← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

محلته وسائر عتاده وأسلابه ومتاعه، وكانت غنيمة وافرة، وتمت هذه الهزيمة على يحيى الميورقي في ٣٠ ربيع الأول سنة ٦٠٤ هـ (٢٤ أكتوبر سنة ١٢٠٧ م). ورجع أبو محمد إلى تونس مكللا بغار الظفر، وكتب إلى الناصر بالفتح، واستنجزه وعده في الإقالة من منصبه، فبعث إليه الخليفة يشكره ويعتذر له بانشغاله بشئون المغرب، ويرجوه الاستمرار في النظر، وبعث إليه بالمال والخيل والكسى للإنفاق والعطاء، وبلغ ما أرسله من المال وحده مائتي ألف دينار (١). على أن هذه الهزيمة الثانية لم تفت في عضد يحيى بن غانية، ولم تخمد لديه عزم التوثب والنضال، فجمع أشتات قواته مرة أخرى، ورأى تلك المرة، تجنباً للصدام مع أبي محمد، وتفادياً لضرباته القاصمة، أن يتجه نحو المغرب، فسار في جموعه من المرابطين وطوائف العرب، متجهاً صوب الجنوب الغربي، وهو يعيث قتلا ونهباً أينما حل، وتحالف مع بطون زناتة الضاربة في تلك الأنحاء، واستمر في سيره حتى وصل إلى واحات سجلماسة، ثم هاجم سجلماسة واقتحمها، ونهبها، وفرق الغنائم في أصحابه، وكانت وفيرة، فانتعشت نفوسهم. وكان وصول الميورقي على هذا النحو إلى أعماق المغرب، واقترابه من العاصمة الموحدية، مثار الدهشة والروع بين الموحدين، ونهض الشيخ أبو محمد في قواته مرة أخرى للقاء الميورقي عند العود، وبعث إلى والي تلمسان السيد أبي عمران موسى يحذره من مفاجآت الميورقي، وأن يتجنب لقاءه، وكان السيد أبو عمران قد خرج من تلمسان يجوس بين قبائل زناتة الضاربة في جنوبها، يسترضيهم، ويستميلهم إلى أداء الجبايات، والتزام الطاعة والسكينة. وكان بين قوات الميورقي كثير من بطون زناتة، الخوارج على طاعة الموحدين، فاتصل بهم زملاؤهم زعماء زناتة المقيمين في جنوبي تلمسان، وعرّفوا الميورقي بظروف السيد أبي عمران، وعدم استعداده وضعف قواته، وابتعاده عن مدينته المحصنة، فسار الميورقي نحو الشمال حتى اقترب من جنوبي تلمسان. وعلم السيد أبو عمران

стр. 1997

بمقدمه وتردد وقتاً في لقائه. ولكن الميورقي لم يلبث أن فاجأه بجموعه من المرابطين والعرب. واضطر السيد أن يلقاه في قواته القليلة، وتكاثر المرابطون والعرب على القوات الموحدية، وفتكوا بها، وصمد السيد أبو عمران ومن معه، فقتلوا جميعاً، وأسر بعض بني السيد، والكاتب أبو الحسن بن عياش، وبعض طلبة تلمسان، واستولى الميورقي على المحلة الموحدية وسائر ما فيها من العتاد والسلاح والخيل، واقتحمت مدينة تاهَرْت ونهبت وخربت حتى غدت أطلالا (٦٠٥ هـ - ١٢٠٩ م)، وانتشرت جنود الميورقي من المرابطين والعرب في أحواز تلمسان ونهبوها، وانتسفوا زروعها، فارتاع أهل المدينة، وأغلقوا أبوابها، وهم يتوقعون أسوأ مصير، وبادر السيد أبو زكريا يحيى والي فاس في قوة من الموحدين، فوصل مسرعاً إلى تلمسان، وطمأن أهلها وسكن روعهم. وأمر الناصر في نفس الوقت بتجهيز حملة كبيرة من قوات مختارة، زودت بوافر العدد والأقوات، وعين لولاية تلمسان الوزير أبا زيد بن يوجان، وقدّمه على العسكر، فسار ابن يوجان في قواته إلى تلمسان، وعلم يحيى الميورقي بهذه الاستعدادات الضخمة كلها، فغادر منطقة تاهرت في قواته، وقصد إلى الصحراء متجهاً نحو طرابلس، ومعه محمد بن مسعود شيخ الزواودة، وطوائف رياح وسليم وغيرهم (١). ولم يمض قليل على ذلك حتى اعتزم يحيى بن غانية أن يستأنف غاراته. وكانت نفسه قد قويت بما أحرز من نصر في تاهرت، وانتعشت جموعه لما أحرزت من المال والغنائم، وكان حلفاؤه العرب من جهة أخرى يتوقون إلى استئناف العيث والنهب، وهو قوام أطماعهم، ومورد عيشهم، وقد تضخم جيش يحيى بما انضم إليه من طوائف جديدة من الغز والعرب، جاءت لتبحث عن طالعها، ولتغتنم فرص الكسب، وكان من هؤلاء رياح وزغبة وعوف ودباب ونعات وغيرهم، هذا إلى الزواودة وشيخهم محمد بن مسعود. وكان يحيى ينوى هذه المرة أن يعود إلى مهاجمة أراضي إفريقية ذاتها. ولم تكن نيات الثائر بخافية على أبي محمد بن أبي حفص والي إفريقية اليقظ الحازم. فبادر بحشد قواته، معتزماً أن يبادر الميارقة وحلفاءهم قبل أن يخترقوا إفريقية، وخرج من تونس

стр. 1998

سنة ست وستمائة، في جيش كثيف وافر العُدة، وسار جنوباً نحو قابس، ثم اتجه نحو جبل نفوسة، حيث كان يحتشد المرابطون وحلفاؤهم العرب. والتقى الفريقان في موضع من جبل نفوسة، وأقام أبو محمد محلته مزودة بالفساطيط والأبنية، حتى لا تكون ثمة أية فكرة في التراجع. ثم اشتبك الفريقان في معركة عنيفة دامية، فانكشفت ميسرة الموحدين في البداية، وولي من كان بها من الغُز والأعراب منهزمين، وثبت الشيخ أبو محمد في القلب مع الموحدين والحفاظ، وانحازت إليه بعض طوائف من بني عوف وبنى سليم، واستمر القتال طول اليوم على أشده، وأسفر في النهاية عن هزيمة المرابطين وحلفائهم، وطارد الموحدون الجيش المنهزم، وأمعنواً فيه قتلا وأسراً، ولم ينقذهم من الفناء الشامل سوى دخول الليل، واستولى الموحدون على محلة الميورقي، وسائر ما بها من الأسلاب والغنائم، واستولوا كذلك على ظعائن العرب وغنائمهم التي كانوا يحتفظون بها، وذكر ابن خلدون نقلا عن ابن نجيل كاتب أبي محمد أن أحمال الغنائم في هذه الموقعة بلغت ثمانية عشر ألفاً، وكان بين القتلى محمد بن مسعود شيخ الزواودة، وابن عمه حركات بن أبي الشيخ، وشيخ بني قرة، وشيخ مغراوة، ومحمد بن الغازى ابن غانية، وكثيرون من أنجاد بني رياح وبنى هلال. وكانت ضربة ساحقة ليحيى ابن غانية، وحلفائه، تضارع في عنفها وأهمية نتائجها ضربة جبل تاجرا، وفر يحيى في فلٍّ من صحبه، وقد هدته النكبة، وأوقعت في قلبه اليأس، وارتد أبو محمد في قواته إلى تونس مكللا بغار الظفر، وكتب إلى الخليفة الناصر بالفتح، فقرىء كتابه بالمسجد الجامع، وجلس الناصر لتقبل الهناء والاستماع لمدائح الشعر (١)، وكان منها قصيدة لأبي عبد الله بن يخلفتن الفازازى هذا مطلعها: هذه فتوح تفتحت أزهارها ... وتدفقت ملء الملا أنهارها وتأرّجت نفحاتها وتبرجت ... صفحاتها وتبلجت أنوارها وأتت بشائرها إليك سوافرا ... عن أوجه يا حبذا إسفارها ولم ينس أبو محمد ما قام به عرب سليم من محالفة الميورقي والقتال إلى جانبه، فاخترق ديارهم خلال عوده، وأمر بالقبض على زعمائهم، وأرسلهم مصفدين إلى تونس، فكان لتصرفه وقع عميق في تلك المنطقة، التي كثر فيها تقلب

стр. 1999

الأعراب وفسادهم. وبالعكس عومل العرب الذين وقفوا إلى جانب الموحدين بالرعاية والإحسان، ووزعت عليهم أراض شاسعة خصبة في وادي القيروان. وكان أهل جبال نفوسة قد أرهقهم ابن عصفور نائب يحيى بجوره، وأثقل كاهلهم بالمظالم والفروض، فما كادت تقع الهزيمة على الميورقي، حتى وثبوا بابن عصفور فقتلوه ومعاونيه من المرابطين، كما قتلوا ولدين ليحيى. وعكف أبو محمد بعد نصره الحاسم على معالجة شئون إفريقية، بما عرف عنه من الحزم والبراعة، فقمع كل صنوف الفساد والشغب، ووطد دعائم السكينة والنظام، واستوفى فروض الجباية من سائر الطوائف، فازدهرت في ظله بلاد إفريقية، وعمها الأمن والرخاء، وذاع اسم أبي محمد، واشتهر أمره، وسمت مكانته، حتى غدا ثانى رجل في الدولة بعد الخليفة ذاته، وكان العمل الذي اضطلع به ونجح في تحقيقه، وهو إخماد ثورة بني غانية، وتحرير إفريقية من نيرهم، وردها إلى سلطان الموحدين، وذلك في فترة يسيرة لا تتجاوز خمسة أعوام أو ستة، من أعظم الأعمال العسكرية والسياسية، التي استطاعت الدولة الموحدية أن تقوم بها في مدى ربع قرن، مذ نزل بنو غانية بإفريقية لأول مرة. ولم يكن ذلك عملا هيناً ولا ميسوراً إزاء ما كان يتصف به علي بن غانية وأخوه يحيى، وبقية هذه العصبة، من الجرأة والبسالة وشدة المراس. وكان توطيد سلطان الموحدين بإفريقية على هذا النحو، عمل إنقاذ وقى الدولة الموحدية كثيراً من أخطار التمزق والتفكك، التي كانت تتعرض لها، من جراء تغلب بني غانية على جزء من أهم أراضي الدولة، وعجزها عن رد عدوانهم. واستمر أبو محمد بن أبي حفص عدة أعوام أخرى حتى وفاته في سنة ٦١٨ هـ (١٢٢١ م) يسيطر على مصاير إفريقية، ويسهر على سلامتها وأمنها، ويوطد شئونها بمقدرة فائقة، فهل كان عندئذ يضمر أو يدور بخلده أنه إنما يمهد بهذا التوطيد لسلطان عقبه، وتأسيس أسرته الملوكية المستقلة، التي قامت بعد ذلك بقليل، في هذا القطر من أقطار الإمبراطورية الموحدية؟ (١). أما يحيى بن غانية فقد لبث بعد نكبته الأخيرة في جبل نفوسة، ملتجئاً مع فلوله إلى الصحراء الجنوبية، يلوذ مؤقتاً بأهداب السكينة، ويرقب الحوادث. بيد أنه لم يمض قليل على ذلك، حتى انفصل عنه أخوه سير بن إسحاق بن غانية،

стр. 2000

وكان ممن شهد معه غزوة تلمسان، وسار إلى تونس ملتجئاً إلى الشيخ أبي محمد، لائذاً بطاعة الموحدين، فأكرم الشيخ مثواه، ثم استأذنه في السفر إلى الحضرة فأذن له، واستقبل هناك بالمودة والترحاب (سنة ٦٠٧ هـ). وفي خلال ذلك كان الخليفة الناصر عاكفاً على معالجة الشئون الإدارية، والنظر في أعمال الولايات. وكان كثير التغيير والتبديل للولاة ورجال الدولة. ومن ذلك أنه في سنة خمس وستمائة، أقال أبا يحيى بن الحسن بن أبي عمران من الوزارة، وألزمه أن يبقى في داره، ثم عينه بعد ذلك والياً لميورقة مكان السيد أبي عبد الله بن أبي حفص، وعين السيد أبا عبد الله والياً لبلنسية، وقدم للوزارة أبا سعيد ابن أبي إسحاق بن جامع مكان أبي زيد بن يوجان. ثم عين أخاه السيد أبا إسحق والياً لإشبيلية، وأخاه السيد أبا محمد والياً لشرقى الأندلس، والشيخ أبا عمران بن ياسين الهنتاني والياً لمرسية، مكان أبي الحسن بن واجاج، وعين السيد أبا زيد والياً لجيان، وأبا عبد الله بن أبي يحيى بن الشيخ أبي حفص والياً لغرناطة. وعين لكتابة الديوان الكاتبين أبا محمد بن الحسن، وأبا عبد الله بن منيع، وكان كلاهما من الكتاب المجيدين، واختص الأول بكتب التوقيعات والظهائر، واختص الثاني بديوان العسكر، والتنفيذات السلطانية. وكذلك تناولت هذه التعيينات شئون القضاء فعُزل القاضي أبو عبد الله الباجى عن قضاء إشبيلية، وعُين مكانه أبو محمد عبد الحق بن عبد الحق. وعُين لقضاء قرطبة ابن حوط الله، مكان أبي علي بن أبي محمد المالقي، واستدعى أبو علي إلى الحضرة حيث قُدم على طلبة الحضر، وهو المنصب الذي كان يتولاه أبوه وإخوته من قبل. وعُين أبو إبراهيم ابن يغمور لقضاء بلنسية. وندب القائد أبو عبد الله بن عيسى المرسى لقيادة قوات الغرب بشلب، ونُدب أبو الجيش محارب لاستقبال ملوك الروم وسفرائهم، والاشتغال بإنزالهم وضيافتهم، والترجمة عنهم، مكان ابن عوبيل، وهي وظيفة مستحدثة في البلاط الموحدي، ولم يسبق أن وقفنا على ذكرها من قبل ضمن مناصب الإدارة الموحدية. ووقعت هذه التغييرات والتعيينات كلها في عام واحد، هو سنة ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م) (١). ووقعت بالمغرب في هذا العام عدة حوادث أخرى تستحق الذكر، منها

стр. 2001

مصرع ابن عطية الزناتى، أحد رؤساء زناتة الخوارج في منطقة تلمسان الجنوبية، وكان ممن تحالف مع ابن غانية حين غزوته لمنطقة تلمسان، فدس إليه ابن يوجان والي تلمسان من اغتاله بمقره. وفي هذا الحادث ما يدل على أن الاغتيال السياسي، كان من وسائل الموحدين في القضاء على خصومهم. ومنها أن الشيخ أبا محمد قام بغارة على أحياء الخوارج والمشاغبين من بني سليم، واستاق أشياخهم وأموالهم، وجعلهم رهينة لديه في تونس، حسماً لفسادهم وشغبهم، وإرغامهم على قطع إمدادهم ومعاونتهم لابن غانية، ومن جهة أخرى فقد قام محمد بن عبد السلام عامل طرابلس بغارة على منطقة جبل نفوسة واقتحم بها قصراً، ألفى فيه جملة من ثمين المتاع والأموال لبني غانية، ووطد أسباب الهدوء في تلك المنطقة. وكان من أهم الحوادث في هذا العام أيضاً، الحريق الكبير الذي وقع بمراكش، وكان وقوعه في ليلة يوم الخميس الثالث عشر لجمادى الأولى، والناس يرقدون في مضاجعهم. وشبت النار أولا في حى القيسارية، وانتشرت بسرعة، وأتت على الحى كله، فشب الناس مذعورين من نومهم، وكثر الصراخ والاستغاثة، ونهض الخليفة الناصر على الضجيج وغادر قصره مسرعاً، واعتلى صومعة الجامع ليشهد تغلغل النار عاجزاً. واقتحم الغوغاء كثيراً من الدروب، وسلبوا ما استطاعوا سلبه مما سلم من الحريق، واستمر الحريق حتى صباح اليوم التالي، وقد أتى على كثير من أحياء المدينة. وأمر الناصر في اليوم التالي، بتتبع السفلة الناهبين، واسترداد ما يمكن استرداده منهم، فقبض على كثيرين من هؤلاء وأعدموا على الأثر. وهلك في تلك النكبة كثير من الأموال والدور، وافتقر كثير من ذوى اليسار، وفقدوا دورهم وثرواتهم. وأمر الناصر بأن يعاد تشييد الأحياء المحترقة بأحسن مما كانت عليه، خصوصاً وقد كانت تواجه القصر الخليفى يسبغ عليها أضواءه (١). هذا ويذكر لنا صاحب البيان ضمن حوادث هذا العام، أعني عام ٦٠٧ هـ، حادثاً يستوقف النظر، وهو أن بعض أعيان جزيرة صقلية ووجوهها، وفدوا على الشيخ أبي محمد بن أبي حفص بتونس، ونبأوه بأن المسلمين في صقلية انتزعوا كثيراً من المعاقل من أيدي الروم، وأقاموا الخطبة في بلادهم بالدعوة المهدية الموحدية، وقطعوا ما سواها من الدعوات من عباسية وغيرها.

стр. 2002

ويبدو من تتبع تاريخ صقلية، في تلك الفترة أن الأقلية الإسلامية التي كانت بالجزيرة حتى هذا العهد، كانت تعانى من الضغط والاضطهاد. وكان المسلمون مذ سقطت الجزيرة في أيدي الأمراء النورمان في سنة ٤٧٩ هـ (١٠٨٦ م)، يتمتعون بطائفة من الحقوق والامتيازات، ومنها السكنى في بعض الأحياء، والأراضي، في مسينى، وبلرم، وترابانى، وجرجنت، ومازرة، وغيرها من المدن، ومزاولة شعائرهم الدينية في مساجدهم القليلة الباقية، ومزاولة مهنهم وأعمالهم السلمية. واستمر الأمر على ذلك نحو قرن، في ظل عدة متعاقبة من الأمراء النورمان ذوى التسامح المستنير، وفي مقدمتهم ولد فاتح الجزيرة، الدوق روجر (رجّار) الثاني، وهو الذي أسبغ رعايته على الشريف الإدريسي، وعهد إليه بوضع موسوعته الجغرافية الشهيرة " نزهة المشتاق ". فلما توفي في سنة ١١٥٤ م، خلفه ولده وليم الأول (غليام)، فولده وليم الثاني. وفي عهد هذا الملك، اشتدت وطأة الحكم على المسلمين وأراد أن ينزع منهم بعض الأراضي التي يحتلونها ليعطيها لبعض الأديرة المجاورة، فقام المسلمون ببعض ثورات محلية، واستولوا على بعض الحصون النصرانية، والظاهر أن الملك وليم، عدل بعد ذلك عن سياسة الضغط والقمع التي حاول أن يتخذها إزاء المسلمين، وعاد الصفاء يخيم على علائق المسلمين والنصارى. وقد أورد لنا الرحالة الأندلسي ابن جبير وصفاً دقيقاً لأحوال مسلمى صقلية في عهد الملك وليم (ويسميه غليام) مما وقف عليه حين زيارته للجزيرة في شهر رمضان سنة ٥٨٠ هـ (يناير سنة ١١٨٥ م)، وقد زار منها عدة مدن مثل مسينه، وبلارمه (بلرم)، واطرابنش، واجتمع فيها بالمسلمين، ووقف على أحوالهم. وهو يقول بصفة عامة، إن المسلمين يعيشون مع النصارى على أملاكهم وضياعهم، وأن النصارى قد أحسنوا السيرة في استقبالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم إتاوة يؤدونها في فصلين من العام، وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها، ثم يقول لنا، إنه لم يكن في مسينه إلا نفر يسير من المسلمين من ذوى المهن. وأما بلرم، وهي عاصمة الجزيرة، ففيها كثير من المسلمين وفيها سكنى الحضريين منهم، ولهم فيها المساجد، والأسواق المختصة بهم في الأرباض كثير، وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها، وسائر مدنها كسرقوسة وغيرها. وللمسلمين في بلرم " رسم باق من الإيمان يعمرون به أكثر مساجدهم، ويقيمون الصلاة بآذان

стр. 2003

مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى، والأسواق معمورة بهم، وهم التجار فيها، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسى. ولهم بها قاض، يرتفعون إليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون للصلاة فيه. وأما المساجد فكثيرة لا تحصى، وأكثرها محاضر لمعلمى القرآن، وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين، تحت ذمة الكفار، ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم، ولا في أبنائهم، تلافاهم الله بصنع جميل " (١). وهذه العبارة الأخيرة من أقوال ابن جبير، تلخص لنا حقيقة أحوال المسلمين في صقلية في أواخو القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادى). ذلك أنه بالرغم من تلك الامتيازات الشكلية في السكنى والتجارة ومزاولة الشعائر، فإنه لم يكن ثمة شك في أن الأقلية المسلمة كانت تعيش داخل الجزيرة ذليلة مضطهدة. وهذا ما يفصله لنا ابن جبير بعد ذلك، إذ يقول إنه خلال إقامته ببلدة إطرابنش، " تعرف ما يؤلم تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عباد الصليب بها، وما هم عليه من الذل والمسكنة، والمقام تحت عهد الذمة، وغلظة الملك، إلى طوارىء دواعى الفتنة في الدين ". ثم يقول لنا، إنه التقى في هذه البلدة بزعيم مسلمي صقلية، وهو القاسم بن حمود المعروف بابن الحجر وهو من ورثة أهل السيادة، وكان من خيرة مسلمي الجزيرة كرماً ومآثر، وكان قد اتهم بمخاطبة الموحدين، واضطهد من أجل ذلك، وغرم أموالا طائلة. ويزيد ابن جبير على ذلك، أنه وقف من هذا الزعيم، على بواطن أحوال مسلمي الجزيرة مع أعدائهم " مما يبكى العيون دماً، ويذيب القلوب ألماً " (٢). ويحدثنا ابن جبير عن الملك وليم (غليام)، فيقول إنه عجيب في حسن السيرة، واستعمال المسلمين، وإنه كثير الثقة بهم، وساكن إليهم في أحواله، والمهم من أشغاله، وله جملة من العبيد المسلمين وعليهم قائد منهم. ثم يصف لنا فخامة قصوره، وتناهيه في الترف ورفاهة العيش، وشغفه باتخاذ الفتيان والجوارى، وأنه يقرأ العربية ويكتبها، وأهل عمالته في ملكه منهم مسلمون. ولما توفي الملك وليم الثاني في سنة ١١٨٩ م، وخلفه في حكم صقلية الإمبراطور فردريك الثاني، أول حكامها من آل هوهنشتاوفن، عاد فانتزع من المسلمين

стр. 2004

كثيراً من أراضيهم وأعطاها للكنيسة، وكان ذلك في سنة ١٢٠٨ م (٦٠٥ هـ) (١) والظاهر أن المسلمين عادوا يومئذ إلى الثورة، وانتزعوا بعض الحصون النصرانية مرة أخرى. ويبدو من مقارنة التواريخ، أن هذه هي الحوادث التي يشير إليها وفد المسلمين الصقليين إلى الشيخ محمد الحفصى. على أنه يبدو كذلك أنه لم يترتب على مسعى هذا الوفد أي أثر، وأن الموحدين لم يفكروا في التدخل في حوادث صقلية بأية صورة. وسنرى فيما بعد أن هذا الصراع يتجدد في صقلية بين المسلمين وحكامهم النصارى، ثم ينتهي بإخماد كل نزعة تحريرية للمسلمين، وإخراجهم من ديارهم.

стр. 2005

الفصل السادس موقعة العقاب انشغال الموحدين بحوادث إفريقية عن شئون الأندلس. سكون الممالك النصرانية منذ الأرك. شعورها بسنوح الفرصة لاستئناف الغزو. انتهاء الهدنة بين قشتالة والموحدين. إغارة ألفونسو الثامن وفرسان قلعة رباح على أراضي الأندلس. إغارة ملك أراجون على أراضي بلنسية. اهتمام الناصر لتلك الحوادث. اعتزامه العبور للجهاد واستنفاره للقبائل. خروج الناصر في قواته إلى رباط الفتح. مسيره إلى قصر كتامة. صعوبة تموين الجيش. مؤاخذة العمال المقصرين. عبور الجيوش الموحدية إلى شبه الجزيرة. عبور الناصر ومسيره إلى إشبيلية. الاستعداد وحشد الجند في سائر الكور. خروج الناصر في الجيوش من إشبيلية إلى قرطبة. مسيره إلى قلعة شلبطرة. أحوال الممالك النصرانية عندئذ. الصلح والتهادن بينها. عدوان ملك قشتالة على الأندلس. اتخاذ قلعة شلبطرة قاعدة لهذا العدوان. غارات أراجون في الشرق. البابوية والصفة الصليبية لحروب النصارى ضد الأندلس. سعى البابا إنوصان لمعاونة ملك قشتالة. صدى مقدم الجيوش الموحدية. حصار الناصر لقلعة شلبطرة. عجز ألفونسو عن إنجادها وتسليمها بالأمان. رواية صاحب روض القرطاس عن الحصار. ما ينقض هذه الرواية. عود الناصر إلى إشبيلية. أهبة ملك قشتالة. معاونة البابا والأحبار النصارى. احتشاد جماعات الفرسان. مقدم المتطوعة الصليبيين من سائر الأنحاء. اجتماع جيوش قشتالة وأراجون ونافارا. الصوم والابتهال في رومة. أقوال الرواية الإسلامية عن هذه الأهبة. ما ورد في كتاب الخليفة. أهبة الناصر. مقدم الحشود الجديدة. خروج الجيوش النصرانية من طليطلة. خروج الناصر في جيوشه من إشبيلية. مسير النصارى إلى قلعة رباح ومهاجمتهم إياها. يأس حاكمها ابن قادس من النجدة وتسليمه بالأمان. ما أثاره هذا من خلاف بين القشتاليين وحلفائهم الأجانب. مغادرة معظم المتطوعة الأجانب للمعسكر النصراني. إشارة الرواية الإسلامية إلى ذلك. وصول الناصر إلى جيان. مقدم ابن قادس إليه. اتهامه وصهره بالخيانة وإعدامهما. سخط الأندلسيين لذلك. إصلاح ما حدث بالمعسكر النصراني. مسير سائر الجيوش النصرانية إلى الجنوب. صعودها إلى جبل الشارات ونزولها في ممر مورادال. مسير الجيوش الموحدية لملاقاة العدو. أقسام الجيش الموحدي وعدده. مبالغة الرواية الإسلامية في تقديره. عبور الموحدين لنهر الوادي الكبير. احتلالهم لممرات جبل الشارات. نزولهم في السهل المواجه لممر تولوسا. توقف الناصر للقاء النصارى. وصف عيان لميدان الموقعة. حصن العقاب. الطريق الرومانى والنهر. بويرتودل مورادال. مائدة الملك. استيلاء النصارى على قلعة فيرال أو حصن العقاب. تعذر عبورهم لجبل الشارات من تلك الناحية. قصة الراعى والممر السهل. تحول الجيش النصراني واحتلاله لمرتفع " مائدة الملك ". وقوف الموحدين على تلك الحركة. تعبئة الجيوش الموحدية للقتال. المناوشات الأولى. ترتيب الجيش الموحدي لخوض المعركة. موقع قبة الخليفة وحرسه. تنظيم الجيش النصراني وقيادته. استعداد الفريقين للمعركة. بدء النصارى بالهجوم. هجوم طلائعهم على مقدمة الجيش الموحدي. هجوم جناحى النصارى على جناحى الموحدين. المعركة الهائلة. ارتداد المتطوعة المسلمين. ثبات الموحدين ورد جناحى النصارى

стр. 2006

نزول ملك قشتالة بالقوات الاحتياطية. اشتداد هجوم النصارى. ارتداد ميمنة وميسرة الجيش الموحدي. فرار الأندلسيين والعرب. هجوم النصارى على القلب. مقاومة الحرس الخليفى العنيفة. ثبات الخليفة الناصر وحثه جنده على الثبات. اختراق النصارى للقلب. اختراقهم للدائرة الخليفية المدرعة. تمزق الجيش الموحدي وكثرة ضحاياه. صمود الناصر. مصرع الآلاف من حرسه الأسود. اضطراره في النهاية إلى الفرار. مسيره صوب بياسة ثم جيان. فرار الموحدين في كل ناحية. المطاردة المروعة والقتل الذريع لهم. الاستيلاء على المحلة الموحدية وانتهاب سائر ما فيها. مختلف أسماء الموقعة. خسائر المسلمين في الموقعة. مبالغة الرواية الإسلامية في تقديرها. اعتدال الرواية النصرانية في ذلك. مبالغتها في التقليل من خسائر النصارى. ما يمكن أن يقال في ذلك. وفرة السلاح والغنائم التي استولى عليها النصارى. خيمة الناصر والعلم الموحدي. الأسباب المادية والمعنوية لتلك النكبة. آثار النكبة بالنسبة للأندلس والمغرب. توكيد التفوق السياسي والعسكرى لإسبانيا النصرانية. الفزع في أرجاء الأندلس. شبح السقوط والفناء. فناء الجيوش الموحدية والفروسية المغربية. تضعضع الدولة الموحدية وتفككها. مقارنة بين الأرك والعقاب. كتاب الناصر عن الموقعة. ألفونسو الثامن يتبع نصره بالاستيلاء على الحصون الإسلامية. مهاجمته لبياسة وحصاره لأبدة. اقتحام أبدة وقتل وسبى أهلها. ظهور الوباء وارتداد النصارى إلى أراضيهم. وصول الناصر إلى إشبيلية، ثم عبوره إلى مراكش. أخذه البيعة لولده أبي يعقوب يوسف. احتجابه بقصره. مرضه ووفاته. ما قيل في وفاته. الناصر وعهده. بدايته الحسنة. استبداده بالأمر. خلو عهده من الأعمال الإنشائية. عطله عن أنواع العلوم والمعرفة. صفات الناصر وفقاً لقول المراكشي وروض القرطاس. وزراء الناصر. قضاته وكتابه. أبناؤه. شغل الخليفة محمد الناصر لدين الله، منذ ارتقائه العرش في أوائل سنة ٥٩٥ هـ، بحوادث إفريقية واستيلاء بني غانية على قواعدها وثغورها، والعمل على تحريرها واسترداد سيادة الموحدين بها، عن سير الحوادث في الأندلس، ولم يستطع خلال هذه الفترة التي استطالت زهاء اثنتى عشرة عاماً، أن يعنى بشىء من شئون الأندلس الجوهرية، أو يعبر إليها بنفسه، وحتى اهتمامه بافتتاح الجزائر الشرقية، لم يكن سوى نتيجة مباشرة لصراعه مع بني غانية في إفريقية. بيد أن شئون الأندلس، كانت خلال ذلك تثير قلق الموحدين، وتوجسهم من العواقب. وكانت الممالك الإسبانية النصرانية، وفي مقدمتها قشتالة، قد لزمت السكينة حيناً منذ موقعة الأرك، ولبثت بضعة أعوام تتهيب الاشتباك مع القوات الموحدية في شبه الجزيرة، وفضلا عن ذلك فقد كانت قشتالة وليون، ترتبط كل منهما بعقد الهدنة مع الموحدين. فلما شغل الموحدون بصراعهم مع بني غانية في إفريقية، ولما استطال أمر هذا الصراع أعواماً، واتسع نطاقه وانقطع عبور الجيوش الموحدية إلى شبه الجزيرة، أدركت الممالك النصرانية أن الفرصة ْقد سنحت مرة أخرى، لاستئناف غزواتها للأراضي الإسلامية، ولم يعقها

стр. 2007

عن انتهاز هذه الفرصة على الفور سوى منازعاتها الداخلية. فلما اقترب أجل انتهاء الهدنة بين قشتالة وبين الموحدين، أخذ ملك قشتالة ألفونسو الثامن، يتأهب لغزو الأندلس. وكان منذ هزيمة الأرك الساحقة، يتوق إلى الانتقام لهزيمته، ورفع الوصمة التي لحقت من جرائها الجيوش النصرانية، وفي أوائل سنة ١٢٠٩ م، خرج ألفونسو الثامن من قشتالة في قواته، واحتشد فرسان قلعة رباح، في قلعة شلبَطَرّة، على مقربة من قلعة رباح، وكانوا قد لجأوا إليها منذ انتزع الخليفة يعقوب المنصور قلعة رباح من أيديهم عقب معركة الأرك وسار ألفونسو صوب جيّان وبيّاسة، فانتسف الحقول وخرب الضياع، وقتل وسبي، وعاث الفرسان في أحواز أندوجر، واستولوا على عدة حصون، وأصاب المسلمين من جراء تلك الغارات، محن وخسائر فادحة. وفي العام التالي خرج ألفونسو إلى الأندلس مرة أخرى، وعاث في أراضي جيان وبياسة، ووصل في عيثه إلى أراضي ولاية مرسية، ثم عاد إلى طليطلة مثقلا بالغنائم. وفي نفس الوقت، وقعت في شرقي الأندلس حوادث مماثلة، وكان السيد أبو العلاء إدريس بن يوسف قائد الأسطول الموحدي وفاتح الجزائر الشرقية، قد سار في جميع وحدات الأسطول الموحدي، إلى مياه برشلونة، وعاثت سفنه في شواطىء قطلونية، وأنزل بها خسائر فادحة، واستولى على كثير من الأموال والغنائم، وكان ذلك في صيف سنة ١٢١٠ م (٦٠٧ هـ). فاستشاط بيدرو الثاني ملك أراجون لذلك غضباً، وجمع قواته وخرج من منتشون ومعه فرقة من فرسان المعبد (الداوية)، وسار جنوباً نحو أراضي ولاية بلنسية الشمالية وعاث فيها، واستولى على عدة من الحصون الإسلامية في تلك المنطقة (١). وكان لاستئناف النصارى لغزواتهم المخربة، في أراضي الأندلس، على هذا النحو، أعمق صدى، وكان من الواضح أن الحاميات الموحدية الصغيرة التي ترابط في مختلف القواعد، لم يكن في مقدورها أن تقوم برد الجيوش النصرانية الغازية، ولم يك ثمة مندوحة من أن يعبر أمير المؤمنين بنفسه، في جيوشه الجرارة، إلى شبه الجزيرة ليضطلع بنفسه بجهاد النصارى، على نحو ما فعل أبوه وجده. وقد عبر بالفعل وجوه شرقي الأندلس، على أثر غارات ملك أراجون، إلى العدوة، وقصدوا إلى الناصر، مستغيثين به، متضرعين إليه أن يسعفهم بعبوره، فاهتز

стр. 2008

الناصر لهذه الأنباء المزعجة، وخصوصاً لما أبداه ملك قشتالة من الإصرار على خطته العدوانية، بالرغم من احتجاج رسل الناصر إليه، على خرق الهدنة، ومما هو جدير بالذكر أن الناصر كتب إلى الشيخ محمد بن أبي حفص والي إفريقية يستشيره في ذلك الأمر، وفيما يلتويه من استئناف الجهاد والغزو، وأبدى له الشيخ رأيه وجوب التريث ونصح بعدم العبور واستئناف الغزو في تلك الآونة. ولكن الناصر لم يستمع إلى رأيه (١)، وقرر الاستجابة لداعى الجهاد، وأخذ بالفعل في الاستعداد، ونفذت كتبه إلى سائر أنحاء المغرب وإفريقية وبلاد القبلة باستنفار الناس إلى الجهاد، فاستجابت سائر الجهات والقبائل إلى الدعوة، وكتب الناصر في نفس الوقت، إلى ولاة إشبيلية وقرطبة، بوجوب تجديد حشد الجند، وإعداد المؤن، وتمهيد السبل في جميع المناطق (٢). ولما كملت الأهبة، وأقبلت الحشود من سائر الأنحاء، وجهزت بما يلزم من العتاد والسلاح والكسى والمؤن، خرج الناصر في قواته الجرارة من حضرة مراكش في يوم السبت عشرين من شعبان سنة ٦٠٧ هـ (٥ فبراير سنة ١٢١١ م) وسار إلى رباط الفتح، وعسكر في الضاحية المجاورة المسماة ببرج الحمّام، وقضى هنالك نحو شهرين وهو يعمل على استيفاء الأهبة، وتنظيم الشئون، ونفذت كتبه مرة أخرى إلى الأندلس، يطلب إلى ولاتها حث الناس على الجهاد، واتخاذ ما يجب من ضروب الاستعداد، فعكف الولاة على تنفيذ تلك الأوامر، بكل ما وسعوا من غيرة وجهد. وخرج الناصر في جيوشه من رباط الفتح، في يوم الاثنين الثامن عشر من شوال (٤ أبريل سنة ١٢١١ م)، قاصداً إلى قصر كتامة (القصر الصغير)، ونحن نعرف أن هذه المنطقة الممتدة من رباط الفتح شمالا حتى البحر، وهي طريق الجيوش الموحدية إلى الأندلس، كانت مزودة بمراكز هامة لتموين الجيوش المسافرة، سواء في الذهاب والإياب، وأن هذه المراكز كانت تزخر دائماً بالمؤن والعلوفات اللازمة. ولكن الجيوش الموحدية لقيت هذه المرة خلال مسيرها، صعاباً مرهقة في التموين، ونضبت الأقوات، وغلت الأسعار بصورة لم تعهد

стр. 2009

من قبل، ولحق الجند والناس من جراء ذلك ضيق وشدة. ووقف الناصر على ذلك، فاستشاط غضباً، وأدرك ما هنالك مما يرتكب من ضروب الإهمال والاختلاس، فأمر بمؤاخذة سائر العمال المقصرين ومعاقبتهم، وطلب إلى الشيخ أبي محمد بن أبي علي بن مثنى صاحب الأعمال المخزية والأشغال العملية، بالقبض على عامل فاس، وهو عبد الحق بن أبي داود، فقبض عليه وعلى سائر نوابه من العمال المحليين، واستصفيت أموالهم. وكذلك أمر الناصر، حينما وصل إلى قصر كتامة بالقبض على عامل سبتة محمد بن يحيى المسّوفى، لما بدا من إهماله وفساده، والقبض كذلك على سائر نوابه، وتوجيههم جميعاً مصفدين إلى صاحب الأعمال بفاس (١). وحشدت السفن من سائر الأنحاء، لعبور الجيوش الموحدية إلى شبه الجزيرة، واستمر عبورها بضعة أسابيع، واستمر الناصر مقيماً بالقصر، حتى تم عبور ساقته وأثقاله وحاشيته وحرسه. وركب البحر في يوم الاثنين أول شهر ذي الحجة (١٥ مايو) ونزل بساحل طريف، وهنالك استقبله قواد الأندلس وفقهاؤهم، وأقام بطريف ثلاثة أيام، ثم سار في جيوشه الجرارة إلى إشبيلية، فوصلها يوم الاثنين منتصف ذي الحجة (آخر مايو) ونزل بقصور البحيرة الواقعة إزاء باب جهور، وتم استقرار الجيوش الموحدية بالحاضرة الأندلسية، وذلك في نهاية سنة ٦٠٧ هـ (منتصف يونيه سنة ١٢١١ م). وما كاد الناصر يستقر بإشبيلية حتى أمر باستنفار الحشود الأندلسية، وصنع الآلات الحربية، واستدعاء الجند والغزاة، من سائر الكور، ووصولهم مع العمال والولاة، فلما تم تنفيذ هذه الأوامر، وتم حشد الجند، واستكمال الأمداد من سائر الجهات، وأصبحت الجيوش الموحدية في حالة تعبئة كاملة، شرع الناصر في الحركة، وخرج من إشبيلية في جيوشه من الموحدين والعرب وأهل الأندلس والمطوعة والأغزاز وغيرهم من طوائف الجند، وسار جنوبي الوادي متجهاً نحو قرطبة، ثم سار منها إلى جيّان وبيّاسة، وكان النصارى هم الذين حددوا بتصرفهم، الهدف الذي يقصد إليه الناصر بجيوشه، وهو قلعة شلْبَطَرّة (٢)

стр. 2010

التي تقع على مقربة من جنوبي غربي قلعة رباح، بينها وبين جبال الشارات (سييرا مورينا). وكان الخليفة يعقوب المنصور، قد انتزع قاعدة قلعة رباح المنيعة، حسبما تقدم، من أيدي فرسان جمعية قلعة رباح الدينية في سنة ١١٩٥ م، عقب هزيمة القشتاليين في معركة الأرك، ونزل أولئك الفرسان في قلعة شلبطرة القريبة منها. وكانت هذه القلعة المنيعة، فضلا هن مضايقتها لقلعة رباح باستمرار، يتخذها النصارى قاعدة لغزواتهم المخربة داخل الأراضي الإسلامية، ومنها سار القشتاليون والفرسان بالفعل للقيام بغاراتهم المخربة في أحواز جيان وبيّاسة وأندوجر قبل ذلك بقليل، في سنة ١٢٠٩ م. ومن ثم فقد آلى الناصر على نفسه أن يفتتح غزاته بالاستيلاء على تلك القلعة المنيعة. - ١ - ويجدر بنا بادىء ذي بدء أن نلم بطرف من أحوال اسبانيا النصرانية في تلك الآونة، التي أخذت فيها طوالع الصراع الحاسم، بين الموحدين والنصارى، تبدو في الأفق مرة أخرى. وذلك أنه حينما وقعت معركة الأرك العظيمة في سنة ٥٩١ هـ (١١٩٤ م)، لم يكن الوئام سائداً بين الممالك الإسبانية النصرانية، وخاضت قشتالة المعركة وحدها ضد الموحدين. ولم تجد قشتالة بعد هذه الهزيمة الساحقة ضماناً لسلامتها، سوى عقد الهدنة مع الموحدين، وارتضى الخليفة المنصور يومئذ، أن يعقد السلم مع النصارى، بعد أن بلغ غايته من سحق قواهم، وقمع عدوانهم. وقضت اسبانيا النصرانية منذ معركة الأرك فترة قصيرة من الهدوء والسلام، وعُقد الصلح أخيراً بين قشتالة وليون، وذلك بزواج ألفونسو التاسع ملك ليون بالأميرة برنجيلا إبنة ألفونسو الثامن ملك قشتالة. بيد أن هذا الصلح لم يطل أمده، إذ اضطر ملك ليون أن يطلق هذه الأميرة، بعد ذلك بخمسة أعوام، بناء على تدخل البابا وضغطه المستمر. ومن جهة أخرى فإن شريفاً قشتالياً كبيراً، هو دون ديجو لوبث دي هارو، سيد بسكاية، وهو أخ لزوجة ملك ليون الأولى، دونيا أورّاكا، قد ثار لما لحق بأخته من غبن وإهانة، وارتد في أصحابه إلى أراضي نافارا، وأخذ يغير منها على أراضي قشتالة، نسار ألفونسو الثامن في قواته صوب نافارا، فخشى ملكها سانشو الثامن العاقبة، وقام بإخراج دون ديجو من مملكته، فلجأ دون ديجو إلى بيدرو الثاني ملك أراجون، فنكل عن غوثه، فاضطر أن يلتجىء عندئذ إلى

стр. 2011

المسلمين في ولاية بلنسية، وأخذ يغير من هنالك في صحبه على أراضي أراجون. وكانت أول نتيجة لهذه الحوادث أن عقدت بين نافارا وقشتالة في سنة ١٢٠٧ م الهدنة لمدة خمسة أعوام. ثم تدخل ملك قشتالة بعد ذلك، بين زميليه ملك نافارا وملك أراجون، فعقدت بينهما الهدنة، وذلك في سنة ١٢٠٩ م، وانعقد بذلك نوع من الوئام والتفاهم، بين الممالك الإسبانية النصرانية خلا مملكة ليون. وكان أجل الهدنة المعقودة بين ألفونسو الثامن وبين الموحدين، وهو سنة ١٢١٥ م، يدنو عندئذ من نهايته، وكان ملك قشتالة، بعد أن شعر بنوع من من الطمأنينة والأمل في عون زملائه، يضطرم رغبة في استئناف الحرب ضد الموحدين، فبدأ بالقيام بغاراته المخربة التي أشرنا إليها في منطقة جيّان وبياسة وأندوجر، وذلك خلال سنتى ١٢٠٩، ١٢١٠ م، ولم يحفل باحتجاج رسل الخليفة الموحدي، على هذا الخرق لنصوص الهدنة المعقودة، وكانت قلعة شلبطَرّة، التي يحتلها فرسان قلعة رباح، قاعدة لهذه الغارات الدموية التي ضج لها المسلمون يومئذ. وحذا بيدرو الثاني ملك أراجون حذو زميله ملك قشتالة، فعاث في منطقة بلنسية، انتقاماً لغزو السفن الموحدية لشواطئه، واستولى على عدة من حصون هذه المنطقة، وكان من الواضح أن ملك قشتالة يستطيع أن يعتمد على مؤازرة حليفه ملك أراجون، إذا ما اضطرمت الحرب بينه وبين الموحدين. وكان على رأس البابوية يومئذ حبر يضطرم بروح صليبية عميقة، هو البابا إنوصان الثالث، الذي اعتلى الكرسى الرسولى في سنة ١١٩٨ م، وقد سبق أن أشرنا في غير فرصة إلى ما كان يتمتع به الكرسى الرسولى لدى الممالك الإسبانية النصرانية، من مكانة راسخة ونفوذ قوي، وإلى ما كان يعلقه الملوك الإسبان، من أهمية بالغة، على الصفة الصليبية لحروبهم ضد المسلمين، ولاسيما عند اضطرام الحرب الشاملة بين الفريقين، وذلك استدراراً لعطف الأمم النصرانية المجاورة، واستجلابا للمتطوعة والمرتزقة النصارى من سائر الأنحاء. وكان ملك قشتالة حينما اعتزم أن يشهر الحرب على الموحدين، قد بعث جرهارد أسقف شقوبية إلى البابا إنوصان، ليرجوه أن يدعو أمم أوربا النصرانية لمؤازرته، وذلك بتنظيم حملة صليبية ضد المسلمين في اسبانيا، وأرسل كذلك ردريك مطران طليطلة (١) وعدة أخر

стр. 2012

من أكابر الأحبار إلى فرنسا، وإلى الأمم المجاورة، للدعوة إلى قضيته واستثارة حماسة النصارى للعبور إلى اسبانيا، ومؤازرة الجيوش النصرانية في قتالها ضد المسلمين. ونزل البابا عند رغبة ملك قشتالة، وبعث إلى أساقفة جنوب فرنسا في يناير سنة ١٢١٢، بأن يعظوا رعاياهم بأن يسيروا بأنفسهم وأموالهم لمؤازرة ملك قشتالة، وأنه أي البابات يمنح من لبى هذه الدعوة الغفران التام. وكان الإنفانت الفتى دون فرناندو ولى عهد قشتالة، وولد ألفونسو الثامن قد توفي عندئذ، فبعث إليه البابا يعزيه عن فقد ولده، وكذلك عن فقد حصن شلبطرّة الذي استولى عليه الموحدون حسبما نفصل بعد، ويعرب عن خوفه بأن الحرب ضد " الألبيين " (١) في جنوب فرنسا قد تحول دون كثرة المتطوعين، وأنه يتمنى له الفوز في جميع الأحوال. بيد أنه يعرب عن نصحه له بأنه إذا استطاع أن يعقد الهدنة مع " أمير المؤمنين " فليفعل، حتى تسنح فرصة أفضل لضمان النصر المنشود. كانت هذه هي أحوال قشتالة والممالك الإسبانية النصرانية، حينما عبر الناصر في جيوشه الجرارة إلى شبه الجزيرة الأندلسية، في شهر ذي الحجة سنة ٦٠٧ هـ (مايو ١٢١١ م). ويعلق صاحب روض القرطاس على عبور الخليفة الموحدي بقوله: " واهتزت جميع بلاد الروم بجوازه، ووقع خوفه في قلوب ملوكهم، وأخذوا في تحصين بلادهم، وإخلاء ما قرب من المسلمين من قراهم وحصونهم. وكتب إليه أكثر أمرائهم يسئلون سلامته ويطلبون منه عفوه "، ثم يقدم إلينا قصة غامضة عن مقدم ملك " بيونة " على الخليفة بإشبيلية " مستسلماً خاضعاً مستصغراً، يطلب صلحه، ويسأل منه عفوه وصفحه " وكيف أن الناصر وافق على مهادنته إلى الأبد، وأعطاه تحفاً جليلة (٢). ويرجع غموض هذا النص، إلى أن مدنية بيونة، وهي تقع في الطرف الآخر من البرنيه على خليج بسكونية، قرب مملكة نافارا، لم تكن يومئذ داخلة في حظيرة اسبانيا النصرانية، بل كانت من أملاك جون ملك

стр. 2013

انجلترا (ولد هنري الثاني)، وذلك بالوراثة عن أمه دوقة أكوتين. وقد ترتب على ذلك أن بعض الباحثين، رأو، بالاستناد في نفس الوقت إلى مؤرخ إنجليزي عاش في القرن الثالث عشر، أن صاحب روض القرطاس، يشير بذلك إلى سفارة وردت إلى محمد الناصر من قبل ملك انجلترا يومئذ، وهو الملك جون. ولكنا نلاحظ أولا أن صاحب روض القرطاس يتحدث عن مقدم " ملك بيونة " بنفسه، وليس عن مقدم سفيره، ومن جهة أخرى فإن كلمة " بيونة " هذه التي وردت في طبعة تورنبرج التي نعتمد عليها قد وردت مكانها كلمة " بنبلونة " في النص الذي نقله السلاوي (عن روض القرطاس) (١). ومعنى ذلك أن الذي ورد على الناصر، أثناء مقامه بإشبيلية هو ملك نافارا (نبرّة)، وهو حدث مفهوم معقول، يتفق مع ما سبق عقده من علائق المودة والتحالف بين سانشو السابع ملك نافارا الملقب " بالقوى " وبين البلاط الموحدي. وتسجل لنا التواريخ النصرانية نفسها أن سانشو السابع، كان قبل ذلك ببضعة أعوام، حينما شعر بالخطر يتهدد مملكته من جراء تحالف جاريه ملكى قشتالة وأراجون ضده، قد عبر البحر إلى المغرب ملتجئاً إلى عون الخليفة الموحدي، وذلك في سنة ١١٩٩ م، وأنه قد أقام بمراكش في ضيافة الخليفة الناصر، زهاء عامين، توطدت فيهما الصداقة والتحالف بين الملكين (٢). يضاف إلى ما تقدم أن الألفاظ التي صيغ بها نص روض القرطاس، والقصة كلها التي يوردها عن كيفية استقبال الناصر للملك المذكور، لا يمكن أن تنصرف إلى أية سفارة واردة من خارج شبه الجزيرة الإسبانية. وإذاً فمن المرجح المعقول أن يكون ملك نافارا حليف الموحدين القديم هو الذي ورد على الناصر، وهو ملك " بنبلونة ". وهناك دليل آخر يؤيد هذا الرأي، وهو ما ورد في كتاب الناصر عن موقعة العقاب من إشارته إلى صاحب نبرّة ونكثه بحلفه وكونه " كان متعلقاً من الموحدين بزمام، وسخط عليه صاحب رومة إن لم يكن لقومه معسكراً، ولسواد أهل ملته مكثراً، فلحق بتلك الجموع مرهجاً " (٣)، ويقول لنا ابن خلدون إن الذي ورد على الناصر في تلك المناسبة، هو ملك ليون المعروف " بالبيبوج "، قدم عليه عام العقاب " فداخله، وأظهر له

стр. 2014

التنصيح، فبذل له أموالا ثم غدر به " (١). ونستطيع أن نلاحظ أخيراً أنه لم تكن ثمة أية علاقات سياسية ومصلحية، بين الموحدين وبين ملك انجلترا، تستدعى أن يأتى ملك انجلترا بنفسه إلى الخليفة الموحدي: " مستسلماً خاضعاً مستصغراً " وليس من الممكن أن ينسب مثل هذا التصرف إلا إلى ملك من ملوك اسبانيا النصرانية (٢). وخرج الناصر في جيوشه من إشبيلية، حسبما تقدم في الأيام الأولى من سنة ٦٠٨ هـ (أواخر يوليه ١٢١١ م) متجهاً إلى جيان، فأبدّة وبيّاسة، ثم سار شمالا نحو قلعة شلبَطَرّة. وكانت هذه القلعة تقح على ربوة عالية على مقربة من جبل الشارات، وكانت من أكبر وأمنع قلاع تلك الناحية. ويبدو من أقوال صاحب روض القرطاس، أن الناصر كان يقصد السير توًّا إلى غزو قشتالة، ولكن وزيره أبا سعيد بن جامع، أقنعه بوجوب الاستيلاء أولا على قلعة شلبطرة، نظراً لمناعتها الفائقة، وأهمية موقعها (٣). بيد أنه يبدو من الروايات الأخرى أن غزو أراضي قشتالة، لم يكن قد تقرر لدى الخليفة بعد، وأنه كان يقصد الاستيلاء على شلبطرّة بأدىء ذي بدء. ويؤيد ذلك ما ورد في كتاب الفتح الخاص بشلبطرة على لسان الخليفة، بأنه وإن كان صاحب قشتالة أقرب من تعينت حربه داراً، فإن فصل الغزو، كان قد ذهب جُله، واستحالت الأرض من جراء الأمطار الغزيرة إلى غدور وأوحال، تحول دون مسير الخيل، وذهبت معظم الجسور، وأنه قصد إلى معقل شلبطرة لقيامه في قلب الإسلام، وكون النصرانية قد جعلته جناحاً لكل غاية، تخدمه ملوكها ورهبانها، وتتخذ منه عاصماً يعصمها (٤). وعلى أي حال فقد طوق الموحدون قلعة شلبطرة، بعد أن استولوا على أرباضها، وقتلوا بها من النصارى أربعمائة، وأضرموا النيران فيها، واستولوا على حصن آخر قريب منها تسميه الرواية " بحصن الّلج " ثم نصبوا حولها أربعين قطعة من المجانيق الهائلة، وضربوها بالحجارة الضخمة، ورموها

стр. 2015

بالنبال والسهام الممطرة، حتى اضطر النصارى إلى تسليم القلعة ومغادرتها. وقد استمر الحصار وفقاً لرواية صاحب الروض المعطار واحداً وخمسين يوماً. وكانت حامية القلعة، وفقاً للرواية المذكورة، حينما اشتد بها البلاء من جراء الضرب المروع المتواصل، وتساقط الحجارة الهائلة، قد طالبوا من الموحدين أجلا يتصلون فيه بملكهم ألفونسو الثامن ليستأذنوه في تسليم القلعة، إذا لم يستطع إنجادهم، وكان ألفونسو الثامن عندئذ بجوار طلبيرة يجد في أهباته، فاتصل به رسلهم، واضطر أن يوافق على تسليم القلعة لعجزه عن إمدادهم، ولأنه لم يكن قد استكمل أهباته بعد. فعادوا وسلمت شلبطرة للموحدين، فدخلوها وحولوا كنيستها في الحال مسجداً، ووفى الخليفة بوعده في ترك الحامية النصرانية تعود إلى بلادها، وكان ذلك في أوائل ربيع الأول سنة ٦٠٨ هـ (أواخر أغسطس سنة ١٢١١ م) (١). ويقول صاحب روض القرطاس إن الحصار قد طال بالعكس ثمانية أشهر، واستمر بذلك حتى دخل الشتاء واشتد البرد، وقلت المؤن وكلت عزائم الجند، وفسدت نياتهم التي قصدوا بها للجهاد، ونضبت المواد من الحملة، وأن ملك قشتالة لما وقف على ذلك وعلم أن شوكة المسلمين قد انكسرت، والحدة التي قاموا بها قد خمدت، تأهب لأخذ الثأر، وجاءته ملوك الروم وهم في غاية الاستعداد، ثم جاء ألفرنسو بقواته وهاجم قلعة رباح واستولى عليها. ويضع تاريخ تسليم شلبطرة في أواخر ذي الحجة سنة ٦٠٨ هـ، ثم يقول لنا إن ملك قشتالة، لما وقف على سقوط القلعة، سار وسائر من كان معه من ملوك الروم، وحشودهم والتقى بالموحدين في موضع يسمى " حصن العقبان " (٢). بيد أن هذه الرواية التي يستخلص منها أن سقوط شلبطرة في أيدي الموحدين، وسقوط قلعة رباح في أيدي القشتاليين، ثم نشوب معركة العقاب بين الفريقين، قد حدثت كلها متتابعة في حلقة واحدة، ينقضها أولا كتاب الفتح الصادر عن الخليفة ذاته بفتح شلبطرة، وهو مؤرخ في الثاني من شهر ربيع الآخر سنة ٦٠٨ هـ، ولابد أنه كتب بعد سقوط القلعة بأيام قلائل (٣)، ثم تنقضها أكثر من رواية وثيقة. فصاحب الروض المعطار يقول لنا، إن الناصر بعد افتتاح شلبطرة " رجع إلى إشبيلية ظافراً غانماً، ثم استغاث الأذفونش

стр. 2016

بأهل ملته وحثهم على حماية دينهم، فاستجابوا، وانثالوا عليه من كل مكان ". ويقول لنا المراكشي وهو مؤرخ معاصر، إنه بعد رجوع أمير المؤمنين أبي عبد الله من هذا الفتح المتقدم الذكر (أعني فتح شلبطرة) إلى إشبيلية، استنفر الناس من أقاصى البلاد، فاجتمعت له جموع كثيفة (١). وإذن فمن الواضح أن غزوة شلبطرة كانت غزوة مستقلة، اقتصرت على فتح هذه القلعة المنيعة، وأن القوات الموحدية التي قامت بفتحها، لم تكن هي تلك الجيوش الجرارة التي عادت بعد ذلك بأشهر، لتلتقى مع الجيوش النصرانية في " مرتفعات " العقاب، وأن الموحدين والنصارى، قد انتفع كلاهما، بتلك الفترة لمضاعفة الأهبة والاستعداد. ففي الوقت الذي حل فيه الناصر بإشبيلية، بعد عوده من غزوة شلبطرة، كان ملك قشتالة، يبذل أقصى جهوده في استكمال أهباته لمقاتلة الموحدين. ولم تكن هذه الأهبة تقتصر على قشتالة وحلفائها من ملوك اسبانيا النصرانية، ولكنها كانت تمتد بعيداً إلى ما وراء ذلك. وقد سبق أن أشرنا إلى مسعى ملك قشتالة لدى البابا، ليسبغ الصفة الصليبية على محاربته للمسلمين، وأن البابا قد استجاب إلى رغبته، وكتب إلى الأساقفة بدعوة النصارى في جنوبي فرنسا وغيرها إلى التطوع لمقاتلة المسلمين، وكان سقوط شلبطرة وهي مركز فرسان قلعة رباح في أيدي الموحدين على النحو المتقدم، نذيراً جديداً بتفاقم الخطر على مصاير اسبانيا النصرانية، وبتأكيد هذه الصفة الصليبية (٢). وكان المطران المؤرخ ردريك الطليطلى، وعدة من أكابر الأحبار عندئذ يجوبون جنوبي فرنسا لجمع المتطوعين. واستمرت هذه الجهود الصليبية تبذل خلال عام ١٢١١ م، وكانت الوفود المتطوعة تأتى تباعاً إلى طليطلة، التي تقرر أن تكون مكاناً لاجتماع الجيوش، والوفود المختلفة. وفي أوائل سنة ١٢١٢ م، عاد المطران ردريك ومعه جمهرة كبيرة من المتطوعة الفرنسيين، ثم اجتمعت بعد ذلك وفود المدن الإسبانية، وفرسان الولايات القشتالية المختلفة، وفرسان الجمعيات الدينية، وهم فرسان قلعة رباح، وشنت ياقب، والأسبتارية، والداوية (فرسان المعبد)، واجتمع كذلك سائر القوامس والفرسان القشتاليين، وفي مقدمتهم رؤساء أسرة لارا وفرسانها، والكونت ديجو لوبيث، ولوبى دياث دي هارو، ومن معهم من الفرسان. وكان

стр. 2017

يرأس فرسان قلعة رباح جوميث راميريس، وفرسان شنت ياقب بيدرو آرياس، ويرأس فرسان الأسبتارية ولد جوتيرو هرمنجلد، وكان الأساقفة يرأسون صفوف المحاربين من مختلف المدن، ويتولون الإنفاق على حشودهم. وقدم فوق ذلك عدة من أحبار فرنسا يقود كل منهم جماعة من المحاربين، وفي مقدمتهم مطران أربونة وأسقفا بوردو ونانت وغيرهم من أكابر رجال الدين. ولم يأت شهر مايو سنة ١٢١٢ م، حتى اجتمع في قشتالة من المحاربين الصليبيين الذين هرعوا من جميع أنحاء أوربا لمعاونة اسبانيا النصرانية، زهاء ألفين من البارونات مع حاشياتهم، وعشرة آلاف من الفرسان والمقاتلة، وخمسين ألفاً من الرّجالة، أو بعبارة أخرى اجتمع من هذه الوفود الصليبية المختلفة جيش ضخم يبلغ زهاء سبعين ألف مقاتل، لمؤازرة الجيوش الإسبانية النصرانية، وكانت تتألف من جيوش قشتالة وأراجون ونافارا، ومن أمداد من جليقية والبرتغال. وتلقى ملك قشتالة، فوق ذلك، مقادير عظيمة من الأموال والسلاح، والمؤن، أرسلت إليه من أنحاء فرنسا وإيطاليا. ولم يأت شهر يونيه سنة ١٢١٢ م، حتى بلغ عدد الجيوش الوافدة على قشتالة أكثر من عشرة آلاف فارس، ومائة ألف من الرجالة. وأمر البابا إنوصان الثالث في رومه بالصوم ثلاثة أيام، التماساً لانتصار الجيوش النصرانية في اسبانيا على المسلمين، وأقيمت الصلوات العامة. وعمد رجال الدين والرهبان والراهبات إلى ارتداء السواد والسير حفاة، وسارت المواكب الدينية في الطرقات خاضعة متمهلة، من كنيسة إلى أخرى، وألقى البابا بنفسه موعظة صليبية، طلب فيها إلى النصارى أن يضرعوا إلى الله التماساً لنصر الإسبانيين (١). وتشير الرواية الإسلامية إلى هذه الاستعدادات الضخمة كلها، وإلى ما سعى إليه ملك قشتالة من صبغ محاربته للموحدين بالصبغة الصليبية. وكان المراكشي أكثرهم إلماماً بذلك، إذ يقول: " وخرج الأدفنش لعنه الله إلى قاصية بلاد الروم، مستنفراً من أجابه من عظماء الروم وفرسانهم وذوى النجدة منهم، فاجتمعت له جموع عظيمة من الجزيرة نفسها ومن ألمان، حتى بلغ نفيره إلى القسطنطينية، وجاء معه صاحب بلاد أرغن المعروف بالبرشنونى لعنه الله " (٢). ويقول صاحب

стр. 2018

البيان المغرب " فاستعد له (أي للقاء الناصر) وجمع أهل قشتالة أجمعين وغيرهم من سائر جموع ملوك النصرانية الذين هم للجزيرة مكتنفين " (١). ويقول أيضاً صاحب الروض المعطار " ثم استغاث الأذفونش بأهل ملته وحثهم على حماية دينهم، فاستجابوا له وانثالوا عليه من كل مكان " (٢). وأبلغ من ذلك ما ورد في كتاب الخليفة الناصر ذاته عن موقعة العقاب إذ يقول " إن صاحب قشتالة رأى أن يضرع لملوك أهل ملته، ويصانعهم على معونته بالتالد والطريف. . فبث القسيسين والرهبان من برتقال إلى القسطنطينية العظمى. . فجاءه عباد الصليب من كل فج عميق ومكان سحيق. . وكان أولهم سبقاً الإفرنج المتوغلون في الشرق والشمال " (٣) فهذه الفقرات الموجزة تدل دلالة واضحة، على أن الموحدين كانوا يعلمون بحقيقة الوسائل والاستعدادات البعيدة المدى، التي لجأ إليها ألفونسو الثامن ليقود إلى ميدان الحرب أكبر قوة نصرانية يمكن حشدها، وليسبغ صبغة الحرب المقدسة على المعركة التي يضطلع بها، مثلما كان المسلمون يسبغون صفة الجهاد في سبيل الله، على المعارك التي يخوضونها ضد النصارى. وكان الموحدون من جانبهم يقومون بمثل هذه الاستعدادات، وقد استنفر الناصر عقب عوده من غزوة شلبطرة إلى إشبيلية، الناس من سائر الجهات، ليضاعف حشوده، وليدعم جيوشه، فاجتمعت له قوات جديدة كثيفة، وكان من الواضح أن الفريقين يرى كل منهما أن أجل اللقاء الحاسم يدنو بسرعة، ففي يوم ٢٠ يونيه سنة ١٢١٢ م، خرجت الجيوش النصرانية، من طليطلة قاصدة إلى الجنوب. وكانت مقسمة إلى ثلاثة جيوش رئيسية، جيش الطليعة ويتألف من قوات الوافدين، وقد قدرته بعض الروايات بستين ألف مقاتل، وقدره البعض الآخر بمائة ألف، وكان يقوده القائد القشتالي ديجو لوبيث دي هارو يعاونه عدد من أكابر الأحبار والقوامس. ويتألف الجيش الثاني من قوات أراجون وقطلونية وفرسان الداوية، ويقوده بيدور الثاني ملك أراجون. ويتألف الجيش الثالث، وهو جيش المؤخرة من قوات قشتالة وليون والبرتغال، وفرسان قلعة رباح وشنت ياقب والأسبتارية، ويقوده ألفونسو الثامن ملث قشتالة، يعاونه

стр. 2019

عدة قواد من الأحبار والسادة، وفي مقدمتهم ردريك مطران طليطلة، وتقدر الرواية عدد الفرسان في هذه الجيوش بثلاثين ألفاً، وذلك غير المشاة. وخرج الناصر في جيوشه من إشبيلية في العشرين من محرم سنة ٦٠٩ هـ (٢٣ يونيه سنة ١٢١٢ م) متجهاً صوب جيان، وقاصداً لقاء النصارى. وكانت الجيوش النصرانية تسير في نفس الوقت نحو الأراضي الإسلامية، فوصلت طلائعها في اليوم الرابع والعشرين من يونيه، إلى حصن مَلَجون، وهو من حصون الحدود الإسلامية، فاستولت عليه، وقتلت حاميته الإسلامية الصغيرة، ثم استمرت الجيوش النصرانية في سيرها صوب قلعة رباح أكبر وأمنع القواعد الإسلامية في تلك المنطقة. وكان الخليفة المنصور قد انتزعها عقب موقعة الأرك من فرسان قلعة رباح حسبما تقدم وحول كنيسها إلى مسجد، وعين لقيادتها أبا الحجاج يوسف بن قادس، وهو من أنجاد الفرسان والقادة الأندلسيين، وكان يسهر على حمايتها، والدفاع عنها، من ذلك التاريخ، وكان لديه وقت مقدم النصارى حامية من سبعين فارساً (١). ولقى النصارى في عبور نهر وادي يانه الذي تقع قلعة رباح على مقربة من ضفته الجنوبية صعاباً، إذ كان المسلمون قد نثروا على جانبيه الصنانير والخوازيق الحديدية، فلما عبروا النهر، طوقوا القلعة في الحال، ولكن القلعة كانت فضلا عن مناعتها الطبيعية بوقوعها جنوبي النهر، تتمتع بأسوار وأبراج في منتهى المناعة، ومن ثم فقد تردد النصارى في مهاجمتها بادىء ذي بدء، ولبثوا تحت أسوارها ثلاثة أيام يبحثون فيما إذا كان من الأفضل الاكتفاء بتطويق القلعة، وترك افتتاحها لما بعد وقوع النصر، ولكن غلب الرأي في النهاية بوجوب مهاجمتها، فهوجمت بشدة في يوم ٣٠ يونيه، واستطاع النصارى أن يحتلوا قسمها الخارجي الذي يحاذى النهر، وهو أضعف قسميها من حيث المناعة. وهنا تتفق الروايتان النصرانية والإسلامية، فيما تلا من تفاهم المسلمين والنصارى على تسليم القلعة، ومنح الأمان لحاميتها، وتركهم أحراراً في مغادرتها إلى بلادهم، وذلك على نحو ما حدث في شلبطرّة بالنسبة لحاميتها النصرانية. وكان ابن قادس قد انتهى إلى هذا الرأي، بعد أن حاول الاستنجاد عبثاً بالناصر، وهو بمحلته القريبة، وبعد أن أيقن بعبث الدفاع، وتعريض رجاله لموت محقق، إذا هو أصر على القتال. وكان ألفونسو ملك قشتالة، يؤيد هذا الحل السلمى الذي يمكنه

стр. 2020

من الاستيلاء على قلعة رباح دون تأخير ودون سفك دماء. ولكن حلفاءه من الأرجونيين والأجانب الوافدين، عارضوا في أية تسوية تحقن بها دماء الحامية الإسلامية. ولكن غلب الرأي بقبول هذا الحل في النهاية، خصوصاً، وقد صمم ابن قادس على الدفاع، إذا لم يجب إلى ما طلب من منح الأمان والحرية لرجاله. واتُّفق على أن يغادر الفرسان المسلمون القلعة دون سلاح، ومعهم خمسة وثلاثون من الخيل. وهكذا استولى ألفونسو الثامن على قلعة رباح، وسلمها في الحال إلى فرسان قلعة رباح، أصحابها السابقين، قبل أن يفتحها الخليفة المنصور (١). وكان افتتاح قلعة رباح مثار التنابذ والخلاف بين القشتاليين وحلفائهم الوافدين. ذلك لأن الوافدين الصليبيين، رأوا في إفلات المسلمين من القلعة أحراراً أحياء، عملا لا مبرر له، ولا يتفق مع أغراض الحرب الصليبية، وثانياً لأن ألفونسو وجد في قلعة رباح مقادير وافرة من المؤن قسمها بالتساوى بين الجند الوافدين وزملائهم المحاربين الأصليين، ولكن سرت الإشاعة بين الجند الوافدين، أن ملك قشتالة، قد عثر بالقلعة على تحف وذخائر كثيرة استأثر بها لنفسه. ومن ثم فقد أبدت طوائف كثيرة من الجند الوافدين تبرمها وسخطها، واحتج كثير منهم بأنهم لا يحتملون جو اسبانيا الحار، وأنهم وفوا بعهودهم في مقاتلة المسلمين في ملجون وقلعة رباح، وأبدوا عزمهم على الرجوع إلى بلادهم، وأيدهم في ذلك مطران بوردو أعظم أحبارهم، ولم تنجح جهود ملك قشتالة وزملائه الإسبان، في إقناعهم بالعدول عن قرارهم، وغادرت معظم الطوائف الوافدة المعسكر القشتالي، ولم يبق منهم سوى أرنولد أسقف أربونة في رجاله، والكونت تيوبالد بلاسكون وهو قشتالى المنبت، وكانت عدة رجالهم مائة وثلاثون فارساً، وبلغ من غادر المعسكر القشتالي على هذا النحو زهاء خمسين ألف مقاتل، اخترقوا قشتالة، صوب جبال البرنيه عائدين إلى بلادهم، وقد أغلقت سائر المدن الإسبانية أبوابها في وجوههم خوفاً من اعتدائهم وعيثهم (٢).

стр. 2021

وإنه لما يلفت النظر أن الرواية الإسلامية، لم يفتها أن تشير إلى هذا الشقاق الذي وقع في المعسكر النصراني، على أثر افتتاح قلعة رباح، فنرى المراكشي يقول مشيراً إلى افتتاح القلعة " فسلمها إليه المسلمون الذين بها بعد أن أمنهم على أنفسهم، فرجع عن الأدفنش لعنه الله بهذا السبب من الروم جموع كثيرة، حين منعهم من قتل المسلمين الذين كانوا بالقلعة المذكورة، وقالوا إنما جئت لتفتتح بنا البلاد، وتمنعنا من الغزو وقتل المسلمين، ما لنا في صحبتك من حاجة على هذا الوجه " (١). - ٢ - وفي ذلك الحين كان الناصر قد وصل في جيوشه الجرارة إلى جيان، وهنالك استقر بظاهرها أياماً، منتظراً عبور النهر، ووقف على ما وقع من أحداث على الحدود، من سقوط قلعة رباح في يد العدو، وما حدث على أثر ذلك في المعسكر النصراني من الشقاق، وما عمدت إليه طوائف الجند الوافدين من العود إلى بلادها. وقدم ابن قادس قائد قلعة رباح عندئذ، إلى المحلة الموحدية، مع صهره ونفر من أصحابه، ليقص أمره على الخليفة، فمنعه الوزير أبو سعيد بن جامع من ذلك، وصوّر موقفه للخليفة أسوأ تصوير، واتهمه بالخيانة وتسليم القلعة للنصارى، فأمر الناصر بإعدامه هو وصهره، دون أن يستمع إليه، أو يستوضح أمره، فأعدما طعناً بالرماح، وكان لمصرع هذا القائد الأندلسي الباسل على هذا النحو، وقع عميق بين مواطنيه الجند الأندلسيين، ولما شعر الوزير ابن جامع بما حدث من تغير نفوس الأندلسيين، استدعى قادتهم، وطلب إليهم أن يعتزلوا جيش الموحدين، وأنه لا حاجة للموحدين بهم. وكانت هذه إحدى البوادر المقلقة في المعسكر الموحدي (٢). وكان لسقوط قلعة رباح في أيدي النصارى أسوأ وقع في نفس الخليفة الناصر، وكان ألفونسو الثامن عقب استيلائه على القلعة، قد استطاع أن يتغلب بسرعة على ما حدث في المعسكر النصراني، من جراء ذلك من خلل، بسبب رحيل بعض طوائف المحاربين الوافدين، وأن ينظم ما تبقى من قواته المكونة من قوات قشتالة وأراجون وجليقية والبرتغال. وكان ملك نافارا، قد ارتضى

стр. 2022

خريطة: مواقع موقعة العقاب سنة ٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م

стр. 2023

أخيراً بالرغم من خصومته القديمة لقشتالة، ومهادنته للموحدين، أن يشترك في تلك الحملة الصليبية بقوة صغيرة من الفرسان، وذلك نزولا على نصح البابا وإلحاحه (١)، وهكذا استأنفت القوات النصرانية المتحدة سيرها إلى الجنوب نحو الأراضي الإسلامية، ومرت بشلبطرة دون أن تتعرض لها، حتى أشرفت طلائعها على مرتفعات جبال الشارات (سييرا مورينا)، ثم لحقت بها سائر القوات الأخرى، واحتلت البسيط العلوى المقفر المسمى ممر مورادال، وذلك في يوم ١٣ يوليه (العاشر من صفر سنة ٦٠٩ هـ). وفي خلال ذلك كان الخليفة الناصر، قد تحرك في جيوشه الجرارة نحو الشمال لملاقاة العدو، وكانت الجيوش الموحدية، قد قسمت كالعادة إلى وحداتها العنصرية والقبلية، فكانت خمسة أقسام، يتكون القسم الأول من طوائف العرب، ويتكون القسم الثاني من القبائل المغربية مثل صنهاجة وزناتة والمصامدة وغمارة وغيرها، والقسم الثالث من الجنود المتطوعة، والقسم الرابع من جند الموحدين النظامية، والقسم الخامس من جنود الأندلس. أما عن عدد الجيوش الموحدية التي كان يقودها الناصر، فقد بولغ في شأنه مبالغة كبيرة. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن الناصر قد خرج في جيوش لا تحصى وأمم كالجراد المنتشر، قد ملأت السهل والوعر، وضاق بهم المتسع والنجد والغور. ثم يقدم إلينا في موضع آخر أرقام الجيوش الموحدية مفصلة، فيقول إن عدد المتطوعة بلغ مائة وستين ألفاً بين فارس وراجل، وبلغ عدد الرجال المحشودين ثلاثمائة ألف راجل، وبلغ عدد العبيد الذين يمشون بين يدي الخليفة بالحراب ويدورون حوله ثلاثون ألف عبد، ومن الرماة والأغزاز (الغز) عشرة آلاف. وذلك كله دون المرتزقة من الموحدين وزناتة والعرب وغيرهم. ومعنى ذلك أن الجيوش الموحدية بلغت مجتمعة نصف مليون مقاتل غير المرتزقة (٢). وفي رواية أخرى لا تقل مبالغة وإغراقاً أن الجيوش الموحدية كانت تضم ستمائة ألف مقاتل (٣)، وهذا تقدير لا يمكن أن يسيغه العقل، إذ كان من المستحيل مادياً أن يكفل تموين مثل هذا الجيش، وخصوصاً في مثل هذه المنطقة الوعرة التي كان يخترقها الجيش الموحدي للقاء

стр. 2024

أعدائه. ونحن نعرف أن مسألة التموين بالذات كانت من أعقد مشاكل الجيش الموحدي، وكانت تسبب له دائماً أزمات ومتاعب عديدة. ونحن نعتقد أننا لو قدرنا الجيش الموحدي بمختلف وحداته بمائتي ألف مقاتل، لكنا أقرب كثيراً إلى الحقيقة والمعقول. واخترقت الجيوش الموحدية نهر الوادي الكبير، واتجهت صوب بياسة، وكانت قد تخلفت أياماً عن عبوره لارتفاع مائه، ثم عبرته حين نضب الماء، واحتلت سريات من خيرة أنجادها ممرات جبل الشارات المؤدية إلى بياسة وأبدة، ومنها ممر " لوسا " الوعر، الذي تستطيع قوة صغيرة باحتلاله أن تمنع جيشاً كبيراً من جوازه، ثم نزلت الجيوش الموحدية في البسيط الواقع تجاه هذا الممر وهو يقع اليوم أمام الطرف الغربي لقرية سانتا إيلينا Sta. Elena وتسميه رسالة الغزو الرسمية " بالمرشة ". واعتزم الخليفة الناصر أن يصمد في هذا المكان للقاء النصارى. وكان الناصر يعتمد على ما بلغه من حوادث الانشقاق في الجيوش النصرانية، وما تلقاه من متاعب التموين، لانتهاز الفرصة في لقائها، وهي متعبة، فاترة الهمم. ويبدو من أقوال سائر الروايات الإسلامية، أن الناصركان واثقاً من النصر، معتزا غاية الاعتزاز بضخامة حشوده، وتفوقه العددي. ولابد لنا قبل أن نعرض إلى تحركات الجيشين المتحاربين، أن نحاول أن نرسم للقارئ صورة واضحة من أوضاع هذه المعركة الشهيرة، والأمكنة التي وقعت فيها. ذلك أن دراسة ميدان معركة العقاب، وخواصه الطبوغرافية، مما يساعد على إيضاح كثير من الروايات التي وردت بشأن المعركة، وقد كان من حسن الطالع أن أتيح لنا أن نقوم بهذه الدراسة الشاقة، وأن نتجول في هضاب جبال سييرا مورينا (جبال الشارات) وأن نصعد إلى قممها الشاهقة، وأن نشهد الأمكنة التي اجتازتها وعسكرت فيها الجيوش النصرانية، وأن ندرس طبيعة المكان الذي كان يحتله الجيش الموحدي في أسفل الجبال. ويجب أن نذكر أولا أن المعركة تعرف في التواريخ النصرانية، بمعركة نافاس دي تولوسا Navas de Tolosa ، وهذا الاسم ما زال يطلق حتى اليوم على محلة أو ضيعة صغيرة، تقع في سفح جبال الشارات على مقربة من شمال شرقي بلدة " لاكارولينا " الواقعة على الطريق الكبير الممتد من مدريد جنوبا إلى الأندلس

стр. 2025

بيد أن هذا الاسم القديم الذي يعنى " هضاب تولوسا " أو" عقاب تولوسا " قد فقد مدلوله القديم، وتدل سائر المعلومات والوثائق التاريخية، وكذلك البحوث الحديثة، على أن المعركة لم تقع في هذا المكان الذي أطلق اسمه عليها، بل وقعت شمالي هذا المكان بنحو عشرة كيلومترات، في الهضاب والبسائط، الواقعة غربي قرية " سانتا إيلينا " فيما بينها وبين قرية " ميرانده دل رى " وفي أسفل الأكمة المسماة " مائدة الملك " Mesa del Rey التي سوف نذكرها فيما بعد، وذلك حسبما يوضح لنا الرسم التخطيطى، الذي نقدمه نتيجة لدراستنا لمعالم الموقعة. ونستطيع من جهة أخرى أن نقدم دليلا على صحة هذا التحديد الطبوغرافى لميدان الموقعة، ما يعثر عليه الباحثون في هذا المكان، من آن لآخر، من السهام الموحدية الأرضية التي كانت تنصب للخيل، وقد عثرنا نحن على خمسة منها بالحفر بأنفسنا في هذه الساحة، وهي التي نقدم صورتها بعد. حصن العقاب وجبال الشّارات، التي لبثت عصوراً تفصل بين الأندلس، وإسبانيا النصرانية، في هذه البقعة، عبارة عن عدة متعاقبة من الجبال السوداء العالية، تفصلها هضاب وعرة أو بعض السهول المتدرجة. وقد بدأنا بعد رحلة شاقة في أعماق الجبال، استغرقت بضع ساعات، بالصعود إلى موقع الحصن، الذي يسمى بالإسبانية حصن كسترو فرال Castro Ferral ويسميه صاحب روض القرطاس، حسبما يأتي بعد، بحصن العقاب أو حصن العقبان. وهو يقع فوق قمة أحد الجبال في الصف الثالث أو الرابع تجاه بلدة سانتا إيلينا. وهو يحتل أعلى قمة في الجبل، ويقع شمال غربي سانتا إيلينا، إلى يسار المنحدر الجبلي الشهير المسمى دسبنيابروس Despenaperros ( أو منحدر الكلاب). ولم تبق اليوم من هذا الحصن سوى أطلال دارسة هي عبارة عن بقايا جدارين عاليين متواليين. ويبلغ ارتفاع الجدار الأول نحو ثمانية أمتار، وبه ثغرة كبيرة في وسطه. ويبلغ ارتفاع الجدار الثاني نحو عشرة أمتار، وهو يليه ويبعد عنه نحو خمسة أمتار. وتوجد كذلك بقية جدار جانبى إلى يمين الداخل، طولها نحو عشرة أمتار وارتفاعها نحو ستة، وفيه ثغرتان من أسفل، ومساحة هذا الطلل كلها تبلغ نحو عشرين متراً في خمسة عشر. ومازالت أسس الجدران ظاهرة في أرض المكان

стр. 2026

صورة: أطلال حصن العقاب كما تبدو عن بعد فوق الجبال. صورة: الجدار الأوسط لأطلال حصن العقاب. صورة: الواجهة الخلفية لأطلال حصن العقاب.

стр. 2027

الطريق الرومانى والنهر وإنه لمما يسترعى النظر في أعماق هذه الجبال الوعرة، هو طريق عبورها، سواء من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب أعني من الأندلس إلى الشمال (أراضي قشتالة). وقد تتبعنا هذا الطريق المسمى "كارثادا " Carzada ، وهو الطريق الرومانى القديم، وهو يوجد وراء الجبال في المنحدرات النازلة نحو النهر الصغير الذي يقع في سهل خفيض في أسفل الجبل ويسمى نهر مجانيا Magana وهو عبارة عن فرع صغير من نهر وادي لين المتفرع من نهر الوادي الكبير، وكان الطريق الهابط يستمر حتى النهر، ثم بعد عبوره، يعود فيصعد الصف الثاني من الجبال نحو الشمال. أما النهر ذاته فهو يقع خلف الصف الأول، وأسفل الصف الثاني من الجبال، وهو نهر صغير لا يزيد عرضه عن خمسة عشر متراً، وقد رأينا به قليلا من الماء. وكان المسلمون يعبرون هذا الطريق الذي كان يعبره الرومانيون من قبل، إلى أراضي قشتالة. بويرتو دل مورادال وهذا الطريق المسمى " كرثادا " يسير من ناحية أخرى صاعداً نحو القمة الكبيرة الواسعة من السفح المسماه Puerto del Moradal ( بويرتو دل مورادال) أو ثغر مورادال، وكان هذا هو أهم ممرات جبل الشارات. والطريق الصاعد إليه فيما يبدو من آثاره الحجرية، كان طريقاً عريضاً، يبلغ عرضه نحو العشرة أمتار. وكذلك يبدو من بعض أجزائه القليلة الباقية، المعبدة بالحجر الأسود، ْأنه كان طريقاً معبداً كله، وهذا الممر يحتل فوق قمة جبل الشارات مساحة كبيرة منبسطة، ثم ينزل من الناحيتين صاعداً وهابطاً، ويسمى منزل هذا الممر وما حوله باسم " الإمبدرادليو " Empedradillo . وقد شاهدنا فوق قمة مورادال، وأمام الممر، أنقاض أحجار كثيرة، قيل لنا إنها كانت أنقاض محلة رومانية Venta خلال الطريق القديم، ومنها ينزل نحو نهر مجانيا. ويوجد على مقربة من ممر مورادال جبل مطل على النهر يسمى " جبل المسلم " Cerro del Moro . مائدة الملك وإلى يسار ممر مورادال، على مسافة نحو ساعة منه، توجد قمة أخرى تشغل يسيطاً كبيراً، بيضاوياً، يمتد نحو اليمين ونحو اليسار إلى مسافة عدة كيلومترات،

стр. 2028

صورة: نهر مجانيا كما يبدو في أسفل الجبال. صورة: منحدر دسبينيابروس.

стр. 2029

وهو البسيط الذي يسمى " مائدة الملك " Mesa del Rey ، وقد شهدناه من بعد أولا، ولاح لنا أنه بالفعل، مستدير أو بيضاوى كالمائدة، ومن ثم كان الاسم الذي أطلق عليه. وتنحرف جوانب هذه القمة إلى أسفل الوادي، مغطاة بالخضرة، وإلى جانبها الأيمن مرتفعات متعددة صاعدة ونازلة. وهذا المرتفع المستدير، يمتد كما قلنا من الجانبين إلى مسافات شاسعة يطلق عليها جميعا نفس الاسم " مائدة الملك "، ويبدو من انبساطها وضخامة مساحتها، أنها كانت بالفعل تصلح محلة للجيوش الغازية. ... ونحن نستطيع بعد تتبع هذا الوصف لأوضاع المعركة وأماكنها المختلفة، أن نتتبع تحركات الجيش القشتالي والموحدى، وأن نكوّن فكرة واضحة عن مسرح معركة العقاب الحقيقى. وكان النصارى بعد احتلالهم بسيط مورادال الواقع فوق الجبل، قد استطاعوا أن ينتزعوا قلعة كسترو فيرال الإسلامية الواقعة في قمة الجبل والتي وصفناها من قبل، وهي التي تسمى أحيانا بحصن العقاب، وكانت بها حامية موحدية صغيرة، ولكنهم شعروا مع ذلك بحرج موقفهم في ذلك المكان نظراً لوعورته، ونقص وسائل التموين والمياه فيه، وكان لابد لهم بأي حال أن يعبروا جبل الشارات إلى الناحية الأخرى، وكان ذلك متعذراً عليهم نظراً لاحتلال الموحدين سائر ممراته بقوات كافية، ولاسيما ممر لوسا الواقع جنوب غربي الحصن، وهو الذي يفضى إلى سهول تولوسا، والذى لا يمكن لجيش عظيم بأسره اقتحامه. عندئذ اجتمع الملوك النصارى مع قوادهم للبحث عن مخرج لهذا المأزق، وكان الرأي الغالب، هو أن يعود الجيش النصراني أدراجه إلى السهل، ثم يحاول دخول أراضي الأندلس من طريق آخر، ولكن ملك قشتالة عارض في هذا الرأي، لأن أية حركة ارتداد كانت في نظره خطراً على روح الجيش المعنوية، فضلا عن اعتبارها من جانب الأعداء فراراً ونكولا عن خوض المعركة. وهنا تعرض لنا الرواية النصرانية قصة يطبعها لون من الأسطورة، وهي أن راعياً من رعاة هذه الأنحاء، تقدم إلى القادة النصارى، وأخبرهم أنه يستطيع إرشادهم إلى طريق آخر لعبور الجبل، يقع في مرتفع آخر، ويفضى إلى سهل أبدّة، ويمكن أن يسلكه الجيش دون أن يفطن العدو إلى ذلك. فسار معه القائدان لوبث دي هارو،

стр. 2030

صورة: ممر بورتو دل مورادال كما يبدو من أسفل الجبل. صورة: بسيط مائدة الملك Mesa del Rey كما يبدو من أسفل الجبل.

стр. 2031

وغرسية روميرو لمعاينة هذا الطريق، ولما تحققا من صحة كل ما قاله الراعى، بادر الجيش النصراني في نفس اليوم - وهو يوم السبت ١٤ يوليه - بالسير إلى ذلك المرتفع الجديد، واحتلوا بسيطه - وهو البسيط الذي يطلق عليه اليوم اسم " مائدة الملك " Mesa del Rey وهو الذي وصفناه، وبينا موقعه فيما تقدم. وحصنوا ما حوله، وبقيت بقية الجيش النصراني مرابطة من ورائه، واعتبر هذا الراعى المرشد منقذاً أرسله الله (١). ولم يخف أمر هذه الحركة التي قام بها الجيش النصراني على الموحدين، وقد وقفوا في الحال على مكان عدوهم الجديد، وحاولت فرقة من الفرسان الموحدين عبثاً أن تنتزع هذا المرتفع الجديد من أيدي النصارى. وصدرت أوامر الخليفة الناصر بتعبئة الجيوش الموحدية لخوض المعركة في الحال، ولكن الملوك النصارى آثروا الاعتصام مؤقتاً بمركزهم المنيع، ولم يريدوا بالأخص أن يخوضوا المعركة في يوم أحد، واقتصر الأمر على بعض المناوشات البسيطة بين سريات الفرسان من الفريقين. بيد أنه لم يكن من الميسور على النصارى أن يؤخروا خوض المعركة لأكثر من يوم، أولا لقلة مؤنهم، وخوفهم أن تنضب بسرعة، وثانيا لكون الجيش الموحدي، لبث منذ يوم السبت في حالة تعبئة مستمرة للقتال، وقد يفاجئ الجيش النصراني بالهجوم. وكان الناصر على علم مستمر بأحوال الجيش النصراني، وكانت كل تقديراته تؤكد له تحقيق الظفر المنشود. وليس لدينا في الرواية الإسلامية تفاصيل شافية، عن التنظيمات التي وضعت للجيوش الموحدية لخوض المعركة، بيد أنه يبدو مما ذكره لنا صاحب روض القرطاس، وكذلك ما يذكره لنا ردريك الطليطلى، وهو من شهود المعركة، أن الجيش الموحدي، قُسم وفق الأوضاع الموحدية من خمس فرق، تتألف الفرقة الأمامية من القوات المتطوعة من مختلف الطوائف، وتتألف قوات القلب والقوات الاحتياطية من الجند الموحدين، وهم أغلبية الجند النظامية، وتتألف الميمنة من القوات الأندلسية، والميسرة من قوات البربر من مختلف القبائل.

стр. 2032

رسم تخطيطي: لمواقع موقعة العقاب خلال جبال سيرّا مورينا والسهل الواقع في جنوبها.

стр. 2033

وضربت قبة الخليفة الحمراء، فوق ربوة عالية تتوسط البسيط الذي تحتله الجيوش الموحدية، والذى يواجه مواقع الجيش النصراني. ودارت العبيد، وهم أغلبية الحرس الخليفى حول القبة من كل ناحية، وكلها مزودة بالسلاح والعدة، وضرب في نفس الوقت حول القبة الخليفية سياج من الأعمدة وعدة من السلاسل الحديدية الضخمة، وشهر جند الحرس حرابهم في اتجاه العدو، فكانت سداً منيعاً دون اختراقه الموت، وجلس الناصر في قبته مستنداً إلى درقته، ومعه أشياخ الموحدين، وربطت فرسه مسرجة أمامه، ووضعت الساقات والبنود والطبول أمام العبيد، تحت إمرة الوزير أبي سعيد بن جامع وكان بوسع النصارى أن يروا من مواقعهم العالية، جموع المسلمين التي لا تحصى، وفي قليها قبة أمير المؤمنين الحمراء (١). أما عن تنظيم الجيش النصراني فلدينا تفاصيل كثيرة، يقدمها إلينا ردريك الطليطلى وغيره من شهود المعركة، وخلاصتها أن الجيش النصراني قسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، يتزعم كل قسم منها، ملك من ملوك النصارى الثلاثة، الأول يتكون من القلب ويقوده ملك قشتالة ألفونسو الثامن، هذا إلى جانب احتفاظه بالقيادة العليا. ويتكون الثاني من الجناح الأيمن، ويقوده سانشو ملك نافارا، ويضم فضلا عن القوات النافارية، جند سرية وآبلة وشقوبية ومدينة سالم، وفرسان فرنسا الذين يرأسهم مطران أربونة، وجند جليقية والبرتغال. ويتكون القسم الثالث من الجناح الأيسر، ويقوده بيدرو الثالث ملك أراجون، ويشتمل على قوات الطليعة والقوات التي يقودها أشراف أراجون. وقد وزع كل قسم من هذه الأقسام إلى وحدات عديدة، فوضع في القلب فرسان الداوية والأسبتارية وفرسان قلعة رباح كل منها تحت إمرة قائده الخاص، وكذلك الصفوف التي يقودها مطران طليطلة وخمسة من الأساقفة القشتاليين (٢). وفي ليلة يوم الاثنين الخامس عشر من صفر سنة ٦٠٩ هـ (ليلة ١٦ يوليه سنة ١٢١٢ م)، استعد الفريقان لخوض المعركة، وقضى النصارى شطراً من

стр. 2034

الليل في الصلاة والدعاء، وتلقى البركة والغفران البابوى على يد الأساقفة ورجال الدين. ولم نجد في الرواية الإسلامية ما يشير إلى أنه وقع في الجيش الموحدي في تلك الليلة، شىء من تلك المناظر المؤثرة، التي وقعت به قبيل اضطرام معركة الأرك، من تبادل الاستغفار بين الخليفة والناس، ومن وعظ وبكاء وحث على الجهاد، فقد كان الخليفة الناصر حسبما تشير سائر الروايات، واثقاً من النصر، واثقاً من تفوقه العددي الهائل، ولم يكن ينتظر سوى بدء المعركة لإحراز النصر المنشود. وبدأت المعركة في الصباح الباكر من يوم الاثنين الخامس من صفر، وكان كل من الجيشين على أهبة لخوضها، وقد رتبت صفوفه وفقاً للأوضاع التي سبق وصفها. وبدأ النصارى بالهجوم، فهبطت طلائعهم مسرعة من المرتفع الذي تحتله الجيوش النصرانية في بسيط " مائدة الملك " Mesa del Rey إلى السهل الأسفل الذي يحتله الجيش الموحدي، والذى يشغل بسيطاً شاسعاً، يقع عند الطرف الغربي من بلدة " سانتا إيلينا "، ويستند من الخلف إلى سلسلة من المرتفعات المنخفضة، وانقضت على مقدمة الجيش الموحدي، فلقيتهم صفوف المتطوعة بقوة وثبات، واقتتل الفريقان بشدة حتى بدأ النصارى في التراجع، فأدركتهم الأمداد، وعادوا إلى الثبات تعززهم فرق الفرسان، التي صعب على المتطوعة الموحدين اختراقها، وهجم في نفس الوقت جناحا الجيش النصراني على جناحى الجيش الموحدي، واحتدمت بين الجيشين معركة هائلة عامة، وكانت طبول الساقة الموحدية، تهز الآفاق بدويها الرائع. ويستفاد من أقوال الروايتين الإسلامية والنصرانية، أن المتطوعة المسلمين بعد ثباتهم الأول، قد ارتدوا تحت ضغط النصارى الهائل، وكثر القتل فيهم، بل يقول لنا صاحب روض القرطاس، إنهم لبثوا يقاتلون حتى إستشهدوا عن آخرهم " وعساكر الموحدين والعرب وقواد الأندلس ينظرون إليهم لم يتحرك منهم أحد " (١). ولكن النصارى حين تقدموا بعد التغلب على فرق المتطوعة إلى قلب الجيش الموحدي، لقوا من الجند الموحدين أشد مقاومة، وردوا على أعقابهم. ومن جهة أخرى، فإن قوات الميمنة والميسرة الموحدية استطاعت بعد قتال عنيف أن ترد جناحى الجيش النصراني، وأخذ النصارى حسبما تقول لنا الرواية النصرانية ذاتها، في الارتداد

стр. 2035

والفرار (١)، ولاح للفريقين أن لواء النصر سوف يعقد للموحدين. ولكن هذه البارقة لم يطل أمدها. ذلك أن ألفونسو الثامن ملك قشتالة، حينما شهد من فوق المرتفع ما آلت إليه المعركة، من تراجع القوات النصرانية في القلب والجناحين، وما ينذر به ذلك من هزيمة محققة، اعتزم في الحال أن ينزل إلى الميدان بقواته الاحتياطية المختارة، من قوات قشتالة وليون، ليقاتل قتال اليائس، واندفع بالرغم من اعتراض المطران والأساقفة والقوامس على مسلكه الخطر، في قواته إلى الصف الأمامى. وتبعه في نفس الوقت ملكا أراجون ونافارا كل في قواته، نحو جناحى الجيش الموحدي، وهجمت القوات النصرانية كلها في وقت واحد، بمنتهى العنف والشدة، حتى بدأت ميمنة الجيش الموحدي وميسرته في الارتداد أمام ضغط الفرسان النصارى، وفرّ الأندلسيون والعرب، وأحدث فرارهم اضطرابا في الصفوف. وهنا تمركز هجوم النصارى على قلب الجيش الموحدي، المكون من الجنود النظامية والاحتياطية، والذى تتوسطه قبة الخليفة الحمراء، ومن حولها الحرس الخليفى الأسود، وكان النصارى قد انتعشوا، بما شهدوا من تطور المعركة في صالحهم، فشددوا الهجوم على الموحدين. وصمد الموحدون، ودافعوا بمنتهى الشدة، ومن ورائهم الحرس الأسود شاهراً رماحه، من وراء السلاسل الحديدية الضخمة، وكان الخليفة الناصر قد أدرك حقيقة الموقف، فنهض من مجلسه وجلس أمام خبائه على درقته، وهو يحث جنوده على الاستبسال، واستطاع النصارى أخيراً أن يخترقوا قلب الجيش الموحدي إلى دائرة الحرس الأسود، فردتهم السلاسل الحديدية ورماح العبيد المشهرة حيناً، وهم كالبنيان المرصوص حول القبة الخليفية. ولكن النصارى " ردوا أكفال الخيل المدرعة إلى رماح العبيد " (٢) فاخترقوا الدائرة المدرعة، وكان أول من دخلها منهم الكونت ألبارو نونيز دي لارا على رأس كتيبة من الفرسان القشتاليين، وفي يده علم قشتالة الأبيض، ودخلها في نفس الوقت ملكا أراجون ونافارا كل من ناحيته، وبذلك مزق الجيش الموحدي من كل ناحية، وكثر القتل فيه كثرة مروعة، ولبث الخليفة الناصر حتى آخر لحظة في مجلسه الحرج، وهو يحاول
следующие страницы →