← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وكانتا قد خربتا منذ غزوات المنصور بن أبي عامر. وأنشأ في ليون عدة صروح وكنائس فخمة، ما زالت تزدان بها حتى اليوم. وفي سنة ١٠٥٠ م، دعا إلى عقد اجتماع كنسي تأسيسي في " جويانسا " اعتبر في نفس الوقت مجلساً نيابياً "كورتيس "، وشهدته الملكة والأشراف والأساقفة، وصدرت عنه عدة أصول كنسية ودستورية، كان لها أكبر الأثر في صوغ النظم التأسيسية لمملكة قشتالة ْفيما بعد. ومنها أن يُعمل في جميع الكنائس والأديار بدعوة القديس بندكت، وأن يحرم على رجال الدين حمل السلاح والزواج، أو شهود مآدب الزواج. وحصلت الكنيسة على امتيازات كثيرة، منها أنه لا يمكن الاستيلاء على أملاكها بالتقادم، وأن المتهم بجريمة ما، إذا صار على قيد ثلاثين خطوة من عتبة الكنيسة، أضحى تحت حماية القضاء الكنسي، وهو أثر من آثار التشريعات القوطية القديمة، وأن القوامس (الكونتات) يجب عليهم هم ونوابهم في القضاء الجنائي، أن يحرصوا على تحري العدالة والحق، وفقاً لأحكام الشرائع القوطية، وأن تطبق في مملكة ليون قوانين ألفونسو الخامس المسماة Buenos Fueros ( القوانين الطيبة) وفي مملكة قشتالة لوائح سانشو المسماة Benefactorias وأن يقضي على المجرمين والعصاة بفقد الشرف والمناصب وبالنفي من الكنسية، وصدرت كذلك عدة لوائح للتمييز بين النصارى والمسلمين واليهود الذين يقيمون في المملكة (١). وتنوه التواريخ الإسبانية بخلال فرناندو، وعظمة عهده، ومقدرته كسياسي ومحارب، وتنوه بالأخص بتقواه وورعه. وفائق رعايته للكنيسة، وشغفه بإنشاء الكنائس والأديار وتجميلها، والإغداق عليها، واهتمامه بنقل رفات القديسين من أراضي المسلمين إلى الأراضي النصرانية، وهي ترى على العموم أن مملكة قشتالة وليون المتحدة، قد وصلت في عهده إلى درجة من الاستقرار والأهمية والتفوق، لم تصل إليها من قبل قط (٢).

стр. 1087

الفصل الثانِي إسبانيا النصرانية عقب وفاة فرناندو الأول ألفونسو السادس وبداية عهد الإسترداد تقسيم فرناندو للمملكة بين أولاده. غزو سانشو ملك قشتالة لنافار وهزيمته. غزوه لمملكة ليون. الحرب بينه وبين أخيه ألفونسو. هزيمة ألفونسو وأسره. فراره والتجاؤه إلى المأمون ملك طليطلة. المأمون يرحب به ويكرم وفادته. أقوال الرواية النصرانية في ذلك. ألفونسو يدرس خطط الاستيلاء على المدينة. تطور الحوادث. غرسية ملك جليقية واضطراب مملكته. استيلاء سانشو على جليقية والتجاء غرسية إلى ملك إشبيلية. استيلاء سانشو على تورو مدينة أخته إلبيرة. محاولته انتزاع سمورة من أخته أوراكا. مصرعه تحت أسوارها. استدعاء الأشراف لأخيه ألفونسو. مغادرة ألفونسو لطليطلة. عهده للمأمون بمسالمته وولده. تنويه الرواية النصرانية بكرم المأمون ونبله نحو مضيفه. مسير ألفونسو إلى برغش. حلفه ببراءته من مقتل أخيه. يغدو ملك قشتالة وليون وجليقية. يدبر كميناً لأخيه غرسية. مساعدة ألفونسو للمأمون ضد ابن عباد. وفاة ألمأمون وولاية حفيده القادر. ألفونسو يتحلل من عهوده ويضع الخطة للاستيلاء على طليطلة. إغارته على أراضيها وتخريبها. القادر يلتجىء لحماية ألفونسو ويؤدي له الجزية. قيام الثورة في طليطلة. فرار القادر. وعوده بمعاونة ألفونسو. المعتمد بن عباد وتحالفه مع ألفونسو. مضي ألفونسو في إرهاق طليطلة وافتتاحها الطابع الصليبي لهذا الفتح. طليطلة حاضرة اسبانيا النصرانية. الأسقف برنار عميد الكنيسة الإسبانية. مؤامرته لإزالة المسجد الجامع. تحويل الجامع إلى كنيسة جامعة. سقوط طليطلة وأثره في ميزان القوى. أثره في تحول ملوك الطوائف. موقعة الزلاقة وما بعدها. عود الطوائف إلى تفرق الكلمة. عدوان السيد والقشتاليين. عبور أمير المسلمين للمرة الثانية. حصار حصن لييط وما اقترن به من حوادث. إنسحاب المرابطين. محاولة ألفونسو الاستيلاء على بلنسية وفشله. انتصارات المرابطين في منطقة بلنسية. وفاة السيد واستيلاء المرابطين على بلنسية. إستيلاء ألفونسو على شنترين. موقعة إقليش. هزيمة القشتاليين ومقتل سانشو ولد ألفونسو. البابوية وتدخلها في اسبانيا. سعيها إلى فرض سيادتها الروحية. الأسقف برنار ودوره في ذلك. إسبانيا والحروب الصليبية. صفة الملك الوراثية. نظام الإقطاع وخواصه. تنظيم ألفونسو لأسس التشريع. ألفونسو ووراثة عرشه. مجلس ليون وقراراته في ذلك. مملكة أراجون. مملكة نافار. سانشو ملك نافار ومصرعه. سانشو راميرز ملك أراجون. استيلاؤه على منتشون وحصاره لوشقة. وفاته وقيام ولده بيدرو مكانه. سقوط وشقة. بيدرو الأول وصفاته. وفاته وقيام أخيه ألفونسو مكانه. إمارة برشلونة. الكونتات الفرنج. آل بوريل أمراء برشلونة. خلفاؤهم آل برنجير. رامون برنجير الكبير وأعماله. الصلات بين بني هود وآل برنجير. المستعين بن هود والكونت برنجير. رامون برنجير الثالث.

стр. 1088

- ١ - عمد فرناندو قبيل وفاته إلى تقسيم مملكته الكبيرة بين أولاده الثلاثة، فاستدعى لذلك الغرض مجلساً من الأساقفة والأشراف (١٠٦٤ م) وانتهى فيه إلى تقسيم المملكة على النحو الآتي غير معتبر في ذلك بما حدث من قبل حينما قسمت المملكة على يد أبيه سانشو الكبير. فخص سانشو ولده الكبير بقشتالة، وحقوق الجزية على مملكة سرقسطة، وخص ألفونسو بليون وأشتوريش، وحقوق الجزية على مملكة طليطلة، وخص أصغرهم غرسية، بجليقية والبرتغال، وقد ضما إلى مملكة واحدة، وحق الجزية على مملكتي إشبيلية، وبطليوس، وأعطى حق الإشراف على الأديار في سائر المملكة لابنتيه دونيا أورّاكا، ودونيا إلبيرة، وخصت أوراكا بمدينة سمورة الحصينة، وخصت إلبيرة بمدينة تورو وأماكن أخرى على نهر دويرة. ومن المحقق أن تقسيم المملكة الإسبانية على هذا النحو، بعد اتحادها في عهد فرناندو، كان عملا خاطئاً، وكان نذيراً بعود الحرب الأهلية. وقد استمر الوئام المكبوت بين الإخوة في ظل الملكة سانشا عامين آخرين، فلما توفيت في سنة ١٠٦٧ م، بدت نذر الصراع الجديد واضحة في الأفق. وكان سانشو، قبل أن تضطرم المعركة بينه وبين إخوته، قد وجه اهتمامه إلى ميدان آخر. وكان يحكم نافار يومئذ سانشو ابن عمه غرسية، ويحكم أراجون سانشو ابن عمه راميرو، ففكر سانشو ملك قشتالة أن يحاول الاستيلاء على مملكة نافار، أو ينتزع على الأقل أعمالها الواقعة على ضفة الإيبرو العليا. ولكن ملكا نافار وأراجون شعوراً منهما بنياته العدوانية، عقدا خلفاً لمقاومته. فلما سار لمحاربتهما، رداه بنجاح وهزماه في موقعة فيانا (سنة ١٠٦٧ م). وكان من جراء ذلك أن فقد سانشو أراضي نافار التي كان قد أحرزها أبوه في موقعة أتابوركا. وفي العام التالي عقب وفاة الملكة سانشا، سار سانشو في قواته وهاجم أراضي مملكة ليون، فسار أخوه ألفونسو لرده، والتقى الاثنان في بلادنتادا على نهر بسيرجا (يوليه سنة ١٠٦٨ م) فهزم ألفونسو، وارتد مسرعاً إلى ليون، واضطر أن ينزل لسانشو عن بعض الأراضي المجاورة لقشتالة. ثم عاد سانشو فغزا مملكة ليون واخترقها حتى الغرب، ووقع اللقاء بين الأخوين هذه المرة في جولنجار أو جلبياريس، الواقعة على نهر كريون، فهزم

стр. 1089

القشتاليون. وفروا تاركين خيامهم، وأغضى ألفونسو عن مطاردتهم حقناً للدماء. وكاد سانشو يرتد أدراجه، لولا أن تقدم منه أحد فرسانه. ونصح له بأن يجمع جنده، ويعيد الكرة، في الفجر تحت جنح الظلام، بعد أن اطمأن الليونيون إلى نصرهم، وخبت همتهم، وكان صاحب هذا النصح هو الفارس ردريجو دياث. الذي عرف فيما بعد بالسيد، وهي أول مناسبة يردد التاريخ فيها اسمه. واستجاب سانشو لهذا النصح، فاستجمع جنده، وهجم في الفجر على الليونيين وهم نيام، فدب إليهم الاضطراب والذعر، وقتل الكثير منهم أثناء النوم، وفر ألفونسو، والتجأ إلى كنيسة بلدة كريون، فقبض عليه وزج إلى حصن برغش، ودخل سانشو بجيشه ظافراً إلى مدينة ليون (يوليه سنة ١٠٧١ م) وهنا تدخلت دونيا أوراكا، وكانت تحب أخاها ألفونسو، وسعت إلى إنقاذه من الأسر. فاستجاب سانشو إلى رجائها، وقبل الإفراج عن ألفونسو، بشرط أن يرتدي حلة الرهبان، وأن يقيم في دير ساهاجون، فاضطر ألفونسو إلى القبول، ولجأ إلى الدير، وهنا دبرت أخته أوراكا فراره من الدير، فسار إلى طليطلة والتجأ إلى ملكها، المأمون بن ذى النون (١). فاستقبله المأمون بمنتهى الترحاب والإكرام، وعامله كأخيه حسبما تقول الرواية النصرانية، وأنزله داراً بجوار قصره، وأعد كل ما يلزم لراحته، وخصص له داراً أخرى خارج المدينة ذات رياض وحدائق للتنزه فيها، والاجتماع بصحبه النصارى، ولاسيما مستشاره فرناندو أنسوريز، وكان يعيش معهم في أحسن الظروف وأكرمها (٢). وإليك كيف يصف الأستاذ بيدال استقبال المأمون لضيفه: " استقبل المأمون الملك المغلوب بإكرام، بعد أن قطع له العهود اللازمة لسلامته. وأنزله داراً ملحقة بالقصر الملكي ذاته، تشرف على تحصينات المدينة تجاه قنطرة " القنطرة ". وهكذا كان الملك المنفي يعيش بعيداً عن ضجيج المدينة المسلمة، وكان بوسعه أن يتريض في حدائق الملك الشاسعة الواقعة في الناحية الأخرى من القنطرة داخل المنحنى الكبير الذي يحتضنه نهر التاجُه ".

стр. 1090

ويشير الأستاذ بيدال بعد ذلك إلى أقوال الرواية العربية عن فخامة قصر المأمون، وزخارفه البديعة وحدائقه الغناء، وروعة الحفلات التي تقام به، ومجالس العلماء الأعلام التي كانت تعقد به، وتجعل من طليطلة يومئذ مركزاً من أهم مراكز الثقافة الإسلامية. ثم يقول: " إن النفي الذي كان يعانيه ألفونسو بين هذه الفخامات كان كأنه مقصود من العناية، حسبما يقول لنا مؤلف " تاريخ سيلوس ". كان ملك ليون المخلوع يختلط بالسكان المسلمين، ويتريض في جنبات المدينة الحصينة، ويفكر من أي الأماكن، وبأى نوع من أدوات الحرب يمكن اقتحامها " (١). حرصنا على إيراد هذه الأقوال، لنستطيع أن نتأمل على ضوئها فيما بعد، تصرف ألفونسو السادس، نحو ولد حاميه والمحسن إليه، ونحو مملكة طليطلة. ومما له مغزى عميق، ما يقصه علينا صاحب رواية دير سيلوس السالفة الذكر من أن ألفونسو، استمع ذات يوم، وهو متظاهر بالنوم، إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة، واحتمال مهاجمة النصارى لها واستيلائهم عليها، وكيف يمكن ذلك وبأية وسيلة. وقد أجاب بعضهم أن النصارى لا يستطيعون الاستيلاء على مدينة بمثل هذه الحصانة، إلا إذا أنفقوا سبعة أعوام على الأقل، في تخريب أحوازها وانتساف مؤنها، ويضيف صاحب هذه الرواية، أن ألفونسو انتفع بوقته في دراسة خطط المدينة والاحتمالات التي تمكنه من تنفيذ مشروعه العظيم في الاستيلاء عليها (٢). وقضى ألفونسو في منفاه، ببلاط الملك المسلم، تسعة أشهر من يناير حتى أكتوبر سنة ١٠٧٢، وهو مغمور بكرم مضيفه ورعايته، إلى أن شاءت الأقدار أن تتطور الحوادث في قشتالة، وأن يتألق نجمه مرة أخرى. ذلك أن سانشو لم يقنع بما تم له من الاستيلاء على مملكة ليون، بل أراد ْأن ينزع أخاه الصغير غرسية مُلْك جليقية، وكان سير الحوادث في جليقية، مما يعاون على تحقيق غايته. ذلك أن غرسية أساء السيرة، وبالغ في إرهاق الشعب بالضرائب، وانصاع في ذلك لتوجيه وزيره وصفيه برتولا، وفوض إليه كل شىء في الدولة. فسخط الأشراف لذلك، ودبروا مقتل الوزير الطاغية بحضرة مليكه ذاته، فاستشاط غرسية غضباً، واشتد عسفه وكثرت

стр. 1091

مظالمه حتى ضاق به الشعب ذرعاً، فلما سار سانشو في قواته إلى جليقية، ألفى غرسية نفسه في مأزق حرج، ولم يستطع أن يحشد سوى قوة صغيرة، وأبى جيرانه المسلمون معاونته. والتقى بجيشه الصغير مع أخيه قرب شنترين، فهزم هزيمة شديدة، وقتل معظم أصحابه، ووقع أسيراً في يد أخيه، ولم يفرج عنه إلا بعد أن أقسم بالخضوع والطاعة، وعندئذ سار في نفر من صحبه إلى إشبيلية، والتجأ إلى أميرها (أواخر سنة ١٠٧١ م). ولم يبق بعد ذلك خارجاً عن سلطان سانشو، سوى مدينتي سمورة، وتورو اللتين تحكمهما أختاه أوراكا وإلبيرة. وكان سانشو يحقد على أختيه لعطفهما على أخيه ألفونسو، ويخشى دسائسهما ومساعيهما الخفية، فعول على الاستيلاء على المدينتين، وحاول في البداية أن يحقق غرضه بالمفاوضة، فعرض على أختيه أن يعوضهما عن المدينتين بأملاك أخرى، فرفضتا ولم تحفلا بوعيده. وعندئذ سار في قواته، واستولى أولا على قلعة تورو، ولم تبد صاحبتها إلبيرة كبير مقاومة، ولكن أوراكا صممت على الدفاع عن سمورة، معتمدة في ذلك على مناعة المدينة، وعلى معاونة طائفة قليلة من الجند المخلصين، وعلى رأسهم الفارس الباسل آرياس كونثالث. وحاول سانشو أن يقتحم المدينة أولا، ولكنها امتنعت عليه، فضرب حولها الحصار، واستمر حيناً، وهو يهاجمها من آن لآخر. وفي ذات يوم نفد إلى معسكره فارس، وطلب مقابلته لينبئه عن أحوال المدينة المحصورة. وما كاد الفارس يراه حتى طعنه بحربته وأرداه مضرجاً بدمائه، وفر إلى المدينة هارباً. ولم تكن هذه الجريمة بعيدة عن تدبير أخته الجريئة أوراكا، وكان ذلك في ٦ أكتوبر سنة ١٠٧٢ م. وفي الحال سرى الذعر إلى المعسكر القشتالي، وانفض عنه الجند الليونيون والجلالقة، إذ كانوا يقاتلون رغماً عنهم، وحمل القشتاليون جثمان مليكهم القتيل، ودفنوه في دير " أونيا "، وهكذا سقط سانشو صريع أطماعه وبغيه، بعد أن حكم ثمانية أعوام فقط، وقد سمي بالقوي El Fuerte لجرأته وشجاعته. واجتمع الأشراف في برغش، وأجمعوا على استدعاء ألفونسو ليتولى الحكم مكان أخيه، بشرط واحد هو أن يقسم بأنه لم يشترك بأي حال في تدبير مقتل أخيه سانشو، وبعثوا إليه رسلهم في طليطلة. وبعثت إليه كذلك أخته

стр. 1092

أوراكا، رسلها على عجل، بالخبر سراً، قبل أن يقف عليه المأمون بن ذى النون. وهنا تختلف الرواية، فيقال إن ألفونسو حينما وقف على النبأ أخفاه عن المأمون، وحاول أن يغادر طليطلة خلسة، خشية أن يرغمه المأمون على أن يقطع عهوداً ضارة، ففطن المأمون إلى محاولته وأراد اعتقاله، ولكنه نجح في الفرار، وهذه رواية ضعيفة. والحقيقة، وهي ما تؤيده الروايات الوثيقة، هو أن ألفونسو أبلغ النبأ في الحال إلى المأمون، فأعرب له المأمون عن سروره وغبطته، وأبدى له استعداده لإمداده بكل ما يرغب من مال وخيل أو غيرها، ولم يطلب إليه سوى صداقته، وأن يقطع له عهداً بأن يحترم مملكته، وأن يعاونه ضد خصومه المسلمين، وأن يسرى هذا العهد بعد وفاته بالنسبة لولده الأكبر، فقطع له ألفونسو ما شاء من عهود، وقدم المأمون إليه طائفة من الهدايا الجليلة، وصحبه مع أكابر مملكته في موكب فخم حتى وصل إلى حدود بلاده (١). يقول المؤرخ لافونتي: " وكان للمأمون ولد آخر أصغر من أخيه لم يشمله هذا العهد، لسبب لا نعرفه ". ثم يعلق فيما بعد على تصرف المأمون نحو ضيفه بقوله: " إن ما أغدقه المأمون على ألفونسو من ضروب الرعاية والإكرام وقت محنته، يباين كل التباين تصرف أخيه سانشو نحوه، فهذا يسجن أخاه في حصن أو دير. وهذا الأمير المسلم، يتلقاه في قصره، ويعامله كولده، ويخصص بستانه لرياضته. ولما خلا عرش قشتالة بممالكه الثلاث، عاون ألفونسو بكل سخاء وإكرام، ليسير إلى تلقى العروش التي كانت في انتظاره، ولم يطلب منه لقاء ذلك شيئاً سوى صداقته. إن تصرف المأمون على هذا النحو يكشف لنا عن العواطف الكريمة التي يجيش بها هذا الجنس العربي " (٢). - ٢ - سار ألفونسو إلى سمورة حيث اجتمع بأخته أوراكا، وبمن وافاه هنالك من الأساقفة والأشراف من ليون وجليقية، وبحث الوسائل التي تكفل له اعتلاء عرش قشتالة دون صعوبة. ذلك أن معظم الأشراف وأغلبية الشعب، كانت تنسب مقتل سانشو جهاراً إلى أوراكا، ناصحة ألفونسو، وملهمته، ومن ثم فإنه

стр. 1093

لما وصل ألفونسو إلى برغش، واجتمع بأشراف المملكة وكبرائها، طلبوا إليه أن يقسم بأنه لم يشترك بأية صورة في تدبير مقتل أخيه سانشو. فنزل ألفونسو عند رغبتهم. بيد أنه لما انتظم الجمع في الكنيسة التي تقرر أداء القسم فيها، لم يجرأ أحد من الأشراف أن يتولى تحليف الملك، وعندئذ تقدم منه الفارس ردريجو دياث (السيد فيما بعد)، قائد أخيه سانشو ومستشاره، وتولى تحليفه اليمين بنفسه، فلما أداها، عقب ردريجو بقوله، إنه يطلب إلى الله، إن كان ألفونسو كاذباً، أن يسلط عليه خائناً يقتله كذلك الذي اغتال أخيه سانشو. وقد خلفت جرأة " السيد " هذه في نفس ألفونسو أثراً لا يمحى، ولم يصف قلبه لهذا الفارس فيما بعد قط، حسبما بينا من قبل في حياة السيد، وعلائقه مع مليكه ألفونسو (١). وهكذا غدا ألفونسو ملك قشتالة، كما غدا من قبل ملك ليون وجليقية (ديسمبر سنة ١٠٧٢ م)، وعادت المملكة الإسبانية الكبرى إلى تماسكها ووحدتها كما كانت في عهد أبيه فرناندو. ولم يمض قليل على ذلك، حتى عاد أخوه غرسية ملك جليقية السابق من منفاه في إشبيلية معللا النفس، بعوده إلى العرش، فدعاه ألفونسو بإشارة أختهما الماكرة أوراكا، إلى مقابلته للتفاهم، ولكنه ما كاد يصل إلى مكان اللقاء حتى قبض عليه، وزج إلى حصن " لونا " (فبراير سنة ١٠٧٣ م) وهناك أنفق بقية حياته، سبعة عشر عاماً، حتى توفي سنة ١٠٩٠ م. وتحدثنا الرواية النصرانية، بأن ألفونسو ما كاد يعتلى العرش، حتى أراد أن يعرب عن عرفانه للمأمون بن ذى النون، وذلك بأن أعانه في حربه ضد ابن عباد، وأمده ببعض قواته، وسار معه إلى قرطبة وعاث في أحوازها، واستطاع المأمون بذلك أن يستولى على قرطبة. وربما كان ألفونسو قد أعان المأمون ببعض قواته في غاراته على قرطبة، ولكن المأمون استولى على قرطبة بطريقة أخرى دبرها مبعوثه حكم بن عكاشة (١٠٧٥ م) حسبما فصلنا ذلك في موضعه، ولم يشترك القشتاليون في شىء من تلك الحوادث. ولم تمض بضعة أشهر على ذلك حتى مرض المأمون وتوفي، فخلفه في حكم طليطلة، حسبما تقول الرواية النصرانية، ولده هشام القادر، والظاهر أن هشاماً هذا لم يحكم سوى بضعة أشهر ثم توفي، أو أنه خلع لشدة ولائه للنصارى، بيد أن

стр. 1094

الرواية العربية، وهي أرجح في نظرنا، تقول إن الذي خلف المأمون، هو حفيده الملقب بالقادر (١)، وهو ما يدل على أن هشاماً توفي قبيل وفاة أبيه المأمون, وعلى أي حال فإن الرواية النصرانية، تحاول أن تلتمس من ذلك عذراً يقيل ألفونسو من العهد الذي قطعه لحاميه والمحسن إليه، بأن يصون مملكته وألا يعتدى عليها، لأن هذا العهد كان قاصراً على المأمون وابنه الأكبر. أما القادر فهو حفيده، وهو لم يدخل ذلك العهد (٢). والواقع أن ألفونسو السادس، لم يعد له شغل شاغل، مذ توفي المأمون، سوى غزو طليطلة، والاستيلاء عليها، بل إن هذا المشروع، يرجع حسبما تؤكده لنا ذلك رواية رهبان سيلوس، التي سبق ذكرها، إلى وقت إقامته بطليطلة، وانتهازه تلك الفرصة لدراسة خطط المدينة، ومواقع الضعف في تحصيناتها، وطرق مهاجمتها، وهي إقامة تقول لنا الرواية المذكورة كأنما اختارتها العناية. ومن ثم فإن ألفونسو لم يتورع عن تنفيذ خطته، في غزو مملكة طليطلة وإرهاقها، فنراه منذ سنة ١٠٧٨ م يحشد العدة والمؤن، ويغير على أراضي طليطلة ويعيث فيها سفكاً وتخريباً، وينتسف خضراءها وزروعها، وقد استمر على هذه الغزوات المخربة في الأعوام التالية، واستولى خلال ذلك على مدينة طلبيرة، ثم استولى على سائر المنطقة الواقعة بين طلبيرة ومجريط. وفي خلال ذلك كان القادر يعاني في حكم مملكته صعاباً، ويسود الاضطراب في مدينة طليطلة، وتتوالى فيها الأحداث المزعجة على نحو ما فصلنا من قبل في أخبار مملكة طليطلة. ولما شعر القادر بأنه عاجز عن أن يواجه سيل هذه الغزوات المخربة، اضطر أن يلوذ بحماية ألفونسو، وأن يؤدي له الجزية، وأن يسلمه عدداً من الحصون القريبة من الحدود. كل ذلك وملك قشتالة مستمر في إرهاقه بطلب المال والأراضي، والقادر يواجه داخل طليطلة سخط شعبه وتبرمه. وأخيراً اضطرمت طليطلة بالثورة، واضطر القادر أن يلوذ بالفرار، وأن يلتمس غوث ألفونسو وعونه على رده إلى عرشه، فأجابه ألفونسو إلى ما طاب تمكيناً

стр. 1095

لقبضته منه، وأمده بقوة من جنده، وأخضعت المدينة الثائرة، وجلس القادر على عرضها مرة أخرى، تحت ظلال الحراب النصرانية، وذلك في سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م). وهنا نضجت خطة ألفونسو في الاستيلاء على طليطلة، وأخذ يعد معداته الأخيرة. وكان المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، لما رأى اشتداد ساعد ألفونسو وغزواته الكاسحة نحو الجنوب، وخشى أن يتحول نحوه هذا التيار المخرب، وأن ينزعه ألفونسو، ما استولى عليه من أراضي طليطلة الجنوبية، قد عقد معه حلفه المشهور الذي يتعهد فيه بأداء الجزية، وبأن يترك ألفونسو حراً في مشروعه ضد طليطلة، ويتعهد ألفونسو من جانبه بأن يساعده على سائر أعدائه المسلمين، وهو الحلف الذي زعمت التواريخ النصرانية، بأن المعتمد قد رأى أن يدعمه بتقديم ابنته " زائدة "، زوجاً لألفونسو. وهي قصة أثبتنا بطلانها وسخفها فيما تقدم من أخبار المعتمد. وشعر ألفونسو بحق أن طليطلة قد أضحت تحت رحمته، ولم يبق عليه إلا أن يتم خطته التمهيدية من تخريب أراضيها وإعدام أقواتها، وقد استمر على تنفيذ هذه الخطة المدمرة زهاء أربعة أعوام، مذ عاد القادر إلى عرشه في سنة ١٠٨١ م، كل ذلك وملوك الطوائف جميعاً إلا واحداً منهم هو أمير بطليوس الشهم، يشهدون اقتراب النكبة جامدين، إما بدافع الأثرة والخوف أو عدم الاهتمام والتخاذل، حتى حم القضاء، وسقطت المدينة الأندلسية التالدة في يد ألفونسو السادس في فاتحة شهر صفر سنة ٤٧٨ هـ (٢٥ مايو ١٠٨٥ م). وقد سبق أن تناولنا حوادث سقوط طليطلة وما تلاه، مفصلة في أخبار مملكة بني ذى النون، فلا حاجة بنا إلى التكرار، وإنما نود فقط أن ننوه هنا بالطابع الصليبي لحصار طليطلة وافتتاحها، فقد اشترك فيه إلى جانب جنود قشتالة وليون، جند من أراجون، ومتطوعون ومغامرون من فرنسا وغيرها، قدموا للاشتراك في مشروع يهم النصرانية كلها. وقد عادت طليطلة منذ افتتاحها عاصمة لإسبانيا النصرانية، كما كانت أيام القوط، وردت إليها صفتها القديمة كمركز رئيسي للكنيسة الإسبانية، وهي ما تزال تحتفظ حتى يومنا بهذه الصفة، وعين لرياستها الأسقف برنار الفرنسي، عميد دير

стр. 1096

ساهاجون، وذلك بنفوذ الملكة كونستانس، وهي فرنسية برجونية الأصل. وكان لتعيين هذا الراهب لرياسة الكنيسة الإسبانية، تأثير شديد في تطور طقوسها وتقاليدها. وكان من أول الأعمال التي دلت على بغيه وتعصبه، اعتداؤه على مسجد طليطلة الجامع. وكان من عهود التسليم التي قطعها ألفونسو على نفسه، أن يحتفظ المسلمون بمسجدهم الجامع لأداء شعائرهم إلى الأبد. بيد أنه ما كاد يمضي شهران على التسليم، حتى دبر هذا القس بتحريض الملكة كونستانس المتعصبة مؤامرته لإزالة الجامع. وكان رجال الدين من النصارى يغصون بالأخص بعظمة الجامع وروعته، هذا بينما كانت كنائس المدينة كلها صغيرة متواضعة. وعبثاً حاول الكونت ششنندو حاكم المدينة أن يثني القس عن غيه، وأن يبين له سوء العاقبة في مخالفة العهود المقطوعة على هذا النحو. وانتهز برنار فرصة غياب الملك في ليون، واقتحم الجامع في جمع من الفرسان وحطم المحراب، وأمر بإقامة الهياكل. وفي اليوم التالي عقد بالجامع قداساً حافلا، فهاج المسلمون وماجوا، ولولا وجود حامية قشتالية كبيرة بالمدينة لاستحال هياجهم إلى ثورة مدمرة. وعلم الملك بذلك الحادث، فارتد من ليون على عجل، وهو يضطرم غيظاً وسخطاً، إذ كان من سياسته أن يحترم العهود المقطوعة ولو إلى حين، تفادياً من سخط المسلمين، واضطرام القلاقل. وتظاهر الملك بأنه سوف يعاقب القس والملكة بالحرق، وعندئذ تدخل المسلمون والتمسوا إليه العفو عنهما، ولعلهم كانوا يأملون بذلك أن ويستردوا جامعهم. ولكن هذا الأمل الخلاب لم يتحقق، واستمر العمل في تحويل الجامع إلى كنيسة جامعة. وفي يوم الأحد ١٨ ديسمبر سنة ١٠٨٥ (١٥ شعبان سنة ٤٧٨ هـ) دشنت الكنيسة الجديدة في حفل ضخم شهده الملك والأشراف ورجال الدين، وانتخب فيه برنار مطراناً (١).

стр. 1097

- ٣ - كان الاستيلاء على طليطلة بلا مراء أعظم أعمال ألفونسو السادس، بل كان أعظم عمل قام به ملك نصراني، مذ قامت المملكة الإسبانية النصرانية في شبه الجزيرة في أواخر القرن الثامن الميلادي. وقد كان لسقوط طليطلة أعمق الآثار في ميزان القوى في شبه الجزيرة، وبه توج تفوق اسبانيا النصرانية السياسي والعسكري، واتخذ ملك قشتالة على أثره لقب الإمبراطور، ودخلت سياسة الإسترداد Reconquista في طور جديد يبدأ من الناحية الأخرى من نهر التاجُه. بيد أنه كان من آثاره أيضاً أن استيقظت اسبانيا المسلمة من سباتها، وأدرك ملوك الطوائف، حقيقة موقفهم، وعاقبة بغيهم واستهتارهم، وخطورة تنابذهم وتفرقهم، وشعروا بخطر الفناء يهدد مصايرهم جميعاً، وجنحوا عندئذ إلى الاستعانة بإخوانهم فيما وراء البحر، وكان أن استجاب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى صريخهم، وعبر إلى شبه الجزيرة في جيوشه المرابطية. وفي ذلك الوقت بالذات كان ألفونسو، عقب استيلائه على طليطلة، قد سار إلى سرقسطة وحاصرها، ليرغم أميرها المستعين بن هود على دفع الجزية، فلما سمع بمقدم المرابطين، غادرها مسرعاً إلى الأندلس ليلقى أعداءه الجدد. ثم كانت موقعة الزلاقة (رجب ٤٧٩ هـ - أكتوبر سنة ١٠٨٦ م) وإحراز الجيوش الإسلامية المتحدة لنصرها الباهر على الجيوش النصرانية المتحدة، وسحق قوات ألفونسو السادس، وانسحابه في فلوله القليلة مهيضاً مغلوباً، وذلك كله حسبما فصلناه في مواضعه بإفاضة. بيد أن يوسف اضطر عقب الموقعة أن يغادر الأندلس إلى المغرب لوفاة ولده وخلفه الأمير سير. وتنفس ألفونسو الصعداء حيناً، وأخذ يجمع أشتات جيشه من جديد، ووفد عليه عندئذ سيل من المتطوعة النصارى النورمان والفرنسيين وغيرهم، شعوراً منهم بطابع المعركة الصليبي، ولم يمض سوى قليل، حتى استرد ألفونسو ثقته بنفسه، وشعر أنه يستطيع لقاء أعدائه في الميدان من جديد، وكان ابن عباد وغيره من أمراء الطوائف قد انتعشوا عقب نصر الزلاقة، وأغار المعتمد بقواته على أراضي طليطلة، وانتزع منها عدة أماكن. بيد أن أمراء الطوائف لبثوا مع ذلك على تنابذهم وتفرقهم، يتربص كل بأخيه،

стр. 1098

ولم يستطيعوا أن يؤلفوا من أنفسهم جبهة متحدة ضد النصارى. ومن ثم فقد استمر السيد إلكمبيادور في عيثه ومغامراته في منطقة بلنسية، واستمر القشتاليون من قاعدتهم المنيعة في حصن لييط (أليدو) الواقع بين مرسية ولورقة، وهو الذي ابتنوه قبل ذلك ببضعة أعوام، يرهقون هذه المنطقة بغاراتهم المتوالية. وعلى ذلك فقد استصرخ أمراء الطوائف، أمير المسلمين للعبور إليهم وإنجادهم مرة أخرى. وعبر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى الأندلس للمرة الثانية في سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٩ م)، وانضم إليه ابن عباد صاحب إشبيلية، والمعتصم صاحب ألمرية، وتميم بن بلقين، صاحب مالقة، وأخوه عبد الله صاحب غرناطة، وابن رشيق صاحب مرسية، كل في قواته، وهم الذين تقع أملاكهم جميعاً في شرق الأندلس (١) وتعرض لعدوان القشتاليين في تلك المنطقة. وضرب المسلمون الحصار حول حصن لييط، وكان يدافع عنه ألف فارس واثنا عشر ألف راجل من النصارى، ولكن الحصن كان في منتهى المناعة، فلم تنجح آلات الحصار الضخمة في هدمه أو ثلم أسواره، وطال الحصار زهاء أربعة أشهر، والقوات المحاصرة تحاول اقتحامه، كل جماعة بدورها، والنصارى صامدون، يتساقطون داخل حصنهم من الجوع والإعياء. وفي أثناء ذلك كان الخلاف والوقيعة على أشدهما بين أمراء الأندلس المشاركين في الحصار، ولاسيما بين ابن عباد وابن رشيق، فقد شكا ابن عباد، ابن رشيق لأمير المسلمين، واتهمه باغتصاب ولاية مرسية منه، وأنه تفاهم سراً مع ألفونسو، ودفع جبايتها إليه. واقتنع أمير المسلمين بوجاهة هذه الشكوى، واستفتى الفقهاء في أمر ابن رشيق، فأفتوا بإدانته، فأمر بتسليمه لابن عباد على شرط أن يبقي على حياته. وكان لهذا الحادث أسوأ الأثر في المعسكر المحاصر، فإن قادة مرسية، ومعظمهم من قرابة. ابن رشيق وصحبه، غادروا المحلة في جندهم غاضبين، وقطعوا المؤن التي كانت ترسل إلى المحاصرين من مرسية وأحوازها، فاختل أمر المعسكر، وعمه الضيق والغلاء. وعلم أمير المسلمين من جهة أخرى أن ملك قشتالة، يسير في قوة كبيرة لإنجاد حصن لييط، فآثر الانسحاب وعدم التعرض للقشتاليين. وقدم ألفونسو إلى الحصن، فلم يجد به من المدافعين سوى مائة فارس وألف راجل قد برح بهم الجوع، ولما رأى

стр. 1099

أنه لا فائدة من الاحتفاظ به، وأنه يقتضي لذلك حامية كبيرة، أخلاه وقوض أسواره وعاد أدراجه، وذلك في سنة ١٠٨٩ م (٤٨٢ هـ). وترك أمير المسلمين في شرق الأندلس قوة كبيرة، بقيادة ولده الأمير ابن عائشة، ليقوم بافتتاح مرسية وبلنسية، والقضاء على سلطان " السيد " في تلك المنطقة، وعاد إلى المغرب، وقد تغيرت نفسه على أمراء الأندلس، لما رآه من اختلال أحوالهم، وسوء تصرفاتهم، ووضيع أهوائهم وأطماعهم (١). وخاض ألفونسو بعد ذلك ضد المسلمين عدة وقائع أخرى، ففكر في الاستيلاء على بلنسية لكي يحرم " السيد " من الاستيلاء عليها، وسار إليها بالفعل وحاصرها في سنة ١٠٩٢ م (٤٨٥ هـ)، معتمداً في ذلك على معاونة سفن جنوة وبيزة اللتين عقد معهما حلفاً لهذا الغرض، ولكنه فشل في مشروعه، وأرغم على ترك الحصار حينما عاث السيد في أراضي قشتالة. ثم استولى السيد بعد ذلك على بلنسية (١٠٩٤ م)، ولم يمض سوى قليل حتى سار المرابطون لإنقاذها وضربوا حولها الحصار، وسار جيش مرابطي آخر إلى أحواز طليطلة وعاث فيها وهزم القشتاليين، وسار جيش ثالث إلى قونقة وهزم قوات ألفونسو التي يقودها ألبارهانيس. في خلال هذه الوقائع التي رجحت فيها كفة المرابطين على قوات ألفونسو السادس، توفي " السيد " خلال حصار بلنسية، واستغاثت زوجه خمينا بألفونسو، فسار إلى بلنسية ودخلها في مارس سنة ١١٠٢، ولم يعترض المرابطون سبيله استعداداً للموقعة الحاسمة. ولكنه لما رأى ضخامة الجيوش المرابطية، خشى العاقبة، وغادر بلنسية مع خمينا وسائر القوات النصرانية، ودخلها المرابطون في شهر مايو سنة ١١٠٢ م (٤٩٥ هـ)، كل ذلك حسبما فصلناه من قبل في أخبار مملكة بلنسية. وسار ألفونسو في قواته إلى مدينة شنترين من أعمال ولاية الغرب واستولى عليها سنة ١٠٩٣ م (٤٨٦ هـ). وقد وقع ذلك فيما يبدو خلال غزو المرابطين لمملكة بطليوس، التي كانت شنترين من أعمالها، ونحن نعرف أن بطليوس سقطت في أيدي المرابطين في صفر سنة ٤٨٧ هـ (مارس ١٠٩٤ م).

стр. 1100

وكانت آخر معركة هامة خاضها ألفونسو السادس مع المسلمين هي موقعة إقليش، وكان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين قد توفي يومئذ (سنة ٥٠٠ هـ) وخلفه ولده على. وقد عبر عقب توليته إلى شبه الجزيرة الإسبانية في أوائل سنة ١١٠٨ م (٥٠١ هـ) معتزماً أن يستأنف الجهاد ضد النصارى، وعهد بالقيادة إلى أخيه الأكبر تميم أبي الطاهر، فسار الأمير تميم في جيش ضخم، واخترق أراضي قشتالة، ولكن حالت دون تقدمه قلعة إقليش Uclés المنيعة، فضرب حولها الحصار في الحال، فبعث ألفونسو، وقد عاقته الشيخوخة عن أن يقود جيشه بنفسه، قواته لإنجادها، وبعث معها ولده الوحيد سانشو وهو الذي رزق به من " زائدة " حظيته أو زوجه المسلمة المتنصرة، لكي يثير حماسة الجند، وكان صبياً في الحادية عشرة من عمره. ووقعت بين المرابطين وبين القشتاليين أمام حصن إقليش موقعة شديدة، حدث خلالها أن ازدلف الأمير الصبي إلى قلب المعمعة، وشاء القدر أن تصيبه طعنة قاتلة، وقتل معه مؤدبه الكونت غرسية دي قبره مدافعاً عنه، فدب الخلل إلى الجيش القشتالي وركن إلى الفرار، وقتل المرابطون منه مقتلة عظيمة، يقدر من زهق فيها بنحو عشرين ألفاً (٢٩ مايو سنة ١١٠٩ م) (١). وكان نصراً عظيماً أعاد ذكريات الزلاّقة، وكان أشد ما فيها وقعاً في نفس الملك النصراني، فقده لولده الوحيد وولي عهده، وانقطاع نسله بذلك. والواقع أن ألفونسو لم يعش طويلا بعد هذه الصدمة المؤلمة، فتوفي في ٢٩ يونيه سنة ١١٠٩ م، بعد أن حكم المملكة النصرانية المتحدة سبعة وثلاثين عاماً، وحوادث المرحلة الأخيرة من حياته أكثر ارتباطاً بتاريخ المرابطين، ولكننا حرصنا على استعراضها بإيجاز، استكمالا لسياق الحوادث. ولابد لنا قبل أن نختتم الكلام على عهد ألفونسو السادس، أن نتحدث عن أعماله وإصلاحاته الداخلية، وقد شملت هذه الإصلاحات جوانب هامة في بناء المملكة النصرانية والمجتمع الإسباني، وذلك من الناحيتين الدينية والدنيوية. ففي أواخر القرن الحادي عشر، وفي عهد ألفونسو السادس بالذات، نوضع الأسس الأولى، لنفوذ البابوية وسلطانها على اسبانيا والملوكية الإسبانية، وهو سلطان تأثل بمضي الزمن، وما زال يحتفظ حتى اليوم بكثير من رسوخه

стр. 1101

وقوته. وقد توالت بعثات الكرسي الرسولي إلى الملوك الاسبان في هذا العهد، تسعى إلى فرض سيادته الروحية، وإلى إلغاء الطقوس القوطية المنسوبة للقديس إسيدورو واستبدالها بالطقوس الرومانية. وبذل دير ساهاجون البندكتي، ورئيسه الراهب برنار الفرنسي عندئذ، أعظم الجهود لتحقيق أغراض البابوية. وقد سبق أن أشرنا إلى الدور الذي قامت به الملكة كونستانس زوجة ألفونسو الأولى، وهي فرنسية من بيت برجونية، في تأييد الراهب برنار واختياره مطراناً للكنيسة الإسبانية، عقب افتتاح طليطلة. وحصل برنار بعد ذلك على مرسوم بابوي بتعيينه في ذلك المنصب الخطير، ووضع في معظم الأسقفيات رجالا من مواطنيه، وملأ دير ساهاجون بالرهبان الفرنسيين، وذلك رغم مناوأة الأحبار الإسبان وسخطهم. وهكذا استطاعت البابوية أن تفرض رياستها الروحية على اسبانيا، وبالرغم من أن ألفونسو كان يعارض كثيراً من الرغبات البابوية، فإنه كان يجل الكرسي الرسولي ويوليه أعظم مقام. وفي عهد ألفونسو أيضاً وقعت حوادث الحرب الصليبية الأولى بالمشرق، ولكن البابا أوربان الثاني أصدر مرسوماً يحرم على الإسبان أن يشتركوا في هذه الحرب الصليبية، لأن أعداء النصرانية، أعني المسلمين، يهددونهم داخل أرضهم، ولأن لديهم في شبه الجزيرة وقوداً كافياً لإضرام نار الحرب المقدسة، وكانت ظروف الحرب المستمرة بين النصارى والمسلمين، قد حملت رجال الدين أنفسهم على أن ينزلوا هذا الميدان، فكان شأنهم شأن الأشراف والكونتات يسيرون في معظم الأحيان مع الملك، ويقاتلون في الصفوف، بل ويقودون الحملات أحياناً. وقد كان الملك وراثياً في قشتالة فقط. أما في باقي الممالك النصرانية، فكان المفروض أن يختار الأشراف مليكهم، وكان الملك في سائر الممالك الإسبانية، يجمع بين سلطات الحرب والسلم، وقيادة الجيوش، ورياسة القضاء، يعاونه في ذلك رهط من رجال الخاص Palatini، وكانت أسماء المناصب معظمها مشتق من النظم القوطية. وكان نظام الإقطاع ما يزال عندئذ متغلغلا في تكوين المجتمع الإسباني، ويقوم على مراتب متعددة، أرفعها مرتبة الدوق أو الوالي، وهو الذي يُقطع

стр. 1102

ولاية بأسرها مثل جليقية أو أشتورية. وتليها مرتبة الكونت أو القومس، وهو الذي يُقطع منطقة معينة، ثم أصحاب المنح الصغيرة، وهم البارونات أتباع القومس. وكان هذا النظام عسكرياً، في جوهره، تقترن مراتبه المدنية بالرتب العسكرية، فالدوق يتولى قيادة جيش الولاية، ويقود القومس فرقته، وتتكون من البارونات فرق الفرسان، والفارس هو أدنى مراتب النبل، بيد أن الفرسان كانوا قوام الجيش، وعليهم تتوقف مصاير الحرب، وكان الجند المشاة يتكونون من أتباع البارونات، ومن حشم الدوقات والقوامس. وكان العرش يخوض معارك دائمة مع أولئك النبلاء الإقطاعيين، وكان يضطر في أحيان كثيرة إلى مهادنتهم والإذعان لمطالبهم، فكانوا بذلك يفوزون بالولايات والرياسات رغم إرادة العرش. وإلى جانب ذلك كان يقوم هيكل الإقطاع الزراعي على نفس الأسلوب المتدرج، فيقطع كبار الملاك المزارعين الأحرار، أجزاء من الأرض يزرعونها على أن يؤدوا للمالك نصف الدخل أو ثلثه على الأقل، ولم تكن هذه المنح الزراعية تحدد بوقت معين، بل كان الزارع يعتبر نفسه مالكاً للأرض، ثم تؤول من بعد وفاته إلى أولاده يزرعونها بنفس الطريقة، بيد أنه كان ملزماً بالإقامة فيها، فإذا غادرها إلى ناحية أخرى فقد الحق في استغلالها. وكان عدد الأرقاء في ذلك العصر، الذي كثرت فيه الحروب، وكثر فيه السبي والأسر كثيراً، وكانت هذه الجماهير الغفيرة من المسلمين الذين يؤسرون في الغارات أو الحروب المختلفة التي تشنها الجيوش النصرانية على الممالك الأندلسية، يقضي عليهم دائماً بالرق، ويلزمون بأشق الأعمال الزراعية وغيرها، ولا يمنحون الحرية إلا باعتناق النصرانية. وأما عن التشريع، فقد نظم ألفونسو السادس العدالة، وألغى حق " القوة " وهو العرف الذي كان يسمح للقوي بأن يقتضي بنفسه وبالعنف ما يزعم أنه حق له وفرض على الدوقات والقوامس، أن يعاقبوا مرتكبي الجرائم، فوضع بذلك حداً لجرائم الفرسان الناهبين، وعيث القتلة واللصوص في سائر أنحاء المملكة. وكان يشترك في وضع القوانين عظماء المملكة وأكابر رجال الدين الأشراف، وتعقد اجتماعاتهم عندئذ في صفة هيئة تشريعية أو برلمان " كورتيس " Cortes،

стр. 1103

تحت رياسة الملك، وكان القانون العام المطبق في ذلك العصر هو القانون القوطي (قانون ألاريك) معدلا بما صدر من تشريعات جديدة كانت تعرف " بالقوانين الطيبة " Buenos Fueros. وكان من المقرر أن كل إنسان حر في أن يدافع عن نفسه أمام القضاء، وله أن يختار محامياً أو وكيلا للدفاع عنه. أما اليهود فلم يكن لهم حق الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، وفقاً لقانون أصدره ألفونسو. وأخيراً فقد كان الميراث يجري أيضاً وفقاً للقانون القوطي، وهو يسوي في الحقوق بين البنين والبنات. وكانت وراثة العرش أهم مشكلة واجهت ألفونسو قبل موته، فهو لم ينجب من زوجاته المتواليات من البنين سوى ولده سانشو، ولد زوجته أو حظيته زائدة المسلمة التي تنصرت باسم ماريا أو اليزابيث، والتي أتينا على قصتها فيما تقدم من أخبار بني عباد. وقد قتل هذا الإبن حسبما أسلفنا في موقعة إقليش، فعندئذ اعتزم ألفونسو أن يسند وراثة عرشه إلى ابنته أورّاكا، التي كان قد رزق بها من زوجته الملكة كونستانس الفرنسية، وزوجت بالكونت ريموند البرجوني عند مقدمه إلى اسبانيا. ثم توفي وترك لها ولداً، هو ألفونسو ريمونديس. ولكنه رأى أن يقوي جانب العرش، ووحدة المملكة، بتزويجها من ألفونسو الأول ملك أراجون ونافار، فاستدعى نواب المملكة (الكورتيس) إلى الاجتماع في ليون، ومثل فيه الأشراف والأساقفة وحكام الولايات ورجال الدين والفرسان، وأصدر قراراته بشأن وراثة العرش، وخلاصتها أن تكون أوراكا وارثة لعرش قشتالة وليون وأشتوريش، وأن يمنح ولدها ألفونسو ريمونديس مملكة جليقية، مع بقائها تحتت سلطان قشتالة، وأن يمنح الكونت هنري صهر ألفونسو إمارة البرتغال كتابع لعرش قشتالة، فإذا لم تعقب أوراكا من زواجها بألفونسو ملك أراجون، فإن المملكة كلها تؤول إلى ولدها ألفونسو ريمونديس أعني إلى حفيد ألفونسو السادس. وعهد بتربية الطفل الملكي إلى عمه أسقف فيين، والكونت ترافا، ومنح إمارة جليقية، تحت وصايتهما، على أن تكون له دون نقض أو رجوع. (١)

стр. 1104

نافار وأراجون رأينا في بداية هذا الفصل كيف هلك غرسية ملك نافار في موقعة أتابوركا التي نشبت بينه وبين أخيه فرناندو (سنة ١٠٥٤ م)، وكيف اختار فرناندو مع ذلك سانشو ولد أخيه الملك القتيل ليخلفه على عرش نافار، على أن يكون تحت طاعته. وكان يحكم أراجون في ذلك الوقت، الملك راميرو بن سانشو الكبير، وكان في بداية حكمه قد حاول غزو مملكة نافار وانتزاعها من يد أخيه غرسيه، ولكنه هزم كما رأينا، ومزق جيشه، واضطر أن يلجأ إلى السكينة حيناً ليعني بتنظيم شئونه والنهوض من عثاره. ولما قتل أخوه غرسية، وتولى ولده سانشو الحكم مكانه، لبث محافظاً على حياده وسكينته نحو جارته نافار، ولكنه وجه عدوانه نحو مملكة سرقسطة، وحاول غزوها، فاستنصر أميرها المقتدر بن هود، بفرناندو ملك قشتالة، فأمده ببعض قواته، ونشبت بين الفريقين في جرادوس معركة هزم فيها راميرو وقتل (١٠٦٣ م). فخلفه على عرش أراجون ولده سانشو، المعروف بسانشو راميرز. ولما توفي فرناندو ملك قشتالة حاول ولده سانشو أن يستولي على مملكة نافار، وكان شانشو ملك نافار، شعوراً منه بأطماع ملك قشتالة، قد عقد حلفاً مع جاره سانشو راميرز، فلما سار سانشو لمحاربتهما، استطاعا أن يقفا في وجهه، وأن يهزماه في موقعة فيانا (١٠٦٧ م). واستمر سانشو ملكاً على نافار اثنين وعشرين عاماً، وفي عهده توطد مركز نافار بين جيرانها، وأقر المقتدر بن هود صاحب سرقسطة لها بدفع الجزية في سنة ١٠٦٩ م، وعقد مع سانشو حلفاً لمعاونته في حربه ضد خصومه سواء من المسلمين أو النصارى. وجدد هذا التحالف في سنة ١٠٧٣ م. ولم يمض قليل على ذلك حتى قتل سانشو في كمين دبره أخوه ريموند وأخته أرمزندة، وذلك في سنة ١٠٧٦ م، فسخط الشعب النافاري لتلك الجريمة أيما سخط، واستدعى سانشو راميرز ليعتلي عرش نافار. ولكن ريموند استغاث بألفونسو ملك قشتالة، فسار إلى نافار من ناحيتها الغربية، وسار إليها سانشو راميرز من ناحيتها الشرقية، وتفاهم الملكان على اقتسامها، بالرغم من وجود ولدى الملك القتيل القاصرين.

стр. 1105

فاستولى سانشو على الجزء الواقع في منطقة البرنيه، وفيه العاصمة بنبلونة، واستولى ألفونسو على القسم المحاذي لنهر إيبرو، وبذلك اختفت مملكة نافار المستقلة إلى حين، بعد أن استطاعت أن تذود عن استقلالها عصوراً بإصرار وبسالة، ونمت مملكة أراجون، واتسعت رقعتها اتساعاً كبيراً، وبدأت تلعب دورها العظيم في شمال شرقي الجزيرة الإسبانية. واتجهت أطماع سانشو راميرز بالأخص إلى جارته الإسلامية الجنوبية، أعني مملكة سرقسطة، فقام بمحاصرة مونتشون وأخذها في سنة ١٠٨٩ م، ثم سار لحصار وشقة أمنع قواعد مملكة سرقسطة الشمالية وحاصرها، ولكنه توفي بعد قليل تحت أسوارها، فتابع ولده وخلفه بيدرو الأول الحصار، واستغاث المستعين بملك قشتالة فأمده ببعض قواته، وسار لإنجاد المدينة المحصورة، ووقعت بينه وبين بيدرو معركة شديدة في الكرازة، فهزم المستعين وحلفاؤه القشتاليون هزيمة شديدة، وسقطت وشقة بعد ذلك بأيام قلائل في نوفمبر سنة ١٠٩٦ م (٤٨٩ هـ) حسبما فصلنا ذلك من قبل في موضعه من أخبار مملكة سرقسطة. وفي العام التالي سار بيدرو في قواته لمعاونة حليفه السيد إلكمبيادور ضد المرابطين، ووقعت الهزيمة على المرابطين في " مندير " قرب بلنسية. واستمر بيدرو الأول على عرش أرجون حتى وفاته سنة ١١٠٥ م، وكان ملكاً شجاعاً مقداماً، وهو الذي مهد بافتتاحه لوشقة وبربشتر إلى القضاء على مملكة سرقسطة، وسقوطها فيما بعد في يد أخيه وخلفه ألفونسو، وكان ورعاً متعصباً، لا يكاد يفتح مدينة إسلامية، حتى يحول في الحال مساجدها إلى كنائس، ويغدق الصلات الوفيرة على الكنائس والأديار. ولما كان ولده الوحيد قد توفي قبل وفاته، فقد خلفه على عرش أراجون أخوه ألفونسو الأول الأرجوني المعروف بالمحارب، وهو الذي قدر له، فيما بعد بزواجه من أورّاكا ابنة ألفونسو السادس ملك قشتالة، أن يحكم سائر الممالك الإسبانية، وأن يغدو من أعظم ملوك اسبانيا. إمارة برشلونة إلى جانب الممالك الإسبانية النصرانية، التي تقوم في النصف الشمالي من شبه الجزيرة الإسبانية، كانت تقوم في الركن الشمالي الشرقي مما يلي جبال البرنيه،

стр. 1106

إمارة نصرانية أخرى، هي إمارة أوكونتية برشلونة. ونحن نعرف أن برشلونة كانت أول ثغر عظيم يفقده المسلمون في شمالي شبه الجزيرة، وقد افتتحها شارلمان (كارل الأكبر) في سنة ١٨٥ هـ (٨٠١ م) أيام الحكم بن هشام، وجعلها قاعدة الثغر القوطي أو الثغر الإسباني، الذي أنشأه فيما وراء البرنيه، حماية لحدود فرنسا الجنوبية. وكان ملوك الفرنج يعينون حكام هذا الثغر في البداية من الأشراف أو الكونتات الذين ينتمون إلى أصل قوطي أو فرنجي. ولما ضعفت مملكة الفرنج وتخلت عن حماية الثغر وإمداده، وشعر أولئك الكونتات بقوتهم، ونأيهم عن الحكومة المركزية، أعلنوا استقلالهم، وانقسم الثغر إلى عدة إمارات أوكونتيات صغيرة كان أهمها إمارة برشلونة. وكان يحكمها في أواخر القرن العاشر آل بوريل، وفي عهدهم غزاها المنصور بن أبي عامر، واقتحمها وخربها، وذلك في سنة ٣٧٥ هـ (٩٨٥ م)، ولكنه لم يحاول الاحتفاظ بها. ولما سقطت الدولة العامرية واضطرمت الفتنة في قرطبة، سعي واضح الصقلبي في الاستعانة بأمير برشلونة الكونت رامون بوريل، وزميله كونت أرقلة، فسار معه لمقاتلة البربر لقاء أموال جزيلة، واشترك إلى جانب المهدي محمد بن هشام في المعارك التي وقعت يومئذ (٤٠٠ هـ - ١٠١٠ م). ومنذ أوائل القرن الحادي عشر نرى برشلونة تحت حكم آل برنجير، وقد حكمها مؤسس هذه الأسرة الكونت رامون برنجير الكبير من سنة ١٠٣٥ إلى سنة ١٠٧٦ م، وفي عهده اتسعت رقعة الإمارة، وضمت إليها أرقلة وشرطانية (١)، ثم ضم إليها ولاية قرقشونة الفرنجية، في الناحية الأخرى من جبال البرنيه، وذلك بشرائها من ابنتى صاحبها الكونت روجر الثالث. وكان لضم هذا الجزء من أراضي لانجدوك إلى إمارة برشلونة نتيجة هامة، هي إعادة الصلة بين الثغر القوطي القديم، وجنوب فرنسا، والتمهيد بذلك لنزوح الفرسان الفرنج المغامرين، الذين تحدوهم روح صليبية، ويحدوهم البحث وراء طالعهم، والتحاق جموع كبيرة منهم بالجيوش النصرانية التي تقاتل المسلمين في شبه الجزيرة. وكان من أهم أعمال الكونت برنجير الأول، هي إصلاحاته القضائية، فقد استدعى في سنة ١٠٦٨ م جمعية من الكبراء في برشلونة، وأصدر هذا البرلمان قانوناً جديداً سمي " بعرف برشلونة " Usages de Barcelona ليطبق إلى جانب القانون القوطي القديم.

стр. 1107

ولما توفي رامون برنجير الأول خلفه ولداه برنجير ورامون في حكم الإماره معاً وفقاً لوصيته. ولكن الخلاف ما لبث أن نشب بينهما، وانتهى الأمر بالاتفاق على أن يتسمى كل منهما بكونت برشلونة، وأن يتناوبا الحكم كل ستة أشهر, وفي سنة ١٠٨٢ م، قتل رامون غيلة، واتجهت الشبهة في ذلك إلى أخيه. وقام برنجير بحكم الإمارة منفرداً بالأصالة عن نفسه، وبصفته وصياً على ولد أخيه القاصر رامون الثالث. وكان بنو هود أمراء سرقسطة، وهم جيران إمارة برشلونة، يعتقدون في مقدرة الفرسان القطلان أبناء هذه الولاية، ويحصلون على معاونة آل برنجير من آن لآخر. وقد لعب أمراء برشلونة في ذلك الوقت الدور الذي لعبه معظم الملوك النصارى، في معاونة الأمراء المسلمين، سواء ضد أبناء دينهم المسلمين أو ضد النصارى أنفسهم. وقد أشرنا إلى ما وقع من ذلك في كثير من المواطن في أخبار مملكة سرقسطة ومملكة بلنسية. وكان أبرز دور قام به آل برنجير في ذلك هو استعانة المستعين بن هود بالكونت برنجير في مشروعه لافتتاح بلنسية. وكان الكونت يضطرم بغضاً نحو " السيد " ومشاريعه. فسار في قواته لمحاصرة بلنسية، ولبث على حصارها وقتاً، حتى اقترب " السيد " بقواته من المدينة، وتبادل السيد والكونت بعض رسائل التحدي المهينة، وأخيراً وقعت الحرب بينهما، فهزم الكونت وأسر، ولم يطلقه السيد إلا لقاء فدية كبيرة، ثم وقع التفاهم بينهما، وترك الكونت حصار المدينة وعاد بقواته (١٠٩٠ م). ومما هو جدير بالذكر أن الكونت برنجير، اشترك قبل ذلك بقليل مع قوات ألفونسو السادس، في موقعة الزلاّقة (١٠٨٦ م) إلى جانب باقي الملوك النصارى، إيماناً منهم جميعاً، بأنهم يقاتلون في معركة صليبية عامة. واستمر الكونت برنجير في حكم إمارة قطلونية حنى سنة ١٠٩٢ م، ثم ترك الحكم لابن أخيه الفتى رامون برنجير الثالث، وسافر حاجاً إلى المشرق، فحكم رامون الإمارة بكفاية، وقاوم غزوات المرابطين فيما بعد بنجاح.

стр. 1108

الفصل الثالِث النصارى المعاهدون النصارى المعاهدون. مركزهم وأحوالهم في ظل الحكومة الإسلامية. أحوالهم في ظل الطوائف. مصانعة أمراء الطوائف لهم. تمتعهم بالتسامح في شرقي الأندلس. أحوالهم في مملكة سرقسطة. عدم ولائهم للحكومات المسلمة. مداخلتهم للملوك النصارى ومعاونتهم ضد المسلمين. صدى هذا الموقف في دول الطوائف. استدعاؤهم ألفونسو الأرجوني لغزو الأندلس. قيامه بالغزوة المنشودة. فتوى الفقهاء بخيانة المعاهدين ووجوب تغريبهم. ظهور مجتمع المدجنين في القواعد الإسلامية المفتوحة. يجدر بنا بعد أن تحدثنا عن تاريخ الممالك الإسبانية النصرانية، أن نعرض في شىء من التفصيل إلى موقف النصارى المعاهدين وأحوالهم في عصر الطوائف، وهو العصر الذي سرى فيه الانحلال السياسي والعسكري إلى اسبانيا المسلمة، ومزقتها الحروب الأهلية، وتطاولت عليها الممالك الإسبانية النصرانية. ونحن نعرف أن النصارى المعاهدين، كانوا منذ عهد الإمارة يكونون أقليات ذات شأن في القواعد الأندلسية الكبرى، مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وبلنسية وسرقسطة. وكانت هذه الأقليات النصرانية تعيش آمنة مطمئنة، في ظل الحكومة الإسلامية، تزاول نشاطها وشعائرها بمنتهى الحرية. ويتمتع النابهون من أبنائها بعطف الخلفاء وثقتهم وتقديرهم، ويشغل الكثير منهم مناصب هامة في الإدارة وفي القصر. وقد أشرنا فيما تقدم من أخبار الأمراء والخلفاء إلى كثير من أولئك النصارى البارزين. وكانوا إلى جانب اللغة العربية التي يتقنها الكثير منهم، يتكلمون لغتهم الرومانية الأصلية Romance، وهي اللغة التي كانت سائدة يومئذ في الممالك الإسبانية النصرانية، وكان يعرفها كثير من أكابر الصقالبة في البلاط الأندلسي، وبعض أكابر المسلمين من الوزراء والكتاب. وكانت هذه اللغة هي لغة النصارى المعاهدين المكتوبة، التي يستعملونها في مخاطباتهم ومعاملاتهم داخل المجتمع الإسلامي، الذي يعيشون فيه. وكان المسلمون يستعملون أحياناً بعض عبارات هذه اللغة الرومانية، وهي التي يسمونها " اللطينية " ولاسيما في بعض الرسائل العلمية (١).

стр. 1109

فلما انهارت الخلافة، وانهارت معها الحكومة المركزية، وقامت دول الطوائف، طرأ تغير ملحوظ على أحوال النصارى المعاهدين. وبالرغم من أن هذا التغير لم يكن دائماً ضد مصالحهم أو حرياتهم، فإن مصايرهم وأحوالهم أضحت في كل دولة من دول الطوائف، تتوقف على ظروف تلك الدولة، وعلى سياسة حكومتها المحلية. ونستطيع أن نقول إن النصارى المعاهدين لقوا على وجه العموم في مختلف دول الطوائف نفس المعاملة الكريمة التي كانوا يلقونها في ظل حكومة الخلفاء، بل لقد كان في ظروف بعض هذه الدول، ما يحملها على اتباع سياسة خاصة، تتسم باللين والمصانعة نحو رعاياها النصارى، ولما عصفت ريح الحرب الأهلية بقرطبة، عقب انهيار الخلافة اضطربت أحوال المعاهدين بها، وقد كانوا يعطفون على الجهة العامرية، ويخشون من عسف البربر وطغيانهم، فلما بسط البربر سلطانهم على عاصمة الخلافة، أخذت جموع كبيرة منهم تغادر قرطبة في أثر الفتيان العامريين إلى شرقي الأندلس. ولما قامت دولة بني جهور في قرطبة، بذلت حكومة الجماعة جهدها لتأمين المعاهدين وحمايتهم، وندب أبو الوليد ابن جهور وزيره الشاعر الكبير ابن زيدون، " للنظر في شئون أهل الذمة في بعض الأمور المعترضة " (١). ولم تقتصر هذه العناية بشئون النصارى المعاهدين على حكومة قرطبة، بل لقد كانت معظم دول الطوائف الأخرى، تبذل جهوداً خاصة لتأمين المعاهدين وحمايتهم، وكسب مودتهم. وكانت بواعث هذه السياسة الودية واضحة، في الظروف التي كانت تجوزها دول الطوائف يومئذ. فقد كانت مملكة قشتالة ْالنصرانية تملك زمام التفوق العسكري، وكان ملك قشتالة ألفونسو السادس يرهق دول الطوائف بإغاراته المتوالية، ومطالبه المالية المغرقة، وكان ملوك الطوائف يتسابقون إلى خطب مودته، واتقاء شره، وكان منهم من يستعديه على جيرانه المسلمين. وكانت الأقليات النصرانية في القواعد الأندلسية، في مثل هذه الظروف تعتبر مكامن للخطر والدسائس، وكان ملوك الطوائف يحملون بذلك على مصانعتها ومداراتها. وكان بنو عباد في مقدمة أولئك الملوك الذين عملوا على حماية المعاهدين وكسب مودتهم، وقد كانوا أشد ملوك الطوائف سعياً

стр. 1110

إلى محالفة ملك قشتالة، واتقاء عاديته، وكان للنصارى المعاهدين في بلاطهم مكانة وظهور. ومنهم شعراء مثل ابن المرجري الإشبيلي، وابن مرتين. وكان قائد ابن عباد في فتح قرطبة، وهو محمد بن مرتين، من أصل نصراني، وبنو عباد هم الذين احتضنوا الكونت سسنندو في حداثته، وساعدوه على الظهور ورفعوا مكانته في بلاطهم، وأولوه ثقتهم، واستخدموه في أخص مهامهم السياسية (١). وكان بنو مناد البربر ملوك غرناطة يصطنعون اليهود في البداية، فلما أشتدت وطأتهم على صنهاجة. وانتهت إلى البطش بهم (سنة ٤٥٩ هـ - ١٠٦٦ م). جنح أمير غرناطة عبد الله بن بلقين حفيد باديس، إلى اصطناع النصارى، واضطر بضغط الظروف إلى محالفة ملك قشتالة، أو بعبارة أخرى إلى الانضواء تحت حمايته وتأدية الجزية له. وتمتع المعاهدون في غرناطة بالحماية والرعاية، وازدهرت أحوالهم واشتد ساعدهم، واتخذ الأمر عبد الله في بطانته، عدة من أكابر النصارى القشتاليين. يعاونونه في شئون الحرب والإدارة ومنهم عدة من أكابر الفرسان (٢). وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يتمتع به النصارى المعاهدون في شرقي الأندلس ولاسيما في مملكة دانية من ضروب الرعاية والتسامح. وقد كان الفتيان الصقالبة الذين سيطروا على شرقي الأندلس من أشد الرؤساء تسامحاً نحو المعاهدين. وكان مجاهد العامري صاحب مملكة دانية والجزائر. ثم ولده على إقبال الدولة من بعده، كلاهما يبدي نحو رعاياه النصارى منتهى العطف والتسامح، وقد يرجع ذلك من بعض الوجوه إلى ما يقال عن " أصل مجاهد النصراني " وإلى أن زوجته كانت نصرانية، وكذلك ولده علي، فقد نشأ في حداثته بين نصارى ْسردانية، وتخلق بأخلاقهم واعتنق دينهم، قبل أن يعتنق الإسلام بعد عوده من الأسر، بيد أنه يجب أن نلاحظ إلى جانب ذلك، أن هذا التسامح نحو النصارى كان حسبما بينا في موضعه، سياسة متقررة لحكومة مجاهد وولده علي، وأنهما استطاعا بواسطة هذه السياسة المستنيرة، أن يجتنبا عدوان الملوك النصارى، وأن تتمتع مملكة دانية في ظلهما بفترات طويلة من السلام والرخاء. وثمة مملكة أخرى من ممالك الطوائف، كانت ظروفها تدعو إلى مزيد من

стр. 1111

التسامح نحو رعاياها النصارى: تلك هي مملكة سرقسطة، فقد كانت بموقعها بين الممالك النصرانية الأربع، قشتالة ونافار، وأراجون وبرشلونة، وكونها تعتبر بهذا الوقع حاجزاً بين اسبانيا المسلمة، والممالك النصرانية من ناحية الشمال الشرقي، ثم بكونها تضم بين سكانها أقليات نصرانية كثيفة، كانت لذلك كله تجد نفسها مدفوعة بحكم الواقع والظروف إلى اتباع سياسة الاعتدال والتسامح نحو رعاياها النصارى، وقد كانت هذه المنطقة في الواقع وهي منطقة الثغر الأعلى منذ أيام بني قسيّ وبني الطويل وغيرهم من زعماء المولدين، ميداناً خصباً لالتقاء العناصر المسلمة والنصرانية وامتزاجها بقوة، وكانت بذلك مهداً لظهور المعاهدين، ومشاركتهم بقسط بارز في الحياة السياسية والاجتماعية. وكان بنو تجيب حكام الثغر الأعلى، ومن بعدهم بنو هود أصحاب مملكة سرقسطة يبسطون رعايتهم وحمايتهم على النصارى المعاهدين. وكان بنو هود بالأخص يشعرون بدقة مركزهم بين الممالك النصرانية، وتحفز هذه الممالك دائماً إلى التدخل في شئون مملكتهم وضغطها عليهم لاقتضاء الجزية، أو لاقتطاع بعض مدنهم وحصونهم، ويحاولون بسياسة التسامح المطلق نحو رعاياهم النصارى، أن يجتنبوا الدسائس والاضطرابات الداخلية، وأن يغنموا حياد الملوك النصارى وجنوحهم إلى المهادنة. وكان المقتدر بن هود. وهو أعظم ملوك سرقسطة من أشد أنصار هذا التسامح، وكان بين وزرائه المقربين وزير نصراني هو أبو عامر بن غند شلب Gundisalvo، وكان أديباً شاعراً. أجل وقعت في سرقسطة في سنة ١٠٦٥ م في عهد المقتدر مذبحة للنصارى، وذلك على أثر عدوان النورمان الشنيع على مسلمي بربشتر، وكان فيه من الروع والإستثارة ما فيه. بيد أنه كان حادثاً مستقلا، ولم يلبث أن استدركت عواقبه. وقد رأينا من جهة أخرى كيف كان بنو هود، يعتمدون على محالفة جيرانهم من الملوك النصارى، ويحشدون المرتزقة النصارى في جيوشهم بصفة مستمرة، وكيف كانوا أول من استخدم السيد إلكمبيادور، واعتمدوا على محالفته زمناً (١). بيد أن هناك حقيقة يجب التنويه بها، وهو أن النصارى المعاهدين، بالرغم من هذه الرعاية والحماية، وهذا التسامح، التي كان يتبعها نحوهم ملوك الطوائف،

стр. 1112

سواء لبواعث كانت ترغمهم على اتباعها، أو لسياسة مستنيرة كانوا يؤثرونها، لم يشعروا قط بعاطفة من الولاء نحو تلك الحكومات المسلمة، التي كانت تبذل وسعها لحمايتهم واسترضائهم، بل لبثوا دائماً على ضغنهم وخصومتهم لها وتربصهم بها. ينتهزون أية فرصة للإيقاع بها، وممالأة الملوك النصارى، ومعونتهم بكل وسيلة على محاربتها، وتسهيل مهمتهم في غزوها والتنكيل بها. ولدينا في تاريخ الطوائف من ذلك أمثلة لا حصر لها. ففي قلمرية وافتتاحها (٤٥٦ هـ - ١٠٦٤ م) لعب النصارى المعاهدون - وقد كانوا كثرة هذه المنطقة - دوراً بارزاً في معاونة الجيش القشتالي المحاصر، وعاونه رهبان دير لورفان القريب من قلمرية بمؤنهم المختزنة، وسهلوا له بذلك الصمود، حتى اضطرت المدينة المحصورة إلى التسليم (١). ودأب النصارى المعاهدون في طليطلة أيام القادر بن ذى النون على تدبير الدسائس، وبث الفتن والاضطرابات داخل المدينة، والاتصال المستمر بألفونسو السادس وأعوانه، ومؤازرة الناقمين من المسلمين ضد الحكومة القائمة، والعمل بذلك على تحطيم كل جبهة للمقاومة الحقيقية، وانتهى الأمر بتذليل السبيل لألفونسو السادس لمحاصرة المدينة المفتوحة. ولعب النصارى المعاهدون في بلنسية مثل هذا الدور داخل بلنسية، لمعاونة السيد في مغامراته المتوالية لمحاصرة المدينة والاستيلاء عليها. وهكذا كان النصارى المعاهدون، في كل موطن وكل فرصة، يعملون ما وسعوا لتحطيم تلك الممالك الأسلامية التي تقوم بحمايتهم ورعايتهم، والتمهيد بذلك للقضاء عليها وسقوطها في أيدي الملوك النصارى. وهذا ما يعبر عنه الأستاذ بيدال بقوله: " إن نجم المعاهدين قد بزغ ثانية عقب انحلال الدولة الأندلسية وقيام دول الطوائف الضعيفة، واستطاعوا أن يؤدوا خدمات جليلة لقضية النصرانية والاسترداد النصراني (٢). ومن ثم فإنا نجد، عقب سقوط طليطلة، واشتداد روح العدوان من جانب إسبانيا النصرانية، شعور التقاطع والريب، ينمو ويشتد ضد جماعات النصارى المعاهدين في مختلف القواعد الأندلسية، وترتفع أصوات الفقهاء بالاشتداد في معاملتهم، وتجريدهم من كثير من ضروب الحرية والتسامح، التي كانوا يتمتعون بها من قبل. ومن ذلك مثلا ما دعا إليه ابن عبدون في رسالته عن الحسبة وهي

стр. 1113

التي وضعت في بداية العهد المرابطي، من أنه " يجب أن يقطع ببلاد الإسلام ضرب النواقيس " وأنه نظراً لفساد أخلاق القساوسة، يجب أن يؤمروا بالزواج كما في ديار المشرق، ويجب ألا يترك في دار القسيس امرأة ولا عجوز ولا غيرها، كما يجب أن تمتنع النساء الإفرنجيات من الدخول إلى الكنيسة إلا في يوم فضل أو عيد، ويجب ألا يباع من اليهود أو النصارى كتاب علم إلا ما كان من شريعتهم، لأنهم يترجمون كتب العلوم، وينسبونها إلى أهلهم وأساقفتهم، وهي من تواليف المسلمين، كما يجب أن يمنع الأطباء اليهود أو النصارى من معالجة المسلمين (١). فهذه الدعوات وأمثالها، إلى التشدد في معاملة المعاهدين، لم تكن إلاّ صدى لمواقفهم المتسمة بالعدوان والخيانة. وكانت تلقى في ظل الحكم المرابطي، المتسم بروح التزمت الديني قبولا. وقد بلغ اجتراء المعاهدين وخيانتهم ذروتها، حينما عملوا على استدعاء ألفونسو المحارب ملك أراجون، لغزو الأندلس، ووعدوه بأن ينضموا ألوفاً إلى جيشه متى اخترق الأندلس. وقام ألفونسو بالفعل بالغزوة المنشودة، فخرج من سرقسطة في سبتمبر سنة ١١٢٥ م (٥١٩ هـ)، في عهد أمير المسلمين علي بن يوسف، واخترق الأندلس، من الجانب الشرقي ماراً بقرب بلنسية ودانية ومرسية، وهو يعيث في بسائطها، والمعاهدون يحشدون في جيشه من كل صوب، واستمر في سيره حتى وادي آش، ووصل إلى ظاهر غرناطة في شهر يناير من العام التالي (١١٢٦ م)، ولكنه أدرك أنه لايستطيع أن ينال منها مأرباً. وهنالك بعث إلى زعيم المعاهدين بغرناطة يلومه لتقصيرهم في معاونته، فردوا عليه بأنه هو الذي أضاع الوقت في زحفه الطويل سدى، ثم أخذت القوات المرابطية بقيادة الأمير أبي الطاهر تميم تلاحقه وترهقه باستمرار، وهو يتجول بقواته في شمال غرناطة، ووقعت بينه وبين المرابطين في مارس (١١٢٦ م) في فحص الرنيسول موقعة هزم فيها المرابطون. بيد أنه لم يستطع الاستفادة من نصره، فاستمر في زحفه جنوباً، واخترق هضاب البشرّات حتى شاطىء البحر المتوسط، ثم عاد إلى الشمال، وقد خسر كثيراً من جنده بسبب الإعياء والوباء. وكان من أثر هذا العدوان الجسيم، أن قرر أمير المسلمين، وفقاً لفتاوي

стр. 1114

الفقهاء، تغريب النصارى المعاهدين، لأنهم نقضوا العهد وخرجوا عن الذمة, وأبعدت منهم بناء على ذلك عن الأندلس ألوف عديدة، فرقت في مختلف أنحاء إفريقية (١). وثمة ظاهرة أخرى برزت في أواخر عهد الطوائف، وترتبت على سقوط طليطلة وغيرها من القواعد الأندلسية القديمة في يد القشتاليين، ثم سقوط سرقسطة وأعمالها بعد ذلك بقليل في يد ملك أراجون (٥١٢ هـ - ١١١٨ م). فإلى ذلك الحين كانت المشكلة العنصرية والدينية. تنحصر في جانب واحد، وهو أقليات النصارى المعاهدين التي تعيش في القواعد الأندلسية تحت الحكم الإسلامي. ولكن تبرز من ذلك الحين مشكلة عنصرية دينية مقابلة، هي مشكلة الأقليات المسلمة التي بقيت في القواعد الأندلسية المفتوحة تحت الحكم النصراني، وأولئك هم المدجّنون، (وبالإسبانية Mudéjares) الذين يبدأ ذكرهم في التواريخ الأندلسية، منذ أوائل القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، والذين تزداد جموعهم تباعاً كلما سقطت قاعدة أندلسية جديدة في أيدي النصارى (٢).

стр. 1115

خاتمة خَواصّ عَصْر الطوائفْ االسياسية والاجتماعيّة والحضاريّة

стр. 1116

- ١ - الخواص السياسية الآن وقد انتهينا من أخبار ممالك الطوائف، واستعراض الأحداث التي مرت بها، منذ إنشائها حتى سقوطها، وتقديم زعمائها وملوكها، في صورهم السياسية والأدبية، ووصف قصورهم وخططهم، نرى لزاماً علينا أن نستعرض خواص هذه الحقبة من تاريخ اسبانيا المسلمة، وهي حقبة فياضة بالأحداث والمحن المثيرة، وأن نستعرض خواص مجتمع الطوائف، وأحواله المادية والأدبية والاجتماعية. لقد شغل عصر الطوائف من حياة الأمة الأندلسية نحو ثمانين عاماً، وكان عصر تفكك وانحلال سياسي واجتماعي شامل، بالرغم مما كان يبدو في بعض نواحيه من جوانب براقة. والواقع أن هذه الدول الصغيرة، التي قامت على أنقاض الأندلس الكبرى، والتي كانت تتسم بسمة الملك، وتزعم لنفسها الاستقلال بشئونها، كانت تنقصها من الناحية النظامية، عناصر الدولة المستقرة، ولم تكن - إذا استثنينا القليل منها - سواء برقاعها الإقليمة، ومواردها المادية، تستطيع الحياة بمفردها، أو تستطيع الاستقلال بشئونها السياسية أو العسكرية، وإنما كانت دول الطوائف أقرب منها إلى وحدات الإقطاع، وإلى عصبة الأسرة القوية ذات العصبية، أو الجماعة القبلية في حالة الإمارات البربرية، ومن ثم فإنه لم تكن بها حكومات منظمة بالمعنى الصحيح، تكون مهمتها الأساسية، أن تعمل لخير الشعب ورخائه، وصون الأمن والنظام، وإنما كانت بها أسر أو زعامات، تعمل قبل كل شىء لمصلحتها الخاصة، ولرفعة شأنها، وتنمية ثرواتها، وتدعيم سلطانها وبذخها. وكان الشعب في ظل هذه الأسر أو الزعامات القوية، لا حساب له، وليس عليه إلا أن يخضع لما يفرض عليه من مختلف المغارم والفروض، التي يستخدمها الأمير لإقامة بلاطه الفخم أولا، ثم لحشد الجند الذين هم سياج ملكه

стр. 1117

وسلطانه، وأخيراً لتنفيذ مشاريعه السياسية والعسكرية، وهي لا تخرج غالباً عن مهاجمة زميله وجاره الأضعف منه، وانتزاع ما في يده، وقلما تتجه إلى القضية الكبرى، قضية الدفاع عن الأندلس ضد عدوها الخالد، الدائب لمقارعتها وتحطيمها، ونعني اسبانيا النصرانية. ولقد كان ملوك الطوائف في ذلك أسوأ قدوة. كانوا ملوكاً ضعافاً في وطنيتهم، ضعافاً في دينهم، غلبت عليهم الأثرة والأهواء الشخصية إلى أبعد الحدود، ونسوا في غمارها وطنهم، ودينهم، بل نسوا حتى اعتبارات الكرامة الشخصية، واستساغوا لأنفسهم أن يتراموا على أعتاب الملوك النصارى، وأن يستعدوهم بعضهم على بعض، لا في سبيل قضية محترمة، ولكن لاقتطاع بلدة أو حصن من مملكة شقيقة، أو التنكيل بأحد الأمراء المجاورين وقد انتهى أمراء الطوائف في ذلك إلى درك، يستحق أن يوصف بأقسى النعوت، ويكفي أن نستعرض في ذلك, موقف ملوك الطوائف إزاء نكبة طليطلة، وتخاذلهم جميعاً عن انجادها وقت أن حاصرها ملك قشتالة وصمم على أخذها، وهم جميعاً - إلا واحداً منهم هو أمير بطليوس الشهم - ينظرون إلى استشهاد المدينة المسلمة، جامدين لا يطمعون إلا في رضاء ملك قشتالة، وفي سلامة أنفسهم. وقد كان ملك قشتالة يعاملهم حسبما رأينا في غير موطن، معاملة الأتباع، ويبتز منهم الأموال الطائلة، باسم الجزية، ويعامل رسلهم وسفراءهم معاملة الخدم، ويكفي أن نتلو في ذلك ما سطره ابن بسام في الذخيرة، من وصف مثول سفراء ملوك الطوائف لدى ملك قشتالة، وقت نزوله أمام طليطلة، وهي على وشك التسليم إليه، وما كان يتسم به موقفهم من المذلة والخنوع، وفقد كل كرامة قومية (١). ولم يكن ملوك الطوائف في سياستهم الداخلية، وإزاء شعوبهم، أفضل موقفاً، ولا أكرم تصرفاً. فقد كانوا طغاة قساة على رعيتهم، يسومونهم الخسف، ويثقلون كواهلهم بالفروض والمغارم لملء خزائنهم وتحقيق ترفهم وبذخهم. ولم يكن يردعهم في ذلك رادع، لا من الدين، ولا من الأخلاق. وقد كانت سياستهم الداخلية هذه، مثل سياستهم الخارجية، موضع السخط من شعوبهم، والطعن المر من معاصريهم من الكتاب والمفكرين. وقد صدرت

стр. 1118

للفيلسوف ابن حزم، وهو من أعظم مفكري عصر الطوائف، عن فتنة الطوائف، ودولها، وأمرائها المستهترين، ومجتمعها المنحل، وحكوماتها الباغية، طائفة من الأقوال والأحكام الصادقة، وردت في رسالته المعنونة " التلخيص لوجوه التخليص ". وهي عبارة عن ردود على بعض أسئلة في شئون دينية وفقهية، وجهت إليه من بعض أصدقائه، ومنها سؤال يتعلق بأمر الفتنة، وآخر عن وجه السلامة في المطعم والملبس والمكسب، وتتضمن هذه الأقوال من النظرات الثاقبة، والأحكام القاطعة، ما يدمغ مجتمع الطوائف بشدة وقسوة، وهي مع سلامة منطقها، وعدالتها، مما يبعث إلى النفس أشد ضروب الأسى والألم، فهو يصف لنا فتنة الطوائف وتصرفات ملوكها على النحو الآتي: " وأما ما سألتم من أمر هذه الفتنة، وملابسة الناس بها، مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض، فهذا أمر امتحنا به، نسأل الله السلامة، وهي فتنة سوء، أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى، من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شىء من أندلسنا هذه، أولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله، وساع في الأرض بفساد. والذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية، والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم، فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزيفون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم " (١). وقد كان الفقهاء في الواقع، في هذا العصر الذي ساد فيه الانحلال والفوضى الأخلاقية والاجتماعية، أكبر عضد لأمراء الطوائف في تبرير طغيانهم وظلمهم،

стр. 1119

وتزكية تصرفاتهم، وابتزازهم لأموال الرعية، وقد كانوا يأكلون على كل مائدة، ويتقلبون في خدمات كل قصر، ليحرزوا النفوذ والمال، ويضعون خدماتهم الدينية والفقهية لتأييد الظلم والجور، وخديعة الناس باسم الشرع، وقد انفسح لهم بالأخص في ظل دول الطوائف مجال العمل والاستغلال والدس، واحتضنهم الأمراء الطغاة، وأغدقوا عليهم العطاء. ولم يفت مؤرخ العصر أبو مروان ابن حيان، أن ينوه بهذا التآلف والتضامن بين الأمراء والفقهاء. في تأييد الظلم والفساد. والخروج على أحكام الدين، وإليك ما يقوله لنا في ذلك: " ولم تزل آفة الناس مذ خلقوا في صنفين كالملح: فيهم الأمراء والفقهاء قل ما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلحون، وبفسادهم يفسدون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له، ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون، قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ذياداً عن الجماعة، وجرياً إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدف عما أكده الله عليهم من التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم. وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذاً بالتقية في صدقهم " (١). وقد قاسى الشعب الأندلسي في ظل طغيان الطوائف، كثيراً من ضروب الاضطهاد والظلم، ولم يكن ذلك قاصراً على متاعب الفوضى الاجتماعية الشاملة، التي كان يعيش في غمارها، وانقلاب الأوضاع في سائر مناحي الحياة، وتوالي الفتن والحروب الداخلية، ولكنه كان يقاسي في نفس الوقت من جشع أولئك الأمراء الطغاة، الذين كانوا يجعلون من ممالكهم ضياعاً خاصة، يستغلونها بأقسى الوسائل وأشنعها، ويجعلون من شعوبهم عبيداً يستصفون ثرواتهم، وثمار كدهم، إرضاء لشهواتهم في إنشاء القصور الباذخة، واقتناء الجواري والعبيد، والانهماك في حياة الترف الناعم، والإغداق على الصحب والمنافقين، هذا فضلا عن حشد الجند، لإقامة نيرهم، وتدعيم طغيانهم. وقد ترتب على ذلك أن انهارت المعايير الأخلاقية، واختلط الحق بالباطل، والحلال بالحرام، ولم يعد الناس يعتدون بالوسيلة، بل يذهبون إلى اقتضاء الغاية، وتحقيق الكسب بأي الوسائل. وقد شرح لنا الفيلسوف ابن حزم طرفاً من هذه الفوضى الاجتماعية

стр. 1120

والأخلاقية، ووصف لنا إلى أي حد كان يذهب أمراء الطوائف، في إرهاق شعوبهم بالمغارم الفادحة، وإليك ما يقوله في ذلك: " وأما الباب الثاني. فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زماننا هذا باب جديد لا يؤثم صاحبه، ولا يؤجر، وليس على الناس أن يبحثوا عن أصول ما يحتاجون إليه في أقواتهم ومكاسبهم، إذ كان الأغلب هو الحلال، وكان الحرام مغموراً. وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه. فإنما هو باب أغلق عينيك، واضرب بيديك، ولك ما تخرجه إما ثمرة وإما جمرة. وإنما فرقت بين زماننا هذا والزمان الذي قبله، لأن الغارات في أيام الهدنة لم تكن غالبة ظاهرة كما هي اليوم، والمغارم التي كان يقبضها السلاطين، فإنما كانت على الأرضين خاصة، فكانت تقرب مما فرض عُمر على الأرض. وأما اليوم فإنما هي جزية على رؤوس المسلمين، يسمونها بالقطيعة، ويؤدونها مشاهرة، وضريبة على أموالهم من الغنم والبقر والدواب والنحل، يرسم على كل رأس، وعلى كل خلية شىء ما، وقبالات ما يؤدي على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد، هذا كله ما يقبضه المتغلبون اليوم، وهذا هو هتك الأستار، ونقض شرائع الإسلام، وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله ". ويحمل ابن حزم بعنف، على استهتار أمراء الطوائف بأحكام الدين، وما اتسموا به من ضعف الإيمان والعقيدة، ويؤكد لنا أنهم لو وجدوا في اعتناق النصرانية، وسيلة لتحقيق أهوائهم ومصالحهم، لما ترددوا في اعتناقها، ونحن نقتبس هنا عباراته اللاذعة المؤسية معاً: " والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم، لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى، فيمكنونهم من حُرَم المسلمين وأبنائهم ورجالهم، يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحشرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً، فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم، وسلط عليهم سيفاً من سيوفه " (١).

стр. 1121

ونحن لا نستطيع أن نتهم ابن حزم، وهو فيلسوف عصره المتزن، البعيد النظر، النافذ الملاحظة، بالمبالغة والتحامل، وهو قد شهد بنفسه أحداث العصر، وفضائح ملوك الطوائف، وأصدر عليها تلك الأحكام القاسية، التي نراها ماثلة في غير موضع من تعليقاته على حوادث عصره (١). وقد توفي ابن حزم في سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م). وممالك الطوائف في إبان قوتها وعنفوانها، وقبل أن تنحدر إلى ما انحدرت إليه فيما بعد من الإنحلال المعنوي الشامل، وقبل أن يتهالك أمراؤها في الترامي على أعتاب ملك قشتالة، وينحدرون على يديه إلى أسفل درك من الذلة والمهانة. ولو شهد الفيلسوف هذه المرحلة الأخيرة من انحلال ممالك الطوائف، لكان بلا ريب في تعليقاته وأحكامه أشد قسوة وعنفاً. - ٢ - الخواص العلمية والأدبية على أنه لمما يلفت النظر حقاً، أن ممالك الطوائف، كانت خلال هذا الانحلال الشامل، تبدو في أثواب لامعة زاهية. وإذا لم يكن يسودها النظام والاستقرار دائماً، فقد كانت في الفترات القليلة التي تجانب فيها الحرب الأهلية، تتمتع بقسط لا بأس به من الرخاء، وتغمرها الحركة والنشاط. وكان ملوك الطوائف. بالرغم من طغيانهم المطبق, ومن الصفات المثيرة التي كان يتصف بها الكثير منهم، من حماة العلوم والآداب. وإنها لظاهرة من أبرز ظواهر عصر الطوائف، أن يكون معظم الملوك والرؤساء من أكابر الأدباء والشعراء والعلماء، وأن تكون قصورهم منتديات زاهرة. ومجامع حقة للعلوم والآداب والفنون، وأن يحفل هذا العصر بجمهرة كبيرة من العلماء والكتاب والشعراء الممتازين, ومنهم بعض قادة الفكر الأندلسي، والفكر الإسلامي بصفة عامة. ولنبدأ الحديث في ذلك عن قصور عصر الطوائف وأمرائه. فلقد كانت هذه القصور المنتثرة في رقعة الوطن الأندلسي الكبرى، وكل منها يدعي السيادة على مدن ورقاع محدودة، تسطع ليس فقط بفخامتها وروعتها وبذخها، ولكن كذلك بأمرائها ووزرائها وكتابها. الأدباء والشعراء. وقد ازدهر الشعر الأندلسي

стр. 1122

بالأخص في عصر الطوائف، وبلغ في ذلك مدى لم يبلغه في أي عصر آخر. ويعلل الأستاذ نِكِل ذلك بأنه يرجع بالأخص إلى ما كان يتسم به هذا العصر من حريات، ترتب عليها الإغضاء عن كثير من القيود الدينية، ولاسيما ما تعلق منها بتحريم الخمر، وحجب المرأة، وإلى ذيوع العلاقات الغرامية بين الجنسين (١) كان ملوك الطوائف حسبما تقدم، يتسمون بضعف الإيمان والعقيدة، والاستهتار بأحكام الدين، وكان الكثير منهم يجاهرون بالمعاصي، وارتكاب الأمور المحرمة، وهو ما يسجله عليهم الفيلسوف ابن حزم فيما تقدم من أقواله. وقد كانت قصورهم المترفة الأنيقة، كما تزدان بمجالس الشعر والأدب، تحفل في الوقت نفسه بمجالس الأنس والطرب، والنساء والغلمان والخمر، وهي أمور تشغل حيزاً كبيراً في آداب العصر وشعره. وكانت مجتمعات الطوائف المرْهقة المنحلة، تتأثر بهذه الروح الإباحية، وتجنح إلى اجتناء المتعة المادية والملاذ الحسية بمختلف ضروبها، وكان هذا الانحلال الشامل يجتاح يومئذ سائر طبقات المجتمع الأندلسي. على أن النهضة الأدبية والفكرية التي امتاز بها عصر الطوائف، ترتفع مع ذلك فوق مستوى هذا الانحلال وتبرز قوية وضاءة. ولقد كانت هذه القصور المترفة المرحة نفسها، أكبر مبعث لهذه النهضة، وكان أولئك الملوك المستهترون أنفسهم دعاتها وحماتها، وكانت قصور الطوائف تتنافس في هذا الميدان وتتسابق، شعوراً منها بما تجتنيه من وراء ذلك من فخار ومجد، وما تسجله روائع المنظوم والمنثور من ذخر وذكر. وكان من بين هذه القصور ثلاثة امتازت بنوع خاص، بمشاركتها في النهضة الأدبية والشعرية، هي بلاط بني عباد بإشبيلية، وبلاط بني الأفطس ببطليوس، وبلاط بني صمادح بألمرية. كان بنو عباد، وهم كما رأينا، أعظم ملوك الطوائف قوة وجاهاً وملكاً، من أعظم رواد هذه النهضة الأدبية والفكرية التي سادت هذا العصر، وقد سبق أن أشرنا إلى ما امتازت به هذه الأسرة النابهة من نبوغ في ميدان الشعر والأدب، وقد برز منهم بالأخص المعتضد بن عباد، وولده المعتمد، وترك لنا كلاهما طائفة كبيرة من روائع نظمه. ويمتاز شعر المعتضد بنزعة إلى الفخر والمجد وشهرة

стр. 1123

الجود. أما المعتمد بن عباد فقد كان بلا ريب من أعظم شعراء عصر الطوائف، إن لم يكن أعظمهم جميعاً. ويرى الأستاذ نكل أنه " أبرز ممثل للشعراء الأندلسيين العرب في النصف الثاني للقرن الحادي عشر " وأنه " يتزعم هذا العصر بشخصيته المتسمة بالفروسية، ويعتبر أسطع نجم في باقة النجوم الكبرى لملوك الطوائف الآخرين " (١). وقد ترك لنا المعتمد بنوع خاص طائفة من أروع القصائد التي نظمها أيام مجده، ثم بعد ذلك خلال محنته. في التلهف على ماضيه والبكاء على مصيره، وقد أوردنا فيما تقدم مقتطفات من شعره، في مختلف المناسبات والأحداث. وكان بنو عباد فضلا عن مواهبهم الأدبية والشعرية الرفيعة، يجمعون في بلاطهم، وهو أزهى قصور الطوائف في هذا المضمار. جمهرة من أكابر شعراء العصر وكتابه، سواء برسم الوزارة أو الكتابة أو الانتظام بين صحب الأمير ومستشاريه، أو لمجرد الرعاية والحماية. وكان من هؤلاء حسبما أسلفنا شعراء عظام مثل أبى بكر بن عمار الشاعر الذكي المبدع، وقد أتينا على أحداث حياته فيما تقدم، وأبى الوليد بن زيدون الذي يصفه الأستاذ نكل بأنه " شاعر عظيم للحب "، ويعتبره مثلا " لأبدع نموذج للأسلوب العربي الكلاسيكي. وفي وسعنا أن نقارنه بالمتنبي والبحتري ". وقد قارن العلامة دوزي، ابن زيدون في حياته الغرامية بالشاعر اللاتيني تيبولوس في حبه " لدِلْيا "، ولكن الأستاذ نكل لا يقر هذه المقارنة إلا من حيث الناحية الغرامية، وعنده أن المظاهر الشعرية تختلف بين الشاعرين الأندلسي واللاتيني، " كما تختلف الأزهار لوناً وعطراً " (٢). والواقع أن حب ابن زيدون لولادة بنت الخليفة المستكفي (٣)، كان أعظم حدث في حياته، وكان أعظم وحي لروائع شعره. وكانت ولادة ابنة جارية نصرانية، وكانت ناصعة المحيا، زرقاء العينين، حمراء الشعر، رائعة الحسن. ويصفها ابن بسام بقوله: " وكانت في

стр. 1124

نساء أهل زمانها، واحدة أقرانها حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهافت أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب وكرم أنساب، وطهارة أثواب. على أنها، سمح الله لها وتغمد زللها، طرحت التحصيل، وأوجدت للقول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها " (١). وهام ابن زيدون في شبابه بولادة أيام خدمته لبني جهور، وتوثقت علائقه بها مدة من الزمن، ونظم في حبها طائفة من أروع قصائده، ثم ساءت العلائق بينهما، وهجرته ولادة وهو يستعطفها بقصائد مؤثرة. وكان ينافسه في ودها رجل من سراة قرطبة يدعى أبو عامر بن عبدوس تزوجته ولادة فيما بعد، وانتهى الأمر بأن زج ابن زيدون إلى السجن إما لريبة علقت بولائه لابن جهور، أو نتيجة لمكيدة دبرها له خصمه ومنافسه ابن عبدوس. وقد وجه ابن زيدون إلى منافسه وخصمه ابن عبدوس هذا، رسالة لوم وتقريع، تفيض بألوان مؤلمة من التهكم والتشبيهات، والمقارنات، وينعته في أولها " بالمصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره ". ثم يفيض في وصفه وتشبيهه بأسلوب ساخر مقذع، وقد اشتهرت رسالة ابن زيدون هذه، واعتبرت من الطرائف الأدبية وعملت لها شروح عديدة (٢). ثم فر ابن زيدون من سجنه، وغادر قرطبة إلى إشبيلية وذلك في سنة ٤٤١ هـ (١٠٤٩ م) والتحق ببلاط المعتضد بن عباد، وخدمه وعلت مكانته لديه. ولما توفي المعتضد استمر في خدمة ولده المعتمد، وتوفي في سنة ٤٦٣ هـ (١٠٧١ م). وقد ترك لنا ابن زيدون ثروة كبيرة منوعة من نظمه الرائق، ومنها قصائد تعتبر من أروع ما يحتويه الشعر الأندلسي (٣)، وفيها يبلغ النسيب ذروة الإبداع الروحي والحسي،

стр. 1125

وكان لحبه لولادة بلا ريب أعمق تأثير في نفسه وروحه، وهو تأثير يشيد به النقد الحديث. يقول الأستاذ نكل " وبغير هذا التأثير كان شعر ابن زيدون يبقى ناقصاً بعضاً من أثمن جواهره " (١). وإلى جانب هذين الشاعرين العظيمين، ابن عمار وابن زيدون، كان بلاط إشبيلية يضم طائفة أخرى من أكابر شعراء العصر، منهم أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانه وأصله من دانية، كما يدل على ذلك اسمه، وبرع في الشعر منذ صباه، واتخذه وسيلة للتكسب والعيش، وتجول بين قصور الطوائف يمتدح ملوكهم. ثم اتصل ببلاط إشبيلية، وغدا شاعر المعتمد الأثير لديه، وقد نظم في مديحه كثيراً من قصائده. ولما ذهبت دولة المعتمد، ونفي أسيراً إلى المغرب، زاره أبو بكر بأغمات، وله في دولة المعتمد وأيامه، وفي محنته وأسره، قصائد كثيرة، وله كتاب في تاريخ بني عباد سبقت الإشارة إليه. ولحق في أواخر أيامه بجزيرة ميورقة، ومدح صاحبها مبشر العامري وحظى لديه. ومنهم عبد الجليل بن وهبون، وهو صديق ابن عمار ومرثيه، وأبو الحسن الحصرى، وأصله من القيروان. وقد خدم المعتضد ثم المعتمد، وتوفي بطنجة سنة ٤٨٨ هـ. ومنهم شاعر فذ من الوافدين على الأندلس، هو عبد الجبار ابن أبى بكر بن محمد الأزدي الصقلي المعروف بابن حمديس، وقد ولد بسرقوسة سنة ٤٤٧ هـ (١٠٥٥ م)، ولما غزا النورمان صقلية في سنة ٤٧١. (١٠٧٨ م) سار إلى تونس ثم إلى إشبيلية والتحق ببلاط المعتمد، ونظم في مديحه كثيراً من القصائد، وظهر بروعة افتنانه ولاسيما في شعره الوصفي. ولما أسر المعتمد زاره في أغمات وأقام لديه مدة، ثم سار ابن حمديس بعد ذلك إلى المهدية وخدم ملكها وتوفي سنة ٥٢٧ هـ (١١٣٢ م). وأما عن الكتاب الذين خدموا في بلاط إشبيلية، وازدهروا في ظل بني عباد، فقد أشرنا إلى الكثير منهم، خلال حديثنا عن أخبار مملكة إشبيلية، وإنما أردنا أن نخص الشعراء بالذكر هنا لما كان لبني عباد في هذا الميدان من رياسة ومواهب عالية، ولما كان لدولة الشعر في ظلهم من رعاية خاصة، وقد كان بنو عباد
следующие страницы →