← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ثم أجح بشاعر غسّان، لا ساسان في هذا العيد بالوعيد، وأحر في في هذا الفصل بعدم الوصل. لقد غَم آخرك، لكن بالرغم أخرك إذ أضربت عن مديح، علقنا الربيح، معز الدولة، شهمنا الرئيس وسهمنا النفيس قَيل الأمم، وسيل الأمم، معنى المعاني، ومغنى المغاني، ذي الرياسة الساسانية، والنفاسة النفسانية، فاذهب يا غثّ المذهب، وابتغ في الأرض نفقا، أو في السماء مرتقى، فهده أليّة، جلبت عليك بليّة، أو حُك من البسيط المديد، ما تستجير به من بطشنا الشديد، إذ نحن معشر الموالي، لا نوالي، إلا من هو لعظيمتنا موالي، وحذار حذار ان تقرع سن الندم، ولات حين مندم، قبل أن تجمع ذنوبك على ذنوبك، وكُربك في كَرَبك، فمن أبصر أقصر، وما حرّف، من صديقه خرّف. فلا تتبشع ممضَّ العتا ... ب يلقاك يوما بلقياه لاق فإن الدواء حميد الفعال ... وإن كان مُرَّا كريه المذاق يا معتقل علم الشعر، والمستقل بقلم النظم والنثر: قد استحييت منك فلا تكلني ... إلى شىء سوى عذر جميل وقد أنفذت ما حقي عليه ... قبيح الهجو أو شتم الرسول وذاك على انفرادك قوت يوم ... إذا أنفقت إنفاق البخيل وكيف وأنت علويّ السجايا ... وليس إلى اقتصادك من سبيل وقد يقوى الفصيح فلا تقابل ... ضعيف البر إلا بالقبول وإن الوزن وهو أصح وزن ... يقام صَغَاه بالحرف العليل فإن يك ما بعثت به قليلا ... فلي حال أقل من القليل نجزته من كلام المعري والسلام عليك ما سبح الفَلَك وسبّح المَلَك، ورحمة الله وبركاته.

стр. 1157

دول الطوائف جدول تاريخي مفصل دولة بني جهور في قرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور ٤٢٢ - ٤٣٥ هـ: ١٠٣١ - ١٠٤٤ م أبو الوليد محمد جهور ٤٣٥ - ٤٥٧ هـ: ١٠٤٤ - ١٠٦٤ م عبد الملك بن محمد بن جهور ٤٥٧ - ٤٦٣ هـ: ١٠٦٤ - ١٠٧٠ م. المعتمد بن عباد يستولي على قرطبة سنة ٤٦٣ هـ دولة بني عباد في إشبيلية القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد ٤١٤ - ٤٣٣ هـ: ١٠٢٣ - ١٠٤٢ م عباد بن محمد المعتضد ٤٣٣ - ٤٦١ هـ: ١٠٤٢ - ١٠٦٩ م محمد بن عباد المعتمد ٤٦١ - ٤٨٤ هـ: ١٠٦٩ - ١٠٩١ م. إشبيلية تسقط في أيدي المرابطين دولة بني الأفطس في بطليوس عبد الله بن محمد بن مسلمة المنصور ٤١٣ - ٤٣٧ هـ: ١٠٢٢ - ١٠٤٥ م محمد بن عبد الله المظفر ٤٣٧ - ٤٦١ هـ: ١٠٤٥ - ١٠٦٨ م يحيى بن محمد المنصور ٤٦١ - ٤٦٤ هـ: ١٠٦٨ - ١٠٧٢ م عمر بن محمد المتوكل ٤٦٤ - ٤٨٨ هـ: ١٠٧٢ - ١٠٩٤ م. بطليوس تسقط في أيدي المرابطين دولة بني يحيى في لبلة أبو العباس أحمد بن يحيى ٤١٤ - ٤٣٤ هـ: ١٠٢٣ - ١٠٤٢ م محمد بن يحيى عز الدولة ٤٣٤ - ٤٤٣ هـ: ١٠٤٢ - ١٠٥١ م فتح بن خلف ناصر الدولة ٤٤٣ - ٤٤٥ هـ: ١٠٥١ - ١٠٥٣ م. لبة تسقط في يد المعتضد بن عباد دولة بني مُزين في باجة وشلب الحاجب عيسى محمد ... - ٤٣٢ هـ: ... - ١٠٤١ م محمد بن عيسى عميد الدولة ٤٣٢ - ٤٤٠ هـ: ١٠٤١ - ١٠٤٨ م

стр. 1158

عيسى بن مُزين المظفر ٤٤٠ - ٤٤٥ هـ: ١٠٤٨ - ١٠٥٣ م محمد بن عيسى الناصر ٤٤٥ - ٤٥٠ هـ: ١٠٥٣ - ١٠٥٨ م عيسى بن محمد المظفر ٤٥٠ - ٤٥٥ هـ: ١٠٥٨ - ١٠٦٣ م. شلب تسقط في يد المعتضد بن عباد دولة بني البكري في ولبه وجزيرة شلطيش عبد العزيز البكري عز الدولة ٤٠٣ - ٤٤٣ هـ: ١٠١٢ - ١٠٥١ م. ولبة وشلطيش تسقطان في يد المعتضد دولة بني هارون في شنتمرية الغرب سعيد بن هارون ٤١٧ - ٤٣٣ هـ: ١٠٢٦ - ١٠٤١ م محمد بن سعيد المعتصم ٤٣٣ - ٤٤٣ هـ: ١٠٤١ - ١٠٥١ م. شنتمرية الغرب تسقط في يد المعتضد دولة بني ذى النون في طليطلة إسماعيل بن ذى النون الظافر ٤٢٧ - ٤٣٥ هـ: ١٠٣٦ - ١٠٤٣ م يحيى بن إسماعيل المأمون ٤٣٥ - ٤٦٧ هـ: ١٠٤٣ - ١٠٧٥ م يحيى بن إسماعيل بن يحيى القادر ٤٦٧ - ٤٧٨ هـ: ١٠٧٥ - ١٠٨٥ م. طليطلة تسقط في يد ألفونسو السادس دولة بني مناد في غرناطة زاوي بن زيري ٤٠٣ - ٤١٠ هـ: ١٠١٣ - ١٠١٩ م حبوس بن ماكسن ٤١١ - ٤٢٨ هـ: ١٠٢٠ - ١٠٣٧ م باديس بن حبوس المظفر ٤٢٨ - ٤٦٥ هـ: ١٠٣٧ - ١٠٧٣ م عبد الله بن بلقين ٤٦٥ - ٤٨٣ هـ: ١٠٧٣ - ١٠٩٠ م. المرابطون يستولون على غرناطة دولة بني برزال في قرمونة محمد بن عبد الله بن برزال ٤٠٤ - ٤٣٤ هـ: ١٠١٣ - ١٠٤٢ م عزيز بن محمد المستظهر ٤٣٤ - ٤٥٩ هـ: ١٠٤٢ - ١٠٦٧ م. قومونة تسقط في يد ابن عباد دولة بني دمّر في مورور نوح بن أبي تزيري الدمري ٤٠٣ - ٤٣٣ هـ: ١٠١٣ - ١٠٤١ م

стр. 1159

محمد بن نوح عز الدولة ٤٣٣ - ٤٤٥ هـ: ١٠٤١ - ١٠٥٣ م مناد بن محمد عماد الدولة ٤٤٥ - ٤٥٨ هـ: ١٠٥٣ - ١٠٦٦ م. مورور تسقط في يد ابن عباد دولة بني خزرون في أركش محمد بن خزرون عماد الدولة ٤٠٢ - ٤٢٠ هـ: ١٠١١ - ١٠٢٩ م عبدون بن محمد بن خزرون ٤٢٠ - ٤٤٥ هـ: ١٠٢٩ - ١٠٥٣ محمد بن محمد بن خزرون القائم ٤٤٥ - ٤٦١ هـ: ١٠٥٣ - ١٠٦٨ م. أركش تسقط في يد ابن عباد دولة بني يفرن في رندة هلال بن أبي قرة اليفرنى ٤٠٦ - ٤٤٥ هـ: ١٠١٥ - ١٠٥٣ م باديس بن هلال ٤٤٥ - ٤٤٩ هـ: ١٠٥٣ - ١٠٥٧ م أبو نصر فتوح بن هلال ٤٤٩ - ٤٥٧ هـ: ١٠٥٧ - ١٠٦٥ م. رندة تسقط في يد ابن عباد مملكة ألمرية ١ - خيران العامري ٤٠٥ - ٤١٩ هـ: ١٠١٤ - ١٠٢٨ م زهير العامري ٤١٩ - ٤٢٩ هـ: ١٠٢٨ - ١٠٣٨ م عبد العزيز المنصور ٤٢٩ - ٤٣٣ هـ: ١٠٣٨ - ١٠٤١ م ٢ - معن بن صمادح ٤٣٣ - ٤٤٣ هـ: ١٠٤١ - ١٠٥١ م محمد بن معن المعتصم ٤٤٣ - ٤٨٤ هـ: ١٠٥١ - ١٠٩١ م أحمد بن محمد معز الدولة ٤٨٤ هـ - ١٠٩١ م. المرابطون يستولون على ألمرية مملكة مرسية ١ - خيران العامري ٤٠٣ - ٤١٩ هـ: ١٠١٢ - ١٠٢٨ م زهير العامري ٤١٩ - ٤٢٩ هـ: ١٠٢٨ - ١٠٣٨ م أبو بكر بن طاهر ٤٢٩ - ٤٥٥ هـ: ١٠٣٨ - ١٠٦٣ م أبو عبد الرحمن بن طاهر ٤٥٥ - ٤٧١ هـ: ١٠٦٣ - ١٠٧٨ م (حكم بنو طاهر باسم عبد العزيز المنصور صاحب بلنسية وولده عبد الملك). المعتمد بن عباد يستولي على مرسية

стр. 1160

٢ - ابن عمار ٤٧١ - ٤٧٣ هـ: ١٠٧٨ - ١٠٨١ م ابن رشيق ٤٧٣ - ٤٨٤ هـ: ١٠٨١ - ١٠٩١ م. المرابطون يستولون على مرسية مملكة دانية والجزائر ١ - مجاهد العامري الموفق ٤٠٠ - ٤٣٦ هـ: ١٠٠٩ - ١٠٤٤ م على بن مجاهد إقبال الدولة ٤٣٦ - ٤٦٨ هـ: ١٠٤٤ - ١٠٧٦ م ٢ - المقتدر بن هود صاحب سرقسطة ٤٦٨ - ٤٧٤ هـ: ١٠٧٦ - ١٠٨١ م المنذر بن هود ٤٧٤ - ٤٨٣ هـ: ١٠٨١ - ١٠٩١ م. المرابطون يستولون على دانية مملكة بلنسية الفتيان مظفر ومبارك ٤٠٠ - ٤٠٨ هـ: ١٠٠٩ - ١٠١٧ م لبيب العامري ٤٠٨ - ٤١١ هـ: ١٠١٧ - ١٠٢١ م عبد العزيز المنصور ٤١١ - ٤٥٢ هـ: ١٠٢١ - ١٠٦١ م عبد الملك بن عبد العزيز ٤٥٢ - ٤٥٧ هـ: ١٠٦١ - ١٠٦٥ م. المأمون بن ذى النون يستولي على بلنسية نائبه أبو بكر بن عبد العزيز ٤٥٧ - ٤٧٨ هـ: ١٠٦٥ - ١٠٨٥ م عثمان بن أبى بكر ٤٧٨ - ... هـ: ١٠٨٥ - ... م القادر بن ذى النون ٤٧٨ - ٤٨٥ هـ: ١٠٨٥ - ١٠٩٢ م القاضي ابن جحّاف ٤٨٥ - ٤٨٧ هـ: ١٠٩٢ - ١٠٩٤ م السيد إلكمبيادور والقشتاليون ٤٨٧ - ٤٩٥ هـ: ١٠٩٣ - ١١٠٢ م. المرابطون يستولون عل بلنسية إمارة شنتمرية الشرق هذيل بن عبد الملك بن رَزين ٤٠٣ - ٤٣٦ هـ: ١٠١٢ - ١٠٤٥ م عبد الملك بن هذيل ٤٣٦ - ٤٩٦ هـ: ١٠٤٦ - ١١٠٣ م يحيى حسام الدولة ٤٩٦ - ٤٩٧ هـ: ١١٠٣ - ١١٠٤ م. المرابطون يستولون عل شنتمرية الشرق إمارة ألبونت عبد الله بن قاسم ٤٠٠ - ٤٣١ هـ: ١٠٠٩ - ١٠٣٩ م

стр. 1161

محمد بن عبد الله يمن الدولة ٤٣١ - ٤٣٤ هـ: ١٠٣٩ - ١٠٤٢ م أحمد بن محمد عز الدولة ٤٣٤ - ٤٤٠ هـ: ١٠٤٢ - ١٠٤٨ م عبد الله بن محمد جناح الدولة ٤٤٠ - ٤٩٥ هـ: ١٠٤٨ - ١١٠٢ م. المرابطون يستولون على ألبونت مملكة سرقسطة ١ - المنذر بن يحيى التجيبي ٤٠٨ - ٤١٤ هـ: ١٠١٧ - ١٠٢٣ م يحيى بن المنذر المظفر ٤١٤ - ٤٢٠ هـ: ١٠٢٣ - ١٠٢٩ م المنذر بن يحيى معز الدولة ٤٢٠ - ٤٣٠ هـ: ١٠٢٩ - ١٠٣٩ م ٢ - سليمان بن هود المستعين ٤٣١ - ٤٣٨ هـ: ١٠٣٩ - ١٠٤٦ م أحمد بن سليمان المقتدر ٤٣٨ - ٤٧٤ هـ: ١٠٤٦ - ١٠٨١ م يوسف بن أحمد المؤتمن ٤٧٤ - ٤٧٨ هـ: ١٠٨١ - ١٠٨٥ م أحمد بن يوسف المستعين ٤٧٨ - ٥٠٣ هـ: ١٠٨٥ - ١١١٠ م عبد الملك بن أحمد عماد الدولة ٥٠٣ - ... هـ: ١١١٠ - ... م. المرابطون يستولون على سرقسطة

стр. 1162

ثبت المراجع - ١ - تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر (بولاق). تاريخ ابن الأثير (الطبعه الأهلية ١٣٠٣ هـ). وفيات الأعيان لابن خلكان (بولاق). نهاية الأرب للنويري. (القسم التاريخي، ومعظمه لا يزال مخطوطا). نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري (الطبعة الأهلية ١٣٠٢ هـ). البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب لابن عذارى المراكشي (الجزء الثاني المنشور بعناية العلامة دوزي (١٨٤٩) والثالث المنشور بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال (باريس ١٩٣٠). الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي (القاهرة ١٣٠٦ هـ). الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني (المجلدات الثلاثة المنشورة بعناية كلية الآداب بجامعة القاهرة وما نشر منه في موسوعة دوزي عن بني عباد Hist. Abbad، والقسم المخطوط المنوه عنه فيما بعد. كتاب الصلة لابن بشكوال (ضمن المكتبة الأندلسية، والقاهرة سنة ١٩٥٥ م) التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار القضاعي (ضمن المكتبة الأندلسية). بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس للضبي (ضمن المكتبة الأندلسية والقاهرة ١٩٥٥ م). الحلة السيراء لابن الأبار القضاعي (القسم المنشور بعناية العلامة دوزي ليدن ١٨٤٧ م). والأصل الكامل المخطوط المنوه عنه فيما بعد. (وطبعة القاهرة الصادرة بتحقيق الدكتور حسين مؤنس (١٩٦٤ م) في مجلدين). جذوة المقتبس لأبى عبد الله الحميدي (القاهرة). المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي (القاهرة ١٣٣٢ هـ). الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لابن أبي زرع الفاسي المنشور بعناية المستشرق كارل تورنبرج (أبسالة ١٨٤٣ م). الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية (طبع تونس).

стр. 1163

دولة الإسلام في الأندلس تأليف محمَّد عبد الله عِنَانْ العصر الثالث عصرُ المرابطين والمُوَحّدينْ في المغرب والأندلس القسْم الأول عصْر المُرابطين وبدَاية الدّولة الموحّدية

стр. 1164

الطبعة الثانية ١٤١١ هـ = ١٩٩٠ م مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر ٦٨ شارع العباسية. القاهرة. ت: ٨٢٧٨٥١

стр. 1165

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة حينما عولت على كتابة تلك السيرة المشجية، الحافلة بالعبر - تاريخ الأندلس - لم يكن يجول بخاطري، أن المهمة تقتضي حياة بأسرها، وأن الأعوام سوف تمر تباعاً، دون أن تصل إلى غايتها. وقد مضى الآن مذ أصدرت القسم الأول من " دولة الإسلام في الأندلس " في سنة ١٩٤٢، عشرون عاماً، كرست خلالها، معظم أوقاتي وجهودي، لإتمام هذه المهمة. ومنذ اثنتي عشر عاماً، وأنا دائب التردد على اسبانيا والمغرب، أنقب باستمرار في مكتباتهما، ودور محفوظاتهما، عن كل ما يتعلق بهذه السيرة من مصادر، ووثائق مخطوطة، وغير مخطوطة. عربية أو قشتالية، حتى أضحت هذه المهمة، مهمة حياتي، لا أدخر في تحقيقها وسيلة ولا جهداً. وقد استطعت خلال هذه الحقبة الطويلة، أن أكتب تاريخ الأندلس منذ الفتح إلى نهاية دول الطوائف، في ثلاثة مجلدات، وأن أكتب في نفس الوقت تاريخ المرحلة الأخيرة من دولة الإسلام في الأندلس، أعني تاريخ مملكة غرناطة حتى سقوطها، ثم تاريخ الأمة الأندلسية المغلوبة واستشهادها المؤسي، ومحنتها الأخيرة، بإخراج بقاياها المتنصرة من أوطانها القديمة، وذلك في مجلد كبير، هو " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ". وكانت الثغرة التي بقيت بين نهاية عهد الطوائف، وقيام مملكة غرناطة، وهي عصر المرابطين والموحدين، وهي ثغرة تستغرق من الزمن نحو مائة وخمسين عاماً - كانت تروعني دائماً بطول مداها، وتشعب آفاقها، وخصوصاً بالمغرب. ولكن، كان لابد لإتمام المهمة التي كرست لها بقية حياتي، وهي تسطير تاريخ الأندلس منذ الفتح إلى النهاية، أن أقتحم هذا الميدان الوعر، وأن أعكف على كتابة تاريخ هذا العصر، بالرغم من كل ما يكتنفه من صعاب وغموض، حتى تجبر

стр. 1166

الثغرة، وتتصل المراحل، ويغدو تاريخ الأندلس، والأمة الأندلسية، كله، وقد استكملت حلقاته، منذ بدايته إلى نهايته. وانه ليملأ نفسي اليوم غبطة، أنني قد استطعت بعون الله، أن أتمم هذه المهمة، وأن أكتب تاريخ عصر المرابطين والموحدين، في المغرب والأندلس، بعد أعوام من العمل الشاق، والجهد المتواصل، والتنقيب المستمر، في مكاتب مدريد، والإسكوريال، والرباط، وفاس، والقاهرة، ولندن، وأكسفورد، والفاتيكان. وقد حرصت فضلا عن تقصي المصادر والوثائق، على دراسة المواطن الجغرافية والاستراتيجية دراسة عملية، فزرت بالمغرب سائر عواصمه التاريخية، وزرت منطقة جبال الأطلس ومدينة تينملّل، مكة المهدي ابن تومرت، ودرست طريق مسير الجيوش المرابطية والموحدية، إلى شبه الجزيرة الإسبانية، وزرت مواقع العبور إليها من جانبي المضيق. وأما بالأندلس فإني لم أترك قاعدة أو مدينة أندلسية قديمة حتى زرتها، ودرست معالمها القديمة، وآثارها الأندلسية الباقية. وقد حرصت بنوع خاص على أن أدرس مواقع المعارك العظيمة، التي نشبت يين الموحدين وبين اسبانيا النصرانية، في شنترين، وفي شلب، ثم الأرك، وفي العقاب. وقد قضيت عدة أيام في دراسة مواقع هاتين المعركتين العظيمتين الحاسمتين - الأرك والعقاب - وقمت لذلك برحلة خاصة، طفت فيها بسهل الأرك، ومواقع قلعة رباح القديمة. ثم قصدت إلى جبال سييرّا مورينا التي تفصل بين الأندلس وبين قشتالة، وصعدت إلى آكامها، وتجولت في هضابها، وطفت بسائر الأماكن التي وقعت فيها معركة العقاب، من وعر ومن سهل، وهي المعركة التي سحقت فيها الجيوش الموحِّدية، وانتهت بانحلال سلطان الموحدين، وانحلال الأندلس، ثم سقوط سائر قواعدها العظيمة، فيما لا يزيد عن ثلاثين عاماً. وكانت هذه الدراسات الجغرافية، والطبوغرافية، تمدني بكثير من أسباب الإيضاح والإدراك لظروف هذه االمواقع، والنتائج التي انتهت إليها، وتعاون على الدقة في وصف مراحلها وتطوراتها. وثمة مسألة أخرى جديرة بالتنويه، وهي أن كتابة تاريخ عصر المرابطين والموحدين، تعتبر قبل كل شىء تسطيراً لتاريخ المغرب، ولا يشغل فيه تاريخ الأندلس سوى حيز يسير، فقد كانت الأندلس أو شبه الجزيرة الأندلسية، في هذا العصر الذي استطال زهاء قرن ونصف، ولاية مغربية، داخل الإمبراطورية

стр. 1167

المغربية الكبرى، المرابطية، ثم الموحدية. بيد أن حكم المرابطين، ثم الموحدين لولاية الأندلس، والظروف العسكرية، والإدارية، والاجتماعية، التي أحاطت بحكم كل من هاتين الدولتين العظيمتين للأمة الأندلسية، لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء التفاصيل الكاملة لحكم كل منهما للامبراطورية المغربية الكبرى. ومن ثم فقد كان لزاماً عليّ أن أكتب تاريخ عصر المرابطين والموحدين بالمغرب كاملا، بالرغم مما يحيق بهذه المهمة من صعاب لا نهاية لها، سواء من الناحية الجغرافية أو القبلية، أو ناحية الاستيعاب التاريخي. وإني لأرجو أن أكون قد وفقت إلى بعض ما طمحت إليه، من عرض تاريخ هذه الفترة الهامة من تاريخ الإمبراطورية المغربية الكبرى، في صورته الحقيقية الكاملة. هذا مع العلم بأني قد استعرضت في كتابي " دول الطوائف "، وهو الذي يتناول العصر الثاني من كتاب " دولة الإسلام في الأندلس " نشأة المرابطين، وفتوحهم في المغرب، وقيام الدولة المرابطية الكبرى، على يد عاهلها العظيم يوسف بن تاشفين، ثم عبور المرابطين إلى الأندلس، لإنجاد أمراء الطوائف في موقعة الزلاّقة، وما تلا ذلك من فتح المرابطين لدول الطوائف، واستيلائهم على شبه الجزيرة الأندلسية، ومن ثم فإني لم أجد موضعاً لتكرار ما سبق أن كتبت في هذا الشأن. ولهذا فقد بدأت كتابي هذا، بالتحدث عن خاتمة عهد يوسف بن تاشفين. وقد رأيت أن أستعرض في فصل خاص، أهم المصادر المخطوطة وغير المخطوطة، التي كانت قبل غيرها، عمادي في البحث والدرس. ومن المحقق أن هذه المصادر، بالرغم مما تقدمه إلينا أحياناً من مواد أصيلة ومعاصرة، لا شك في أهميتها ونفاستها، لا تقدم إلينا سوى القليل، ولا تعالج إلا بعض نواحي المسائل الكبرى، التي يعرضها لنا تاريخ الدولتين المرابطية والموحدية، بيد أنها من جهة أخرى تلقى أضواء كثيرة على النواحي السياسية والإدارية لحكم المرابطين والموحدين، ولاسيما لشبه جزيرة الأندلس، فقد كانت لكل من الدولتين في حكم الأندلس، أوضاع ومبادىء خاصة. وأود أن أشير هنا إلى أني قد جريت في كتابة تاريخ عصر المرابطين، والموحدين، وهو العصر الثالث من كتاب " دولة الإسلام في الأندلس " - على نفس الأسلوب الذي جريت عليه في كتابة العصرين الأول والثاني، ثم الرابع

стр. 1168

(نهاية الأندلس)، وحرصت على أن أستعرض نظم الحكم والأوضاع السياسية والدينية، لكل من الدولتين، المرابطية والموحدية، وسير الحركة الفكرية الأندلسية، والأحوال الاجتماعية في ظل كل منهما، وذلك بقدر ما تمدنا به المصادر والوثائق التي بين أيدينا. كما خصصت لتاريخ اسبانيا النصرانية مكانها المعتاد، وفقاً لما جريت عليه في العصور الأخرى. وكذلك عنيت عناية خاصة بتزويد الكتاب بالخرائط التاريخية، والرسوم الطبوغرافية، التي تبين مواقع المعارك الكبرى، وقد زرتها بنفسي كما تقدم، وأرجو أن يكون في ذلك ما يسهل مهمة القارىء والباحث، في فهم أوضاع هذه المعارك وظروفها وتطوراتها. وقد ألحقت بنهاية الكتاب طائفة من الوثائق الهامة المرابطية والموحدية، والوثائق الأخرى التي رجعت إليها، ومنها ما لا يزال مخطوطاً لم ينشر بعد، وذلك تسهيلا لمهمة الباحثين في هذا الميدان، في التزود بمعلومات أوفى عن الموضوعات التي تتناولها. وإنه لا يسعني في الختام، إلا أن أقدم جزيل الشكر والعرفان لسائر الهيئات العلمية والمكتبية، التي ساهمت في تسهيل مهمتي، في البحث والمراجعة، والتصوير والنقل، وفي مقدمتها معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، ومكتبة الإسكوريال، ومكتبة مدريد الوطنية، وخزانة الرباط، وخزانة جامع القرويين بفاس، وقسم المخطوطات بالمتحف البريطاني، والمكتبة البودلية بأكسفورد، ودار الكتب المصرية، فقد كان لي من ذخائر هذه الهيئات، والمكتبات الجليلة، خير منهل، وخير معين لي، في تأليف هذا الكتاب. القاهرة في رجب سنة ١٣٨٣ الموافق مارس سنة ١٩٦٣ محمد عبد الله عنان

стр. 1169

بيان عن المصادر كان عصر المرابطين والموحدين، من حيث المصادر والوثائق، من أشق مراحل هذه السلسلة من تاريخ المغرب والأندلس، التي نضطلع بكتابتها منذ أعوام طويلة، وذلك نظراً لاستطالة مداه، وتشعب نواحيه، وكثرة ثغراته الغامضة. وقد بذلنا خلال الأعوام التي قضيناها في كتابة تاريخ هذا العصر، جهوداً مضنية، في استيعاب مصادره، وتقصي الوثائق التي تكشف عن أحداثه وخواصه، وقمنا في هذا السبيل بعدة رحلات إلى اسبانيا والمغرب وانجلترا. وقد رأينا أن نستعرض في هذا البيان الموجز، أهم المصادر والوثائق المخطوطة والمنشورة، التي كانت عمادنا في كتابة هذا التاريخ، وسوف نعود في نهاية الكتاب، فنخص المصادر بثبت عام شامل، يضمها جميعاً من مخطوط ومنشور، ومن عربية، ولاتينية وقشتالية، وغيرها. كتاب " المن بالإمامة " نستطيع أن نقول إن هذا الكتاب، أو بالحري القسم الذي وصلنا منه، هو أهم مصادرنا المخطوطة عن المرحلة الأولى من تاريخ الدولة الموحدية. واسمه الكامل هو حسبما جاء في الصفحة الأولى، من المخطوط الوحيد الذي انتهى إلينا، " كتاب تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين، بأن جعلهم الله أئمة، وجعلهم الوارثين، وظهور الإمام أمير الموحدين على الملثمين، وفي مساق ذلك خلافة الإمام الخليفة أمير المؤمنين [وأحد] الخلفاء الراشدين ". وأما مؤلفه، فقد ورد اسمه في صفحة العنوان على النحو الآتي: " أنهى تأليفه، وأبدع تحبيره وتصنيفه، عبد الملك ابن محمد بن صاحب الصلاة الباجي ﵀ ". ويحفظ هذا المخطوط بمكتبة جامعة أكسفورد المسماة " بالمكتبة البودلية " Bodleian Library ، وهو مسجل في فهرس المخطوطات الشرقية بها، المنشور باللاتينية في سنة ١٧٨٧ في صفحة ١٦٧، برقم DCCLVIII (١٧٥٨)، فهو بذلك من أقدم مخطوطاتها الشرقية. وهذا المخطوط عبارة عن مجلد ضخم، يقع في ١٩٤ لوحة مزدوجة، أعني

стр. 1170

في ٣٨٨ صفحة كبيرة الحجم (نحو ٣٠ في ٢٠ سم) في كل منها ١٩ سطراً، وفي كل سطر نحو تسع كلمات، ومكتوب بخط أندلسي كبير واضح، وهو سليم جيد الحفظ، ما عدا ورقته الأولى فهي قديمة باهتة، ومجلد بجلد متين. وليس في بداية المخطوط أو نهايته ما يدل على تاريخ كتابته، ولكن يبدو من كتابته وحالته، أنه ربما يرجع إلى القرن الثامن أو التاسع الهجري (الرابع عشر أو الخامس عشر). ولا يضم هذا المخطوط من كتاب " المن بالإمامة " سوى " السفر الثاني " وذلك حسبما سجل في صفحة العنوان، وحسبما ورد في ختام المخطوط على النحو الآتي: " كمل السفر الثاني من كتاب تاريخ المن بالإمامة على المستضعفين بأن جعلهم الله أئمة وجعلهم الوارثين وصلى الله على محمد وآله، يتلوه الثالث بحول الله سنة تسع وستين وخمسماية، خبر وصول العلج الطاغية ". ويبدو من عنوان الكتاب الذي تقدم ذكره، أن السفر الأول منه، يتضمن تاريخ قيام الموحدين، وظفرهم بالتغلب على المرابطين، وتاريخ أول خلفاء الموحدين عبد المؤمن بن علي، وهذا السفر الأول من الكتاب لم يصل إلينا، كما لم يصل إلينا سفره الثالث الذي أشير إليه في ختام المخطوط. وأما السفر الثاني وهو الوحيد الذي انتهى إلينا، فيبدأ بحوادث سنة ٥٥٤ هـ، وينتهي بحوادث سنة ٥٦٨ هـ، وهي فترة قصيرة من الناحية الزمنية، ولكنها حافلة بالحوادث الهامة، التي يعرضها لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان شاهد عيان لكثير منها، في تفصيل شاف؛ على أن الأحداث التاريخية ليست أهم ما يتضمنه كتاب " المن بالإمامة ". ذلك أن أهم وأنفس ما يتضمنه الكتاب، هو تلك المجموعة من الرسائل والوثائق الموحدية الصادرة عن الخلفاء والأمراء الموحدين، التي ينقلها إلينا ابن صاحب الصلاة، وتلك التفاصيل الدقيقة التي يقدمها إلينا عن نظم الحكم الموحدية، وعن الشئون الإدارية والمالية، وهذه الوثائق والتفاصيل تلقي أكبر ضوء على خواص الحكم الموحدي، والدولة الموحدية. وبالرغم من أن السفر الثاني الذي انتهى إلينا من كتاب " المن بالإمامة " ينتهي كما تقدم بحوادث سنة ٥٦٨ هـ، وبالرغم من أن البحث لم يظفر حتى يومنا، بالحصول على نص السفر الثالث من الكتاب، فإنا نستطيع مع ذلك أن نعثر بكثير من النبذ والشذور التي يتضمنها هذا السفر المفقود من الكتاب، وقد نقلها إلينا مؤرخ متأخر هو ابن عذارى المراكشي في كتابه الجامع " البيان المغرب "

стр. 1171

الذي سوف نتحدث عنه فيما بعد، وهذه الشذور تمتد حتى معركة الأرك في سنة ٥٩١ هـ، وحتى وفاة الخليفة يعقوب المنصور في سنة ٥٩٥ هـ. ولابن صاحب الصلاة في عرض الحوادث والشئون أسلوب خاص، جزل نوعاً، وإن كان يلجأ أحياناً إلى السجع الركيك، والتنميق المتكلف، وهو يبدو سواء بأسلوبه، أو طريقة عرضه للحوادث، وتقديمه الأشخاص، مؤرخ بلاط أثير، يحرص كل الحرص على الإشادة بسادته وبأعمالهم، يغمرهم خلال حديثه بالألقاب الفخمة، والدعوات الرنانة، ولا يفوته كلما ذكر اسم الموحدين أن يقرنه بقوله " أعزهم الله "، ثم هو يلجأ أحياناً في وصف الخلفاء والأمراء إلى عبارات من المديح المسجع والملق المغرق. بيد أنه مع ذلك لا يحجم في بعض الأحيان، عن النقد، والتنديد بأعمال وتصرفات يراها جديرة بذلك (١). وقد كان مؤلف كتاب " المن بالإمامة " من أدباء عصره وكتابه. وهو عبد الملك بن محمد بن أحمد بن محمد بن ابراهيم الباجي، ويكنى أبا مروان وأبا محمد، ويعرف بابن صاحب الصلاة وبصاحب التاريخ (٢). وهو كما يبدو من اسمه أندلسي من أهل باجة. وفد على إشبيلية مذ نزل بها الموحدون، واتخذوها عاصمة لولاية الأندلس، واتصل بالبلاط الموحدي منذ البداية، وخدم فيه كاتباً وشاعراً، وكان ضمن الوفود التي لقيت الخليفة عبد المؤمن حين زيارته لجبل طارق في سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م). وقد عنى، وهو من أهل باجة، وهي المنطقة التي قامت بها ثورة ابن قسيّ وأنصاره المريدين، بأن يؤلف كتاباً عن " ثورة المريدين "، وهوكتاب يشير إليه في غير موضع من " المن بالإمامة " ولكنه لم يصل إلينا. وقد وصفه ابن عبد الملك في " الذيل والتكملة " بقوله: " وكان أديباً محسناً، عنى بحفظ التواريخ وتقييدها، وصنف " تاريخ ثورة المريدين بالأندلس " و" دولة بني عبد المؤمن، ومن أدرك بحياته من بنيه " (٣)، ومن الواضح أنه يعني بذلك كتاب " المن بالإمامة ". ولم يقدم لنا أحد ممن تعرض

стр. 1172

لترجمة ابن صاحب الصلاة، تاريخ مولده أو وفاته. وقد ذكر المستشرق الإسباني بونس بويجس في معجمه نقلا عن المستشرق أماري أنه توفي سنة ٥٧٨ هـ (١١٨٢ م) (١)، وتابعه في ذلك الأستاذ بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (٢)، وهو تاريخ خاطىء، لا يتفق مع سياق كتاب " المن بالإمامة " ذلك أن ابن صاحب الصلاة، يذكر لنا في مؤلفه حوادث شهدها ترجع إلى سنة ٥٩٤ هـ، مثل الاحتفال بإتمام بناء صومعة جامع إشبيلية الأعظم، ورقع التفافيح الذهبية إلى قمتها، بحضرة الخليفة يعقوب المنصور، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ٥٩٤ هـ، عقب عوده ظافراً من معركة الأرك الشهيرة ( Fol. ١٧١. v.) ، بل يبدو مما ينقله ابن عذارى في " البيان المغرب " من شذور عن وفاة المنصور في سنة ٥٩٥ هـ، ثم عن حوادث الأعوام الأولى من خلافة ابنه الناصر. وهي شذور يبدو فيها أسلوب ابن صاحب الصلاة واضحاً، أن مؤلف كتاب " المن بالإمامة " قد عاش في أواخر القرن السادس، بل وإلى أوائل القرن السابع، وأنه قد توفي على الأرجح حوالى سنة ٦٠٥ هـ (١٢٠٨ م) (٣). وأما مولده فيمكن أن نضعه بين سنتي ٥٢٠ و ٥٣٠ هـ (١١٢٦ - ١١٣٥ م). كتاب نظم الجمان ومن أهم مصادرنا المخطوطة عن أواخر عهد المرابطين، وأوائل عهد الموحدين قطعة كبيرة مخطوطة من كتاب نظم الجمان لابن القطان، تتضمن السفر الثالث عشر من هذا الكتاب. وعنوانه على النحو الآتي: " السفر الثالث عشر من كتاب نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان ". وفي داخل المخطوط، توصف القطعة بأنها " الجزء السادس، من هذا الكتاب. في ذكر ما انتهى إلينا من أخبار القرن السادس، وهو المائة السادسة من الهجرة الكريمة ". ويحتوي هذا المخطوط على ثمانية وستين لوحة مزدوجة كبيرة الحجم (١٣٦ صفحة) في كل صفحة منها

стр. 1173

تسعة عشر سطراً بخط مغربي كبير، والنص كله مشكول بالمداد الأحمر، وأحياناً بخط مذهب، والمخطوط قديم مبتور الآخر، وليس هناك ما يدل على تاريخ كتابته. بيد أنه يمكن أن نرجعه إلى القرن الثامن الهجري. ويبدو من خطه المنمق وعناوينه المذهبة، أنه ربما كتب برسم أحد الأمراء أو الكبراء. وأما عن مؤلف الكتاب، ابن القطان، فليس لدينا عنه تفاصيل شافية، وقد ذكر اسم المؤلف في صفحة العنوان بأنه " الإمام العالم أبو النجوم الباجي " وذكر في رأس الصفحة الأولى أنه " ابن القطان " (١). وقد ورد في لوحة ٦٧ أمن المخطوط ما يدل على أن المؤلف كان حياً، في عهد الخليفة الموحدي المرتضي (٦٤٦ - ٦٦٥ هـ) وهو الذي حكم قبل آخر الخلفاء الموحدين. ويتناول المخطوط أخبار المرحلة الأخيرة من حكم المرابطين منذ سنة ٥٠٨ هـ (١١١٤ م)، وأخبار بداية ظهور المهدي ابن تومَرت، وتقدم دعوته، وتصنيف أصحابه، ومرحلة الصراع الأولى بين الموحدين والمرابطين، وأخبار الأندلس خلال هذه الفترة، وذلك حتى أخبار سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م). وأهم ما يتميز به هذا القسم من مؤلف ابن القطان أنه ينفرد بإيراد رسالتين هامتين لم تذكرا في غيره وهما، رسالة " الكافية في براهين الإمام المهدي "، وهي رسالة خاطب بها أبو عبد الرحمن بن طاهر عميد مرسية، الخليفة عبد المؤمن بن علي، ورسالة وجهها عبد المؤمن إلى الطلبة والمشيخة والأعيان بالأندلس (سنة ٥٤٣ هـ)، يشرح فيها

стр. 1174

قواعد السياسة الشرعية الموحدية، ولاسيما في مطاردة المنكر، وفي شئون المكوس والمغارم. ويبدي ابن القطان فيما يورده من أخبار الموحدين، حماسة ظاهرة في تأييد المذهب الموحدي، والدولة الموحدية، ويذكر الإمام المهدي، وخلفاءه الموحدين بمنتهى الخشوع والإجلال (١). القسم الثالث من كتاب البيان المغرب كان كتاب " البيان المغرب " لابن عذارى المراكشي، منذ البداية من أهم مصادرنا في كتابة تاريخ الأندلس. ولقد انتفعنا خلال كتابة العصرين الأول والثاني من هذا التاريخ، في كتابينا " دولة الإسلام في الأندلس " و " دول الطوائف " بجزئيه الأول والثاني، اللذين نشرا منذ أكثر من قرن بعناية العلامة دوزي، ثم بجزئه الثالث الذي نشر بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال. وقد كان من المفروض أن ننتفع بجزئه الرابع الذي صدر بعد ذلك بمدينة تطوان في سنة ١٩٥٦، وهو الذي يتناول بقية عهد المرابطين، وعهد الموحدين. ولكن اكتشافاً جديداً في منتهى الأهمية غير هذا الاتجاه، وهو العثور في الخزانة الناصرية بثامجروت على مقربة من زاكوره بالمغرب، على مخطوط جديد موسوم " بالجزء الثالث " من " البيان المغرب "، وهو عبارة عن مجلد كبير يحتوي على ٤٦٣ صفحة كبيرة. في كل منها واحد وعشرون سطراً. ويبدأ بحوادث سنة ٥٣٣ هـ في أواخر عهد الدولة المرابطية، بحملة تاشفين بن علي بن يوسف لمقاتلة الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي. وينتهي بحوادث سنة ٦٦٥ هـ، بخلافة إدريس أبى دبوس الواثق بالله آخر الخلفاء الموحدين، وحملته إلى السوس، ويزيد في البداية ستين صفحة، وفي النهاية ست وستين صفحة عن الجزء الرابع المطبوع، هذا فضلا عما يمتاز به في مواطن كثيرة، من زيادات في النص، وفي الشعر، ومن تصحيحات كثيرة أخرى. ولقد اغتبطنا أيما غبطة باكتشاف هذا المرجع النفيس من مراجع عصر الدولة

стр. 1175

الموحدية. ويجري فيه ابن عذارى على طريقته أحياناً من تصنيف روايته إلى فصول، وأحياناً إلى حوليات سنوية. ثم هو يجري أيضاً في أسلوبه على طريقته من إلتزام الحيدة في إيراد الحوادث وتقديم الأشخاص، وعدم التورط في المديح أو الذم، ويترك هذه المهمة في الإشادة أو الانتقاص، لمن ينقل عنهم من مؤرخي الدولة الموحدية. ومن أهم مميزات هذا القسم من " البيان المغرب " ما ينقله إلينا ابن عذارى خلال روايته، من شذور عديدة من المعاصرين من مؤرخي الدولة الموحدية، ولاسيما ابن صاحب الصلاة، حيث ينقل إلينا الكثير من " السفر الثالث " من كتاب " المن بالإمامة ". وهو الجزء المفقود من هذا المؤلف حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل (١). هذا، وفضلا عن ذلك، فقد انتفعنا من تراث ابن عذارى بقطعة مخطوطة من أربع وخمسين لوحة، عن أصل دولة المرابطين، وولاية يوسف بن تاشفين وفتوحه في المغرب، ودخول المرابطين بلنسية، وأخبار علي بن يوسف، وقصة إحراق كتاب الإحياء، وولاية تاشفين بن علي، وغزوة ألفونسو المحارب، وغير ذلك. وكان المرحوم الأستاذ ليفي بروفنسال قد عثر بهذه القطعة بين أضابير مكتبة جامع القرويين بفاس، ونشر منها بعض شذور، عن بعض الوقائع الهامة التي وردت فيها، ثم نشرها أخيراً بنصها الكامل الأستاذ هويثي ميرانده في مجلة هسبيرس تمودا في عدد سنة ١٩٦١م. وكان من حسن الحظ أننا عثرنا خلال بحثنا في " خروم " (دشت) مكتبة جامع القرويين بفاس، بأربع صفحات كبيرة من كتاب " البيان المغرب " تتناول حوادث سني ٥١١ هـ إلى ٥١٤ هـ، وفيها تفاصيل هامة عن سقوط سرقسطة في يد ألفونسو الأرجوني (٥١٢ هـ)، وعن موقعة كتندة، وعن ثورة قرطبة ضد المرابطين (٥١٤ هـ)، وتفاصيل أخرى. وكان اختفاء هذه الصفحات يكون ثغرة في مجموعة الأوراق المخطوطة المتقدمة، التي عثر بها الأستاذ بروفنسال، فجاء عثورنا عليها متمماً لهذه المجموعة المتناثرة من كتاب البيان المغرب.

стр. 1176

وانتفعنا كذلك ببضعة أوراق مخطوطة من كتاب " صلة الصلة " لابن الزبير، وهي أيضاً من محتويات " خروم " مكتبة القرويين. أما عن حياة ابن عذارى، وأصله ونشأته، فلسنا نعرف الكثير، وكل ما نعرفه أنه يسمى أبو عبد الله محمد المراكشي، وأنه قد عاش في أواخر القرن السابع الهجري، في بداية دولة بني مرين، وفي بداية القرن الثامن، وقد كان لهذا الظرف الزمني بلا ريب تأثير كبير، فيما يلتزمه في روايته عن تاريخ الموحدين، من الحيدة، وضبط النفس، وعدم التورط في عبارات الملق، التي يكثر منها مؤرخون مثل ابن صاحب الصلاة، وابن القطان. الرسائل المرابطية إن مصادر العصر المرابطي التي بين أيدينا، وفي مقدمتها البيان المغرب، وروض القرطاس، والحلل الموشية، ينقصها الكثير مما يلقي ضياء حقيقياً على أحوال الدولة المرابطية ونظمها وخواصها، وعلى اتجاهات السياسة المرابطية الدينية والسياسية، سواء بالمغرب، أو الأندلس. بيد أنه كان من حسن الطالع، أننا وقفنا خلال بحوثنا بمكتبة الإسكوريال على طائفة عديدة من الرسائل والوثائق المرابطية، التي تسد فراغاً كبيراً في هذا الميدان، وتلقي أضواء كثيرة على خواص الدولة المرابطية ونظمها وسياستها، هذا فضلا عما تلقيه من أضواء على طائفة كبيرة من الأحداث العسكرية الأندلسية الهامة التي وقعت خلال العصر المرابطي. وتجتمع هذه الرسائل أولا في المخطوطين رقم ٤٨٨ ورقم ٥٣٨، من فهرس الغزيري، وثانياً في المخطوط رقم ٥١٩ الغزيري، وثالثاً في مجموعة أخرى يضمها مخطوط معهد الدراسات الإسلامية بمدريد. وأهم هذه الرسائل فيما يختص بالعصر المرابطي، هو المجموعة التي يضمها المخطوط الأول، وهو رقم ٤٨٨، وهو مخطوط قديم مبتور الآخر وليس له عنوان كل معين، ولكن جاء في الورقة الأولى منه ما يأتي: " جمع هذا الكتاب قصائد كثيرة لعلماء يطول تفسير أسمائهم، للفتح بن خاقان، ولابن عبد الصمد، وللبستي، ولابن عمار، وابن اللبانة، وابن زيدون، وابن حبيب .. ورسائل شتى ورحلة ابن جبير، ونسخة بيعة والسلام ". على أن أهم ما يحتويه المخطوط هو خمس رسائل، كتبت عن أهم الأحداث العسكرية التي وقعت بالأندلس أيام

стр. 1177

المرابطين، الأولى رسالة يوسف بن تاشفين عن موقعة الزلاّقة، والثانية رسالة ابن شرف عن فتح أقليش، والثالثة رسالة أهل سرقسطة حينما حاصرها النصارى إلى الأمير أبى الطاهر تميم بن يوسف، والرابعة رسالة لعلي بن يوسف عن هزيمة القلعة. والخامسة رسالة أهل بلنسية إلى علي بن يوسف عند نزول ألفونسو المحارب عليها، وهذا عدا وثيقة موحدية هامة هي بيعة أهل قرطبة بولاية العهد، لمحمد الناصر ولد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور. ويضم المخطوط الثاني، وهو رقم ٥٣٨، عدة رسائل مرابطية، أخرى، عن أواخر العهد المرابطي بالأندلس، أهمها رسالة وجهها تاشفين بن علي بن يوسف إلى الفقهاء والوزراء والكافة ببلنسية يحثهم على التزام الجهاد والسنن الرفيعة، وأداء الصلاة، ومجانبة الخمر، والرفق بالرعية، والتزام مذهب مالك في الأحكام، ومطاردة كتب الغزالي. وتعتبر هذه الرسالة من أهم الوثائق المرابطية الدستورية، هذا إلى عدة رسائل ثانوية أخرى تلقي أضواء مختلفة على جوانب من أواخر العصر المرابطي بالأندلس (١). ويضم المخطوط الثالث، وهو رقم ٥١٩، وهو خاص " بترسيل الفقيه الكاتب أبى عبد الله بن أبي الخصال ومقاماته ومعارضته "، عدة رسائل مرابطية وجهت إلى علي ابن يوسف، ورسائل أخرى أدبية، متبادلة بين أكابر كتاب ذلك العصر، وبين ابن أبي الخصال. تلقي ضوءاً على بعض جوانب أدبية واجتماعية من ذلك العصر. أما المجموعة الثالثة، فيضمها مخطوط حصل عليه معهد الدراسات الإسلامية من تركة المرحوم الأستاذ ليفي بروفنسال، وهو نفس المخطوط الذي يضم مجموعة الرسائل الموحدية التي نشرها (سنة ١٩٤١) تحت عنوان " مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية ". وقد نشرت هذه الرسائل أخيراً، وعددها إحدى وعشرون رسالة بمجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد (٢)، وهي تلقي أضواء كثيرة على نواح مختلفة من العصر المرابطي، سياسية وعسكرية وإدارية.

стр. 1178

ويمكننا أن نشير في هذا الموطن أيضاً، إلى وثيقة مرابطية هامة. أوردها لنا ابن الخطيب في الإحاطة، وهي كتاب تولية العهد الصادر من يوسف بن تاشفين لولده علي. الرسائل الموحدية حسبنا أن نشير في هذا الموطن، أولا إلى مجموعة الرسائل الموحدية التي نشرت بعناية الأستاذ بروفنسال والتي سبقت الإشارة إليها، وهي من أهم الوثائق التي تلقي كثيراً من الضوء، على معظم الأحداث الهامة، التي وقعت في عهد الخليفة عبد المؤمن بن علي، وولده الخليفة أبى يعقوب يوسف، فولده الخليفة يعقوب المنصور، فولده الخليفة محمد الناصر. وقد وقفنا إلى جانب ذلك على مجموعة من الرسائل المخطوطة، وردت في مخطوط الإسكوريال رقم ٥١٨ الغزيري (ديرنبور ٥٢٠) وهو كتاب " زواهر الفكر وجواهر الفكر " لمحمد بن علي بن عبد الرحمن المرادي المكني بابن المرابط، وهو حسبما ورد في آخره مكتوب في سنة ٧٢١ هـ. وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الرسائل الأندلسية، ومنها عدة رسائل بقلم القاضي الكاتب أبى المطرف بن عميرة عن حوادث بلنسية أيام الفتنة الأخيرة، التي انتهت بسقوطها في أيدي النصارى، ورسالة كتب بها عن أهل شاطبة إلى ابن هود، وظهير موحدي صادر عن الخليفة الرشيد إلى المتوطنين من أهل شرقي الأندلس برباط الفتح، ورسائل وقصائد لابن الأبار، وغيرها. وهذه الرسائل تكشف عن كثير من الظروف والأحداث التي وقعت في شرقي الأندلس، في أواخر عهد الموحدين. وأواخر عهد الإسلام به. التراجم المخطوطة كان من أهم مصادرنا المخطوطة طائفة كبيرة من التراجم وردت في موسوعتين هامتين، الأولى، " كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة " لقاضي الجماعة أبى عبد الله محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي المراكشي المتوفى فيما يرجح في أواخر القرن السابع الهجري، والثانية كتاب " الإحاطة في أخبار غرناطة " للوزير لسان الدين ابن الخطيب المتوفى سنة ٧٧٦ هـ (١٣٧٥ م). وكتاب التكملة موسوعة جليلة من التراجم، وبها عدد كبير من تراجم أعلام إلعصرين المرابطي والموحدي، من فقهاء وكتاب وأدباء وشعراء. وقد رجعنا

стр. 1179

إلى أجزائها المخطوطة الموجودة في دار الكتب المصرية (الجزء المخطوط الموسوم بالسفر الخامس، والأجزاء المصورة، وبها تراجم حرف الميم حتى الياء)، وفي المتحف البريطاني (الرابع والخامس رقم ٧٩٤٠) وخزانة الرباط (الأول مصور مخطوط باريس)، والإسكوريال (قطعة فقط رقم ١٦٨٢ الغزيري وبها تراجم حرف السين حتى أوائل حرف ع)، ونقلنا منها عدداً كبيراً من التراجم. وقد كان من أهم ما انتفعنا به من هذه التراجم، هو الشذور والنبذ التاريخية العديدة، التي وردت خلالها عن أحداث العصرين المرابطي والموحدي، ومنها أحياناً روايات هامة وحيدة لم ترد في أية مصادر أخرى، هذا فضلا عن التعريف بكثير من الأعلام الذين تنفرد هذه الموسوعة النفيسة بإيراد تراجمهم. وكذلك الشأن في كتاب الإحاطة لابن الخطيب، فقد وردت به تراجم عديدة لأمراء وزعماء من المرابطين والموحدين، وكذلك لكثير من أعلام هذا العصر من فقهاء وكتاب وشعراء، وكان انتفاعنا عظيماً بهذه التراجم، ولاسيما التي وردت منها بالقسم المخطوط من الإحاطة (الإسكوريال رقم ١٦٧٣ و ١٦٧٤ الغزيري)، وقد ورد خلالها كثير من الشذور التاريخية الهامة، منقولة عن مصادر ضاعت مثل كتاب " الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية " وغيره. أما عن كتب التراجم المطبوعة، فحسبنا أن نشير إلى وفيات الأعيان لابن خلكان، والصلة لإبن بشكوال، وصلة الصلة لابن الزبير، وبغية الملتمس للضبي، والتكملة والحلة السيراء لابن الأبار، والأخيران يضمان كثيراً من التراجم والنبذ التاريخية الهامة المتعلقة بعصري المرابطين والموحدين. وثائق ومصادر أخرى وليس في نيتنا أن نتحدث في هذا البيان الموجز عن المصادر المخطوطة، عن المصادر المطبوعة، وهي كثيرة يتعذر حصرها. بيد أنه يجدر بنا أن نشير فقط إلى طائفة من هذه المصادر التي تعتبر إلى جانب المصادر المخطوطة، من أهم المراجع الرئيسية عن عصر المرابطين والموحدين. فمنها كتاب "المعجب " لعبد الواحد المراكشي، و " الحلل الموشية " لمؤلف مجهول، و" روض القرطاس " لابن أبى زرع الفاسي، وهذه المراجع الثلاثة تتناول عصر المرابطين والموحدين معاً، وهي لمؤلفين عاشوا في عصر الموحدين أو قريباً منه.

стр. 1180

ومنها ما يختص بالموحدين وعصرهم، وفي مقدمتها مؤلفا المهدي محمد بن تومَرت، وهما " أعز ما يطلب " و" الموطأ "، وأولهما يضم خلاصة مذهبه وتعاليمه، والثاني يضم شروحه لأحكام مذهب مالك. ويليهما كتاب " أخبار المهدي ابن تومَرت وابتداء دولة الموحدين " وهو من تصنيف أبى بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق أحد أصحاب المهدي، وهو أهم وأقيم مصادرنا عن نشأة المهدي ونسبه وأصحابه، وحركاته الأولى، ثم غزوات خليفته عبد المؤمن. وهناك مصدر هام آخر جدير بالذكر، وهو " رحلة التجّاني " وهي رحلة قصيرة قام بها أبو محمد عبد الله بن محمد التجّاني بين سنتي ٧٠٦ و ٧٠٨ هـ، في أنحاء تونس وطرابلس، وهي تتضمن طائفة كبيرة من النبذ والشذور التاريخية القيمة عن الأحداث والمعارك التي وقعت في أنحاء إفريقية وبلاد الجريد، بين بني غانية والموحدين، وهي من أدق وأوفى الروايات التي انتهت إلينا عن هذه الفترة. وكذلك رحلة ابن جُبير الأندلسي، ففيها إشارات ونبذ هامة، تتعلق بالموحدين؛ أما عن المصادر الجغرافية المتعلقة بالمغرب والأندلس، فلدينا ثلاثة من أهمها وأقيمها، هي كتاب " المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب "، المستخرج من كتاب " المسالك والممالك " (لأبي عبيد البكري)، و " وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس " المستخرج من كتاب " نزهة المشتاق " للإدريسي وكتاب " الإستبصار" (لمؤلف مجهول) وهو أحدثها من الناحية التاريخية. وهذا كله إلى المصادر النصرانية من لاتينية وقشتالية وغيرها، معاصرة أو محدثة، وقد ذكرت تباعاً في مواطنها، ولا داعي للتحدث عنها هنا.

стр. 1181

صفحة من الأوراق المخطوطة التي عثرنا عليها من كتاب " البيان المغرب " لابن عذراى بخزانة جامع القرويين بفاس، وهي من أوراق الجزء الخاص بعصر المرابطين.

стр. 1182

صفحتان من المخطوط رقم ٥٣٨ الغزيري المحفوظ بمكتبة الإسكوريال، وهما من رسالة الأمير تاشفين بن علي إلى الفقهاء والوزراء والصلحاء والكافة ببلنسية، المؤرخة في أوائل جمادى الأولى سنة ٥٣٨ هـ.

стр. 1183

صفحتان من مخطوط كتاب " نظم الجمان " لابن القطان المحفوظ بمعهد الدراسات الإسلامية بمدريد.

стр. 1184

تمهيد الأوضاع العامة لشبه الجزيرة الأندلسية في عصر المرابطين والموحدين كانت موقعة الزلاّقة (٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م)، موقعة الحسم، في مصاير اسبانيا المسلمة، سواء إزاء اسبانيا النصرانية، أو إزاء المرابطين. فقد انقشع الخطر الداهم الذي كان يهددها بالفناء العاجل، مذ سقطت طليطلة حصن الأندلس من الشمال في أيدى النصارى، وقد كتبت لها حياة جديدة. ولكن الزلاّقة، كانت من جهة أخرى نذيراً بأعظم تحول وقع في مصايرها منذ الفتح، ذلك أن المرابطين الذين قدموا إليها إخواناً في الدين، وأصدقاء مجاهدين منجدين، انقلبوا عقب الزلاّقة إلى أعداء فاتحين. وما كاد الموقف يتضح لعاهل المرابطين يوسف ابن تاشفين عقب النصر، وتبدو له دول الطوائف الأندلسية على حقيقتها، دويلات متخاذلة متنابذة، يسودها الإنحلال، ويقضم أسسها الترف والخور، حتى قرر أمره تجاه أمراء الطوائف. وسواء أكان هذا القرار قد أملته شهوة الفتح، ورغبة الاستيلاء على هذه البلاد الخضراء الغنية الساحرة، أم كان بقصد حمايتها من النصارى، والتحوط بذلك لسلامة المغرب، بصون جناحه الدفاعي من الشمال - الأندلس - فقد نفذ عاهل المرابطين قراره، واستولت جيوشه تباعاً على دول الطوائف، في فترة لا تتجاوز عشرين عاماً، فيما بين سنتي ٤٨٣ و٥٠٢ هـ (١٠٩٠ - ١١٠٩ م)، وذلك حسبما فصلناه من قبل في كتابنا " دول الطوائف ". وأضحت الأندلس من ذلك الحين ولاية مغربية، تخضع لحكومة مرّاكش، وتحكمها القبائل البربرية المغربية، بعد أن كان المغرب قبل ذلك بنحو قرن فقط، ولاية أندلسية تخضع لخلافة قرطبة الأموية. ونحن نعرف أن البربر قد اضطلعوا في فتح الأندلس بأعظم قسط، ولكنهم لم ينالوا نصيبهم الحق، في حكم هذه البلاد الجديدة، وغلب سلطان العرب سادة البربر عند الفتح. وعلى الرغم من أن البربر كانت لهم ما بين آونة وأخرى، في ظل الدولة الأموية، بعض

стр. 1185

الحظوة، وكان لهم في ظل الدولة العامرية قسط بارز من النفوذ والسلطان، وعلى الرغم من أنهم نالوا قسطهم من أسلاب الخلافة، وقامت لهم في عهد الطوائف عدة من الدول القوية، بلغت في ظل بني حمّود مرتبة الخلافة، فإنهم في ظل المرابطين، يبسطون لأول مرة سلطانهم كاملا على الأندلس، ويستأثرون فيها بالحكم والسيادة، وتختفي خلال ذلك رياسة الأسر والزعامات الأندلسية. أجل إن عهد المرابطين بالأندلس لم يكن طويل الأمد. ذلك أنه لم يدم أكثر من زهاء نصف قرن. ولكن سلطان البربر على الأندلس يمتد بعد انتهاء الدولة المرابطية، على يد وريثتها الدولة الموحدية، أكثر من قرن آخر. وفي وسع المؤرخ أن يلاحظ ما بين هذين العهدين، من أوجه التماثل التي تجمع بينهما، وأن يلاحظ في نفس الوقت أوجه الخلاف والتناقض التي تباعد بينهما، وتسبغ على كل منهما خواصه ومميزاته. إن المرابطين والموحدين، ينتمي كلاهما إلى طائفة من تلك القبائل البربرية، التي أخذت على كر العصور في حكم المغرب وسيادته بأوفر نصيب، فالمرابطون ينتمون بالأخص إلى لمتونة وكدالة ومسّوفة، وينتمي الموحدون بالأخص إلى هرغة ومصمودة وهنتانة وكومية. وقد نشأت كلتا الدولتين، المرابطية والموحدية، في ظروف متشابهة، كأنما رسمت لكل منهما على نسق واحد، فكلتاهما قامت على أسس دينية، وعلى يد فقيه وداعية متعصب؛ فكان داعية الدولة المرابطية، الفقيه عبد الله بن ياسين، وكان داعية الدولة الموحدية، المهدي محمد بن تومرت، وتحولت كلتاهما إلى ملك سياسي على يد زعيم موهوب وقائد بارع، فكان زعيم الدولة المرابطية الذي وطد دعائمها، وشاد ملكها السياسي، يوسف بن تاشفين، وكان قرينه عبد المؤمن بن علي، هو الذي وضع أسس الدولة الموحدية، ووطد دعائمها. واستطاعت الدولة الموحدية، بعد أن قضت على الدولة المرابطية، أن تسيطر على نفس الرقعة الإقليمية الشاسعة، التي كانت تحتلها، سواء في المغرب أو الأندلس، وإن كانت الأندلس لم تخلص للموحدين إلا بعد فترة من الصراع المحلي، ولاسيما ضد الثورة في شرقي الأندلس. وفضلا عن ذلك، فقد كانت تجمع بين الدولتين، بالنسبة للأندلس، إذا أغضينا عن العوامل الإقليمية والسياسية، التي كانت تحرك هاتين الدولتين، إلى بسط سيادتهما على هذا الإقليم الغني الساحر - كانت تجمع بينهما فكرة الجهاد،

стр. 1186

وحماية الأندلس، من عدوان الممالك الإسبانية النصرانية. وهنا تبدو وجوه الخلاف بين الدولتين. ذلك أنه بالرغم من وحدة الغاية، فقد كان المرابطون يضطرمون بروح جهاد قوية خالصة، وقد استطاعوا في ظل هذا الروح الدافع أن يصدوا عن الأندلس عدوان اسبانيا النصرانية، وأن يحرزوا بعد الزلاّقة، النصر في عدة مواقع مماثلة، حاسمة في صدع قوى اسبانيا النصرانية. وإذا استثنينا موقف المرابطين من سقوط سرقسطة، وهو السقطة العسكرية المرابطية البارزة خلال هذا الكفاح، فإن الصراع الذي اضطلع به المرابطون ضد الممالك الإسبانية النصرانية، كان صراعاً قوياً وناجحاً، وقد أحرز المرابطون خلاله ضد النصارى عدة من الانتصارات الباهرة، ولاسيما في أقليش (سنة ٥٠١ هـ - ١١٠٨ م)، وفي إفراغة (٥٢٨ هـ - ١١٣٤ م). وقد استطاع المرابطون على وجه العموم حتى أواخر عهدهم، الذي استطال بالأندلس زهاء خمسين عاماً، أن يحافظوا على رقعة الوطن الأندلسي، ولم يصدع من كفاحهم ضد النصارى، سوى قيام الثورة عليهم في مختلف القواعد، عند ظهور الموحدين وعبورهم إلى الأندلس. أما الموحدون فبالرغم من أنه كانت تحدوهم مثل الروح، التي كانت تحدو المرابطين، في محاربة اسبانيا النصرانية، والذود عن الأندلس، فإنهم لم يحرزوا مثلما أحرز المرابطون من التوفيق في هذا الكفاح. وقد بذل الموحدون بالفعل جهوداً فادحة في سبيل الاضطلاع بحركة الجهاد بالأندلس، وصد عدوان اسبانيا النصرانية عنها، وقد عبرت جيوشهم الجرارة مراراً إلى شبه الجزيرة، مزودة بكميات هائلة من العتاد والسلاح، ولكنهم وهم في إبان قوتهم، لم يحوزوا توفيقاً في حملاتهم الغازية ضد النصارى، فتحطمت حملة الخليفة أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ضد القشتاليين، تحت أسوار وبذة (٥٦٧ هـ -١١٧٢ م)، وتحطمت حملته الثانية ضد البرتغاليين تحت أسوار شَنترين (٥٨٠ هـ - ١١٨٤ م)، ومنيت الجيوش الموحدية بهزيمة فادحة، وهلك الخليفة نفسه في الموقعة. ويرجع هذا الفشل إلى عدة أسباب، منها اختلال نظام الجيوش الموحدية، وضعف قيادتها، واختلال وسائل تموينها، كما يرجع إلى اشتداد ساعد مملكة البرتغال، واستغراقها معظم جهود الموحدين، في ولاية الغرب الأندلسية؛ ولم تبرز الجيوش الموحدية في جهادها ضد النصارى إلا في معركة الأرك العظيمة، التي أحرز فيها الخليفة يعقوب المنصور، انتصاره الباهر على القشتاليين، في شهر رجب سنة ٥٩١ هـ

стр. 1187

(يوليه سنة ١١٩٥ م). على أن هذا النصر العظيم، لم يلبث أن محت آثاره موقعة العقاب المشئومة، التي أحرز فيها القشتاليون نصرهم الساحق على الجيوش الموحدية بقيادة الخليفة محمد الناصر ولد المنصور، وذلك في صفر سنة ٦٠٩ هـ (يونيه سنة ١٢١٢ م)، والتي كانت ضربة قاضية، لقوى الموحدين بالأندلس والمغرب، ولم يمض على وقوعها سوى أعوام قلائل حتى انهار سلطان الموحدين بالأندلس، وأخذت قواعد الأندلس الكبرى تسقط تباعاً في أيدي النصارى في وابل من المحن المؤلمة. كانت قصة الجهاد في سبيل الله، وقصة حماية الأندلس من عدوان النصارى، تجثم وراء هذه المعركة الطويلة المستمرة بين المرابطين والموحدين من ناحية، وبين اسبانيا النصرانية من ناحية أخرى، وكان المرابطون والموحدون، تحملهم في هذا الصراع المستمر ضد اسبانيا النصرانية، فضلا عن غريزة الاحتفاظ بالنفس، نزعة لا شك فيها من الجهاد الإسلامي، والذود عن معاقل الإسلام وتراثه في " جزيرة الأندلس ". وهم قد عبروا البحر أول ما عبروا إلى الأندلس، تدفعهم تلك النزعة النبيلة، ولم تخمد نزعة الجهاد في صدورهم طوال الوقت الذي كانت تضطرم فيه المعارك باستمرار، بينهم وبين اسبانيا النصرانية، وكثيراً ما غزت الجيوش المرابطية والموحدية، أراضي اسبانيا النصرانية من تلقاء نفسها، طلباً للجهاد ليس غير، وقد عبر الخلفاء الموحدون إلى الأندلس في جيوشهم الجرارة مراراً، لمتابعة هذا الجهاد، الذي كان شعارهم دائماً في محاربة النصارى في شبه الجزيرة الإسبانية. * * * ولقد كان من الطبيعي أن تنشب بين المرابطين والموحدين، وهم سادة الأندلس الجدد، وبين زعماء الأندلس المحليين معركة السلطان والملك. ولقد كانت هذه المعركة التي تغذيها عوامل مختلفة، هي محنة الأندلس الحقيقية، وكانت تتجدد من خلالها صور المعارك الانتحارية، التي أثخنت الأندلس أيام الطوائف بجراحها الدامية. على أنه مهما كانت بواعث الأسف والأسى، التي تقترن بمثل هذه المعارك، ومهما كان لنا أن نستنكرها وأن نحكم عليها، فإنه يصعب على المؤرخ، أولا أن يحدد المسئولية في شأنها أو أن يلقي تبعتها على فريق بعينه، وثانياً أن يتجاهل العوامل القومية والوطنية، التي كانت من ورائها. وهي في ذلك تفترق عن معارك

стр. 1188

الطوائف، التي لم تكن تحدوها سوى الأطماع والأهواء الشخصية الوضيعة. ومما يلاحظ أن الثورة على سلطان المرابطين في الأندلس، لم تضطرم إلا في آواخر عهدهم في شبه الجزيرة، في نفس الوقت الذي اضطرم فيه المغرب بثورة الموحدين الجارفة، وتضعضع سلطان المرابطين في عقر دولتهم، وتعذر عليهم إرسال الإمداد إلى ما وراء البحر. على أن هذه الثورة كانت في الواقع أقدم عهداً وأعمق جذوراً، إذ هي ترجع إلى عهد الفتح المرابطي ذاته. وكانت الأندلس، حينما اشتدت عليها وطأة اسبانيا النصرانية، وعجزت دول الطوائف الضعيفة المتنابذة، عن رد عدوانها، وجاء سقوط طليطلة نذيراً بالخطر الداهم، قد استقبلت المرابطين إخواناً في الدين منجدين منقذين، وأكد نصر الزلاّقة الباهر ومن بعده جواز يوسف بن تاشفين الثاني لنصرة الطوائف في حصار حصن لييط (أليدو) (٤٨١ هـ -١٠٨٨ م) هذا الاعتبار وهذا المعنى. على أن فكرة الاستنصار بالمرابطين لم تكن دون توجس، ودون تخوف من العواقب. وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا " دول الطوائف " كيف عارض المعتمد بن عباد ولده الرشيد، في فكرة الاستنصار بالمرابطين، وحذره من مقدمهم وقوله: " يا أبت أتدخل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا " وكيف أنه كان ثمة بين أمراء الطوائف، ورجالات الأندلس، من لم ترقه هذه الفكرة، توجساً من عواقبها (١). وقد تحققت هذه المخاوف، وانهار ذلك المعنى النبيل الذي بثه نصر الزلاّقة لأمد قصير، وانقلب المنقذون إلى فاتحين، واستولى المرابطون على دول الطوائف واحدة بعد أخرى، واقترن هذا الفتح في بعض الأحيان بكثير من العنف، والقسوة، وسقط عدد من أمراء الطوائف مدافعين عن أنفسهم وملكهم. وكان لهذا التحول بلا ريب أعظم صدى في جنبات الأندلس، وأعمق أثر في نفوس الأمة الأندلسية. ومن جهة أخرى فإن أساليب الحكام والقادة المرابطين، في حكم هذا القطر الجديد، لم تكن لينة ولا رفيقة، وذلك بالرغم مما كان يحدوها ويوجهها في معظم الأحيان من جانب أمير المسلمين، من النيات الطيبة والنصائح المثالية لعماله وقادته، باتباع العدل، والرفق بالرعية، وكانت أساليب هؤلاء

стр. 1189

الحكام والقادة، ومعظمهم من أقارب أمير المسلمين وأصهاره، تجافي بعنفها وخشونتها ما جبلت عليه الأمة الأندلسية المتحضرة المترفة، من الأساليب المهذبة الرقيقة. ومن ثم فإنه لا يدهشنا أنه لم يمض سوى خمسة عشر عاماً فقط، على وفاة عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، حتى اضطرمت الثورة في قرطبة حاضرة الأندلس يومئذ، ضد المرابطين في سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م)، في أوائل عهد علي بن يوسف، وذلك وفقاً لقول الثوار " ذباً عن الحُرَم والدماء والأموال " (١). ولم تكن هذه الفورات وأمثالها، في البداية سوى محاولات للتنفس من حكم المرابطين المتزمت المرهق. ولم تقو الفكرة الوطنية الأندلسية وتتبلور إلا فيما بعد، في أواخر عهد المرابطين، حينما اضطرمت الأندلس كلها، من شرقها إلى غربها، بالثورة ضدهم، وقام أحمد بن قسيّ في غرب الأندلس، في ميرتلة وشلب وباجة سنة ٥٣٩ هـ (١١٤٤ م)، وقام في نفس العام أبو جعفر ابن حمدين في قرطبة، وأبو الحسن على ابن أضحى في غرناطة. وفي نفس الوقت انهار سلطان المرابطين تباعاً في شرقي الأندلس، وقام القاضي ابن عبد العزيز أولا في بلنسية، ومرسية. ثم نهض ابن عياض فغلب عليهما بعد طائفة من الأحداث والانقلابات المتوالية، ودعا بالرياسة لسيف الدولة ابن هود. وتقلد ابن هود الرياسة الإسمية، وهو في تقلده إياها، يمثل الفكرة القومية الأندلسية، ولما قتل ابن هود في موقعة البسيط، التي نشبت بين قوات بلنسية وابن هود، وبين القشتاليين وذلك في سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٦ م) دعا ابن عياض لنفسه، وغلب على شرقي الأندلس كله، إلى أن لقي مصرعه في معركة نشبت بينه وبين القشتاليين في سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م). وعندئذ خلفه في الرياسة نائبه وصهره محمد بن سعد بن مردنيش، وسرعان ما اشتد ساعده، وبسط سلطانه القوي على سائر القواعد الشرقية من بلنسية حتى قرطاجنة. وكان ابن مردنيش يمثل الفكرة القومية الأندلسية في أعمق صورها، وقد شهر علم النضال ضد الموحدين أعواماً طويلة، حتى تبددت قواه، ثم خبت فورته بوفاته، وذلك كله حسبما نفصل بعد في مواضعه. وكان سلطان المرابطين قد انهار نهائياً في شرقي الأندلس، قبل ثورة ابن مردنيش بعدة أعوام، وإن كان بفضل الجهود العنيفة التي بذلها قائد المرابطين القوي ابن غانية، قد لبث في بعض القواعد الوسطى والغربية لفترة قصيرة أخرى.

стр. 1190

كانت هذه الفورات المتعاقبة التي اضطرمت ضد المرابطين في مختلف القواعد الأندلسية، في تلك الفترة العصيبة من أيامهم، تتسم بالرغم من اتخاذها في بعض نواحيها صورة الحرب الأهلية، بالطابع الوطني، وتمثل بوضوح فكرة تحرير الأندلس من النير المرابطي. ولم يكن أولئك الزعماء الخوارج، يحجمون في سبيل تحقيق غايتهم، أو في سبيل التطاحن فيما بينهم، عن الإستعانة بالنصارى، وهي وسيلة شائنة، خطرة في نفس الوقت، تتحطم لديها سائر الاعتبارات الوطنية والدينية. بيد أنه يجب أن نذكر أنها نفس الوسيلة اليائسة التي لجأ إليها أمراء الطوائف، حينما استشفوا نية عاهل المرابطين في القضاء عليهم، فلم يحجموا عن الالتجاء إلى ملك قشتالة، ألفونسو السادس، أخطر أعدائهم، والمنتزع لقواعدهم وأراضيهم، والتحالف معه على رد الجيوش المرابطية. وكان الملوك النصارى يسارعون بتلبية أمثال هذه الدعوات، ليس فقط انتهازاً لما تقدمه إليهم من فرص الضرب والتفريق بين الأمراء المسلمين، واستنزاف قواهم، وانتزاع ما يمكن انتزاعه منهم من الأموال والأراضي، ولكن كذلك شعوراً منهم بالخطر المشترك، الذي يهدد الوطن المشترك - شبه الجزيرة الإسبانية - من جراء تغلب القبائل البربرية المرابطية عليه، واستقرارها فيه، وقد تمثلت هذه الظاهرة فيما بعد أيام الموحدين، أصدق تمثيل، في ثورة محمد بن سعد بن مردنيش، وفي تحالفه المستمر الوثيق مع الملوك النصارى، ضد الموحدين. * * * ونستطيع أن نقول إنه منذ انهارت ثورة ابن مردنيش في شرقي الأندلس بوفاته سنة ٥٦٧ هـ (١٠٧٢ م)، واستولى الموحدون على مملكة مرسية، خلُصت الأندلس كلها لطاعة الموحدين، وغاضت النزعة القومية الأندلسية، واستسلمت الأندلس لحكم سادتها من وراء البحر، واستطاع الموحدون أن يوطدوا سلطانهم في الجزيرة مدى نصف قرن آخر، وسطع البلاط الموحدي في إشبيلية، التي جعل الموحدون منها حاضرة الأندلس، وخصوها بمنتهى الرعاية، وعملوا على تحصينها، وتجميلها بطائفة من الصروح الفخمة، وقامت منشآتهم العمرانية العظيمة بإشبيلية، وغيرها من قواعد الأندلس، من قصور ومساجد وحصون وقناطر وأسوار، تشيد بهمتهم وقوة سلطانهم، وفخامة دولتهم. والتف حول البلاط الموحدي سواء بإشبيلية أو المغرب، أعلام الأندلس من كل

стр. 1191

ضرب، من فقهاء وعلماء وكتاب وشعراء، وحشد الخلفاء الموحدون إلى جانبهم أقطاب البيان والتفكير الأندلسيين، واتخذوا منهم وزراء وكتاباً وأطباء، وخدم علماء وفلاسفة عظام، مثل ابن طُفيل، وابن زهر، وابن رشد، في بلاط الخليفة الموحدي. وهكذا استقام الأمر بالأندلس في ظل الحكم الموحدي مدى نصف قرن آخر، وشغل الموحدون داخل إمبراطوريتهم العظمية بالمغرب، بتوطيد سلطانهم، وقمع نزعات العصيان المحلية، وشغلوا بالأخص بمكافحة بني غانية، والقضاء على ثورتهم وحركاتهم المخربة بإفريقية، وهي ثورة اقتضت منهم أفدح الجهود، وكادت في بعض الأحيان أن تقضى على سلطانهم في إفريقية. ثم كان عهد الخليفة الناصر ابن المنصور، وكانت حملته المشئومة إلى الأندلس، وكانت نكبة العقاب الساحقة (٦٠٩ هـ)، وما ترتب عليها من انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة؛ عندئذ تغيرت الأمور، وتجهمت الحوادث، ولم يقتصر الأمر عندئذ على استطالة الممالك النصرانية، وضغطها على مختلف نواحي الأندلس، وتحفزها لافتتاح قواعدها الكبرى، ولكن حدث في نفس الوقت أن أخذت بوادر الثورة تتحرك داخل الأندلس، تغذيها العوامل القومية القديمة، ضد حكم وهنت دعائمه. وكان موطن هذه الثورة الجديدة، شرقي الأندلس، وكان على رأسها زعيمان ينتمي كلاهما إلى بيت من البيوت الثائرة القديمة، أولهما زيان بن مردنيش، والثاني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود؛ وبينما انحصرت حركة زيان ببلنسية، إذا بدعوة ابن هود تجتاح مرسية وألمرية وغرناطة ومالقة، وكانت حركة ابن هود تمثل فكرة الأندلس القومية أصدق تمثيل، وترى إلى تحرير الأندلس من نير الموحدين، والنصارى معاً، ولكن موارده وقواته، لم تكن تسمح له بأن يضطلع بمثل تلك المهمة الفادحة. ومن جهة أخرى، فقد نهض النصارى لانتهاز الفرصة السانحة، وانتزاع قواعد الأندلس الكبرى، خلال تلك الغمار المضطرمة، فقام ألفونسو التاسع ملك ليون بانتزاع قواعدها الغربية، ماردة وبطليوس وغيرها (٦٢٧ هـ) ثم قام فرناندو الثالث بانتزاع قرطبة عاصمة الخلافة القديمة (شوال سنة ٦٣٣ هـ - يونيه ١٢٣٦ م) - وذلك في الوقت الذي تخلى فيه ابن هود عن إنجادها، وشغل بالعمل لتوطيد سلطانه في جنوبي الأندلس. وكان لسقوط قرطبة أعمق وقع في تلك الأندلس المفككة المنهوكة القوى، ولكنه كان أمراً محتوماً لا سبيل إلى اتقائه.

стр. 1192

ولم يمض قليل على ذلك، حتى توفي ابن هود في أوائل سنة ٦٣٥ هـ، وهو في إبان قوته وطموحه، وانهارت بوفاته أماني ومشاريع كثيرة، وفي العام التالي استطاع خايمي الأول أو الفاتح ملك أراجون، أن يستولي على بلنسية عاصمة الشرق (صفر سنة ٦٣٦ هـ - سبتمبر ١٢٣٨ م) وكان قد استولى قبل ذلك في سنة ٦٢٨ هـ على الجزائر الشرقية. وفي الوقت الذي أخذ يتوالى فيه سقوط القواعد الشرقية والوسطى، في أيدي النصارى، كان محمد بن الأحمر من جانبه، يعمل بكل ما وسع لبسط سلطانه على القواعد الجنوبية. وهكذا أضحت الأندلس مرة أخرى مسرحاً لغمار متوالية من الحوادث والفتن التي تمزق أوصالها، وتجعلها فريسة هينة لعدوها الخالد - إسبانيا النصرانية - ينتزع قواعدها وأراضيها تباعاً، ولا تجد وسيلة ناجعة لدفع هذا العدوان الجارف، بعد أن انهار سلطان الموحدين وقواهم بالأندلس، وبعد أن فقدت الأندلس منعتها ومواردها العسكرية القديمة، في ظل حكم الدولة الغالبة. ولم تفق الأندلس من تلك المحنة الطاحنة، إلا وقد فقدت قواعدها الكبرى شرقاً وغرباً - قرطبة، وبلنسية، ومرسية، وشاطبة، ودانيه، وجيان، وإشبيلية وبطليوس، وماردة، وشلب، وغيرها وغيرها - وأضحت أنقاضاً متناثرة، تجتمع أشلاؤها الدامية في الجنوب، فيما وراء نهر الوادي الكبير، ولاح من خلال ذلك كله، أن ساعة الأندلس الأخيرة قد دنت، وأنه لم يبق على اسبانيا النصرانية إلا أن تجتني بقية تراثها الممزق، وأن تختتم هذه السلسلة من معارك " الإسترداد " " La Reconquista " العظيمة بضربة أخيرة، تكون هي القاضية على حياة اسبانيا المسلمة، لولا أن شاء القدر أن تلتئم هذه الأنقاض المتناثرة من تراث الأندلس الكبرى، وأن تبعث من بينها قوة فتية جديدة، تتمثل في قيام مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام في الأندلس. تلك هي الخطوط العريضة لصورة العصر، الذي نحاول أن نضطلع باستعراض أحداثه، وشرح ظروفه وخواصه، - عصر المرابطين والموحدين.

стр. 1193

الكِتاب الأول الدولة المُرابطية في أوج سُلطانها

стр. 1194

الفصْل الأوّل يوسف بن تاشفين خواص إمارته ولامع خلاله يوسف بن تاشفين وبداية زعامته. أبو بكر بن عمر اللمتوني. المرابطون ينشرون الإسلام في غانة ومالي. يوسف يتسمى بأمير المسلمين. ظروف تسميته بهذا اللقب. اعترافه بطاعة الخليفة العباسي. رواية ابن خلدون. ما يؤيد هذه الرواية. رواية ابن العربي عن رحلته. فتوى الإمام الغزالي عن موقف أمراء الطوائف وعن حق يوسف في استصدار المرسوم الخلافي. كتاب الإمام الغزالي ليوسف. كتاب أبى بكر الطرطوشي. اخيار يوسف لولده على لولاية العهد. المرسوم الصادر بذلك. كتاب البيعة والتولية. خلال يوسف ومناقبه. بساطته المؤثرة. براعته العسكرية. عدله وإيثاره للفقهاء. موقفه من الضرائب والمكوس. سيادة الأمن والرخاء في عهده. وزيره عبد الرحمن بن أسباط. كاتبه ابن القصيرة. مرض يوسف ووفاته. تحقيقه لوحدة المغرب والأندلس. الدولة المرابطية الكبرى. - ١ - كان مما اقتضاه سياق الكلام عن تاريخ دول الطوائف، أن نتحدث عن نشأة الدولة المرابطية وقيامها في المغرب، والتجاء أمراء الطوائف، حينما لاح خطر اسبانيا النصرانية قوياً على الأراضي والقواعد الإسلامية في شبه الجزيرة، وحينما جاء سقوط طليطلة في شهر صفر سنة ٤٧٨ هـ (مايو سنة ١٠٨٥ م) نذيراً بتفاقم هذا الخطر، - التجائهم إلى إخوانهم فيما وراء البحر، إلى المرابطين، يطلبون منهم الإنجاد والغوث، ثم عن عبور بطل المرابطين يوسف بن تاشفين في جيوشه الجرارة المتوثبة إلى الأندلس، وخوض الجيوش الإسلامية المتحدة - المرابطية والأندلسية - لمعركة الزلاّقة ضد الجيوش النصرانية المتحدة، في رجب سنة ٤٧٩ هـ (أكتوبر سنة ١٠٨٦ م)، وإحرازها لانتصارها الباهر الذي قمع عدوان اسبانيا النصرانية إلى حين، وأخيراً عن انقلاب المرابطين من منقذين إلى فاتحين، واستيلائهم على إمارات الطوائف تباعاً، وضم الأندلس إلى الدولة المرابطية الكبرى. وقد تتبعنا خلال ذلك كله حياة زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين، منذ

стр. 1195

نشأته، حتى فوزه بإنشاء الدولة المرابطية في المغرب، وما تلا ذلك من عبوره إلى شبه الجزيرة غير مرة، وفوزه بملك الأندلس، ثم وفاته في مستهل شهر المحرم سنة ٥٠٠ هـ (٢ سبتمبر سنة ١١٠٦ م) بعد حياة حافلة بعظائم الحوادث، وجلائل الأعمال. ولسنا نجد بعد أن استعرضنا ذلك كله، بتفاصيله الشاملة في كتابنا " دول الطوائف "، مجالا لتكرار الكلام في هذه الموضوعات. بيد أنه لا يسعنا، ونحن نزمع الكلام هنا عن عصر المرابطين في المغرب والأندلس، إلا أن نرتد بأبصارنا إلى بعض ما تقدم من المواطن، وأن نستزيدها فيما أوجزنا فيه منها، حتى ينتظم السياق، وتكمل وحدة الموضوع. وأول ما يعرض لنا في ذلك، هو العود إلى بعض مواطن، في حياة البطل المغربي العظيم، يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين، ونبدأ في ذلك بصفته وألقابه الملوكية، وهو ما تناولناه فيما تقدم بطريقة عابرة. كانت رياسة المرابطين الزمنية، حينما أنشأ الفقيه عبد الله بن يايسن الجزولي، طائفة المرابطين في أول أمرها، لزميله وصديقه يحيى بن إبراهيم الكدالي، ولما توفي هذا الرئيس ندب عبد الله بن ياسين مكانه للرياسة الأمير يحيى بن عمر بن تلاكاكين اللمتوني ليتولى شئون الحرب والجهاد. وكانت هذه أول مرحلة في رياسة لمتونة الزمنية لطائفة المرابطين. ولما توفي الأمير يحيى في سنة ٤٤٧ هـ، عين مكانه للقيادة أخوه أبو بكر بن عمر. ولما وضع المرابطون خططهم لافتتاح بلاد السوس في سنة ٤٤٨ هـ، ندب الأمير أبو بكر ابن عمه يوسف بن تاشفين ليكون قائداً لمقدمة الجيش المرابطي. وهذه هي أول مناسبة تاريخية، يذكر فيها اسم البطل المرابطي، ولم يكن له يومئذ من الرياسة، سوى صفة القيادة لجناح من أجنحة الجيش المرابطي. وهنا ظهرت براعته العسكرية، فيما اضطلع به المرابطون يومئذ من الفتوحات المتوالية في أنحاء المغرب، وهي التي فصلنا أطوارها فيما تقدم. ولما توفي عبد الله بن ياسين قتيلا في بعض المعارك التي نشبت في أراضي برغواطة في سنة ٤٥١ هـ (١٠٥٩ م)، استأثر الأمير أبو بكر اللمتوني بزعامة المرابطين الروحية والزمنية معاً، وتحققت بذلك رياسة لمتونة، وبدأت الدولة المرابطية اللمتونية، وقوام سلطانها، ما تم يومئذ من فتوح المغرب.
следующие страницы →