ودفن مؤقتاً بمجلسه بالقصر، وكتمت وفاته حيناً، ثم نقل رفاته إلى تينملل، ودفن بها، وثارت حول اختفائه بعض الروايات والأساطير، فزعم البعض أنه ترك الملك وأضحى مرابطاً بالأندلس، وزعم آخرون أنه تزهد وساح فى البلاد، وقصد المشرق ومات خاملا، ودفن بالشام، إلى غير ذلك (١).
وبوفاة المنصور يختتم عهد من ألمع عهود الدولة الموحدية.
- ٤ -
كان الخليفة يعقوب المنصور أعظم خلفاء الدولة الموحدية، إذا استثنينا جده عبد المؤمن، مؤسس الدولة وموطد دعائمها. وفى ظله بلغت الدولة الموحدية أوج قوتها وعظمتها، وظهرت على يديه روعة الملك وفخامته، فى أبهى حللها.
ويصفه ابن الخطيب بأنه كان " نجم بنى عبد المؤمن " وهى كلمة قوية جامعة (٢). وتشيد الرواية الإسلامية بخلال المنصور، وتفيض فى استعراض مآثره، وامتداح تصرفاته وسياسته، سواء من الناحية الداخلية أو من الناحية الخارجية، وتشيد بنوع خاص بغيرته فى الجهاد، وتفانيه فى الذود عن قضية الإسلام بالأندلس، ومن ثم كانت عنايته بتنظيم الجيش وتنميته، وشحنه بالفرق الجديدة من الفرسان والرجّالة، وتزويده بموفور العتاد والسلاح، والإنفاق عليه بسعة وسخاء، وإعداده للجهاد بصفة مستمرة. وكان يعنى بتوفير أرزاق الجند، ومنحها فى مواعيدها المقررة. وكان نظام العطاء فى الجيش، أن يمنح الجند الموحدون العطاء، (الجامكية) ثلاث مرات فى العام بصورة منتظمة، مرة فى كل أربعة أشهر، ويمنح الجند الغز أو الأغزاز، وكذلك العرب عطاءهم كل شهر. وكان رأى المنصور فى اختصاص الأجناد الغز والعرب بهذه المزية، هو أن الموحدين من أهل البلاد الأصليين ولهم بها الإقطاع والأموال الكثيرة. أما الغز والعرب، فهم غرباء لا شىء لهم فى البلاد يعتمدون عليه سوى هذا العطاء الرسمى المنظم (٣). وكان لهذه العناية بتوفير أعطية الجيش أثرها القوى فى رفع همم الجند، وشحذ
стр. 1962
الرغبة فى الجهاد. والواقع أن الجهاد هو ألمع ما فى حياة المنصور العامة، وقد أسبغت عليه غزواته الموفقة للممالك النصرانية فى شبه الجزيرة، ولاسيما انتصاره الباهر فى موقعة الأرك، على شخصه وعلى جهاده، هالة من العظمة والجلال غلبت على كل خلاله ومناقبه الأخرى.
وقد رأينا المنصور منذ بداية حكمه ملكاً حازماً، يعمل على إقامة العدل وتوطيد أسسه، والنظر فى الأحكام بنفسه، ومراقبة أعمال الولاية والعمال، ومحاسبتهم، ومطاردة من ينحرف منهم عن جادة الحق والعدل وعزلهم، ثم رأيناه ملكاً مصلحاً، يضطرم بروح إنشائية قوية، ويعنى بإقامة المنشآت العظيمة، من مدن وحصون وجوامع وغيرها، سواء بالمغرب أو الأندلس.
وأول ما تشيد به الرواية من صفات المنصور هو ورعه وتقواه، والتزامه أحكام الشريعة وسننها، ومحاولة تطبيقها على حقيقتها، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإقامة الحدود، حتى فى أهله، وعشيرته الأقربين، وكان مثل جده عبد المؤمن يشدد فى إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، ويأمر بالمناداة عليها، ويعاقب على تركها، وكان يشتد كذلك فى إقامة الحدود، ويذهب فى ذلك أحياناً إلى حدود بعيدة، حتى قيل إنه عاقب على شرب الخمر بالقتل، وأمر بقتل بعض العمال الذين تشكو الرعية منهم (١).
وقد كان للمنصور من الناحية الدينية موقف خاص، يمكن أن يوصف بأنه انقلاب فى ميدان المذهب والعقيدة فى الدولة الموحدية، فهو أولا قد طارد علم الفروع، أعنى دراسة تفاصيل العبادات والمعاملات. وأمر بإحراق كتب المذهب المالكى فى سائر البلاد مثل مدونة سحنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبى زيد، وكتاب التهذيب للبرادعى، وواضحة ابن حبيب، وأمر الناس بترك الاشتغال بعلم الرأى والخوض فيه، وأنذر من يفعل ذلك بشديد العقاب، وأمر جماعة من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة فى الصلاة وما يتعلق بها على نحو المجموعة التى جمعها ابن تومرت فى الطهارة، وذاع هذا المجموع فى المغرب، وأقبل الناس على حفظه. وكان قصد المنصور من ذلك أن يمحو
стр. 1963
مذهب مالك وأن يزيله من المغرب (١). وكان المنصور أيضاً من أشد دعاة المذهب الظاهرى، وهذا المذهب الذى اشتهر على يد الفيلسوف ابن حزم القرطبى فى أوائل القرن الخامس الهجرى، يرجع إلى القرن الثالث، ومؤسسه هو خلف بن داود الأصفهانى المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، وقد وضع أسسه فى نحو منتصف القرن الثالث، وخلاصتها أنه يجب فى صوغ أحكام الشريعة أن يُرجع فقط إلى ظاهر القرآن والسنة أى الحديث، وألا يُؤخذ فى ذلك بالرأى أو القياس، وأن يبقى الإجماع محصوراً فى إجماع صحابة رسول الله. ويبدى ابن حزم إمام المذهب الظاهرى بالأندلس تشدداً فى تطبيقه على العقائد، وهو لا يأخذ فى تفسير الأحكام إلا بالكلمة المكتوبة، والحديث الثابت، ويعتبرهما حاسمين فى صوغ الأحكام. وقد حمل الخليفة المنصور الناس على اعتناق المذهب الظاهرى، والتزام الأخذ بالظاهر من القرآن والحديث. وكان المنصور يشكو من تعدد الآراء والأحكام المذهبية فى المسألة الواحدة، ويرى أن الأخذ بالمذهب الظاهرى يحسم كثيراً من هذه الخلافات. ونستطيع القول إن المذهب الظاهرى، غدا هو المذهب الرسمى فى عهد المنصور، وعظم أمر الظاهرية، وانتشروا بالمغرب، وكانوا يسمون بالحزمية نسبة إلى الفيلسوف ابن حزم عميد المذهب. وكان المنصور يبجل ابن حزم، ويرتفع به وبعلمه إلى أسمى مكانة. ومما يذكر فى هذا الصدد، ما يروى، من أن المنصور، مر فى عودته من غزوه لأراضى البرتغال فى سنة ٥٨٧ هـ (١١٩١ م)، بشمال مدينة ولبة، حيث توجد قرية منت ليشم، وهى بلد بنى حزم، وبها قبر العلامة ابن حزم، فوقف المنصور على قبره، وهو يقول عجباً لهذا الموضع يخرج منه مثل هذا العالم، ثم قال " إن كل العلماء عيال على ابن حزم " (٢). ويقول لنا ابن الأثير إن المنصور عين فى أواخر أيامه قضاة من الشافعية. وقد كان الجنوح إلى مذهب الظاهرية، فيما يذكر لنا المراكشى من صفات أبيه الخليفة أبى يعقوب يوسف، وجده الخليفة الفقيه العالم عبد المؤمن بن على، إلا أنهما لم يفصحا عن هذا الاتجاه بشكل ظاهر،
стр. 1964
إذ كانت الدولة الموحدية ما تزال فى بدايتها، وكانت عقيدة التوحيد تعلو على كل ما عداها. وكان من آثار هذا الاتجاه أن ازدهر علم الحديث فى عهد المنصور، وحظى طلابه بمنتهى التشجيع والرعاية (١).
ومن جهة أخرى فإنه يوجد ما يحمل على الاعتقاد، بأن المنصور لم يكن من الغلاة فى تصوير إمامة المهدى، ولم يكن بالأخص من المؤمنين بعصمته، وهو اتجاه تبلور فيما بعد، واتخذ على يد خلفائه صورته العملية (٢).
ومما يتصل بتقى المنصور، وورعه، وحماسته الدينية، ما نسب إليه من أنه كان ينوى افتتاح مصر، وضمها إلى الإمبراطورية الموحدية، لأنها كانت فى نظر الموحدين بلداً يجنح إلى البدع، وتشيع فيه المنكرات، وقد نوه بمشروع المنصور هذا نحو مصر، غير واحد من المؤرخين والرواة. فيقول لنا المراكشي، وهو معاصر لعهد المنصور إنه قد بلغه عن غير واحد " أن المنصور صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وأنه كان يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع، ويقول، نحن إن شاء الله مطهروها، ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات " (٣). ويفيض الرحالة ابن جبير، وهو أيضاً معاصر المنصور، فى رحلته، فى الكلام عن هذه النية الموحدية فى غزو مصر، وصداها فى مصر ذاتها، ويبدأ حديثه بالحملة على أحوال البلاد المشرقية، ولاسيما ما يقع ببلاد الحجاز من ظلم الحجاج وانتهاب أموالهم، ويعرب عن أمله فى أن تُقمع هذه البدع المجحفة بالمسلمين " بسيوف الموحدين أنصار الدين، وحزب الله أولى الحق والصدق، والذابين عن حرم الله ، والغائرين على محارمه، والجادين فى إعلاء كلمته، وإظهار دعوته، ونصر ملته ".
ثم يقول ابن جبير فى التنديد بأحوال المشرق وضعف إسلامه: " وليتحقق المتحقق، ويعتقد الصحيح الاعتقاد، أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب، لأنهم على جادة واضحة لا بنيات فيها، وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية، فأهواء وبدع، وفرقة ضالة وشيع، إلا من عصم الله من أهلها، كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه، إلا عند الموحدين أعزهم الله، فهم أئمة العدل فى هذا الزمان، وكل من سواهم من الملوك فى هذا الأوان، فعلى غير
стр. 1965
الطريقة، يُشعرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين، الذى قد ذكرنا سيرته ومناقبه، لو كان له أعوان على الحق ".
وأهم من ذلك ما ينوه ابن جبير من صدى الدعوة الموحدية بمصر، وانتشارها بصورة تدعو إلى الدهشة، ومن أن أكثر أهل مصر، بل كلهم " يرمزون بذلك رمزاً خفياً، وينسبون ذلك إلى آثار حدثانية، وقعت بأيدى بعضهم، وأنذرت بأشياء من الكوائن. . ولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد، فهم يستطلعون بها صبحاً جلياً، ويقطعون بصحتها، ويرتقبونها ارتقاب الساعة التى لا يمترون فى إنجاز وعدها. فشاهدنا من ذلك بالإسكندرية ومصر وسواهما مشافهة وسماعاً، أمراً غريباً، يدل على أن ذلك الأمر العزيز، أمر الله الحق، ودعوته الصدق. ونُمى إلينا أن بعض فقهاء البلاد المذكورة وزعمائها، قد حبّر خطباً أعدها للقيام بين يدى سيدنا أمير المؤمنين، وهو يرتقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة، والله يبسطها من كلمة، ويعليها من دعوة، إنه على ما يشاء قدير " (١).
ونستطيع أن نربط بين هذه الأقوال التى يصف فيها ابن جبير صدى الدعوة الموحدية بمصر خلال مروره بها فى سنة ٥٧٩ هـ (١١٨٣ م)، أعنى قبيل عهد المنصور بقليل، وبين ما ذكره أبو القاسم المؤمن المصري فى كتابه المسمى " بالأنساب فى معرفة الأصحاب "، ونقله البيذق، عن أصحاب المهدي بمصر، فقد ذكر لنا من هؤلاء واحداً وخمسين رجلا بأسمائهم، وقال إنهم كانوا من أعيان بلادهم " وإنهم كانوا سامعين لقوله، مجيبين لأمره، مؤمنين به، مختارين صحبته، مؤثرين لحقه، معظمين لحرمته " (٢).
ويستخلص مما تقدم، ومن أقوال ابن جبير خاصة، أنه كانت توجد ثمة فكرة موحدية لغزو مصر، وأن هذه الفكرة ترجع إلى ما قبل عهد المنصور، وأنها ربما تبلورت فى عهد المنصور، واتخذت طابعاً قوياً، وذلك لما أبداه
стр. 1966
المنصور من عزم وضخامة فى أهباته العسكرية، وما وفق إليه من انتصارات باهرة ضد النصارى فى شبه الجزيرة الإسبانية، ولاسيما فى معركة الأرك العظيمة. وربما كان من بواعث هذه الفكرة ومشجعاتها، مَثل الفاطميين، الذين ساروا من المغرب، قبل ذلك بأكثر من قرنين، وغزوا مصر، واستولوا عليها بأيسر أمر. ولكن شتان بين العصرين، وشتان بين ما كانت عليه مصر وقت الفتح الفاطمى، وما كانت عليه أيام الخليفة المنصور. بيد أننا لا نستطيع مع ذلك، أن نعتقد أن الموحدين كانوا يحتضنون مشروع غزو مصر بصورة جدية. وأكبر الظن أنها ربما كانت أمنية، وربما كانت مُثُل هذه الأمنية ترجع إلى عصر المهدي ذاته، فقد رأينا المهدي أثناء مقامه بثغر الإسكندرية يغضب لما رآه فيها من " البدع " ثم يقوم بها بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى قيل بأنه خرج منها منفياً، لما ترتب على دعايته من الشغب. بل قيل أكثر من ذلك، وهو أن المهدي قال ذات يوم لبعض أصحابه فيما قال ووعدهم به، وكانوا يجلسون تحت شجرة الخروب المواجهة لمسجد تينملّل: " ليبصرنّ منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر، مستظلين بهذه الشجرة، قاعدين تحتها " (١). كذلك يلوح لنا أن ما يذكره ابن جبير عن انتشار فكرة الغزو الموحدى بمصر، وماكان يهمس به الناس من ذلك الأمر، إنما هو مبالغة ترجع إلى ولاء ابن جبير للدولة الموحدية، التى خدم فى ظلالها وتمتع برعايتها، والأغلب أن ابن جبير تلقى أخباره من بعض الغلاة الهائمين من أتباع المهدي وأنصاره بمصر، فصورها على أنها تعبر عن اتجاه أغلبية الأمة المصرية، وهو ما يعتبر فى نظرنا من ضروب الوهم المغرق. ولاشك أن الموحدين، وفى مقدمتهم الخليفة المنصور، كانوا يعرفون ما كانت عليه قوة مصر فى ذلك العهد، التى نعمت فيه بقيادة الملك الناصر صلاح الدين، وما أحرزته بقواتها العسكرية الضخمة البرية والبحرية، من انتصارات باهرة على الصليبيين، فلم يكن من المعقول أن يفكروا فى غزو مثل هذه الإمبراطورية الإسلامية الضخمة، التى تحطمت على صخرة قوتها الراسخة حملات الصليبيين المتوالية، ومن جهة أخرى، فإن قصور الموحدين فى هذا الوقت بالذات عن القضاء على ثورة بنى غانية فى إفريقية بصورة حاسمة، واستمرار هذه الثورة العتيدة، أيام المنصور ومن بعده أعواماً طويلة، يقطع بأن فكرة
стр. 1967
غزو مصر، إن كانت، لم تكن لدى الموحدين سوى أمنية خيالية بعيدة المنال.
وكان المنصور عالماً مستنيراً، متقناً للحديث والفقه واللغة، مشاركاً في كثير
من العلوم، وكان محباً للعلماء مؤثراً لهم يجمع حوله صفوة العلماء والمفكرين،
وقد أشرنا من قبل إلى شغفه بالجدل والمناقشات الفلسفية، وما كان يعقده من
مجالس خاصة يستمع فيها إلى آراء الفيلسوف ابن رشد. وقد كانت نكبة الفيلسوف العظيم ونفيه إلى اليسّانة من سقطاته البارزة، ولكن كان متأثراً في ذلك بضغط الفقهاء والطلبة الموحدين. وكان المنصور يعنى بأمر طلبة العلم أعني علم الحديث، أعظم عناية، حتى نالوا على يديه من الرعاية والنفوذ ما لم ينالوه أيام أبيه وجده. وكان الموحدون يتبرمون بالطلبة، وينقمون عليهم حظوتهم ونفوذهم لدى الخليفة، حتى اضطر المنصور ذات يوم، أن يصرح أمام سائر الموحدين، وقد بلغه موقفهم من الطلبة، " يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيله، وهؤلاء الطلبة لا قبيل لهم سواى، فمهما نابهم أمر، فأنا ملجؤهم، وإلىّ فزعهم، وإلىّ ينتسبون ". يقول المراكشي، فعظم من ذلك اليوم أمر الطلبة، وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم (١).
وكان المنصور أديباً فصيحاً، جزل الألفاظ، وكان يجتمع حوله شعراء العصر من العدوتين، المغرب والأندلس، يصغى إلى مدائحهم، ويغمرهم بصلاته، وقد وضع له شاعره الأثير أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي كتابه الذي سماه " صفوة الأدب وديوان العرب " في مختار الشعر (٢). وانتشر هذا الديوان بين أهل المغرب انتشاراً عظيماً، وكان لديهم ككتاب الحماسة لأبي تمام عند أهل المشرق، وقد سبق أن أشرنا في غير موضع إلى قصائد الجراوى ومدائحه للمنصور، وأبيه الخليفة أبي يعقوب يوسف، في مختلف المناسبات، ْوكان من شعراء دولته أيضاً أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مُجْبَر المرسى الأندلسي، وقد أشرنا إلى مدائحه كذلك من قبل غير مرة، وقد ذكر لنا ابن خلكان أن مدائح ابن مُجبر للمنصور جمعت في ديوان، وأورد لنا منها قصيدة رقيقة في مطلعها:
أتراه يترك الغزلا ... وعليه شب واكتهلا
стр. 1968
كلف بالغيد ما عقلت ... نفسه السلوان مذ عقلا
وإلى جانب هذه الصفات العلمية والأدبية اللامعة، كان المنصور جواداً، وافر البذل، كثير الصدقات، وكان يقدر قيمة البذل في أسر النفوس وترويضها، وكان يؤثر بصلاته الوفيرة أجناد الغز (الأغزاز) والعرب الذين ينضمون لجيشه، استبقاء وتأكيداً لولائهم (١).
هذا وأما عن كفاية المنصور ومواهبه الإدارية والإنشائية، فلدينا من ذلك تفاصيل عديدة. فقد كان المنصور في الواقع من أقدر الخلفاء الموحدين في فهم شئون الدولة الإدارية وتنظيمها، وكانت ولايته لوزارة أبيه مدرسة درس فيها هذه الشئون خير دراسة. وفيها " بحث عن الأمور بحثاً شافياً، وطالع أحوال العمال والولاة والقضاة وسائر من ترجع إليه الأمور مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور (٢). وقد رأيناه سواء في المغرب أو الأندلس يعكف على معالجة شئون الدولة بهمة، ويتقصى شئون الولاة والعمال. وكان يولى شئون الأندلس في ذلك عناية خاصة، ففي كل مرة يعبر فيها إلى شبه الجزيرة، يعنى إلى جانب أهباته للغزو، بتنظيم شئونها الداخلية، وفي سنة ٥٩٢ هـ، نراه بعد ظفره في معركة الأرك، يعنى خلال إقامته بإشبيلية، بمطاردة العمال المقصرين والمختلسين ومحاسبتهم، واستصفاء أموالهم، كما يعنى بتعيين غيرهم من الحائزين لثقته. ثم هو في نفس الوقت يولى شئون الدولة المالية اهتماماً خاصاً، ويندب لأعمال الجباية رجالا من ذوى الأمانة والنزاهة. وكان من أهم ما فعله المنصور في باب السياسة المالية، هو تغييره للدينار الموحدي، ومضاعفته لوزنه، حسبما أشرنا إلى ذلك في موضعه. وكذلك أبدى المنصور همة ظاهرة في إقامة المنشآت العمرانية العظيمة، فأنشأ لأول عهده ضاحية الصالحة الملوكية في جنوبي مراكش، فوق البسيط الممتد بين باب أغمات شرقاً وباب الشريعة غرباً، فجاء إنشاؤها دليلا على ما كانت تجيش به نفسه من إظهار أبهة الملك وروعته، على مثل ما كان عليه خلفاء الأندلس، وعنى بتوسيع مدينة رباط الفتح، التي كان قد اختطها جده فأبوه وتجديد قصبتها، وإتمام أسوارها وأبوابها، واستكمال أحيائها ومبانيها. وأنشأ
стр. 1969
بها مسجداً عظيماً واسع الفناء، يقول المراكشي بأنه كان أكبر مسجد في المغرب، وأنشأ له صومعة متناهية في العلو " على هيئة منار الإسكندرية " يُصعد إليها بغير درج. ولكن هذا المسجد لم يتم إذ انقطع العمل فيه بوفاة المنصور (١). ونزيد نحن على ذلك بأن معالم المسجد المشار إليه، وقواعد أعمدته مازالت قائمة في مكانها، تدل على عظم مساحته، وما زالت صومعته الشاهقة التي لم يكمل بناؤها قائمة في مكانها، على مقربة من شاطىء المحيط، وهي التي تعرف اليوم بمنارة حسّان (تور حسان)، وهي على نمط صومعة جامع إشبيلية الشهيرة (لاخيرالدا) (١). بيد أن أهم منشآت المنصور في الحاضرة الموحدية - مراكش - كان هو البيمارستان (المستشفى) العظيم، الذي كان أول صرح من نوعه حظيت به مراكش. وقد اختار لإقامته ساحة شاسعة، وعنى بتخطيطه وبنائه أعظم عناية، وغرست من حوله الحدائق، وأجريت المياه إلى سائر أجنحته، وزود بنفيس الأثاث والرياش، ومختلف صنوف الأدوية، وعين له رهط من مهرة الصيادلة لإعداد الأدوية على اختلاف أصنافها، ورصدت الأموال اللازمة للإنفاق على المرضى، وإطعامهم وكسائهم، وكان المريض الفقير إذا تم شفاؤه، زُود عند خروجه بمال يعيش منه حتى يرزق بعمل، وإن كان غنياً دُفع إليه ماله وتُرك وشأنه، وكان يؤم هذا المستشفى الكبير سائر المرضى من المحليين والغرباء، وكان المنصور يركب إليه في كل جمعة بعد الصلاة، ويعود المرضى، ويسأل عن أحوالهم وحاجاتهم، وكانت هذه المأثرة الإنسانية من أعظم مآثر المنصور وأخلدها (٢).
وأما عن منشآته بالأندلس فقد أشرنا إلى ما كان من إنشائه لحصن الفرج خارج مدينة إشبيلية، وإنشاء قصوره وقبابه، ثم إتمامه لصومعة جامع إشبيلية العظيمة، وهي التي كان أبوه قد أمر بإنشائها، ولم تكمل في عهده، فقام المنصور على إتمامها، وتزويدها بتفافيحها الذهبية حسبما أشرنا إليه في موضعه. وأنشأ المنصور في نفس الوقت بمدينة مراكش منارة الكُتيبة العظيمة على نسق صومعة جامع إشبيلية، كما أنشأ بمدينة الرباط صومعة مسجدها على نفس الطراز، وهي منارة حسّان التي لم يكمل بناؤها، حسبما تقدم. وقيل في شأن منارة الكتيبة إنه بدىء بإنشائها في عهد جده الخليفة عبد المؤمن، وقام هو بالعمل على إتمامها،
стр. 1970
وطبقاً لهذه الرواية تكون منارة الكتيبة سابقة على صومعة إشبيلية، وتكون هي أم هذا الطراز من الصوامع الموحدية، وعلى أي حال فقد تم إنشاء الكتبية في سنة ٥٩٤ هـ، قبيل وفاة المنصور بقليل (١).
ووزر للخيلفة المنصور في بداية أمره أخوه السيد أبو عبد الله. ثم خلفه في الوزارة أبو حفص عمر بن أبي زيد الهنتاني، ولما توفي خلفه أبو يحيى أبو بكر ابن عبد الله بن أبي حفص عمر الكبير، واستمر في منصبه إلى أن قُتل في موقعة الأرك وهو يقود الصفوف. فتولى الوزارة من بعده أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن الشيخ أبي حفص، وهو ابن عم أبي يحيى الشهيد المتقدم الذكر، ولكنه لم يلبث في الوزارة سوى أيام يسيرة، ثم تركها مختاراً وهام على وجهه في بعض نواحي إشبيلية، وتزهد، فأرسل الخليفة إليه من استرده وأعفاه من الوزارة، وخلفه في الوزارة أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجّان الهنتاني، فلم يزل في منصبه حتى توفي الخليفة المنصور، فتولى الوزارة بتوصية الخليفة، لابنه محمد الناصر مدى حين (٢).
وكتب للمنصور عدة من أكابر الكتاب منهم أبو الفضل جعفر ابن محشرة من أهل مدينة بجاية، وكان تلميذاً لأبي القاسم القالمي، كاتب أبيه الخليفة أبي يعقوب، وكان كاتباً مجيداً، بارع الأسلوب، واسع الرواية غزير الحفظ، تشهد له بذلك رسائله العديدة التي انتهت إلينا، واستمر في منصب الكتابة حتى توفي. فكتب من بعده للمنصور أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ابن عياش، وهو أندلسي من أهل بُرْشانة من أعمال ألمرية، واستمر في منصبه حتى توفي المنصور، فكتب من بعده حيناً لابنه محمد الناصر، ثم لحفيده يوسف. وكان من ألمع كتاب الدولة الموحدية وأبرعهم أسلوباً. وقد انتهت إلينا كذلك عدة من رسائله الصادرة عن الخليفة المنصور، ومنها الرسالة التي وضعها في اتهام ابن رشد وزملائه بالخروج على شريعة الإسلام، وكلها تشهد بروعة بيانه (٣).
стр. 1971
وتولى القضاء في عهد المنصور، أبو جعفر أحمد بن مضاء من أهل قرطبة، وكان يتولاه من قبل في عهد أبيه الخليفة أبي يعقوب، ولما توفي خلفه في القضاء أبو عبد الله محمد بن مروان من أهل وهران، ثم عُزل وتولى القضاء من بعده أبو القاسم أحمد بن محمد من ولد بقى بن مخلد فقيه الأندلس الأشهر، واستمر في منصبه حتى وفاة المنصور، ووقتاً من عهد ولده محمد الناصر (١).
وترك المنصور من الولد ستة عشر من الذكور، هم محمد ولى عهده والخليفة من بعده، وإبراهيم، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وموسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد، والحسن، والحسين. وقد تولى الخلافة منهم غير محمد، اثنان آخران هما أبو محمد عبد الله العادل، وأبو العلاء إدريس المأمون. وترك المنصور كذلك عدة من البنات.
هذا، وأما عن شخص الخليفة يعقوب المنصور، فقد وصفته الرواية المعاصرة، بأنه كان شديد السمرة، طويل القامة، جميل المحيا، أعين، أفوه، أقنى الأنف، شديد الكحل، مستدير اللحية، ضخم الأعضاء، جهورى الصوت، جزل الألفاظ (٢).
تلك هي مآثر الخليفة الموحدي، الظافر في معركة الأرك العظيمة، وتلك هي صفاته وخلاله الوضاءة اللامعة.
стр. 1972
الفصل الخامِسُ عصر الخليفة محمد الناصر
جلوس الخليفة محمد الناصر. وزيره ومستشاروه. أعماله الأولى. أحوال إفريقية. استيلاء يحيى ابن غانية على قابس. ابن عبد الكريم وظهوره. خلافه مع والي المهدية. القبض عليه ثم إطلاق سراحه. استيلاؤه على المهدية واستبداده بها. مسيره لغزو تونس. اشتباكه مع الموحدين وهزيمتهم. لومه وعوده إلى المهدية. الخلاف بينه وبين يحيى الميورقي. استيلاؤه على قفصة. اشتباكه مع الميورقي. هزيمته والتجاؤه إلى المهدية. محاصرة الميورقي له. تسليمه للمهدية. قبض الميورقي عليه هو وولده ثم اغتيالهما. امتداد سلطان يحيى إلى معظم أنحاء إفريقية. سيره إلى باجة واقتحامها. مسير الموحدين لقتاله. هزيمة الموحدين وسقوط محلتهم. مسير يحيى إلى بسكره واقتحامها. عوده إلى المهدية. قلق البلاط الموحدي لحوادث إفريقية. تجهيز حملة كبيرة لقتال الميورقي وتوقفها. ثورة أبي قصبة ببلاد السوس. مسير الموحدين لقتاله. هزيمة الدعى ومقتله. وقوع السيل العظيم بإشبيلية. تأهب الموحدين لافتتاح الجزائر الشرقية. عبد الله بن إسحاق حاكم الجزائر. مسالمته للدول النصرانية وتعاونه معها. انتزاعه لمدينة منورقة من الموحدين. إعداد الحملة الموحدية لافتتاح الجزائر. خروجها من دانية إلى يابسة ثم إلى ميورقة. استيلاء السفن الموحدية على منورقة. نزول الموحدين في ميورقة. القتال بينهم وبين عبد الله بن إسحاق. هزيمة عبد الله ومقتله. اقتحام الموحدين لمدينة ميورقة وافتتاحها. تعيين ابن طاع الله الكومي لولايتها. صدى هذا الفتح في أراجون والدول النصرانية الأخرى. تأثيره في خطط يحيى بن إسحاق. عزم يحيى على فتح تونس. مسيره إليها في قواته. قطع اتصالها بالبحر ومحاصرتها. اقتحام يحيى لها. قبضه على واليها السيد أبي زيد وأولاده وأشياخ الموحدين. يحيى يفرض غرامة فادحة على تونس. خروجه إلى جبل نفوسة وتغريم أهله. وقع سقوط تونس في بلاط مراكش. الناصر يعين ولاة الأندلس. عزمه على سحق الميورقي. مسير الحملة الموحدية والأسطول الموحدي إلى إفريقية. حركات يحيى بن إسحاق في الجنوب. وصول الأسطول الموحدي. وصول الحملة الموحدية بقيادة الناصر. عودة يحيى إلى تونس. إرساله لأمواله وذخائره إلى المهدية. إخلاؤه لتونس ومسيره في قواته إلى قفصة. احتلال الموحدين لتونس. مسير الحملة الموحدية في أثر الميورقي. تحصن الميورقي بجبل دمر. تحصينه للمهدية. مسير الناصر لمحاصرة المهدية. مسير حملة موحدية بقيادة الشيخ أبي حفص إلى جبل دمر. معركة دموية في رأس تاجرا. هزيمة الميورقي ومقتل أصحابه. فراره في فلوله. انقاذ السيد أبي زيد وصحبه. اشتداد المقاومة بالمهدية، المعارك المستمرة. طلب الغانى حاكم المهدية التسليم بالأمان. موافقة الناصر. خروجه من المهدية مع صحبه. دخوله في طاعة الموحدين. سحق بني غانية وتحرير إفريقية. مثل بني غانية في محاربة الموحدين. تحولها إلى مغامرة في سبيل السلطان والثراء. مثالب حكومة الميورقي وأساليبها الهمجية. بغض المحكومين لها. التجاء يحيى الميورقي إلى الصحراء الجنوبية. مطاردة الموحدين لطوائف المفسدين. تعيين الشيخ أبي محمد عبد الواحد لولاية إفريقية. اعتذاره وشروطه للقبول. موافقة الناصر ومغادرته لتونس. مسيره إلى تلمسان ثم إلى فاس. أعماله ومطاردته لعاملى فاس ومكناسة
стр. 1973
مسيره إلى رباط الفتح ثم إلى مراكش. نظره في الأعمال السلطانية ومراجعته لأعمال العمال. وفاة السيد أبي الربيع والي بجاية. تعيين السيد أبي عمران موسى والياً لتلمسان. عود يحيى الميورقي إلى الحركة. تحول بعض طوائف العرب عن محالفته إلى الموحدين. مسير يحيى إلى الشمال. خروج الشيخ أبي محمد إلى لقائه. معركة تبيشة. هزيمة الميورقي وفراره. جمعه لقواته ومسيره غرباً صوب واحات سجلماسة. اقتحامه لسجلماسة ونهبها. اهتمام الموحدين في إفريقية ومراكش. عوده صوب تلمسان. مفاجأته لواليها
السيد أبي عمران وقواته. هزيمة الموحدين ومصرع السيد وصحبه. اقتحام الميورقي لمدينة تاهرت. عيث الميورقي في أحواز تلمسان. إنجاد المدينة وتأمينها. مسير حملة جديدة لمقاتلة الميورقي. ارتداده صوب طرابلس. عوده إلى الحركة. تضخم جيشه بالعرب والأغزاز. خروج الشيخ أبي محمد ْلقتاله. مسيره نحو جبل نفوسة. اشتباك الفريقين. هزيمة الميارقة وحلفائهم. مقتل أشياخ العرب. فرار يحيى وفله. عود القائد الظافر أبي محمد. كتابه إلى الخليفة بالفتح. معالجة الشيخ أبي محمد لشئون إفريقية. فضله في إخماد ثورة بني غانية. توطيده لسلطان الموحدين في إفريقية. التجاء سير أخي يحيى إلى الشيخ أبي محمد. أعمال الناصر وتعييناته للولاة والكتاب والقضاة. بعض حوادث المغرب في تلك الفترة. حريق مراكش. وفد المسلمين الصقليين إلى تونس. أحوال مسلمى صقلية منذ افتتاح النصارى للجزيرة. أقوال الرحالة ابن جبير عن ذلك.
لما توفي الخليفة يعقوب المنصور، في ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٩٥ هـ (٢٢ يناير سنة ١١٩٩ م)، خلفه في صباح اليوم التالي ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالناصر لدين الله، وأخذت له البيعة العامة بعد ذلك بأسبوع في نهاية شهر ربيع الأول. ولم يعارضه أحد من الإخوة ولا العمومة. وكان المنصور قد اختاره لولاية عهده، وعقد له البيعة بذلك في أواخر سنة ٥٨٧ هـ، حينما دهمه المرض الشديد، عقب عوده إلى المغرب، من جوازه الأول إلى الأندلس. ثم أخذت له البيعة بعد ذلك في سائر أقطار المغرب والأندلس. وكان الخليفة الجديد حين جلوسه، في نحو السابعة عشر من عمره، إذ كان مولده في أواخر سنة ٥٧٦ هـ. ويقول لنا المراكشي إن أمه أم ولد رومية تدعى زهر. ولكن صاحب روض القرطاس، يقول إن أمه بالعكس كانت حرة اسمها أمّة الله، وأنها ابنة السيد أبي إسحق بن عبد المؤمن (١). وتولى الوزارة للخليفة الجديد، وزير أبيه أبو زيد عبد الرحمن بن موسى ابن يوجان، وهو ابن أخي الشيخ أبي حفص (٢)، وتولى مهمة الاستشارة والتوجيه، الشيخ أبو زكريا وأخوه الشيخ أبو محمد عبد الواحد، إبنا الشيخ
стр. 1974
أبي حفص عمر الهنتاني، وتولى رياسة البيت المالك السيد أبو الحسن وأخوه السيد أبو زيد، ابنا السيد أبي حفص عم الخليفة الراحل، وذلك كله، وفقاً لوصية المنصور في مرض موته حسبما أشرنا إليه من قبل.
وأقام الخليفة الجديد عقب ولايته بحضرة مراكش بضعة أسابيع، حتى آخر شهر ربيع الثاني من سنة ٥٩٥ هـ، وتمت البيعة خلال ذلك في سائر النواحي، ووصلت إلى الحضرة، وخرجت البركات للموحدين والأجناد كالعادة، وقدم الشعراء تهانيهم بتجديد البيعة. ثم غادر الخليفة مراكش في أول شهر جمادى الأولى، وقصد إلى مدينة فاس، فأقام بها حتى نهاية هذا العام. وعنى الخليفة خلال ذلك بتصريف الشئون، بمعاونة وزيره عبد الرحمن بن يوجان، وكان في مقدمة المراسم الجديدة، أن عين الخليفة السيد الحسن بن السيد أبي حفص والياً لبجاية وأعمالها، وأمده بالرجال والأموال ليستطيع مواجهة الحوادث في تلك المنطقة المضطرمة، وعين أخاه السيد أبا محمد عبد الله بن المنصور والياً على إشبيلية مكان أخيه السيد أبي زيد (١).
وكانت الأحوال في إفريقية قد ساءت في أواخر عهد المنصور، ولا سيما حين شغل بأمر الجهاد في الأندلس، ولم تسعفه الظروف حين عودته بعد ذلك إلى المغرب، ليعنى بالنظر في شئون إفريقية، وتدارك ما دهمها من الحوادث، حيث فاجأه المرض وتوفي. فكان على ولده الخليفة الفتى محمد الناصر، أن يواجه هذه الظروف، وأن يقوم بتداركها.
- ١ -
وقد وصلنا فيما تقدم من سرد حوادث إفريقية، إلى ظفر يحيى بن إسحاق ابن غانية الميورقي، بخصمه شرف الدين قراقوش، وفراره إلى الجبال، وانتزاع طرابلس من يد نائبه. ولما تم ليحيى ما تقدم سار إلى قابس، وكان نائب قراقوش قد غادرها على أثر هزيمة سيده، ووجه إليها الشيخ أبو سعيد بن أبي حفص والي تونس، حافظاً من الموحدين يسمى ابن تفراجين. فقصد إليها يحيى بقواته ووجه إلى أهلها كتاباً ينذرهم فيه بالتسليم، ويحذرهم من المخالفة، ويحدد لهم ثلاثة أيام لإجابة مطلبه، فلما انتهى هذا الأجل دون أية إجابة، زحف
стр. 1975
يحيى على المدينة، وحاصرها حصاراً شديداً، وقطع غابات النخيل القريبة منها، إلا نخلة واحدة تركها للعبرة. فأذعن أهل المدينة إلى التسليم، على أن يؤمن واليهم ابن تفراجين، ويُسمح له أن يغادر المدينة بأهله من طريق البحر، فأوفى لهم يحيى بذلك، وفرض على المدينة إتاوة قدرها ستون ألف دينار. وكتب كاتبه أبو محمد عبد البر بن فرسان كتاباً بهذا الفتح، يشيد فيه بعود المدينة إلى الدعوة العباسية (١). وبينما كان الميورقي يتابع مغامراته، ويعمل على توطيد سلطانه في بلاد الجريد، إذ ظهر بإفريقية عامل مقلق جديد بثورة ابن عبد الكريم. وكان محمد ابن عبد الكريم الرجراجى هذا، من زعماء الجند، الذين امتازوا بالشجاعة والنجدة، وأبوه جندى من أهل المهدية، ينتمى إلى قبيلة كومية الموحدية. وكان قد ظهر في مقاتلة الأعراب وغيرهم من العناصر المشاغبة المفسدة، واستطاع في كثير من المواطن أن يقمع شغبهم وضررهم، بمن التف حوله من الجند والأنصار، فلما قوي أمره، وظهرت كفايته، قدمه الوالي لتلك المهمة، وأطلق يده في محاربة الخوارج والمعتدين، فكان يطاردهم وينكل بهم، ويقتل من يقتل، ويعتقل من يعتقل، فلا يطلقه إلا بعد دفع الأموال الكثيرة، وإعطاء العهود المؤكدة على التزام الطاعة والسكينة.
فلما وُلى الشيخ أبو سعيد بن أبي حفص، من قبل الخليفة المنصور، على إفريقية، قدم على المهدية، أخاه أبا على يونس بن أبي حفص، فطالب ابن عبد الكريم أن يُشركه فيما يغنمه من أموال الأعراب المخالفين، فرفض ابن عبد الكريم تحقيق رغبته، وطلب إليه أن يتركه على ما كان عليه الولاة من قبل. فقبض عليه أبو علي وأهانه، وزجه إلى السجن، فاستغاث ابن عبد الكريم بالشيخ أبي سعيد والي إفريقية فلم يسعفه. وحدث عندئذ أن اشتد عيث الأعراب بالساحل، وكثرت الشكوى منهم، وألح الناس على أبي على أن يطلق ابن عبد الكريم، فاضطر إلى إطلاقه خشية الفتنة، ورد إليه منصبه وجنده، وأمره بالعمل على كف عيث أولئك الأعراب. فخرج ابن عبد الكريم في صحبه، وأقام محلته في ظاهر المهدية، وشكا إلى جنده ما لحقه من ظلم الوالي، وتفاهم معهم على الغدر بأبي على والاستيلاء على المدينة. ويقدم إلينا ابن الأثير تفسيراً آخر لتصرف ابن عبد الكريم، خلاصته أن جماعة من عرب بني عوف نزلوا على مقربة من المهدية، فخرج
стр. 1976
إليهم ابن عبد الكريم، فخافوا وفروا تاركين عيالهم وأموالهم، فاستولى ابن عبد الكريم على المال والعيال، وسلم العيال وجزءاً من المال والأسلاب إلى الوالي واحتفط بالباقى، فسار رؤساء بني عوف إلى الشيخ أبي سعيد، وقدموا الطاعة ووحّدوا واستغاثوا به، أن يرد إليهم أموالهم وعيالهم، فاستدعى ابن عبد الكريم وطالبه برد ما أخذ من أسلابهم، فاعتذر ابن عبد الكريم بأنه أعطاه إلى الجند ولا يستطيع رده. فأغلظ له الشيخ أبو سعيد القول، وهم أن يبطش به، فاستمهله حتى يعود إلى المهدية، ويحاول أن يسترد من الجند ما استطاع. فلما عاد إلى المهدية، نبأ صحبه بما حدث، واتفق معهم على الوثوب بأبي على يونس. وعلى أي حال فقد نفذ ابن عبد الكريم مشروعه، ودخل المدينة في أواخر الليل في ثُلة مختارة من صحبه، وبادر إلى قصر الوالي ونفذ إليه، وقبض على أبي على، وحبسه في موضع من القصر، ولم يطلقه إلا بعد أن وصل فداؤه من قبل أخيه الشيخ أبي سعيد، فارتد إلى أخيه مخذولا، وبسط ابن عبد الكريم بذلك حكمه على المهدية، وكان استيلاؤه عليها في شهر شعبان سنة ٥٩٥ هـ (١)، لأشهر قلائل من ولاية الناصر.
واستبد ابن عبد الكريم بحكم المهدية، وتسمى " المتوكل على الله "، واستفحل أمره. وفي تلك الأثناء وصل السيد أبو زيد ابن السيد أبي حفص من قبل الناصر والياً على إفريقية، مكان الشيخ أبي سعيد، ومعه جماعة من الأشياخ والأجناد. فاعتزم ابن عبد الكريم أن يحاصره بتونس، قبل أن يستعد لقتاله، فسار إلى جهة قرطاجنة وعسكر عند مدخل البحر إلى البحيرة، فسير السيد أبو زيد السفن في البحر، والجند في البر لقتاله، وكان ابن عبد الكريم قد رتب كمائنه في بعض المواضع، فلما أقبل إليها الموحدون، خرجت عليهم تلك الكمائن، فأوقعت بهم الهزيمة وفتكت بمعظمهم، وانتشر عسكر ابن عبد الكريم في أحواز تونس، وعاثوا فيها نهباً. وعندئذ بعث السيد أبو زيد والشيخ أبو سعيد إلى ابن عبد الكريم، أشياخاً من الموحدين يسوقون إليه اللوم، ويذكرونه بانتمائه إلى الموحدين، وأن ما يفعله مروق ونكران لا يليق به، وأنه من الخير أن يعود إلى طائفته، فوعدهم ابن عبد الكريم خيراً، ثم عاد إلى المهدية. وكانت قد حدثت في تلك الأثناء وحشة بين ابن عبد الكريم، ويحيى الميورقي
стр. 1977
لما دب بينهما من عوامل التنافس والحسد، وفكر ابن عبد الكريم في محاربته ومحاصرته، وهو يومئذ بقابس، فاستخلف على المهدية ولده عبد الله وسار إلى قابس، ولكنه لما أشرف عليها بجموعه هالته منعتها، فارتد منها إلى قفصة واستولى عليها. وعندئذ خرج الميورقي من قابس لمطاردته ومحاربته، فخرج ابن عبد الكريم بقواته من قفصة، والتقى الفريقان في مكان يعرف بقصور لالة، فهزم ابن عبد الكريم، وفر إلى المهدية ناجياً بنفسه، وتبعه إليها من نجا من فلوله، واحتوى الميورقي على معسكره وجميع أسلابه. وكان ذلك في بداية سنة ٥٩٧ هـ. وأراد الميورقي أن يقضى نهائياً على خصمه، وأن ينتزع منه المهدية، فبعث إلى السيد أبي زيد بتونس يسأله المهادنة والسلم، ويطلب منه أن يعينه بعدة سفن يستطيع بها محاصرة المهدية من البحر، والقضاء على ابن عبد الكريم. وكان السيد أبو زيد يتوق إلى التخلص من هذا الثائر الذي استفحل أمره، فبعث إلى الميورقي سفينتين، فعندئذ أدرك ابن عبد الكريم أنه لا مفر من التسليم، وبعث إلى الميورقي ولده عبد الله يعرض التسليم على أن يؤمن في نفسه وماله، فأجابه الميورقي إلى ذلك، وخرج ابن عبد الكريم وولده من المهدية وتوجها إلى الميورقي للسلام عليه، فلما رآهما أمر في الحال بالقبض عليهما متفرقين، واستولى على المهدية وعلى سائر ما كان بها لابن عبد الكريم من الأموال والذخائر. ثم زج بابن عبد الكريم وولده إلى السجن ولم تمض أيام قلائل حتى أخرج ابن عبد الكريم ميتاً من سجنه، ثم أخرج ولده عبد الله وحمل إلى السفينة، بزعم إرساله إلى ميورقة، ولكن السفينة ما كادت تصل إلى مقربة من قسنطينة، حتى ألقى به مكبولا إلى البحر، فابتلعته المياه (١).
وهكذا بسط يحيى بن إسحاق الميورقي حكمه على سائر إفريقية، ما عدا شاطئها الشمالي، واستولى على سائر قواعدها، طرابلس وقابس وصفاقس والمهدية والقيروان وسائر بلاد الجريد، ووصلت دعوته إلى بونة ولم يبق بيد الموحدين منها سوى تونس وبجاية وقسنطينة، وقد أصبحت كذلك في خطر السقوط. وبينما كان السيد أبو زيد والي إفريقية، ما يزال يعتقد أن الميورقي يرغب حقاً في السلم، وأنه ينوى أن يضع حداً لأعماله العدائية، إذا بالميورقي
стр. 1978
يسير فجأة إلى بلدة باجة الواقعة غربي تونس، وقد كانت من أخصب بلاد هذه
المنطقة وأوفرها حنطة وطعاماُ (١) ويقتحمها عنوة، ويستولي عليها، ويقتل حاكمها الموحدي على الفور. فبعث السيد أبو زيد في الحال جيشاً، تحت إمرة أخيه السيد أبي الحسن والي بجاية، لكي يعمل على إنقاذ باجة وحماية سكانها الذين عادوا إليها، وكان الميورقي قد عاد لحصارها، فلما علم بمقدم الموحدين، رفع الحصار عن المدينة وسار للقاء خصومه، وعسكر في موضع حصين بالقرب من قسنطينة، وهنالك أشرف عليه السيد أبو الحسن بجموعه، ونشبت بين الفريقين معركة هزم فيها الموحدون، واستولى الميورقي على معسكرهم وأسلابهم. وارتد أبو الحسن في بعض فلوله إلى بجاية وهو في أسوأ حال (٢).
وكانت مدينة بسكرة التي استولى عليها الميورقي من قبل قد خلعت طاعته، وعادت إلى طاعة الموحدين، فسار إليها يحيى، واقتحمها عنوة، وعاقب السكان على نكثهم، بقطع أيدي الكثير منهم، وقبض على عاملها الموحدي وزجه إلى السجن. وخشى أهل بونة أن يصيبهم ما أصاب أهل بسكرة، فبعثوا إلى الميورقي بطاعتهم. ووقعت هذه الحوادث في سنة ٥٩٨ هـ (١٢٠٢ م)، وعاد يحيى بعد ذلك إلى المهدية فاستقر بها بعض الوقت (٣). وفي خلال ذلك كان البلاط الموحدي بمراكش يتتبع أنباء الحوادث في إفريقية بمنتهى الجزع، ويحاول أن يقمع العدوان بالحملات المحلية المتوالية. فلما توالى فشل هذه المحاولات، جهز الخليفة الناصر، أو بالحرى مستشاروه من أشياخ الموحدين، حملة كبيرة ندب لقيادتها الوزير ابن يوجان، وسارت هذه الحملة إلى تلمسان ثم إلى بجاية ثم إلى قسنطينة، ولكنها لم تقم بأية محاولة لمقاتلة الميورقي، وعاد الوزير إلى تلمسان، وهنالك وصله الأمر بالنظر في أعمالها، ثم نُدب إلى ولاية فاس، وأقام بها حتى ندبه الناصر للسير معه إلى إفريقية (٤).
وكان هذا التردد في مطاردة الميورقي، راجعاً إلى اضطرام ثورة جديدة في منطقة السوس. وذلك أن دعياً من أصل أندلسي، ينتمى إلى قبيلة جزولة،
стр. 1979
يسمى عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الفرس، ويعرف بالمهر وبأبى قصبة، كما يعرف عند البربر بما معناه " ابن الجزارة " ثار بالسوس. وكان هذا الدعى من طبقة العلماء بالأندلس. وحضر ذات يوم مجلس الخليفة يعقوب المنصور وبدرت منه بعض أقوال جدلية خشى عاقبتها، فاختفى حيناً، ثم ظهر بعد وفاة المنصور، في السوس في منازل جزولة، وانتحل الإمامة، وادعى أنه " القحطاني " الذي ورد ذكره في الحديث، بأنه لا تقوم الساعة، حتى يخرج رجل من قطحان، يقود الناس، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، ومما ينسب إليه في مصير بني عبد المؤمن شعر يقول فيه:
قولوا لأبناء عبد المؤمن بن علي ... تأهبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء سيد قحطان وعالمها ... ومنتهى القول والغلاب للدول
وذاعت دعوة أبي قصبة في أرجاء بلاد السوس، والتفت حوله جموع غفيرة، فبعث إليه بلاط مراكش عدة حملات صغيرة متوالية، كان يهزمها تباعاً، وأخيراً اضطر الناصر أن يجهز لقتاله حملة كبيرة من الموحدين والغز وغيرهم، وسار الموحدون إلى بلاد السوس، وأنذروا المصامدة وغيرهم من القبائل المجاورة، بأن الدعى يعتمد على تسامحهم وتغافلهم، وبذلك يقوى أمره، ولو شاءوا لقضوا عليه، فعند ذلك تحركت القبائل وانضمت إلى الجيش الموحدي القادم، في مقاتلة الدعى، فانفض عنه معظم جموعه، وقتل منهم من وقف إلى جانبه، وقُبض على الدعى وقتل، واحتز رأسه، وأرسل إلى مراكش، وكان مصرع أبي قصبة وانهيار ثورته، على هذا النحو سنة ٥٩٨ هـ (١٢٠٢ م) (١).
وكان من حوادث الأندلس في تلك الفترة أن عزل الناصر أخاه السيد أبا محمد عبد الله بن المنصور عن ولاية إشبيلية، ولكنه عاد فاستبقاه في منصبه تحقيقاً لرغبته، وكان ذلك في سنة ٥٩٧ هـ. وفي أوائل هذا العام بالذات، وقع بإشبيلية حادث مفزع هو وقوع السيل العظيم، الذي لم يسمع بمثله من قبل، فاجتاح أجزاء كبيرة من سور المدينة، ولاسيما ما بين باب طُريانة وباب المؤذن، وغمرت المياه المدينة بأسرها، وسقط عدد كبير من دورها قيل إنه ستة آلاف، وكان من رحمة القدر أن وقع هذا السيل ظهراً، وكان وقوعه يوم الاثنين ١٩ من جمادى الأولى سنة ٥٩٧ هـ
стр. 1980
(٢٦ مارس ١٢٠١ م) واستمر ثلاثة أيام، ولو حدث وقوعه بالليل لغرق آلاف من أهل المدينة. واجتاح هذا السيل وادي النهر الكبير كله من قرطبة إلى إشبيلية، وحتى ثغر قادس، ومات من جرائه الكثيرون غرقاً. وكان من أشنع الحوادث التي شهدتها إشبيلية من عهد طويل (١).
- ٢ -
وكان الخليفة الناصر، وأشياخ الموحدين، يتأهبون في نفس الوقت لمشروع ضخم، هو افتتاح الجزائر الشرقية (جزائر البليار). وكان استمرار يحيى ابن إسحاق الميورقي في عدوانه، وتفاقم أمره في إفريقية، وفشل الحملات الموحدية المتوالية في القضاء على سلطانه، قد حمل البلاط الموحدي على أن يفكر في افتتاح ميورقة، والقضاء على سلطان بني غانية فيها، وضربهم بذلك في موطن قوتهم الأصلى، ومصدر مواردهم وأمدادهم البحرية، فيكون ذلك الفتح ذاته، وسيلة لضرب سلطان يحيى الميورقي في إفريقية، والتمهيد للقضاء على حركته.
وقد سبق أن فصلنا ظروف استيلاء بني غانية على الجزائر الشرقية، وقيام حكمهم في ميورقة، ومحاولة الخليفة أبي يعقوب يوسف أن يخضع عميدهم إسحاق ابن غانية لسلطان الموحدين، وما كان من إرساله سفيره علياً الربرتير إلى ميورقة، ليعمل على تحقيق هذه الغاية، وإخفاق الربرتير في مهمته، ثم قيام علي بن إسحاق بافتتاح بجاية، وبداية تلك الحركة المضطرمة، وتلك الحملات المخربة المتوالية، التي قام بها بنو غانية في إفريقية، واستيلائهم تباعاً على معظم قواعدها.
وكان على حكم ميورقة في ذلك الوقت الذي اشتدت فيه حركة يحيى بن إسحاق بإفريقية، أخوه عبد الله بن إسحاق بن غانية. وقد سبق أن أشرنا إلى الظروف التي استطاع فيها عبد الله أن ينتزع حكم ميورقة من أخيه محمد بن إسحاق وذلك في سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م)، واستبد عبد الله بحكم ميورقة، كبرى الجزائر، وازدهرت في عهده، واستمر على رياستها طوال هذه الأعوام دون منازع. وكان عبد الله، يتبع سياسة أبيه إسحاق بن غانية في مسالمة الدول النصرانية القريبة،
стр. 1981
ولاسيما جنوة وبيزة، ويعقد معها الصلات الودية، وكان ذلك مما يساعد على رواج التجارة بين ميورقة وبين هذه الدول البحرية. وفي سنة ٥٩٤ هـ (١١٩٨ م) عقد عبد الله مع جمهورية جنوة معاهدة صلح وتجارة لمدة عشرين عاماً، وذلك بواسطة نيقولا لاكانوتزى سفير جنوة إلى ميورقة. وكان التجار النصارى في الجزيرة، يعيشون في دعة وطمأنينة آمنين على أنفسهم وأموالهم، وتعاون جهودهم في ترويج تجارة الصادر والوارد بين الفريقين. وكان من الواضح أنه منذ اضطرمت الخصومة بن بني غانية والموحدين، لم يكن في وسع الجزائر أن تعتمد في تموينها ومواردها الحيوية على الأندلس المعادية، ومن ثم فقد كانت تسعى للحصول على مواردها من النصارى، وكان هؤلاء يمدونها بالسفن والسلاح والذخائر، مقابل الحبوب ومنتجات الجزيرة الأخرى. ومن جهة أخرى، فقد كان النصارى يجنون ثمار هذه الصلات الودية مع ميورقة، وذلك بامتناع عبد الله عن الإغارة على شواطئهم. على أن عبد الله كان ما يزال ينظم غاراته البحرية على شواطىء الدول التي لم يكن يرتبط معها بعهود الصداقة والمودة، مثل فرنسا، وكانت هذه الغارات، توطد من مكانته لدى شعبه وتزيد في ثرائه. وبالرغم من أن عبد الله لم يكن في وسعه دائماً، أن يمد أخاه يحيى بالسفن والجند، في مغامراته الإفريقية، فإن ميورقة كانت تعتبر مع ذلك بالنسبة لبني غانية، مركزهم الرئيسي وموطن قوتهم الحقيقية (١).
كانت هذه أحوال ميورقة، حينما وصلت غزوات يحيى بن غانية للثغور الإفريقية إلى ذروتها، وحينما اعتزم البلاط الموحدي أن ينفذ مشروعه لغزو ميورقة، كوسيلة لضرب بني غانية في صميم مثوى قوتهم وسلطاتهم. وكان الموحدون يرون أنه متى سقطت ميورقة في أيديهم، فإنهم يستطيعون عندئذ أن يتفرغوا لمطاردة يحيى بن غانية والقضاء على سلطانه في إفريقية، دون أن يكون أمامه ملاذاً وملجأ أخيراً يتجه إليه.
وبذل الخليفة الناصر وأعوانه من أشياخ الموحدين جهوداً مضاعفة لإعداد حملة بحرية عظيمة توجه لغزو ميورقة. وفي تلك الأثناء، وقبل أن يتم إعداد الحملة، عمد عبد الله بن إسحاق بن غانية إلى مهاجمة جزيرة يابسة الواقعة جنوب
стр. 1982
غربي ميورقة محاولا انتزاعها من الموحدين، وكان ذلك في أوائل سنة ٥٩٧ هـ، خلال فصل الشتاء، حينما تكون الأساطيل الموحدية راسية في سبتة، فقاومته السفن الموحدية المرابطة بقيادة ابن ميمون، وانتزع ابن ميمون منه سفينتين وأحرقهما، فارتد إلى ميورقة خائباً. ولكنه سار في العام الثاني (٥٩٨ هـ)، وهاجم جزيرة مِنورقة وانتزعها من أيدي الموحدين، وولي عليها من قبله رجلا اسمه الزبير بن نجاح. والظاهر أن عبد الله كان قد ترامت إليه الأخبار عن مشروع الموحدين في غزو ميورقة، فأراد أن يبادر بإبعادهم عن هذه المياه، وتأمين ميورقة بالسيطرة على منورقة ويابسة جناحيها من الشرق والغرب.
وأخيراً تم إعداد الحملة البحرية المنشودة، مكونة من أسطول سبتة بقيادة السيد أبي العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، ومن جيش من الفرسان والرماة والرجالة، بقيادة الشيخ أبي سعيد بن أبي حفص. والتقت القوتان بثغر دانية، أقرب قواعد الأندلس البحرية إلى الجزائر. وكانت القوي البرية تتألف من ألف ومائتى فارس، وسبعمائة من الرماة، وخمسة عشر ألفاً من الرجالة غير غزاة القطع (أي السفن). وكان الأسطول يتكون من ثلاثمائة جفن (سفينة) منها سبعون غراباً، وثلاثون طريدة، وخمسون مركباً كباراً، ومائة وخمسون قارباً من مختلف الأنواع، وكانت الحملة مزودة بكميات كبيرة من العدد والسلاح والمجانيق والسلالم، ومختلف الأدوات، وكذلك من الدروع والسيوف والرماح والبيضات والدرق، والقسىّ، وصناديق النشاب، وكانت بالأخص مزودة بكميات وافرة من الطعام استعداداً لطول المقاومة أو طول الحصار. وأقلعت الحملة من ثغر دانية في أواخر سنة ٥٩٩ هـ (١٢٠٣ م)، فوصلت بعد أيام قلائل إلى جزيرة يابسة، فصلوا بها الجمعة، ثم أقلعت منها يوم السبت الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة (سبتمبر سنة ١٢٠٣) قاصدة إلى ميورقة (١). ويبدو مما يقوله صاحب البيان المغرب، أن السيد أبا العلاء، قد انحرف أولا بجزء من الأسطول نحو جزيرة منورقة، وانتزعها من ابن نجاح، وقبض عليه، وأرسله مع بعض صحبه مصفداً إلى الحضرة، وهنالك أعدم وعلقت رأسه (٢). وبذلك تم تأمين جناحى الحملة الموحدية، وتطويق ميورقة كبرى الجزائر. ثم أقبلت
стр. 1983
السفن الموحدية إلى ميورقة واحتلت مرساها، وأنزل العسكر المهاجم بالقرب من مدينة ميورقة عاصمة الجزيرة، فخرج إليهم عبد الله بن إسحاق في جموعه، واضطرم القتال بين الفريقين، واستمرت المعارك بينهما سبعة أيام، وعبد الله وجنوده يدافعون بمنتهى الشدة ويقاتلون قتال اليأس، وأخيراً دارت عليه الدائرة فهزم وقتل ومعظم أصحابه. وأغلق المدافعون في الداخل أبواب المدينة فطوقها الرماة وغزاة البحر، واقتحموها، ودخلها الموحدون وبدأوا بنهبها، ودخل السيد أبو العلاء والشيخ أبو سعيد المدينة، وأمامهما رأس عبد الله مرفوعة على قناة، فأمر في الحال بمنع النهب، وتأمين الناس، وقبض على أولاد عبد الله وأهله، فخرج الناس، وقد أمنوا واطمأنوا، وكُتب في الحال بالفتح إلى الخليفة الناصر. وكان فتح ميورقة على هذا النحو في شهر ربيع الأول سنة ستمائة (شهر ديسمبر سنة ١٢٠٣ م) (١).
تلك هي تفاصيل الفتح الموحدي لميورقة حسبما يوردها لنا صاحب الروض المعطار، وحسبما تقصها علينا رسالة الفتح الصادرة عن الخليفة الناصر، والمدبجة بقلم كاتبه أبي عبد الله بن عياش. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن الحملة الموحدية لفتح ميورقة كانت بقيادة الخليفة الناصر نفسه، وأنه خرج من مدينة فاس فوصل إلى جزائر بني مزغنة، وجهز من هنالك الأساطيل والعساكر لفتح ميورقة، ففتحها وانتزعها من أيدي المرابطين (٢). بيد أنه لا توجد أية رواية أخرى تؤيد هذا القول، فضلا عن أن رسالة الفتح الرسمية صريحة قاطعة في عدم صحته. ويقدم إلينا ابن خلدون إسمى قائدى الحملة وهما كما تقدم السيد أبو العلاء إدريس قائد الأسطول، والسيد أبو سعيد بن أبي حفص قائد القوي البرية (٣). ويقول لنا صاحب البيان المغرب إن الناصر كان في الوقت الذي سارت فيه الحملة الموحدية إلى الجزائر مقيماً بحضرة مراكش (٤).
وندب السيد أبو العلاء لولاية الجزائر عبد الله بن طاع الله الكومي، فكان
стр. 1984
أول ولاتها من الموحدين، وعين لقضائها الفقيه المحدث عبد الله بن حوط الله. ثم ولى الناصر عليها عمه السيد أبا زيد بن أبي يعقوب يوسف، وندب ابن طاع الله لقيادة البحر.
وكان فتح الموحدين لميورقة ضربة شديدة لبني غانية، قضت نهائياً على سلطانهم في الجزائر، ومن جهة أخرى فقد كان له وقع عميق لدى الممالك النصرانية القريبة، ولاسيما مملكة أراجون المواجهة في شبه الجزيرة. وإلى هذا تشير رسالة الفتح صراحة بقولها " ولأخذُ ميورقة على صاحب أرغون وبرشلونة، أشدُّ من رشق النبل وأهول من وقع السيف، وأوحش من القطع بحلول الممات " وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يتبعه بنو غانية من سياسة المسالمة والمودة نحو الدول النصرانية المجاورة، ولاسيما مملكة أراجون وجمهوريتى جنوة وبيزة. وكانت تجمع بين بني غانية أصحاب الجزائر وبين أراجون بالأخص فكرة مشتركة، هي خصومة الموحدين والكفاح ضدهم وكانت أراجون وحليفاتها من الدول النصرانية لذلك، تنظر إلى سيادة بني غانية للجزائر بعين الإغضاء، ما التزم بنو غانية سياسة المودة والمسالمة. أما الآن، وقد احتل الموحدون الجزائر، فإنه كان لابد للدول النصرانية، وفي مقدمتها أراجون أن تتخذ نحو الجزائر موقفاً آخر. ومن المحقق أن أراجون ومن ورائها جنوة وبيزة كانت تطمع دائماً إلى انتزاع الجزائر من المسلمين. وقد جاء استيلاء الموحدين على الجزائر عاملا جديداً، يذكى هذه الرغبة ويؤكدها. على أن ظفر الموحدين بالاستيلاء على الجزائر، كانت تقابله من الناحية الأخرى، ضربة جديدة مؤلمة الموحدين في إفريقية. ذلك أن يحيى بن إسحاق بن غانية، كان يشعر حين ترامت إليه أنباء الحملة الموحدية، التي سيرت إلى الجزائر، أن مصير ميورقة قد بت فيه، وأنه لم يبق لبني غانية إلا أن يعملوا على توطيد أمرهم بإفريقية، وأنه لابد لتحقيق هذه الغاية أن يسحق سلطان الموحدين نهائياً في تلك المنطقة. وكان يحيى قد ظفر عندئذ بالاستيلاء على المهدية، والقضاء على خصمه ابن عبد الكريم. ففكر عندئذ في الاستيلاء على تونس عاصمة إفريقية. وكانت سائر الثغور الشرقية، وسائر القواعد الجنوبية القريبة من تونس قد سقطت في يد يحيى، وجردت العاصمة من سائر مواردها المعتادة، وكان والي إفريقية السيد أبو زيد لا يحتكم على قوي كافية للدفاع. ومن جهة أخرى، فإن انشغال الموحدين في نفس
стр. 1985
هذا الوقت بالذات، بتسيير حملتهم الكبيرة إلى الجزائر، كان يحول دون إرسالهم الأمداد العاجلة إلى إفريقية. ومن ثم فإن الظروف كلها كانت مؤاتية لمشروع يحيى الميورقي. فاستعمل على المهدية ابن عمه علي بن الغانى بن عبد الله بن محمد ابن غانية ويعرف بالكافى. وسار في قواته وعُدده صوب تونس، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة سنة ٥٩٩ هـ، ونزل بالجبل الأحمر في ظاهر تونس، ونزل أخوه الغازى بن إسحق بالموضع المعروف بحلق الوادي حيث يتصل البحر بالبحيرة شرق المدينة، فردم المجرى الموصل بينهما وجعله أرضاً يابسة، ورتب عليه الحرس، وقطع بذلك سير القوارب الداخلة إلى المدينة والخارجة منها، ثم تحول إلى قبلى المدينة، على مقربة من باب الجزيرة وردم الخندق المواجه له، ونصب أمام الباب المجانيق وآلات الحرب، وضرب الميورقيون حول تونس حصاراً صارماً، ولم يجرؤ الموحدون على الخروج من المدينة، والاشتباك مع العدو في أية معركة، لقلة عددهم، وضآلة مواردهم. واستمر هذا الحصار المرهق أربعة أشهر. وفي يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر سنة ستمائة (١٥ ديسمبر سنة ١٢٠٣ م)، اقتحم يحيى في قواته البلد، وقبض على واليها السيد أبي زيد وولديه، وجماعة من أشياخ الموحدين، وثقفوا بمكان بداخل القصبة تحت حرس قوي، وأعلن يحيى الأمان لأهل تونس في أنفسهم وأملاكهم، ولكنه فرض عليهم غرامة قدرها مائة ألف دينار، قال إنها هي مقدار ما أنفقه في الاستيلاء عليها، وقُسّطت هذه الغرامة على أهل المدينة وفق أحوالهم المادية، وعهد باقتضائها إلى كاتبه الأثير ابن عصفور، وإلى أبي بكر بن عبد العزيز السكاك من أهل المدينة، فاشتطا في تحصيل المال، ولحق الناس من ذلك منتهى الإرهاق والعنت، وقتل منهم كثير بسبب ذلك، وانتحر إسماعيل بن عبد الرفيع المقدم على قبض مال المخزن وغيره من الناس، فلما علم الميورقي بذلك، أمر برفع ما بقى من الغرامة عن الناس، ونودى فيهم بالأمان. وعلم الميورقي بعد ذلك أن أهل جبل نفوسة توقفوا عن أداء الإتاوة المفروضة عليهم، وكان أهل هذه المنطقة معظمهم من الخوارج، وكانوا يبغضون نير الموحدين ونير بني غانية معاً، ويثورون من آن لآخر محافظة على استقلالهم. فخرج إليهم يحيى بنفسه، واستصحب معه السيد أبا زيد وزملاءه من الموحدين المعتقلين، مبالغة في التحفظ عليهم، وفرض على أهل نفوسة ألفى ألف دينار. ولما انتهى من اقتضائها منهم
стр. 1986
بوسائله المروعة، عاد إلى تونس واستقر بقصبتها (١).
- ٣ -
وهكذا تم ليحيى بن إسحاق الميورقي الاستيلاء على عاصمة إفريقية، ولم يبق بيد الموحدين من إفريقية، بعد أن سقطت جميع قواعدها الشرقية والداخلية في يد الميورقي، سوى ثغر بجاية، وما يليه غرباً. وكان لسقوط تونس، وما اقترن به من أسر واليها وزملائه من أشياخ الموحدين، وقع عميق في بلاط مراكش. وكان مما يضاعف هذا الوقع، ما يرتكبه الميورقي باستمرار من ضروب العيث والقمع والقسوة، في مختلف القواعد التي يسيطر عليها. وكان الموحدون، بعد أن ظفروا بالاستيلاء على ميورقة، وجردوا بني غانية بذلك من ملاذهم ومركز سلطانهم في الأندلس، يرون أن الوقت قد حان للقضاء على سلطانهم بإفريقية، وتحريرها من نيرهم ومن عيثهم، واسترداد سلطان الموحدين، والعمل على توطيد هيبتهم في تلك الأنحاء. بيد أن الموحدين كانوا يشعرون في نفس الوقت بفداحة هذه المهمة، ومن ثم فإن الخليفة الناصر حينما شاور الأشياخ في ذلك الأمر، رأى معظمهم أن يكتفي بمسالمة ابن غانية والاتفاق معه، ولكن أبا محمد بن الشيخ أبي حفص أشار بوجوب السير إلى إفريقية، ومحاربة ابن غانية، ووافق الناصر على هذا الرأي.
وكان الناصر في الوقت الذي سار فيه الموحدون لفتح ميورقة، أعني في سنة ستمائة، يقيم بحضرة مراكش، ويعنى بشئون الأندلس الإدارية والعسكرية، وكان من أهم ما عنى بذلك إرسال الأوامر المؤكدة إلى سائر ولاة الأندلس بالنظر في صنع الآلات الحربية. ففي شهر المحرم من هذا العام، وصل الأمر إلى إشبيلية بضرب الآلات وشراء الدروع المحكمة. وفي شهر ربيع الأول ندب الناصر عمه السيد أبا إسحق بن يوسف بن عبد المؤمن لولاية إشبيلية، مكان الشيخ أبي عبد الله ابن يحيى، الذي نقل إلى ولاية بسطة. ووُلّى السيد أبا محمد عبد الواحد بن يوسف ابن عبد المؤمن على مدينة شلب وبلاد غربي الأندلس، والشيخ أبا يحيى بن أبي سنان على مدينة بطليوس وجهاتها. وندب أبا عبد الله بن عبد السلام الكومي لقيادة أسطول سبتة. وفي نفس العام وصل إبراهيم بن الفخار اليهودى رسول
стр. 1987
ألفونسو التاسع ملك قشتالة ووزيره، إلى مراكش، يطلب تجديد المهادنة. فلما ترامت الأنباء بسقوط تونس في يد الميورقي، واشتداد عيثه وبطشه بأنحاء إفريقية، وعقد الخليفة الناصر عزمه على محاربته والقضاء على سلطانه، أعدت حملة موحدية جديدة للسير إلى إفريقية، وصدرت الأوامر إلى الأسطول بالسير من سبتة إلى مياه إفريقية، وعين لقيادة وحداته أبويحيى بن أبي زكريا الهزرجى. وكان يحيى الميورقي في ذلك الوقت بالذات، ما يزال ينزل ضرباته بمختلف أنحاء إفريقية، وكان بعد أن قام بإخماد ثورة أهل جبل نفوسة، قد سار إلى ناحية طرّة قاعدة بلاد نفزاوة لإخماد ثورتهم أيضاً، فاقتحم أحياءهم، واشتد في معاقبتهم، وقتل جنده كثيراً منهم، وأضرموا النار في دورهم، ثم سار إلى حمة مطماطة، ففعل بأهلها مثل ذلك، وضجت هذه الأنحاء كلها من سفكه وشديد عيثه (١).
هذا وبينما الميورقي سادر في هذا العيث والسفك، إذ بلغته الأنباء باقتراب القوات الموحدية، وعلى رأسها الخليفة الناصر. وكان الناصر قد غادر مراكش على رأس قواته في أواسط جمادى الآخرة سنة ٦٠١ هـ (فبراير سنة ١٢٠٥ م) وسار إلى رباط الفتح قاعدة تجمع الجيوش الموحدية. ثم غادر رباط الفتح في قواته متجهاً صوب إفريقية، وكانت وحدات الأسطول الموحدي، تسير في نفس الوقت بحذاء الشاطىء، صوب بجاية وتونس، بقيادة أبي يحيى بن أبي زكريا الهزرجى. فلما علم الميورقي باقتراب الأسطول الموحدي من تونس، ووصول الجيش الموحدي إلى بجاية، وأدرك أنه لا قبل له بالصمود أمام هذه القوي الجرارة جمع أمواله وذخائره، وأرسلها إلى المهدية، لتكون تحت حراسة ابن عمه على ابن الغانى، ثم بادر بإخلاء تونس، وارتد في قواته جنوباً، فوصل إلى القيروان وأقام بها أياماً، وهو يجد في الأهبة، ثم سار إلى قفصة، وهنالك استدعى طوائف العربان، وبذل لهم الأموال والوعود، وأخذ مواثيقهم ورهائنهم على مناصرته والقتال معه. ووقف الموحدون على انسحاب الميورقي من تونس، فنزلتها القوات البحرية الموحدية، وقتلوا كل من وجدوه بها من أتباع الميورقي، وأصدر قائد الأسطول الأمان لأهلها. ولما علم الناصر باستيلاء قواته على تونس، وفرار الميورقي في قواته نحو الجنوب، سار في أثره
стр. 1988
صوب قفصة. فسار الميورقي في قواته إلى جبل دمّر، وتحصن به. وسار الناصر إلى قفصة، فأقام بها أياماً، ثم توجه إلى قابس وندب لها عاملا من قبله. وكان يحيى الميورقي قد قرر أن يركز مقاومته الأخيرة في المهدية، فضاعف تحصيناتها، وشحنها بطائفة من قواته المختارة، ووكل الدفاع عنها لابن عمه علي بن الغازى. واستعد هو للقاء القوات الموحدية بمكانه الحصين من جبل دمّر، وقرر الموحدون من جهة أخرى مطاردة الميورقي في مركزى مقاومته في وقت واحد، فسار الناصر بنفسه لمحاصرة المهدية، وطوقها بقوات كثيفة من الموحدين والعرب، ونصب عليها المجانيق، وسار إليها الأسطول الموحدي ليحاصرها من ناحية البحر. وبعث الناصر في نفس الوقت جانباً من القوات الموحدية يحتوى على أربعة آلاف فارس بقيادة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص لمقاتلة الميورقي في جبل دمّر، فلما أشرف الموحدون على محلته، وشهد ضخامة عددهم، أراد الفرار بقواته في البداية، ولكن ضباطه شجعوه على الثبات وخوض المعركة، فنشبت بين الفريقين فوق جبل صغير يعرف برأس تاجْرَا، على مقربة من وادي مجسر، جنوب شرقي قابس (١) معركة دموية عنيفة، استمرت نحو ثلاث ساعات ودارت فيها الدائرة على الميورقي وأصحابه، فقتل وأسر معظمهم، وكان بين القتلى أخوه جبارة، وكاتبه علي بن اللمطى، وعامله الفتح بن محمد؛ وفر يحيى مع جماعة قليلة من صحبه، وكان قد ترك ولده وأهله في موضع بعيد عن مكان المعركة فصحبهم في فراره، وأنقذوا بذلك من الأسر، واستطاع الشيخ أبو محمد القائد المظفر أن ينقذ السيد أبا زيد وأصحابه أحياء من أسر الميورقي، وكان الموكل بالسيد أبي زيد على وشك أن يجهز عليه، واستولى الموحدون على محلة الميورقي، ورايته العباسية السوداء، وسائر ما كان بالمحلة من الأموال والأسلاب والإبل، وكانت غنيمة وافرة تحتوي على ثمانية عشر ألفاً من أحمال المال والمتاع والآلات، وحمل ذلك كله إلى الخليفة الناصر، وهو تحت أسوار المهدية، وكان بين الأسرى الأمين الموكل بثقاف السيد أبي زيد، فشهر به فوق جمل عال، وبيده الراية السوداء؛ ووقعت هذه الهزيمة الساحقة بالميورقي بجبل تاجْرا في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول سنة ٦٠٢ هـ (١٧ أكتوبر سنة ١٢٠٥ م) (٢).
стр. 1989
وكان الموحدون في تلك الأثناء يضاعفون جهودهم للضغط على المهدية، وإرغامها على التسليم. وكان يحيى الميورقي، توقعاً لهذا الحصار، قد بالغ في اتخاذ الأهبة، وشحن المهدية بالرجال والمؤن. وكان حاكم المدينة علي بن الغازى جندياً جريئاً، ومدافعاً قوي الشكيمة، فبذل جهوداً عنيفة لرد المحاصرين، وخرج لقتالهم عدة مرات، وفي كل مرة يوقع بهم ويحرق مجانيقهم وآلاتهم ويسبب لهم خسائر شديدة، واضطر الموحدون إزاء ذلك إلى الإكثار من المجانيق والآلات، وإعداد السلالم والأبراج العالية للإشراف على المدينة، ومضاعفة الحشود حولها، واستمر الأمر على هذا المنوال، حتى وقعت معركة رأس تاجْرا، وهزم يحيى وألجىء إلى الفرار، وحمل الموحدون الغنائم والعلم الأسود إلى الناصر تحت أسوار المهدية، وقاموا بتبريز الغنائم، وتوزيعها بمشهد ظاهر من أهل المدينة المحصورة، ومع ذلك فإن الغازى وصحبه لبثوا حيناً غير مؤمنين بهزيمة يحيى، واستمرت المعارك بينهم وبين المحاصرين وقتاً، وجمع الناصر المجانيق على جهة واحدة من السور، وشدد في ضرب المدينة، فكثر القتلى والجرحى من أهلها، واضطر الغازى وصحبه أخيراً إلى طلب الأمان والتسليم، على أن يُسمح لهم باللحاق بيحيى، فوافق الناصر على طلبهم، وسلمت المدينة للناصر في اليوم السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٦٠٢ هـ (١١ يناير سنة ١٢٠٦ م) وغادر علي بن الغازى - وكان الموحدون يسمونه بالحاج الكافر - المدينة مع صحبه، ونزل بموضع قريب منها بنية اللحاق بيحيى، ولكنه عاد في اليوم التالي، فعدل عن هذه النية، وبعث إلى الناصر يعلن طاعته ودخوله في الدعوة الموحدية، فاغتبط الناصر بتوحيده، واستدعاه إليه، وغمره بعطفه وإكرامه، وصحبه معه فيما بعد إلى مراكش، ولما عبر الناصر البحر بعد ذلك إلى الأندلس بقصد الجهاد، سار علىٌّ معه، واشترك مع الموحدين في معركة العقاب، وقتل ضمن من قتل منهم (١).
وفي يوم عشرين من جمادى الأخرى، غادر الناصر المهدية، بعد أن عفا عن سائر أهلها، من المقاتلين وغيرهم، وأمر بترميم أسوارها، وتنظيم أمورها، وعين لها والياً هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن يغمور الهنتاني، وعين لولاية طرابلس عبد الله بن إبراهيم بن جامع. ثم سار إلى تونس، ومنها أصدر كتب الفتح، واستقر بها بقية عام اثنين وستمائة، ومعظم العام التالي.
стр. 1990
- ٤ -
وهكذا انتهت هذه المعركة العنيفة الشاملة، بسحق يحيى بن إسحاق الميورقي، وسحق سلطان بني غانية في إفريقية، واسترداد الموحدين لسلطانهم وهيبتهم، في تلك المناطق الغنية الآهلة. وكان قد مضى نحو ربع قرن، منذ نفذ بنو غانية أصحاب الجزائر الشرقية، مشروعهم في مهاجمة إفريقية، واتخاذها مسرحاً للصراع ضد الموحدين خصوم الدولة المرابطية والمنتزعين لتراثها، ومنذ استولى عميدهم علي بن إسحاق بن غانية الميورقي، على ثغر بجاية في سنة ٥٨٠ هـ (١١٨٤ م) في أوائل عهد الخليفة المنصور. وقد تتبعنا حركات بني غانية ومغامراتهم في إفريقية من ذلك التاريخ، وأتينا على فتوحاتهم المتوالية للقواعد والثغور الإفريقية، وعلى ما نشب بينهم وبين الموحدين، في مختلف المواطن والتواريخ، من معارك مريرة مستمرة. ولقد كان بنو غانية رجال حرب وسياسة معاً، يبغون افتتاح الأقطار، وبسط السيادة والسلطان على ما يفتحونه من الأراضي، ولكن كانت تحفزهم إلى خوض هذه المعارك مع الموحدين مشاعر ومثلٌ خاصة، فقد كانت تجثم وراء هذه المعارك والفتوحات المتوالية، إلى جانب شهوة السلطان والملك، رغبة مضطرمة في تقويض أسس الدعوة الموحدية، والقضاء على سلطان الموحدين. وكانوا يرون الدعوة الموحدية، دعوة ختل وخداع، ويعتبرون الموحدين غاصبين آثمين، استولوا بغير حق ولا سند شرعى، على تراث الدولة المرابطية غدراً وظلماً، ويعتبرون المرابطين سادتهم وحماتهم الأوائل، وبنى قبيلهم وجلدتهم، مجاهدين شهداء، يجب الانتقام لهم، والانتصاف لحقهم المغصوب.
كانت هذه العواطف والمثل هي التي تحرك بني غانية في البداية إلى شهر صراعهم ضد الموحدين في إفريقية، ولكنهم بعدما تحقق لهم الظفر في ذلك الصراع، وبعد أن استولوا على معظم القواعد والثغور الإفريقية، ونعموا بالملك والسلطان، وامتلأت أيديهم من الأموال والغنائم، تحولوا إلى فئة من المغامرين، تقصد قبل كل شىء إلى تحقيق الغُنم والسلطان بأى الوسائل، وتضاءل لون المعركة المذهبي والمثالى شيئاً فشيئاً، واستحال إلى صراع مادي على امتلاك ملك المنطقة الغنية الآهلة - إفريقية - وانتزاعها من أيدي الموحدين، لتغدو غنماً لبني غانية. وقد أسفر هذا الصراع عن تحقيق أمنية بني غانية كاملة، واستطاع
стр. 1991
يحيى بن غانية، بعد فترة قليلة من مصرع أخيه علي بن غانية، أن يفتتح سائر القواعد والثغور الإفريقية - القيروان وسوسة والمهدية وصفاقس وقفصة وبلاد الجريد، وجبل نفوسة وطرابلس وغيرها، وانتهى أخيراً بأن افتتح تونس ذاتها، وتغلب على خصومه من الغز في المنطقة الشرقية، وسحق سائر الحملات الموحدية التي وجهت لقتاله، ولم يبق بيد الموحدين من إفريقية سوى بجاية، وما يليها من الشاطىء.
على أن هذه المملكة العظيمة، التي استطاع يحيى بن غانية أن يبسط عليها سلطانه، لم تكن وحدة متماسكة متناسقة، فقد كان سكانها يتألفون من عناصر مختلفة متنافرة، من العرب والبربر، وكان من بينها في الجنوب في جبل نفوسة، وما يليه، طوائف من الخوارج لا تدين بالولاء لأحد. ولم يكن يحيى بن غانية بالرغم من براعته وبسالته كجندى وقائد، يتصف بشىء من المقدرة الإدارية والنظامية، ولم يستطع بالرغم من ظفره على خصومه في معظم المعارك التي خاضها، أن ينشىء في البلاد التي افتتحها أية نوع من الحكومة المنظمة، بل كان يجرى في حكمها على نوع من الارتجال الخطر، وكانت أساليبه في الحكم هي أساليب الطاغية المطلق، أعني حكم عسف وهوى، لا يعرف معنى للحق والعدل، فلم يكن ثمة في ظله ضمان للنفس أو الأموال أو الحرم، بل كان يتميز قبل كل شىء بالقتل والغصب واستباحة الحُرم، وعلى الجملة، فلم تكن حكومة الميورقي، وعماله في تلك الأقطار، سوى حكومة عصابات ناهبة تعتمد في تدعيم سلطانها على الإرهاب المطبق. وكان يحيى لا يدخر وسعاً في استلاب المال بكافة الوسائل، ينفق منه على حملاته ومشاريعه الحربية التي لا تنتهي، ويبذل الوفير لأحلافه من طوائف الأعراب القُلّب الذين لا يخبو لهم جشع. وقد رأينا ما كان من بالغ جشعه واشتطاطه في فرض الغرامات على أهل تونس، وجبل نفوسة، وما اقترن باقتضائها من رائع السفك والتقتيل.
وقد كان حريًّا بمثل هذا الحكم أن يثير بغض سائر المحكومين ومقتهم وأن يحفزهم إلى ترقب انهياره والخلاص منه. وهكذا كان سلطان بني غانية، يقوم على بركان من البغض الخطر، الذي لا يلطف منه أي عطف أو ولاء. وبالرغم من أن حكم الموحدين لإفريقية لم يكن حكماً مثالياً، فقد كان على الأقل حكماً نظامياً، في معنى من المعانى، وكان بعيداً عن مثل هذه الفظائع، التي كانت تصم حكم
стр. 1992
بني غانية باستمرار، ومن ثم فإنه لم يكن غريباً أن يتوق أهل المدن الإفريقية إلى عودة الحكم الموحدي، وأن يستقبلوا الجيوش الموحدية بالترحيب والرضى، وأن يبتهجوا لسقوط الميورقي وانهيار سلطانه.
تلك هي الظروف والعوامل التي اجتمعت لتقوض سلطان بني غانية في إفريقية، ولتحول انتصارات يحيى الميورقي وفتوحاته، إلى حملات ناهبة غير مستقرة الدعائم، ولتجعل من حكمه لتلك المملكة الغنية الشاسعة، حكم عصابة مغامرة، ولتحمل إليه في النهاية عوامل الانهيار والسقوط.
على أن يحيى الميورقي، بالرغم من هزيمته الساحقة في جبل تاجرا، ومن فقده لأمواله وعتاده، ومعظم صحبه، وفراره في فلوله شريداً إلى الصحراء الجنوبية، لم ييأس مع ذلك، ولم تتكسر نفسه الوثابة، ولم تخب قواه المعنوية، ولم يعتبرها كلمة الفصل النهائية، في معركته مع الموحدين، وسوف نراه عما قريب ينزل إلى ميدان النضال والصراع مرة أخرى، مزوداً بقوى جديدة، وآمال جديدة.
- ٥ -
كان أهم ما عنى به الناصر خلال إقامته بتونس، هو أن يتخذ كل إجراء ممكن، لتأمين إفريقية، وتوطيد سلطان الموحدين بها، والحيلولة دون قيام أمر بني غانية مرة أخرى. وكان يحيى الميورقي على أثر هزيمته الساحقة في موقعة تاجرا، قد فر في فلوله حسبما تقدم إلى الواحات الجنوبية، بيد أنه لم يكن ثمة ما يدل على أنه قد سحق بصورة نهائية. ومن جهة أخرى فقد كانت توجد ثمة طوائف أخرى من البربر والأعراب في الجهات الجنوبية، دائبة الشغب والعصيان. ففي شهر صفر سنة ٦٠٣ هـ، وجه الناصر وهو ما يزال بتونس حملة موحدية جديدة، تحت إمرة أخيه السيد أبي إسحق، إلى الأطراف الجنوبية لاستئصال أهل الشر والفساد، فسارت هذه الحملة، وهي تتقصى آثار " الأشقياء " شرقاً وغرباً، حتى وصلت إلى أحواز طرابلس، وقامت بردع بني دمر، ومطماطة، ووصلت إلى آخر جبال نفوسة، وهي تعمل على مطاردة العناصر المشاغبة وسحقها، ثم عادت إلى تونس بعد أن قامت بتأدية مهمتها، دون أن تلقى معارضة أو مقاومة (١).
стр. 1993
على أن أنجع إجراء اتخذه الناصر لتأمين إفريقية هو إسناده ولايتها إلى الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر الهنتاني، وهو الظافر في معركة تاجرا. وكان أبو محمد يومئذ عميد أشياخ الموحدين، وأعلاهم مكانة، وأشدهم نفوذاً لدى الخليفة. وكان يمت إلى الخليفة بصلة النسب الوثيق، إذ كان متزوجاً أخته إبنة الخليفة المنصور. وكان الناصر يثق بحكمته، وسديد رأيه ووافر مقدرته. وقد اعتذر أبو محمد بادىء ذي بدء عن قبول هذا المنصب، وشعر أنه نوع من الإبعاد له عن البلاط، والمشاركة في الجليل من الشئون، فبعث الناصر إليه ابنه وولىّ عهده الفتى يوسف، ليقنعه بالقبول. ويفصل لنا التجاني في رحلته، ما قاله ولى العهد للشيخ، وما نوه به من أهمية إفريقية، وما ضحى به الموحدون في سبيلها من المال والرجال، وأن الخليفة لم يجد عن اختيار الشيخ معدلا، وقد أكبر الشيخ حركة الخليفة ومقدم ولى عهده، فأبدى قبوله لولاية إفريقية، بشروط خلاصتها أنه لا يبقى في منصبه إلا بقدر ما تصلح أحوال إفريقية، وينقشع خطر الميورقي عنها، وهو يقدر لذلك ثلاث سنين، وأن يختار من قوات الجيش من يرى بقاءهم معه، وألا يُسئل عن تصرفاته كائنة ما كانت، وأن يُخير في أمر الولاة الذين اختارهم الخليفة لبلاد إفريقية، فيبقى من يشاء ويعزل من يشاء، فقبل الناصر كل شروطه. ثم أزمع الرحلة إلى المغرب، فغادر تونس في السابع من شهر شوال سنة ٦٠٣ هـ، وصحبه الشيخ أبو محمد مدى ثلاثة أيام. وحدث عند خروج الناصر أن مثل بين يديه أهل تونس وأبدوا له خوفهم، من أن يعود الميورقي إلى عدوانه، بعد سفره، فاستدعى الناصر أعيانهم، وطمأنهم بوجود الشيخ أبي محمد على رأس الولاية، وأنه آثرهم بوجوده رغم شدة حاجته إليه، فاطمأن الناس لقوله واستبشروا بولاية الشيخ (١).
وسار الناصر أولا إلى تلمسان، فوصل إليها في أوائل شهر ذي الحجة، واستقر بها وقتاً، وأنفذ منها الأوامر إلى ولاة إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبسطة وألمرية ومرسية، لموافاته مع أتباعهم، وكان عند خروجه إلى غزوته في إفريقية، قد أمر بعزل السيد أبي إسحق عن ولاية إشبيلية، وقدم عليها أخاه السيد أبا موسى. وقضى أيام عيد النحر بتلمسان، وبقى بها حتى نهاية ذي الحجة، ثم غادرها إلى مدينة فاس، ونزل بها في أوائل شهر المحرم سنة ٦٠٤ هـ، واستأنف بها النظر في
стр. 1994
الأعمال، وشكا إليه أهل فاس من مظالم عاملهم أبي الحسن بن أبي بكر، كما شكا إليه أهل مكناسة من مظالم عاملهم أبي الربيع بن أبي عمران، فأمر بالقبض عليهما، واستصفاء أموالهما، ثم رحل إلى مكناسة، ونزل بها في صفر، وأصابته هنالك وعكة، يبدو أنها كانت من أثر مرض وبائى فشا ببلاد الأندلس وانتقل إلى العدوة. فلما تماثل للشفاء، غادر مكناسة إلى رباط الفتح، فوصل إليها في شهر ربيع الأول، ثم رحل منها مباشرة، إلى مراكش، فوصلها بعد أيام قلاثل (١).
وما كاد الناصر يستريح من وعثاء السفر، حتى عاد إلى النظر في الأعمال السلطانية، فقدم أبا محمد عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد على الأشغال بالعدوتين المغرب والأندلس. وكان أبو سعيد بن جامع متولياً للوزارة، فبقى على ما كان عليه، وكانت تربطه بعبد العزيز بن أبي زيد روابط الصداقة. ووصل معظم العمال مع أتباعهم وكتابهم، وفقاً للأمر الصادر بذلك، وأخذ في تصفح أعمالهم ومراجعتها، وكان ممن وصل من العمال بالأندلس، يوسف بن عمر الكاتب ومؤرخ الخليفة المنصور، وكان يتولى النظر على بعض الأشغال المخزنية والسهام السلطانية، وكان قد لحقت بتصرفاته بعض الريب، فما كاد يقترب من الحضرة حتى أحيط بأحماله ومتاعه وقبض عليه وثقف، ثم فتحت أحماله وأمتعته بحضور الشهود وروجعت، فلم يوجد بينها شىء مما يدينه، فأمر الخليفة بإطلاق سراحه، ورد ماله ومتاعه إليه، وكان مما شفع له في ذلك عند الناصر، كتابه الذي ألفه في محاسن والده المنصور (٢).
وفي هذا العام توفي السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن والي بجاية، وكان قد قام بتجديدها عقب الحريق الذي أصابها وخرب كثيراً من ربوعها. وفي العام التالي أعني سنة خمس وستمائة أقيل السيد أبو الحسن بن عمر والي تلمسان لمرضه وعجزه عن ضبط الأمور، واضطراب قبائل زناتة في تلك المنطقة، وعين مكانه في الولاية السيد أبو عمران موسى أخو الخليفة، فقدم إلى تلمسان ومعه عسكر من الموحدين ليستعين بهم في ضبط الأمن والسكينة في تلك المنطقة.
وفي تلك الأثناء كانت الحوادث في إفريقية قد عادت إلى اضطرامها، وعاد يحيى الميورقي إلى استئناف نشاطه ومغامراته. وكان مذ لحقت به
стр. 1995
الهزيمة الساحقة، بجبل تاجرا، وارتد بفلوله إلى الجنوب، يرقب الفرص للانتقام واسترداد شىء من سلطانه الضائع. وكان ما يزال يلتف حوله بعض طوائف من حلفائه الأعراب، الذين بقوا إلى جانبه بالرغم من محنته. وقد أشرنا من قبل غير مرة إلى الدور الذي كانت تقوم به طوائف العرب في أرجاء إفريقية، من احتراف الحرب، والتقلب في محالفة مختلف الجهات. وكان بنو غانية يعتمدون بالأخص على معاونة العرب في سائر مشاريعهم الحربية. وكان يحيى الميورقي يجمع حوله كثيراً من حشودهم، ويأسرهم بوافر بذله، وإطلاق أيديهم كلما سنحت الفرص، في أعمال السلب والنهب. وكذلك كان الموحدون يعتمدون على بعض طوائف العرب في تزويد جيوشهم بفرق المرتزقة. فلما حلت الهزيمة بيحيى وتحطم سلطانه، تركه كثير من حلفائه العرب السابقين، وانضموا إلى جانب الموحدين الظافرين، وكان من هؤلاء بنو مرداس وبنو عوف من بطون بني سُليم، وكانت أحياؤهم تقع في المنطقة الممتدة من قابس نحو بونة، أما بنو زغبة فقد كانوا أصلا من خصوم بني غانية، ولم ينقطعوا عن محاربتهم قط، وكانوا دائماً إلى جانب الموحدين، ثم تحالفوا بعد ذلك مع بربر زناته الضاربين في المغرب الأوسط، واستمرت المصادمات بينهم وبين بني غانية. بيد أن يحيى استطاع بالرغم من محنته أن يستبقى إلى جانبه بالأخص، حشوداً كبيرة من رياح وسليم، ومن الزواودة من بطون رياح، وشيخهم محمد بن مسعود البلط لم يفارقه في ضرائه.
فلما غادر الخليفة الناصر، تونس، وسار في معظم قواته صوب المغرب، في أواخر سنة ٦٠٣ هـ، أخذ يحيى الميورقي، يتأهب للنهوض والحركة مرة أخرى، ثم سار على رأس جموعه نحو الشمال، وهو يعيث حيثما حل، وكان الشيخ أبو محمد الحفصى والي إفريقية ساهراً، يرقب عن طريق عيونه حركات الميورقي، فلما ترامت إليه الأخبار بتحركه، خرج في جيش من الموحدين والعرب، من بني عوف وسليم ومرداس، وسار تواً للقائه. والتقى الفريقان في منطقة تبيشة على ضفة وادي شبرو، واقتتل الفريقان بشدة وعنف، واستمرت المعركة طول اليوم، وأسفرت في النهاية عن ظفر الموحدين وهزيمة المرابطين الميورقيين ومن معهم من العرب، فارتد يحيى في فلوله وهو جريح، والموحدون في أثره، ولكنه استطاع أن يلحق بالصحراء في اتجاه طرابلس، واستولى الموحدون على
стр. 1996
محلته وسائر عتاده وأسلابه ومتاعه، وكانت غنيمة وافرة، وتمت هذه الهزيمة على يحيى الميورقي في ٣٠ ربيع الأول سنة ٦٠٤ هـ (٢٤ أكتوبر سنة ١٢٠٧ م). ورجع أبو محمد إلى تونس مكللا بغار الظفر، وكتب إلى الناصر بالفتح، واستنجزه وعده في الإقالة من منصبه، فبعث إليه الخليفة يشكره ويعتذر له بانشغاله بشئون المغرب، ويرجوه الاستمرار في النظر، وبعث إليه بالمال والخيل والكسى للإنفاق والعطاء، وبلغ ما أرسله من المال وحده مائتي ألف دينار (١).
على أن هذه الهزيمة الثانية لم تفت في عضد يحيى بن غانية، ولم تخمد لديه عزم التوثب والنضال، فجمع أشتات قواته مرة أخرى، ورأى تلك المرة، تجنباً للصدام مع أبي محمد، وتفادياً لضرباته القاصمة، أن يتجه نحو المغرب، فسار في جموعه من المرابطين وطوائف العرب، متجهاً صوب الجنوب الغربي، وهو يعيث قتلا ونهباً أينما حل، وتحالف مع بطون زناتة الضاربة في تلك الأنحاء، واستمر في سيره حتى وصل إلى واحات سجلماسة، ثم هاجم سجلماسة واقتحمها، ونهبها، وفرق الغنائم في أصحابه، وكانت وفيرة، فانتعشت نفوسهم. وكان وصول الميورقي على هذا النحو إلى أعماق المغرب، واقترابه من العاصمة الموحدية، مثار الدهشة والروع بين الموحدين، ونهض الشيخ أبو محمد في قواته مرة أخرى للقاء الميورقي عند العود، وبعث إلى والي تلمسان السيد أبي عمران موسى يحذره من مفاجآت الميورقي، وأن يتجنب لقاءه، وكان السيد أبو عمران قد خرج من تلمسان يجوس بين قبائل زناتة الضاربة في جنوبها، يسترضيهم، ويستميلهم إلى أداء الجبايات، والتزام الطاعة والسكينة. وكان بين قوات الميورقي كثير من بطون زناتة، الخوارج على طاعة الموحدين، فاتصل بهم زملاؤهم زعماء زناتة المقيمين في جنوبي تلمسان، وعرّفوا الميورقي بظروف السيد أبي عمران، وعدم استعداده وضعف قواته، وابتعاده عن مدينته المحصنة، فسار الميورقي نحو الشمال حتى اقترب من جنوبي تلمسان. وعلم السيد أبو عمران
стр. 1997
بمقدمه وتردد وقتاً في لقائه. ولكن الميورقي لم يلبث أن فاجأه بجموعه من المرابطين والعرب. واضطر السيد أن يلقاه في قواته القليلة، وتكاثر المرابطون والعرب على القوات الموحدية، وفتكوا بها، وصمد السيد أبو عمران ومن معه، فقتلوا جميعاً، وأسر بعض بني السيد، والكاتب أبو الحسن بن عياش، وبعض طلبة تلمسان، واستولى الميورقي على المحلة الموحدية وسائر ما فيها من العتاد والسلاح والخيل، واقتحمت مدينة تاهَرْت ونهبت وخربت حتى غدت أطلالا (٦٠٥ هـ - ١٢٠٩ م)، وانتشرت جنود الميورقي من المرابطين والعرب في أحواز تلمسان ونهبوها، وانتسفوا زروعها، فارتاع أهل المدينة، وأغلقوا أبوابها، وهم يتوقعون أسوأ مصير، وبادر السيد أبو زكريا يحيى والي فاس في قوة من الموحدين، فوصل مسرعاً إلى تلمسان، وطمأن أهلها وسكن روعهم. وأمر الناصر في نفس الوقت بتجهيز حملة كبيرة من قوات مختارة، زودت بوافر العدد والأقوات، وعين لولاية تلمسان الوزير أبا زيد بن يوجان، وقدّمه على العسكر، فسار ابن يوجان في قواته إلى تلمسان، وعلم يحيى الميورقي بهذه الاستعدادات الضخمة كلها، فغادر منطقة تاهرت في قواته، وقصد إلى الصحراء متجهاً نحو طرابلس، ومعه محمد بن مسعود شيخ الزواودة، وطوائف رياح وسليم وغيرهم (١).
ولم يمض قليل على ذلك حتى اعتزم يحيى بن غانية أن يستأنف غاراته. وكانت نفسه قد قويت بما أحرز من نصر في تاهرت، وانتعشت جموعه لما أحرزت من المال والغنائم، وكان حلفاؤه العرب من جهة أخرى يتوقون إلى استئناف العيث والنهب، وهو قوام أطماعهم، ومورد عيشهم، وقد تضخم جيش يحيى بما انضم إليه من طوائف جديدة من الغز والعرب، جاءت لتبحث عن طالعها، ولتغتنم فرص الكسب، وكان من هؤلاء رياح وزغبة وعوف ودباب ونعات وغيرهم، هذا إلى الزواودة وشيخهم محمد بن مسعود. وكان يحيى ينوى هذه المرة أن يعود إلى مهاجمة أراضي إفريقية ذاتها. ولم تكن نيات الثائر بخافية على أبي محمد بن أبي حفص والي إفريقية اليقظ الحازم. فبادر بحشد قواته، معتزماً أن يبادر الميارقة وحلفاءهم قبل أن يخترقوا إفريقية، وخرج من تونس
стр. 1998
سنة ست وستمائة، في جيش كثيف وافر العُدة، وسار جنوباً نحو قابس، ثم اتجه
نحو جبل نفوسة، حيث كان يحتشد المرابطون وحلفاؤهم العرب. والتقى الفريقان
في موضع من جبل نفوسة، وأقام أبو محمد محلته مزودة بالفساطيط والأبنية،
حتى لا تكون ثمة أية فكرة في التراجع. ثم اشتبك الفريقان في معركة عنيفة دامية، فانكشفت ميسرة الموحدين في البداية، وولي من كان بها من الغُز والأعراب منهزمين، وثبت الشيخ أبو محمد في القلب مع الموحدين والحفاظ، وانحازت إليه بعض طوائف من بني عوف وبنى سليم، واستمر القتال طول اليوم على أشده، وأسفر في النهاية عن هزيمة المرابطين وحلفائهم، وطارد الموحدون الجيش المنهزم، وأمعنواً فيه قتلا وأسراً، ولم ينقذهم من الفناء الشامل سوى دخول الليل، واستولى الموحدون على محلة الميورقي، وسائر ما بها من الأسلاب والغنائم، واستولوا كذلك على ظعائن العرب وغنائمهم التي كانوا يحتفظون بها، وذكر ابن خلدون نقلا عن ابن نجيل كاتب أبي محمد أن أحمال الغنائم في هذه الموقعة بلغت ثمانية عشر ألفاً، وكان بين القتلى محمد بن مسعود شيخ الزواودة، وابن عمه حركات بن أبي الشيخ، وشيخ بني قرة، وشيخ مغراوة، ومحمد بن الغازى ابن غانية، وكثيرون من أنجاد بني رياح وبنى هلال. وكانت ضربة ساحقة ليحيى ابن غانية، وحلفائه، تضارع في عنفها وأهمية نتائجها ضربة جبل تاجرا، وفر يحيى في فلٍّ من صحبه، وقد هدته النكبة، وأوقعت في قلبه اليأس، وارتد أبو محمد في قواته إلى تونس مكللا بغار الظفر، وكتب إلى الخليفة الناصر بالفتح، فقرىء كتابه بالمسجد الجامع، وجلس الناصر لتقبل الهناء والاستماع لمدائح الشعر (١)، وكان منها قصيدة لأبي عبد الله بن يخلفتن الفازازى هذا مطلعها:
هذه فتوح تفتحت أزهارها ... وتدفقت ملء الملا أنهارها
وتأرّجت نفحاتها وتبرجت ... صفحاتها وتبلجت أنوارها
وأتت بشائرها إليك سوافرا ... عن أوجه يا حبذا إسفارها
ولم ينس أبو محمد ما قام به عرب سليم من محالفة الميورقي والقتال إلى جانبه، فاخترق ديارهم خلال عوده، وأمر بالقبض على زعمائهم، وأرسلهم مصفدين إلى تونس، فكان لتصرفه وقع عميق في تلك المنطقة، التي كثر فيها تقلب
стр. 1999
الأعراب وفسادهم. وبالعكس عومل العرب الذين وقفوا إلى جانب الموحدين بالرعاية والإحسان، ووزعت عليهم أراض شاسعة خصبة في وادي القيروان. وكان أهل جبال نفوسة قد أرهقهم ابن عصفور نائب يحيى بجوره، وأثقل كاهلهم بالمظالم والفروض، فما كادت تقع الهزيمة على الميورقي، حتى وثبوا بابن عصفور فقتلوه ومعاونيه من المرابطين، كما قتلوا ولدين ليحيى.
وعكف أبو محمد بعد نصره الحاسم على معالجة شئون إفريقية، بما عرف عنه من الحزم والبراعة، فقمع كل صنوف الفساد والشغب، ووطد دعائم السكينة والنظام، واستوفى فروض الجباية من سائر الطوائف، فازدهرت في ظله بلاد إفريقية، وعمها الأمن والرخاء، وذاع اسم أبي محمد، واشتهر أمره، وسمت مكانته، حتى غدا ثانى رجل في الدولة بعد الخليفة ذاته، وكان العمل الذي اضطلع به ونجح في تحقيقه، وهو إخماد ثورة بني غانية، وتحرير إفريقية من نيرهم، وردها إلى سلطان الموحدين، وذلك في فترة يسيرة لا تتجاوز خمسة أعوام أو ستة، من أعظم الأعمال العسكرية والسياسية، التي استطاعت الدولة الموحدية أن تقوم بها في مدى ربع قرن، مذ نزل بنو غانية بإفريقية لأول مرة. ولم يكن ذلك عملا هيناً ولا ميسوراً إزاء ما كان يتصف به علي بن غانية وأخوه يحيى، وبقية هذه العصبة، من الجرأة والبسالة وشدة المراس. وكان توطيد سلطان الموحدين بإفريقية على هذا النحو، عمل إنقاذ وقى الدولة الموحدية كثيراً من أخطار التمزق والتفكك، التي كانت تتعرض لها، من جراء تغلب بني غانية على جزء من أهم أراضي الدولة، وعجزها عن رد عدوانهم. واستمر أبو محمد بن أبي حفص عدة أعوام أخرى حتى وفاته في سنة ٦١٨ هـ (١٢٢١ م) يسيطر على مصاير إفريقية، ويسهر على سلامتها وأمنها، ويوطد شئونها بمقدرة فائقة، فهل كان عندئذ يضمر أو يدور بخلده أنه إنما يمهد بهذا التوطيد لسلطان عقبه، وتأسيس أسرته الملوكية المستقلة، التي قامت بعد ذلك بقليل، في هذا القطر من أقطار الإمبراطورية الموحدية؟ (١).
أما يحيى بن غانية فقد لبث بعد نكبته الأخيرة في جبل نفوسة، ملتجئاً مع فلوله إلى الصحراء الجنوبية، يلوذ مؤقتاً بأهداب السكينة، ويرقب الحوادث. بيد أنه لم يمض قليل على ذلك، حتى انفصل عنه أخوه سير بن إسحاق بن غانية،
стр. 2000
وكان ممن شهد معه غزوة تلمسان، وسار إلى تونس ملتجئاً إلى الشيخ أبي محمد، لائذاً بطاعة الموحدين، فأكرم الشيخ مثواه، ثم استأذنه في السفر إلى الحضرة فأذن له، واستقبل هناك بالمودة والترحاب (سنة ٦٠٧ هـ).
وفي خلال ذلك كان الخليفة الناصر عاكفاً على معالجة الشئون الإدارية، والنظر في أعمال الولايات. وكان كثير التغيير والتبديل للولاة ورجال الدولة. ومن ذلك أنه في سنة خمس وستمائة، أقال أبا يحيى بن الحسن بن أبي عمران من الوزارة، وألزمه أن يبقى في داره، ثم عينه بعد ذلك والياً لميورقة مكان السيد أبي عبد الله بن أبي حفص، وعين السيد أبا عبد الله والياً لبلنسية، وقدم للوزارة أبا سعيد ابن أبي إسحاق بن جامع مكان أبي زيد بن يوجان. ثم عين أخاه السيد أبا إسحق والياً لإشبيلية، وأخاه السيد أبا محمد والياً لشرقى الأندلس، والشيخ أبا عمران بن ياسين الهنتاني والياً لمرسية، مكان أبي الحسن بن واجاج، وعين السيد أبا زيد والياً لجيان، وأبا عبد الله بن أبي يحيى بن الشيخ أبي حفص والياً لغرناطة. وعين لكتابة الديوان الكاتبين أبا محمد بن الحسن، وأبا عبد الله بن منيع، وكان كلاهما من الكتاب المجيدين، واختص الأول بكتب التوقيعات والظهائر، واختص الثاني بديوان العسكر، والتنفيذات السلطانية. وكذلك تناولت هذه التعيينات شئون القضاء فعُزل القاضي أبو عبد الله الباجى عن قضاء إشبيلية، وعُين مكانه أبو محمد عبد الحق بن عبد الحق. وعُين لقضاء قرطبة ابن حوط الله، مكان أبي علي بن أبي محمد المالقي، واستدعى أبو علي إلى الحضرة حيث قُدم على طلبة الحضر، وهو المنصب الذي كان يتولاه أبوه وإخوته من قبل. وعُين أبو إبراهيم ابن يغمور لقضاء بلنسية. وندب القائد أبو عبد الله بن عيسى المرسى لقيادة قوات الغرب بشلب، ونُدب أبو الجيش محارب لاستقبال ملوك الروم وسفرائهم، والاشتغال بإنزالهم وضيافتهم، والترجمة عنهم، مكان ابن عوبيل، وهي وظيفة مستحدثة في البلاط الموحدي، ولم يسبق أن وقفنا على ذكرها من قبل ضمن مناصب الإدارة الموحدية. ووقعت هذه التغييرات والتعيينات كلها في عام واحد، هو سنة ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م) (١).
ووقعت بالمغرب في هذا العام عدة حوادث أخرى تستحق الذكر، منها