← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

لنا نظرية المهدي بقوة وحماسة. وهو يستهل كلامه بوصف مثير لأحوال العصر الذي تلا عصر النبوة والخلفاء الأربعة، وما ساد فيه من ضروب التفرق والهوى والفتن، وهو العصر الذي " يذهب فيه العلماء، ويظهر الجهال، ويذهب الصالحون، وتبقى الحثالة، ويذهب الأمناء وتبقى الخونة، وتذهب الأئمة، وتظهر المبتدعة، ويذهب الصادقون، ويظهر الدجالون، ويذهب أهل الحقائق، ويظهر أهل التبديل والتغيير والتلبيس والتدليس، حتى انعكست الأمور، وانقلبت الحقائق وعطلت الأحكام، وفسدت العلوم، وأهملت الأعمال، وماتت السنن، وذهب الحق، وارتفع العدل، وأظلمت الدنيا بالجهل والباطل، واسودت بالكفر والفسوق والعصيان، وتغيرت بالبدع والأهواء، وامتلأت بالجور والظلم والهرج والفتن ". ثم جاء المهدي في زمان الغربة، في الوقت الذي عكست فيه الأمور، وقلبت الحقائق، وبدّلت الأحكام " وخصصه الله بما أودع فيه من معاني الهداية، ووعده قلب الأمور عن عاداتها، وهدمها بهدم قواعدها، ونقلها إلى الحق بإذن الله، حتى تنتظم الأمور على سنن الهدى، وتستقيم على منهاج التقوى، وينهدم الباطل من قواعده، وتنهدم بانهدامه فروعه، ويثبت الحق من أصله، وتثبت بثبوته فروعه، ويظهر العلم من معادنه، ويشرق نوره في الدنيا بظهوره، حتى يملأها عدلا، كما ملئت قبله جوراً، بوعد ربه كما وعد، وبفضله كما سبق، هذا ما وعد الله للمهدي، وعد الحق الذي لا يخلفه " (١). وهذا المهدي، الذي تستحيل على يده شئون العالم، من الفساد الشامل، والظلم المطبق، إلى الصلاح والعدل الشامل، " لا ند له في الورى " ولن يجد " من يعانده، ولا من ينازعه، ولا من يخالفه، ولا من يضاده "، ومن ثم فإن ابن تومرت يؤكد لأتباعه وأنصاره وجوب طاعة المهدي، والإيمان برسالته، والإذعان لمشيئته، والاستسلام لحكمه، وذلك بصورة مطلقة يعرضها لنا على النحو الآتي: " فالعلم به واجب، والسمع والطاعة له واجب، واتباعه والاقتداء بأفعاله واجب، والإيمان به والتصديق به واجب على الكافة، والتسليم له واجب، والرضى بحكمه واجب، والانقياد لكل ما قضى واجب، والرجوع إلى علمه واجب، واتباع سبيله واجب، والاستمساك بأمره حتم، ورفع الأمور إليه بالكلية لازم ".

стр. 1367

وليس ذلك فقط، فإن طاعة المهدي، والاستسلام إليه، إن هي إلا طاعة الله ورسوله ذاتها، " فإن سنة المهدي هي سنة الله ورسوله، وأمره أمر الله ورسوله، وطاعته طاعة الله ورسوله، والانقياد له الانقياد إلى الله ورسوله، وموافقته موافقة الله ورسوله، وتعظيم حرماته تعظيم حرمات الله ورسوله. هو أعلمهم بالله، وأقربهم إلى الله، به قامت السموات والأرض، وبه كشفت الظلمات، وبه تدفع الأباطيل، وبه تظهر المعارف، وبموافقته تُنال السعادة، وبطاعته تنال البركات " (١). ْأما أولئك الذين تسول لهم أنفسهم مخالفة المهدي، ومعارضته أو الشك في أمره، فويل لهم. ولم ينس ابن تومرت أن يتوعد هؤلاء بشر النكال. ذلك أن من ناوأ المهدي " فقد تقمع في الردى، وليس له التطرق إلى النجاة ". ثم إن " أمر المهدي حتم، ومن خالفه يقتل، لا دفع له في هذا لدافع، ولا حيلة فيه لزائغ، ثبت بثبوت نصوص الكتاب، وقواطع الشرع، وبيان العلم، ودام ما دامت السموات والأرض بإذن الله الواحد القهار " (٢). ويتحدث ابن تومرت بعد ذلك في فصل قصير عن " القواعد التي بني عليها علوم الدين والدنيا " يتناول فيه أموراً شتى، ومما جاء فيه: " أن القيام بأمر الله واجب، وأن الفساد يجب دفعه على الكافة، ولا يجوز التمادي فيه، وإن من منع فريضة واحدة كمن منع الفرائض كلها، وان التمادي على ذرة من الباطل، كالتمادي على الباطل كله، وأن الهوى لا يجوز إيثاره عن الحق، وان الدنيا لا يجوز إيثارها على الآخرة، وان الحق لا يجوز تلبيسه بالباطل، وأن العلم ارتفع، وأن الجهل عم، وأن الحق ارتفع، وأن الباطل عم، وأن الهدى ارتفع، وأن ْالضلال عم، وأن العدل ارتفع، وأن الجور عم، وأن الرؤساء الجهال استولوا على الدنيا، وأن الملوك الصم البكم استولوا على الدنيا، وأن الدجالين استولوا على الدنيا " ويختتم ابن تومرت هذا الفصل، بالعود إلى الكلام عن المهدي في فقرة يلخص فيها كل ما تقدم، ويؤكده بقوة، وذلك على النحو الآتي: " إن الباطل لا يرفعه إلا المهدي، وان الحق لا يقوم به إلا المهدي، وان المهدي معلوم في العرب والعجم، والبدو والحضر، وان العلم به ثابت في كل

стр. 1368

مكان، وفي كل ديوان، وأن ما علم بضرورة الإستفاضة قبل ظهوره، يعلم بضرورة المشاهدة بعد ظهوره، وأن الإيمان بالمهدي واجب، وأن من شك فيه كافر، وأنه معصوم فيما دعا إليه من الحق، لا يجوز عليه الخطأ فيه، وأنه لا يكابر، ولا يضاد، ولا يدافع، ولا يعاند، ولا يخالف ولا ينازع، وأنه فرد في زمانه، صادق في قوله، وأنه يقطع الجبابرة والدجاجلة، وأنه يفتح الدنيا شرقها وغربها، وأنه يملؤها بالعدل، كما ملئت بالجور وأن أمره قائم إلى أن تقوم الساعة " (١). - ٤ - لم ينس ابن تومرت في الوقت الذي يعرض فيه دعوته، ويشيد بنظريته الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي التي اتخذها دعامة لزعامته الدينية، وسلطانه السياسي، أن ينظم حملته ضد أصحاب الأمر القائم، ضد أولئك المرابطين، الذين كان يرمي إلى تحطيم دولتهم، والاستيلاء على تراثهم. ومن ثم فإنه يخصهم في كتابه بفصل، يشهر فيه عليهم الخصومة والبغض، ويحاول أن يسبغ على حملته لون القداسة، وأن يردها إلى أصول دينية، وهو ينعتهم " بالمبطلين، والملثمين، والمجسمين ". ويقول لنا إن لهم علامات خاصة يعرضها لنا في قوله: " جميع علاماتهم ظاهرة، منها ما ظهر قبل مجيئهم من كادم، ومنها ما ظهر بعد أخذهم البلاد، ومنها ما ظهر من أحوالهم وأفعالهم. فالذي ظهر منها قبل مجيئهم خمس، إحداهن أنهم الحفاة، والثانية أنهم العراة، والثالثة أنهم العالة، والرابعة أنهم رعاء الشاء والبهم، والخامسة أنهم جاهلون بأمر الله. والذي ظهر منها بعد أخذهم البلاد سبع، إحداهن أنهم في آخر الزمان، والثانية أنهم ملوك، والثالثة أنهم يتطاولون في البنيان، والرابعة أنهم يلدون مع الإماء ويستكثرون من الجواري، والخامسة أنهم صم، والسادسة أنهم بكم، يعني أنهم صم عن ْالحق لا يستمعون إليه، بكم عن الحق لا يقولون به، ولا يأمرون به، وكل ذلك راجع إلى الجهل والعدول عن الحق، والسابعة أنهم ما هم أهلا للأمانة في القيام بأمر الله. والذي ظهر من أحوالهم وأفعالهم ثمان، إحداهن أنهم في أيديهم سياط كأذناب البقر، والثانية أنهم يعذبون الناس ويضربونهم بها، والثالثة أن نساءهم رؤوسهن كأسنمة النجب، يعني أنهن يجمعن شعورهن فوق رؤوسهن حتى تكون شعورهن على تلك الصفة، والرابعة أنهم كاسيات عاريات، والخامسة أنهن مائلات يعني

стр. 1369

عن الحق والرشاد والسادسة أنهن مميلات يعني لغيرهن، والسابعة أنهم يغدون في سخط، والثامنة أنهم يروحون في لعنة. هذه علاماتهم، وجملة علاماتهم عشرون أخبر الرسول بجميعها قبل وجودهم، فظهرت كلها على وفق ما أخبر به " (١). ويحاول ابن تومرت أن يثبت صحة هذه العلامات بإيراد " أحاديث " تنسب روايتها إلى عمر بن الخطاب وإلى أبي هريرة، وفيها ذكر للعلامات المتقدمة، وأنها من علامات الساعة، و" أحاديث " أخرى يدمغ فيها الرسول أصحاب هذه العلامات، بالنار والسخط والغضب واللعنة، ويذكر فيها صفة نسائهن على النحو الذي تقدم ذكره (٢). ويتناول ابن تومرت بعد ذلك مثالب المرابطين، وتحريم طاعتهم، والحض على جهادهم، في عدة أبواب رتبت كما يأتي: (١) باب فيما أحدثوه من المناكير والمغارم، وتقلبهم في السحت والحرام يأكلون فيه ويشربون، وفيه يغدون وفيه يروحون، وتجسيمهم وكفرهم أكبر. (٢) باب في تحريم معونتهم على ظلمهم، وتصديقهم على كذبهم. (٣) باب في معرفة أتباعهم الذين أعانوهم على ظلمهم، وصدقوهم على كذبهم، وبيان أفعالهم. (٤) باب في وجوب مخالفتهم وتحريم الاقتداء بهم، والتشبه بهم، وتكثير سوادهم وحبهم. (٥) باب في وجوب بغضهم ومعاداتهم على باطلهم وظلمهم. (٦) باب في تحريم طاعتهم واتباع أفعالهم. (٧) باب في وجوب جهادهم على الكفر والتجسيم وإنكار الحق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم. (٨) باب في وجوب جهاد من ضيّع السنة ومنع الفرائض. (٩) باب في وجوب جهادهم على ارتكاب المناكر والفجور وتماديهم على ما لا يؤمرون به. (١٠) باب في وجوب جهادهم على العناد والفساد في الأرض (٣). وهو خلال ذلك يحاول أن يؤيد أقواله وأحكامه بمختلف الأحاديث والآيات القرآنية. وهو ينعي على المرابطين بنوع خاص - وهو ينعتهم هنا بالمجسمين الكفار - مسألة اللثام، وتشبههم في ذلك بالنساء، في تغطية الوجوه بالتلثيم والتنقيب، وتشبه نسائهم بالرجال في السفور، وعدم التلثيم والتنقيب، وتحريم ذلك، ولعن

стр. 1370

من يرتكبه، وفقاً لحديث تنسب روايته لابن عباس، ونصه: " لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، شملتهم اللعنة جميعاً " (١). على أنه من الإجحاف البيّن أن تُنعى هذه المسألة بالذات - مسألة اللثام - على المرابطين، وتعتبر في حقهم جرماً يستوجب اللعن. ذلك أنها ليست سوى مسألة تقليد قومي وقَبَلي لا شأن له بالدين. وقد قيلت في أصل اللثام وسببه أشياء كثيرة، منها ما سبق أن أشرنا إليه من قبل، وهو أن أهل لمتونة - وهي قبيلة المرابطين - كانوا يتخذون في أعراسهم نوعاً خاصاً من الحجاب، ومنها أنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات، حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال، ومنها أنهم كانوا يلجأون إلى اللثام تخفياً من طلبة ثأر الدم، وأخيراً أن اللثام كان من ضرورات الحماية من لفح العواصف والرمال والحر والبرد. وما تزال عادة اللثام قائمة حتى اليوم بين بعض قبائل موريتانيا والسودان وغيرها، ويقال إن الحكمة في ذلك هو أن الرجال الأشراف لا يكشفون عن أنفسهم. وأما عن سفور النساء، فقد قيل إنه لكي يظهر انحطاطهن عن الرجال (٢). وأما حملة ابن تومرت على المرابطين بسبب ما أحدثوه من " المناكر والمغارم " فإن لها ما يبررها. وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يسود العاصمة المرابطية، (مراكش) وقواعد المغرب الأخرى، أيام المرابطين، من مظاهر الاستهتار والفساد، ومن ذلك ذيوع الخمر والقصف علناً في الأسواق، وغير ذلك من مظاهر الخروج على الدين. وهذا ما يردده المراكشي في قوله مشيراً إلى على بن يوسف: " وكان رجلا صالحاً، إلا أنه كان ضعيفاً مستضعفاً، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة، وفواحش شنيعة، من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير أو قاطع طريق، ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له، وزراً على ما تقدم " (٣). ومما هو جدير بالذكر أن أمثال هذه المناكر، لم تلبث أن ظهرت في دولة الموحدين، بعد ذهاب المهدي بفترة قصيرة. ومن ذلك أن

стр. 1371

عبد المؤمن أول الخلفاء الموحدين، أبى علي ولده الأكبر محمد إتمام بيعته لولاية العهد، لأنه كان مدمناً لشرب الخمر، ولنقائص أخرى كانت تنسب إليه (١). على أنه إذا كان المرابطون، أو كما ينعتهم ابن تومرت، طائفة المبطلين من الملثمين والمجسمين، كانوا يتصفون بما يرميهم به من العيوب والمثالب التي يستحقون من أجلها اللعنات، والتي تستوجب بغضهم ومعاداتهم ومجاهدتهم، فإن هناك طائفة أخرى بشر الرسول بظهورها، وهي التي تقاتل على الحق وتقاتل عنه، وتقوم به إلى آخر الزمان، وأن هذه الطائفة تقوم بأمر الله، لا يضرها من خذلها أو خالفها، وأنها ظاهرة على من عاداها إلى يوم القيامة، وأنها تقاتل على أمر الله وتقهر عدوها إلى قيام الساعة، وأنها تقاتل على الحق حتى تجتمع مع عيسى بن مريم، وحتى يقاتل آخرهم الدجال، وأن الله يفتح الدنيا كلها لأهل الغرب، وأخيراً أن هذه الطائفة ينصرها الله حتى تقوم الساعة. وبالرغم من أن ابن تومرت لا يقول لنا من هي هذه الطائفة بصريح العبارة، فإنه من الواضح أنه يعني بها طائفة الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم، أو بالحري طائفته الخاصة، طائفة الموحدين، وهو يحاول هنا كعادته، أن يؤيد كل أقواله ونبوءاته بطائفة من الأحاديث (٢). وقد سبق أن أشرنا إلى ما ذكره ابن تومرت، عند الحديث عن العقيدة، عن التوحيد ودلائل وجود الباري سبحانه. ويلاحظ العلامة جولدسيهر، أن ابن تومرت قد استعار عبارة " التوحيد "، ومعناها التعلق بفكرة الله وصفاته، من " المعتزلة "، فهم الذين يعطون إسم " التوحيد " في تعريفهم لفكرة الله، وهذا ما يوضحه لنا الشهرستاني في قوله عن المعتزلة: " واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه، جهة ومكاناً وصورة وجسماً وتحيزاً وانتقالا وزوالا وتغيراً وتأثراً، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط " توحيداً " (٣). ومن ثم فإن ابن تومرت، كان يُشَهِّر في ظل هذا التفسير لمعنى التوحيد،

стр. 1372

بالفكرة المادية التي كانت ذائعة في المغرب في ظل المرابطين، والتي تناقض فكرة التوحيد الحقيقية، ويعتبر المرابطين مسئولين عن فكرة " التجسيم "، و" التشبيه " الذائعة بين رعاياهم، وينادى من أجل ذلك بقتالهم، لأنهم هم السبب في نشر ذلك الإلحاد الذي يسود العقيدة، وأنهم يقيمون نظاماً دينياً، لا تتوّجه فكرة الله. ومتى كان المرابطون على هذا النحو من أهل الشرك، فيجب أن يشهر عليهم الجهاد في سبيل الله (١). ويعود ابن تومرت فيتناول التوحيد هنا من ناحية أخرى، وذلك كعادته في أبواب متعاقبة. أولها أن التوحيد، هو أساس الدين الذي بني عليه، ثم يحدثنا عن معنى التوحيد، وتفسير لفظه، وعن فضله، وعن شروط الشهادة، وكون التوحيد يهدم ما كان قبله من الفكر والآثام، وعن وجوب العلم بالتوحيد وتقديمه على العبادة، وعن كون التوحيد هو دين الأولين والآخرين من النبيين المرسلين، وكون دين الأنبياء واحد، وعن معرفة طريق إثبات العلم بالتوحيد. ثم يتلو ذلك التحدث عن الإيمان وفضله، والإيمان بالرسول، وعن معنى الإيمان والعلم، واتباع الكتاب والسنة، يتخلل ذلك كله طائفة من الآيات والأحاديث للشرح والتدليل (٢). - ٥ - يتناول ابن تومرت بعد ذلك طائفة من المسائل الدينية الأخرى التي لا تتصل أصلا بدعوته الدينية أو السياسية، ولكنها تتضمن مع ذلك، بعض وقائع وأقوال تتصل بهذه الدعوة. وهو قد تحدث من قبل في فصل خاص، عن الصلاة وفضلها وتفاصيلها. وهو يتحدث هنا عن الطهارة، وعن رفع العلم، ورفع الدين والموالاة. وفي هذا الفصل يكرر ما سبق ذكره، من الأحاديث المتعلقة بالناس، الذين يحملون سياطاً كأذناب البقر، والنساء الكاسيات العاريات، والمائلات رؤوسهن كأسنمة البخت، وهي التي يعدها بين علامات الملثمين المجسمين. ثم يحدثنا بعد ذلك عن " التبديل والتغيير بعد رسول الله ". وفي هذا الفضل يعود إلى ذكر المهدي، وما روي بشأنه من أحاديث، تدلى بأنه يكون من آل البيت، وأن اسمه يطابق اسم النبي، وأنه يملأ الأرض عدلا

стр. 1373

كما ملئت جوراً، وأنه يكون من عترة الرسول من ولد فاطمة (١)، وما ورد في شأن خروج الدّجال وهزيمته (٢). ثم يلي ذلك كلام طويل في بابين لا عنوان لهما، وكلاهما يفيض بالأحاديث والأقوال المأثورة المتعلقة بالجنة والنار (٣). وبعد أن يحدثنا ابن تومرت عن " الغلول والتحذير منه " وهو الخيانة، ويقدم إلينا في ذلك طائفة من القصص النبوية، يختتم كتابه بفصل طويل في " تحريم الخمر ". وقد رأينا فيما تقدم من حياة ابن تومرت، كيف كانت الحملة على الخمر ومطاردتها، وإراقتها وكسر أوانيها، من أخص ما شغله في دعوته إلى إزالة المنكر، وكيف أنه كان يتعرض لصنوف من السخط والأذى، كلما نشط إلى ذلك، وهو يقرر أن الخمر محرمة " بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة " ويستعرض ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، ويبين لنا أنواع الخمر المجمع على تحريمها في عصر الإسلام، وهي التي كانت تصنع من العنب والتمر والعسل والشعير، وهي كلها محرمة في رأيه قليلها وكثيرها، ومن الواجب إراقتها وكسر أوانيها، وهو يؤيد أقواله هنا بمختلف الأحاديث وأقوال الصحابة (٤). أما الفصل الأخير من الكتاب، وهو الذي يلي " كتاب تحريم الخمر " وعنوانه " كتاب الجهاد " فهو ليس من تأليف ابن تومرت، وإنما هو من تأليف الخليفة أبى يعقوب يوسف، ولد الخليفة عبد المؤمن بن علي وذلك حسبما يبدو من النبذة التي اختتم بها الكتاب، وأشير فيها إلى تمام " كتاب الجهاد " وجميع تعاليق " الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، وذلك مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين .. وذلك في العشر الأواخر من شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة " (٥). وكتاب الجهاد، والترغيب فيه، يضم طائفة كبيرة من الأحاديث التي وردت في فضل الجهاد، والحث عليه. وتبيان محاسنه، وفضل الشهادة في سبيل الله. ويلحق بذلك الكلام على الجهاد بالمال وما ورد فيه أيضاً من الأحاديث (٦). وهذا

стр. 1374

الفصل وما ورد فيه من الأحاديث العديدة، يتفق تمام الإتفاق مع ما أثر عن مقدرة الخليفة أبي يعقوب يوسف العلمية، وبراعته في علم الحديث، والعلوم الشرعية، وتقدمه " في علم الإمام المهدي " (١). - ٦ - إن كتاب " أعز ما يطلب " حسبما تبين من استعراض فصوله ومحتوياته، يمكن أن يعتبر وصية ابن تومرت العقدية والسياسية، ويمكننا أن نعتبر ما ورد فيه من تعاليم ومبادىء، خاصة بالإمامة والزعامة السياسية والدينية، أساس الدولة الموحدية الروحي والسياسي. على أن ابن تومرت قد ترك لنا بالعربية مؤلفاً آخر، هو كتاب "الموطأ " المسمى " موطأ الإمام المهدي " وهو كتاب ضخم يتناول فيه، على نسق " موطأ الإمام مالك "، أبواب العبادات والمعاملات والحدود. ونحن نعرف أن مذهب الإمام مالك (٢) كان منذ أواخر القرن الثاني للهجرة، هو المذهب المفضل في المغرب والأندلس. وبالرغم من أن ابن تومرت قد درس بالمشرق، على عدد من أقطاب عصره، فإنه لبث على تقاليد علماء المغرب الراسخة، من اتباع المذهب المالكي، ومن ثم فإنه يقدم لنا ثمرة شروحه للعبادات والمعاملات والحدود، أو بعبارة أخرى لعلم الفروع، متسمة باسم موسوعة الإمام مالك، جارية على مذهبه وآرائه، بل إنه ليبدو، حسبما جاء في مقدمة ْ " موطأ " ابن تومرت، أن مصنفه ليس إلا مختصراً من مصنف الإمام مالك. فقد جاء في مقدمة طبعته التي نشرت بالجزائر في سنة ١٣٢٣ هـ (١٩٠٥ م)، ما يأتي: " قابلنا موطأ المهدي بموطأ الإمام مالك، من رواية يحيى بن يحيى، فوجدناه مختصراً منه بحذف الأسانيد مع تقديم وتأخير وزيادة تراجم وتفاصيل على أسلوب مفيد وترتيب سديد ". ويحتوي موطأ المهدي على سفرين: يتناول السفر الأول الكتب الآتية: الطهارة والصلاة، والجنائز والصيام، والاعتكاف والزكاة، والحج والجهاد، والإيمان والنذور. ويتناول السفر الثاني الكتب الآتية: الضحايا والعقيقة، والذبائح والصيد، والأشربة، والحدود، والنكاح، والطلاق، والرضاع، والبيوع، والشفعة،

стр. 1375

والرهن، والإجارة، والمساقاة، والفرائض، والعتق، والمكاتب، والتدبير، والعقول، والقسامة، والتعدي والغصب، والأقضية والجامع. ومن الواضح أنه ليس في كتاب " موطأ المهدي " ما يهمنا من الناحية التاريخية. بيد أننا نستطيع أن نتخذه دلالة على ما كان يتصف به ابن تومرت من النشاط العلمي، والمقدرة الفقهية، واجتهاده في أن يبصر قومه بأحكام الدين الصحيحة، ولا ريب أن كتب ابن تومرت كانت تنتشر بين قومه بالبربرية لغتهم القومية، فيزداد بذلك نفوذها وتأثيرها، وقد كان من أعظم مزايا ابن تومرت العلمية، مقدرته البارزة في إتقان اللغتين العربية والبربرية، وكان وعظه ومخاطبته لقومه بالبربرية، تنفذ إلى سويداء قلوبهم، وتزيدهم فتنة وبه وتعلقاً، وتعمل على توطيد مكانته الدينية والسياسية. وكانت كتب ابن تومرت، بعد القرآن والسنة، هي أشد الكتب الدينية احتراماً بين أقوام الموحدين على اختلاف قبائلهم، لأنها نظراً لكتابتها بالبربرية، كانت ذائعة، وكانت في متناول كل إنسان.

стр. 1376

الفصل الرابع الصراع بين المرابطين والموحدين المرحلة الثانية خلافة عبد المؤمن. مختلف الروايات حول تاريخها وكيفية وقوعها. أهل عبد المؤمن ونسبته العربية. أساطير حول قدره وتخصيصه بالخلافة. مولده ونشأته. اتصاله بابن تومرت. قيادته للجيوش الموحدية. عزمه على اسئناف الجهاد. خروجه من تينملل في القوات الموحدية. استيلاؤه عل تازاجورت وقصبة تادلة وعلى درعة وحصن تاسغيموت. عودته إلى تينملل. محاولة ابن ملوية وإخمادها. إنسلاخ الفلاكي الأندلسي عن المرابطين وانضمامه للموحدين. اتخاذ عبد المؤمن ألقاب الخلافة. غزواته في الأعوام التالية. استيلاؤه على تارودانت عاصمة بلاد السوس. هزيمة المرابطين وفرارهم. غزوه لأحياء بني ييغز. دفاع بني ييغز ثم جنوحهم إلى الطاعة. خروج عبد المؤمن إلى الغزو ثانية. تحركه إلى أرض حاحة ونزوله في أحياء بني ملول. إغارته عليها وقتله لأهلها. مسيره إلى أجر فرجان. لقاؤه بالمرابطين بقيادة تاشفين بن علي والربرتير. هزيمة المرابطين. مبادرة جزولة لإنجاد المرابطين. هزيمتها ومقتل معظمها. ارتداد تاشفين إلى مراكش. رواية ابن عذارى عن هذه الموقعة. خروج تاشفين والربرتير ثانية لمحاربة الموحدين. اللقاء في تيزغور. هزيمة المرابطين وجرح الربرتير. الربرتير وأصله وظروف التحاقه بخدمة المرابطين. قيادته للمرابطين في معارك أراضي كدميوه والسوس. غزو عبد المؤمن لأرض السوس. تبادل النساء الأسرى بين الفريقين. حملة عبد المؤمن الكبرى. مسيره إلى الشمال الشرقي. غزوه لعدد من القواعد والقلاع المرابطية. اختراقه لأرض فازاز واحتلاله لأزرو. مسيره شمالا نحو فاس. وصول القوات المرابطية بقيادة تاشفين والربرتير. مقاساتها لأهوال البرد. انحدار الموحدين إلى منطقة الأطلس الوسطى. احتلالهم لوادي ملوية. مسيرهم نحو أرض غياثة ونزولهم في جبل عفرا. نزول المرابطين قبالهم في السهل. عصف الرياح والأمطار بالمحلتين. رواية أخرى لابن القطان عن الحملة الموحدية إلى غياثة. مسير الموحدين إلى أرض لكاي. مسير المرابطين بقيادة تاشفين والربرتير في أثرهم. التحام الربرتير في بعض قواته مع الموحدين في تازغدرا. مسير الموحدين نحو القصر الكبير. مسير المرابطين في أثرهم. وصول الموحدين إلى المزمة. قصة مقتل ابراهيم أخى عبد المؤمن. اقتحام الموحدين لثغر مليلة وسبي نسائه. مسيرهم إلى تاجرا. الحملات الموحدية تقتحم وهران وبني واثون وجبل مديونة. ارتداد المرابطين إلى فاس وبقاء الموحدين قرب تلمسان. وفاة أمير المسلمين علي بن يوسف. بلوغ الدولة المرابطية ذروتها في عهده. استخدامه للمرتزقة النصارى. إنشاؤه للفرقة الأجنبية بقيادة الربرتير. عزمه على إقالة ولده تاشفين. بعض الأحداث التي وقعت في أواخر عهده. صفاته وخلاله. حشده لأعلام الكتابة في بلاطه. أولاده. اختلال الدولة المرابطية، وانشقاقها في أواخر عهده. خروج بني ومانو على تاشفين بن علي. مسير الربرتير لعقابهم. إنجاد الموحدين لهم. اقتحام الموحدين لبني عبد الواد وبني بيلومي. هزيمتهم ومصرع معظم أصحابهم على يد المرابطين. مسير عبد المؤمن من تلمسان إلى أرض

стр. 1377

بيلومي. مسير تاشفين إلى تلمسان. إرساله حملة قوية ومعها الربرتير إلى منداس. طريقة عبد المؤمن المبتكرة في لقاء خصومه. معركة منداس الكبرى. هزيمة المرابطين الساحقة وغنائم الموحدين الوفيرة. غزو النورمانيين لسبتة ورد الأسطول المرابطي لها. مصرع الربرتير في معركة بينه وبين الموحدين. رواية ابن عذارى عن ذلك. مغادرة النصارى للمعسكر المرابطي. استنفار تاشفين لسائر الحشود المرابطية. مقدم ولده تاشفين إليه وتوليته عهده. سير الموحدين ونزولهم بالصخرتين قرب تلمسان. نزول المرابطين قبالهم في سطفسيف. وصول الحشود المرابطية. اشتباك الفريقين وهزيمة المرابطين في معركة بظاهر الصخرتين. مسير تاشفين في قواته إلى وهران. إرساله ولده ابراهيم إلى مراكش. مقدم بعض سفن الأسطول المرابطي إلى مياه وهران. مسير عبد المؤمن في أثر تاشفين. فتك الموحدين بأحياء لمتونة في تلك الجهة. نزول الموحدين فوق جبل وهران. مغادرة معظم القادة المرابطين لتاشفين. اقتحام الموحدين للمحلة المرابطية. فرار تاشفين وخاصته إلى الحصن المطل على البحر. إضرام الموحدين النار حول الحصن. فرار تاشفين في الليل وسقوطه ومصرعه. روايات أخرى عن مصرع تاشفين. فتك الموحدين بالمرابطين. فرار الفلول المرابطية من تلمسان. دخول عبد المؤمن تاجررت وقتله لأهلها. دخوله تلمسان وقتله لأهلها. روايات أخرى عن دخوله تاجررت وتلمسان. نزوله بتلمسان وتنظيمه لشئون المنطقة. مسيره إلى فاس. كانت خلافة عبد المؤمن بن علي، للمهدى ابن تومرت، في رياسة الموحدين، حدثاً ذا شأن، وكانت فاتحة عهد جديد في تاريخ الدولة الموحدية، هو عهد التوطد والنماء. وتختلف الرواية أيما اختلاف في ظروف تولية عبد المؤمن. فهناك القول ْبأن بيعة عبد المؤمن، قد تمت على أثر وفاة، المهدي أو بعدها بأيام قلائل، وأن المهدي هو الذي رشحه لخلافته قبيل وفاته وهذه هي رواية ابن القطان، إذ يقول لنا إنه لما توفي المهدي، كتم أصحابه وأهل الدار، وهم خدمته، وأخته شقيقته، موته، وبايعوا الإمام أمير المؤمنين (يريد عبد المؤمن) في الحين " بيعة سر"، ثم يقول في موضع آخر، إن عبد المؤمن بويع على أثر موت الإمام المهدي عام أربعة وعشرين وخمسمائة " بيعة خاصة ". وهناك قول آخر، بأنه لما توفي المهدي كتم أصحابه موته بعض الوقت، حتى يتفقوا على من يتولى الخلافة من بعده. ويقول لنا ابن صاحب الصلاة مؤرخ الدولة الموحدية وكذلك ابن القطان، إن هذه المدة استطالت الى عام سبعة وعشرين وخمسمائة، أعني مدى ثلاثة أعوام، بويع من بعدها عبد المؤمن بيعته العامة، وذلك حين أعلن موت الإمام المهدي. ثم يقص علينا ابن صاحب الصلاة بعد ذلك قصة الحيلة، التي دبرها عبد المؤمن ليقنع الموحدين ببيعته، وهي تتلخص في قصة الطائر والشبل، اللذين دربهما خفية، خلال هذه المدة، الطائر على أن يدعو له بالخلافة، والشبل على أن

стр. 1378

يجلس بين يديه وادعاً هادئاً. ثم دعوته بعد ذلك الأشياخ الموحدين إلى مجلسه، واستشارتهم في أمر من يتولى الخلافة، ودعاء الطائر له بنطقه " العز والتمكين للخليفة عبد المؤمن أمير المؤمنين " ومثول الشبل بين يديه، رابضاً مطيعاً لإشارته، وتأثر الحاضرين بذلك ومبايعتهم له (١). بيد أنه بغض النظر عما يطبع هذه الرواية من مبالغة، وجنوح إلى الأسطورة، فإنه توجد لدينا أكثر من رواية وثيقة تؤيد القول، بأن بيعة عبد المؤمن، قد تمت عقب وفاة المهدي، ووفقاً لسابق إشارته. من ذلك ما ذكره أبو بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق، وهو كما تقدم من أصحاب المهدي الأوائل، من أنه عقب وفاة المهدي في يوم الأربعاء أو يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ٥٢٤ هـ، بويع الخليفة أعني عبد المؤمن في يوم السبت الأقرب من هذا التاريخ (٢). وما ذكره في موضع آخر من أنه عقب وفاة المهدي، قام عبد المؤمن بإعلان ذلك النبأ للناس، وعندئذ تقدم إليه أربعة من الصحب، اثنان من الجماعة، وهما عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف بعمر أصناك، وأبو إبراهيم إسماعيل، واثنان من أهل خمسين هما عبد الرحمن بن زكو، ومحمد ابن محمد، وبايعوه على ما بايعوا عليه المهدي، ثم تبعهم سائر الناس حتى دخل الليل، واستمرت البيعة ثلاثة أيام متواليات (٣). ويأخذ صاحب " الحلل الموشية " بمجمل هذه الراوية، فيقول لنا إنه " لما توفي المهدي، تفاوض بقية أصحابه وهم أربعة، بمن يكون إمامهم بعده، فوقع اتفاقهم على عبد المؤمن، لما كانوا يشهدونه من تعظيم المهدي له، بمحضر أصحابه وجميع الموحدين، ويقبل عليه، ويستبشر بكلامه، فاتفقوا عليه وقدموه " (٤). وكذلك يذكر لنا صاحب روض القرطاس أن المهدي بويع يوم الخميس الربع عشر من رمضان سنة ٥٢٤ هـ، ويصف هذه البيعة، بالبيعة الخاصة التي بايعه فيها عشرة من أصحاب المهدي. وأما البيعة العامة فقد وقعت وفقاً لقوله في

стр. 1379

٢٠ من ربيع أول سنة ٥٢٦ هـ، بعد وفاة المهدي بنحو عامين بجامع تينملّل (١). وفضلا عن ذلك، فإن لدينا رواية المراكشي، وهو أيضاً من مؤرخي الموحدين، وهي رواية مفصلة واضحة، خلاصتها أن ابن تومرت استدعى قبل موته بأيام يسيرة، أصحابه من الجماعة وأهل خمسين، وهم من قبائل متفرقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة، فلما حضروا بين يديه، نهض متكئاً، وخطب فيهم فذكرهم بما كان عليه السلف الصالح، من الثبات في الدين، والعزيمة في الأمر، وما حدث من بعدهم من ظهور الفتنة، التي أضحى فيها العالم متجاهلا مداهناً، يقصد بعلمه الملوك، ويجتلب الدنيا، وكيف أن الله سبحانه قد خصهم بتأييده، وحقيقة توحيده، وهداهم بعد الضلالة؛ ثم حذرهم من الفرقة واختلاف الكلمة، وأن يكونوا على عدوهم يداً واحدة، ثم أعلن لهم اختياره، عبد المؤمن لخلافته قائلا في تزكيته " وهذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله، ثبتاً في دينه، متبصراً في أمره ". وأنه على أثر ذلك قام القوم بمبايعة عبد المؤمن. ودعا لهم ابن تومرت، ومسح وجوههم وصدورهم. ثم توفي ابن تومرت بعد عهده بيسير، واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن (٢). وهكذا يبدو أن عبد المؤمن، تلقى بيعته عقب وفاة المهدي، وربما قبيل وفاته، وفقاً لرواية المراكشي، وليس من المستبعد أن يكون عبد المؤمن وأصحابه قد كتموا موت المهدي حيناً، حتى يجتنب الخلاف، ويستوثق الأمر؛ ذلك أنه لما توفي المهدي، أخذ كل زعيم، وكل قبيلة، تتطلع إلى اجتناء تراث المهدي، برياسة الموحدين، واشتد التنافس بينهم في ذلك، فخشي الجماعة والخمسون، أن يفسد الأمر، وأن تضطرم الفتنة، فاجتمعوا وتفاوضوا، ووقع اختيارهم على عبد المؤمن. وكان عبد المؤمن في الواقع، منذ البداية أرجح القوم مكانة، إذ كان أوثقهم صلة بالمهدي، وأشدهم اختصاصاً به، واستئثاراً بحبه وثقته، وكان يُنسب للمهدي قوله فيه وإنشاده كلما رآه: تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلنا بك مسرور ومغتبط السنُّ ضاحكة والكف مانحة ... والصدر متسع والوجه منبسط (٣).

стр. 1380

وفضلا عن ذلك كله فقد كان عبد المؤمن، غريباً بأصله وقبيلته عن المصامدة، ولم يكن له بينهم قبيل ولا طائفة، فكان ذلك مما شجع القوم على اختياره، اجتناباً لكل منافسة وخلاف (١). أما عن أصل عبد المؤمن ونسبه، فإن الرواية تختلف أيضاً، فهو وفقاً لرواية أبى بكر الصنهاجي، عبد المؤمن بن علي بن عَلْوي بن يعلي بن علي بن حسن ابن نصر بن الأمير بن نصر بن مقاتل بن كومي بن عون الله بن ورجايغ بن ينفر ابن مراو بن مطماط بن صطفور بن نفور بن رجيك بن يحيى بن هزرح بن قيس ابن عيلان. ثم يقول لنا أبو بكر معلقاً على هذا النسب، إنه صحيح حتى مقاتل ابن كومي بن عون الله، وأما ما ورد بعد ذلك من الأسماء إلى قيس بن عيلان ففيها اختلاف وتصحيف وتقديم وتأخير (٢). وينتمي عبد المؤمن إلى قبيلة كومية، وهي بطن من بطون زناتة، وذلك سواء من أبيه أو أمه، إذ هي كومية أيضاً، فهو بذلك بربري الأصل، وحسبما تدلى بذلك أيضاً نسبته. ولكن عبد المؤمن هو خليفة المهدي، وهو أمير المؤمنين، وإذاً فلا بد أن يكون له - حسبما حدث في شأن المهدي - نسبة عربية أولا، ثم لابد أن تكون هذه النسبة متصلة بآل البيت. ومن ثم فإن الرواية تقول لنا إنه من ولد سليم بن منصور بن قيس بن عيلان بن مضر. وأما كيف تحولت نسبته العربية إلى النسبة البربرية، فهو أن جَدًّا من أجداده العرب، نزل بساحل تلمسان، فارًّا من بعض الفتن بالأندلس، وجاور بعض أحياء مطماطة، إخوة زناتة، فنسب بذلك إليهم بالجوار والحلف. وفي رواية أخرى أن نسبته ترجع مباشرة إلى آل البيت بانتسابه إلى جدته كنونة بنت إدريس بن إدريس بن عبد الله بن القاسم بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وإلى كنونة هذه أيضاً يرجع نسبة أمه تعلو بنت عطية، فهو إذن، وفقاً لهذه النسبة سليل آل البيت عن طريق أبيه وأمه (٣). وقد كان عبد المؤمن نفسه، حسبما يروى لنا المراكشي، ينكر نسبته البربرية، ويقول إذا ذُكرت كمية (كومية) " لست منهم وإنما نحن لقيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ولكُمية علينا حق الولادة بينهم،

стр. 1381

والمنشأ فيهم، وهم الأخوال ". ويزيد المراكشي على ذلك، أنه أدرك من أولاد عبد المؤمن وأحفاده، من ينتسبون لقيس عيلان بن مضر (١). وكما نُسجت حول ابن تومرت ودعوته، واختيار القدر له ليكون مهدي آخر الزمان، هالة من الأساطير، لتؤكد قدسيته وصدق رسالته، فكذلك نسجت مثل هذه الهالة حول عبد المؤمن وخلافته للمهدي، لتؤكد أن القدر قد اختاره، كما اختار المهدي منذ الأزل، ليقوم بهذه الرسالة. وقد أورد لنا ابن القطان بعض ما ذكره أبو القاسم المؤمن في كتابه المسمى " فضائل الإمام المهدي "، من أقوال وأمارات للتدليل على صدق رسالته. ومن ذلك أنه جاء في كتاب أبى عبد الله الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، الحض على الإيمان بالمهدي وطائفته، وذكر عبد المؤمن بن علي القيسي، وأنه هو الذي وعد بالنصر والتأييد والفتح. ويقول أبو القاسم، ان ذلك قد ورد أيضاً في كتاب يحيى بن زيد، وفي كتاب القاسم الأكبر، وفيه جميع ما ذكر من فضائل الإمام المهدي، وعلاماته ومواضعه ورجاله، والخليفة الآخذ عنه. وقد شرح ذلك كله صاحب كتاب " النصر" إدريس بن إدريس، وأورد لتأييده أحاديث عديدة. ثم ينقل إلينا ابن القطان بعد ذلك قول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد في أرجوزة نظمها بعد ذكر " المهدي " ووفاته (٢)، حيث يقول: ويرجع الأمر إلى عدنان ... لماجد قد خص من عيلان رب الفتوح صاحب الملاحم ... وقامع الأعراب والأعاجم وقول عبد الملك بن حبيب: صاحب المهدي يأتي بعده ... خيرة الأعراب طرا والعجم أقبل الملك به من نعته ... أشيب اللحية ليس بالهرم وأنه قد ورد ذلك أيضاً في بعض الأراجيز القديمة، وفيها شرح صفاته وأفعاله وفتوحه. ويزيد أبو القاسم المؤمن على ذلك كله أنه رأى بالقدس في رباط للنصارى اسم المهدي منقوشاً على رخامة بيضاء، كما رأى اسم عبد المؤمن خليفته، وأنه أي

стр. 1382

أبو القاسم ذكر ذلك للإمام المهدي، فأمر بكتمانه حتى يحين الوقت الذي يكون فيه ظهوره (١). وهكذا نرى كُتاب الدولة الموحدية ومؤرخيها يجدون في تقصي الأساطير، ونسجها حول إمامة المهدي ابن تومرت، وحول خلافة عبد المؤمن، حتى تتخذ الدعوة الموحدية، ومن بعدها الخلافة الموحدية، مكانتها من الرسوخ والقدسية. وكان مولد عبد المؤمن في آخر سنة ٤٨٧ هـ (أول سنة ١٠٩٥ م) بموضع يعرف بتاجرا على مقربة من مرسى هنين شمالي تلمسان، وقيل إنه ولد سنة ٤٩٠ هـ، أو سنة ٥٠٠ هـ (٢). ويبدو سقم هذه الرواية الأخيرة، إذا ذكرنا أن عبد المؤمن قد لقي المهدي ابن تومرت عقب عوده من المشرق إلى المغرب في سنة ٥١٢ هـ، وكان يومئذ شاباً، ولم يكن غلاماً حدثاً. وكان والد عبد المؤمن فخّاراً يصنع الآنية من الطين، وهي المعروفة بالنوابيخ، وكان بالرغم من ضعته رجلا عاقلا محترماً من قومه (٣). ويذكر لنا البيذق أن والد عبد المؤمن كان بالعكس قاضياً في زمانه وفي قومه (٤). ونشأ عبد المؤمن منذ البداية محباً للقراءة والدرس، يلازم المساجد لتلاوة القرآن، ولما بلغ نحو العشرين من عمره، اعتزم الرحلة إلى المشرق ليتابع الدرس، وقد رأينا فيما تقدم كيف التقى هو وعمه بملالة على مقربة من بجاية بمحمد بن تومرت، وكان يومئذ يقود حملته المعروفة ضد المنكر، وكيف آنس فيه ابن تومرت نجابة وذكاء، وشعر أنه سوف يغدو أعظم معاونيه، وكيف استطاع أن يقنعه بالبقاء إلى جانبه يطلب العلم على يديه، ويعاونه فيما هو قائم به " من إماتة المنكر، وإحياء العلم، وإخماد البدع ". كان ذلك في أوائل سنة ٥١٢ هـ. وقد بقي عبد المؤمن من ذلك التاريخ إلى جانب ابن تومرت، ولازمه واختص به، يؤازره في دعوته، ويشاطره مصيره أينما حل، حتى كان من أمر ابن تومرت ما سبق ذكره من اشتداد دعوته الدينية ضد المرابطين، ثم التجاؤه وصحبه إلى تينملّل، وإعلانه أنه هو المهدي المنتظر، ومبايعة أصحابه وفي مقدمتهم عبد المؤمن له على ذلك.

стр. 1383

وقد رأينا فيما تقدم. كيف كان عبد المؤمن، إلى جانب أبى محمد البشير، أعظم قادة الموحدين. وكيف أنه عقب هزيمة البحيرة الساحقة (أوائل سنة ٥٢٤ هـ) ومقتل البشير، استطاع أن يجمع فلول الموحدين وأن ينقذها من الفناء المحقق، وأن يقودها بالرغم من مطاردة المرابطين إلى تينملل، وكيف أن المهدي، وقد كان في مرض موته، حينما أبلغ أمر الهزيمة، سأل عن عبد المؤمن، ولما علم بأنه سالم، قال لأصحابه " الحمد لله قد بقي أمركم ". - ١ - لم تخب فراسة المهدي في تلميذه وصاحبه الأثير، وخليفته من بعده، فقد شاءت العناية الإلهية أن يغدو عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين الحقيقي، وأن يقود الموحدين إلى ميادين النصر الباهر، وأن يحقق لهم سلطان الإمبراطورية الموحدية الكبرى في المغرب والأندلس. قضى عبد المؤمن بعد توليه الخلافة زهاء عام ونصف، ينظم شئون الموحدين ويؤلف قلوبهم، ويحشد جموعهم، ويستنفرهم إلى الجهاد. ولما كملت أهباته، اعتزم أن يستأنف الجهاد لمقاتلة أعداء الدولة الموحدية - المرابطين - وافتتاح البلاد من أيديهم، وإرغامهم على الطاعة، واستقر رأى الموحدين بعد البحث والتشاور على أن تكون أولى غزاتهم لقصبة تادلة في وادي درعة (١). فخرج عبد المؤمن من تينملّل في شهر ربيع الأول (وقيل في شوال) سنة ٥٢٦ هـ (يناير سنة ١١٣٢ م) في جيش ضخم من الموحدين، قوامه ثلاثون ألف مقاتل، وسار أولا إلى قلعة تازاجورت، وكانت تدافع عنها حامية مرابطية بقيادة يدِّر بن ولجوط، فاقتحمها واستولى عليها، وسبى أهلها (٢). وفي رواية أخرى أن قائد تازاجورت المرابطي كان يدعى يحيى بن مريم، وأن عبد المؤمن قتله وقتل معه نحو عشرين ألفاً من المجسمين، وأسر زوجته ميمونة بنت ينتان بن عمر، وصحبها معه إلى الجبل، حتى افتديت فيما بعد بمن كان من أسرى الموحدين في تلمسان (٣) وسار عبد المؤمن

стр. 1384

بعد ذلك إلى درعة، واستولى عليها وعلى أحوازها، ثم غزا سائر محلات تلك المنطقة وعاد إلى تينملّل. وافتتح الموحدون في هذا العام حصن تاسغيموت، وهو حصن منيع يقع فوق الجبل، وبه حامية من هزرجة، فتواطأ معهم الموحدون على فتحه، واستطاعوا أن يدخلوه ليلا، وقتلوا واليه المرابطي أبا بكر بن وارصول ومن معه من المرابطين، وحملوا بابه الحديدي الضخم، وركب فيما بعد على سور تينملل. وكذلك افتتح الموحدون في نفس العام حصن جلاوة، افتتحه الشيخ أبو حفص عمر وجماعة من وجوه الموحدين، ودخلوه عنوة وقتلوا كل من فيه. وكان أهل جلاوة هم الذين جرحوا المهدي في إحدى غزواته، وقام الخليفة من ناحيته بافتتاح حصن هزرجة وأحرقه، وقتل معظم أهله. ثم دخل بلدة جشجال، وأحرقها أيضاً، وسار منها إلى أرض غجدامة، وافتتح بلدة أجلاحال. ودخل في هذا العام في طاعة الموحدين، بعض بطون من هزرجة وهسكورة، ثم ارتدوا وعادوا إلى الخروج والعصيان (١). ولما عاد عبد المؤمن إلى تينملل، كانت قد وقعت خلال غيبته في تلك الغزوة حادثة خطيرة، كادت تحدث صدعاً في صفوف الموحدين لو لم تخمد في المهد، وذلك أن أبا عبد الله بن يَعْلي الزناتي، الشهير بابن مَلْوية، وهو أحد أصحاب المهدي العشرة، وكان من أشد المعارضين لبيعة عبد المؤمن، انتهز فرصة ابتعاد عبد المؤمن بالجيش، وسار إلى مراكش، وتفاهم مع أمير المسلمين علي بن يوسف على مهاجمة تينملّل، وسحق حكومة الموحدين، فعهد إليه علي بن يوسف بقوة من المرابطين، فسار بها إلى تاماذاجوست مجمع قبيلة كنفيسة على مقربة من تينملّل، لكي يضمها إليه، ويسير بقواته المجتمعة لتدمير العاصمة الموحدية، وكان بتينملل عبد الله بن وسيدّرن أحد زعماء كنفيسة، فجمعهم فأعلنوا تمسكهم بالعهد الذي قطعوه للمهدي، ونعوا على ابن ملوية تلك الخيانة، وفي الحال قام واحد من أهل خمسين هو أبو سعيد يخلف بن الحسن آتيكي ومعه غلامه، وسار إلى محلة ابن ملوية في أسفل الجبل، وقتلاه، وحملا جثته إلى تينملل وصلبت بها، وأخمدت المحاولة في المهد. ولما عاد عبد المؤمن شكر لكنفيسة إخلاصها، وقسم الغنائم. ثم هبط

стр. 1385

ثانية إلى الوادي، واستولى على أراضي صنهاجة القريبة (أصناجان) وولى عليها علي بن ناصر، وهو أحد زعمائها ومن أهل خمسين (١). ويضع ابن القطان في أخبار هذا العام - سنة ٥٢٦ هـ - حادثاً من نوع خاص، هو انضمام الفلاّكي الأندلسي، وهو من قادة المرابطين، إلى الموحدين. وكان الفلاّكي حسبما تقدم أندلسي من أهل إشبيلية، وكان في بداية أمره شقياً وقاطع طريق، يتسم بالجرأة والشجاعة، ثم تاب وسلك سبيل الاستقامة، فعفا عنه والي إشبيلية، وقدمه على الرماة والرجّالة. ونمى خبره إلى علي بن يوسف، فاستقدمه إلى مراكش، وقدّمه على فرقة من الجند المرابطين، وعهد إليه بحراسة مخارج جبل دَرَن التي يهبط منها الموحدون إلى السهل لكي يعيق سبيلهم. ثم وجهه إلى السوس لمكافحة الموحدين، ووالي السوس حينئذ وانودين بن سير، فجد الفلاّكي في محاربة الموحدين ومكافحتهم. ثم فسد ما بينه وبين علي بن يوسف، فانضم إلى الموحدين مع طائفة من جنده، وأخذ يغير على حصون لمتونة، ويفعل بها مثلما كان يفعل من قبل بقواعد الموحدين، وأخذ يغير على جهات السوس وأغمات. واستمر في خدمة الموحدين مدى أعوام، ثم ارتد بعد ذلك، وفقاً لقول ابن القطان (٢). بيد أنه لا يذكر لنا ماذا كان مصيره بعد هذا الارتداد. ومن جهة أخرى، فإن بعض الروايات تضع انضمام الفلاكي إلى الموحدين في تاريخ لاحق - في سنة ٥٣٥ هـ - أي بعد التاريخ الذي يقدمه لنا ابن القطان بنحو تسعة أعوام (٣). وفي العام التالي، أعني في سنة ٥٢٧ هـ أعلنت بيعة عبد المؤمن الخاصة، وعقدت بيعته العامة، وذلك إذا أخذنا برواية كتمان وفاة المهدي مدلا ثلاثة أعوام، وهي حسبما تقدم رواية ابن صاحب الصلاة وابن القطان. ويضع ابن القطان هذا الحادث سهواً في أخبار سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ومن الواجب لكي يكون متفقاً مع سابق روايته أن تكون سنة سبع وعشرين. ويقول لنا إنه في هذه السنة،

стр. 1386

كان الإعلان بموت المهدي والإعلان ببيعة الخليفة أمير المؤمنين، ثم يعلق على ذلك بعبارات رنانة يقول فيها: " فرفع الغطاء، وسطع الضياء، وبهرت الشمس ما دونها من السحاب، وتبلج الحق واضحاً بغير حجاب "، وبايعه الصحب على ما بايعوا عليه " الإمام المهدي"، واتصلت البيعة ثلاثة أيام " فأشرقت الأرض بنور إمامته، ونال أهلها عظيم حظوته وكرامته ". وعلى أثر ذلك اتخذ عبد المؤمن لقب " أمير المؤمنين "، والظاهر أنه لم يكن يلقب به قبل ذلك (١). ويوجد شىء من التناقض والغموض حول أعمال عبد المؤمن وحركاته في بضعة الأعوام التالية، من سنة ٥٢٨ إلى سنة ٥٣٢ هـ. ويقدم إلينا ابن القطان بعض التفاصيل عن حوادث هذه الفترة، فيقول لنا في أخبار سنة ٥٢٨ هـ، إن الموحدين اشتبكوا مع المرابطين بقيادة ابراهيم بن يوسف المعروف بابن تاعياشت في معركة هزم فيها المرابطون وقتل قائدهم. ثم ينقل إلينا عن ابن الراعي، خبر فتح الموحدين لمدينة تارودانت. فيقول إنه لما استولى الموحدون على سائر بلاد السوس، ارتد المرابطون منهزمين إلى تيونوين، وعندئذ سار " العلج الأعرج " (والغالب أنه الربرتير الذي سوف يأتي ذكره) من أجرفرجان، فاقتحم طريق ايغيران في غفلة من الموحدين، وسبقهم بمن معه، فأتبعهم الموحدون حتى وصلوا إلى بلاد السوس. وكان العلج في نحو أربعمائة فارس، فلما وصل تيونوين، وعلم بمقدمه من كان قد فر إلى الأطراف من أهل السوس، هرعوا إلى الالتفاف حوله. ونقتبس هنا وصف ما تلا من أدوار المعركة من رسالة كتب بها الخليفة عبد المؤمن ونقلها إلينا ابن الراعي. وفيها يقول الخليفة: " فميزنا عسكراً مباركاً من خيل ورجل، فخرجوا إلى ناحية تارودانت، وبعثنا تلك الليلة سرية إلى أسفل السوس، فقتلوا وغنموا بقراً وغنماً وعبيداً، وسبو ذراريهم، ثم بعثنا سرية أخرى في الليلة التالية إلى بقية تلك الناحية، أعني أسفل السوس فقتلوا مقتلة أكثر من الأولى، وغنموا أكثر مما غنم أصحابهم. "وأما العسكر فقصدوا إلى تارودانت ودخلوها، وفر من كان بها من المرابطين، وقتل الموحدون من وجدوا بها، واستقر الموحدون بالمدينة، وأطلقوا النار في القصب، فارتفعت النار في الهواء. كل ذلك والمرابطون في تيونوين يشهدون

стр. 1387

النيران تحرق أوطانهم. ولما أيقن البربر وغيرهم بعجز العلج، انكسرت قلوبهم، وحقت الهزيمة عليهم ". وفي العام التالي سنة ٥٢٩ هـ، سار عبد المؤمن لغزو بني ييغز، وذلك لأنهم كانوا قد قتلوا أبا محمد عبد العزيز الغيغائي من أصحاب الإمام المهدي، فلما نزل الخليفة على أحيائهم، وضعوا الأحطاب على ظهور الجمال، وأضرموا فيها النار، ودفعوها نحو محلة الموحدين، فوقع الهرج في المحلة الموحدية، وسار بنو ييغز في أثر جمالهم وهاجموا الموحدين، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة. وحاول رجلان من بني ييغز أن ينفذا إلى خيمة عبد المؤمن وأن يقتلاه، ولكن عبد المؤمن كان قد غادر خباءه تحوطاً وحذراً، فأخذ الرجلان وقتلا. وقضى عبد المؤمن في تلك الغزوة أربعين يوماً ثم قفل عائداً إلى تينملل. ويضيف ابن القطان إلى ما تقدم نقلا عن ابن صاحب الصلاة، أن عبد المؤمن كان قد وجه إلى بني ييغز بعض اخوانهم المجاورين لهم، لينصحوهم وينذروهم، وأن مساعيه في ذلك السبيل قد كللت بالنجاح، إذ انقاد بنو ييغيز وأذعنوا، ودخلوا في طاعة الموحدين. وهذا يفسر لنا النتيجة السلبية التي انتهت إليها معركة بني ييغز ضد الموحدين (١). ويحدثنا اليسع عن موقعة نشبت بين المرابطين والموحدين في سنة ٥٣٠ هـ، فيقول إن عبد المؤمن سار في قواته إلى أجرفرجان ومصكروطن، فخرج إليه سير بن علي بن يوسف، ولي العهد يومئذ، في القوات المرابطية. ولبث عبد المؤمن حيناً معتصماً بالجبال يطاول العدو، ثم التقى الفريقان في مصكروطن. فهزم المرابطون، واستولى الموحدون على مقادير عظيمة من أسلابهم، من المال والسلاح (٢). ومن جهة أخرى فإن البيذق أبا بكر الصنهاجي، مؤرخ الموحدين المعاصر، فيما يسطره لنا من غزوات عبد المؤمن يؤكد لنا عقب كلامه عن غزوة صنهاجة، أن الخليفة التقى مع الإبرتير وتاشفين، وفتح الله عليه في محاربتهم في البداية. وهذه أول مرة يلتقي فيها عبد المؤمن بجيش مرابطي يقوده الأمير تاشفين بن علي. وقد ذكرنا فيما تقدم من أخبار تاشفين، أنه لبث والياً على الأندلس، وقائداً للجيوش المرابطية بها حتى سنة ٥٣١ هـ (أو سنة ٥٣٢ هـ)، وأنه عبر في أواخر

стр. 1388

سنة ٥٣٢ هـ إلى المغرب استجابة لدعوة أبيه، وذلك حينما تفاقمت هجمات الموحدين، وكثرت هزائم المرابطين. وإذن فلابد أن يكون هذا اللقاء الأول بين الموحدين، وبين الجيوش المرابطية بقيادة تاشفين قد وقع على الأقل في أوائل سنة ٥٣٣ هـ. والواقع أن ابن القطان يقص علينا خبر موقعة حدثت في سنة ٥٣٣ هـ بين المرابطين بقيادة الأمير تاشفين بن علي والربرتير وبين الموحدين، فيقول إن الخليفة عبد المؤمن تحرك في هذا العام من تينملل، ونزل في بلد بني ملول من منانة في أراضي حاحة، ونزل تاشفين بقواته في تاحكوط من حاحة، وكان علي بن يوسف قد قتل أعيان قبيلة منانة، فدخلت في طاعة الموحدين، ثم ارتدت غير مرة، فأقام عبد المؤمن في بني ملول شهراً وثلاثة أيام، وهو يغير على تلك الأحياء، ويقتلهم قتلا ذريعاً. ثم استولى على سائر أسلابهم من الحلي والثياب والأقوات وغيرها؛ وسار بعد ذلك إلى أحياء بني واجدزان، ثم إلى أحياء بني سوار من منانة الجبل، وقصد بعد ذلك إلى أجرفرجان، فتبعه تاشفين في قواته، وهنالك نشبت بين الفريقين معركة شديدة، هزم فيها المرابطون وقتل منهم عدد جم. ثم تجدد القتال بعد ذلك، فانهزم تاشفين مرة أخرى، وارتد إلى جهة الميزتابوت، واستولى الموحدون على أسلابه من السلاح والثياب والدواب والعبيد. وهرعت قوات جزولة من مراكش إلى مكان الموقعة لنجدة المرابطين، وطمعت في أن تنتزع الغنائم من الموحدين، فرتب لها عبد المؤمن الكمائن في مضايق الجبل، وقدم الغنائم بين يديه اجتذاباً لها، وخرجت جزولة، وهاجمت ساقة الغنيمة وقتلت بعض حراسها، فخرجت إليها الكمائن الموحدية وأمعنت فيها قتلا حتى أفنتها، واستولت على سائر أسلحتها ودوابها، وكانت جزولة تضم آلافاً من الفرسان والرجالة، وارتد عبد المؤمن صوب بلاد جنفيسة ظافراً. وجاء في رواية أخرى أن عبد المؤمن أراد أن يبني حائطاً في أضيق موضع من الجبل ليحول دون انصراف المرابطين حتى يهلكوا في تلك الهضاب، فأحس تاشفين بمشروعه، وارتد بقواته صوب مراكش، وتركته جزولة عند أحياء رَجراجة، فتصدت لها قوة من الموحدين، بقيادة الشيخ أبى حفص أصناج، ففتكت بها، واستاقت من خيلها إلى تينملل ثلاثة آلاف قسمت على الموحدين، ثم عادت جزولة بعد ذلك، فمالت إلى التوحيد، ودخلت في طاعة الموحدين (١).

стр. 1389

ويتفق ابن عذارى مع ابن القطان في حدوث الموقعة في سنة ٥٣٣ هـ، ولكنه يقدمها إلينا في صورة أخرى، فيقول إن القوات المرابطية كانت بقيادة الأمير تاشفين، ومنهم جملة وافرة من قبائل جزولة، وإن اللقاء وقع بين المرابطين وبين عبد المؤمن في موضع ببني ملول، وان موقعة عظيمة نشبت بين الفريقين، في مفاوز وجبال ضيقة، استمرت شهراً وثلاثة أيام، ثم انجلت عن هزيمة تاشفين. فطارده عبد المؤمن حتى موضع يسمى إيمران تانورت. ويزيد ابن عذارى على ذلك، بأن أبناء جزولة رغبوا في الرجوع إلى بلادهم، فأذن لهم تاشفين، ونصحهم ألا يسلكوا طريق الجبال الوعرة، حتى لا يتعرضوا لمهاجمة الموحدين، ولكن جزولة لم يصغوا إلى نصحه. وكان عبد المؤمن قد رتب كمائنه في هذا الطريق الجبلي، فما كادت جزولة تسلك هذا الطريق، حتى انقض عليها الموحدون وفتكوا بهم فتكاً ذريعاً، واستولوا على نسائهم وخيلهم وسلاحهم، واستاقوهم إلى تينملل. ثم رغب أشياخ جزولة بعد ذلك في مسالمة الموحدين، والدخول في طاعتهم، فأصدر لهم عبد المؤمن أماناً وظهيراً بذلك (١). وفي سنة ٥٣٤ هـ خرج تاشفين بجيش ضخم من لمتونة والحشم وزناتة، لقتال الموحدين ومعه فرقة من النصارى المرتزقة بقيادة " الإبرتير "، واستمرت المعارك بينه وبين الموحدين زهاء شهرين. ووقعت المعركة الأخيرة بينهما في شوال من هذا العام، وقتل فيها كثير من الفريقين. وعلى أثر ذلك ارتد تاشفين إلى مراكش وعاد الموحدون إلى تينملل (٢). ويبدو من أقوال البيذق أنه قد وقعت في ذلك الوقت معارك أخرى، بين المرابطين والموحدين، بأرض " حاحة " غربي تينملل، وشمالي السوس الأدنى بموضع يسميه البيذق " تيزغور "، وأن الموحدين انتصروا أولا وأحرزوا بعض الغنائم، ولكن المرابطين استطاعوا أن يحاصروا الموحدين بعد ذلك بهذا الموضع زهاء ستين يوماً، حتى استنفد الموحدون غنائمهم. ثم نشبت بعد ذلك بين الفريقين موقعة جديدة، هزم فيها الموحدون أولا، ثم انقلبت الآية ووقعت الهزيمة على المرابطين. وعلى أثر ذلك ارتد تاشفين في قواته إلى مراكش، ومعه

стр. 1390

زميله قائد الروم المسمى " الإبرتير " جريحاً، وارتد عبد المؤمن في قوات الموحدين إلى تينملل (١). ويجدر بنا قبل الكلام عن المعارك التي اضطرمت بين الفريقين في تلك الفترة، والتي كان يشترك فيها " الإبرتير " قائد الروم باستمرار، أن نذكر كلمة عن هذا القائد النصراني. إن الإبرتير أو الربرتير (٢) حسبما تسميه الرواية العربية، هو بالإفرنجية El Reverter أو Roberto، هو في الأصل سيد (فيكونت) من أشراف برشلونة، حدث بينه وبين أميرها برنجار رامون نزاع، فنزعه ألقابه وأمواله، فغادر برشلونة، وعبر البحر إلى المغرب، والتحق بخدمة الأمير علي بن يوسف. ونحن نعرف أن علي بن يوسف، كان يضم إلى حرسه الخاص، فرقة كبيرة من المرتزقة النصارى، وقد كانت هذه الفرقة الأجنبية تشترك إلى جانب الحشم، أو جند الحرس الخاص، في كثير من المعارك، وتبدي في القتال براعة وبسالة، وتعرف الرواية العربية هذه الفرقة " بالجند الروم "، وتذكر أعمالها في مواطن كثيرة. فلما وفد الربرتير، أو الكونت روبرتو، على بلاط مراكش، عهد إليه علي بن يوسف بقيادة حرسه من النصارى، لما آنسه من براعته وشجاعته. ويقول ابن صاحب الصلاة في وصف الربرتير " أنه كان من أكبر الطغاة بالأندلس نجدة وظهوراً متصلة " (٣). وظهر الربرتير في الواقع في معظم المعارك التي اضطرمت بين المرابطين والموحدين. وترك الربرتير عند مقتله ولدين، اعتنق أحدهما الإسلام، وتسمى باسم على الربرتير، واشتهر فيما بعد بمشاركته في حوادث ميورقة والجزائر الشرقية حسبما نذكر في موضعه. ويبدو مما يذكره لنا البيذق، وابن عذارى أيضاً، أن الربرتير، هو الذي كان يقود الجيوش المرابطية في المعارك التي وقعت بين المرابطين والموحدين في أراضي كَدْميوَه والسوس، في ذلك العام أو في العام التالي، وتفصيل ذلك، هو أن الربرتير، التقى بقواته مع الموحدين بقيادة عبد المؤمن أولا في مكان يسمى

стр. 1391

أمسيميصي، وهو يقع في أراضي كدميوه، شمال تينملّل، ولم تقع بين الفريقين موقعة حاسمة، فارتد كل منهما إلى أراضيه. ثم عاد الربرتير فخرج في قوات لمتونة، وخرج عبد المؤمن للقائه، فالتقيا بموضع يسمى آجظرورر، فهُزم المرابطون، وقتل منهم عدد جم، وارتد الربرتير في فلوله جريحاً إلى مراكش، وعاد الموحدون إلى تينملل. ويضع البيذق وكذلك ابن عذارى تاريخ هذه الموقعة في سنة ٥٣٥ هـ (١). وخرج عبد المؤمن بعد ذلك في قواته إلى أرض السوس، وهاجم حصن تنلين، وكان يدافع عنه حاكمه المرابطي يرجين بن ويدّرن، فبدأ الموحدون بحصاره، ولكن قدمت القوات المرابطية عندئذ بقيادة الربرتير، فغادر الموحدون الحصن، ودخلوا أرض السوس، واستولوا تباعاً على إيرمناد ميمون، وتاسلولت ثم على تارودَنت قاعدة السوس الأدنى، ثم على حصن تيونوين. وهزم اللمتونيين في كل المواقع التي نشبت، واستولى الموحدون خلال ذلك على كثير من الغنائم، وسبوا النساء، وعادوا بالغنائم والأسرى إلى تينملّل. وكان من الحوادث التي وقعت في تلك الغزوة، وفقاً لرواية صاحب الحلل الموشية أن الفلاّكي الأندلسي انضم بمن معه إلى الموحدين (٢)، وقد سبق أن ذكرنا أن هذا الانضمام قد وقع في تاريخ سابق، قبل ذلك بعد أعوام. وفي نفس الوقت هاجم الربرتير محلة تيغيغايين الموحدية، وسبى نسائها، وفي جملتهن زوجة يعزّي بن مخلوف, وأخذهن معه إلى مراكش، ولما عاد عبد المؤمن بالسبايا إلى تينملل، خاطبته تماجونت ابنة الوزير ينتان بن عمر، وكانت بين الأسرى، وذكرته بما قام به والدها ينتان من الشفاعة في المهدي، وقت أن كان بمراكش، وحرض الفقهاء عليّ بن يوسف على التنكيل به، وناشدته أن يسرحها هي وسائر النساء اللائي معها، فاستجاب عبد المؤمن إلى ضراعتها، وأطلق النساء، وبعثهن إلى مراكش معززات مكرمات، فبادر علي بن يوسف من جانبه، بإطلاق سراح نساء تيغيغايين، وفي مقدمتهن زوجة يعزّي بن مخلوف، وأرسلهن كذلك في أمن وكرامة إلى تينملل. وكان هذا عمل فروسية مشكورة من الجانبين (٣).

стр. 1392

- ٢ - لبثت المعارك التي تضطرم بين المرابطين والموحدين، منذ وفاة المهدي ابن تومرت زهاء عشرة أعوام، منحصرة في مناطق الأطلس، جنوبي مراكش، في وادي درعة وبلاد السوس، وفي بلاد حاحة من أحواز تينملل، وقد كان النصر حليف الموحدين في معظم هذه المعارك. بيد أن انحصار الصراع في هذا النطاق المحدود من الإمبراطورية المرابطية، لم تترتب عليه أية نتائج حاسمة، ومن ثم فقد كان لزاماً على الموحدين أن ينقلوا مسرح الصراع إلى قلب الإمبراطورية المرابطية، حتى يتاح لهم أن يضربوها في الصميم. وأن يقضوا عليها القضاء الأخير. وهذا ما اعتزمه عبد المؤمن في الواقع، واستدعى من أجله سائر حشود الموحدين، من كل صوب وقبيل. وفي سنة ٥٣٥ هـ (١١٤٠) خرج من تينملل بعد أن استخلف عليها صهره أبا عمران موسى بن سليمان، في جيش ضخم، يضم مجموعة كبيرة من الفرسان والرجّالة، وسار في طرقات الجبل نحو الشمال الشرقي. ويفصل لنا البيذق، وقد كان من شهود هذه الحملة الكبيرة، خط سير الجيش الموحدي، فيقول لنا إن عبد المؤمن سار أولا إلى موضع يسمى وانزال، ثم إلى موضع يسمى وفاد، وسار من وفاد إلى أشبار، وهي محلة تقع على مقربة من جنوب شرقي مراكش. وفي تلك الأثناء خرج جيش المرابطين بقيادة تاشفين من مراكش، فغادر الموحدون أشبار إلى مكان قريب يقع في الشمال الشرقي، ويسمى تاساوت، ولحق المرابطون بأشبار. ثم غادر الموحدون تاساوت إلى دمنات الواقعة شرقي مراكش، على قيد نحو سبعين كيلومتراً منها، وسار المرابطون في نفس الوقت إلى يمللُّو الواقعة شمال شرقي دمنات. ولم تقع خلال ذلك معارك ذات شأن بين الفريقين، ولكن القبائل والعشائر الواقعة في طريق الموحدين، كانت تدخل في طاعتهم تباعاً، واستمر الموحدون في مسيرهم شمالا بشرق حتى واويزغت، ثم إلى داي الواقعة جنوب تادلا. ووقعت خلال ذلك بين الفريقين معركة محلية في موضع يقال له تيزي، انتهت حسبما يقول البيذق بهزيمة " الفئة الباغية " أي المرابطين. ولما وصل الموحدون إلى داي، فر حاكمها المرابطي على بن ساقطرا، واستولى عليها الموحدون دون مقاومة. وأعلن من كان بها من

стр. 1393

صنهاجة بيعتهم للموحدين، وطالبوا عبد المؤمن بالافراج عمن كان معه من أسرى صنهاجة، فأجاب مطلبهم. وسار الموحدون بعد ذلك حتى تازاجارت، وكان يدافع عنها حاكمها المرابطي يحيى بن ساقطرا، فاقتحموها، واستولوا على خيلها وغنائمها، واقتحموا من بعدها قلعة واوْما، وكان يدافع عنها يحيى بن سير، واستولوا عليها، ثم استمروا في سيرهم حتى آزروا، التي تقع في قلب منطقة فازاز على قيد نحو مائة كيلومتر من شمالي شرقي تادلا، فدخلوها ونزلوا بها. وبعث عبد المؤمن، بضعة فرق من جيشه لتخضع الأنحاء المجاورة فقامت بمهمتها، وعادت إلى آزور، وأرسل في نفس الوقت بعض الأشياخ إلى تينملل يحملون إليها أخبار الحملة، وليطمئنوا على أحوالها. ودخل أهل فازاز جميعاً في طاعة الموحدين (١). وغادر عبد المؤمن والموحدون آزور شمالا نحو فاس التي تبعد عنها زهاء ستين كيلومتراً. وكان تاشفين قد وصل في تلك الأثناء في القوات المرابطية ومعه الربرتير إلى فاس. ويصف لنا صاحب البيان المغرب سير الجيشين على هذا النحو في قوله: " كان الموحدون يمشون في الجبال المانعة حيث الأرزاق الواسعة، وكان تاشفين ينزل البسائط بعساكره، فما يجد من البرابر من يداخله ولا من يستعين به، فيواصله، وذلك بسبب إدباره إلى أن استقر عبد المؤمن بالجبال المجاورة لجهة فاس المعروفة بكراندة، ونزل تاشفين بحصن بالموضع المذكور " (٢). وهكذا عسكرت الجيوش المرابطية والموحدية، كل منها على مقربة من فاس عاصمة المغرب القديمة، وكان ذلك حسبما يستخلص من أقوال البيذق، وابن عذارى، في أواخر سنة ٥٣٥ هـ (١١٤١ م). وكان الوقت شتاء، والشتاء قاسياً، والمطر ينهمر بشدة. والظاهر أن المرابطين لم يحتاطوا لقسوة الطقس فعصف بهم البرد، وأقاموا شهوراً دون حطب ولا فحم، حتى أنهم اضطروا لحرق أوتاد أخبيتهم، وخشب أبنيتهم، ومات كثير منهم من البرد. وفي أثناء ذلك خرجت القوات المرابطية من فاس ومكناسة، ومعها المؤن والميرة، تقصد إلى محلة المرابطين، ولكنها اختلفت أثناء الطريق واقتتلت، ففر البعض منها، وسار

стр. 1394

أحد قادتها. وهو يحيى بن علي، هو ومن معه إلى محلة الموحدين، وسلموا، واعترض الموحدون قوة أخرى منها يقودها ابن ولجوط على طريق مكناسة، وفتكوا بها، وقتلوا معظمها واستولوا على ما معها من المؤن والعتاد. وعبر الموحدون بعد ذلك إلى جبال الأطلس الوسطى، وهاجموا القواعد المرابطية في غريس الواقعة جنوب آزروا، وتودجا الواقعة شمال سجلماسة، وسيطروا على وادي مَلْوية الواقع في شرق آزروا، ودخل القادة المرابطون في تلك الأنحاء في طاعتهم. ولما شعر والي سجلماسة المرابطي أبو بكر بن صارة، باقتراب الموحدين من قاعدته، خرج إليهم، وقصد عبد المؤمن، وأعلن خضوعه، فتقبل منه ذلك عبد المؤمن، وصرف النظر عن مهاجمة سجلماسة، وعاد إليها واليها (١). وفي أواخر سنة ٥٣٥ هـ، وأوائل سنة ٥٣٦ هـ (صيف سنة ١١٤١ م) نرى عبد المؤمن وجيوشه الموحدية تندفع نحو الشمال في غزوات مستمرة، تستغرق بضعة أعوام، وتشتبك مع الجيوش المرابطية المختلفة، في معارك متعاقبة، في أواسط المغرب وشماله، وقد بدأت هذه المعارك منذ المحرم من العام المذكور، حيث خرجت قوة موحدية بقيادة عبد الرحمن بن زجّو أحد أهل خمسين، وهاجمت صفرو واقتحمتها، واستولت على غنائمها. ثم لحقت ببقية الجيش الموحدي في جهة الفلاج، الواقعة شمال شرقي صفرو. وكان تاشفين قد غادر عندئذ أحواز فاس، وعسكر في جبل العرض الواقع في شرقها. وبعث الربرتير قائد الجند النصارى في قوة إلى الفلاج. فخرج إليه الموحدون بقيادة يحيى آغوال، ونشبت بين الفريقين معركة، هزم فيها الموحدون وقتل قائدهم، واحتز رأسه وأرسل إلى فاس. وعلى أثر ذلك سار الموحدون نحو أرض غيّاثة الواقعة شرقي فاس، وجنوبي رباط تازة، وهي من أرض زنانة، وضربوا محلتهم بها فوق جبل عفرا، وسار المرابطون في نفس الوقت إلى موضع في السهل يسمى النواظر، يقع على مقربة من جبل عفرا من ناحية تازا. وهنا دخل الشتاء بقره. وكان شتاء قاسياً توالت فيه الرياح العاصفة، والأمطار الغزيرة، بضعة أسابيع، فأغرقت السهول واكتسحت الوديان والقرى، وقاسى منها العسكران أيما عناء وشدة، وكان وقعها على

стр. 1395

المرابطين في السهل أشد وأنكى، حيث تساقطت الخيام، وعامت أوتادها لرخاوة الأرض، وغرقت الدور، ومات كثير من المرابطين برداً وجوعاً، وعزت الأقوات والوقود في المعسكرين، وبلغ سعر الشعير وفقاً لقول البيذق في معسكر الموحدين " ثلاثة دنانير للسطل، وبلغ الحطب عند تاشفين ديناراً للرطل "، ولم ترفع هذه الغمة إلا حينما دخلت طوالع الربيع، وكان ذلك حسبما يحدثنا البيذق سنة ست وثلاثين وخمسمائة (أوائل سنة ١١٤٢ م) (١). هذا ما يقوله لنا البيذق عن حملة الموحدين إلى غياثة، فهو أولا يضع تاريخها في سنة ٥٣٩ هـ، وهو ثانياً لا يذكر لنا أنه قد وقعت هنالك أية معارك بين الموحدين والمرابطين، وإنما وقعت بعد ذلك في أماكن أخرى. ولكن ابن القطان يقدم إلينا رواية أخرى تختلف عن رواية البيذق اختلافاً بيناً، وهو أولا يضع تاريخها في سنة ٥٣٢ هـ، ثم يقول لنا إنه لما نزل الموحدون بجبل غياثة خرج إليهم سير بن علي بن يوسف في القوات المرابطية، ونزل بجراندة عند وادي أبى جلوا، وهنالك وافته حشود المغرب بقيادة عبد الله بن يحيى بن تيفلويت، واجتمعت من حشود زناتة قوة أخرى من نيف وخمسة آلاف فارس بقيادة يحيى ابن فانّو، وفي أثناء ذلك وحّد زيري بن ماخوخ من أشياخ زناتة، ولحق بعبد المؤمن، وطلب عسكراً يقوده ضد المرابطين، فأسعفه الخليفة بما طلب، وقدم إليه عسكراً تحت إمرة أحد أشياخ الموحدين، فأخذ يهاجم الحشود المرابطية، ويقتل العدد الجم من رجالها، وينتهب سلاحها ومتاعها. ثم توفي قائد عسكر زناتة يحيى بن فانو، فخفله في القيادة ولده محمد. وأرسل زيري إلى إخوانه من مشايخ زناتة يحرضهم على النكث، وأن يعملوا لهزيمة المرابطين. ثم وجه الخليفة قوة موحدية مختارة مع زيري، فقصدت إلى محلة زناتة، وهاجمتها، ونشبت بين الفريقين معركة هزمت فيها زناتة، وانتصر الموحدون. وكان سير بن علي، قد علم أن عبد المؤمن يزمع السير إلى أرض غُمارة، فرتب له في الطريق ألفي فارس، تقيم وتستبدل باستمرار لتعيق سيره، واستمر ذلك مدى شهرين (٢).

стр. 1396

وهذا ما يقوله ابن القطان عن حملة غياثة. وربما اختلط عليه القول هنا بأخبار حملة موحدية أخرى. ونحن على أي حال نفضل الأخذ برواية البيذق، وهو معاصر وشاهد عيان. يقول البيذق إنه لما هدأت الرياح، وبدأ الربيع، استأنف الموحدون زحفهم. ويمضي البيذق، وقد كان من شهود هذه الحملة الشهيرة، فيصف لنا سير عبد المؤمن نحو الشمال تفصيلا. وكان أول موضع قصده الموحدون عندئذ، أرض لُكاي الواقعة شمالي شرقي فاس، في منتصف المسافة بينها وبين البحر المتوسط. وهنالك استولوا على قلعة الولجة من حصونها. وسار المرابطون بقيادة تاشفين والربرتير في أثر الموحدين، وحاولوا تطويقهم في أرض بني سلمان، ولكن الموحدين أحبطوا هذه الحركة بالسير إلى أرض بني غُمارة، من بطون صَنهاجة، الذين انضموا إليهم، ودخلوا في طاعتهم، ثم جازوا منها إلى أرض لُجاية. وعندئذ سار تاشفين والربرتير إلى أرض بني تاودا ونزلوا بها، فكان بينهم وبين الموحدين نهر ورغة وواديه .. وهنا خرج الربرتير في قوة مختارة من المرابطين والجند النصارى، واشتبك مع الموحدين في موضع يقال له تازغدرا، في معركة عنيفة، قتل فيها كثير من الفريقين، ثم ارتد الربرتير إلى بني تاودا، وسار الموحدون إلى تاغزوت، ثم إلى بني مزكلدة، ثم إلى إيلانة ثم إلى أيجن على مقربة من القصر الكبير. وسار تاشفين والربرتير في أثر الموحدين حتى موضع قريب من المعسكر الموحدي يسمى " نهليط ". وفي أيجن مرض عمر أزناج (أصناك) أحد الجماعة العشرة، ولما شعر بدنو أجله، قام فوعظ الموحدين وعظاً طويلا، وحثهم على طاعة الخليفة عبد المؤمن، ثم توفي مساء ذلك اليوم. وسار الموحدون بعدئد إلى تامقريت، ثم إلى وادي لو، أرض بني سعيد، وسار الربرتير في أثرهم حتى وصل إلى تيطاوين (تطوان)، فارتد الموحدون نحو الشمال حتى قلعة باديس الواقعة على شاطىء البحر المتوسط، ودخل في طاعتهم أهل تلك الأنحاء، ثم ساروا بعد ذلك إلى ثغر المزمّة (١)، في شرقي باديس ونزلوا به أياماً، هبت عليهم فيها رياح شديدة، كادت أن تهلك دوابهم، فسماها عبد المؤمن تاغزوت، ثم أقلع عنها إلى جبل تمسامان (٢).

стр. 1397

خريطة: المغرب مواقع غزوة عبد المؤمن الكبرى سنة ٥٣٥ هـ - ٥٤٠ هـ.

стр. 1398

وهنا يقص علينا البيذق قصة غريبة، خلاصتها أنه قد وفد عندئذ على الخليفة عبد المؤمن أخوه إبراهيم، فغمره الخليفة بإكرامه، وأعطاه الخيل والعبيد والخباء، وأنزله في موضع محمد بن أبى بكر بن يكيت، وقد كان أبوه ابن يكيت من أصحاب المهدي العشرة، فاستاء لذلك محمد ووثب بإبراهيم فقتله، فغضب الخليفة لمقتل أخيه أيما غضب، وطالب بقتل ابن يكيت، فاعترض عليه أبو حفص عمر اينتي، وابن واجاج، وقالا له، ألم يقل المهدي، " بأن أهل الجماعة وصبيانهم، عبيدهم كل من في الدنيا "، فصمت الخليفة عندئذ، وعدل عن قراره، ولكنه أمر أن يقسم المعسكر الموحدي إلى فرق أو بنود. وأن يكون لكل قبيلة بندها الخاص (١). وهنا يلاحظ الأستاذ هويثي بحق " أنه ليس أقطع دليلا من ذلك على التعصب الأعمى، الذي كان يضطرم به الموحدون الأوائل، ويدافعون به عن مزايا وامتيازات نظامهم الديني " (٢). وفي أثناء ذلك خرج عبد الرحمن بن زجّو في قوة من الموحدين، وزحف على ثغر مليلة، واقتحمه، وحصل على غنائم كثيرة، كان من بينها مائة بكر، قسمها عبد المؤمن على أعيان الموحدين، فتزوجوهن، وبقيت منهن أميرتان، هما فاطمة بنت يوسف الزناتية، وابنة ماكسن بن المعز صاحب مليلة، فأخذ الشيخ اسماعيل أبو ابراهيم أحد العشرة فاطمة، وأخذ الخليفة بنت ماكسن. ثم رحل الموحدون بعد ذلك إلى ندرومة وبلاد كومية، قبيلة عبد المؤمن، فدخلت جميعاً في طاعة الموحدين. وسار الموحدون بعد ذلك إلى تاجرا الواقعة على البحر شرقي مليلة، فنزلوا بها (٣). وكان الجيش الموحدي قد تضخم عندئذ، ودخل في طاعة الموحدين، عدد كبير من القبائل والبطون الشمالية. ومن تاجرا خرجت ثلاث قوات موحدية، الأولى بقيادة عبد الرحمن بن زجّو، وقد سارت شمالا بشرق، وهاجمت ثغر وهران، واقتحمته واستولت على غنائمه، والثانية بقيادة الشيخ أبي إبراهيم، وقد سارت إلى أرض بني وانوان واستاقت غنائمها، وخرجت الحملة الثالثة بقيادة

стр. 1399

يوسف بن وانودين، وسارت إلى جبل مديونة من أحواز تلمسان، فخرج إليها المرابطون من نلمسان بقيادة أبى بكر بن الجوهر، ومحمد بن يحيى بن فانّو، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة في وادي الزيتون، هزم فيها المرابطون، وقتل قائداهما. ووفد على الخليفة عندئذ، عدد من زعماء القبائل المجاورة، وأعلنوا خضوعهم. ثم رحل الخليفة من تاجرا إلى تيفسرت من أرض مديونة، وخرجت عندئذ قوة موحدية بقيادة الشيخ أبى حفص عمر اينتي ويصلاصن بن المعز إلى العيون من أراضي قبيلة صاء غربي وجدة، وغلبت على قبائل تلك الناحية، وهم أربعة، واستولت على غنائمهم. وكانت الجيوش المرابطية بقيادة تاشفين والربرتير، قد ارتدت عند دخول الشتاء إلى مراكزها في فاس، وبقي الموحدون في مراكزهم في أحواز تلمسان. - ٣ - وفي تلك الأثناء تطورت الحوادث بمراكش تطوراً خطيراً، فقد توفي أمير المسلمين علي بن يوسف، في السابع من شهر رجب سنة ٥٣٧ هـ (يناير سنة ١١٤٣ م)، وكانت حوادث الأعوام الأخيرة من حكمه، وما توالى فيها من محن وخطوب، ترتبت على قيام المهدي ابن تومرت، وتوالى ظفر الموحدين، وهزائم الجيوش المرابطية، قد فتت في عضده، وحطمت قواه، وأذكت آلامه المعنوية، فتوفي غماً وألماً، وهو يشهد نذر النهاية المروعة جاثمة في الأفق. فكتم نبأ وفاته ثلاثة أشهر حتى السابع من شوال، ثم أعلنت بعد ذلك ولاية ولده أبى محمد تاشفين، وكان أبوه قد قلده ولاية عهده، وبويع بها منذ سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل في موضعه (١). وكان علي بن يوسف خير أمراء الدولة المرابطية، بعد أبيه العظيم يوسف. ونستطيع أن نعتبر حكمه، الذي امتد سبعة وثلاثين عاماً مذ ولي الملك بعد وفاة أبيه في المحرم سنة ٥٠٠ هـ، هو عصر الدولة المرابطية الحقيقي، بعد أن توطدت

стр. 1400

دعائمها في المغرب والأندلس، وفي أوائل عهده، وصلت الدولة المرابطية إلى ذروة قوتها وضخامتها، بيد أنه سرعان ما ظهرت حركة المهدي ابن تومرت حتى انقلبت الآية، وأخذ الانحلال يسري إلى ذلك الصرح الشامخ، وأخذت الدولة المرابطية، تسير سراعاً إلى قدرها المحتوم. ومما يؤثر عن علي بن يوسف، أنه كان أول من استخدم النصارى في الجيش المرابطي. وقد بدأ في ذلك حينما وقع تغريب النصارى المعاهدين بالأندلس في سنة ٥٢١ هـ (١١٢٧ م)، حيث استخدم جماعة من الذين قضى بتغريبهم في حرسه الخاص، وكان ما أبداه أولئك الجند النصارى من الغيرة والإخلاص، مشجعاً له على التوسع في استخدامهم، واستقدامهم من شبه الجزيرة، ودعوة أنجادهم من الفرسان، وهكذا انتظمت في الجيش المرابطي فرقة أو فرق خاصة من المرتزقة النصارى. وفي أواخر عهد علي، عهد بقيادة هذه الفرق الأجنبية إلى الفارس القسطلاني الإبرتير أو الربرتير كما تقدم، وأخذت تقوم بدور هام في المعارك التي كانت تضطرم يومئذ بين المرابطين والموحدين. ويقول لنا صاحب البيان المغرب أن علياً كان يؤثر أولئك الجند النصارى، ويمكن لهم، وكانوا في ظل هذه الرعاية الخاصة يتعالون على المسلمين، ويفرضون عليهم المغارم. ولما اضطربت الأمور في أواخر عهد علي، أهمل الجند المسلمين، وعجز الأمير عن الإنفاق عليهم، حتى كان أكثرهم يكرون دوابهم (١). ومما يذكره لنا ابن عذارى في هذا الصدد أيضاً، أن أمير المسلمين علياً، حينما رأى توالي فشل ولده تاشفين في محاربة الموحدين، ساءه ذلك، وعزم على إقالته، وأن يقدم مكانه ولده إسحاق، وكتب بالفعل إلى عامله على إشبيلية عمر، بالقدوم، ليجعله مدبر ولده، وكان ذلك في سنة ٥٣٦ هـ. بيد أنه يبدو أنه لم يجد متسعاً من الوقت لتحقيق هذا العزم، إذ توفي بعد ذلك بأشهر قلائل (٢). وكان من الأحداث البارزة في أواخر عهد علي، السيل العظيم الذي وقع بطنجة، في سنة ٥٣٢ هـ، وقد اكتسح معظم دورها وصروحها، وهلك فيه عدد عظيم من الناس، والدواب (٣). ثم الحريق الكبير الذي وقع في العام التالي بسوق

стр. 1401

مدينة فاس (٥٣٣ هـ)، وتلفت من جرائه طائفة كبيرة من الدروب التجارية، وهلكت فيه أموال جليلة، وافتقر كثير من الناس (١). وكان منها أيضاً، أنه في سنة ٥٣٥ هـ، هاجرت جموع عظيمة من أهل المغرب، من مختلف نواحيه، إلى الأندلس. وهذا ما يذكره لنا ابن عذارى نقلا عن ابن حمادة. والظاهر أن ذلك كان راجعاً إلى توالي ظفر الموحدين على المرابطين، وتوجس أنصار المرابطين وأوليائهم مما قد يؤول إليه الأمر من انهيار سلطان المرابطين بالمغرب (٢). وعلي بن يوسف هو الذي وسع مدينة مراكش، وعمرها، ونظم خططها، حتى غدت أضعاف ما كانت عليه عند إنشائها، وأنشأ بها الجامع، والقصر المرابطي، ونظم سقايتها، وأدار أسوارها، حتى غدت في عصره حاضرة عظيمة (٣). وتنوه الرواية بخلال علي بن يوسف، وتصفه بأنه كان ملكاً عظيماً، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة عظيم السياسة (٤)، وكان فوق ذلك ورعاً متعبداً، يحب العلماء ويؤثر مجالسهم (٥). بيد أنه لم يكن في ذلك صنو أبيه العظيم في الاقتصار على الاسترشاد بآرائهم دون خنوع واستسلام، بل كان يخضع لأهوائهم، ويترك لهم الكلمة العليا. وقد رأينا ما كان في استسلامه لهم، من الحجر على حرية الفكر، ومطاردة كتب الغزالي وإحراقها، لما كانت تتسم به من إيثار لعلم الأصول، وقد كان هذا من أكابر أخطائه، ومن دلائل استسلامه لأهوائهم وتعصبهم. وكان البلاط المرابطي في عهد علي بن يوسف، يزدان سواء في المغرب أو الأندلس بعدة من أكابر الكتاب، وأعلام البلاغة في ذلك العصر. وكان في مقدمة هؤلاء أبو بكر بن القصيرة المتوفى سنة ٥٠٨ هـ، وقد كتب عن يوسف ابن تاشفين، ثم عن ابنه علي، وأبو القاسم ابن الجد المعروف بالأحدب، وأبو بكر بن عبد العزيز البطليوسي، المعروف بابن القبطُرنة، وأخواه أبو الحسن

стр. 1402

وأبو محمد، وأبو عبد الله بن أبى الخصال وأخوه أبو مروان، وأبو محمد عبد المجيد بن عبدون وزير بني الأفطس السابق (١). وأبو جعفر أحمد بن محمد ابن عطية القضاعي، وقد خدم تاشفين بن علي من بعد أبيه، ثم انتقل فيما بعد إلى خدمة عبد المؤمن حسبما يجىء (٢). وكان أنبههم وآثرهم لدى علي بن يوسف، أبو عبد الله بن أبى الخصال المتوفى سنة ٥٤٠ هـ. وقد كان من أعظم علماء العصر وكتابه وبلغائه. وكان اجتماع هذه الجمهرة من أعلام البلاغة في البلاط المرابطي، أثر من آثار قصور الطوائف، التي امتازت بحشد أقطاب الكتاب والأدباء من وزرائها، وأغدقت عليهم حمايتها ورعايتها. وكان على قد استوزر في أواخر عهده، إسحق بن ينتان بن عمر بن ينتان، وكان فتى حدثاً لم يجاوز الثامنة عشرة من عمره، ولكنه كان يتوقد ذكاء وفطنة وعزماً، فأعجب به علي، وولاه خطة المظالم والشكايات، فأبدى في منصبه براعة وكياسة، فانتفع به الناس وأحبوه، وكان حسبما تصفه الرواية " مثل كاهن يأتي بعجائب الأخبار " (٣). هذا، وأما عن شخصه، فإن الرواية تصف علي بن يوسف، بأنه كان أبيض اللون، مشرباً بحمرة، حسن القد، صبوح الوجه، أفلج، أقنى، أكحل العينين، سبط الشعر (٤). وكان لعلي من الولد الذكور، أحد عشر، ولكنه لم يترك من أولاده الأحياء بعده سوى ولي عهده وخلفه تاشفين. أما ولده الأكبر سير، فكان قد توفي قبل وفاته بمدة طويلة، وكذلك توفي أولاده الآخرون قبل وفاته، ومنهم ولده أبو بكر، وقد كان والياً بالأندلس. وفي رواية أنه قد غُرِّب بأمر أبيه إلى الصحراء حينما اعترض على تعيين أخيه تاشفين لولاية الأندلس، وفي أخرى أنه أصيب إصابة أقعدته، فحُمل على أعناق الرجال حتى الجزيرة، ولكنه سجن هناك حتى توفي، واشتد ألم أبيه على فقده.

стр. 1403

- ٤ - وكانت دولة المرابطين في تلك الأعوام الأخيرة من حكم علي بن يوسف، قد اضطربت أحوالها واهتزت أسسها، وفقدت كثيراً من قواعدها وأراضيها، وسادت الفوضى في كل ناحية، وساءت الأحوال الاقتصادية من توالي الحرب، وعزت الأقوات والموارد، وارتفعت كلفة العيش، وعانى الناس مشقات وشدائد. وما كاد علي بن يوسف يختفي من الميدان، حتى وقع ما هو أخطر، من تصدع الجبهة المرابطية وتفرق كلمتها. وذلك أن الخصومة قد اضطرمت بين قبيلتي لمتونة ومسّوفة وهما دعامتا العصبة المرابطية، وخرج عدة من زعماء مسّوفة على حكومة مراكش، ورأوا، أن يلوذوا بحماية الموحدين، فسار منهم يحيى ابن تاكفت، وبرّاز بن محمد، ويحيى بن إسحاق المعروف بأنجمار. حاكم تلمسان السابق، في صحبهم وأتباعهم، إلى محلة الموحدين، وقدموا طاعتهم إلى عبد المؤمن، وكانت هذه ضربة جديدة لتاشفين بن علي، فاشتد الاضطراب في الجبهة المرابطية، ووغرت صدور اللمتونيين على مسوفة، وأخذ يتربص بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضاً. وكان ممن انشق على تاشفين في تلك الفترة، بني ومانّو من بطون زناتة، وقدّم أشياخهم طاعتهم إلى عبد المؤمن، فبعثهم مع بعض قواته إلى بلادهم، فأعلنوا طاعتهم جميعاً للموحدين. ولما علم تاشفين بخروج بني ومانّو، وجه إليهم عسكراً على رأسه الرّبرتير، فسارع الموحدون إلى إنجادهم، وتحصن بني ومانّو ببعض التلال، فصعد إليهم المرابطون، يحاولون اقتحام مراكزهم، ولكنهم ردوا المرابطين على أعقابهم. وعلى أثر ذلك سار جيش موحدي بقيادة ابن وانودين، وابن زجّو، وابن يومور، إلى بلاد بني عبد الواد وبني يلومي وهم من أنصار المرابطين، وعاث في تلك المنطقة، واستاق كثيراً من الغنائم، ولكن فاجأته حين العودة قوة من المرابطين من زناتة واستولت على معسكر الغنائم، وقتلت كل حراسه وهم من بني ومانّو وعددهم ستمائة رجل، وتحصن الموحدون بجبل هنالك، وسار عسكر المرابطين إلى موضع يسمى منداس بلد بني يلومي من بطون زناتة، فاجتمع إليه بني يلومي، وعدة أخرى من البطون. ولما علم عبد المؤمن بما حدث، سار بقواته من أحواز تلمسان إلى أرض يلومي، وكان الأمير تاشفين قد قدم في نفس الوقت إلى تلمسان، وحشد فيها

стр. 1404

عسكراً، وأرسله على عجل إلى محلة المرابطين في منداس، وكذلك انضم إليهم الرّبرتير في قواته، واجتمعت بذلك للمرابطين حشود ضخمة. فلما شعر عبد المؤمن بتفوق خصومه، لجأ إلى خطة حربية جديدة مبتكرة، هي خطة المربع الموحدي الذي اشتهر فيما بعد، وأضحى عماد خطط الدفاع الموحدية في الميدان المكشوف، وقد وصف لنا ابن اليسع خلاصة هذه الخطة، نقلا عن بعض الموحدين فيما يلي: " أن تُصنع دارة مربعة في البسيط يجعل فيها من جهاتها الأربع صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، والطوارق المانعة، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفاً ثانياً، ومن ورائهم أصحاب المخالي فيها الحجارة صفاً ثالثاً، ومن وراء هؤلاء الرماة صفاً رابعاً. وفي وسط المربعة، ترابط قوى الفرسان ". يقول ابن اليسع " فكانت خيل المرابطين إذا دفعت إليهم، إلى الموحدين، لا تجد إلا الرماح الطوال الشارعة، والحراب والحجارة والسهام ياسرة. فحين ماتوا من الدفع وتدبر، وأخرج خيل الموحدين من طرق تركوها، وفرج أعدوها، فتصيب من أصابت، فإذا كرت عليهم دخلوا في غاب القنا " (١). وهكذا فإنه حينما نشب القتال بين المرابطين والموحدين في منداس، ظهرت آثار الخطة الدفاعية الموحدية واضحة في عجز المرابطين على تفوقهم في العدد والعدة، عن النيل من خصومهم. وبالعكس فقد أثخن الموحدون في خصومهم، وردوهم الكرة بعد الكرة بخسائر فادحة، واستمر القتال على أشده ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع أحرز الموحدون على خصومهم. نصراً باهراَّ، واحتووا على محلتهم، ومحلات حلفائهم من بني يلومي وغيرهم، واستولوا على غنائم فادحة، تقدرها الرواية بثلاثين ألفاً من الغنم، واثني عشر ألفاً من البقر. بيد أنه حينما ارتد عبد المؤمن بغنائمه صوب الصخرتين من أحواز تلمسان، اعترضه الربرتير في قواته، وهاجمه بشدة واسترد معظم الغنائم، وقتل من كومية قبيلة عبد المؤمن نحو أربعمائة رجل. ثم سار في قواته وغنائمه إلى تلمسان، فانضم هناك إلى قوات الأمير تاشفين (٢). وفي خلال ذلك الصراع المرير الذي استغرق قوى المرابطين، وصل إلى

стр. 1405

مياه سبتة أسطول نورماني ضخم قوامه مائة وخمسون سفينة، وأغار أولئك النورمان (المجوس) على سبتة، محاولين اقتحامها، فخرجت إليهم سفن المرابطين بقيادة أمير البحر ابن ميمون، ووقعت بين الفريقين معركة بحرية عنيفة، غرقت فيها من الجانبين سفن عديدة، وقتل من الفريقين خلق كثير. وكان ذلك في سنة ٥٣٨ هـ (١). ودل ذلك الحادث على أن القوات البحرية المرابطية، كانت ما تزال، بالرغم مما حدث في داخل المغرب، يقظة ساهرة، على حراسة الشواطىء والثغور المغربية المرابطية. ووقع بعد ذلك بقليل حادث كان له في مركز المرابطين أسوأ الأثر هو مصرع الرّبرتير قائد " الروم ". وتختلف الرواية في شرح هذا الحادث وفي تفاصيله. ويقدم إلينا البيذق رواية خلاصتها، أن عبد المؤمن وجه حشود جزولة لقتال الربرتير، وكانوا بموضع يسمى " بكيرس "، فسار الربرتير في قواته للقائهم، وكانت جزولة تحتمي وراء خندق، فاستطاعوا أن يردوا الربرتير، فولى عنهم مهزوماً، وكتب إلى عبد المؤمن كتاباً يسدي فيه النصح، ويقول إن جزولة، قد غدروا بإخوانهم، وهم بلا ريب سوف يغدرون بك، وعندئذ عمد عبد المؤمن إلى تجريدهم من خيلهم وسلاحهم، ثم قتلهم جميعاً إلا الصبيان الصغار، واستولى على غنائمهم. فلما علم الربرتير بذلك قرر أن يسير لمهاجمة الموحدين، واستخلاص الغنائم منهم، فلم يعترض تاشفين على رغبته، ولكنه لم يسر معه، والتقى الربرتير بالموحدين في موضع يسمى " تاكوط آن تيفسرت " ونشبت بينه وبين الموحدين معركة عنيفة هلك فيها هو ومعظم جنده، ولم يسلم من عسكره حسبما يحدثنا البيذق سوى ستة، ثلاثة من الروم، وثلاثة من المرابطين، يذكر لنا البيذق أسماءهم. وكان ذلك في سنة ٥٣٩ هـ (١١٤٤ م) (٢). ويذكر لنا ابن عذارى من جهة أخرى مصرع الربرتير في جملة موجزة يقول فيها " في سنة تسع وثلاثين خرج قائد الروم بعسكره، ومعه عسكر لمتونة والحشم، فهزمهم الموحدون، وقتل القائد المذكور". وهذا ما ورد في الأوراق المخطوطة التي بين أيدينا من البيان المغرب. ولكن ابن عذارى يحاول فيما بعد، أن ينقل تفاصيل مصرع الربرتير عن ابن صاحب الصلاة، وذلك في القسم
следующие страницы →