلى ألفونسو السادس يطلب عونه، وعلم الأمير سير اللمتوني فاتح إشبيلية بذلك، فسار إلى أركش، وبعث إلى أمير المسلمين يخطره بالأمر، فبعث إليه مدداً من الخيل والرجالة، فضخمت الحملة، وأحدقت بالحصن وضيقت على من فيه، واتصلت الحرب بين الفريقين، وابن عباد يخرج في قواته من آن لآخر ويشتبك بالمرابطين في معارك دامية، وأصحابه يتساقطون من حوله تباعاً. وفي ذات يوم أصاب ابن عباد سهم رماه به أحد الرماة المرابطين، فاحتمله أصحابه جريحاً، وتوفي لأيام قلائل، فكتم أصحابه موته. وكان قد مضى على هذه المعارك نحو ستة أشهر، وفنى كثير من حامية الحصن، واشتد بها الضيق، وعندئذ حاول القادة الأندلسيون الحصول على الأمان، فرفض الأمير سير، واقتحم الحصن أخيراً، وقتل معظم حاميته، واستخرج جثة عبد الجبار من قبرها، واحتز رأسه ورؤوس أصحابه، وحملت

стр. 1062

إلى مدينة إشبيلية، وعلقت على أسوارها، ووقعت حوادث هذه الحملة في سنة ٤٩٠ هـ (١٠٩٧ م) (١). وهكذا اختتم المعتمد بن عباد حياته الباهرة، في غمر المحنة وظلمات العدم، وتفرق من بعده ولده وآله في مختلف الأنحاء. ولكن ذكراه لبثت طويلا حية في المغرب والأندلس، ولبثت محنته وخاتمته مضرب الأمثال في تقلب الجدود وعبر الدهر. وبعد وفاته بقليل وفد على أغمات أبو بحر بن عبد الصمد، وقد كان من شعراء دولته وخاصة المتصلين به، وذهب يوم العيد إلى قبره فخر أمامه، وغمره بقبلاته وبلله بدموعه، وأنشد بين الجماهير التي احتشدت من حوله، مرثيته الغراء في المعتمد، ومطلعها هذه الأبيات: ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عواد لما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد أقبلت في هذا الثرى لك خاضعاً ... واتخذت قبرك موضع الإنشاد قد كنت أحسب أن تبرد أدمعي ... نيران حزن أضرمت بفؤادي فإذا بدمعي كلما أجريته ... زادت على حرارة الأكباد فبكى الناس لسماعه أحر بكاء، وهم يطوفون بالقبر طواف الحجيج، وكان منظراً يفتت الأكباد (٢). * * * وقد أسبغت هذه البقعة التي يرقد فيها ملك إشبيلية، وأمير الشعر في عصره، رقدته الأبدية، شهرة مؤثرة على مدينة أغمات. ولما ذهبت دولة المرابطين بعد ذلك بنحو خمسين عاماً، غدا قبر المعتمد بن عباد وزوجه الرميكية في أغمات مزاراً يحج إليه الوافدون من أنحاء المغرب والأندلس، واستمر كذلك عصوراً. وفي سنة ٧٦١ هـ (١٣٦٠ م) زاره الكاتب والشاعر الكبير الوزير لسان الدين ابن الخطيب عند زيارته لمدينة أغمات. وهو يصفه لنا في كتابه " نفاضة الجراب " في قوله: " وزرت بخارجها قبر المعتمد علي الله أبى القاسم محمد بن عباد أمير حمص

стр. 1063

وقرطبة والجزيرة وما إلى ذلك الصقع الغربي ﵀. وهو بالمقبرة القبلية على يسار الخارج من البلد، قد توقل نشزا غير سام، وإلى جانبه، قبر الحرة حظيته، وسكن نفسه، اعتماد، إشراكاً لاسمها في حروف لقبه المنسوب إلى رميك، المتولعة بشأنه معها أخبار القصاص، وحكايات الأسمار، إلى أجداث من ولديهما فترحمنا عليه، وأنشدته " (١). ويعود ابن الخطيب بعد ذلك في كتابه " أعمال الأعلام ". فيصف لنا زيارته للقبر في تلك العبارات المؤثرة: " وهو بمقبرة أغمات في نشز من الأرض، وقد حفت به سدرة، وإلى جانبه قبر اعتماد حظيته، مولاة رميك، وعليها وحشة التغرب ومعاناة الخمول بعد الملك، فلا تملك العين دمعها عند رؤيتها "، وقد أنشد على القبر أبياتاً يقول فيها: قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيت ذلك من أولى المهمات ولم لا أزورك يا أندى الملوك يداً ... ويا ضياء الليالي المدلهمات أناف قبرك في هضب يميزه ... فتنتحيه حفيات التحيات كرمت حياً وميتاً واشتهرت علا ... فأنت سلطان أحياء وأموات ما رِىء مثلك في ماض ومعتقدي .. . أن لا يرى الدهر في حال ولا آت (٢) وزاره المقري مؤرخ الأندلس في سنة ١٠١٠ هـ (١٦٠٢ م) ورآه كما ذكر ابن الخطيب فوق ربوة في مكان يغمره النسيان، فوقف أمامه خاشعاً متأثراً (٣). وقد انتهزت فرصة وجودي بمدينة مراكش في خريف سنة ١٩٥٦، فزرت أغمات. وقد غدت مدينة أغمات هذه، التي اشتهرت في التاريخ وفي الأدب لاحتوائها على قبر المعتمد بن عباد، اليوم قرية متواضعة، تقع على مقربة من مراكش، ومن آكام جبال الأطلس الثلجية، وتحيط بها غراس الزيتون والتين البري، ولا يعدو سكانها ثلاثة آلاف نسمة. وأما قبر المعتمد، فيقع في ظاهرها في طلل خرب يحيط به سور قصير، وفي داخله حظيرتان، في إحداهما قبر المعتمد، وقد خرب تماماً ونمت به الأشواك البرية، وعليه كومة من الأحجار الصغيرة. وأما الحظيرة الأخرى فالمفهوم أنها تحتوي على قبر زوجه اعتماد الرميكية. وقد ذكرت وأنا أتأمل هذا الطلل الموحش المؤثر، ما ذكره

стр. 1064

ابن الخطيب والمقري من قبل، من غلبة الخمول والعفاء عليه، وشعرت بمثل ما شعر به كل منهما من الألم والخشوع. * * * كانت مأساة المعتمد بن عباد مأساة من أروع المآسي الملوكية، وما زالت محنة هذا الأمير، تحتفظ إلى يومنا، بالرغم من كر العصور، بألوانها المشجية، وقد أثارت عطف الرواية الإسلامية وتأثرها البالغ، ويبدو هذا العطف بنوع خاص في روايات مؤرخي الأندلس والمشرق، وفي كثير منها يُصور المعتمد شهيد القسوة والعسف، ومنها ما يشدد الحملة على يوسف بن تاشفين، ويصمه بأقسى الصفات. فمثلا يقول لنا ابن الأثير في التعليق على أسر بني عباد ومعاملتهم: " وفعل أمير المسلمين بهم فعالا لم يسلكها أحد من قبله، ولا يفعلها أحد ممن يأتي بعده، إلا من رضى لنفسه بهذه الرذيلة ... وأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفسه ولؤم قدره " (١). ويقول العلامة دوزي معلقاً على ذلك: " ومهما كانت فضائل يوسف، فإن الشهامة إزاء المغلوبين لم تكن منها، فقد كان تصرفه مع الأمراء الأندلسيين الذين أسرهم قاسياً وبغيضاً ". ثم يقول، إن المعتمد لم يكن بلا ريب ملكاً عظيماً، ييد أنه ينوه بدقة حساسيته وفيض شاعريته، التي تنعكس عليها أقل الحوادث في حياته، بل إنا لنستطيع أن نسجل حياة المعتمد وخلجات نفسه، من قصائده، ثم يقول: " ثم إنه، أي المعتمد كان لحسن طالعه آخر ملك أندلسي، يمثل بجدارة وروعة، قومية وحضارة عقلية سقطتا تحت نير البربر الذين فتحوا البلاد. ولقد لزمه نوع من الإيثار باعتباره آخر فرع لتلك الأسرة العديدة من الأمراء الشعراء، الذين حكموا الأندلس. وإنا لنأسوا له أكثر مما نأسوا لأي شخص آخر، بل ودون أي شخص آخر، كما تثير آخر زهرة في الموسم, وآخر أيام الخريف الحلوة، وآخر أشعة الشمس الغاربة، في نفوسنا أيما أسى " (٢). وقد أسبغت قسوة يوسف نحو أمراء الأندلس، ونحو المعتمد بنوع خاص. على سيرته وعلى خلاله سحباً لم تمحها جميع الأعذار التي انتحلت لتبرير عمله.

стр. 1065

وتتلخص هذه الأعذار في أن المعتمد كان بسياسته وتصرفه نحو شئون الأندلس، ومحالفته للنصارى على اخوته في الدين، وتعريضه مستقبل الإسلام للخطر، تحقيقاً لمطامعه الشخصية، يستحق أعظم اللوم، وأنه عوقب بما تقتضيه فداحة ذنبه. وقد أدرك المعتمد، عقب سقوط طليطلة، فداحة أخطائه، وأبدى صريح ندمه لما أثم (١). على أنه إذا كان حقاً أن المعتمد يحمل بسياسته الأندلسية أمام التاريخ تبعات جسام، فإنه من الحق أيضاً أنه حينما استفحل الخطب، وظهر شبح الخطر على الأندلس المسلمة، كان أول الداعين إلى الوحدة، وإلى طلب الغوث من المرابطين، وأنه لم يبخل في ذلك السبيل بتضحية حصونه التي طلبها يوسف قبل عبوره إلى الأندلس, وأنه أبلى في موقعة الزلاّقة أعظم البلاء، وعاون في نيل النصر أعظم معاونة. كذلك لا ريب أن البواعث التي دفعت يوسف إلى افتتاح الأندلس وامتلاكها، لم تكن دينية فقط، ولم تكن بعد الزلاقة وحصار أليدو، مجرد جهاد في سبيل الله، بل كانت دنيوية قبل كل شىء، ولم يك ثمة شك في أن الأندلس قد أغرت المرابطين وأميرهم بخصبها وغنائها ونعمائها. وإنه ليحق لنا بعد ذلك كله أن نتساءل، أي ضرورة بل أي ْحكمة اقتضت أن يبطش المرابطون بأمراء الأندلس، وأن يمعنوا فيهم قتلا وتعذيباً، على النحو الذي اتبعوه، بعد أن استولوا على أملاكهم وأراضيهم (٢) وأي ضرورة اقتضت أن يعامل سيد المرابطين، المعتمد بن عباد وآله بهذه القسوة المروعة، بعد أن غدوا في يده أسرى لا حول لهم ولا قوة؟ وكيف سمح أمير المسلمين القوي القادر لنفسه، أن تمتد هذه القسوة إلى الولد الضعاف والنساء والبنات؟ لقد كان المعتمد مثقلا بتبعات أعماله وأخطائه كأمير، وملك من ملوك الطوائف، أفلم يكن يكفيه فقد ملكه وسلطانه، وأسره واعتقاله، للتكفير عما أثم بسابق تصرفه؟ وماذا كان يضير الظافر لو عامله بشىء مما يقتضيه سابق مكانته من الرفق والرعاية؟

стр. 1066

هذه تأملات تثيرها في النفس محنة المعتمد بن عباد. ولا ريب أن هذه الخاتمة المؤسية التي قدر للمعتمد أن يعاني آلامها المروعة المادية والمعنوية، لحرية بأن تسبغ عليه ثوب شهيد، يستحق عطف التاريخ، وصفح الأجيال. - ٣ - ذكرنا فيا تقدم أن أمير المسلمين حينما نظم جيوشه لافتتاح إمارات الطوائف، بعث إلى ألمرية جيشاً بقيادة أبى زكريا بن واسنو (وقيل بل محمد بن عائشة) لمحاصرتها وافتتاحها. وهنا تختلف الرواية، فيقال إن المرابطين أشرفوا على ألمرية، وحاصروها، وأميرها المعتصم بن صمادح عليل يعاني مرض موته، وأنه ألقى بهذه المناسبة كلمته المأثورة " نغص علينا كل شىء حتى الموت "، ثم توفي أثناء الحصار في شهر ربيع الآخر سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) (١). وفي رواية أخرى أن المعتصم توفي قبل مقدم المرابطين، وأنه كان قد أوصى ولده معز الدولة قبيل وفاته، بأن يترقب مصير إشبيلية، فمتى سقطت في أيدي المرابطين، وخلع أميرها المعتمد بن عباد، فعليه أن يغادر ألمرية فوراً، ويعبر البحر في أهله وأمواله، إلى العدوة، ويلتجىء إلى حماية بني حماد أمراء القلعة. وقد نفذ معز الدولة وصية أبيه، واستطاع أن ينجو بأهله وأمواله، وأن يغادر ألمرية في آخر لحظة، قبل أن يطوقها المرابطون، وأن يعبر البحر إلى العدوة (رمضان سنة ٤٨٤ هـ)، وذلك كله حسبما فصلناه من قبل في أخبار مملكة ألمرية (٢). ودخل المرابطون ألمرية على الأثر واحتلوها، فكانت ألمرية بعد غرناطة وإشبيلية، ثالثة مملكة من ممالك الطوئف. تسقط في أيدي المرابطين. وقد ذكرنا فيما تقدم كيف احتل المرابطون مدينة مرسية بقيادة ابن عائشة وذلك في شوال سنة ٤٨٤ هـ (أكتوبر سنة ١٠٩١ م)، ثم استولوا في العام التالي (٤٨٥ هـ) على شاطبة وشقورة ودانية. ونحن نعرف مما تقدم من أخبار مملكة بلنسية، أن المرابطين بدأوا يتدخلون في حوادث بلنسية، ويبذلون جهودهم لتحطيم مغامرات " السيد " في هذه المنطقة، وذلك منذ سنة ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م). وقد قام الجيش الذي يقوده

стр. 1067

خريطة: الدولة المرابطية الكبرى عقب افتتاح الأندلس.

стр. 1068

ابن عائشة بدوره في ذلك. ثم قدم إلى شرقي الأندلس جيش مرابطي آخر، أوفر عدة وعدداً، بقيادة محمد بن تاشفين ابن أخي يوسف، وحاصر بلنسية، وفي داخلها السيد، وذلك في أواخر سنة ٤٨٨ هـ. ولكن مقاومة السيد، ومن بعد وفاته مقاومة القشتاليين، استطالت بضعة أعوام، ولم يتمكن المرابطون من دخول بلنسية إلا في شهر شعبان سنة ٤٩٥ هـ (مايو سنة ١١٠٢ م) وذلك حسبما فصلناه من قبل تفصيلا شافياً في أخبار مملكة بلنسية. واستمرت الجيوش المرابطية في تقدمها شمالي بلنسية، نحو أراضي الثغر الأعلى، واستولت على إمارة شنتمرية الشرق في رجب سنة ٤٩٧ هـ (إبريل ١١٠٤ م)، وكانت قد استولت قبل ذلك على إمارة ألبونت الصغيرة. وفي سنة ٥٠٢ هـ (١١٠٩ م)، وعقب انتصار المرابطين في موقعة إقليش، سار جيش مرابطي بقيادة أبي عبد الله بن الحاج والي بلنسية، شمالا صوب سرقسطة، فدخلها، وأخرج منها بني هود، وبذلك تم للمرابطين فتح شرقي الأندلس والثغر الأعلى، وانتهت إمارات الطوائف كلها في تلك الأنحاء. وأما في غربي الأندلس، فإن المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس، شعر عقب استيلاء المرابطين على إشبيلية، أن الدائرة سوف تدور عليه، وكان قبل ذلك قد تقرب من عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، وبعث إليه برسالته المؤثرة التي أوردناها من قبل، يدعوه فيها لنصرة الأندلس. ولما استولى المرابطون على غرناطة ذهب مع المعتمد بن عباد لتهنئة أمير المسلمين، فاستقبلهما بجفاء، وانصرفا من لديه وقد شعر كلاهما بالخطر الداهم على مملكته. على أنه يبدو أن ابن الأفطس استطاع بعد ذلك أن يعمل على توثيق أواصر المودة مع المرابطين وكبيرهم الأمير سير بن أبى بكر فاتح إشبيلية وحاكمها. واستمرت هذه العلائق الودية قائمة نحو ثلاثة أعوام. ثم بدأ المرابطون الإغارة على أراضي مملكة بطليوس، وشعر المتوكل بتغير المرابطين نحوه واتجاههم إلى إزالته، ولم يجد أمامه إزاء هذا الخطر الداهم، طريقاً يسلكه سوى نفس الطريق الذي سلكه ابن عباد من قبل، وهو الاستغاثة بألفونسو السادس ملك قشتالة. وبذل ابن الأفطس لملك قشتالة ثمناً لحلفه ومعاونته، ثلاث مدن هامة من أملاكه، هي أشبونة، وشنترة، وشنترين. وقد كان لهذا التصرف وقع سىء، إذ انحرف

стр. 1069

أهل بطليوس عن المتوكل، وكتب أعيانهم إلى المرابطين يستدعونهم. وفي أوائل سنة ٤٨٨ هـ (أوائل ١٠٩٥ م)، بعث حاكم إشبيلية الأمير سير بن أبي بكر جيشاً إلى بطليوس لافتتاحها، فاخترق أراضي بطليوس بسرعة، ولم يتمكن ملك قشتالة من تقديم أية معاونة لحليفه المسلم، واضطر ابن الأفطس أن يمتنع بقصبة بطليوس المنيعة الضخمة. ولكن المرابطين اقتحموها بعنف، وقبضوا على المتوكل وولديه الفضل والعباس، واستولوا على أمواله المدفونة بالقصبة، بعد أن عذبوه لكشف مخابئها. واحتل المرابطون بطليوس، وأخذوا المتوكل وولديه بحجة تسييرهم إلى إشبيلية، ثم أعدموهم في الطريق (١). وكان للمتوكل ولد آخر هو المنصور، وكان قد بعثه ومعه معظم ذخائره إلى حصن منتانجش على مقربة من حدود قشتالة، ليمتنع فيه، فلما علم بما وقع لأبيه وإخوته، سار في أهله وأمواله إلى ملك قشتالة، والتجأ إلى حمايته، وأقام بأرضه، واعتنق النصرانية وفقاً لبعض الروايات (٢). وهكذا انتهت مملكة بطليوس بعد أن عاشت في ظل بني الأفطس خمسة وسبعين عاماً، وتم للمرابطين فتح غربي الأندلس كله، كما تم لهم من الناحية الأخرى فتح شرقي الأندلس. وقد أذكت محنة بني الأفطس، كما أذكت محنة بني عباد من قبل، فجيعة الشعر الأندلسي، ونظم في رثائهم ورثاء دولتهم وأيامهم، وزيرهم الكاتب والشاعر المبدع، أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، مرثيته الشهيرة، التي تعتبر من أجل المراثي الأندلسية وأروعها، وهذا مطلعها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة ... عن نومة بين ناب الليث والظفر ومنها: فلا تغرنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر ما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد العبر في كل حين لها في كل جارحة ... منا جراح وإن زاغت عن النظر

стр. 1070

تسر بالشىء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر كم دولة وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك من خبر ومنها في رثاء بني الأفطس: بني المظفر والأيام لا نزلت ... مراحل والورى منها على سفر سحقاً ليومكم يوماً ولا حملت ... بمثله ليلة في غابر العمر من للأسرة أو من للأعنة أو ... من للأسنة يهديها إلى الثغر من للبراعة أو من لليراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضرر ومنها: أين الجلال الذي غضت مهابته .. . قلوبنا وعيون الأنجم الزهر أين الإباء الذين أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر أين الوفاء الذي أصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدر كانوا رواسي أرض الله منذ مضوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر كانوا مصابيحها فمذ خبوا عثرت ... هذه الخليقة يا ألله في سدر (١) هذا وقد أجمل لنا مأساة الطوائف شاعر معاصر هو أبو الحسن جعفر بن ابراهيم المعروف بابن الحاج اللورقي في تلك الأبيات الثلاثة: كم بالمغارب من أشلاء مخترم ... وعاثر الجد مصبور على الوهن أبناء معن، وعباد، ومسلمة ... والحميريين باديس وذى النون راحوا لهم في هضاب العز أبنية ... وأصبحوا بين مقهور ومسجون (٢) وعلى أثر الاستيلاء على بطليوس، سارت حملة مرابطية إلى ثغر أشبونة، وكانت تحتله مذ نزل عنه المتوكل، حامية قشتالية بقيادة الكونت ريمون البرجوني صهر ألفونسو السادس، وهاجم المرابطون أشبونة بشدة واقتحموها، وقتلوا وأسروا معظم حاميتها النصرانية. وأعيد بذلك هذا الثغر الهام إلى حظيرة المملكة الإسلامية (نوفمبر سنة ١٠٩٤ م) (٣).

стр. 1071

ورد ملك قشتالة على ذلك بالقيام بغزوة جديدة لأراضي الأندلس. ففي سنة ٤٨٩ هـ (١٠٩٦ م) حشد ألفونسو السادس حملة ضخمة، وسار نحو قرطبة، فلما علم أن المرابطين هناك على أهبة شديدة لمدافعته، تحول عنها وسار إلى قرمونة وهي حصن إشبيلية الشرقي، فهاجمها واقتحم بسائطها فيما بينها وبين إستجة، واستولى على غنائم وفيرة وسبى جموعاً عظيمة، ثم اتجه صوب إشبيلية، وعاث في بسائطها، فامتنع أهل إشبيلية بمدينتهم ولم يخرجوا إلى قتاله حسبما كان يتوقع، فلما يئس من الاشتباك مع المسلمين، سارا في قواته وغنائمه صوب بطليوس ثم جاز إلى أراضي قشتالة عائداً إلى قواعده (١). - ٤ - لبث أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حيناً في سبتة، يعني بإمداد جيوشه الغازية في شبه الجزيرة، ويتلقى أنباء الفتوح المتوالية لقواعد الأندلس، ثم غادرها إلى مراكش، بعد أن اطمأن إلى نتائج أعمال البعوث والحملات المختلفة، وعهد بشئون الأندلس، إلى كبير قادته الأمير سير بن أبى بكر اللمتوني. ولم يعد يوسف إلى شبه الجزيرة إلا بعد ذلك بعدة أعوام في سنة ٤٩٦ هـ (١١٠٢ م) حيث جاز إليها جوازه الرابع. وفي رواية أخرى أن هذا الجواز الرابع وقع في سنة ١٠٩٧ م (٤٩١ هـ) (٢) وفي رواية ثالثة، وهي رواية ابن عذارى أنه وقع في سنة ٤٩٠ هـ (١٠٩٦ م). وكانت ممالك الطوائف كلها قد سقطت يومئذ في أيدي المرابطين، ما عدا سرقسطة، التي استولى عليها المرابطون بعد ذلك بأعوام قلائل، وآلت اسبانيا المسلمة كلها بذلك إلى سلطان البربر وغدت ولاية مغربية، وانهار سلطان العصبيات والأسر الأندلسية إلى حين، وتوارت العناصر والزعامات المتغلبة، لكي تظهر فيما بعد، وتضطلع ضد المرابطين بمختلف الحركات والثورات القومية الأندلسية. واتخذ جواز أمير المسلمين هذه المرة طابع الجهاد من جديد، فجهز جيشاً قوياً من المرابطين والأندلسيين بقيادة محمد بن الحاج. وسار هذا الجيش صوب

стр. 1072

طليطلة مخترقاً أراضي قشتالة، والتقى بالقشتاليين بقيادة ملكهم ألفونسو على مقربة من كونسويجرا، فهزم النصارى هزيمة فادحة، وفر ألفونسو في فلوله نحوكونسويجرا والتجأ إليها، فحاصره المرابطون بها بضعة أيام ثم انصرفوا (أغسطس سنة ١٠٩٧ م). وقصد يوسف إلى قرطبة، لينجز المهمة التي قدم في الواقع من أجلها إلى الأندلس، وهي أخذ البيعة لولده أبي الحسن علي. وكان قد استقدمه معه هو وأخوه الأكبر أبو الطاهر تميم (١)، وكان يوسف قد آثر ولده علياً بولاية عهده، لما آنسه فيه من الورع والنباهة والحزم، وأصدر له عهده بذلك في سنة ٤٩٥ هـ. وفي شهر ذي الحجة من سنة ٤٩٦ هـ جمع يوسف بقرطبة أمراء لمتونة وأشياخ المرابطين والفقهاء، وأخذ البيعة عليهم جميعاً لولده علي، وكان من شروط تقديم علي لولاية العهد، أن ينشىء بالأندلس جيشاً مرابطياً ثابتاً قوامه سبعة عشر ألف فارس، موزعة على قواعد الأندلس، منها سبعة آلاف بإشبيلية، وألف بكل من قرطبة وغرناطة، وأربعة آلاف في شرقي الأندلس، ويوزع الباقي على الثغور (٢). وكان من الواضح أن اختيار يوسف قرطبة لأخذ البيعة بها لولده، يمت بصلة وثيقة إلى صفة عاصمة الخلافة القديمة، وزعامتها الأدبية السالفة لقواعد الأندلس. وفي أواخر سنة ٤٩٨ هـ، مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بقصره بحضره مراكش، واستمر عليلا زهاء عام وشهرين، حتى توفي في مستهل شهر محرم سنة ٥٠٠ هـ (٢ سبتمبر ١١٠٦ م) (٣). وقيل بل توفي في ربيع الآخر سنة خمسمائة. وكانت وفاته بقصره بمراكش، ومن حوله ولداه أبو الحسن علي وأبو الطاهر تميم، وأكابر لمتونة، ودفن بالقصر، وأوصى ولده علياً قبيل وفاته بثلاثة أمور، الأول ألا يفعل شيئاً لإثارة أهل جبل درن ومن وراءه من المصامدة وأهل القبلة، والثاني أن يهادن بني هود أمراء سرقسطة وأن يتركهم حائلا بينه وبين النصارى، والثالث أن يعطف على من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم (٤).

стр. 1073

وهكذا اختتمت حياة البطل المغربي العظيم، بعد أن عاش زهاء مائة عام، وقضى في الزعامة والكفاح زهاء نصف قرن، مذ ندبه ابن عمه الأمير أبو بكر اللمتوني لقيادة الجيش المرابطي، وقضى في حكم الدولة المرابطية الكبرى بالمغرب مذ دخل مدينة فاس في سنة ٤٦٢ هـ، نحو أربعين عاماً، وحكم الإمبراطورية المغربية الأندلسية الكبرى نحو خمسة عشر عاماً، واضطلع في المغرب بحروب ومعارك لا حصر لها، وقاد الجيوش المرابطية بالأندلس مراراً من أجل الجهاد في سبيل الله، وأحرز أعظم انتصاراته في معركة الزلاّقة الحاسمة، وهي بلا ريب ألمع صفحات جهاده وأنصعها. وقد تناولنا خلال يوسف وصفاته فيما تقدم من سيرته، ونزيد هنا أنه لم يصم حياة يوسف المديدة، ولم يثر سحباً حول خلاله العظيمة، سوى ما جنح إليه من قسوة بالغة في معاملة أمراء الأندلس، وهو ما سبق أن عرضنا إليه.

стр. 1074

الكِتابُ السابع الممالك الإسبانية النصرانيّة خلال القرن الحادي عشر الميلاديّ

стр. 1075

الفصل الأوّل المملكة الإسبانية الكبرى في عهد سانشو الكبير وولده فرناندو الأول الممالك الإسبانية في أواخر القرن العاشر. نافار وليون وقشتالة. سانشو الكبير يحتل قشتالة. ولده فرناندو أول ملوكها. ألفونسو الخامس ملك ليون. ولده برمودو الثالث. استيلاء سانشو الكبير على ليون. مصرع برمودو الثالث. استيلاء فرناندو على ليون. تقسيم المملكة النصرانية بعد وفاة سانشو. الحرب بين راميرو ملك أراجون وأخيه غرسية ملك نافار. غرسية يحاول اغتيال فرناندو ملك قشتالة. إنتقام فرناندو. الحرب بين الأخوين. هزيمة غرسية ومقتله. تعيين ولده سانشو مكانه. إنهيار الأندلس الكبرى وقيام الطوائف. تحول ميزان القوى في شبه الجزيرة. ضعف دول الطوائف. تنافسها في استعداء الملوك النصارى. تفوق اسبانيا النصرانية ونهوض سياسة الإسترداد. غزو فرناندو الأول لولاية البرتغال. حصار بازو وسقوطها. سقوط لاميجو. تهديد شنترين. غزو فرناندو لمنطقة وادي الحجارة. المأمون بن ذى النون يسترضيه بالمال والخضوع. غزو فرناندو لمملكة إشبيلية. خضوع ابن عباد وتعهده بالجزية. موافقته على نقل رفات القديسين النصارى. مسير فرناندو لغزو قلمرية. حصارها وسقوطها. الكونت سسنندو يتولى حكمها. مسير فرناندو إلى بلنسية وموقعة بطرنة. مرض فرناندو ووفاته. تلقبه بالإمبراطور. أعماله الإنشائية. مجلس جويانسا. قوانينه الكنسية والدستورية. تنويه الرواية النصرانية بخلال فرناندو وعظمته. مضينا فيما تقدم، في تاريخ المالك الإسبانية النصرانية، حتى نهاية القرن العاشر الميلادي، أعني حتى نهاية عهد المنصور بن أبي عامر، ونحاول الآن أن نتتبع تاريخ هذه الممالك خلال القرن الحادي عشر الميلادي، أعني خلال الحقبة التي شهدت سقوط الخلافة الأندلسية، وانهيار الأندلس الكبرى، وانتثارها إلى دول الطوائف. ثم سيرة الطوائف منذ قيامها حتى مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة، وانهيار هذه الدول الإسلامية الصغيرة. كانت الممالك الإسبانية النصرانية في أواخر القرن العاشر الميلادي ثلاثاً، وهي نافار (نبرّة)، ويحكمها غرسية سانشيز، ولد سانشو غرسية الثاني. وكانت نافار يومئذ أكبر الممالك النصرانية رقعة، إذ كانت تشمل فضلا عن الوطن الأصلي نافار، ولايات كنتبريا، وسوبرابي، ورباجورسا. ولما توفي

стр. 1076

غرسية سانشيز، في سنة ١٠٠٠ م، بعد حكم دام خمسة أعوام، خلفه في الحكم ولده سانشو الثالث الملقب بالكبير. ومملكة ليون، وكان يحكمها برمودو الثاني منذ سنة ٩٨٢ م، واستمر في حكمها بالرغم من مناوأة أخيه راميرو, ومحاربته له، حتى توفي في سنة ٩٩٩ م، وخلفه في الحكم ولده ألفونسو طفلا، وتولى الوصاية عليه الكونت مننديث كونثالث، أحد أشراف المملكة. ومملكة قشتالة. وكانت ما تزال في مرتبة " الكونتية " أو الإمارة، وكان على حكمها غرسية فرناندز ولد بطلها ومحررها فرنان كونثالث (١). ولما توفي في سنة ٩٩٥ م، خلفه ولده سانشو غرسية فحكم حتى سنة ١٠٢١ م، ثم خلفه ولده غرسية. حدث أن قصد غرسية إلى ليون ليتم عقد زواجه بأخت ملكها برمودو الثالث، فقتل غيلة خلال وجوده بالكنيسة أثناء مراسيم الزواج (١٠٢٨ م) وقتله أبناء الكونت فيلا، وهو أحد أشراف قشتالة الذي نزعهم غرسية أملاكهم. وبمصرع غرسية انقطع نسل أسرته، وترتب على ذلك تغييرات عظيمة في مصاير الممالك الإسبانية. ذلك أن سانشو الكبير ملك نافار كان متزوجاً من إلبيرة أخت غرسية، ابنة سانشو غرسية أمير (أو كونت) قشتالة، فلما لقى الكونت غرسية مصرعه في ليون، بادر سانشو إلى قشتالة، فاحتلها بصفته وارثاً لعرشها عن طريق زوجته، وندب لحكمها ولده فرناندو. وأسبغ عليه لقب الملك، فكان أول ملوك قشتالة. وتلقب هو بملك اسبانيا، وانتقم من آل فيلا قتلة غرسية، فأحرقهم أحياء، بالرغم من كونه جنى ثمار جريمتهم بامتلاك قشتالة. وحكم ألفونسو الخامس مملكة ليون حتى وفاته في سنة ١٠٢٧ م، وغزا أراضي المسلمين المجاورة في شمالي البرتغال، وافتتح بعض نواحيها، وحاصر مدينة بازو، وأصيب خلال ذلك بسهم مسموم قذفه به أحد الرماة المسلمين، فتوفي متأثراً بجراحه. وكان أشهر أعماله عقد المجلس الدستوري في سنة ١٠٢٥ م، وفيه وضعت قوانين المملكة التأسيسية، وأصبح العرش وراثياً. ولما توفي خلفه ولده برمودو الثالث. وكان فرناندو ملك قشتالة، قد تزوج من ابنة ألفونسو

стр. 1077

أخت برمودو، بيد أن هذه المصاهرة لم تفعل شيئاً لتوثيق علائق المملكتين، وبالعكس فإن سانشو الكبير وولده فرناندو، كانا يريان في تلك المصاهرة وسيلة لانتزاع عرش ليون. على أن سانشو لم ينتظر سير الحوادث لتحقيق هذا الاحتمال، بل سار في قواته إلى ليون وافتتحها، وأعلن نفسه ملكاً عليها، وفر برمودو ليرقب الفرص لاسترداد عرشه. ولما توفي سانشو الكبير ملك نافار، أوملك اسبانيا، في سنة ١٠٣٥ م, استطاع برمودو أن يسترد جزءاً من أملاكه وأن يقيم بلاطه، وثارت بينه وبين صهره فرناندو ملك قشتالة الحرب، واستمرت مدى عامين، ثم كان اللقاء الحاسم بينهما في موقعة تامارون في سنة ١٠٣٧ م وفيها لقى برمودو مصرعه. ونظراً لوفاته دون عقب، فقد استولى فرناندو على مملكة ليون بحكم المصاهرة والوراثة، وغدا ملكاً على مملكة قشتالة وليون الموحدة. وانتهى بمقتل برمودو الثالث نسل ملوك اسبانيا النصرانية، منذ أيام القوط، ومذ قامت مملكة أشتوريش وجلِّيقية وليون في أواخر القرن الثامن الميلادي، كما انتهى من قبل نسل أمراء قشتالة. - ١ - وكان سانشو الكبير، قد قسم المملكة قبيل وفاته، بين أبنائه الأربعة، فخص فرناندو كما هو بملك قشتالة وليون وجليقية، وغرسية أكبر أولاده بالوطن الأصلي نافار، ممتداً من غرب البرنيه إلى منابع الإيبرو، وخص ولده غير الشرعي، راميرو، برقعة ضيقة تمتد بحذاء نافار من باب شيزروا جنوباً. وتسمى بمملكة أراجون، وولده كونزالو، بمنطقة صغيرة أخرى في أواسط البرنيه، وهي ولاية سوبرابي ورباجرسا. وهكذا غدت الممالك الإسبانية النصرانية، بهذا التقسيم أربعاً، وهذا عدا إمارة برشلونة الفرنجية الواقعة في شمال شرقي إسبانيا، وقد كان يحكها رامون برنجير الأول عميد آل برنجير. وكان من جراء هذا التقسيم أن بدأت سلسلة جديدة من الحروب الأهلية بين الملوك الإخوة، وبدأت الحوادث باختفاء مملكة سوبرابي الصغيرة. ذلك أن أميرها كونزالو قتل غيلة أثناء عوده من الصيد (١٠٣٨ م)، فاختار

стр. 1078

أهل سوبرابي أخاه راميرو أمير أراجون، ليخلفه في حكم الولاية، وبذا اتحدت الإمارتان في مملكة واحدة، ولم يعارض راميرو أحد من إخوته، إذ كان فرناندو ملك قشتالة مشغولا بتنظيم مملكته الكبيرة وتقويتها، وكان غرسية ملك نافار، غائباً يحج إلى رومة، وفضلا عن ذلك فقد كان شعب سوبرابي هو الذي اختار راميرو وآثره. يقول المؤرخ لافونتي: " وكأنما كان روح الطمع والحسد والمنافسة، متأصلا في أسرنا الملوكية، ولم يفعل سانشو الكبير بتقسيم المملكة سوى أن زاد جراثيم الشقاق والموت " (١). ذلك أن راميرو لم يقنع بالاستيلاء على ولاية سوبرابي، بل أخذ يطمح إلى الاستيلاء على مملكة نافار نفسها. ولما كانت موارده وأهباته قاصرة عن تحقيق مشروعه الكبير، فقد عقد مع جاره المسلم ابن هود أمير سرقسطة، حلفاً أمده بمقتضاه ببعض قواته، ثم زحف راميرو في قواته المتحدة من النصارى والمسلمين إلى نافار، واقتحم حدودها فجأة، ولكن قلعة تافالا اعترضت سيره المظفر. ولم يكن غرسية يتوقع من أخيه مثل هذا الاجتراء، فحشد قواته على عجل، خلال الوقت الذي استغرقه حصار القلعة، وسار إلى تافالا، فانقض بقواته على الجيش المغير تحت جنح الظلام، وكانت مفاجأة أخذ بها الأرجونيون، فساد بينهم الاضطراب، ومزقت صفوفهم قبل أن يستعدوا للقتال ولم يتمكن راميرو من الخلاص إلا بصعوبة ففر ناجياً بنفسه مع نفر من صحبه، وأبيد معظم جيشه قتلا وأسراً، وقتل كذلك معظم حلفائه المسلمين، ووقعت هذه الموقعة الحاسمة فيما يبدو سنة ١٠٤٢ م. ولجأ راميرو إلى شعب الجبال الوعرة في سوبرابي خشية المطاردة، بيد أن غرسية قنع فيما يبدو بنصره والقضا على جيش أخيه، ولم يحاول مطاردته داخل بلاده، وأنفق راميرو بضعة أعوام في تنظيم شئونه، والنهوض من عثرته، وأنشأ جيشاً جديداً، وسوف نراه فيما بعد يخوض معترك الحوادث مرة أخرى. ثم اتخذت الحوادث وجهة أخرى، وانتقل ميدان الصراع إلى الجانب الآخر من اسبانيا النصرانية بين نافار وقشتالة. وكان غرسية ملك نافار، وهو أكبر

стр. 1079

إخوته، ينظر بعين الغيرة والحسد إلى فوز أخيه الأصغر فرناندو بحكم هذه المملكة العظيمة الشاسعة، مملكة قشتالة وليون، ويرى أنه أحق بملكها وأجدر، وكان يعول في تحقيق أمنيته على وسائل الغدر والغيلة، ولم يكن فرناندو في البداية يشك في ولاء أخيه أو صدق نياته، لاسيما وقد حارب إلى جانبه في معركة تامارون ضد برمودو ملك ليون، ومن ثم فقد وضع غرسية، مشروعه لاغتيال أخيه، وذلك بأن تظاهر بالمرض، وبعث إلى أخيه يبلغه أنه مريض على فراش الموت. وأنه يرجو رؤيته للمرة الأخيرة، فبادر فرناندو إلى تلبية هذه الرغبة، بيد أنه قد نمى إليه خلال سيره، حقيقة الكمين الذي دبر لاغتياله، فارتد مسرعاً إلى برغش، وقد أضمر لأخيه الغادر أسوأ النيات. ولم يفطن غرسية إلى أن أخاه قد وقف على حقيقة أمره. ثم جاء دور فرناندو في تدبير الانتقام من أخيه، فدعاه إلى زيارته في برغش بعد ذلك بأعوام قلائل، فسار إليه غرسية دون أية ريبة، ولكنه ما كاد يصل إلى أراضي قشتالة، حتى قبض عليه وزج إلى إحدى القلاع، بيد أنه لم يفقد شجاعته، ولم يلبث أن استطاع الفرار من معتقله، فعاد إلى نافار، معولا على الانتقام. وهنا لم يكن مناص من وقوع الحرب بين الأخوين، وقد بدأ غرسية بالفعل بالإغارة على أراضي قشتالة ولم يلتفت إلى تحذير أخيه. ثم اعتزم أن يحاول الضربة الحاسمة. فعقد حلفاً مع أخيه وعدوه القديم راميرو وحشد كل ما استطاع من الجند والعدة، وأمده حليفه المقتدر بن هود صاحب سرقسطة بفرقة من جنده. ونفذ بجيشه القوي إلى أراضي قشتالة، واثقاً في شجاعة جيشه. وكان أخوه فرناندو في تلك الأثناء يحشد من جانبه سائر قواته من قشتالة وليون. واستمر غرسية في سيره حتى وصل إلى سهل أتابوركا، الواقع على مقربة من شرقي برعْش، وحاول فرناندو مرة أخرى أن يجتنب الحرب مع أخيه، فبعث إليه اثنين من كبار الأحبار، يحاولان إقناعه بعقد الصلح وحقن الدماء، فصرفهما غرسية بخشونة. وفي فجر اليوم الأول من سبتمبر سنة ١٠٥٤ م، اشتبك الجيشان في معركة عنيفة، وقاتل غرسية بشجاعة فائقة، بيد أن الخلل ما لبث أن دب إلى جيشه، إذ غادرته عدة كبيرة من الفرسان الناقمين إلى المعسكر الآخر، وشن فرسان ليون في نفس الوقت على النافاريين هجوماً عنيفاً، وأصابت غرسية،

стр. 1080

وهو يقاتل في قلب المعمعة طعنة قاتلة، فسقط من جواده وأسلم الروح في الحال، بين يدي كاهنه، فانتثر شمل النافاريين، وركنوا إلى الفرار، وأغضى فرناندو عن مطاردتهم، وقصر أمر المطاردة على حلفائهم المسلمين، فمزقوا قتلا وأسراً. وأمر فرناندو بأن يحمل جثمان أخيه بمنتهى التكريم، وأن يدفن في ناجرة في الكنيسة التي أنشأها هناك، وأعلن في الحال اختيار ولده الصبي سانشو مكانه ملكاً على نافار، وأعلن الملك الجديد من جانبه طاعته لعمه الظافر، الذي شاء أن يبقى له على تراث أبيه، ولم يقتطع فرناندو شيئاً من أراضي نافار سوى بعض النواحي الواقعة على ضفة الإيبرو اليمنى (١). - ٢ - في الوقت الذي كانت فيه الممالك الإسبانية النصرانية تضطرم على هذا النحو بنار الحرب الأهلية، ويسقط ملوكها الأصهار والإخوة صرعى خلافهم وأطماعهم، كانت اسبانيا المسلمة من جانبها قد استحالت إلى أشلاء ممزقة، وقامت بها أكثر من عشرين دولة من دول الطوائف. وبينما كانت الخلافة تحتضر في قرطبة وتتردد أنفاسها الأخيرة بين الشريدين من بني أمية، وبين المتوثبين من بني حمود، كان أمراء الطوائف ومعظمهم حديث عهد بالرياسة والسلطان، يضطرمون بأطماعهم الوضيعة، ويجعلون بمنازعاتهم وحروبهم الأهلية الصغيرة، من الأندلس مسرحاً لفتنة غامرة لا يخبو أوارها ولا يستقر قرارها، والواقع أن المصير الذي تردت فيه الأندلس الكبرى على يد الطوائف وحروبهم الانتحارية، كان أتعس بكثير مما انحدرت إليه اسبانيا النصرانية من حروب أهلية محدودة النطاق والمدى، ولم تلبث أن أسفرت عن تماسك المملكة النصرانية، ووحدتها ونهوضها. ولقد كان من رحمة القدر فقط. أن أتيح لهذه الدويلات الإسلامية الصغيرة أن تحتفظ بحياتها، وأن شغلت عدوتها الخالدة اسبانيا النصرانية عن مطاردتها والقضاء عليها، بخلافاتها وحروبها الداخلية في تلك الفترة، أعني في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي. منذ بدإية هذا القرن، حدث في شبه الجزيرة انقلاب حاسم في ميزان

стр. 1081

القوى السياسية والعسكرية، فبعد أن كانت اسبانيا المسلمة، منذ أيام الناصر حتى نهاية عهد المنصور، تحتفظ بتفوقها العظيم على اسبانيا النصرانية، وتكاد تخضعها لصولتها، ويترامى ملوكها على أعتاب الخلافة القرطبية، ويؤدون لها الجزية في معظم الأحيان، إذا بها بعد انهيار الخلافة، وقيام دول الطوائف الهزيلة المتنابذة، تفقد كل منعة وكل مقدرة حقيقية على الدفاع، ويتسابق ملوكها إلى خطب ود الملوك النصارى، والالتجاء إليهم، واستعدائهم على محاربة بعضهم البعض. وقد كان الملوك النصارى، يبادرون إلى انتهاز هذه الفرص، حتى في فترات ضعفهم وتفرقهم، ويتخذونها وسيلة للتفوق العسكرى، والغنم المادي. وقد بدأت سياسة الاستعداء هذه للملوك النصارى منذ بداية الفتنة ذاتها، حيث نرى الأحزاب المتنافسة على اجتناء سلطان الخلافة، تستمد عون النصارى، على نحو ما فعل الفتى واضح ومحمد بن هشام المهدي في الاستنصار بأمير برشلونة، وسليمان بن الحكم والبربر، في استدعاء سانشو غرسية أمير قشتالة. على أن هذا التنافس في استعداء الملوك النصارى، والاستعانة بهم، يتسع نطاقه تباعاً، ويغدو على يد ملوك الطوائف، حسبما رأينا في أخبارهم، ضرورة سياسية وعسكرية يلجأون إليها بطريقة مستمرة منتظمة. وقد استغل الملوك النصارى هذه الظاهرة أعظم استغلال، حتى غدا ملوك الطوائف، في الواقع آلات مسخرة في آيديهم، ووصل هذا الإذلال إلى ذروته، حسبما رأينا، على يد ألفونسو السادس ملك قشتالة. على أن ذلك لم يكن دون تمهيد من جانب القوة المادية، فقد استطاعت إسبانيا النصرانية، أن تمهد لتفوقها السياسي والعسكري في شبه الجزيرة، منذ أواسط القرن الحادي عشر، بسلسلة من الغزوات والفتوحات العظيمة، التي تبلورت على أثرها سياسة الاسترداد الإسبانية La Reconquista، وغدت ظاهرة قوية وعاملا حاسماً، في ميدان الصراع بين اسبانيا المسلمة وبين اسبانيا النصرانية. وقد بدأت هذه السياسة على يد فرناندو الأول ملك قشتالة وليون، وهو الذي تعرفه الرواية الإسلامية بفرذلند، فإنه ما كاد ينتهي من الصراع الداخلي ْالذي نشب بينه وبين إخوته، حتى تأهب لغزو أراضي المسلمين. وفي سنة ١٠٥٧ م، عبر في قواته نهري دويرة وتورمس، ونفذ إلى ولاية لوزيتانيا

стр. 1082

(شمالي البرتغال)، وهي قاصية أراضي المسلمين من الشمال الغربي، وكانت هذه المنطقة المنعزلة النائية تابعة لمملكة بطليوس، بيد أنها كانت لبعدها تكاد تكون مستقلة بشئونها، وتعتمد في الدفاع على نفسها، فاجتاحها فرناندو وعاث فيها، واستولى على بعض الحصون، ثم قصد إلى مدينة بازو Vizeu، وضرب حولها الحصار. فدافع عنها أهلها المسلمون أشد دفاع وأعنفه، وأبدى الرماة المسلمون، كما أبدوا من قبل أيام أن حاصرها ألفونسو الخامس، براعة عظيمة في إصابة العدو، حتى اضطر النصارى إلى ارتداء دروع مثلثة، واضطر فرناندو إلى إنشاء فرقة من حملة المقالع، وانتهى القشتاليون بأن اقتحموا المدينة بمنتهى العنف، وأمعنوا في أهلها قتلا وأسراً. وكان من بين الأسرى، ذلك الرامي الماهر، الذي أصاب بسهمه المسموم ألفونسو الخامس من قبل ذلك بثلاثين عاماً، فأمر فرناندو به فسملت عيناه وقطعت يداه ورجلاه، وعذب حتى أسلم الروح. ثم سار فرناندو بعد ذلك إلى لاميجو (لميقة) الواقعة شمال بازو، وكانت حصينة عالية الأسوار، فاقتحمها واستولى عليها بعد ذلك ببضعة أشهر، وقتل معظم أهلها وأسرهم، واسترق الأسرى من أهل المدينتين، وأسكن بهما النصارى. ولم يتحرك ابن الأفطس صاحب بطليوس، وهو صاحب السيادة على تلك الأنحاء، ليقينه باستحالة الدفاع عنها، وذلك حسبما أشرنا إليه من قبل في أخبار مملكة بطليوس. وقد سبق أن أشرنا كذلك فيما تقدم إلى الحملة التي بعث بها فرناندو ضد مدينة شنترين الواقعة في شمالي أشبونة على نهر التاجه، وكيف اضطر ابن الأفطس عندئذ إلى أن يتعهد بأن يدفع إلى قشتالة جزية قدرها خمسة آلاف دينار. وكان فرناندو يطمح إلى أن يخضع ملوك الطوائف جميعاً، ولاسيما ابن عباد وابن ذى النون، وهما يومئذ أقوى أولئك الملوك وأعظمهم شأناً. ومن ثم فقد خرج في جيشه في سنة ١٠٦٢ م، إلى انحاء مملكة طليطلة الشمالية الشرقية، وأغار على مدينة سالم، وأوسيدا، وطلمنكة، ووادي الحجارة، وقلعة النهر (ألكالا دي هنارس) وعاث في بسائطها تخريباً وسبياً. فاستغاث أهل هذه الأنحاء بالمأمون ابن ذى النون صاحب طليطلة، وجمع المأمون مقادير كبيرة من الذهب والفضة والأقمشة الفاخرة، وسار بنفسه إلى معسكر الملك النصراني، وقدم إليه الهدايا،

стр. 1083

وأعلن اعترافه بطاعته، وتعهده بأداء الجزية، فقبل فرناندو المال والعهد، وعاد مثقلا بالغنائم والتحف. وفي العام التالي، خرج فرناندو فأغار على أراضي مملكة إشبيلية، وخرب بسائطها، واضطر المعتضد بن عباد، أن يحذو حذو المأمون، وأن يقصد إلى فرناندو ومعه هدية جليلة من الأموال والتحف، يناشده المودة والسلم، على أن يؤدي له الجزية، فأجابه فرناندو إلى رغبته، وطلب إليه أن يمكنه من نقل رفات القديسة خوستا، وكانت هذه القديسة قد استشهدت أيام الإمبراطور دقلديانوس ودفنت في إشبيلية، فوعد ابن عباد بتحقيق رغبته، وأرسل فرناندو إلى إشبيلية بعثة من أكابر رجال الدين للقيام بهذه المهمة، ولكنها لم تستطع الاهتداء إلى قبر هذه القديسة، وعندئذ زعم أحد أعضائها، وهو الأسقف ألفيتو، أنه قد ظهر له القديس إسيدورو، وقد كان من أساقفة إشبيلية أيام القوط، وقال له إن رفات القديسة خوستا يجب أن تبقى في مكانها لحماية إشبيلية، وعرض أن تحمل رفاته هو، وكشف عن مكان وجودها، ووجدت بالفعل رفات هذا القديس في المكان المحدد، فحملت إلى ليون ودفنت هنالك باحتفال فخم، في الكنيسة التي سميت من ذلك التاريخ باسمه، أعني بكنيسة سان إسيدورو، وكان ذلك في أوائل ديسمبر سنة ١٠٦٥ م (١). وكان فرناندو على أثر إخضاعه لملوك بطليوس وطليطلة وإشبيلية لصولته، وأرغامهم على دفع الجزية، قد وضع خطته للاستيلاء على مدينة قُلُمرية، وهي أعظم القواعد الإسلامية، في شمال غربي البرتغال، بيد أنه رأى قبل مسيره أن يستمد العون والبركة، من القديس ياقب، فقصد إلى مزاره بشنت ياقب، وقضى به ثلاثة أيام في صلوات ودعوات وخشوع، ثم سار إلى قلمرية في جيش ضخم، وضرب حولها الحصار (يناير سنة ١٠٦٤ م). وقد سبق أن عرضنا إلى حصار قلمرية، وأشرنا إلى ما تقصه الرواية الإسلامية، من أن راندة، قائد الحامية الإسلامية، غادر المدينة سراً مع أهله بتفاهم مع فرناندو، وأن ابن الأفطس قضى فيما بعد بإعدامه جزاء له على خيانته، وترك ابن الأفطس قلمرية إلى مصيرها كما فعل بالنسبة لبازو. بيد أن أهل قلمرية دافعوا عن أنفسهم

стр. 1084

أشد دفاع. واستمر الحصار حولها زهاء ستة أشهر، حتى نضبت أقوات الجيش المحاصر نفسه، وكاد يرفع الحصار. ولكن رهبان دير لورفان القريب، أمدوه بمؤنهم المخزونة في الجبال. وأخيراً نجح القشتاليون في إحداث عدة ثغرات في أسوار المدينة، واضطر قائد المدينة إلى طلب الأمان، واتفق على أن يسمح لأهلها بأن يخرجوا مع نسائهم وأولادهم، تاركين أموالهم للفاتح، ولكن الجند المدافعين رفضوا هذا الاتفاق، واستمروا في الدفاع حتى نفدت سائر الأقوات، وعندئذ اقتحم القشتاليون المدينة، وأسروا من المدافعين، ومن أهل المدينة، أكثر من خمسة آلاف، ودخل فرناندو قلمرية في اليوم الحادي عشر من يوليه، ومعه الملكة دونيا سانشا، ورهط من الأساقفة ورجال الدين (١). وعهد بحكم المدينة إلى رجل كان له فيما بعد شأن في صوغ السياسة القشتالية نحو الطوائف، هو الكونت المستعرب سسنندو دافيدس، الذي تعرفه الرواية الإسلامية بششنند. وكان حسبما أسلفنا في أخبار مملكة إشبيلية من أهل هذه المنطقة، وأسر في حداثته في غارة قام بها القاضي ابن عباد ضد ابن الأفطس، وربى في البلاط العبادي وأعجب المعتضد فيما بعد بمواهبه، وقربه واستخدمه في السفارة بينه وبين فرناندو، ثم غادر إشبيلية بعد ذلك، والتحق بخدمة البلاط القشتالي (٢)، وقربه فرناندو وأولاه رعايته لما كان عليه من معرفة تامة باللغة العربية، والدين الإسلامي، وأحوال المسلمين وعاداتهم. فحكم سسنندو قلمرية بكفاية، ونال احترام النصارى، والمسلمين على السواء، وكان يلقب عندئذ " بالوزير " على النمط الإسلامي، وفي عهده نمت قلمرية، وأنشئت بها عدة صروح فخمة. وفي بعض الروايات أن سسنندو لم يكن حاكماً لطليطلة على أثر افتتاحها، حسبما تقدم ذكره في موضعه، وأنه بالعكس استمر حاكماً لإقليم قلمرية حتى توفي سنة ١٠٩١ م (٣). وتضع الرواية الإسلامية تاريخ سقوط قلمرية في سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) متفقة في ذلك مع الرواية النصرانية، بيد أنها تختلف معها في بعض التفاصيل. وقد سبق أن عرضنا فيما تقدم من أخبار مملكة بطليوس، إلى أقوال الرواية

стр. 1085

الإسلامية (١) وأشرنا إلى ما عمد إليه فرناندو من إجلاء سائر المسلمين عن الأراضي الواقعة في شمال البرتغال بين نهري منهو ودويرة. ونحن نعرف مما تقدم في أخبار مملكة بلنسية، أن فرناندو، خرج في قواته في أوائل سنة ١٠٦٥ م، أعني بعد استيلائه على قلمرية ببضعة أشهر، قاصداً إلى بلنسية، يبغى افتتاحها، وأنه اخترق في طريقه أراضي مملكة سرقسطة الجنوبية، وعاث فيها معاقبة لأميرها المقتدر بن هود لتخلفه عن دفع الجزية، ثم ضرب الحصار حول بلنسية. ولكنه لما رأى صعوبة الاستيلاء عليها نظراً لمناعة أسوارها، وأهبة أهلها، تظاهر بمغادرتها، وانسحب بقواته إلى مكان قريب منها. وعندئذ خرج البلنسيون دون تحوط، وفاجأهم القشتاليون في بطرنة وهزموهم هزيمة شنيعة حسبما فصلنا ذلك في موضعه. وكان فرناندو قد شعر حينئذ بالمرض، فآثر العودة إلى ليون، وهنالك احتفل بدفن رفات القديس إسيدورو في أوانل ديسمبر. وكان في الواقع مرض موته، ذلك أنه لم تمض أيام قلائل على ذلك، حتى توفي في السابع والعشرين من ديسمبر سنة ١٠٦٥، ودفن في نفس الكنيسة التي دفن فيها القديس، والتي غدت من ذلك الحين مدفناً لملوك قشتالة. وكان فرناندو الأول من أعظم ملوك اسبانيا النصرانية، وفي عهده أحرزت اسبانيا النصرانية تفوقها الواضح على اسبانيا المسلمة، ومهد حكمه الملىء بالوقائع المظفرة لمجد الملوك اللاحقين، وقد أسبغت عليه الرواية لقب الكبير El Magno، وكان يسمى نفسه بالإمبراطور، ويدعي لنفسه مركز التفوق والسيادة على ملكي نافار وأراجون. وفي عهده اتسعت رقعة مملكة قشتالة اتساعاً عظيماً، ودفعت حدودها إلى الجنوب والشرق والغرب على حساب المملكة الإسلامية، واقتطعت منها كثيراً من البلاد والحصون. وقد كانت غزواته، بالرغم مما ينسب إليه من التقى والورع، تتسم بنزعة دموية مروعة، تبدو واضحة في قسوته وفظاعته في معاملته المدنيين من أهل البلاد الإسلامية المفتوحة، وسفك دمائهم دون تمييز ولا حرج، واسترقاقهم جملة. وقد اشتهر فضلا عن غزواته وفتوحه المظفرة، بأعماله الإنشائية والدستورية، فقد جدد مدينتي ليون وسمورة،

стр. 1086

وكانتا قد خربتا منذ غزوات المنصور بن أبي عامر. وأنشأ في ليون عدة صروح وكنائس فخمة، ما زالت تزدان بها حتى اليوم. وفي سنة ١٠٥٠ م، دعا إلى عقد اجتماع كنسي تأسيسي في " جويانسا " اعتبر في نفس الوقت مجلساً نيابياً "كورتيس "، وشهدته الملكة والأشراف والأساقفة، وصدرت عنه عدة أصول كنسية ودستورية، كان لها أكبر الأثر في صوغ النظم التأسيسية لمملكة قشتالة ْفيما بعد. ومنها أن يُعمل في جميع الكنائس والأديار بدعوة القديس بندكت، وأن يحرم على رجال الدين حمل السلاح والزواج، أو شهود مآدب الزواج. وحصلت الكنيسة على امتيازات كثيرة، منها أنه لا يمكن الاستيلاء على أملاكها بالتقادم، وأن المتهم بجريمة ما، إذا صار على قيد ثلاثين خطوة من عتبة الكنيسة، أضحى تحت حماية القضاء الكنسي، وهو أثر من آثار التشريعات القوطية القديمة، وأن القوامس (الكونتات) يجب عليهم هم ونوابهم في القضاء الجنائي، أن يحرصوا على تحري العدالة والحق، وفقاً لأحكام الشرائع القوطية، وأن تطبق في مملكة ليون قوانين ألفونسو الخامس المسماة Buenos Fueros ( القوانين الطيبة) وفي مملكة قشتالة لوائح سانشو المسماة Benefactorias وأن يقضي على المجرمين والعصاة بفقد الشرف والمناصب وبالنفي من الكنسية، وصدرت كذلك عدة لوائح للتمييز بين النصارى والمسلمين واليهود الذين يقيمون في المملكة (١). وتنوه التواريخ الإسبانية بخلال فرناندو، وعظمة عهده، ومقدرته كسياسي ومحارب، وتنوه بالأخص بتقواه وورعه. وفائق رعايته للكنيسة، وشغفه بإنشاء الكنائس والأديار وتجميلها، والإغداق عليها، واهتمامه بنقل رفات القديسين من أراضي المسلمين إلى الأراضي النصرانية، وهي ترى على العموم أن مملكة قشتالة وليون المتحدة، قد وصلت في عهده إلى درجة من الاستقرار والأهمية والتفوق، لم تصل إليها من قبل قط (٢).

стр. 1087

الفصل الثانِي إسبانيا النصرانية عقب وفاة فرناندو الأول ألفونسو السادس وبداية عهد الإسترداد تقسيم فرناندو للمملكة بين أولاده. غزو سانشو ملك قشتالة لنافار وهزيمته. غزوه لمملكة ليون. الحرب بينه وبين أخيه ألفونسو. هزيمة ألفونسو وأسره. فراره والتجاؤه إلى المأمون ملك طليطلة. المأمون يرحب به ويكرم وفادته. أقوال الرواية النصرانية في ذلك. ألفونسو يدرس خطط الاستيلاء على المدينة. تطور الحوادث. غرسية ملك جليقية واضطراب مملكته. استيلاء سانشو على جليقية والتجاء غرسية إلى ملك إشبيلية. استيلاء سانشو على تورو مدينة أخته إلبيرة. محاولته انتزاع سمورة من أخته أوراكا. مصرعه تحت أسوارها. استدعاء الأشراف لأخيه ألفونسو. مغادرة ألفونسو لطليطلة. عهده للمأمون بمسالمته وولده. تنويه الرواية النصرانية بكرم المأمون ونبله نحو مضيفه. مسير ألفونسو إلى برغش. حلفه ببراءته من مقتل أخيه. يغدو ملك قشتالة وليون وجليقية. يدبر كميناً لأخيه غرسية. مساعدة ألفونسو للمأمون ضد ابن عباد. وفاة ألمأمون وولاية حفيده القادر. ألفونسو يتحلل من عهوده ويضع الخطة للاستيلاء على طليطلة. إغارته على أراضيها وتخريبها. القادر يلتجىء لحماية ألفونسو ويؤدي له الجزية. قيام الثورة في طليطلة. فرار القادر. وعوده بمعاونة ألفونسو. المعتمد بن عباد وتحالفه مع ألفونسو. مضي ألفونسو في إرهاق طليطلة وافتتاحها الطابع الصليبي لهذا الفتح. طليطلة حاضرة اسبانيا النصرانية. الأسقف برنار عميد الكنيسة الإسبانية. مؤامرته لإزالة المسجد الجامع. تحويل الجامع إلى كنيسة جامعة. سقوط طليطلة وأثره في ميزان القوى. أثره في تحول ملوك الطوائف. موقعة الزلاقة وما بعدها. عود الطوائف إلى تفرق الكلمة. عدوان السيد والقشتاليين. عبور أمير المسلمين للمرة الثانية. حصار حصن لييط وما اقترن به من حوادث. إنسحاب المرابطين. محاولة ألفونسو الاستيلاء على بلنسية وفشله. انتصارات المرابطين في منطقة بلنسية. وفاة السيد واستيلاء المرابطين على بلنسية. إستيلاء ألفونسو على شنترين. موقعة إقليش. هزيمة القشتاليين ومقتل سانشو ولد ألفونسو. البابوية وتدخلها في اسبانيا. سعيها إلى فرض سيادتها الروحية. الأسقف برنار ودوره في ذلك. إسبانيا والحروب الصليبية. صفة الملك الوراثية. نظام الإقطاع وخواصه. تنظيم ألفونسو لأسس التشريع. ألفونسو ووراثة عرشه. مجلس ليون وقراراته في ذلك. مملكة أراجون. مملكة نافار. سانشو ملك نافار ومصرعه. سانشو راميرز ملك أراجون. استيلاؤه على منتشون وحصاره لوشقة. وفاته وقيام ولده بيدرو مكانه. سقوط وشقة. بيدرو الأول وصفاته. وفاته وقيام أخيه ألفونسو مكانه. إمارة برشلونة. الكونتات الفرنج. آل بوريل أمراء برشلونة. خلفاؤهم آل برنجير. رامون برنجير الكبير وأعماله. الصلات بين بني هود وآل برنجير. المستعين بن هود والكونت برنجير. رامون برنجير الثالث.

стр. 1088

- ١ - عمد فرناندو قبيل وفاته إلى تقسيم مملكته الكبيرة بين أولاده الثلاثة، فاستدعى لذلك الغرض مجلساً من الأساقفة والأشراف (١٠٦٤ م) وانتهى فيه إلى تقسيم المملكة على النحو الآتي غير معتبر في ذلك بما حدث من قبل حينما قسمت المملكة على يد أبيه سانشو الكبير. فخص سانشو ولده الكبير بقشتالة، وحقوق الجزية على مملكة سرقسطة، وخص ألفونسو بليون وأشتوريش، وحقوق الجزية على مملكة طليطلة، وخص أصغرهم غرسية، بجليقية والبرتغال، وقد ضما إلى مملكة واحدة، وحق الجزية على مملكتي إشبيلية، وبطليوس، وأعطى حق الإشراف على الأديار في سائر المملكة لابنتيه دونيا أورّاكا، ودونيا إلبيرة، وخصت أوراكا بمدينة سمورة الحصينة، وخصت إلبيرة بمدينة تورو وأماكن أخرى على نهر دويرة. ومن المحقق أن تقسيم المملكة الإسبانية على هذا النحو، بعد اتحادها في عهد فرناندو، كان عملا خاطئاً، وكان نذيراً بعود الحرب الأهلية. وقد استمر الوئام المكبوت بين الإخوة في ظل الملكة سانشا عامين آخرين، فلما توفيت في سنة ١٠٦٧ م، بدت نذر الصراع الجديد واضحة في الأفق. وكان سانشو، قبل أن تضطرم المعركة بينه وبين إخوته، قد وجه اهتمامه إلى ميدان آخر. وكان يحكم نافار يومئذ سانشو ابن عمه غرسية، ويحكم أراجون سانشو ابن عمه راميرو، ففكر سانشو ملك قشتالة أن يحاول الاستيلاء على مملكة نافار، أو ينتزع على الأقل أعمالها الواقعة على ضفة الإيبرو العليا. ولكن ملكا نافار وأراجون شعوراً منهما بنياته العدوانية، عقدا خلفاً لمقاومته. فلما سار لمحاربتهما، رداه بنجاح وهزماه في موقعة فيانا (سنة ١٠٦٧ م). وكان من جراء ذلك أن فقد سانشو أراضي نافار التي كان قد أحرزها أبوه في موقعة أتابوركا. وفي العام التالي عقب وفاة الملكة سانشا، سار سانشو في قواته وهاجم أراضي مملكة ليون، فسار أخوه ألفونسو لرده، والتقى الاثنان في بلادنتادا على نهر بسيرجا (يوليه سنة ١٠٦٨ م) فهزم ألفونسو، وارتد مسرعاً إلى ليون، واضطر أن ينزل لسانشو عن بعض الأراضي المجاورة لقشتالة. ثم عاد سانشو فغزا مملكة ليون واخترقها حتى الغرب، ووقع اللقاء بين الأخوين هذه المرة في جولنجار أو جلبياريس، الواقعة على نهر كريون، فهزم

стр. 1089

القشتاليون. وفروا تاركين خيامهم، وأغضى ألفونسو عن مطاردتهم حقناً للدماء. وكاد سانشو يرتد أدراجه، لولا أن تقدم منه أحد فرسانه. ونصح له بأن يجمع جنده، ويعيد الكرة، في الفجر تحت جنح الظلام، بعد أن اطمأن الليونيون إلى نصرهم، وخبت همتهم، وكان صاحب هذا النصح هو الفارس ردريجو دياث. الذي عرف فيما بعد بالسيد، وهي أول مناسبة يردد التاريخ فيها اسمه. واستجاب سانشو لهذا النصح، فاستجمع جنده، وهجم في الفجر على الليونيين وهم نيام، فدب إليهم الاضطراب والذعر، وقتل الكثير منهم أثناء النوم، وفر ألفونسو، والتجأ إلى كنيسة بلدة كريون، فقبض عليه وزج إلى حصن برغش، ودخل سانشو بجيشه ظافراً إلى مدينة ليون (يوليه سنة ١٠٧١ م) وهنا تدخلت دونيا أوراكا، وكانت تحب أخاها ألفونسو، وسعت إلى إنقاذه من الأسر. فاستجاب سانشو إلى رجائها، وقبل الإفراج عن ألفونسو، بشرط أن يرتدي حلة الرهبان، وأن يقيم في دير ساهاجون، فاضطر ألفونسو إلى القبول، ولجأ إلى الدير، وهنا دبرت أخته أوراكا فراره من الدير، فسار إلى طليطلة والتجأ إلى ملكها، المأمون بن ذى النون (١). فاستقبله المأمون بمنتهى الترحاب والإكرام، وعامله كأخيه حسبما تقول الرواية النصرانية، وأنزله داراً بجوار قصره، وأعد كل ما يلزم لراحته، وخصص له داراً أخرى خارج المدينة ذات رياض وحدائق للتنزه فيها، والاجتماع بصحبه النصارى، ولاسيما مستشاره فرناندو أنسوريز، وكان يعيش معهم في أحسن الظروف وأكرمها (٢). وإليك كيف يصف الأستاذ بيدال استقبال المأمون لضيفه: " استقبل المأمون الملك المغلوب بإكرام، بعد أن قطع له العهود اللازمة لسلامته. وأنزله داراً ملحقة بالقصر الملكي ذاته، تشرف على تحصينات المدينة تجاه قنطرة " القنطرة ". وهكذا كان الملك المنفي يعيش بعيداً عن ضجيج المدينة المسلمة، وكان بوسعه أن يتريض في حدائق الملك الشاسعة الواقعة في الناحية الأخرى من القنطرة داخل المنحنى الكبير الذي يحتضنه نهر التاجُه ".

стр. 1090

ويشير الأستاذ بيدال بعد ذلك إلى أقوال الرواية العربية عن فخامة قصر المأمون، وزخارفه البديعة وحدائقه الغناء، وروعة الحفلات التي تقام به، ومجالس العلماء الأعلام التي كانت تعقد به، وتجعل من طليطلة يومئذ مركزاً من أهم مراكز الثقافة الإسلامية. ثم يقول: " إن النفي الذي كان يعانيه ألفونسو بين هذه الفخامات كان كأنه مقصود من العناية، حسبما يقول لنا مؤلف " تاريخ سيلوس ". كان ملك ليون المخلوع يختلط بالسكان المسلمين، ويتريض في جنبات المدينة الحصينة، ويفكر من أي الأماكن، وبأى نوع من أدوات الحرب يمكن اقتحامها " (١). حرصنا على إيراد هذه الأقوال، لنستطيع أن نتأمل على ضوئها فيما بعد، تصرف ألفونسو السادس، نحو ولد حاميه والمحسن إليه، ونحو مملكة طليطلة. ومما له مغزى عميق، ما يقصه علينا صاحب رواية دير سيلوس السالفة الذكر من أن ألفونسو، استمع ذات يوم، وهو متظاهر بالنوم، إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة، واحتمال مهاجمة النصارى لها واستيلائهم عليها، وكيف يمكن ذلك وبأية وسيلة. وقد أجاب بعضهم أن النصارى لا يستطيعون الاستيلاء على مدينة بمثل هذه الحصانة، إلا إذا أنفقوا سبعة أعوام على الأقل، في تخريب أحوازها وانتساف مؤنها، ويضيف صاحب هذه الرواية، أن ألفونسو انتفع بوقته في دراسة خطط المدينة والاحتمالات التي تمكنه من تنفيذ مشروعه العظيم في الاستيلاء عليها (٢). وقضى ألفونسو في منفاه، ببلاط الملك المسلم، تسعة أشهر من يناير حتى أكتوبر سنة ١٠٧٢، وهو مغمور بكرم مضيفه ورعايته، إلى أن شاءت الأقدار أن تتطور الحوادث في قشتالة، وأن يتألق نجمه مرة أخرى. ذلك أن سانشو لم يقنع بما تم له من الاستيلاء على مملكة ليون، بل أراد ْأن ينزع أخاه الصغير غرسية مُلْك جليقية، وكان سير الحوادث في جليقية، مما يعاون على تحقيق غايته. ذلك أن غرسية أساء السيرة، وبالغ في إرهاق الشعب بالضرائب، وانصاع في ذلك لتوجيه وزيره وصفيه برتولا، وفوض إليه كل شىء في الدولة. فسخط الأشراف لذلك، ودبروا مقتل الوزير الطاغية بحضرة مليكه ذاته، فاستشاط غرسية غضباً، واشتد عسفه وكثرت
следующие страницы →