ابن عباد - وقد كانت بينهما فيما يبدو من لهجة الرسالة صلات ودية وثيقة - يخبره فيها بقصته مع أخيه المظفر، ويرميه فيها بالظلم والحسد، ومجانبة العدل والإنصاف، ويقول إنه حاول أن يسلك معه سبيل المودة والتفاهم، فأبى, واضطر إلى مقاتلته حتى ظفر به واستولى على قاعدته لاردة وألزمه البقاء في قصبة منتشون. ثم يقول معتذراً عن مسلكه: " وللنفس يعلم الله مما حملني عليه ارتماض وإشفاق، ولما يؤثره الرحم من ذلك إزعاج وإقلاق، إلا أنه لم يوجد إلى غير ذلك سبيلا، ولا جعلني إلى سواه محيلا، وكان فيما يأتيه أعق، وبما جره القدر إليه بحكم اعتقاده أحق " (١) والظاهر أن الحوادث التي يشير إليها المقتدر في رسالته قد وقعت في سنة ٤٧٢ هـ (١٠٧٩ م). وفي بعض الروايات القشتالية، أن المقتدر بعد أن استولى على أملاك أخيه أعتقله بقلعة روطة، وهنالك استمر في اعتقاله حتى توفي بعد ذلك بثلاثة أعوام (٤٧٥ هـ)، بيد أنه من الواضح أن الصحيح هو ما يرويه المقتدر نفسه في رسالته.
ولما أعيت المقتدر الحيل في إرضاء أولئك الملوك المطالبين بالجزية، انتهى رأيه إلى الاستعانة بخدمات ذلك الفارس القشتالي، الذي عرفه من قبل بين ضباط قشتالة محارباً بارعاً، وهو ردريجو دياث دى بيبار، وكان يومئذ قد ساءت علائقه مع مليكه ألفونسو السادس وأقصاه عن بلاطه، فخرج يبحث عن طالعه، وهكذا عقدت العلافة بين " السيد " وبين المقتدر، وكان المقتدر أول من أولاه رعايته واستخدمه من الملوك المسلمين، وكان ذلك في سنة ١٠٨٠ م قبيل وفاة المقتدر بقليل (٢).
ويجب أن نذكر هنا أيضاً بين أعمال المقتدر العظيمة، استيلاءه على مملكة دانية من صهره، زوج ابنته على إقبال الدولة في سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٦ م) حسبما فصلنا ذلك من قبل في أخبار مملكة دانية. وقد غدت مملكة سرقسطة بهذا الفتح الكبير تمتد إلى شرقي الأندلس، وغدت من أعظم ممالك الطوائف رقعة، بل ربما أعظمها جميعاً. وقد مهد لها هذا الامتداد إلى شرقي الأندلس، سبيل التطلع إلى مملكة بلنسية
стр. 982
والتدخل في شئونها، حسبما سبق شرحه في موضعه في أخبار مملكة بلنسية، وتوفي أحمد بن سليمان بن هود المقتدر بالله في سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م) من كَلَب شديد أصابه من عضة كلب، بعد أن حكم مملكة سرقسطة خمسة وثلاثين عاماً، وكان قبيل وفاته قد ارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه أبوه بتقسيم مملكته بين ولديه، فخص ولده الأكبر وهو يوسف المؤتمن بسرقسطة وأعمالها، وخص ولده الأصغر المنذر بلاردة ومنتشون وطرطوشة ودانية.
ومما هو جدير بالذكر أن مملكة سرقسطة كانت في ظل بني هود، لظروفها المترتبة على وقوعها بين الممالك النصرانية، واضطرارها إلى مهادنتها ومصانعتها، تؤثر سياسة التسامح الديني، وكان النصارى يعيشون في ظل بني هود، في ظروف حسنة، ويتمتعون بسائر الحريات الفكرية والدينية، وقد شجع هذا التسامح الذي أثر عن بني هود نحو رعاياهم النصارى، راهباً فرنسياً، على أن يكتب إلى المقتدر بن هود رسالة يدعوه فيها إلى اعتناق النصرانية، وبعث رسالته المذكورة مع راهبين من زملائه ليشرحا للمقتدر تعاليم الدين المسيحي ومزاياه (١)، فاستقبل المقتدر الرسولين برفق وكياسة، ولم يثر لما تضمنته رسالة الراهب من جرأة وتهجم صارخ، بل عهد إلى العلامة الفقيه أبى الوليد الباجي، وكان يومئذ يعيش في سرقسطة في كنفه وتحت رعايته، بأن يكتب عن لسانه إلى الراهب رداً، يفند فيه دعاوى الراهب في رسالته، ويبين ما تنطوي عليه هذه الدعاوى من بطلان وتناقض. فكتب الباجي رده المشهور على هذه الرسالة، وهو رد مسهب، يفيض منطقاً وبلاغة، وفيه يفند الباجي مزاعم الدين المسيحي، وألوهية المسيح وغيرها، بقوة، ويشرح تعاليم الإسلام بوضوح، ويدعو الراهب بالعكس إلى اعتناق الإسلام، وينوه بمعجزة القرآن وروعته، ويدلل ببراعة على بطلان التعاليم المسيحية وتناقضها.
وكان المقتدر بن هود من أعظم ملوك الطوائف. ويصفه الحجاري في المسهب بأنه " عميد بني هود وعظيمهم، ورئيسهم وكريمهم ". وكان فضلا عن
стр. 983
مقدرته السياسية والعسكرية التي رأيناها تبدو في كثير من أعماله ومشاريعه، وبالرغم مما كانت تنطوي عليه هذه المشاريع والأعمال أحياناً من صفات سيئة، يتمتع بكثير من الخلال البديعة، فقد كان أميراً عظيماً يحيط نفسه بجو من المهابة والروعة، وكان بلاطه من أعظم قصور الطوائف وأفخمها، وكان يحيط نفسه بطائفة من أشهر العلماء والكتاب في عصره، ومن هؤلاء العلامة الفقيه أبو الوليد الباجي، ووزيره أبو المطرف بن الدباغ، ووزيره الكاتب اليهودي المسلم أبو الفضل ابن حسداي السرقسطي، وكان كلاهما من أعلام عصره في البلاغة والأدب.
بل كان المقتدر نفسه من علماء عصره، وكان يشغف بدراسة الفلسفة والرياضة والفلك، وقد كتب كتباً في الفلسفة والرياضة (١). وكان قصر المقتدر وهو المسمى بقصر " الجعفرية "، نسبة إلى كنيته، وهي " أبو جعفر "، من أعظم وأفخر القصور الملكية في ذلك العصور، وقد اشتهر في تاريخ الفن الإسلامي باسم " دار السرور "، وكان أروع ما فيه بهوه الرائع الذي زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة، والذي كان يسمى لذلك بالبهو الذهبي، أو مجلس الذهب.
وفيه يقول منشؤه المقتدر:
قصر السرور ومجلس الذهب ... بكما بلغت نهاية الطرب
لو لم يحز ملكي خلافكما ... لكان لدي كفاية الأرب
ولما سقطت سرقسطة في يد الإسبان شوهت معالم هذا القصر البديع، وأدخلت فيه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وزخارفه العربية. وما زالت بقاياه الدارسة تقوم حتى اليوم في قلب مدينة سرقسطة باسم قصر الجعفرية Palacio Aljaferia، وقد شهدناه خلال زيارتنا لسرقسطة، ولم يبق من بنائه الإسلامي سوى بقية مشوهة من مسجده السابق.
وكان المقتدر فوق شغفه بالعلوم، أديباً ينظم الشعر، وقد نسب إليه الحجاري صاحب المسهب قوله:
لست لدى خالقي وجيهاً ... هذا مدى دهري واعتقادي
لو كنت وَجْهاً لما براني ... في عالم الكون والفساد (٢)
стр. 984
الفصل الثاني
مملكة سرقسطة منذ عصر المؤتمن حتى سقوطها في أيدي المرابطين
الصراع بين المؤتمن والمنذر. معركة قلعة المنار. حاكم روطة وكمينه للنصارى. موقف السيد الكمبيادور. تحالف المنذر وسانشو راميرز. السيد ونفوذه لدى المؤتمن. حملة ابن بسام على بني هود. وفاة المؤتمن. صفاته العلمية. ولده أحمد المستعين. مسير ألفونسو السادس إلى سرقسطة ومحاصرته إياها. يرفع الحصار عند مقدم المرابطين. حروب المستعين. تطلعه إلى امتلاك بلنسية وفشل مشروعه. الخطر على مملكة سرقسطة. استيلاء ملك أراجون على منتشون. تهديده لوشقة. اتجاه المستعين إلى الاستنجاد بالمرابطين. سفارته لأمير المسلمين. استعانته بملك قشتالة. محاصرة سانشو راميرز لوشقة. وفاته ومتابعة ولده بيدرو للحصار. مسير المستعين وحلفاؤه لإنجادها. موقعة الكرازة. هزيمة المستعين وسقوط وشقة. إستيلاء المرابطين على ممالك الطوائف الجنوبية والغربية. استيلاؤهم على شرقي الأندلس. استنصار المستعين بالسيد. انشغال السيد في بلنسية. إتجاه المستعين إلى المرابطين. سفارته الثانية لأمير المسلمين. وفاة بيدرو ملك أراجون وقيام أخيه ألفونسو مكانه. مسيره إلى تطيلة. مسير المستعين لإنجادها. سقوط تطيلة ومقتل المستعين. ولده عبد الملك عماد الدولة. دعوة أهل سرقسطة أمير المسلمين لخلع بني هود. استصراخ عماد الدولة لأمير المسلمين. زحف المرابطين على سرقسطة واستيلاؤهم عليها. انتهاء حكم بني هود. التجاء عماد الدولة إلى حصن روطة. خضوعه لحماية ملك أراجون. ولده سيف الدولة. نزوله عن روطة لألفونسو ريمونديز. سرقسطة أيام بني هود. اشتهارها بالدراسات الرياضية والفلسفية. ابن باجة وحياته العلمية. أبو بكر الطرطوشي وكتابه سراج الملوك. نظريته في عصبية الدولة ورد ابن خلدون عليها. سرقسطة ومساهمتها في الحركة الأدبية. دورها في التبادل الحضاري والثقافي. دورها في التبادل التجاري.
عادت الحرب الأهلية القديمة التي اضطرمت من قبل بين المقتدر وإخوته الأربعة من جراء تقسيم المملكة، تضطرم من جديد بين يوسف المؤتمن صاحب سرقسطة، وأخيه الحاجب المنذر صاحب لاردة.
وقد استعان كلا الأخوين في تلك الحرب الانتحارية بالنصارى، فكان المؤتمن يستعين بصديق أبيه وحليفه من قبل " السيد "، وجيشه من المرتزقة القشتاليين وكان المنذر وهو منذ البداية من ألد أعداء السيد، يستعين بسانشو راميرز ملك أراجون، ورامون برنجير أمير برشلونة.
стр. 985
ووقعت أول معركة بين قوات الأخوين عند قلعة المنار على مقربة من لاردة، وكان المؤتمن قد حصن هذه القلعة، وشحنها بالمقاتلة، ولما شعر أخوه المنذر بخطرها على أملاكه سار في قوة مشتركة من حلفائه، أمير برشلونة وبعض صغار الأمراء الإفرنج في شمال قطلونية، وحاصر هذه القلعة، فسار المؤتمن والسيد في قواتهما لإنجادها، ووقعت بين الفريقين معركة هزم فيها المنذر، وأسر أمير برشلونة رامون برنجير (١٠٨٢ م).
ووقع في ذلك الحين حادث كاد يقطع السيد من جرائه علائقه ببلاط سرقسطة، ذلك أن حاكم قلعة روطة التي كان معتقلا بها المظفر، اعتزم الخروج والثورة بالتفاهم مع سجينه، وأرسل إلى ألفونسو ملك قشتالة يطلب عونه ويعده بتسليم القلعة، فسار ألفونسو إلى روطة في بعض قواته، وكان المظفر قد توفي عندئذ فجأة، فعدل الحاكم عن مشروعه واعتزم أمراً آخر، وبعث ألفونسو بعض أكابر ضباطه، وعلى رأسهم الإنفانت راميرو أمير نافار لتسلم القلعة، وما كادوا يجوزون إلى الداخل، حتى انهال عليهم وابل من الصخور، فقتلوا جميعاً (١٠٨٢ م) وعاد ألفونسو، وهو يضطرم أسى وتحرقاً إلى الانتقام.
وكان السيد عندئذ في تطيلة، فلما وقف على هذا الحادث المحزن، هرع في صحبه إلى ألفونسو يقدم عزاءه، ويلتمس العفو، والإذن بالعود، فعفا عنه الملك وصحبه معه إلى قشتالة. ولكن مقامه بها لم يطل. ذلك أن ألفونسو عادت إليه هواجسه القديمة نحو السيد، وشعر السيد بتغيره عليه، فغادر قشتالة وعاد إلى سرقسطة، واستقبله المؤتمن بترحاب ومودة. ويحاول الأستاذ بيدال أن يستدل بتصرف السيد في هذا الحادث على أنه لم يكن في خدماته لبلاط سرقسطة جندياً أجيراً، وإنما كانت هذه الخدمات بالعكس نوعاً من السياسة والتدخل على الطريقة القشتالية (١).
وعاد السيد إلى مهمته القديمة في محاربة أعداء المؤتمن، وخرج مع المؤتمن في قواته، وعاثا في أراضي أراجون، ثم عادا إلى حصن مونتشون. ورد سانشو راميرز ملك أراجون على ذلك بالاستيلاء على جرادوس. وغيرها من حصون الحدود (ابريل ١٠٨٣ م). ثم تحالف المنذر أخو المؤتمن مع سانشو راميرز،
стр. 986
وسارا في قواتهما لمحاربة السيد، والتقى الفريقان في أحواز موريلا على مقربة من طرطوشة، فهزم المنذر وحليفه، واستولى السيد على معسكرهما، وعلى كثير من الأسرى. واستقبل السيد عند عوده المظفر إلى سرقسطة أجمل استقبال.
وعلا شأن السيد في بلاط سرقسطة، وتوطدت مكانته، واشتد نفوذه على المؤتمن. فكان لا يبرم أمراً من أعمال الحرب أو السياسة دون مشاورته، وغدا بجيشه الصغير قوة يحسب حسابها، بل غدا كأنه يفرض بحلفه ومعاونته على سرقسطة نوعاً من الحماية. وقد أشرنا فيما تقدم من أخبار مملكة بلنسية إلى هذه المكانة الممتازة التي أحرزها السيد في بلاط سرقسطة، وإلى الحملة اللاذعة التي شهرها ابن بسام من أجل ذلك على بني هود (١)، كما أشرنا إلى ما كان يجيش به المؤتمن من الأطماع نحو مملكة بلنسية، وما قدمه من المال إلى ملك قشتالة لأجل معاونته في هذا المشروع وكيف استطاع أبو بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية بلباقته أن يحبط هذا المشروع وأن يعقد صلات الود والمصاهرة مع المؤتمن بتزويج ابنته من ولد المؤتمن، أحمد المستعين.
ولم يدم حكم المؤتمن أكثر من أربعة أعوام، إذ توفي في سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م). وكانت وفاته السريعة ضربة قاضية لمشاريعه، فخلفه في حكم سرقسطة وأعمالها، ولده أحمد، وتلقب بالمستعين، وبقى الشق الآخر من مملكة سرقسطة بيد عمه المنذر.
وقد اشتهر يوسف المؤتمن بصفاته العلمية، أكثر من اشتهاره بصفاته الملوكية ْفكان مثل أبيه المقتدر عالماً رياضياً، وفلكياً ممتازاً، وكتب في العلوم الرياضية، رسالته المسماة " الإستكمال " (٢)، التي ترجمت إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، والتي توصف بأنها ترتفع من حيث قيمتها العلمية إلى مستوى إقليدس والمجسطي. بيد أن هذه الرسالة الملوكية لم تصل إلينا مع الأسف بأصلها العربي.
خلف المؤتمن ولده أحمد المستعين، ويعرف بالمستعين الأصغر. وما كاد يبدأ حكمه حتى ألفى نفسه أمام حدث خطير. ذلك أن ألفونسو السادس ما كاد ينتهي من الاستيلاء على طليطلة وتنظيم شئونها، وذلك في صفر سنة ٤٧٨ هـ (مايو ١٠٨٥ م)
стр. 987
حتى اعتزم العمل لانتزاع سرقسطة، فسار إليها في قواته، وضرب حولها الحصار، وأقسم أنه لن يبرحها حتى تؤول إليه أو يموت. وحاول المستعين أن يرده عن عزمه، وأن يقنعه برفع الحصار، فعرض عليه أموالا جليلة فرفض ألفونسو، وأصر على أخذ المدينة (١)، وأذاع عماله في سكان الأراضي المجاورة أنه سوف يطبق أحكام القرآن، ولن يقتضي منهم الضرائب إلا ما يجيزه الشرع، وأنهم سوف يكونون مثل إخوانهم مسلمي طليطلة موضع عنايته ورعايته.
واستمر ألفونسو على حصار سرقسطة حتى جاءته الأنباء في أواخر صيف ١٠٨٦ م، (أوائل ٤٧٩ هـ) بمقدم المرابطين، وأنهم عبروا إلى الأندلس، فحاول عندئذ خديعة المستعين، معتقداً أنه لم يعلم بالنبأ العظيم، وبعث إليه يقول إنه يقبل الجزية التي عرضها، فأجاب المستعين، وكان على علم به، أنه لن يدفع إليه درهماً واحداً (٢).
وعندئذ اضطر ألفونسو أن يرفع الحصار، وأن يهرع في قواته إلى الجنوب، بعد أن بعث بصريخه إلى أمراء الثغر النصارى ليلحقوا به في قواتهم. ثم كانت واقعة الزلاّقة، وهزيمة ألفونسو الساحقة، أمام القوات المرابطية والأندلسية المتحدة في رجب سنة ٤٧٩ هـ (أكتوبر ١٠٨٦)، فضعف أمر قشتالة والملوك النصارى، وانصرف المستعين حيناً إلى محاربة عمه المنذر صاحب لاردة ودانية طوراً، ومحاربة ملك أراجون طوراً آخر. بيد أنه لم يظفر من وراء هذه المعارك بطائل، وكانت الهزيمة نصيبه في معظم الأحيان.
وأخذ المستعين بعد ذلك يتطلع إلى الاستيلاء على بلنسية، منافساً في ذلك لعمه المنذر. وقد فصلنا فيما تقدم من أخبار بلنسية مشاريع المستعين ومحاولاته في هذا السبيل، ومغامرات حليفه " السيد "، وكيف تظاهر في البداية بمعاونته على تحقيق مشروعه، ثم أضناه بعد ذلك بمخادعاته وأساليب غدره، وكيف حاول بعد ذلك أن يستعين بمحالفة برنجير كونت برشلونة على محاصرة بلنسية وأخذها، وقد فشلت أيضاً هذه المحاولة، وانتهى الأمر بأن غدا السيد وحده هو المسيطر على هذا الميدان، وهو المستأثر بتتبع الحوادث في بلنسية، وترقب فرص الاستيلاء عليها، كل ذلك حسبما فصلناه من قبل تفصيلا شافياً.
стр. 988
وما كاد المستعين ينتهي من هذه المشاريع الفاشلة، حتى بدا الخطر على مملكة سرقسطة داهماً من ناحيتين: ناحية جيرانها النصارى من الشمال، وناحية المرابطين من الجنوب. فأما عن الشمال، فقد بدأ سانشو راميرز ملك أراجون بالاستيلاء على منتشون في سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٩ م)، واضطر المستعين عندئذ أن ينضوي تحت حماية ألفونسو ملك قشتالة، وأن يتعهد بأداء الجزية التي أباها من قبل.
ولم تمض بضعة أعوام على ذلك حتى بدت مشاريع ملك أراجون أكثر خطورة.
وذلك أنه قصد إلى مدينة وشقة، وهي ثاني مدينة في مملكة سرقسطة، وابتنى إزاءها حصناً، وكان من الواضح أنه يبغى الاستيلاء على هذه المدينة الهامة.
والظاهر أن المستعين قد أدرك عندئذ أن الاعتماد على معاونة النصارى لا يحقق له ما يطمح إليه من السلامة، ورأى أن الاتجاه إلى معاونة المرابطين وهم أبناء دينه قد يغدو أنجع، ولو أنه كان يتوجس من نياتهم ومشاريعهم نحو سرقسطة. ومن ثم فقد أرسل ولده عبد الملك إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بالمغرب ومعه هدية جليلة، وبعث إليه يطلب العون والإنجاد على مدافعة النصارى، وإنقاذ وشقة، وهي جناح سرقسطة الدفاعي، ودرعها من الشمال. والظاهر أن أمير المسلمين قد أدرك من جانبه أهمية الاستجابة لصريخ المستعين، ومنعه بذلك من الارتماء في أحضان النصارى ومحالفتهم في النهاية ضد المرابطين، وأدرك في نفس الوقت حكمة الإبقاء على سرقسطة وإنجادها لتبقى بذلك حاجزاً بين المرابطين وبين النصارى، فاستقبل عبد الملك بترحاب، وصرفه صرفاً جميلا، ورد على المستعين بخطاب رقيق، وبعث إلى ولاته في شرقي الأندلس بإرسال المدد المنشود، وكان يتألف من ألف فارس وستة آلاف راجل من المرابطين. ولم ير المستعين في نفس الوقت بأساً من الاستعانة بملك قشتالة، فأمده بفرقة من جنده بقيادة الكونت غرسية أردونس الذي تجاور ولايته مملكة سرقسطة.
وفي تلك الأثناء كان سانشو راميرز قد سار إلى مدينة وشقة وضرب حولها الحصار، مصمماً على ألا يبرحها حتى تسقط في يده. وكانت وشقة من أمنع ْقلاع الثغر الأعلى، فصمدت للحصار بعزم وشدة، ثم توفي سانشو راميرز فجأة، وذلك في شهر يونيه سنة ١٠٩٤ م (جمادى الأولى سنة ٤٨٧ هـ)، فاستمر في متابعة الحصار ولده بيدرو الأول. وتوالت الأشهر، ووشقة صامدة كالصخرة.
стр. 989
وبعث أهل وشقة في نفس الوقت بصريخهم إلى ملكهم أحمد بن هود المستعين، فجهز حشوداً عظيمة، وأعد لها قوافل الميرة الضخمة، وأمده حليفه ملك قشتالة بفرقة من الجند النصارى فسار المستعين في قواته حتى اقترب من وشقة، وكان يظن أن العدو متى رأى حشوده، وآنس وفرتها وحسن استعدادها، يعمد إلى المهادنة ويترك المدينة المحصورة وشأنها، ولكن بيدرو عول بالعكس على خوض المعركة، فترك الحصار، وسار في قواته لملاقاة المسلمين، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، في " الكرازة " الواقعة على مقربة من وشقة، استمرت من طلوع الشمس إلى غروبها، واشتد فيها الطعان من الجانبين، وكثر القتل بين المسلمين وحلفائهم، وهزم المستعين في النهاية هزيمة شديدة. وقتل من المسلمين عدد جم تقدره الرواية باثنتي عشر ألفاً أو نحوها، وكان بين القتلى غرسية أردونس قائد جند قشتالة، وتضع الرواية الإسلامية تاريخ هذه المعركة في يوم الأربعاء أواخر ذي القعدة سنة ٤٨٩ هـ، وتضع الرواية النصرانية هذا التاريخ في ١٨ نوفمبر سنة ١٠٩٦ م، وهو يوافق بالفعل شهر ذي القعدة، الذي تحدده الرواية الإسلامية. وتقول الرواية الإسلامية، إن أهل وشقة لما عاينوا هزيمة المسلمين، يئسوا من النصرة، والإنقاذ، لم تمض على ذلك ثلاثة أيام حتى حصلوا على الأمان. وسلمت وشقة للنصارى بعد حصار دام ثلاثين شهراً، ودخلها بيدرو في موكبه الظافر، وفي الحال صير مسجدها الجامع كنيسة، وجعلها عاصمة لمملكة أراجون (١).
هذا عن حوادث الشمال، وأما عن حوادث الجنوب، فقد عبر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى الأندلس للمرة الثانية في سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٨ م) وقام بالاشتراك مع قوات الأندلس بمحاصرة حصن لييط، وانتهى بالاستيلاء عليه. ثم عاد فعبر إلى الأندلس للمرة الثالثة في سنة ٤٨٣ هـ (١٠٩٠ م)، وفي تلك المرة استولى على ممالك الطوائف الجنوبية والغربية، غرناطة، وإشبيلية، وألمرية، ثم
стр. 990
بطليوس، واستولت الجنود المرابطية كذلك على مرسية، وأوريولة، كل ذلك فيما بين سنتي ٤٨٤ و ٤٨٨ هـ. وفي أثناء ذلك كان المنذر بن هود صاحب لاردة ودانية، قد توفي في سنة ٤٨٣ هـ (١٠٩٠ م)، وخلفه في الملك ولده الطفل سليمان الملقب بسعد الدولة، تحت وصاية بني بيطر وهي أسرة قوية ذات نفوذ. وفي سنة ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م) سار جيش مرابطي بقيادة الأمير ابن عائشة، واستولى على دانية، وشاطبة وشقورة. والظاهر أنه استولى أيضاً على طرطوشة ولاردة بعد ذلك بقليل.
وهنا شعر المستعين بخطر المرابطين الداهم على مملكته، فاتجه إلى حليفه القديم السيد إلكمبيادور، واستغاث به، وكان السيد قد غدا يومئذ قوة يحسب حسابها في شرقي الأندلس، وأضحى من جانبه يشعر بنفس الخطر. أي خطر المرابطين على مركزه في تلك المنطقة. فاستجاب إلى دعوة المستعين، وعقد بينهما حلف جديد، وسار السيد بقواته إلى سرقسطة، وعسكر على ضفة النهر الأخرى، وهنالك عقد حلفاً آخر مع ملكي أراجون ونافار. وكان الغرض من عقد هذه المحالفات كلها، التعاون لدفع خطر المرابطين عن هذا الركن من شبه الجزيرة.
ونحن نعرف أن السيد قد عاد بعد ذلك إلى الجنوب، واستمر في مغامراته في منطقة بلنسية، حتى تم له الاستيلاء عليها في جمادى الأولى سنة ٤٨٧ هـ (يونيه ١٠٩٤ م)، وأن الجيوش المرابطية لبثت تتحين الفرص لاسترداد هذا الثغر الإسلامي العظيم، حتى تم لها تحقيق مشروعها، ودخلت بلنسية بقيادة الأمير أبى محمد المزدلي في شعبان سنة ٤٩٥ هـ (مايو سنة ١١٠٢ م).
وكانت حوادث الشمال قد تطورت في تلك الأثناء، وظهرت نيات سانشو راميرز ملك أراجون واضحة نحو القضاء على مملكة سرقسطة، وبدأ حصاره لمدينة وشقة، وكان المستعين من جهة أخرى قد أدرك أنه لا يستطيع الاعتماد على محالفة السيد وعونه، ولاسيما بعد استيلائه على بلنسية، وانشغاله بالمحافظة عليها، والدفاع عنها، فاتجه إلى المرابطين، وبعث ولده عبد الملك إلى المغرب يطلب العون من أمير المسلمين، حسبما فصلنا من قبل. وقد رأينا كيف هزم المستعين وسقطت وشقة بالرغم مما تلقاه المستعين من عون حلفائه.
يقول ابن عذارى، إنه على أثر سقوط مدينة وشقة " سما بصر العدو إلى منازلة سرقسطة، حضرة ابن هود، فخاطب الطاغية، أذفونش بن فرذلند
стр. 991
(ألفونسو السادس) فواطأه على منازلتها، فنزل عليها في جموع لا ترام، وجعل صاحبها يصعد ويصوب في إعمال الحيلة، وتجنيب تلك الجماعة، ورام تخذيل الأذفونش، فأرغبه في المال فأبى وأقسم ألا يبرح عنها حتى يدخلها " (١). ولكنا لم نجد في الرواية النصرانية ما يؤيد أن ملك قشتالة قام في هذا التاريخ (سنة ١٠٩٧ م - ٤٩٠ هـ) بمهاجمة سرقسطة أو حصارها.
والواقع أن المستعين أخذ يشعر من ذلك الحين بأن مصير سرقسطة، قد أضحى رهناً بخطط المرابطين وغاياتهم، ولاسيما بعد أن أصبحوا على مقربة من أراضيه، ْومن ثم فقد رأى في النهاية أن يستبقي مودتهم، وأن يستمر في التقرب منهم، والتماس عونهم وحمايتهم. وفي سبيل هذه الغاية بعث ابنه عبد الملك إلى أمير المسلمين مرة أخرى (٤٩٦ هـ)، ومعه هدية جليلة من جملتها أربعة عشر ربعاً من آنية الفضة. وكان أمير المسلمين يومئذ بقرطبة، يعد العدة لإعلان البيعة لولده على بولاية عهده. فقبل الهدية، وأمر بأن تضرب هذه الآنية الفضية قراريط مرابطية، فرقت في أطباق على رؤساء قومه ليلة عيد الأضحى، وحضر عبد الملك حفل البيعة، ثم عاد إلى سرقسطة (٢).
وشعر المستعين بشىء من الطمأنينة، واعتزم أن يخصص جهوده لمقارعة ملك أراجون ومشاريعه العدوانية، وكان بيدرو ملك أراجون قد توفي يومئذ وخلفه في الملك أخوه ألفونسو الذي عرف فيما بعد بالمحارب. وهو الذي تسميه الرواية الإسلامية " بابن رذمير ". وكان أميراً مقداماً شديد البأس، ولم يكن قد بقي من قواعد مملكة سرقسطة الهامة بعد وشقة، سوى مدينة تطيلة، فسار إليها في قواته، وخف المستعين لإنجادها. ووقعت بين الفريقين معركة شديدة عند بلد تدعى بلتيرة (فالتيرا)، فهزم المسلمون، وقتل المستعين، وذلك في رجب سنة ٥٠٣ هـ (يناير سنة ١١١٠ م) (٣).
стр. 992
فخلفه ولده عبد الملك وتلقب بعماد الدولة، وبايعه أهل سرقسطة على شرط أن يترك محالفة النصارى، وأم يخرجهم من جيشه، وتعهد لهم عبد الملك بتحقيق رغبتهم، ولكنه لم ينفذ وعده. وكانت الحوادث تسير عندئذ بسرعة، وحسن الطالع يؤاتي المرابطين تباعاً، ولاسيما مذ أحرزوا نصرهم الحاسم بقيادة الأمير تميم ابن يوسف بن تاشفين على جيوش قشتالة في موقعة إقليش في سنة ٥٠١ هـ (١١٠٨ م)، وهي الموقعة التي أبيدت فيها القوات القشتالية، وقتل الإنفانت الطفل سانشو ولد ألفونسو السادس من حظيته زائدة الأندلسية. ولما رأى أهل سرقسطة أن أميرهم عماد الدولة لا يستجيب إلى شروطهم بتسريح قواته من النصارى، كتبوا إلى أمير المسلمين علي بن تاشفين، وهو في مراكش، يناشدونه خلع بني هود، وتسلم سرقسطة، فاستفتى على فقهاءه، فأفتوه بوجوب تحقيق هذه الرغبة، وبعث إلى قائده محمد بن الحاج والى بلنسية، أن يسير إلى سرقسطة.
ولما علم عماد الدولة بذلك، أرسل إلى أمير المسلمين خطاباً مؤثراً يستصرخه فيه، ويذكره بما كان بين والديهما من أواصر المودة، وأنه لم يصدر منه في حقه أية إساءة، وأنه من الخير أن يترك سرقسطة على حالها حاجراً بينه وبين النصارى، فرق علي لملتمسه، وكتب إلى قائده أن يكف عنه (١). ولكن الأمر كان قد قضي عندئذ. ذلك أن عماد الدولة لما شعر بمقدم المرابطين، غادر سرقسطة في أهله وأمواله إلى حصن روطة المنيع، واستقر به ينتظر الحوادث (٢). وفي رواية أخرى أن ابن الحاج حينما زحف على سرقسطة، تأهب عبد الملك لمقاومته، واستنصر بألفونسو ملك أراجون، وأنه وقع بين الفريقين قتال هزم فيه ابن الحاج وقتل، ثم إن أهل سرقسطة أخرجوا عبد الملك، واستدعوا عامل أمير المسلمين، فاستولى على سرقسطة وذلك في أواخر سنة ٥٠٣ هـ (٣). وفي روض القرطاس أن ابن الحاج سار من بلنسية إلى سرقسطة، ودخلها في سنة ٥٠٢ هـ. وأخرج منها بني هود وملكها (٤).
стр. 993
وهكذا انتهى حكم بني هود في سرقسطة، بعد أن دانت لحكمهم أكثر من سبعين عاماً، منذ انتزع عميدهم ومؤسس دولتهم سليمان بن هود الحكم من آل تجيب في سنة ٤٣٠ هـ. وقد عاشت ولاية سرقسطة أو الثغر الأعلى في الواقع، كوحدة سياسية وعسكرية مستقلة عن الحكومة المركزية أكثر من قرنين، إذا احتسبنا عهد بني تجيب بها. وهكذا كانت سرقسطة آخر دولة من دول الطوائف تسقط في أيدي المرابطين. وتاريخها في الأعوام القليلة القادمة حتى سقوطها في يد ألفونسو الأول ملك أراجون في سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م) يرتبط بتاريخ المرابطين.
على أن سقوط سرقسطة، لم يكن آخر العهد ببني هود. ذلك أن عماد الدولة عبد الملك بن المستعين، استقر بقاعدة روطة الحصينة (١)، الواقعة على نهر خالون أحد أفرع إبرُه " الإيبرو " الجنوبية. وكان بنو هود قد أعدوا هذه القاعدة وحصنوها، وزودوها بالأبنية الفخمة، لتكون لهم عند الضرورة ملجأ ومثوى، كلما نزلت بهم نازلة. واستمر عماد الدولة مقيماً بروطة، وهو يشهد الصراع المضطرم بين المرابطين والنصارى حول امتلاك سرقسطة. فلما سقطت في يد النصارى وضع نفسه تحت حماية سيدها الجديد ألفونسو ملك أراجون (ابن رذمير) واستمر على حاله، حتى توفي بروطة في شعبان سنة ٥٢٤ هـ (١١٣٠ م). فخلفه في الإمارة ولده أبو جعفر أحمد بن عبد الملك وتلقب بسيف الدولة المستنصر بالله، وكذلك بالمستعين بالله، واستمر في حكمه لروطة، وما حولها من الحصون والأراضي، حتى حمله ألفونسو ريمونديز ملك قشتالة، وهو الذي تعرفه الرواية الإسلامية بأدفونش بن رمند وبالسليطين، على التنازل عنها، وعوضه عنها بقسم من مدينة طليطلة، نزل فيه بأهله وأمواله، أو ببعض أملاك بجوار طليطلة أقطعه إياها، وذلك في سنة ٥٣٤ هـ (١١٣٩ م) (٢)، وهي حوادث نستوفيها فيما بعد في تاريخ المرابطين في شبه الجزيرة.
* * *
стр. 994
وقد كانت سرقسطة في عهد بني هود، كما كانت إشبيلية في عهد بني عباد، مركزاً لحركة علمية وأدبية زاهرة، وكان بنو هود من حماة العلوم والآداب، وقد نبغ بعضهم في ميدان التفكير، ولاسيما أبو جعفر المقتدر، وولده يوسف المؤتمن، وقد كان كلاهما من أكابر علماء عصره، في الفلسفة والرياضة والفلك، حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل. وقد اشتهرت سرقسطة في هذا العصر بنوع خاص، أعني في القرن الحادي عشر الميلادي بالدراسات الفلسفية والرياضية.
وكان من أعلام أبنائها في هذا العصر، فيلسوف من أعظم فلاسفة الإسلام وعلمائه، هو أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ المعروف بابن باجة، والذي يعرف في الغرب باسمه اللاتيني Avempace. وقد نشأ ابن باجة في أواخر القرن الحادي عشر بسرقسطة ودرس بها، وعاش فيها حتى مطلع شبابه قبل أن تسقط في أيدي الإسبان ونبغ في الرياضة والفلك والطبيعة والفلسفة، هذا فضلا عن براعته في الشعر والأدب.
ولما ولي الأمير أبو بكر بن إبراهيم اللمتوني حكم سرقسطة من قبل المرابطين، ندب ابن باجة لوزارته، واختص به، وأغدق عليه عطفه ورعايته، بالرغم مما كان يرمي به الفيلسوف من الميول والآراء الإلحادية. ولما سقطت سرقسطة في أيدي الإسبان (١١١٨ م) غادرها ابن باجة إلى إشبيلية، ثم إلى شاطبة، ثم نزح من الأندلس إلى المغرب، وعاش هناك حتى توفي في سنة ١١٣٨ م. وقد كتب ابن باجة زهاء خمسة وعشرين كتاباً لم يصلنا منها سوى القليل، وترك لنا عدداً من القصائد الرصينة الجزلة التي تنم روعة خياله ورائق نظمه. وهو يعتبر على العموم من أعظم المفكرين والفلاسفة الأندلسين، وقد كان لآرائه ونظرياته تأثير كبير في تفكير الفيلسوف أبي الوليد بن رشد الحفيد (١).
ونبغ في سرقسطة أيام بني هود في عهد المستعين بن المؤتمن، المفكر والفيلسوف السياسي أبو بكر الطرطوشي، نسبة إلى طرطوشة ثغر سرقسطة، وهو صاحب كتاب " سراج الملوك " الذي يعتبر بموضوعه ونظرياته المبتكرة، من الكتب التي وضعت أسس السياسة الملوكية في التفكير الإسلامي. ويشير ابن خلدون إلى هذا الكتاب في مقدمته ويعتبره من الكتب التي سبقته في موضوعه (٢). وقد وضع الطرطوشي كتابه أثناء إقامته بمصر أيام الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، وأهداه
стр. 995
في مقدمته إلى خلفه المأمون البطائحي، وتأثر في كتابته بتفكير فيلسوف العصر، العلامة ابن حزم القرطبي، وتوفي الطرطوشي بالإسكندرية سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م).
وقد أوحت ظروف مملكة سرقسطة وأحوالها السياسية والاجتماعية يومئذ، إلى الطرطوشي بكثير من نظرياته الاجتماعية، ومنها نظرية عصبية الدولة، فإن الطرطوشي يرى أن عصبية الدولة أو قوتها الحامية، إنما تقوم " على الجند أهل العطاء المفروض مع الأهلة " أي الجند المرتزقة الذين يتناولون أجورهم كل شهر.
ويعارض ابن خلدون هذه النظرية، ويقول إنها لا تنطبق على الدول في أولها، وإنما تنطبق على الدولة في نهاية عهدها، بعد التمهيد واستقرار الملك، وإستحكام الصبغة لأهله، وأن الطرطوشي قد أدرك الدولة الهودية عند هرمها ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي والصنائع، ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالأجر على المدافعة، وأدرك دول الطوائف، وذلك عند اختلال الدولة الأموية، وانقراض عصبيتها من العرب، واستبداد كل أمير بقطره، وعاش في ظل المستعين بن هود بسرقسطة، ولم يكن بقي لهم من أمر العصبية شىء لاستيلاء الترف على العرب منذ ثلثمائة من السنين وهلاكهم، ولم ير إلا سلطاناً استبد بالملك عن عشائره، وقد استحكمت له صبغة الاستبداد منذ عهد الدولة، وبقية العصبية، فهو يستعين على أمره بالأجراء من المرتزقة (١). والظاهر أن الطرطوشي قد تأثر تأثراً شديداً بما شهده من اعتماد بني هود في حماية ملكهم على معاونة الجند النصارى، ولاسيما أيام السيد إلكمبيادور، وسعيهم إلى شراء هذه المعونة بالمال أينما استطاعوا، منذ ابتداء دولتهم حتى نهايتها. وقد كان ذلك في نفس الوقت شأن كثير من ملوك الطوائف الآخرين، حسبما ذكرنا في أخبارهم.
وكانت سرقسطة إلى جانب كونها مركزاً للعلوم الرياضية والفلسفية في القرن الحادي عشر الميلادي، كباقي عواصم الطوائف الأخرى، مركزاً لحركة أدبية قوية، وقد نبغ بها في ذلك العصر كثير من الأدباء والشعراء مثل ابن الدباغ، وابن حسداي، وأبي عمر بن القلاس، وغيرهم، ممن ذكرهم صاحب الذخيرة، وأورد لنا الكثير من نظمهم ورسائلهم.
стр. 996
ولعبت سرقسطة بالأخص دوراً كبيراً في التبادل الثقافي والحضاري بين الأندلس وبين الدول الإسبانية المجاورة، والدول الفرنجية الشمالية، وقد هيأ لها موقعها بين الممالك الإسبانية على مقربة من جبال البرنيه، أن تضطلع بهذا الدور الحضاري الخطير. ومما هو جدير بالذكر أنها كانت في ذلك العصر، مهبط الفرسان النصارى من كل جنس، يجدون في بني هود وفي بلاطها الباذخ، ساحة رحبة، وكانت مركزاً لأشعار الفروسية والشعر الغنائي، الذي كان ينتشر يومئذ في أرجاء قطلونية وأراجون ونافار، ومنها كانت تنقل المقطوعات الغنائية الأندلسية إلى المجتمعات النصرانية المجاورة، فتؤثر في الملاحم والأناشيد القومية.
وقد انتقلت هذه المؤثرات، فيما بعد بمضي الزمن عبر جبال البرنيه إلى جنوبي فرنسا، ثم إلى غيرها من المجتمعات النصرانية.
ويجب أخيراً ألا ننسى دور سرقسطة المسلمة، في ترويج التبادل التجاري والمهني بين الشرق والغرب، فقد كانت مملكة سرقسطة بسيطرتها على جزء كبير من البحر المتوسط، وثغريها الكبيرين طرّكونة، وطرطوشة، تستقبل شطراً كبيراً من تجارة المشرق وتجارة الأندلس والمغرب، وتعمل على تصريفها إلى الأمم الأوربية عن طريق ثغور فرنسا الجنوبية، وثغور إيطاليا. وكان بنو هود يجنون من وراء ذلك أرباحاً طائلة، سواء من المكوس أو الوساطة التجارية، وقد كانوا في الواقع من أغنى ملوك عصرهم، وكان بلاطهم من أفخم قصور الطوائف، وأكثرها روعة وبذخاً، وإن لم تكن لهم شهرة في الجود والبذل، وقد استطاعوا بهذا الغنى الطائل، أن يجتذبوا الفرسان والمرتزقة النصارى لخدمة سياستهم، واستطاعوا بدفع الإتارات الوفيرة للملوك النصارى، أن يتقوا عدوانهم أطول وقت ممكن، ومن ثم فقد لبثت سرقسطة عصراً طويلا بمنجاة من تلك الغزوات المخربة، التي كانت تنكب بها دول الطوائف الأخرى.
стр. 997
الكتِاب السادس
موقعة الزلاّقة والفتح المرابطيّ
стр. 998
الفصْل الأوّل
نشأة المرابطين وقيام الدولة المرابطية بالمغرب
أصل المرابطين. قبيلة لمتونة وحياتها في القفر. دخولها في الإسلام. أول ملوكها. افتراق كلمتها. الأمير ابن تيفاوت اللمتوني. مصرعه وقيام الأمير يحيى الجدالي مكانه. رحيله إلى المشرق. لقاؤه بالفقيه أبى عمران الفاسي. عبد الله بن ياسين. رحيله مع الأمير إلى الصحراء. بثه لتعاليم الإسلام بين أهلها. صرامته وانصرافهم عنه. مغادرته لهم مع أصحابه وانقطاعه للعبادة. وفود أعيان صنهاجة إليه. قيام جماعة المرابطين. أطماع عبد الله الدفينة. تكاثر تلاميذه. يدعوهم إلى الجهاد. دعوته إلى اتباع أحكام الدين. مقاتلته لقبائل صنهاجة وإخضاعها. سلطانه الروحى على القبائل. يحيى بن ابراهيم الكدالي يتولى السلطة الزمنية. وفاته وقيام يحيى بن عمر اللمتوني مكانه. ورعه وفتوحه في الصحراء. صدى حركة المرابطين في المغرب. أحوال المغرب في ذلك العهد. استدعاء فقهاء درعة وسجلماسة للمرابطين. مسير المرابطين إلى درعة والاستيلاء عليها. استيلاؤهم على سجلماسة. عبد الله بن ياسين يأمر بإزالة المنكرات. وفاة الأمير يحيى وقيام أخيه أبي بكر مكانه. مسير المرابطين إلى بلاد السوس. يوسف بن تاشفين يقود الجيش. افتتاحه لقواعد السوس. الطائفة البجلية وسحقها. مسير المرابطين إلى الأطلس. افتتاحهم لأغمات. استيلاؤهم على تادلا. قبائل برغواطة ومذهبها الوثني. مطاردتهم ومحاربتهم على يد بلكين بن زيري والفتى واضح. مسير المرابطين لقتالهم. إصابة عبد الله بن ياسين ووفاته. قيام أبي بكر اللمتوني مكانه. بدء الدولة المرابطية. متابعة حرب برغواطة. افتتاح مكناسة ولواتة. أنباء الخلاف في الصحراء. أبو بكر يندب يوسف بن تاشفين للرياسة ويسير إلى الصحراء. تقسيم القوات المرابطية بين الزعيمين. أبو بكر يصلح شئون الصحراء. يوسف بن تاشفين ينظم افتتاح باقي المغرب. نجاحه واشتداد بأسه. اختطاطه لمدينة مراكش حاضرة المغرب. تنظيم يوسف للجيش. افتتاحه لمدينة فاس. مسيره إلى بلاد غمارة. فقد فاس واستردادها. عود أبي بكر من الصحراء إلى المغرب. تأثره بعظمة شأن يوسف وضخامة ملكه. لقاء الرجلين. زينب زوجة يوسف ودورها في ذلك. انصراف أبي بكر إلى الصحراء. يوسف يتم فتح المغرب. افتتاحه لطنجة. افتتاحه للمغرب الأوسط. قيام الدولة المرابطية الكبرى. يوسف بن تاشفين. نشأته وخلاله. يحكم أعظم إمبراطورية إسلامية في الغرب. ألقابه وانضواؤه تحت لواء الخلافة العباسية. يوسف وشئون الأندلس. صريخ ملوك الطوائف إليه. ظروف هذا الصريخ واختلاف الرواية في شأنه. أصل الفكرة ومبعثها. الإعتراض عليها. سقوط طليطلة وأثره في إذكائها. سفارة الأندلس إلى يوسف. العهود المتبادلة. مطالبة يوسف بثغر الجزيرة. يوسف يلبي نداء الطوائف. مسير الجيوش المرابطية إلى سبتة. جوازها إلى شبه الجزيرة. دعاء يوسف خلال الجواز.
стр. 999
يجدر بنا أن نقف الآن قليلا لنلقي بعض الضوء على أصل أولئك المرابطين، الذين شملت دولتهم الكبرى، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، سائر أنحاء المغرب من لوبية إلى المحيط غرباً، وإلى السودان جنوباً، والذين استجابوا إلى صريخ ملوك الطوائف، وعبروا البحر إلى شبه الجزيرة الإسبانية نصرة للإسلام وبنيه.
إن المرابطين هم من قبيلة لمتونة، ولمتونة هذه بطن من بطون صنهاجة، أعظم القبائل البربرية، وهي بدورها فرع من فروع قبيلة البرانس الكبرى.
وينتمي إلى صنهاجة، عدا لمتونة، عدد كبير من القبائل البربرية مثل مسوفة، ومسراتة، ومداسة، وكدالة. ووتريكة، ولمطة وغيرها. وقد لعب الكثير منها في تاريخ المغرب أدواراً ملحوظة. وفي بعض الروايات أن صنهاجة، وهي الأم الكبرى لهذه القبائل ترجع نسبتها إلى العرب اليمانية، وأنها فخذ من ولد عبد شمس ابن وائل بن حمير، وهي كسائر الروايات المماثلة في أنساب البطون البربرية رواية ضعيفة، تقوم على القصص والأسطورة (١).
وكانت لمتونة تسكن منذ عصور بعيدة قبل الإسلام في قلب الصحراء، ما بين جنوبي المغرب والسودان. في تلك المنطقة التي كانت تسمى منذ أيام الرومان إقليم " موريتانيا ". وكانت تؤثر حياة القفر على أية حياة أخرى " انتباذاً عن العمران، واستئناساً بالانفراد، وتوحشاً بالعز عن الغلبة والقهر "، وكانوا يعتمدون في قوتهم على لحم الإبل ولبنها، ولا يعرفون حرثاً ولا ثماراً، ولا يأكلون الخبز (٢). وكان شعارهم " اللثام " ومن ثم فقد عرفوا " بالملثمين "، وقيل في سبب ذلك إنهم كانوا يتخذون في أعراسهم نوعاً خاصاً من الحجاب، أو لأنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات، حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال (٣)، وقيل بل كانوا يقلدون في ذلك قبيلة حمير التي يدعون الانتساب إليها.
وذكر لنا أبو عبيد البكري، في معجمه " المسالك والممالك "، فيما يتعلق بأمر اللثام الذي يلتزمه المرابطون، أن جميع قبائل الصحراء يلتزمون، النقاب، وهو
стр. 1000
فوق اللثام، حتى لا يبدو منه إلا محاجر عينيه، ولا يفارقون ذلك في حال من الأحوال، ولا يميز رجل من وليه ولا حميمه إلا إذا تنقب. وكذلك في المعارك إذا قتل منهم القتيل. ونزل قناعه لم يعلم من هو حتى يعاد عليه القناع، وصار ذلك لهم ألزم من جلودهم، وهم يسمون من خالف زيهم هذا من جميع الناس أفواه الذبان بلغتهم (١).
وكانت لمتونة، كسائر القبائل البربرية، تدين بالمجوسية، واستمروا على ذلك حتى ذاع بينهم الاسلام عقب فتح الأندلس، وبدأت رياستهم من ذلك الحين تتخذ نوعاً من الملك. وفي أيام عبد الرحمن الداخل، أعني في أواسط القرن الثاني الهجري، كان ملكهم يدعى تيولوثان بن تيكلان الصنهاجي اللمتوني، فبسط سلطانه على سائر نواحي الصحراء، وحارب القبائل الوثنية، ونشر الإسلام بين كثير منها، وفرض الجزية على سائر ملوك السودان المجاورين، وكانت مملكته بالصحراء مسيرة ثلاثة أشهر في مثلها. ولما توفي في سنة ٢٢٢ هـ، خلفه في الرياسة حفيده الآثر بن بطين بن تيولوثان (٢)، واستطال حكمه زهاء خمسة وستين عاماً، حتى وفاته في سنة ٢٨٧ هـ، فخلفه ولده تمييم، واستمر في الحكم إلى أن ثار عليه في سنة ٣٠٦ هـ أشياخ قبيلة صنهاجة وقتلوه. وعندئذ افترقت كلمة الجماعة، وانقسموا شيعاً، واستمروا دون رياسة جامعة زهاء مائة وعشرين عاماً، إلى أن قام فيهم الأمير أبو عبد الله محمد بن تيفاوت اللمتوني المعروف بتارسنا، فالتفوا حوله، واجتمعوا على رياسته. وكان أميراً فاضلا ورعاً، شغوفاً بالجهاد، فلم يطل أمد حكمه سوى ثلاثة أعوام، إذ استشهد في غزوة من غزواته ضد بعض قبائل السودان الوثنية. فولى من بعده صهره الأمير يحيى بن ابراهيم الجدالي، زعيم قبيلة جدالة أوكدالة، وهي شقيقة لمتونة يجمعهما أب واحد، واستمر على رياسته لصنهاجة، وقيادتها في حروبها ضد أعدائها، حتى سنة ٤٢٧ هـ (١٠٣٥ م) (٣)، ثم استخلف في الرياسة ولده إبراهيم
стр. 1001
ابن يحيى، ورحل إلى المشرق مع طائفة من زعماء قومه، ليقضي فريضة الحج.
والظاهر أيضاً أن يحيى الكدالي كانت تحدوه في تلك الرحلة مُثل أخرى، فهو قد رأى ما كان عليه قومه من التأخر والجهل بتعاليم الإسلام وأصوله، فرحل إلى المشرق يطلب العلم إلى جانب قضاء الفريضة. ولما عاد من المشرق، عرج في طريقه على مدينة القيروان، وهنالك التقي وصحبه بالفقيه أبى عمران الفاسي شيخ المذهب المالكي يومئذ، وتأثروا بوعظه وعلمه. وشكا إليه يحيى من جهل قومه، وطلب إليه أن يختار له فقيهاً من تلاميذه، يتولى تعليم قومه وتثقيفهم بتعاليم الإسلام الصحيحة، ولما لم يجد أبو عمران من تلاميذه بالقيروان من يقبل تلبية هذه الدعوة، بعث معه كتاباً إلى تلميذ من تلاميذه بالسوس الأقصى يدعى أبو محمد واجاج بن زلوا اللمطي، وكان فقيهاً ورعاً يدرس العلم لتلاميذه في رباط خاص أنشأه لذلك، فلما مثل لديه يحيى قرأ خطاب الشيخ أبى عمران على تلاميذه، فاستجاب للدعوة منهم رجل يدعى عبد الله بن ياسين الجزولي، وكان من أنبه تلاميذه وأكثرهم علماً وورعاً. وكان قد رحل إلى الأندلس، وأنفق فيها بضع سنين يدرس في ظل الطوائف، فزاد علماً وتجربة. فسار مع يحيى إلى الصحراء، فاغتبطت بمقدمه لمتونة وكدالة، واستقبلوه بمنتهى الحفاوة والتكريم (١).
- ١ -
وكان عبد الله بن ياسين فقيهاً شديد الورع، والغيرة على تعاليم الإسلام، وكان فوق ذلك خطيباً موهوباً قوي التأثير، فأخذ يبث تعاليم الدين بين أولئك البدو الصحريين، ويبصرهم بأحكام الإسلام، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. بيد أنه اشتد في مؤاخذتهم، ومطالبتهم بالإقلاع عن تقاليدهم المنافية للإسلام مثل الزواج بأكثر من أربع، وكان من الأمور الشائعة بينهم، وغير ذلك من التقاليد المغرقة، فأخذوا ينصرفون عنه، ويعرضون عن تعاليمه، لما رأوا من صرامته، وما تكبدهم تعاليمه من المشقة والضيق. وعندنذ عول عبد الله، وتلميذه وصديقه الوفي يحيى بن ابراهيم، على انتباذ أولئك البدو الجهلة، والانقطاع إلى العبادة والزهد، في أحد المواضع النائية، وانضم إليه في ذلك سبعة نفر من كدالة
стр. 1002
ويحيى بن عمر بن تلاكاكين من رؤساء لمتونة. ويقول لنا ابن خلدون إن عبد الله ابن ياسين وأصحابه انقطعوا للعبادة في جزيرة يحيط بها بحر النيل من سائر جهاتها، وهو قول لا يمكن أن ينصرف إلى نهر النيل المعروف لنا، لبعد النيل عن صحراء المغرب الجنوبية بمسافات شاسعة، ولكن تفسير هذا الغموض يرجع إلى أن " نهر النيجر " كان يظن يومئذ أنه امتداد أو فرع لنهر النيل العظيم، يخترق الأقطار السودانية الغربية. ومن ثم فقد كان نهر النيجر يعرف يومئذ بنهر النيل أو النهر الأعظم، وبهذا الاسم يسميه الرحالة ابن بطوطة في أقواله عن رحلته في مملكة مالي السوداء (١).
وإذاً فإن الموضع الذي انقطع فيه عبد الله بن ياسين وأصحابه للعبادة كان فيما يرجح جزيرة تقع في منحنى نهر " النيجر " على مقربة من تنبكتو، وهذا ما يؤيده وصف صاحب روض القرطاس (٢).
وعلى أي حال فقد انقطع عبد الله وصحبه للعبادة في هذا الموضع، وابتنوا به رابطة للصلاة والعبادة، وما لبث أن اشتهر أمره، ووفد عليه كثير من أشراف صنهاجة ممن آثروا الزهد والعبادة، فعكف عبد الله على تثقيفهم ووعظهم، وسماهم " بالمرابطين " للزومهم رابطته، وأخذ يعلمهم أحكام الكتاب والسنة والصلاة والزكاة، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويشوقهم إلى الجنة، ويحذرهم عذاب النار، ويلهب حماستهم للجهاد في سبيل الله، ومقاتلة المخالفين لأحكام كتابه. وكان عبد الله بن ياسين، حسبما أسلفنا واعظاً موهوباً، وخطيباً ذلقاً مؤثراً، وكان هذا الفقيه الورع، يضطرم في أعماق نفسه بمشاريع وأطماع دفينة أخرى، غير تلقين أحكام الدين، وبث الورع والخشوع في نفوس أصحابه.
ْذلك أنه ما كاد يرى كثرة تلاميذه - فقد بلغوا الألف عندئذ - ويوقن بولائهم، وانقيادهم لأوامره، حتى دعاهم إلى الجهاد بصورة عملية، وبعثهم إلى أقوامهم، لينذروهم، ويطلبوا إليهم الكف عن البدع والضلالات، واتباع أحكام الدين الصحيح، ففعلوا ما أمروا به، ودعا كل قومه إلى الرشد والهدى، ومجانبة التقاليد المنافية للدين، فلم يصغ لهم أحد من أقوامهم، فخرج إليهم عبد الله ابن ياسين بنفسه، واستدعى أشياخ القبائل ووعظهم، وحذرهم عقاب الله،
стр. 1003
ونصحهم باتباع أحكامه، فلم يلق منهم سوى الإعراض والتحدي، فعندئذ قرر عبد الله وصحبه إعلان الحرب على أولئك المخالفين، وكان صحبه يزداد عديدهم كل يوم، حتى بلغوا بضعة آلاف.
وخرج عبد الله بن ياسين لقتال كدالة، فغزاهم في نحو ثلاثة آلاف، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسلم الباقون من جديد إسلاماً صحيحاً (٤٣٤ هـ - ١٠٤٢ م).
ثم سار لقتال لمتونة، وضيق عليهم حتى أذعنوا للطاعة، وبايعوه على الكتاب والسنة.
وسار بعد ذلك لقتال مسوفة فحذوا في الطاعة والبيعة حذو لمتونة. وهكذا تعاقب خضوع قبائل صنهاجة واحدة بعد الأخرى، حتى خضعوا جميعاً. وكان من ْتعاليمه أن يضرب التائب مائة سوط حتى يطهر، ثم يلقن تعاليم القرآن وأحكام الشرع. وبسط عبد الله بن ياسين سلطانه الروحي على سائر قبائل تلك الصحارى، وجعل السلطة الزمنية ليحيى بن ابراهيم الكدالي، وإن كان هو المستأثر في الواقع بكل سلطة وإليه الأمر والنهي، وجبى عبد الله الأموال من الزكاة والعشور والفيء، واقتنى الخيل والسلاح، واشتد بأسه، واشتهر أمره في سائر جنبات الصحراء، وفي المغرب والسودان. ولما توفي الأمير يحيى بن إبراهيم، ندب عبد الله مكانه للرياسة الأمير يحيى بن عمر بن تلاكاكين اللمتوني ليتولى شئون الحرب والجهاد (١).
وكان يحيى بن عمر اللمتوني أميراً ورعاً زاهداً، وكان كثير الولاء والطاعة لعبد الله بن ياسين. ومما يروى في ذلك أن عبد الله ضربه ذات يوم عشرين سوطاً لأنه باشر القتال بنفسه مع جنده، ولأن الأمير يجب ألا يعرض نفسه للمخاطر، وأن يقتصر على حث جنده وتقوية نفوسهم، وحياة الأمير هي حياة عسكره وفي موته فناء جيوشه. وقاد الأمير يحيى عدة حملات، وافتتح جميع جهات ْالصحراء، وغزا بلاد السودان وافتتح كثيراً من أنحائها. وكانت حركة المرابطين وأعمال زعيمهم عبد الله بن ياسين قد أخذت تحدث صداها في قواعد المغرب.
وكان المغرب يومئذ، قد انقسم بعد انقضاء أمر الأدارسة، وبعد أن لبث منذ منتصف القرن الرابع مسرحاً لحروب الشيعة وخلفاء قرطبة الأمويين، إلى ممالك
стр. 1004
وإمارات عدة، تسودها مختلف القبائل البربرية، ولاسيما صنهاجة وزناته ومغراوة، وكانت أعظم ممالكهم مملكة زيري بن عطية الزناتيين وبنيه بعده، وقد استطالت منذ أيام المنصور بفاس، ومعظم أعمال المغرب الشمالي، حتى أوائل القرن الخامس، واستقر بنو يفرن بأعمال الشاطىء في سلا وما يليها، واستقر بنو خزرون المغراويون بدرعة وسجلماسة وأعمالها، وبأنحاء أخرى في أواسط المغرب. واستقرت برغواطة جنوباً بشاطىء المحيط. وهكذا كان المغرب يقدم يومئذ بظروفه وإماراته الصغيرة المتفرقة، فرصة طيبة للطامعين والمتوثبين. وكانت العناصر الناقمة في تلك الإمارات المستبدة، تتطلع إلى أولئك القوم الجدد، الذين يضطرمون بالحماسة الدينية وينادون بالإصلاح، والتزام أحكام القرآن والسنة. ففي سنة ٤٤٤ هـ بعث فقهاء درعة وفقهاء سجلماسة بكتبهم إلى عبد الله ابن ياسين، وإلى الأمير يحيى اللمتوني وأشياخ المرابطين، يشكون ما يقع في بلادهم من ضروب الظلم والعسف، والخروج على أحكام الدين، ويدعونهم إلى إنقاذ المسلمين من هذا النير المرهق. وكانت درعة وسجلماسة يومئذ تحت حكم بنى وانودين من زعماء مغراوة، وأميرهم يومئذ هو مسعود بن وانودين، فجمع عبد الله بن ياسين أشياخ المرابطين وشاورهم في الأمر، فرأوا وجوب قبول الدعوة والسير إلى غوث أهل المدينتين. ففي سنة ٤٤٥ هـ خرج المرابطون من الصحراء على خيولهم في حشد ضخم، وعلى رأسهم عبد الله بن ياسين ويحيى اللمتوني، وقصدوا أولا إلى مدينة درعة فأخرجوا عنها عاملها، واستولوا عليها واستولوا في أرباضها على خمسين ألف من الإبل من أموال أميرها مسعود، ونهض مسعود بن وانودين لرد الغزاة والدفاع عن أراضيه، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، قتل فيها مسعود، وأبيد معظم جنده، واستولى المرابطون على دوابهم وأسلابهم. ثم ساروا إلى سجلماسة، فاقتحموها، وقتل من كان بها من جند مغراوة. وأمر عبد الله بن ياسين بإزالة المنكرات ورفع المكوس الجائرة، وتفريق الأخماس على المرابطين وفقهاء البلدين، وتطبيق أحكام الدين، وندب لحكم سجلماسة عاملا من اللمتونيين، وكانت هذه بداية الفتح المرابطي للمغرب (١).
стр. 1005
وهنا يذكر لنا أبو عبيد البكري، أن عبد الله بن ياسين بعد أن أتم فتح سجلماسة، سار جنوباً وغزا في سنة ٤٤٦ هـ، مدينة أودفست، وهي من أعمال مملكة غانة السوداء، وبينها وبين سجلماسة مسيرة شهرين، وبينها وبين مدينة غانة مسيرة خمسة عشر يوماً. وكان يسكن هذه المدينة خليط من زناتة والعرب، فدخلها المرابطون واستباحوها، وجعلوا جميع ما أصابوا فيها فيئاً (١).
وفي سنة ٤٤٧ هـ توفي الأمير يحيى بن عمر اللمتوني، فعين عبد الله بن ياسين مكانه للقيادة أخاه أبا بكر بن عمر. وكانت الخطوة الثانية في افتتاح المغرب، هي غزو بلاد السوس، ففي ربيع الثاني سنة ٤٤٨ هـ، سار المرابطون نحو جنوب غربي المغرب قاصدين بلاد السوس، وجعل الأمير أبو بكر على مقدمة جيشه ابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني، وهي أول مرة تقدم إلينا الرواية فيها، عاهل المرابطين العظيم فيما بعد. وبدأ بغزو بلاد جزولة ثم فتح ماسة، ثم سار إلى مدينة تارودنت قاعدة بلاد السوس فافتتحها. وكان بتارودنت طائفة من الرافضة تسمى البجلية نسبة إلى مؤسسها، على بن عبد الله البجلي الرافضي، وكان قد قدم إلى تلك الأنحاء أيام عبد الله الشيعي (أواخر القرن الثالث الهجري)، ونشر بها مذهبه، وهو يتضمن كثيراً من التعاليم المثيرة، فقتل المرابطون أولئك الروافض وارتد من بقي منهم إلى السنة، ودوخ المرابطون بلاد السوس، واستولوا على سائر نواحيها، وعين عبد الله بن ياسين لها عمالا من المرابطين، وأمرهم باتباع العدل والسنة، والاكتفاء بتحصيل الزكاة والأعشار، وإسقاط ما عدا ذلك من المغارم الجائرة.
وعبر المرابطون بعد ذلك جبال الأطلس، وقصدوا إلى بلاد المصامدة، وتوغلوا في جبال درن، وفتحوا وردة وشفشاوة ونفيس، وسائر بلاد منطقة جدميوه، وبايعتهم قبائل تلك الناحية. ثم ساروا إلى مدينة أغمات، وكانت يومئذ لمغراوة، وأميرها لقوط بن يوسف بن علي المغراوى، فضربوا حولها الحصار، ودافع لقوط عن مدينته أشد دفاع، ولكنه لما رأى عبث المقاومة، فر منها في أهله وحشمه تحت جنح الظلام، والتجأ إلى حماية بني يفرن أمراء تادلا. ودخل عبد الله بن ياسين وجنده المرابطون أغمات في سنة ٤٤٩ هـ، وأقام
стр. 1006
بها نحو شهرين حتى استراح جنده. ثم قصد إلى بلاد بني يفرن وهاجم قاعدتهم تادلا واقتحمها، وقتل من بها من بني يفرن، وظفر بلقوط المغراوي فقتله، وكانت زوجه زينب بنت إسحاق النفزاوية قد اشتهرت بحسنها ونبلها، فتزوجها الأمير أبو بكر اللمتوني. وبعد أن نظم عبد الله بن ياسين شئون هذه المنطقة سار إلى تامسنا لمقاتلة قبائل برغواطة.
وكانت هذه القبائل تدين بمذهب تنافي تعاليمه الإباحية أحكام الإسلام، أسسه رجل يهودي الأصل يدعى صالح بن طريف البرناطي نسبة إلى برناط، وهو حصن من أعمال شذونة بالأندلس، ووفد على منطقة تامسنا منذ أوائل القرن الثاني من الهجرة ونشر مذهبه بين أهلها، وهم قوم تسودهم البداوة والجهالة المطلقة، فادعى النبوة وأنه قد نزل عليه قرآن جديد، كان يتلو بعض سوره وزعم أنه المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وجعل الصلوات خمساً في النهار وخمساً في الليل، والصوم في شهر رجب، وأباح لهم الزواج بأي عدد من النساء إلى غير ذلك. وكثر عدد أنصاره بمضي الزمن حتى أصبحوا أمة كبيرة يطلق عليها برغواطة. وفي بعض الروايات أن برغواطة تنتمي إلى قبيلة زناتة الشهيرة.
ويقول ابن خلدون إنهم من المصامدة من حيث الوطن والجوار، وهم قبائل شتى لا يجمعهم أصل واحد، وإنما هم أخلاط من البربر اجتمعوا إلى مذهب صالح بن طريف (١). وأقام هذا الدعي صالح بن طريف لنفسه رياسة وملكاً في تلك المنطقة، منطقة تامسنا، وشاطىء المحيط الممتد من شمالي أزمور جنوباً حتى آسفي، وتوارث أعقابه وقرابته الملك من بعده. واشتهر منهم في أواخر القرن الثالث أبو غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح، واشتدت شوكته وعظم أمره، وكانت له في البربر وقائع مشهورة. وحارب ملوك العدوتين المغرب والأندلس، من الأدارسة وبني أمية والشيعة، قبائل برغواطة، وحاربهم بلكين بن زيري زعيم صنهاجة، حينما غزا المغرب سنة ٣٦٨ هـ، ولقيه أميرهم أبو منصور عيسى بن أبي الأنصاري في قومه، فهزم وقتل، وأمعن بلكين فيهم تقتيلا. ثم حاربهم المنصور بن أبي عامر، وبعث لقتالهم الفتى واضح،
стр. 1007
فأثخن فيهم. وحاربهم بنو يفرن. وهكذا استمرت قبائل برغواطة، هدفاً للعداء والنقمة، حتى كان ظهور المرابطين في أوائل القرن الخامس.
وكان من الطبيعي أن يتجه المرابطون إلى قتال هؤلاء الأقوام الكفرة الوثنيين.
ومن ثم فقد سار عبد الله بن ياسين، وقائده أبو بكر اللمتوني في جموع المرابطين إلى أرض برغواطه، وكان الأمير عليهم يومئذ أبو حفص بن عبد الله بن أبي غفير ابن محمد بن معاذ، المتقدم الذكر. ونشبت بين المرابطين وبين البرغواطيين وقائع شديدة، أصيب فيها عبد الله بن ياسين الجزولي إمام المرابطين، ومنشىء طائفتهم، بجراح بالغة توفي منها في نفس اليوم. وجمع قبيل وفاته أشياخ المرابطين وحثهم على الثبات في القتال، وحذرهم من عواقب التفرقة والتحاسد في طلب الرياسة. وكان مصرعه في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٤٥١ هـ (١٠٥٩ م) ودفن في مكان يعرف بكريفلة أوكريفلت على مقربة من تامسنا، وأقيم على قبره فيما بعد مسجد، وما يزال مزاره قائماً معروفاً حتى اليوم. وفي الحال اتفق رأي المرابطين على اختيار قائدهم أبي بكر بن عمر اللمتوني للرياسة مكان إمامهم المتوفى، وهو اختيار أوصى به عبد الله قبل أن يلفظ النفس الأخير (١)
وكان عبد الله بن ياسين فقيهاً شديد الورع والتقشف، شديد الحمية والتعصب لمذهبه، وقد ألفى في تلك القبائل الصحرية الساذجة، مادة طيبة لبث تعاليمه، واستطاع أن يذكي في نفوس أولئك المرابطين - أتباعه - تلك الحماسة الدينية البالغة، التي حملتهم من الصحراء إلى ربوع المغرب، وعاونتهم على انتزاعها تباعاً من أيدي القبائل الخصيمة. بيد أن عبد الله كان مع شديد ورعه، مشغوفاً بالنساء، يتزوج في كل شهر عدداً منهن ويطلقهن، ويسعى إلى خطبة الحسان أينما وجدن. وكان يأخذ ثلث الأموال المختلفة، وهو إجراء يصفه المؤرخ بالشذوذ (٢).
وقد ذكر لنا أبو عبيد البكري في معجمه " المسالك والممالك " بعض الأحكام الشاذة التي كان يطبقها عبد الله بن ياسين على المرابطين المنضوين
стр. 1008
تحت إمامته، وفي مقدمتها أخذه الثلث من مختلف الأموال بحجة أن ذلك يطيب باقيها، وهو مالا تسوغه الشريعة، من أي مذهب، ومنها أن الرجل إذا دخل في دعوتهم، وأبدى توبته على سالف ذنوبه، قيل له أنك ارتكبت في سالف شبابك ذنوباً كثيرة، ويجب أن يقام عليك حدودها، وتطهر من إثمها، فيضرب حد الزاني مائة سوط، وحد المفتري ثمانين سوطاً، وحد الشارب مثلها. وكذلك يفعل المرابطون بمن تغلبوا عليه، وأدخلوه قسراً في رباطهم، وإن علموا أنه قتل قتلوه، سواء أتاهم تايباً طائعاً، أو غلبوا عليه مجاهراً عاصياً. ومن تخلف عن شهود الصلاة مع الجماعة ضرب عشرين سوطاً، وغير ذلك من الأحكام القاسية التي لا تطبعها سماحة الإسلام الحقيقي (١).
- ٢ -
ونستطيع أن نقول إنه بوفاة عبد الله بن ياسين، وقيام أبي بكر اللمتوني مكانه في الرياسة، تبدأ الدولة اللمتونية أو الدولة المرابطية. وهو أبو بكر بن عمر بن تلاكاكين بن واياقطين. وكان أول ما عنى به بعد دفن الإمام، هو متابعة حرب برغواطة، فحشد سائر قواته، وجد في قتالهم، وأثخن فيهم، حتى مزق طوائفهم، وقتل وسبى منهم جموعاً كبيرة، حتى أذعنوا إلى الطاعة وأسلموا إسلاماً جديداً، ونبذوا تقاليدهم الوثنية المثيرة. وجمع ما استولى عليه من الأموال والغنائم، وقسمها بين المرابطين، ثم عاد إلى مدينة أغمات، وأقام بها حتى شهر صفر سنة ٤٥٢ هـ (١٠٦٠ م). ثم غادرها في قوات ضخمة من صنهاجة وجزولة، والمصامدة، وافتتح بلاد فازاز ومكناسة، وسائر أراضي زناتة، ثم سار إلى مدينة لواتة، وكانت بيد بني يفرن فاقتحمها عنوة وخربها وقتل بها خلقاً كثيراً، وذلك في شهر ربيع الثاني سنة ٤٥٢ هـ، وعاد بعدئذ إلى أغمات.
ولبث أبو بكر في أغمات بضعة أشهر أخرى، وعندئذ وفد إليه رسول من بلاد القبلة قاعدتهم بالصحراء، ونبأه باختلاف المرابطين هناك، ووقوع الخلاف
стр. 1009
بين لمتونة ومسوفة، فخشى أبو بكر أن يتفاقم الأمر هناك بين القبائل الشقيقة، وقد كانت الصحراء منبع أمرهم، ومطلع سلطانهم، فقرر أن يعود إلى قومه، ليجبر الصدع ويوحد الكلمة. فوكل شئون المغرب لابن عمه يوسف بن تاشفين ونزل له عن زوجته الحسناء زينب بنت إسحاق النفزاوية، بعد أن طلقها، حتى لا تشاطره خشونة الحياة الصحرية، فتزوجها يوسف فيما بعد، وأمره بمتابعة قتال مغراوة وبني يفرن وزناتة، ووافق أشياخ المرابطين على هذا الاختيار، لما يعلمونه عن يوسف " من دينه وفضله وشجاعته وحزمه وشدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته " (١).
وقسمت القوات المرابطية عندئذ إلى جيشين، تولى يوسف إمرة أحدهما ليتم به إخضاع المغرب، وتولى أبو بكر إمرة الآخر. وخرج أبو بكر في جيشه في شهر ذي القعدة سنة ٤٥٣ هـ (ديسمر ١٠٦١ م) واخترق بلاد تادلا وسجلماسة، ثم سار جنوباً إلى الصحراء، وهناك قام بإصلاح شئونها، والقضاء على أسباب الخلاف بين أقوامها، وتوحيد كلمتهم، ثم حشد قوات جديدة، وسار في جيشه الضخم إلى بلاد السودان، فغزا الكثير من نواحيه، وتوغل في أراضيه إلى مسيرة ثلاثة أشهر. وفي تلك الأثناء كان يوسف بن تاشفين، يؤدي مهمته العظيمة في افتتاح باقي أقطار المغرب، فبدأ بذلك بأن قسم الجيش المرابطي، وقد بلغ يومئذ أربعين ألف مقاتل، إلى أربعة أقسام، اختار لها أربعة من أقدر قواده، وهم سير بن أبي بكر اللمتوني، ومحمد بن تميم الكدالي، وعمر بن سليمان المسوفي، ومدرك التلكاني، وعقد لكل منهم على خمسة آلاف، وجعلهم في مقدمة قواته، وبعث بهم إلى مختلف أنحاء المغرب، وتولى هو قيادة بقية الجيش يسير به في أثرهم. وأخذت تلك الجيوش المرابطية في محاربة القبائل الخصيمة، ولاسيما مغراوة وزناتة وبني يفرن، ودوختها وغلبت على سائر أراضيها، وهرعت القبائل يجنح بعضها إلى المقاومة حتى يهزم ويغلب، ويجنح البعض الآخر إلى الاستسلام والطاعة. ولم تمض بضعة أشهر حتى كان يوسف قد غلب على معظم نواحي المغرب الجنوبية والوسطى، فعاد من غزاته المظفرة إلى أغمات في أواخر سنة ٤٥٤ هـ، وقد عظم أمره، واشتد بأسه، وذاع صيته في سائر أنحاء المغرب.
стр. 1010
وفكر يوسف عندئذ أن يختط لنفسه محلة، تكون قاعدة لجيوشه، ومستودعاً لذخائره، ووقع اختياره في ذلك على أرض تقع شمال غربي مدينة أغمات، وكانت لبعض المصامدة، فاشتراها يوسف واختط بها قصبة ومسجداً، وكان يعمل في بناء المسجد بنفسه مع الفعلة، فكان ذلك مولد مدينة مَرَّاكُش الشهيرة (سنة ٤٥٤ هـ - ١٠٦٢ م). وكان هذا الاسم يطلق على هذا المكان، ومعناه بلغة المصامدة، " إمش مسرعاً ". إذ كان مأوى اللصوص وقطاع الطريق. واختار يوسف أن تكون قاعدته في قلب بلاد المصامدة، إذ كانوا أشد قبائل المغرب قوة وأكثرهم جمعاً، وكانوا قوام جيوشه، ومن جهة أخرى فقد كانت القاعدة الجديدة تقع في حمى جبل درن من شعب الأطلس. ونزل يوسف في محلته بالخيام أولا ودون أن تبنى أسوارها، ثم أقيمت بها القصور والأبنية فيما بعد، واختط بها الناس وحفرت بها الآبار، على أن مراكش لم يكمل بناؤها وتتسع رقعتها، ويقام سورها العظيم، إلا في عهد على بن تاشفين ولد يوسف، وذلك في سنة ٥٢٦ هـ. وقد كان القسم الذي أنشأه يوسف من مدينة مراكش العظيمة، يشمل القسم الذي يعرف بسور الحجر فيما بينه وبين جامع الكتبيين، وهو الذي يعرف اليوم بالسجينة. وقد غدت مراكش في فترة يسيرة من أعظم المدن المغربية وأجلها، وغدت من ذلك التاريخ، قاعدة الدول المغربية العظيمة، ما عدا دولة بني مرين، ولعبت في تاريخ المغرب أعظم دور. وما زالت تحتفظ حتى اليوم بكثير من روعتها وجلالها القديم (١).
وعمل يوسف في ذلك الحين على تقوية جيشه وحرسه، فاقتنى من العبيد نحو ألفين، وبعث إلى الأندلس فاشترى عدداً كبيراً من العلوج والأرقاء النصارى، وأنشأ منهم فرقة قوية من الفرسان برسم حرسه وحجابته، واشتهرت فيما بعد ببلائها في مواقع كثيرة، واستعان يوسف على نفقاته العسكرية بما فرضه يومئذ على اليهود من ضرائب فادحة اجتمع له منها مال كثير (٢).
وما كاد يوسف ينتهي من إنشاء حاضرته، وتنظيم جيشه. حتى تأهب لفتح مدينة فاس عاصمة المغرب القديمة، وأعظم مدائنه يومئذ. وكانت الجيوش
стр. 1011
المرابطية، قد تضخمت في تلك الأثناء، وعنى يوسف بتنظيمها، وتجهيزها بالرماة والعدة، والبنود والطبول، ويقال إنها بلغت يومئذ أكثر من مائة ألف فارس من قبائل صنهاجة، وجزولة، وزناتة، والمصامدة. وفي أواخر سنة ٤٥٤ هـ سار يوسف لافتتاح مدينة فاس، فتلقته قبائلها من زواغة ولماية ولواتة وصدينة ومغيلة ومديونة وغيرها، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة، انهزمت فيها تلك القبائل، وامتنعت بصدينة، فاقتحمها يوسف، وقتل منها عدة آلاف.
ثم سار إلى فاس، ونازل أولا قلعة فازاز وهي من حصونها الأمامية، ثم زحف على فاس ذاتها، وبها صاحبها معنصر المغراوي، وافتتح حصونها تباعاً، ثم اقتحمها، وذلك في سنة ٤٥٥ هـ، واستعمل عليها عاملا من لمتونة. وسار بعد ذلك إلى بلاد غمارة، وغلب على كثير من نواحيها، حتى أشرف على طنجة.
وفي خلال ذلك عاد بنو معنصر المغراوي إلى فاس، فاقتحموها وقتلوا عامل يوسف، واحتلوها، واضطر يوسف أن يعود لمنازلتها، فسار إليها في جيش ضخم، وضرب حولها الحصار بشدة، ثم اقتحمها عنوة، وقتل بها كثيراً من مغراوة وبني يفرن، وذلك في أوائل سنة ٤٦٢ هـ (١٠٦٩ م).
- ٣ -
ويجب قبل أن نتم الكلام عن فتوح يوسف، أن نعطف على واقعة كان لها أثرها الحاسم في حياة يوسف، وفي مصاير دولة المرابطين، وذلك أن الأمير أبا بكر اللمتوني بعد أن نظم شئون الصحراء، وقضى في غزواته بضعة أعوام، نمى إليه ما وفق إليه ابن عمه يوسف من الفتوح العظيمة، ومن ضخامة السلطان واستقراره، فقرر أن يعود إلى المغرب ليسبر غور الأمور، وربما جال بخاطره أن يعزل يوسف، وأن يسترد هو سلطانه، باعتباره أمير المرابطين الشرعي.
ويقول لنا صاحب الحلل الموشية إن مقدم أبي بكر من الصحراء إلى المغرب كان في سنة ٤٦٥ هـ، وإنه نزل بمحلته خارج مدينة أغمات، فهرع صحبه إلى مراكش العاصمة الجديدة، لرؤيتها والسلام على يوسف، واستقبلهم يوسف بالترحاب، وأغدق عليهم الهدايا والصلات (١). وأدرك أبو بكر مبلغ ما انتهى إليه يوسف من الضخامة والتوطد، وما يتمتع به من المحبة والنفوذ بين طائفته، وأنه لم يبق
стр. 1012
له أمل في انتزاع شىء مما في يده. بيد أنه يبدو لنا على ضوء رواية ابن أبى زرع وابن خلدون أن مقدم أبى بكر إلى المغرب كان قبل ذلك بقليل. ذلك أن زينب النفزاوية زوجة يوسف، لعبت دوراً في لقاء الرجلين. وقد توفيت زينب في سنة ٤٦٤ هـ. وخلاصة هذه الرواية أن يوسف شعر عند مقدم أبى بكر بدقة الموقف، وما يتهدد سلطانه، فاستشار زوجه زينب النفزاوية في الأمر، وكانت إلى جانب جمالها من أعقل نساء زمانها، وأبعدهن نظراً، وكان مذ تزوجها يرجع إليها في عظائم الأمور، ويعتمد على نصحها، وذكائها، وحسن سياستها فأشارت عليه بأن يستقبل أبا بكر بالجفاء والغلظة، ويشعره بقوة السلطان والاستبداد، ويلاطفه مع ذلك بالهدايا والطعام والخلع بما يصلح للصحراء. وسار يوسف للقاء أبي بكر، فالتقيا بموضع بين أغمات ومراكش. وشعر أبو بكر مما أبداه يوسف، ومن تعاليه في السلام عليه وهو راكب فرسه، أنه حريص على سلطانه، مستعد للدفاع عنه، وزهد في التنافس والقتال، وأوصى يوسف باتباع العدل والرفق، ثم ودعه وعاد إلى الصحراء، وقد زوده يوسف بطائفة عظيمة من الهدايا الجليلة، من المال والخيل والبغال والأسلحة المحلاة بالذهب، والجواري والثياب الفاخرة والمؤن والدواب، وهنالك استأنف الجهاد والغزو حتى قتل في بعض غزواته وذلك في سنة ٤٨٠ هـ (١٠٨٧ م) (١).
وقضى يوسف أعواماً أخرى في إتمام فتح المغرب، حتى سيطر على معظم نواحيه، ودوخ سائر قبائله. وفي سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ م) نراه وقد أشرف على طنجة، وانتزعها من يد صاحبها الحاجب سكوت (أوسواجات) البرغواطي وهو في نفس الوقت صاحب سبتة. وكان سكوت من موالي بني حمود، وقد ولى حكم سبتة في أواخر أيامهم، ثم استولى على طنجة، وقوي أمره في ذلك الركن المنعزل من المغرب، وأطاعته قبائل غمارة، واستمرت ولايته زهاء عشرين عاماً. فلما زحفت الجيوش المرابطية إلى تلك الناحية، اعتزم سكوت الدفاع عن ملكه، وكان شيخاً في التسعين من عمره، ولكنه كان فارساً مقداماً.
فالتقى بالمرابطين في وادي منى على مقربة من طنجة، وقاتل حتى قتل ومزق جيشه، وسقطت طنجة في أيدي المرابطين، واعتصم ولده يحيى بن سكوت
стр. 1013
بسبتة. وفي سنة ٤٧٤ هـ زحف يوسف على المغرب الأوسط، واستولى على مدينة وجدة، ثم استولى على تلمسان ووهران، واستمر في سيره المظفر حتى تونس فافتتحها، واستولى بذلك على سائر شواطىء المغرب وثغوره الشمالية، وقضى على سلطان سائر الأمراء المحليين الذين كانوا يقتسمون المدن والثغور يومئذ، وشمل سلطانه جميع الأقطار الغربية، حتى تونس شرقاً وحتى المحيط الأطلنطي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالا حتى حدود السودان جنوباً (١).
وهكذا قامت الدولة المرابطية الكبرى، وأقامتها عبقرية رجل واحد، وهو يوسف بن تاشفين، بعد أن وضع أسسها الأولى فقيه متعصب هو عبد الله ابن ياسين، واستحالت بسرعة على يد أبي بكر اللمتوني ثم يوسف من بعده، من زعامة دينية محلية، إلى ملك سياسي ضخم. وقد ذكرت لنا الرواية عن هذا الزعيم الموهوب والجندي العظيم بعض معلومات خلاصتها، أنه أبو يعقوب يوسف بن تاشفين بن ابراهيم بن ترقوت بن وارتقطين بن منصور بن مصالة ابن أمية الحميري الصنهاجي اللمتوني، فهي بذلك تنسبه إلى حمير، وأمه حرة لمتونية اسمها فاطمة بنت سير بن يحيى. وقد ولد بالصحراء في سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م). بيد أننا لا نعرف شيئاً عن حياته ونشأته الأولى، وتذكره لنا الرواية لأول مرة في سنة ٤٤٨ هـ، حينما ندبه الأمير أبو بكر اللمتوني ليكون قائداً لجيش المرابطين الزاحف لغزو المغرب. وكان يوسف يومئذ في الثامنة والأربعين من عمره. ومن ذلك التاريخ فقط، تتبع الرواية أعمال يوسف وفتوحه العظيمة المتعاقبة. وهي التي فصلناها فيما تقدم. وتنوه الرواية بورع يوسف وزهده، وبساطته وتواضعه، فقد كان بالرغم مما أتاه الله من بسطة في الملك والنعم، آية في التقشف، يرتدي الصوف طول حياته، ولا يرتدي سواه قط، ولا يأكل سوى الشعير ولحوم الإبل وألبانها. وكان بطلا شجاعاً حازماً، مهيباً، دائب التفقد لبلاده وثغوره، وأحوال رعيته، مجاهداً لا يفتر عن متابعة الجهاد، منصوراً مظفراً في معظم الوقائع التي خاضها، جواداً كريماً عادلا رفيقاً، ينأى عن إرهاق رعيته بالمغارم المحرمة، ولا يفرض منها إلا ما يجيزه ْالشرع، من الزكاة والأخماس والأعشار، وجزية أهل الذمة. وأما عن شخصه،
стр. 1014
فقد كان معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، أكحل العينين، أقنى الأنف، جعد الشعر، رقيق الصوت (١).
وقد حكم يوسف بن تاشفين، أعظم امبراطورية إسلامية قامت في الغرب الإسلامي، فهو فضلا عن إنشاء الإمبراطورية المغربية الكبرى، ممتدة فيما بين تونس والمحيط، وما بين البحر وحدود السودان، قد انتهى بعد ظفره في موقعة الزلاّقة على جيوش اسبانيا النصرانية حسبما نفصل بعد، إلى افتتاح ممالك الطوائف الأندلسية، وبسط سيادة الدولة المرابطية المغربية على اسبانيا المسلمة، وبذا كانت تمتد امبراطوريته عبر البحر شمالا حتى سرقسطة في شمال شرقي اسبانيا، وحتى شنترين وأشبونة في قلب البرتغال.
وكان يوسف بن تاشفين في بداية أمره يلقب بالأمير، فلما فتح المغرب وترامت حدود مملكته، أراد بعض أشياخ المرابطين أن يحملوه على اتخاذ سمة الخلافة، فأبى واكتفى باتخاذ لقب أمير المسلمين، وناصر الدين، وأصدر مرسومه، بأن يدعى له بذلك اللقب، وذلك في سنة ٤٦٦ هـ (٢). وفي أواخر عهده، بعد أن ملك الأندلس، نصح له الفقهاء أن تكون ولايته من الخليفة لتجب طاعته على الكافة، فأرسل إلى الخليفة المستظهر بالله العباسي ببغداد، سفيراً ومعه هدية جليلة، وكتاب بما فتح الله عليه من الملك، وما أولاه من النصر، وطلب تقليده الولاية، فبعث إليه الخليفة بمرسوم الولاية، والخلع والتشاريف (٣) ومما يؤكد لنا انضواء يوسف تحت لواء الخلافة العباسية، ذكره في سكته لاسم الخليفة العباسي (٤).
- ٤ -
ننتقل الآن إلى تلك المرحلة الأخرى من حياة يوسف، وهي مرحلة تدخله في حوادث شبه الجزيرة الإسبانية، وهي مرحلة تتخذ في البداية طابع الجهاد في سبيل الله، ثم تنقلب بعد ذلك، إلى موجة جديدة من الفتح المرابطي.
стр. 1015
وقد سبق أن ذكرنا في أخبار مملكتي إشبيلية وبطليوس، ما انتهى إليه أمراء الطوائف. عقب استيلاء ألفونسو السادس ملك قشتالة على طليطلة ومملكة بني ذى النون في سنة ٤٧٨ هـ. وتهديده لهم جميعاً بالويل والفناء، من وجوب الاستنصار بإخوانهم في عدوة المغرب، وإرسالهم بصريخهم المتوالي إلى يوسف بن تاشفين، لينهض إلى نجدتهم وإغاثتهم. وقد اختلفت الرواية في تفصيل مقدمات هذا الصريخ وظروفه. والقول المشهور في ذلك، هو أن سقوط طليطلة، كان هو العامل الجوهري، الذي حمل ملوك الطوائف، على أن يتجهوا إلى الاستنصار بالمرابطين. بيد أن هناك ما يحمل على الاعتقاد بأن هذا الاتجاه يرجع إلى ما قبل سقوط طليطلة بعامين أو ثلاثة، فقد سقطت طليطلة في يد ملك قشتالة في صفر سنة ٤٧٨ هـ (مايو ١٠٨٥ م)، ولكنا نجد صريخ الأندلس يتوالى على بلاط مراكش منذ سنة ٤٧٤ هـ، فقد وفد في ذلك العام على يوسف جماعة من أهل الأندلس، وشكوا إليه ماحل بهم من عدوان النصارى، وطلبوا إليه النجدة والعون، فوعدهم بتحقيق أمنيتهم (١). ثم توالى صريخهم بعد ذلك. ويحدثنا يوسف بن تاشفين نفسه عما تلقاه من صريخ الأندلس المتوالي في رسالته التي بعث بها عقب موقعة الزلاقة إلى المعز بن باديس أمير إفريقية، فيقول: " ولما بلغنا من استحواز النصارى، - دمرهم الله - على بلاد الأندلس ومعاقلها، والتزام الجزية لرؤسائها، واستيصال أقالمها، وإيطايهم البلاد داراً داراً، لا يتخوفون عسكراً يخرج إليهم، فيبدد جمعهم، ويفل حدهم، وهم مع ذلك كله يقتلون الشيب والشبان، ويأسرون النساء والصبيان، فخوطبنا عن الجواز إلى الأندلس من جميع الأحواز المرة بعد المرة، وألوتنا الأعذار إلى وقت الأقدار " (٢). ويؤيد ابن خلدون هذه الرواية، ويوردها بصورة أخرى، فيقول لنا إن المعتمد بن عباد خاطب أمير المسلمين يوسف، ملتمساً إنجاز وعده في إنجاد الإسلام في الأندلس، وكاتبه أهل الأندلس كافة من العلماء والخاصة، فاهتز أمير المسلمين للجهاد، وبعث ابنه المعز في عساكر المرابطين إلى سبتة فنازلها براً، وطافت بها سفن ابن عباد بحراً، ثم اقتحموها عنوة في ربيع الآخر
стр. 1016
سنة ٤٧٦ هـ، وأسر صاحبها يحيى بن سكوت ثم قتل. وجاز ابن عباد بعد ذلك، وقصد إلى أمير المسلمين، ولقيه بفاس مستنفراً له في الجهاد، ونزل له عن ثغر الجزيرة ليكون رباطاً لجهاده (١). ويقول لنا ابن أبي زرع، إن أمير المسلمين لما عاد إلى مراكش في سنة ٤٧٥ هـ عقب فتحه لوهران وتونس، ورد عليه كتاب المعتمد بن عباد، يعلمه بحال الأندلس، وما آل إليه أمرها من تغلب العدو على معظم ثغورها، ويسأله الإنجاد والعون، فأجابه يوسف بأنه إذا فتح الله عليه سبتة فإنه سوف يتصل بهم، ثم يحدثنا بعد ذلك عن الغزوة التي قام بها ألفونسو في نفس العام، في أراضي إشبيلية وكيف اخترقها بقواته حتى وصل إلى طريف، وخاض الماء بفرسه قائلا، هذا آخر الأندلس قد وطأته، وأنه لما استولى على طليطلة اتفق أمراء الأندلس وكبراؤها على الاستنصار بيوسف وكتبوا إليه جميعاً يلتمسون منه الغوث، وأنهم سوف يكونون معه يداً واحدة في جهاد العدو. فلما توالت كتب الأندلس على يوسف بعث ابنه المعز لافتتاح سبتة، فحاصرها وافتتحها في شهر ربيع الأول سنة ٤٧٧ هـ، فسر بذلك أمير المسلمين، وسار في الحال بقواته نحو الشمال ليجوز منها إلى الأندلس (٢). وفي أقوال ابن أبي زرع شىء من الغموض والتناقض في التواريخ. ولكنه مع ذلك يؤيد الواقعة الجوهرية، وهي أن اتجاه أمراء الطوائف إلى الاستنصار بأمير المسلمين، حدث قبل سقوط طليطلة ببضعة أعوام، وأن سقوط طليطلة لم يكن إلا عاملا جديداً في تقوية هذا الاتجاه وإذكائه.
وإنه ليلوح لنا أن فكرة استدعاء المرابطين لإنجاد الأندلس، قد خطرت لأول مرة للمعتمد بن عباد حينما اشتد ألفونسو في إرهاقه بطلب الجزية، وأرسل إليه ابن شاليب اليهودي في اقتضائها، وذلك في سنة ٤٧٥ هـ ووقع عندئذ ما وقع من بطش ابن عباد برسل ألفونسو، وخروج ملك قشتالة في قواته للانتقام من ابن عباد، واجتياحه لمملكته، وتخريبه لمدنها ومروجها، من إشبيلية جنوباً حتى مدينة طريف، وذلك حسبما فصلناه في موضعه من أخبار مملكة إشبيلية.
والظاهر أن المعتمد قد أدرك عندئذ، وإن يكن متأخراً، فداحة الخطأ الذي
стр. 1017
ارتكبه، بخضوعه لملك قشتالة ومحالفته، وأدرك مدى ما تنطوي عليه سياسة هذا الملك القوي من الخديعة والغدر، واعتزم عندئذ أمره في استدعاء المرابطين.
وليس معنى ذلك أن ابن عباد كان ينفرد بهذا التفكير وهذا العزم، فلا شك أن معظم أمراء الطوائف قد جالت بخواطرهم تلك الفكرة، فقد كانوا جميعاً يشعرون بنفس الخطر، وكانوا جميعاً يعانون ضغط ملك قشتالة، وتخريبه لأراضيهم، وجشعه في استصفاء أموالهم باسم الجزية، بيد أن ابن عباد، قد كان كبير ملوك الطوائف، وكان يواجه في نفس الوقت أعظم الأخطار المباشرة من عدوان ملك قشتالة، وكان حرياً بأن يتقدمهم في اعتناق هذه الفكرة وتنفيذها.
على أن فكرة الاستنصار بالمرابطين لم تكن دون معارضة، فقد كان ثمة بين ملوك الطوائف من يخشى عواقبها ويحذر ابن عباد من مغبة سياسته، وقد أجابهم ابن عباد بكلمته المأثورة " رعي الجمال خير من رعي الخنازير"، يقصد بذلك أن خير له أن يغدو أسيراً لدى أمير المسلمين يرعي جماله، من أن يغدو أسيراً لملك قشتالة النصراني (١).
ثم كان سقوط طليطلة بعد ذلك بعامين، فكان نذيراً لا شك في خطورته.
وإذا كانت فكرة الاستنصار بالمرابطين، قد بدت من قبل لأمراء الطوائف أملا يداعبهم، فقد بدت عندئذ ضرورة ماسة، وبدت بالنسبة للأندلس مسألة حياة أو موت، ومن ثم فإن الصريخ الذي كان يتخذ من قبل صورة الكتب والدعوات الخاصة، يتخذ عندئذ صورته الرسمية، وتشاطر الأندلس كلها، أمراؤها وفقهاؤها وكافتها هذا الاتجاه، ويبعث ابن عباد وزميلاه المتوكل ابن الأفطس صاحب بطليوس، وعبد الله بن بلقين صاحب غرناطة، سفارتهم الرسمية إلى أمير المسلمين، على يد أبي بكر عبيد الله بن أدهم قاضي قرطبة، وأبى إسحق بن مُقانا قاضي بطليوس، وأبى جعفر القليعى قاضي غرناطة، وأبى بكر بن زيدون وزير المعتمد (٢). وعبر سفراء الأندلس البحر إلى المغرب وقصدوا إلى أمير المسلمين في مراكش، وكانت وفود الأندلس تتوالى من قبل
стр. 1018
ذلك على يوسف مستعطفة باكية، ترجوه الغوث والإنجاد، فيستمع إلى قولهم، ويعدهم خيراً. والظاهر أن سفارة الأندلس الرسمية لم تأت لكي تلتمس العون، دون قيد ولا شرط. وقد وقعت بينها وبين أمير المسلمين مفاوضات أسفرت عن عهود متبادلة، خلاصتها أن يتعاون أمير المسلمين وأمراء الطوائف في محاربة النصارى، وأن يؤمن أمراء الطوائف في ممالكهم، وألا تحرض رعيتهم على شىء من الفساد، ومن جهة أخرى فقد طلب أمير المسلمين عملا بنصح وزيره الأندلسي عبد الرحمن بن أسبط أن يُسلم إليه ثغر الجزيرة، وقد كان يومئذ من أملاك ابن عباد، لكي يكون قاعدة أمينة لعبور جيشه، وقد نزل ابن عباد عند هذه الرغبة، وأمر حاكم الجزيرة ولده يزيد الراضي بإخالائها. لتكون رهن تصرف أمير المسلمين (١).
وقد سبق أن أشرنا إلى ما عمد إليه ملك قشتالة عقب استيلائه على طليطلة، من الكتابة إلى ابن عباد يطالبه بتسليم بلاده، وينذره بسوء المصير، وما كتب به كذلك إلى المتوكل بن الأفطس في هذا المعنى، وإلى ما رد به كل من الأميرين المسلمين، على الملك النصراني، وذلك في أخبار مملكتي إشبيلية وبطليوس.
* * *
وهكذا اعتزم أمير المسلمين أمره، بعد استشارة قومه وفقهائه، وقرر أن يلبي صريخ أهل الأندلس، وأن يبادر إلى غوثهم، ولم يك ثمة شك في أن يوسف وقومه المرابطون، كانت تحدوهم نزعة الجهاد في سبيل الله، بيد أن أولئك الجند الصحراويين الذين نشأوا في غمار القفر والبداوة، كانت تحدوهم في نفس الوقت رغبة في رؤية الأندلس، وما اشتهرت به من الخصب والنعماء، وأن يبلوا حرب النصارى (٢). ومن الصعب علينا في هذا الموطن، أن نستشف نيات يوسف ْالتي كشف عنها فيما بعد، في افتتاح الأندلس وامتلاكها، بيد أنا نرجح أنه لم يكن يجيش بمثل هذه النية في البداية، وأنها خطرت له فيما بعد، بعد أن درس أحوال الأندلس، وأحوال أمرائها. واستنفر يوسف سائر قواته وحشوده للجهاد،
стр. 1019
وكان قد تم له يومئذ فتح سبتة، فسار إليها، والجيوش تتلاحق في أثره من الصحراء، وبلاد الزاب، ومختلف نواحي المغرب، وأصلح مرافئها وحشد السفن لعبور قواته، وكان أول ما عبر منها قوة من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، عبرت إلى ثغر الجزيرة الخضراء، واحتلته وفقاً لما تم الاتفاق عليه، ثم أخذت الجيوش المرابطية تعبر تباعاً، حتى تم عبورها جميعاً إلى شبه الجزيرة. وفي في يوم الخميس منتصف ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ (٣٠ يونيه ١٠٨٦ م) عبر البطل الشيخ في بقية قواته. وما كادت السفن العابرة تمخر عباب المضيق، حتى اضطرب البحر وتعالت الأمواج، فنهض الزعيم المرابطي حسبما يحدثنا بنفسه وسط سفينته، وبسط يديه بالدعاء نحو السماء قائلا: " اللهم إن كنت تعلم أن في جوازنا هذا خيرة للمسلمين، فسهل علينا جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه ". ثم يقول لنا، إنه ما كاد يتم كلامه حتى " سهل الله المركب، وقرب المطلب ". وشاء ربك أن تعبر السفن المرابطية، في ريح طيبة وبحر هادىء، وأن تصل إلى ثغر الجزيرة في سلام (١).
стр. 1020
الفصل الثانِى
موقعة الزلاّقة
مسير يوسف بن تاشفين وجيشه إلى إشبيلية. المعتمد بن عباد يقدم الضيافات والمؤن. لقاء الملكين. زيارة يوسف لإشبيلية. كتبه إلى ملوك الطوائف للمشاركة في الجهاد. مقدم أميرى غرناطة ومالقة ومعز الدولة بن صمادح في قواتهم. مسير الجيوش المرابطية والأندلسية إلى بطليوس. مسيرها إلى سهل الزلاقة. ألفونسو السادس ومبادرته إلى التأهب للقاء المرابطين. استعانته بسائر ملوك النصارى. مسيره إلى الجنوب للقاء المسلمين. مواقع الفريقين. عدد قوات المسلمين والنصارى. الجيش الإسلامي وأقسامه. كتاب يوسف إلى ألفونسو. رد ألفونسو ورد يوسف عليه. بداية المعركة. عنف هجوم النصارى. ثبات المعتمد بن عباد وجند إشبيلية. مهاجمة ألفونسو للمرابطين. اندفاع المرابطين لإنجاد إخوانهم. تغير وجه المعركة. مهاجمة النصارى لمعسكر المرابطين. تطويق قوات لمتونة وصنهاجة للنصارى. المعركة الهائلة. تمزق صفوف القشتاليين. اشتداد هجوم المرابطين من الناحيتين. كثرة القتل بين النصارى. نزول حرس يوسف الأسود إلى المعركة. جرح ألفونسو وفراره. تقدير خسائر الفريقين. مسير ألفونسو في فلوله إلى طليطلة. مبالغة الرواية الإسلامية في تقدير خسائر النصارى. ذيوع أنباء النصر في الأندلس والمغرب. رسالة يوسف عن الفتح. لقب أمير المسلمين وهل اتخذه يوسف عقب الزلاقة. إحجام يوسف عن مطاردة النصارى وبواعثه. عود الجيوش الأندلسية إلى قواعدها. الثناء على المعتمد بن عباد وثباته. تنويه أمير المسلمين ببطولته. يوسف يتلقى نبأ وفاة ولده. إسراعه بالعود إلى المغرب. ما يقال في بواعث هذه الحركة. نصر الزلاقة وطابعه. المعنى الصليبي الذي ينطوي على لقاء المسلمين والنصارى. دعوة ألفونسو عقب هزيمته إلى إنشاء جبهة نصرانية. شعور المؤرخين المسلمين بخطورة الموقعة وصبغتها الصليبية. ما قيل حولها من الأساطير. أثر الزلاقة ونتائجها الحاسمة. انتعاش قوى الأندلس. تحرر ملوك الطوائف من نير قشتالة. ارتداد سيل الجيوش النصرانية عن الأندلس. الإسلام يغنم في اسبانيا حياة جديدة.
نزل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ثغر الجزيرة الخضراء، في يوم الخميس منتصف ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ (٣٠ يونيه ١٠٨٦ م)، وجيوشه الجرارة تحيط بها من كل صوب. وما كاد يطأ بقدميه أرض الأندلس، حتى سجد لله شكراً، ثم أخذ في تحصين الجزيرة، وإصلاح أسوارها وأبراجها، ورتب لها حامية خاصة من جنده، ثم سار في قواته صوب إشبيلية.
وبعث المعتمد بن عباد ولده عبد الله لاستقبال يوسف بالجزيرة، ورتب تقديم المؤن والأطعمة والضيافات للجيش المرابطي، على طول الطريق إلى