← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وغرسية روميرو لمعاينة هذا الطريق، ولما تحققا من صحة كل ما قاله الراعى، بادر الجيش النصراني في نفس اليوم - وهو يوم السبت ١٤ يوليه - بالسير إلى ذلك المرتفع الجديد، واحتلوا بسيطه - وهو البسيط الذي يطلق عليه اليوم اسم " مائدة الملك " Mesa del Rey وهو الذي وصفناه، وبينا موقعه فيما تقدم. وحصنوا ما حوله، وبقيت بقية الجيش النصراني مرابطة من ورائه، واعتبر هذا الراعى المرشد منقذاً أرسله الله (١). ولم يخف أمر هذه الحركة التي قام بها الجيش النصراني على الموحدين، وقد وقفوا في الحال على مكان عدوهم الجديد، وحاولت فرقة من الفرسان الموحدين عبثاً أن تنتزع هذا المرتفع الجديد من أيدي النصارى. وصدرت أوامر الخليفة الناصر بتعبئة الجيوش الموحدية لخوض المعركة في الحال، ولكن الملوك النصارى آثروا الاعتصام مؤقتاً بمركزهم المنيع، ولم يريدوا بالأخص أن يخوضوا المعركة في يوم أحد، واقتصر الأمر على بعض المناوشات البسيطة بين سريات الفرسان من الفريقين. بيد أنه لم يكن من الميسور على النصارى أن يؤخروا خوض المعركة لأكثر من يوم، أولا لقلة مؤنهم، وخوفهم أن تنضب بسرعة، وثانيا لكون الجيش الموحدي، لبث منذ يوم السبت في حالة تعبئة مستمرة للقتال، وقد يفاجئ الجيش النصراني بالهجوم. وكان الناصر على علم مستمر بأحوال الجيش النصراني، وكانت كل تقديراته تؤكد له تحقيق الظفر المنشود. وليس لدينا في الرواية الإسلامية تفاصيل شافية، عن التنظيمات التي وضعت للجيوش الموحدية لخوض المعركة، بيد أنه يبدو مما ذكره لنا صاحب روض القرطاس، وكذلك ما يذكره لنا ردريك الطليطلى، وهو من شهود المعركة، أن الجيش الموحدي، قُسم وفق الأوضاع الموحدية من خمس فرق، تتألف الفرقة الأمامية من القوات المتطوعة من مختلف الطوائف، وتتألف قوات القلب والقوات الاحتياطية من الجند الموحدين، وهم أغلبية الجند النظامية، وتتألف الميمنة من القوات الأندلسية، والميسرة من قوات البربر من مختلف القبائل.

стр. 2032

رسم تخطيطي: لمواقع موقعة العقاب خلال جبال سيرّا مورينا والسهل الواقع في جنوبها.

стр. 2033

وضربت قبة الخليفة الحمراء، فوق ربوة عالية تتوسط البسيط الذي تحتله الجيوش الموحدية، والذى يواجه مواقع الجيش النصراني. ودارت العبيد، وهم أغلبية الحرس الخليفى حول القبة من كل ناحية، وكلها مزودة بالسلاح والعدة، وضرب في نفس الوقت حول القبة الخليفية سياج من الأعمدة وعدة من السلاسل الحديدية الضخمة، وشهر جند الحرس حرابهم في اتجاه العدو، فكانت سداً منيعاً دون اختراقه الموت، وجلس الناصر في قبته مستنداً إلى درقته، ومعه أشياخ الموحدين، وربطت فرسه مسرجة أمامه، ووضعت الساقات والبنود والطبول أمام العبيد، تحت إمرة الوزير أبي سعيد بن جامع وكان بوسع النصارى أن يروا من مواقعهم العالية، جموع المسلمين التي لا تحصى، وفي قليها قبة أمير المؤمنين الحمراء (١). أما عن تنظيم الجيش النصراني فلدينا تفاصيل كثيرة، يقدمها إلينا ردريك الطليطلى وغيره من شهود المعركة، وخلاصتها أن الجيش النصراني قسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، يتزعم كل قسم منها، ملك من ملوك النصارى الثلاثة، الأول يتكون من القلب ويقوده ملك قشتالة ألفونسو الثامن، هذا إلى جانب احتفاظه بالقيادة العليا. ويتكون الثاني من الجناح الأيمن، ويقوده سانشو ملك نافارا، ويضم فضلا عن القوات النافارية، جند سرية وآبلة وشقوبية ومدينة سالم، وفرسان فرنسا الذين يرأسهم مطران أربونة، وجند جليقية والبرتغال. ويتكون القسم الثالث من الجناح الأيسر، ويقوده بيدرو الثالث ملك أراجون، ويشتمل على قوات الطليعة والقوات التي يقودها أشراف أراجون. وقد وزع كل قسم من هذه الأقسام إلى وحدات عديدة، فوضع في القلب فرسان الداوية والأسبتارية وفرسان قلعة رباح كل منها تحت إمرة قائده الخاص، وكذلك الصفوف التي يقودها مطران طليطلة وخمسة من الأساقفة القشتاليين (٢). وفي ليلة يوم الاثنين الخامس عشر من صفر سنة ٦٠٩ هـ (ليلة ١٦ يوليه سنة ١٢١٢ م)، استعد الفريقان لخوض المعركة، وقضى النصارى شطراً من

стр. 2034

الليل في الصلاة والدعاء، وتلقى البركة والغفران البابوى على يد الأساقفة ورجال الدين. ولم نجد في الرواية الإسلامية ما يشير إلى أنه وقع في الجيش الموحدي في تلك الليلة، شىء من تلك المناظر المؤثرة، التي وقعت به قبيل اضطرام معركة الأرك، من تبادل الاستغفار بين الخليفة والناس، ومن وعظ وبكاء وحث على الجهاد، فقد كان الخليفة الناصر حسبما تشير سائر الروايات، واثقاً من النصر، واثقاً من تفوقه العددي الهائل، ولم يكن ينتظر سوى بدء المعركة لإحراز النصر المنشود. وبدأت المعركة في الصباح الباكر من يوم الاثنين الخامس من صفر، وكان كل من الجيشين على أهبة لخوضها، وقد رتبت صفوفه وفقاً للأوضاع التي سبق وصفها. وبدأ النصارى بالهجوم، فهبطت طلائعهم مسرعة من المرتفع الذي تحتله الجيوش النصرانية في بسيط " مائدة الملك " Mesa del Rey إلى السهل الأسفل الذي يحتله الجيش الموحدي، والذى يشغل بسيطاً شاسعاً، يقع عند الطرف الغربي من بلدة " سانتا إيلينا "، ويستند من الخلف إلى سلسلة من المرتفعات المنخفضة، وانقضت على مقدمة الجيش الموحدي، فلقيتهم صفوف المتطوعة بقوة وثبات، واقتتل الفريقان بشدة حتى بدأ النصارى في التراجع، فأدركتهم الأمداد، وعادوا إلى الثبات تعززهم فرق الفرسان، التي صعب على المتطوعة الموحدين اختراقها، وهجم في نفس الوقت جناحا الجيش النصراني على جناحى الجيش الموحدي، واحتدمت بين الجيشين معركة هائلة عامة، وكانت طبول الساقة الموحدية، تهز الآفاق بدويها الرائع. ويستفاد من أقوال الروايتين الإسلامية والنصرانية، أن المتطوعة المسلمين بعد ثباتهم الأول، قد ارتدوا تحت ضغط النصارى الهائل، وكثر القتل فيهم، بل يقول لنا صاحب روض القرطاس، إنهم لبثوا يقاتلون حتى إستشهدوا عن آخرهم " وعساكر الموحدين والعرب وقواد الأندلس ينظرون إليهم لم يتحرك منهم أحد " (١). ولكن النصارى حين تقدموا بعد التغلب على فرق المتطوعة إلى قلب الجيش الموحدي، لقوا من الجند الموحدين أشد مقاومة، وردوا على أعقابهم. ومن جهة أخرى، فإن قوات الميمنة والميسرة الموحدية استطاعت بعد قتال عنيف أن ترد جناحى الجيش النصراني، وأخذ النصارى حسبما تقول لنا الرواية النصرانية ذاتها، في الارتداد

стр. 2035

والفرار (١)، ولاح للفريقين أن لواء النصر سوف يعقد للموحدين. ولكن هذه البارقة لم يطل أمدها. ذلك أن ألفونسو الثامن ملك قشتالة، حينما شهد من فوق المرتفع ما آلت إليه المعركة، من تراجع القوات النصرانية في القلب والجناحين، وما ينذر به ذلك من هزيمة محققة، اعتزم في الحال أن ينزل إلى الميدان بقواته الاحتياطية المختارة، من قوات قشتالة وليون، ليقاتل قتال اليائس، واندفع بالرغم من اعتراض المطران والأساقفة والقوامس على مسلكه الخطر، في قواته إلى الصف الأمامى. وتبعه في نفس الوقت ملكا أراجون ونافارا كل في قواته، نحو جناحى الجيش الموحدي، وهجمت القوات النصرانية كلها في وقت واحد، بمنتهى العنف والشدة، حتى بدأت ميمنة الجيش الموحدي وميسرته في الارتداد أمام ضغط الفرسان النصارى، وفرّ الأندلسيون والعرب، وأحدث فرارهم اضطرابا في الصفوف. وهنا تمركز هجوم النصارى على قلب الجيش الموحدي، المكون من الجنود النظامية والاحتياطية، والذى تتوسطه قبة الخليفة الحمراء، ومن حولها الحرس الخليفى الأسود، وكان النصارى قد انتعشوا، بما شهدوا من تطور المعركة في صالحهم، فشددوا الهجوم على الموحدين. وصمد الموحدون، ودافعوا بمنتهى الشدة، ومن ورائهم الحرس الأسود شاهراً رماحه، من وراء السلاسل الحديدية الضخمة، وكان الخليفة الناصر قد أدرك حقيقة الموقف، فنهض من مجلسه وجلس أمام خبائه على درقته، وهو يحث جنوده على الاستبسال، واستطاع النصارى أخيراً أن يخترقوا قلب الجيش الموحدي إلى دائرة الحرس الأسود، فردتهم السلاسل الحديدية ورماح العبيد المشهرة حيناً، وهم كالبنيان المرصوص حول القبة الخليفية. ولكن النصارى " ردوا أكفال الخيل المدرعة إلى رماح العبيد " (٢) فاخترقوا الدائرة المدرعة، وكان أول من دخلها منهم الكونت ألبارو نونيز دي لارا على رأس كتيبة من الفرسان القشتاليين، وفي يده علم قشتالة الأبيض، ودخلها في نفس الوقت ملكا أراجون ونافارا كل من ناحيته، وبذلك مزق الجيش الموحدي من كل ناحية، وكثر القتل فيه كثرة مروعة، ولبث الخليفة الناصر حتى آخر لحظة في مجلسه الحرج، وهو يحاول

стр. 2036

حث جنده على الصمود. وتنوه الرواية الإسلامية بثبات الناصر وصموده اليائس في تلك اللحظة الرهيبة، التي تناثر فيها الجيش الموحدي، والحرس الخليفى من حوله أشلاء دامية، وشراذم فارة في كل ناحية، وتقول لنا إنه لبث في مكانه لا يتزحزح، حتى كادت الروم أن تصل إليه، بل كاد أن يهلك، وقتل حوله من العبيد أكثر من عشرة آلاف عبد، وأنه لولا ثباته على هذا النحو لاستؤصلت جموع الجيش الموحدي كلها قتلا وأسرا (١). واضطر الناصر في آخر لحظة أن يمتطى صهوة فرس قدمها إليه أعرابى كان إلى جانبه، وأن يفر مع نفر من خاصته على جناح السرعة جنوبا نحو بيّاسة، ثم اتخذ طريقه منها إلى جيان، وكانت فلول الجيش الموحدي عندئذ تفر في كل ناحية، ومن ورائها الفرسان النصارى يمعنون فيها قتلا وإفناء. واستمرت هذه المطاردة المروعة على مدى ثلاث مراحل حتى دخل الليل، وكانت أشنع ما وقع من ضروب السفك والتقتيل، إذ هلك فيها عشرات الألوف من الجند الفارين، وانقض الجند النصارى على المحلة الموحدية ينتزعون منها ما استطاعوا من المتاع والأسلاب، بالرغم من تحذير مطران طليطلة. وقبيل مغيب الشمس، كان الملوك النصارى، والمطران، والأساقفة، وجزء كبير من الجيش النصراني، قد دخلوا محلة الجيش الموحدي، واستقروا بها، وأضحى الجيش الموحدي العظيم الذي كان بها منذ ساعات قلائل فقط، أثراً بعد عين. وكان وقوع هذه النكبة المروعة بالجيش الموحدي في يوم الاثنين الخامس عشر من شهر صفر سنة ٦٠٩ هـ الموافق يوم ١٦ يوليه سنة ١٢١٢ (٢)، وهي تعرف في التواريخ النصرانية حسبما قدمنا بموقعة هضاب أو عقاب تولوسا Las Navas de Tolosa لوقوعها فوق مجموعة من الوديان الصغيرة، التي تحيط بها الربى، تقع في سفح جبل الشارات الجنوبى، وتعرف أيضاً بموقعة أُبّدة لوقوعها على مقربة من شمال غربي هذه المدينة. وأما في التواريخ الإسلامية فإنها تعرف

стр. 2037

بموقعة العِقاب، من مفردها عقبة، وذلك فيما يرجح لوقوعها بين الربى والتلال المانعة (١)، وليس بمعنى المعاقبة على الذنب، وإن كان بعض الكتاب والشعراء قد نسبوا إليها مثل هذا المعنى، في معرض التلويح بغضب الله وعقابه للموحدين، لأنهم حادوا عن جادته، وبغوا وتجبروا، واعتمدوا على كثرتهم ولم يعتمدوا على عونه. وينفرد صاحب روض القرطاس إلى جانب تسميتها بموقعة العقاب بتسميتها بموقعة " حصن العقاب " أو "حصن العقبان " (٢) وهو باسمه الإسبانى حصن فرّال أوكاستروفرال Castro Ferral الواقع في قمة جبل الشارات، والذى استولى عليه القشتاليون قبيل المعركة ثم تركوه ليعبروا الجبل من الناحية الأخرى التي أرشد عنها الراعي. ومن المسلم أن خسائر المسلمين في معركة العقاب كانت فادحة جداً. والروايات الإسلامية تجمع كلها على أن الجيش الموحدي، قد هلك معظمه. بيد أنها تذهب أحيانا إلى تقديرات لا يستسيغها العقل، ومن ذلك ما يقوله صاحب روض القرطاس أنه لم ينج من الجيش الموحدي إلا الواحد من الألف، فإذا ذكرنا أنه يقدر جموع الجيش الموحدي بأكثر من نصف مليون، فمعنى ذلك أنه لم ينج من الموحدين في المعركة سوى خمسمائة جندى، وهذا منتهى الإغراق. ثم هو من جهة أخرى يقول لنا بأن سبب هذه الكثرة الفادحة من القتلى، يرجع إلى أن ملك قشتالة أمر أن ينادى في جيشه بأن لا أسر إلا القتل، ومن أتى بأسير قتل هو وأسيره (٣). ويصف صاحب الحلل الموشية الموقعة " بالهزيمة العظمى " التي فنى فيها أهل المغرب والأندلس. ويقول صاحب " الذخيرة السنية " مشيراً إلى الموقعة أنه قتل من المسلمين خلق كثير لا يحصر، وفيها فنى جيوش المغرب والأندلس (٤)، ولكن المراكشي وهو مؤرخ معاصر يقول لنا في نوع من الاعتدال، إنه قتل من الموحدين خلق كثير، ويتابعه في هذا الوصف صاحب الروض المعطار، ويقول لنا إنه قد هلك في الموقعة جملة من الأعيان والطلبة، منهم أبو بكر بن عبد الله بن أبي حفص، وعلي بن الغانى الميورقي. وسقط كذلك في المعركة عدة من أكابر

стр. 2038

العلماء والحفاظ، منهم أحمد بن هارون بن عات النفزى، وإسحاق بن إبراهيم المجابرى، ومحمد بن حسن الأنصارى المعروف بابن صاحب الصلاة، ومحمد ابن إبراهيم الحضرمى، وأيوب بن عبد الله بن عمر الفهرى، والشاعر الزاهد تاشفين بن محمد المكتب وغيرهم (١). بيد أنه مما يلفت النظر حقاً أن الرواية النصرانية مع ما يؤثر عنها من المبالغة في مثل هذه المواطن، تقدم إلينا عن خسائر الموحدين في الموقعة، أرقاما يطبعها نوع من الاعتدال، بكونها تقل كثيراً عما تقدمه إلينا الرواية الإسلامية، بيد أنها من جهة أخرى تبالغ في التقليل من خسائر النصارى ذلك أن ردريك الطليطلى قدر من قتل من المسلمين في الموقعة بمائتي ألف، وذلك من مجموع الجيوش الموحدية التي يقدرها بمائة وخمسة وثمانين ألف فارس، وعدد لا يحصى من المشاة، ويقدر الملك ألفونسو الثامن قتلى المسلمين في خطابه إلى البابا بمائة ألف، ويقدرهم أرنولد مطران أربونة بستين ألفاً، ثم يقول إنه من الممكن أن يكون قد هلك منهم أكثر من هذا العدد أثناء الفرار، وتقدر الأميرة برنجاريا القشتالية في خطابها إلى أختها الملكة بلانكا ملكة فرنسا، قتلى المسلمين بخمسة وثمانين ألفاً. بيد أن الروايات النصرانية تقدم إلينا في نفس الوقت عن خسائر النصارى في المعركة أرقاما لا يمكن أن يصدقها العقل، ومن الغريب أن شهود العيان الذين تقدم ذكرهم هم الذين يقدمون هذه الأرقام. فالمطران ردريك يقول لنا إنه لم يقتل في الموقعة من النصارى سوى خمسة وعشرين، والملك ألفونسو يذكر في خطابه إلى البابا أنهم لم يتجاوزوا الثلاثين، وأرنولد مطران أربونة يقول إنهم لم يتجاوزوا الخمسين، ولا ريب أن مثل هذه الأرقام الضئيلة لم تملها سوي أثرة الرواية النصرانية، ومحاولتها أن تسبغ ثوب المعجزة، على النصر الذي أحرزه النصارى. ومن المحقق أن خسائر النصارى كانت شديدة أيضاً، في مثل هذه المعركة التي التحم فيها الجيشان بأسرهما، وردت فيها هجمات النصارى الأولى بخسائر كبيرة لا ريب، ولم ينجحوا في اختراق قلب الجيش الموحدي إلا بعد جهود فادحة، وبعد أن ألقوا في المعركة بقواتهم الاحتياطية، ولا يمكن أن تقل هذه الخسائر عن الألوف العديدة، في جيش لم يكن يقل تعداده عن ثمانين ألف أو مائة ألف من الفرسان والمشاة. ويقدم إلينا الراهب ألبريكوس الذي عاش

стр. 2039

صورة: سهام خيل أرضية عثر بها المؤلف بالحفر في بعض نواحي السهل الذي كانت به المحلة الموحدية. قريباً من هذا العصر تفسيراً لهذا الرقم الضئيل، الذي تقدمه الرواية النصرانية عن خسائر النصارى، فيقول إنه قد هلك في الموقعة من المسلمين مائة ألأف، ولكن هلك في نفس الوقت من النصارى خلال التحام المعركة عدد كبير، بيد أنه لم يهلك منهم خلال مطاردة المسلمين سوى نحو ثلاثين (١). واستولى النصارى في محلة الجيوش الموحدية على مقادير وافرة من الغنائم من العتاد والسلاح والخيام والذهب والفضة، والنقود الذهبية والبسط والآنية الثمينة والثياب والأقمشة الفخمة، وكذلك على مقادير عظيمة من المؤن، وعلى ألوف مؤلفة من دواب الحمل، فكانت من أعظم الغنائم التي ظفر بها النصارى (٢).

стр. 2040

وكان من أهم الغِنائم الغنائم التي أحرزها النصارى خيمة الناصر الحريرية الموشاة بالذهب، وعَلَمٌ موحدى ضخم مازال يحفظ حتى اليوم بين ذخائر اسبانيا النصرانية. وقد أرسلت الخيمة مع طائفة أخرى من نفيس الهدايا إلى البابا برسم كنيسة القديس بطرس، لتعرض بها تذكاراً للنصر، واستولى ملك نافارا على السلاسل الحديدية التي كانت تحيط بقبة الخليفة. وأما العَلَم الموحدي فما زال يحفظ حتى اليوم بالدير الملكى بمدينة برغش (١)، وقد شهدناه وقت زيارتنا لهذه المدينة التاريخية، وهو عبارة عن سجادة كبيرة طولها ٣,٣٠ مترا وعرضها ٢,٢٠ متراً. وبها في الوسط دائرة كبيرة صفراء يحيط بها مربع ذو مقاطع أربعة، وقد ملئت الدائرة والمربع بنقوش عربية جميلة، ويحيط بهذا المربع من الجوانب الأربعة أحزمة بنية، نقشت عليها آيات قرآنية بخط أزرق، وفي ذيلها دوائر نقشت فيها أدعية مختلفة. والظاهر أن هذا العلم لم يكن من الأعلام التي كانت تحمل خلال المواقع، وإنما كان من الأعلام التي تعلق بخيمة الخليفة. ومن ثم كان الاسم الذي يعرف به وهو " مُعلق معركة العقاب " Pendon de las Navas، وكذلك الوصف الذي سطر تحته بالإسبانية وهو " غنيمة انتزعت من العدو في موقعة العقاب " (٢). - ٣ - ولابد لنا أن نحاول بعد ذلك أن نتلمس الأسباب المادية والمعنوية، التي أدت بالجيش الموحدي إلى تلك الكارثة المروعة. فالحقيقة أنه إلى جانب الأسباب التقليدية المعروفة، من اختلال نظام الجيوش الموحدية الكبيرة العدد، وعدم اتساق تنظيماتها، وتنافر العناصر المكونة منها، وعدم توحيد قيادتها بأيدى قادة يتسمون بالبراعة العسكرية، واختلال نظام التموين بها، نظراً لابتعادها عن قواعدها مسافات شاسعة، إلى جانب ذلك توجد عدة أسباب أدبية عاونت

стр. 2041

على وقوع الكارثة. وتشير الرواية الإسلامية إلى طرف من هذه الأسباب، وتلخصها في تغير قلوب الموحدين، وسخطهم على الوزراء والقادة، وذلك بسبب حبس أعطيتهم وتأخرها، وقد كان المتبع منذ أيام المنصور، أن يُمنح العطاء للجند مرة في كل أربعة أشهر دون تأخير، ولكن العطاء كان يؤخر في عهد الناصر ولاسيما في هذه الحملة الكبيرة، فنسب الجند أسباب التأخير للوزارة، وخرجوا إلى الغزو وهم كارهون، وقد خبت قواهم المعنوية، وهكذا خرج الناصر إلى الغزو " بحشود لا غرض لهم في الغزو، وقد أمسكت أرزاقهم، وقتر عليهم ". ويقول لنا المراكشي فضلا عن ذلك، أنه بلغه من جماعة منهم " أنهم لم يسلوا سيفاً ولا شرعوا رمحا، ولا أخذوا في شىء من أهبة القتال، بل انهزموا لأول حملة الإفرنج عليهم، قاصدين لذلك " (١). أضف إلى ذلك ما حدث قبل نشوب المعركة في المعسكر الموحدي، من حوادث كان لها نذير. منها قتل الخليفة الناصر للقائد الأندلسي الباسل ابن قادس قائد قلعة رباح هو وصهره، دون أن يستقبله أو يستمع إلى عذره، ومنها إهانة الوزير أبي سعيد بن جامع للقواد الأندلسيين وإنذارهم بمغادرة الجيش، وقد كان لهذه الحوادث أسوأ وقع في نفوس الأندلسيين، وفي تثبيط همتهم في القتال، وكان الأندلسيون بالرغم من قلتهم العددية، عنصراً هاما في جيوش الغزو الموحدية المقاتلة بالأندلس، لأنهم كانوا أكثر خبرة بقتال النصارى الإسبان، وأكثر دراية بطريقتهم في الحرب (٢). وقد رأينا كيف كان اعتماد الخليفة المنصور على نصح ابن صناديد قائد الأندلس ومشورته، من أسباب نصره في معركة الأرك. وأخيراً فإن ما أبداه الناصر من العُجب والاعتداد بكثرة جموعه، واعتماده على تفوقه العددي البالغ، والتقليل من شأن العدو، كان له أكبر الأثر فيما بدا من الرعونة، وعدم الحرص والتحوط في لقاء العدو، ومن ثم فقد كان ظفر القشتاليين باختراق قلب الجيش الموحدي بتلك السرعة، مفاجأة هائلة لم تخطر للناصر ولا للقادة الموحدين. وترى بعض الروايات الإسلامية أن نكبة الناصر في العقاب كانت عقوبة من الله على ما أبداه من العجب والاعتزاز بكثرة جموعه، واعتقاده أنه لا غالب له من الناس، فأراه

стр. 2042

صورة: العلم الموحدي الذي غنمه الإسبان في معركة العقاب ويحفظ الآن بدير برغش الملكى (لاس هويلجاس).

стр. 2043

الله تلك الآية ليعلم أن النصر من عند الله، وأن القدرة والحول والقوة بيد الله (١). وقد أسفرت هزيمة العقاب الساحقة، عن أفدح وأروع الآثار التي يمكن تصورها، سواء بالنسبة للأندلس أو المغرب أو الدولة الموحدية. فأما بالنسبة للأندلس، فقد قضت هذه الهزيمة نهائياً، على سمعة الموحدين العسكرية في شبه الجزيرة، وتحطم ذلك الدرع الذي كانت تسبغه الجيوش الموحدية، القادمة من وراء البحر، على الأندلس وعلى دولة الإسلام بها، وتضعضع سلطان الحكم الموحدي بالأندلس، وأخذت الأندلس من ذلك الحين تنحدر إلى براثن الفوضى الطاحنة، وانتثرت غير بعيد إلى أحزاب وشيع جديدة، قامت لتضرب بعضها ْبعضاً، ولتبدأ عهداً جديداً من المعارك الانتحارية الصغيرة التي لا نهاية لها، والتي تذكرنا، بعهد الطوائف. وضمن ذلك النصر الباهر الذي أحرزته الجيوش النصرانية المتحالفة في هضاب تولوسا، لإسبانيا النصرانية، تفوقها السياسي والعسكرى في شبه الجزيرة، وفتح الباب واسعاً لغزو الاسترداد La Reconquista النصراني المنظم، الذي سوف يستمر من ذلك الحين في اجتناء ثماره، بانتزاع القواعد الأندلسية، واقتطاع أشلاء الأندلس الكبرى بصورة متتابعة، وفي فترات قصيرة مذهلة. وقد تردد هذا الفزع الذي سرى إلى الأندلس يومئذ، وما كان يلوح لها من شبح الفناء، من جراء كارثة العقاب، واضحاً في الأدب والشعر. فمن ذلك ما قاله أبو إسحق إبراهيم بن الدباغ الإشبيلي: وقائلة أراك تطل تفكرا ... كأنك قد وقفت لدى الحساب فقلت لها أفكر في عقاب ... غدا سبباً لمعركة العقاب فما في أرض أندلس مقام ... وقد دخل البلا من كل باب (٢) وأما بالنسبة للمغرب، والدولة الموحدية، فقد كانت كارثة العقاب ضربة شديدة للمغرب، ولأهل المغرب، بما هلك فيها من حشود القبائل البربرية، وزهرة جنودهم، ومن الجيوش الموحدية النظامية، ولم يعد في مقدور هذه القبائل أن تقدم للغزو الكثير من حشودها، ولم يعد في مقدور الدولة الموحدية أن تجدد مثل

стр. 2044

هذه الحملات العسكرية العظيمة، التي كان يقودها خلفاء مثل عبد المؤمن وأبي يعقوب يوسف والمنصور والناصر. وكما أن الرواية الإسلامية تنوه بخطورة آثار الهزيمة في مصير الأندلس، وتصفها بأنها كانت سبباً في " هلاك الأندلس " (١)، فإنها تنوه كذلك، وبنوع خاص، بالخسارة الآدمية الهائلة، التي وقعت من جرائها بالمغرب والأندلس، وتصف الموقعة بالهزيمة العظمى " التي فنى فيها أهل المغرب والأندلس (٢)، أو التي خلا بسببها أكثر المغرب (٣)، أو حسبما تقول لنا في عبارة أوضح وأشمل " إن المغرب قد باد أهله ورجاله وفنى خيله وحماته وأبطاله، وقتلت قبائله وأقياله، قد استشهد الجميع في غزوة العقاب " (٤). ويلخص لنا ابن الأبار، نتائج الموقعة المدمرة بالنسبة للأندلس في قوله إنها " أفضت إلى خراب الأندلس بالدائرة على المسلمين فيها، وكانت السبب الأقوى في تحيف الروم بلادها، حتى استولت عليها " (٥). وأما بالنسبة للدولة الموحدية، فقد هزت كارثة العقاب أركانها إلى الأعماق، وقضت على كل عوامل التوطد، التي أسبغها عليها المنصور بانتصاره في معركة الأرك، والتي تأيدت بإخماد ثورة بني غانية في إفريقية. ومما لا ريب فيه أن تضعضع الدولة الموحدية على هذا النحو، كان أكبر مشجع لبني حفص على اقتطاع إفريقية وإقامتهم غير بعيد لدولتهم المستقلة بها. ويلخص لنا صاحب الروض المعطار أثر الهزيمة في الدولة الموحدية بقوله " وكانت هذه الوقيعة أول وهن دخل على الموحدين، فلم تقم بعد ذلك لأهل المغرب قائمة " (٦). ونستطيع بعد أن استعرضنا آثار هزيمة العقاب أن نقول في معرض المقارنة بينها وبين معركة الأرك، إن انتصار الموحدين في الأرك، بالرغم من عظمته ولمعانه، لم يسفر بالنسبة لإسبانيا النصرانية عن آثار عميقة، ولم يصب قشتالة بأكثر من ضعف عسكري مؤقت، استطاعت أن تنهض منه في فترة قصيرة، ولم يستطع الموحدون أن يقوموا في أعقابه إلا بغزوات عابرة لمنطقة إسترامادورة،

стр. 2045

ثم لمنطقتى طلبيرة وطليطلة، وقد حاصروا طليطلة بالفعل، ولكنهم لم يحاولوا أو لم يستطيعوا الاستيلاء عليها. أما هزيمة العقاب، فقد رأينا بالعكس مما تقدم، ما كان لها من الآثار الهدامة العميقة. ومن الغريب المدهش حقاً، أن الناصر لم يرد أن يلوذ بالصمت إزاء هذه الكارثة الفادحة، بل أراد أن يقدم عنها اعتذاره في رسالة رسمية، وجهت من إشبيلية إلى حضرة مراكش وإلى غيرها من قواعد المغرب والأندلس، وذلك في أواخر صفر سنة ٦٠٩ هـ. وقد نقل إلينا صاحب البيان المغرب بعض فصول هذه الرسالة، وهي من إنشاء الوزير الكاتب أبي عبد الله بن عياش، وفيها يقص علينا الناصر قصة استعدادات ألفونسو الثامن لمحاربة المسلمين، واهتمام البابا، والأحبار النصارى بمعاونته وشد أزره، وما كان من انضمام ملكى أراجون ونافارا إليه. ثم يصف لنا سيره للقاء النصارى، ويقول لنا إنه نشبت بين الفريقين في الموضع المعروف " بالمرشة " معركة " اشتد فيها الكفاح، وأرخصت الأرواح ". ثم يقول " ولكن الله أراد أن يمحص المؤمنين، ويبلى الكافرين، فكانت عاقبة اليوم على الخصوص لأهل الصلبان، والعاقبة المطلقة هي لأهل الإسلام والإيمان، وتحاجز الفريقان، والمسلمون عزيزة جوانبهم، محروسة بقدرة الله كتائبهم، لم تصب الحرب منهم أحدا، ولا نقصت لهم عدداً. وهي الحروب قضى الله أن تكون سجالا، وأن يجعل الله فيها لكل قوم مجالا ". ثم يقول في ختام رسالته: " وإذا كانت وفقكم الله الجيوش موفورة، والرايات منشورة، والعزائم باقية، وكفايات الله وافية، فلا تهنوا فإنا لا نهن، وانتظروا الكرة على الكفار، والإمداد عليهم، بجند الله الذين هم خير الأنصار، فما كان الله ليترك المؤمنين، حتى يأخذ أعداءهم أخذاً وبيلا، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. وعرفناكم لتكون عندكم هذه الوقيعة على وجهها، والنازلة على كنهها، ولتعلموا أنه لم يدر للموحدين قتيل، ولا أصيب منهم كثير ولا قليل والسلام " (١). وإذا كان من الصعب أن يعلق المؤرخ على مثل تلك الرسالة، التي يصفها صاحب الروض المعطار بأنها من قبيل " الزخرف الكاذب "، فإنه يمكن القول بأنها محاولة جريئة من الخليفة المهزوم، للاعتذار عن نكبته وتهوين شأنها في نفوس أمته، واستدرار عطفهم، والتخفيف من سخطهم.

стр. 2046

- ٤ - حاول ألفونسو الثامن ملك قشتالة، على أثر ظفره العظيم في موقعة العقاب أن يجتنى ثمار نصره باقتطاع ما يستطاع من الأراضي الإسلامية، فاستولى في أيام قلائل على معظم الحصون الإسلامية في تلك الناحية، وكان من بينها حصن فرّال (حصن العقاب)، الذي كان قد أخلاه قبل الموقعة، وبلج، وبانيوس، وتولوسا. ثم سار إلى مدينتي بيّاسة، وأبّدة، اللتين لا تبعدان عن مسرح المعركة سوى بضع مراحل. وكانت بياسة قد غادرها معظم أهلها، ولكن كان بها كثير من الجرحى والضعاف والفارين، فأحرق دورها، وخرب مسجدها الجامع، وقتل معظم من وجده بها، وأخذ بعضهم أسرى. ثم سار إلى مدينة أبدة، القريبة منها، وكانت تموج بأهلها، وبمن وفد عليهم من أهل بياسة، ومن الفارين، ولكنها كانت في حالة دفاع وأهبة، وقد امتنعت وراء أسوارها الحصينة، فحاصرها ألفونسو ثلاثة عشر يوما، وصمد المسلمون، ولحقت بالنصارى بعض الخسائر، ثم عرض المسلمون في النهاية أن يدفعوا فدية قدرها ألف ألف دينار على أن تترك المديئة حرة، وأن يتمتعوا بدينهم وشعائرهم، فقبل ألفونسو وزميلاه ملكا أراجون ونافارا هذا العرض، ولكن الأحبار عارضوا في تنفيذه، وأصروا على تسليم المدينة بلا قيد ولا شرط، فنزل الملوك عند هذا الضغط، ونقضوا العهد المقطوع، واقتحم الجنود النصارى المدينة، وقتلوا من أهلها زهاء ستين ألفاً، وسبوا منهم مثل هذا القدر. وتعترف الرواية النصرانية نفسها بهذه الشناعات، وتقدر من قتل وسبي من أهل أُبّدة، بمائة ألف، ويقدر بعضها السبايا وحدهم بمائة ألف (١)، ويقول لنا المراكشي، وهو المؤرخ المعاصر، إن ألفونسو دخل أبدة عنوة، فقتل وسبي وفصل هو أصحابه من السبي من النساء والصبيان، بما ملئوا به بلاد الروم قاطبة، فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة (٢). ثم هدم النصارى دور المدينة، بعد أن خلت من سكانها حتى أصبحت خرابا يبابا. ولم يكن بين النصارى الظافرين وبين مدينة جيان سوى بضع مراحل، وكان من الطبيعي أن يقصد ملك قشتالة إلى انتزاع هذه القاعدة الأندلسية الهامة،

стр. 2047

ولو حاول ذلك لكان من المحقق أن يفوز ببغيته، في تلك الظروف التي انهار فيها خط الدفاع الأمامى بالأندلس. ولكن مصاعب التموين كانت تتفاقم، وقد سادت الفوضى بين جنود الجيش الظافر، الذين امتلأت أيديهم بالغنائم، ثم كانت الطامة بانتشار الوباء بينهم من جراء اشتداد الحرارة، وتعفن الجثث التي غصت بها تلك الوديان، فارتد الملوك النصارى في قواتهم نحو الشمال، ودخلوا طليطلة عاصمة قشتالة في موكب ملوكى ضخم، وأقيمت صلوات الشكر ابتهاجاً بالنصر، وتقرر أن يغدو يوم ١٦ يوليه، وهو اليوم الذي تحقق فيه النصر، عيداً قومياً يحتفل به في طليطلة وسائر أنحاء قشتالة، ويسمى عيد " ظفر الصليب ". هذا وأما الخليفة الناصر لدين الله، فإنه بعد أن فر من ميدان المعركة في آخر لحظة، حسبما أشرنا من قبل، سار إلى جيّان ثم غادرها مسرعاً إلى إشبيلية فوصلها في أيام قلائل، في أواخر شهر صفر سنة ٦٠٩ هـ، ووجه منها كتابه بالاعتذار عن الكارثة، إلى قواعد المغرب والأندلس. ولبث مقيما بإشبيلية حتى شهر رمضان من هذا العام، وهو لا يحرك ساكنا ولا يبالى بأمر، ثم عبر البحر إلى العدوة، قافلا إلى حضرة مراكش، وما كاد يستقر بها حتى أخذ البيعة بولاية العهد لولده السيد أبي يعقوب يوسف الملقب بالمستنصر، فبايعه كافة الموحدين، وخطب له على جميع المنابر بالمغرب والأندلس، وذلك في أواخر شهر ذي الحجة سنة تسع وستمائة. ثم لزم الناصر بعد ذلك قصره، واحتجب عن الناس. يقول صاحب روض القرطاس: " وانغمس في لذاته، فأقام فيه مصطبحاً ومغتبقاً " أي صباح مساء. وفي أوائل شهر شعبان سنة ٦١٠ هـ، مرض الناصر، وتوفي في مساء يوم الأربعاء العاشر من شعبان (٢٢ ديسمبر سنة ١٢١٣ م) (١). وقد اختلف في أسباب وفاته، فقيل إنه توفي غما وألماً من آثار نكبته في العقاب (٢). وقيل إنه توفي من عضة كلب (٣)، وقيل إنه مات مسموماً، بتدبير بعض وزرائه، ممن خشوا من نقمته وانتقامه، لما بلغه عنهم من سوء فعلهم ودسائسهم، فأغروا

стр. 2048

بعض جواريه بوضع السم له في قدح من الخمر فمات من حينه (١). ولكن المراكشي وهو في ذلك أكثر اطلاعاً وأقرب إلى الثقة، لمعاصرته لتلك الحوادث، يقول لنا إن أصح ما بلغه عن وفاة الناصر " أنه أصابته سكتة من ورم في دماغه، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من شعبان، فأقام ساكتا لا يتكلم يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء، وأشار عليه الأطباء بالفصد فأبى ذلك، وتوفي يوم الأربعاء لعشر خلون من شعبان سنة ٦١٠، ودفن يوم الخميس، وصلى عليه خاصة الحشم " (٢). وكان الخليفة محمد الناصر لدين الله، آخر ذلك الثبت من الخلفاء الموحدين الذين اقترنت بعصرهم بعض الأحداث الضخمة الحاسمة، وكان أهم تلك الأحداث أولا تحطيم ثورة بني غانية في إفريقية، وهو ألمع حادث في عهده، ويقترن بذلك فتح الموحدين لميورقة، وثانيا نكبة العقاب المشئومة التي هزت أركان الدولة الموحدية بالمغرب والأندلس. ولم يكن ثمة في بداية عهده ما يؤذن بأنه صائر إلى ذلك الانهيار، الذي انتهى إليه في فترته القصيرة، بل كانت صولة أبيه العظيمة، وذكريات نصر الأرك الباهر، مازالت تظلل الخلافة الموحدية. وقد بدأ الناصر عهده بداية حسنة، وأبدى همة ظاهرة في إدارة الشئون وتنظيم الإدارة، ومطاردة الفساد، وإقصاء العمال الظلمة والمرتشين، ولكنه لم يتذرع في ذلك بالروية وبعد النظر، بل كان يغلب في ذلك النزق والاستبداد. وكان الناصر في البداية، وهو مايزال في شرخ فتوته يسترشد بآراء أشياخ الموحدين، في تسيير الشئون الكبرى، ولاسيما بآراء الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص، وفقاً لوصية أبيه المنصور، ولكنه لما اشتد ساعده، استبد بالأمر، ولم يعد يقبل نصحاً أو مشورة من أحد، حتى أنه رفض نصح الشيخ أبي محمد عبد الواحد، حينما استشاره في شئون الأندلس، بألا يسير إلى غزوته الكبرى، التي انتهت بنكبته في موقعة العقاب. ولم يقع في عهد الناصر شىء يذكر من الأعمال الإنشائية، التي امتاز بها عهد أبيه وجده، ولم يكن الناصر على شىء خاص من أنواع العلوم أو المعرفة، ولم يجتمع في بلاطه أحد من أولئك العلماء المبرزين، الذين اجتمعوا حول أبيه، وإنما كان يلوذ ببلاطه فقط بعض الشعراء الملقين، الذين عرفناهم فيما تقدم، مثل أبي العباس الجراوى، ووزيره خالد اللخمى وغيرهما.

стр. 2049

وقد وصف لنا المراكشي وهو مؤرخ معاصر، وربما شاهد عيان، صفات الناصر في قوله: " كان كثير الإطراق، شديد الصمت، بعيد الغور، كان أكبر أسباب صمته لثغاً كان بلسانه، حليما، شجاعاً، عفيفاً عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه، إلا أنه كان بخيلا " (١). ونحن نعتقد أن وصف الناصر بالعفة عن الدماء، وصف في غير موضعه، لما رأيناه فيما تقدم، من تسرعه في سفك دماء بعض العمال، ودماء القادة الأندلسيين. ويقول صاحب روض القرطاس " إنه كان كبير الهمة، غليظ الحجاب، لا تكاد تصله الأمور إلا بعد الجهد، مصيب برأيه، مستبد في أموره وتدبير مملكته بنفسه " (٢) وأما عن شخصه، فيوصف الناصر، بأنه كان أبيض، أشقر اللحية، أشهل العينين، نحيل الجسم، حسن القامة. ووزر للناصر في البداية وزير أبيه عبد الرحمن بن يوجان، ثم استوزر من بعده أخاه إبراهيم بن الخليفة المنصور، ثم ولى الوزارة من بعده أبو عبد الله محمد ابن علي بن أبي عمران، فسار فيها سيرة حسنة، وكان يحض الخليفة على فعل الخير، ونشر العدل، والإحسان إلى الرعية والجند، ثم عزله الناصر، ووُلّى الوزارة من بعده، أبو سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن جامع. وإبراهيم هو جد هذه الأسرة من الوزراء ومن صحب المهدي ابن تومرت حسبما سبقت الإشارة إليه. وتولى القضاء للناصر، أبو القاسم أحمد بن بقى قاضي أبيه، ثم أبو عبد الله محمد بن مروان، فلبث في منصبه حتى توفي في سنة ٦٠١ هـ، فخلفه في القضاء أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران، واستمر بقية عهد الناصر وشطراً من عهد ابنه المستنصر. وكان من كتاب الناصر اثنان من أسرة بني عياش اللامعة، هما الكاتب الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش كاتب أبيه من قبل، وأبو الحسن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش، وكان أبوه من كتاب عبد المؤمن، وأبو عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازي. وكان من كتاب جيشه أبو الحجاج يوسف المرانى وهو أندلسي من أهل شريش، وأبو جعفر أحمد بن منيع. ولم ينجب الناصر لدين الله من الولد سوى ثلاثة من البنين، هم يوسف المستنصر ولى عهده، والخليفة من بعده، ويحيى وقد توفي في حياة أبيه في سنة ٦٠٨ هـ، وإسحاق، وعدد من البنات.

стр. 2050

الكِتاب الثامِنْ الدولة الموحديّة في طريق الانحلال والتفكك

стр. 2051

الفصل الأول عصر الخليفة يوسف المستنصر بالله وأوائل ظهور بني مرين يوسف المستنصر يخلف أباه الناصر. بيعته الخاصة ثم بيعته العامة. وزراؤه وكتابه. ميله إلى حياة الدعة. عماله على الولايات. السيد أبو إسحق والي غرناطة. السيد أبو العلاء أمير تونس. ثورة الفاطمى العبيدى. تفاصيل حركته. إخماد ثورته وإعدامه. مقدم سفير قشتالة في طلب السلم. عقد السلم مع قشتالة. بواعث إيثار قشتالة للسلم. طلائع بني مرين عند أحواز فاس. أصول بني مرين ومنازلهم. انتسابهم إلى العرب. أمراؤهم الأوائل. صراعهم مع القبائل الخصيمة. اللقاء الأول بينهم وبين الموحدين. هزيمتهم ومقتل أميرهم. اشتراكهم في الجهاد مع الموحدين. انحلال قوي الموحدين عقب موقعة العقاب. نهوض بني مرين لانتهاز الفرصة. إغارتهم على أطراف المغرب. تأهب الموحدين لردهم. اللقاء بين الفريقين. موقعة المشعلة. هزيمة موحدية أخرى في رباط تازة. الخلاف بين بني مرين. خروج بني حمامة منهم. أميرهم عبد الحق. تحالف المنشقين مع الموحدين والعرب. القتال بين الفريقين. مقتل عبد الحق وولده إدريس. تجدد الحرب وهزيمة بني حمامة. أبو سعيد عثمان يتولى رياسة بني مرين. حوادث الأندلس. مهاجمة البرتغاليين والصليبيين لثغر القصر. محاصرة النصارى للثغر. مبادرة الموحدين إلى إنجاده. اللقاء بين المسلمين والنصارى. هزيمة المسلمين. صمود حصن القصر ثم تسليمه. استيلاء النصارى على حصن القصر. محاصرة ملك ليون لقاصرش وصمودها. تكرار الهجرم عليها ومعاودة حصارها. سقوطها في أيدي النصارى. أحوال المغرب في هذا الوقت. ركود بلاط مراكش وتواكله. اضطراب الأمن. الأحوال الاقتصادية وانتشار المجاعة. كتاب الخليفة المستنصر إلى الولاة والأعيان والكافة. تجدد التهادن بين الموحدين وقشتالة. كتاب البلاط الموحدي إلى ملكة قشتالة. مصرع المستنصر الفجائى. ركود عهده واضطراب الأحوال فيه. أقوال المؤرخين في ذلك. أحوال المغرب حسبما يصورها ابن عبد الملك. صورة أخرى للمستنصر وخلاله. حكومة المستنصر. وزراؤه وكتابه وقضاته. تدخل الدولة الموحدية، بعد وفاة الخليفة محمد الناصر لدين الله، في العاشر من شعبان سنة ٦١٠ هـ، في مرحلة جديدة من مراحل حياتها، مرحلة انحلال مضطرد، وصراع داخلى مستمر على انتزاع العرش، وتنتثر أسرة بني عبد المؤمن الشامخة، إلى شيع وأحزاب ضعيفة متخاصمة، وينتثر شمل القبائل الموحدية حول تأييد هذا الفريق أو ذاك، وتنهار قوي الدولة الموحدية ومواردها الضخمة تباعاً، سواء بالمغرب أو الأندلس، في معارك انتحارية مستمرة، وتتخذ هذه

стр. 2052

المرحلة في الأندلس بالأخص، طابعاً مشئوماً، لم يسبق للأندلس أن نكبت بمثله، فتغدو من جديد مسرحاً مضطرما للحرب الأهلية، أولا فيما بين الموحدين المتنافسين على العرش، وثانيا فيما بين أبناء الأندلس أنفسهم، وفي خلال هذه الموجة الغامرة من المحنة القومية، تتحفز اسبانيا النصرانية، لانتهاز الفرصة السانحة، وتنظم متعاونة متفاهمة، أخطر برنامج لفتوح " الاسترداد "، وتهتز مصاير القواعد الأندلسية الكبرى، ومصاير الأمة الأندلسية كلها. خلف المستنصر بالله، أبو يعقوب يوسف، أباه محمد الناصر، في اليوم التالي لوفاته، في الحادي عشر من شعبان سنة ٦١٠ هـ (٢٣ ديسمبر سنة ١٢١٣ م) وأمه حرة، هي فاطمة بنت السيد أبي علي بن يوسف بن عبد المؤمن، وقيل إنها أم ولد نصرانية تدعى قمر (١). وكان المستنصر حين ولايته فتى في السادسة عشرة من عمره، إذ كان مولده في أول شوال سنة ٥٩٤ هـ (٢)، وهناك أقوال أخرى بأنه كان في العاشرة من عمره (٣)، ولكننا نفضل الأخذ بالرواية الأولى، إذ هي رواية المؤرخ الموحدي المعاصر، وهو الذي يقدم لنا تاريخ مولده، ويأخذ بهذه الرواية مؤرخان كبيران هما ابن خلكان وابن خلدون (٤). وكان يوسف المستنصر فتى وسيما، حسن القد، جميل المحيا، صافى السمرة، شديد الكحل، ولم يكن على قول المؤرخ في بني عبد المؤمن أحسن وجها منه، ولا أبلغ في المخاطبة (٥). وكان أبوه الناصر لدين الله قد أخذ له البيعة بولاية عهده عقب عوده من الأندلس، على أثر موقعة العقاب، في أواخر ذي الحجة سنة ٦٠٩ هـ، قبيل وفاته بأشهر قلائل، وكان أول من أخذ له البيعة الخاصة، عم جده أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن، وأبو زكريا يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، ومن أشياخ الموحدين أبو محمد عبد العزيز بن عمر ابن أبي زيد الهنتاني، وأبو علي عمر بن موسى عبد الواحد الشرقي، وأبو مروان

стр. 2053

عبد الملك بن يوسف من أهل تينملل، وكان هؤلاء النفر من القرابة والأشياخ هم الذين نصبوا أنفسهم للوصاية على الخليفة الصبي وتوجيهه، وذلك بتوصية من والده الخليفة المتوفى، واستغرقت البيعة الخاصة يومى الخميس والجمعة، الحادي عشر والثاني عشر من شعبان، وفي يوم السبت أذن بأداء البيعة العامة. ويقول لنا المراكشي، وقد كان من شهود ذلك اليوم، أن أبا عبد الله بن عيّاش الكاتب كان قائماً يقول للناس: " تُبايعون أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب رسول الله، ﷺ ، رسول الله، من السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين. هذا ما له عليكم. ولكم عليه ألا يجمر بعوثكم، وأن لا يدخر عنكم شيئاً مما تعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم، وأن لا يحتجب دونكم، أعانكم الله على الوفاء، وأعانه على ما قلد من أموركم ". وكان يعيد هذا القول لكل طائفة إلى أن انقضت البيعة (١). وأخذت بعد ذلك بيعات الأعيان والوفود القادمين من مختلف الأنحاء، ثم وردت بيعات مختلف البلاد بالمغرب والأندلس. واتخذ الخليفة الجديد لقب المستنصر بالله، وفي بعض الروايات أنه لُقب أيضاً بالمنتصر بالله (٢). ولم يتأخر في تقديم البيعة سوى الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص والي إفريقية، وذلك لصغر سن المستنصر. ولكن الوزير أبا سعيد بن جامع بذل سعيه لدى الشيخ لتسوية هذا الأمر، فوصلت بيعته فيما بعد (٢). وتولى الوزارة للمستنصر وزير أبيه من قبل، أبو سعيد عثمان ين عبد الله ابن إبراهيم بن جامع، فاستمر في الوزارة حتى سنة ٦١٥ هـ، ثم عُزل وخلفه زكريا ابن يحيى بن إسماعيل الهزرجى. وهو ابن بنت الخليفة يعقوب المنصور، أعني ابن عمة المستنصر، فاستمر في الوزارة حتى نهاية عهده. وتولى الكتابة للمستنصر كاتب أبيه وجده من قبل أبو عبد الله بن عياش، وأبو الحسن بن عياش. وكان الخليفة الجديد ميالا إلى حياة الدعة والبطالة مشتغلا عن تدبير الأمور بما تقتضيه نوازع الشباب (٣) لا يعنيه شىء من مهام الملك، أو بعبارة أخرى لا يمكن من العناية بشىء منها. وكانت الأمور تجرى وفقاً لما يراه ويبرمه الأشياخ

стр. 2054

الأوصياء. وكان عهده على العموم، يمتاز بالهدوء والركود، لم تقع خلاله حوادث ذات شأن، ولم تنظم غزوات ما، ولم تُحشد الجيوش الموحدية، ولم تعبر البحر إلى شبه الجزيرة، وفقاً لما جرى عليه الأمر، منذ عهد أول الخلفاء الموحدين عبد المؤمن بن علي. وعقد المستنصر لأول ولايته للسادة، على عمالات الولايات بالمغرب، والأندلس. فولّى على مدينة فاس السيد أبا إبراهيم إسحق الملقب بالأمير الظاهر ابن يوسف بن عبد المؤمن وكان والياً على غرناطة، وهو أبو الخليفة المرتضى. وقد اشتهر السيد أبو إبراهيم إسحق هذا أيام ولايته لغرناطة في آخر عهد الناصر، بمنشآته العمرانية بها، وكان من أهمها وأجملها القصر الذي أنشأه خارج غرناطة على مقربة من ضفة نهر شنيل، وهو القصر الذي عرف فيما بعد أيام ملوك غرناطة " بقصر السيد ". والظاهر أن السيد إسحق ولى حكم غرناطة في عهد المستنصر مرة أخرى، إذ يقول لنا صاحب " الحلل الموشية " إنه أنشأ أمام هذا القصر، رابطة في سنة ٦١٥ هـ. وقد استعمل " قصر السيد " أيام ملوك غرناطة منزلا للضيافة الملوكية، وما زالت تقوم حتى اليوم بعض أطلاله، في ضاحية غرناطة المسماة " أرملة " (١). وولي على إشبيلية عمه السيد أبا إسحاق بن يعقوب المنصور، وهو المعروف بالأحول، وبعث عم أبيه أبا العلاء الكبير إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن إلى تونس ليستقر في قصبتها، وأن يكون أميراً عليها، يعنى بتدبير شئونها، والدفاع عنها ضد الميورقي، إلى جانب الشيخ أبي محمد بن أبي حفص والي إفريقية. والسيد أبو العلاء هذا هو الذي أنشأ البرجين على باب المهدية، وأنشأ باب سبتة الجديد، ثم أنشأ بإشبيلية برج الذهب الشهير أيام ولايته لها (٢). وكان أول حادث ذو شأن وقع في ولاية المستنصر، هو إخماد ثورة الفاطمي العبيدى. وقد روى لنا المراكشي قصة هذا الدعى كاملة، وقد عرفه

стр. 2055

واجتمع به. وكان اسمه عبد الرحمن، ويدعى أنه من بني عُبيد، وأنه ولد الخليفة العاضد بالله آخر الخلفاء الفاطميين. وكان قد ورد على المغرب، أيام الخليفة المنصور، وسعى إلى الاجتماع به فلم يأذن له، واستمر يطوف بالبلاد، إلى أن قُبض عليه بأمر الخليفة الناصر، واعتقل في سنة ٥٩٦ هـ، فلم يزل في سجنه إلى أن تحرك الناصر إلى إفريقية في سنة ٦٠٨ هـ، فشفع له فيه أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الهزرجى، فوافق على إطلاق سراحه، على أن يلتزم السكينة، وألا يشتغل بأي أمر غير مرغوب فيه. ولكن الدعى ما كاد يسترد حريته، حتى غادر مراكش إلى بلاد صَنهاجة، وهنالك التف حوله كثيرون ممن جذبتهم دعوته، وكانوا يعظمونه ويبجلونه. يقول المراكشي " وكان هذا الرجل كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة، لقيته مرتين، فلم أر في أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين، مثله في الآداب الظاهرة، من هدوء النفس، وسكون الأطراف، ووزن الكلام وترتيب الألفاظ، ووضع الأشياء مواضعها، مع الرياضة المفرطة ". ثم خرج هذا الرجل في جموعه متجهاً صوب مدينة سجلماسة، فخرج إليه واليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، فهزمه العُبيدى، واضطر أن يرتد في فلوله إلى سجلماسة، ومازال العبيدي يتنقل بين قبائل البربر، من موضع إلى موضع، دون أن يستقر في مكان، أو تثبت حوله جماعة، إذ كان وفقاً لقول المراكشي " غريب البلد واللسان، لا عشيرة له ولا أصل بالبلاد يُرجع إليه " حتى رمت به المقادير إلى أحواز فاس. وكانت السلطات الموحدية تطارده أينما حل، فقُبض عليه بظاهر المدينة، وأودعه حاكم فاس، وهو السيد إسحاق، المطبق، وكتب إلى الخليفة المستنصر بأمره، فكتب إليه المستنصر يأمر بقتله وصلبه، قضُرب عنقه، وصلب جسده، وأرسلت رأسه إلى مراكش، حيث علقت هنالك إلى جانب عدة أخرى من رؤوس الثوار والمتغلبين (١). ويضع ابن عذارى تاريخ ثورة العبيدي في سنة ٦١٢ هـ (١٢١٥ م)، ويقول إنه قام بثورته في بلاد جزولة، من إقليم السّوس، وكان يزعم أنه فاطمى من ذرية عبد الله الشيعي، ولم يزل يبث دعوته حتى ظفر به الموحدون فقتل وعلق رأسه على باب فاس (٢). بيد أننا نؤثر الأخذ برواية المراكشي،

стр. 2056

وهو معاصر وشاهد عيان، وهو ينفرد بما يقدمه إلينا من التفاصيل. وفي نفس هذا العام، سنة ٦١٢ هـ (١٢١٥ م) وصل إلى مراكش إبراهيم ابن الفخار اليهودى وزير ملك قشتالة، سفيراً إلى الخليفة الموحدي في شأن التهادن وعقد السلم، فرحب المستنصر وأوصياؤه، بهذه الرغبة، ووجه كتابين إلى الأندلس، أحدهما إلى السيد أبي الربيع والي جيان، والثاني إلى الشيخ أبي العباس بن أبي حفص والي قرطبة، يطلب إليهما عقد التهادن والسلم مع ملك قشتالة، على جميع بلاد الموحدين بالأندلس، وفقاً للشروط التي اتُّفق عليها بين الخليفة وبين ابن الفخار، والتزم بها السفير القشتالي نيابة عن مليكه، وكان عقد السلم مع قشتالة على هذا النحو، خطوة طيبة، حققت للأندلس فترة من الهدوء والسلام (١). ويجب لكي نفهم البواعث التي حملت قشتالة، على أن تسعى إلى عقد السلم مع الموحدين، ولما يمض سوى ثلاثة أعوام على انتصارها الساحق في معركة العقاب، أن نذكر أنه لما توفي ألفونسو الثامن ملك قشتالة، وهو الظافر في معركة العقاب، في أكتوبر سنة ١٢١٤ م، خلفه على العرش ولده الطفل هنري (إنريكى)، ولم يكن قد جاوز الحادية عشرة من عمره، فتولت أمه الملكة إليونور، الوصاية عليه، ولكنها توفيت بعد أشهر قلائل، فخلفتها في الوصاية أخته دونيا برنجيلا، زوجة ألفونسو التاسع ملك ليون المُطلَّقة، وكان آل لارا الأقوياء يطمحون إلى انتزاع الوصاية لأنفسهم، فتنازلت عنها إليهم دونيا برنجيلا بشروط تعهدوا باحترامها، أهمها ألا يعلنوا الحرب على أي ملك، أو يتنازلوا عن الأراضي للأتباع، أو يفرضوا أية ضرائب، دون موافقة الملكة (برنجيلا). وسارت الأمور في قشتالة على هذا النحو حيناً، حتى توفي الملك الصبي هنري بعد ذلك بقليل من جرح أصابه خلال اللعب مع بعض الصبية الآخرين، وذلك في يونيه سنة ١٢١٧. فعندئذ بادرت الملكة برنجيلا باستقدام ولدها فرناندو وهو الذي رزقت به من ألفونسو ملك ليون، وكان صبياً في الثانية عشرة من عمره، واستدعاء صحبها المخلصين، وسارت إلى بلد الوليد، وهنالك أعلنت نفسها ملكة لقشتالة، بيد أنها تنازلت في الحال عن العرش لولدها

стр. 2057

فرناندو فأصبح ملكاً على قشتالة (أول يوليه سنة ١٢١٧ م) وهذا الملك الصبي، هو الذي غدا فيما بعد فرناندو الثالث، أو فرناندو المقدس (١). وفضلا عما كان يحيق بعرش قشتالة من عوامل التقلقل والضعف، فإن أحوال قشتالة العامة لم تكن يومئذ تدعو إلى الرضى، فإن آثار الوباء كانت ما تزال متفشية في معظم الأنحاء، وكان الإنتاج الزراعى قد انخفض من جراء ذلك، وهلكت المحاصيل، وانتشرت المجاعة بين السكان. نستطيع على ضوء هذه الظروف التي كانت تجوزها قشتالة عندئذ، أن نفهم كيف جنحت قشتالة إلى المسالمة، وآثرت أن تجوز فترة هدوء وسلام، تستطيع خلالها أن تنظم شئونها، وأن توطد عرشها، وأن تعمل على إنعاش مواردها وأحوالها الزراعية والاقتصادية. وفي العام التالي أعني في سنة ٦١٣ هـ (١٢١٦ م)، وقع حادث ضئيل في ظاهره، كبير في مغزاه، ونتائجه المحتملة، هو ظهور طلائع بني مَرِين في أحواز مدينة فاس. وقد شرح لنا ابن خلدون أصل أولئك القوم، الذين كتب لهم، أن ينتزعوا ملك الموحدين فيما بعد، فهم من شعوب بني واسين من بطون قبيلة زناتة الشهيرة، التي ينتمى إليها عدة من القبائل البربرية التي لعبت أدواراً بارزة في تاريخ المغرب، مثل مغراوة، ومغيلة، ومديونه، وبنى يفرن، وبنى دمر، وزواغة، وجراوة، وبنى عبد الواد، وغيرهم. ومع ذلك فإن بني مرين، كمعظم الأسر البربرية التي شادت بالمغرب دولا شامخة، يُرجعون نسبتهم إلى العرب وقد رأيت أن هذا كان شأن المرابطين حيث تُرجع صَنهاجة التي تنتمى إليها لمتونة نسبتها إلى العرب اليمانية، وشأن الموحدين، حيث ينتسب صاحب دعوتهم المهدي ابن تومرت، إلى آل البيت، ويُرجع مؤسس دولتهم عبد المؤمن نسبته إلى قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وإلى هذا الفرع أيضاً ينتسب بنو مرين، فيقولون إنهم من ولد بر بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، وجدهم الأعلى جرماط بن مرين بن ورتاجى بن ماخوخ بن وجديج بن فاتن بن يدّر ابن يجفت بن يصليتن بن عبد الله بن ورتيب بن المعز بن إبراهيم بن سجيك ابن واسين (٢). وكانت منازل بني مرين، وإخوانهم من بني مديونة وبني يلومي

стр. 2058

وبنى يادين بن محمد في المغرب الأوسط، ما بين وادي ملوية شمالا وسجلماسة جنوباً. وكانت المعارك كثيراً ما تنشب بين بني مرين وجيرانهم من بني يادين، وهم الذين ينتمى إليهم بنو عبد الواد، أصحاب مملكة تلمسان فيما بعد، وكانت الغلبة في معظم الأحيان علي بني مرين، لكثرة خصومهم من بني يادين، وكان بنو مرين كمعظم البطون البربرية في تلك المنطقة، من البدو الرحل، يتجولون في هاتيك القفار شرقاً وغرباً، وربما وصلوا في ظعنهم شرقاً إلى بلاد الزاب. وقد كانت الرياسة فيهم، حسبما تذكر الرواية قبل ذلك بعصور، لمحمد بن وزير ابن فكوس بن كرماط بن مرين. ولما توفي محمد قام بأمر بني مرين من بعده أكبر أولاده حمامة، ثم خلفه أخوه عسكر، فلما توفي قام مكانه في الرياسة ولده أبو يكى الملقب بالمخضب، فلم يزل أميراً عليهم حتى ظهر أمر الموحدين، وزحف عبد المؤمن إلى تلمسان في أثر تاشفين بن علي، ليخوض معه المعركة الحاسمة (٥٣٩ هـ)، وبعث قوة من الموحدين بقيادة الشيخ أبي حفص عمر الهنتاني، لمحاربة الخوارج من بطون زناتة، فاجتمع لقتاله بنو يادين وبنو يلومى وبنو مرين ومغراوة، فمزق الموحدون جموعهم، وأذعن بنو يلومى وبنو يادين وبنو عبد الواد إلى الطاعة. ولكن بني مَرِين لحقوا بالصحراء في اتجاه الزاب. ولما دخل عبد المؤمن وهران، على أثر مصرع تاشفين تبدد قواته، واستولى على أموال لمتونة وذخائرها، عهد بهذه الأموال والذخائر إلى قوة من الموحدين لتحملها إلى تينملل، فعلم بنو مرين بذلك، واعترضوا تلك القوة، وانتزعوا الغنائم من أيدي الموحدين. فحشد عبد المؤمن أولياءه من بطون زناتة، وبعثهم مع الموحدين لاستنقاذ الغنائم. والتقى الموحدون وبنو مرين في مكان يعرف بفحص مسون، فهزم بنو مرين، وقتل شيخهم المخضب بن عسكر، وذلك في سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م). ولجأ بنو مرين على أثر ذلك إلى الصحراء، وعادوا إلى القفر يرقبون الفرص. (١) وقام بأمر بني مرين بعد المُخضب بن عسكر، ابن عمه أبو بكر بن حمامة ابن محمد. ولما توفي في سنة ٥٦١ هـ، قام بأمرهم ولده محيو، فلم يزل في

стр. 2059

رياستهم، حتى استنفرهم الخليفة يعقوب المنصور للجهاد معه بالأندلس، فاشتركت معه منهم جماعة كبيرة في موقعة الأرك، وأبلوا فيها البلاء الحسن (٥٩١ هـ - ١١٩٥ م)، وأصيب عميدهم محيو في المعركة بجرح توفي منه بعد بضعة أشهر، فخلفه في الرياسة أكبر أولاده أبو محمد عبد الحق، وكان من خيرة أمرائهم، وعلى يديه أخذ نجم بني مرين يبزغ في الأفق (١). ولما وقعت كارثة العقاب، وفنى معظم الجيوش الموحدية، في شبه الجزيرة الأندلسية، أخذت بوادر التفكك والضعف تبدو على سلطان الموحدين، في معظم العمالات والأطراف. ولم يكن ذلك بخاف على القبائل المتوثبة مثل بني مرين. ولما توفي الخليفة الناصر، وخلفه ولده الصبي يوسف المستنصر، وشغلته نزوات الحداثة والشباب، عن تدبير شئون الدولة، وغلب التواكل والتراخى، على السادة والأشياخ، في مختلف النواحي، لاح لبني مرين أن فرصتهم قد سنحت. وكانوا لا يأوون إلا إلى القفار، ولا يخضعون لأى حكم، ولا يؤدون الجزية لأحد، ولا يعرفون الحرث والزرع، ولا شاغل لهم غير الصيد والغارات، وجل أموالهم من الإبل والخيل (٢). وكانت منازلهم ما تزال في جنوبي وادي ملوية، وكانوا يترددون في تلك الأنحاء، ولاسيما في المنطقة الممتدة ما بين وادي ملوية ومكناسة، ويأنسون بمن بها من عسائر زناتة، وينتجعون المرعى أيام الربيع والصيف، ويجمعون الحبوب لأقواتهم طيلة الشتاء، ثم يرتدون إلى منازلهم في القفر فوق التلال والربى. فلما شهدوا من تضعضع الدولة الموحدية، وتخاذل أطرافها ما شهدوا، أعتزموا أن يهجروا القفر، وأن ينتجوا العمران، فنفذوا إلى نواحي المغرب المجاورة، واكتسحوا بخيلهم البسائط، وملأوا أيديهم بالغارة والنهب، وكان ذلك بداية عهد الخليفة المستنصر. فثار لذلك بلاط مركش، وأمر المستنصر بتجهيز الحشود، وندب أبا علي بن وانودين للقيادة، وبعثه إلى السيد إبراهيم إسماعيل والي فاس، وأمر بأن يخرج السيد لغزو بني مرين، وأن يثخن فيهم وأن يستأصل شأفتهم، وكان بنو مرين حينما علموا بأمر هذه الأهبة قد اجتمعوا وتشاوروا، واتفق رأيهم على التأهب للحرب والنزال، فتركوا أموالهم وحريمهم في حصن تاروطا بأرض غمارة، وساروا جنوبا صوب فاس،

стр. 2060

وكانوا في نحو أربعمائة فارس غير الرجّالة، وخرج الموحدون إليهم بقيادة السيد أبي إبراهيم، وكانوا في عشرين ألف مقاتل أو في عشرة آلاف وفقاً لرواية أخرى. والتقى الفريقان بوادي نكور، فكانت الهزيمة على الموحدين، واستولى بنو مرين على أسلابهم ودوابهم ومتاعهم بل وثيابهم، وأسروا السيد أبا إبراهيم ثم أطلقوا سراحه بعد ذلك، وارتدت فلول الموحدين إلى فاس، وبعضهم نحو رباط تازة، وكثير منهم يسترون أنفسهم بورق النبات المعروف " بالمشعلة " حتى لقد سميت هذه الموقعة بموقعة المشعلة، بل سمى هذا العام (سنة ٦١٣ هـ) بعام المشعلة (١)، وسار بنو مرين بعد ذلك شرقاً نحو بلدة رباط تازة، وبعث أميرهم أبو محمد عبد الحق إلى عاملها الموحدي، يطلب إليه أن يقيم في خارجها سوقاً لبني مرين، يتزودون منها بما يحتاجون إليه، فأنف العامل الموحدي، وثار لذلك الطلب، وخرج في جمع غفير من الموحدين والعرب وأبناء القبائل المجاورة، ونشبت بينه وبين المرينيين معركة شديدة هزم فيها وقتل، ونهبت محلته. فكان ثانى نصر لبني مرين على الموحدين في ظرف بضعة أشهر (٢). ثم وقع الخلاف بين بني مرين أنفسهم، وانقسموا إلى فرقتين، الأولى يتزعمها بنو عسكر بن محمد، والثانية يتزعمها بنو حمامة بن محمد، وقد كانت الرياسة في البداية في بني عسكر، ثم انتقلت إلى بني حمامة، فغص بذلك فريق بني عسكر، وخرجوا على أميرهم أبي محمد عبد الحق، وتحالفوا مع أولياء الموحدين من عرب رياح، وكان الخليفة المنصور قد أنزلهم بتلك المنطقة. وفي سنة ٦١٤ هـ، نشبت بين بني عسكر وحلفائهم من أولياء الموحدين، وبين بني حمامة في وادي سبو، موقعة هزم فيها بنو حمامة في البداية، وقتل أميرهم عبد الحق وولده الأكبر إدريس، فاضطرم بنو حمامة سخطاً، واستجمعوا قواهم، وحملوا على خصومهم من الموحدين والعرب حملة عنيفة، كثر فيها القتل من الجانبين، وانتهت بهزيمة الموحدين والعرب وتمزيق جموعهم، وانتهاب سائر أسلابهم. (جمادى الآخرة سنة ٦١٤ هـ). وقام برياسة بني مرين بعد مقتل أميرهم عبد الحق، ولده أبو سعيد

стр. 2061

عثمان، وهو الذي بزغ على يديه نجم بني مرين، وأصبحوا قوة لها خطرها (١). ... ولقد أشرنا فيما تقدم إلى عقد التهادن والسلم بين الموحدين ومملكة قشتالة، ولكن هذا التهادن لم يتحقق بالنسبة لباقى الممالك الإسبانية النصرانية، ومن ثم فقد وقعت بالأندلس، في قطاع الغرب، حوادث هامة، كان من نتائجها، أن نكبت الأندلس بفقد طائفة جديدة من الأراضي والحصون. وكان أول ضربة أصابت الأندلس من جراء العدوان النصراني، فقد ثغر القصر أو قصر أبي دانس (٢)، وهو أمنع قاعدة دفاعية إسلامية في منطقة الغرب. وكانت القصر قد سقطت في أيدي البرتغاليين في سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م)، على أثر اضطراب الحوادث في منطقة الغرب، ولما عبر الخليفة المنصور إلى شبه الجزيرة لأول مرة، لاسترداد شلب التي استولى عليها البرتغاليون بمعاونة النصارى الصليبيين، في سنة ٥٨٥ هـ، غزا منطقة الغرب واستطاع أن يسترد حصن القصر من النصارى في جمادى الأولى سنة ٥٨٧ هـ (يونيه ١١٩١ م)، وولي عليه أبا بكر محمد بن وزير. ويقع ثغر القصر جنوب شرقي أشبونة على مصب نهر شطوبر Sadoa، على مقربة من المحيط الأطلنطى، ويتسع مصب هذا النهر لدخول السفن الكبيرة، تشقه حتى أسوار المدينة، ويتصل قبل مصبه في المحيط بخليج واسع يصلح لتجمع السفن الغازية. وكانت مناعة القصر تقف سداً منيعاً ضد تقدم البرتغاليين نحو الجنوب. ففي أوائل سنة ٦١٤ هـ (١٢١٧ م) وصل إلى شواطىء البرتغال أسطول من الصليبيين الألمان في طريقه إلى المشرق، ورسا في مياه أشبونة (لشبونة)، فانتهز البرتغاليون تلك الفرصة، ودعوا إلى إشهار الحرب الصليبية، ضد مسلمي الأندلس، وسار البرتغاليون وحلفاؤهم الصليبيون الألمان إلى ثغر القصر، وضربوا حوله الحصار من البحر ومن البر، وذلك في ٣٠ يوليه سنة ١٢١٧ م، فامتنع المسلمون داخل ثغرهم، وبادر واليها عبد الله ابن وزير، وهو ولد واليها السابق أبي بكر بن وزير، يطلب الإنجاد من الموحدين، ووصل صريخه إلى بلاط مراكش، فبعث المستنصر إلى ولاة قرطبة وإشبيلية، وجيّان وولاة الغرب، بحشد جيوشهم، والمبادرة إلى إنجاد الثغر المحصور،

стр. 2062

وسارت الجيوش الموحدية المجتمعة صوب القصر، فوصلت إليه في أوائل شهر سبتمبر، وكان المسلمون مازالوا صامدين في ثغرهم، وقد استطاعوا أن يردوا عدة هجمات للمحاصرين. وسارت في نفس الوقت طائفة من السفن الموحدية إلى مياه القصر، لتسد الطريق على السفن المحاصرة. ونشب القتال بين الجيوش الموحدية المتحدة وبين النصارى. والظاهر أن البرتغاليين كانوا يتفوقون في الكثرة على المسلمين، إذ كان جيشهم يضم وفقاً للرواية النصرانية ذاتها، عشرين ألفاً من الرجّالة وعدداً من الفرسان. فهزم المسلمون ومزقت صفوفهم. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن المسلمين ما كادوا يرون النصارى حتى أدركهم الرعب، وولوا الأدبار، وذلك لسابق رعبهم منذ هزيمة العقاب، فطاردهم النصارى وقتلوهم عن آخرهم (١)، ويقول صاحب الروض المعطار، إنه قد اجتمع من الأمداد جيش عظيم، لكنهم تخاذلوا على عادتهم، فكانت الهزيمة عليهم وولوا مدبرين، ووقع القتل والأسر، ولم يبرز للمسلمين من الروم إلا نحو سبعين فارساً، ورأى أهل الحصن ذلك فأيقنوا بالتغلب عليهم (٢). ويضع ابن الأبار تاريخ الموقعة في شهر جمادى الأولى سنة ٦١٤ هـ (أغسطس ١٢١٧ م)، وفي موطن آخر في أحد شهرى ربيع سنة ٦١٤ هـ متقدماً قليلا عن الرواية النصرانية، ويقول إنه فقد فيها آلاف من المسلمين بتخاذل رؤسائهم، يوم التقى الجمعان، وأن الموقعة كانت " إحدى الكوائن المنذرة حينئذ بما آلى إليه أمر الأندلس " (٣). ومع ذلك فقد بقيت حصن القصر صامدة، فلما رأى النصارى أنهم لم يستطيعوا ثلم الأسوار، صنعوا برجين عاليين من الخشب، يضارعان في ارتفاعهما أبراج المدينة، وشحنوهما بالرماة، وركبوا في جوانبهما آلات الرمى، وضربوا الأسوار من هذين البرجين ضرباً شديداً، حتى أيقن المدافعون أنه لا أمل في الصمود، فعرضوا التسليم. على أن يسمح لهم بالخروج بأموالهم، فرفض النصارى، ووافقوا فقط أن يسمح لهم بالخروج أحياء، دون أن يحملوا شيئاً معهم. ففتحوا الأبواب، وانطلقوا إلى حال سبيلهم، وسلمت المدينة بعد أن لم تبق أية وسيلة

стр. 2063

للدفاع، وذلك في ١٨ أكتوبر سنة ١٢١٧ م (١٤ رجب ٦١٤ هـ)، بعد شهرين ونصف من بدء الحصار. وسلم قائد الثغر، وهو عبد الله بن وزير، نفسه للنصارى، وتظاهر باعتناق النصرانية طلباً للسلامة، ولكن لم تمض أيام قلائل حتى استطاع الفرار، والوصول إلى الأراضي الإسلامية. ولجأ فيما بعد إلى مدينة إشبيلية. ودخل النصارى على مدينة القصر أو قصر أبي دانس، وقتلوا كل من كان بها، وبالضياع المجاورة، من المسلمين. وفتح سقوط هذا الثغر المنيع، الطريق إلى زحف البرتغاليين وحلفائهم الصليبيين نحو الجنوب، نحو باجة وميرتلة وشلب. ولكن ملك البرتغال ألفونسو الثاني (ألفنش)، وهو لم يشترك في حصار القصر، آثر أن يتمهل بعض الوقت لتعمير الأراضي المفتوحة. ومن جهة أخرى فإن الصليببيين لم يستطيعوا الزحف إلى الجنوب، بعد أن وصلتهم أوامر البابا قاطعة بأن يستأنفوا سيرهم إلى المشرق (١). ومن الغريب أن ابن عذارى، وهو في معظم ما يكتبه، يقظ متنبه للأحداث، يقول لنا إنه لم يتحقق خبراً يذكره في سنة أربع عشرة أو خمس عشرة، هذا في حين أن صاحب روض القرطاس، يذكر واقعة سقوط القصر، وتاريخ وقوعها في سنة ٦١٤ هـ، ويصفها بأنها كانت من الهزائم الكبار التي تقرب من هزيمة العقاب. ولم تمض بضعة أعوام على نكبة مدينة القصر، حتى منيت الأندلس بفقد قاعدة أخرى من حصونها الأمامية المنيعة هي قاصرش (٢). وكان ألفونسو التاسع ملك ليون غير مرتبط مع الموحدين برباط التهادن والسلم، وكان يطمح إلى الاستيلاء على قاصرش، الواقعة شمالي ماردة وغربي تَرجالُه، وذلك لكي يضمن سلامة حصن القنطرة الواقع على نهر التّاجُه في شمالها الغربي، والذى كان مركز جمعية فرسان القنطرة، فسار إليها في شهر نوفمبر سنة ١٢١٨ م (٦١٦ هـ) وضرب حولها الحصار، ولكن حاميتها الإسلامية صمدت، واضطر أن يرفع الحصار عند حلول الميلاد، وفي سنة ١٢٢١ م (٦١٩ هـ) استولى فرسان القنطرة على قاعدة " بلنسية " (٣) الإسلامية. وفي العام التالي، اشترك فرسان شنت ياقب

стр. 2064

وملك ليون في حصار قاصرش، ولكن ألفونسو التاسع عاد فرفع الحصار للمرة الثانية، عن القاعدة الإسلامية. وفي الأعوام التالية، تكرر هجوم الليونيين على قاصرش بمعاونة جماعة من القشتاليين، وانتهى الأمر بسقوطها في أيديهم، وذلك في صيف سنة ١٢٢٣ م (٦٢٢ هـ)، بعد وفاة الخليفة المستنصر بنحو عامين. ومن جهة أخرى فإنه بالرغم من عقد المهادنة بين قشتالة، والخليفة الموحدي، كانت العناصر النصرانية المتعصبة التي لا يروقها الكف عن محاربة المسلمين تتربص الفرص، لتجديد غزو الأندلس، وكان في مقدمة هؤلاء الحبر المتعصب، ردريجو خمينث دي رادا مطران طليطلة، فإنه قام بتجهيز حملة صليبية، وعبر إلى الأراضي الإسلامية من ناحية الشرق، واستولى على عدة من حصون المسلمين، ووصل في زحفه إلى بلدة ركّانة الواقعة غرب بلنسية، وحاول النصارى الاستيلاء على ركّانة فضربوها بالمجانيق، وهاجموها مراراً، وهدموا بعض أبراجها، ولكنهم لم يستطيعوا تحقيق بغيتهم، وارتدوا عنها خائبين. وكان ذلك في أواخر سنة ١٢١٩ م (٦١٧ هـ). ... وكانت الأمور خلال ذلك كله، تسير في العاصمة الموحدية رتيبة راكدة، وبلاط مراكش على ما هو عليه من التواكل والسكون، والخليفة الفتى يوسف المستنصر، مكب على حياة اللهو والمرح، وأشياخ الموحدين المضطلعين بتدبير الأمور، غير حافلين بشىء، ولم توقظهم نهضة بني مرين وفورتهم الخطيرة، التي لم يحدها سوى خلافهم فيما بين أنفسهم، ولم تهزهم حوادث الأندلس وسقوط ثغر القصر، وما اقترن به من الحوادث المؤلمة، ولم يفكروا في العمل على تعزيز معاقل الأندلس، وخطوطها الدفاعية، تحوطاً للحوادث. ثم جاءت سنة ٦١٦ هـ (١٢١٨ م)، وقد هلكت الزروع ونضبت الحبوب، وانتشرت المجاعة، وارتفعت الأسعار ارتفاعاً هائلا. وكانت الأحوال الاقتصادية قبل ذلك، تسير من سيىء إلى أسوأ، وقد سجلت لنا الرواية عن أحوال المغرب في هذا الوقت صورة قاتمة، حيث كثرت الفتن بين قبائل المغرب، ونبذ أكثرها الطاعة، وقطعت السابلة، واشتد الخوف في الطرقات، وكثر اعتداء الأقوياء على الضعفاء، وكسدت التجارة، وانكمش الأخذ والعطاء لاختلال الأمن، وإغارة القبائل

стр. 2065

البربرية وجموع العرب على مختلف الأنحاء (١). كل ذلك والحكومة الموحدية جامدة لا تفكر في اتخاذ أي إجراء لإصلاح الأحوال. فلما اشتدت المجاعة وعلم المستنصر بما يقاسيه الناس من أهوالها، أمر بفتح المخازن السلطانية، المعدة لاختزان الحبوب والمؤن، ففتحت وفرقت منها مقادير عظيمة على العامة والضعفاء دون ثمن، وفرق منها على الأقوياء والميسورين بالثمن، وفرق الخليفة كذلك مبالغ كبيرة من المال على الناس، فكان لذلك أثر طيب في تخفيف الضيق. ومن الغريب أنه طافت بالأندلس في العام التالي سنة ٦١٧ هـ، مثل هذه الشدة، فقلت الأقوات، وارتفعت الأسعار، ولكن الأزمة لم تطل، وعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي (٢). وفي هذا العام، سنة ٦١٧ هـ (١٢١٩ م)، وجه الخليفة المستنصر بالله كتابا إلى قواعد المغرب والأندلس، على نمط الكتب التي كان يوجهها الخلفاء الموحدون، منذ عبد المؤمن، إلى الولاة والأعيان والكافة، في مختلف المناسبات، بوجوب التمسك بالدين، واتباع أحكام الشرع، والتزام الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما إلى ذلك من النصائح والوصايا، وربما كان لذلك أيضاً علاقة باختلال الأحوال، ومحاولة تطمين الرعايا، وإلقاء السكينة في روعهم. وقد نقل إلينا ابن عذارى فصلا من ذلك الكتاب، ونحن ننقل بعض فقراته فيما يلي: " وإلى هذا، وصل الله توفيقكم، فقد علمتم أن الدين هو الأساس الوثيق، والبناء العتيق، والفسطاط المضروب، والعلم المنصوب، والتجر الذي لا يبور، والطريق الذي لا يجور، من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن تحصن به، فقد تحصن بالمعقل الأحصن الأرقى، فإذا وقفتم على كتابنا هذا، فجددوا للناس به الذكرى، وعرفوهم أن الدنيا مطية على الدار الأخرى، وحضوهم على العمل الصالح، والتجر الرابح، عسى أن يجعلهم الله تعالى في الدارين، من الذين لهم البشرى، وبثوا في جهاتكم كلها، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. واستحفظوا الكافة صلواتهم، فإنها الكتاب الموقوف على المؤمنين، وخذوهم باعتياد المساجد، فإنها الشاهد الأزكى بشهادة خاتم النبيين، وسيد المرسلين، واطلبوهم بقراءة الحزب والتوحيد بالمساجد والأسواق،

стр. 2066

فإنه الخير المآلوف، والشعار المعروف، والرسم الذي عليه العمل، والعهد الذي لا يجب فيه التغيير والخلل. " ونحن قد قلدنا الله قلادة نعلم لوازمها، ونحفظ مراسمها، ومن جملتها التذكير بالدين، فهو الشافع الذي لا يغفل، والوسيلة التي لا تضاع ولا تهمل، فاعلموا أعزكم الله هذا المقصود علما، وكونوا في القيام به لا تخالفون يقظة، ولا نوماً، وللناس عليكم ما نأمركم به من العدل التام، والإنصاف العام، وكف الأيدى، وقبضها عن التعدى. وهذا خطاب قد أرشدنا فيه إلى مناهج سوية، وحضضنا فيه على أمور ضرورية، وأتينا فيه بما يجب البدار إليه، وخير العمل ما دووم عليه، والله معينكم والسلام عليكم، وكتب في عاشر ربيع الأول سنة سبع عشر وستمائة " (١). والظاهر أن توجيه هذا الكتاب، لم يكن إلا محاولة من الخليفة الفتى، للعمل على إحياء تقليد من تقاليد آبائه الخلفاء الموحدين، في تذكير الناس من وقت إلى آخر بدستورهم الدينى، والتنبيه إلى توقيره، والمحافظة عليه. وفي العام التالي، سنة ٦١٨ هـ (١٢٢٠ م)، قدم سفير قشتالة إلى مراكش مرة أخرى ليسعى في تجديد المهادنة والسلم. وكانت المفاوضات الأولى قد تمت بين القشتاليين، وولاة الأندلس من السادة الموحدين، وتم تجديد المهادنة بين الفريقين، وفقاً لتوجيه الخليفة المستنصر. ثم كتب وزير المستنصر، أبو يحيى بن أبي زكريا، إلى " ملكة قشتالة بنت ملك قشتالة وطليطلة " كتاباً من إنشاء الكاتب ابن عيّاش بما أبرم بينه وبين رسولها من عقد السلم. ومن الواضح أن ملكة قشتالة المشار إليها هنا، لم تكن سوى الملكة برنجيلا بنت ألفونسو الثامن ملك قشتالة، ومطلقة ألفونسو التاسع ملك ليون، وكانت يومئذ تتولى الوصاية على ابنها الصبي فرناندو، الذي أعلن ملكاً على قشتالة في سنة ١٢١٧ م، وكانت بذلك تعتبر هي الملكة الأصيلة في نظر الموحدين. وقد أورد لنا ابن عذارى نبذة من الكتاب المشار إليه ننقلها فيما يلي: " وقد انقلب إليكم رسول منكم، بما تعرفونه في السلم المنعقد، النير شهابه، المتقد بين الموحدين وبينكم، بالمخاطبة الكريمة، التي حملها إليكم، وحمل نحوكم

стр. 2067

من الإتحاف ما يبغلكم على يديه، الذي هو عنوان المخالصة، وثمرة المواصلة، وكل ما يكون من هذا بيننا وبينكم، ينبغى أن يكون متقبلا، وعلى أحسن المتأولات متأولا، إن شاء الله، وأنتم بحول الله تقفون عند حدود السلم، وتحافظون عليها، وتعاقبون كل من هم بإذاية المسلمين، فإن الوفاء شعار الملوك، وعليهم فيه يجب السلوك. وكتب في سادس رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة " (١). وكان من تصرفات المستنصر الأخيرة، أن عين عمه أبا محمد عبد الله ابن يعقوب المنصور والي غرناطة، وهو الذي تسمى بالعادل فيما بعد، والياً على مرسية، وذلك في سنة ٦١٩ هـ (١٢٢١ م). ولم يك ثمة ما يؤذن بوفاة الخليفة المستنصر في سن مبكرة، وقد كان فتى في عنفوانه، لم يجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وكان متين البنية، حسن التكوين. ولكن حياة اللهو الصاخب المستمر، التي انهمك فيها، حطمت بنيته، ومهدت الألعاب والرياضات العنيفة، التي كان يشغف بها لوفاته الفجائية. ويقص علينا صاحب روض القرطاس قصة هذه الوفاة الفجائية، فيقول لنا إن يوسف المستنصر، كان مولعاً بالبقر والخيل، وكان يستجلب الأبقار من الأندلس، ويربيها في رياضه الكبيرة بمدينة مراكش، ففي عشية ذات يوم، ركب المستنصر فنشيا (مهرا)، وذهب إلى الروض ليتأمل خيله وأبقاره في ضوء القمر، فبينما هو يسير بين البقر، إذ قصدت إليه بقرة شرود منهن، فضربته بقرنيها بعنف، ضربة أصابته في القلب، وأودت بحياته على الأثر. وكان ذلك في مساء يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة ٦٢٠ هـ (٤ يناير ١٢٢٤ م) (٢). ولكن هذه الرواية، التي ينقلها بعض المؤرخين المتأخرين، ليست هي الوحيدة في شرح ظروف وفاة الخليفة المستنصر الفجائية، فإن هناك رواية أخرى، مفادها أن المستنصر توفي مسموماً، بتدبير وزيره أبي سعيد بن جامع والفتى مسرور، وهذا، نقله إلينا الزركشي عن " ترجمان العبر " (٣). والآن فلنلق نظرة عابرة على هذه الأعوام العشرة، التي شغلتها خلافة المستنصر، وعلى شخصية هذا الخليفة الفتي، وهي شخصية لم تتميز بشيء من الخلال العظيمة، والأعمال البارزة.

стр. 2068

إن سائر التواريخ المعاصرة والقريبة من العصر، تحدثنا عما كان عليه محمد الخليفة المستنصر، من التعطل والركود، وعما كان عليه المغرب يومئذ، من اختلال الأحوال، واضطراب السكينة والأمن، وذيوع التوجس والقلق، وضعف الموارد العامة والخاصة، وانتشار الضيق والفقر، وفتور همم أولى الأمر، ونكولهم عن القيام بأية إجراءات ناجعة، لتنظيم شئون الدولة، أو معالجة الأحوال العامة، أو معاونة الشعب على اجتياز أزماته الاقتصادية والاجتماعية. ولم يكن ثمة شك في أن هذه كلها، كانت علامات مزعجة، تؤذن بدبيب الوهن والانحلال إلى الدولة الموحدية العظيمة، وبانحدارها إلى المصير، الذي لابد أن تنحدر إليه دولة يصيبها مثلما أصاب الدولة، في عهد المستنصر بالله. وإنا لنقرأ في وصف المؤرخين لشخصية المستنصر، وفي تعيلقاتهم على عصره، تلك الصور المروعة، لدولة تنحدر بسرعة إلى هاوية السقوط. فمثلا يقول لنا ابن عذارى: " ولم تكن للمستنصر بالله حركة ولا غزوة، ولا خرج من حضرته إلى مدينة تينملل، على العادة في التبرك بالمهدي. فما وقفت له على خبر أذكره إلا ما رأيت في بعض الرسائل، والله يؤتى ملكه من يشاء " (١). ويقول صاحب روض القرطاس: " ولم يخرج من حضرة مراكش طول خلافته إلى أن توفي، وكانت أوامره لا تتمثل، أكثرها لضعفه وليانه، وإذامته على الخلافة، وركونه إلى اللذات. وتفويضه أمور مملكته، ومهمات أموره، إلى السفلة " (٢). ويقول ابن خلدون: " وقام بأمر الموحدين من بعده (أي بعد الناصر) ابنه يوسف المستنصر، فنصبه الموحدون غلاماً لم يبلغ الحلم، وشغلته أحوال الصبا وجنونه، عن القيام بالسياسة وتدبير الملك، فأضاع الحزم، وأغفل الأمور، وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه، ونفس عن مخنقهم، من قبضة الاستبداد والقهر، فضاعت الثغور، وضعفت الحامية، وتهاونوا بأمرهم وفشلت ريحهم " (٣). على أن أبلغ ما وقفنا عليه من هذه التعليقات يتمثل في تلك الفقرة التي يوردها ابن عبد الملك المراكشي، في ترجمة أبي الحسن بن القطان، تعليقاً على اختلال

стр. 2069

الأحوال في المغرب وقطع السبل، ووقوع النهب على التجار وغير ذلك: " واستمرت الأمور على هذه الحال، وهذه السبيل زمانا، والمستنصر في غفلة عن كل ما يجرى، غير سايل عن رعيته التي يسئل عنها، وإن بدر منه سؤال عن أحوال الناس والبلاد، أجاب الوزير أبو سعيد، أن الجميع في سبوغ نعمة، وشمول عافية، واتساع أحوال، وبسط أموال، فيقنعه ذلك، ويعود إلى انهماكه في لذاته. وأهمل مع ذلك جانب الأجناد الذين هم آلة الملك وأعوانه، فأرجل فرسانهم، وصرفت رجّالتهم، فتفاقم الأمر، واستشرى شرى المفسدين وكثر أضرارهم، وعم عدوانهم. ولما تمادى ظهور الفساد، واشتدت شوكة أهله، آجرى أبو الحسن (المترجم) ذكر ذلك بمجلس الوزير أبي سعيد، وأشار عليه بإنفاذ جيش إلى بعض نواحي مراكش لردع من نجم من أهل البغي، فأجابه بأن ذلك لا يحتاج إليه، وأنه سيكتب إلى أهل تلك الناحية، بالنفوذ إلى من تعرض إلى أرضهم ومرافقهم، والقبض عليهم وقتلهم، ونحو هذا " (١). في تلك الفقرة، التي يقدمها إلينا مؤرخ عاش فيها قريباً من العصر، تبدو أصدق صورة للمستنصر وأحوال عصره، وهي صورة تنطق بنفسها، عما يمكن أن يترتب على مثلها بالنسبة للدولة التي تجوزها من النتائج الخطيرة. على أنه توجد لدينا في نفس الوقت بعض نصوص تقدم إلينا المستنصر، هذا الفتى المتعطل المستهتر، في صورة أخرى، هي صورة الطاغية القوي المستبد، الذي يستأثر بالأمور، وإليك ما يقوله لنا في ذلك مؤرخ موحدى معاصر وشاهد عيان، هو عبد الواحد المراكشي، وقد عرف المستنصر شخصياً واتصل به. يقول عبد الواحد خلال حديثه عن المستنصر: " ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئاً من سير آبائه، ولا أحدث أمراً يتميز به عمن كان قبله، خلا أني رأيت كلّ من يعرفه من خواص الدولة، قد مُلىء قلبه رعباً لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه. لقيته وجلست بين يديه خالياً به، وذلك في غرة سنة ٦١١، فرأيت من حدة نفسه، وتيقظ قلبه، وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق، فكيف الملوك، ما قضيت منه العجب، وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شىء مما يتوقع " (٢).

стр. 2070

ويؤيد هذه الصورة في بعض نواحيها صاحب روض القرطاس حين يقول في حديثه عن المستنصر: " فضعفت دولة الموحدين في أيامه، واعتراها النقص، وأخذت في الإدبار، إلا أن أيامه كانت أيام هدنة ودعة وعافية. فلما كبر، واشتغل بأمره ونهيه، واستبد بملكه، جعل يفرق أعمامه، وحواليه الذين أقاموها، وأشياخ الموحدين الذين أسسوها، وقرب أناسا وتمسك بهم، لم يكن لهم أصل فيها " (١). هذا وقد كانت حكومة الخليفة المستنصر، تتألف من معظم الأشخاص الذين عملوا مع أبيه الناصر، فكان وزيره وزير أبيه أبو سعيد عثمان بن عبد الله بن إدريس بن إبراهيم بن جامع، وهو سليل تلك الأسرة التي استأثرت بوزارة الخلافة الموحدية زهاء نصف قرن، وكان عميدها إبراهيم بن جامع من أصحاب المهدي، واستمرت وزارته إلى آخر سنة ٦١٥ هـ، ثم صرفه المستنصر، واستوزر من بعده أحد القرابة، وهو زكريا بن يحيى بن اسماعيل الهزرجى، فاستمر في الوزارة حتى نهاية عهده، بيد أن هناك ما يدل على أن المستنصر، عاد فاستدعى الوزير أبا سعيد للعمل مرة أخرى، وذلك في أواخر عهده. وتولى الكتابة للمستنصر كاتبا أبيه وجده من قبل، وهما أبو عبد الله بن عياش، وأبو الحسن بن عياش، ولما توفيا متعاقبين في شهور سنة ٦١٩ هـ، استدعى للكتابة أبو عبد الله محمد ابن يخلفتن الفازازى، كاتب الناصر من قبل، وكان عندئذ يشغل منصب القضاء بمرسية، وعين معه للكتابة أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش، وبقى كاتب الجيش أحمد بن منيع، وهو كاتب الناصر من قبل، في منصبه دون تغيير. وتولى الحجابة للمستنصر، مبشر الخصى حاجب أبيه، ولما توفي خلفه في الحجابة فارح الخصى المعروف بأبي السرور، واستمر في الحجابة حتى وفاة المستنصر. وتولى القضاء للمستنصر، أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه، فلم يزل في منصبه حتى نهاية عهده، وهذا القاضي هو أيضاً، حفيد أسرة استأثرت بمناصب القضاء منذ أيام عبد المؤمن، وكان عميدها أبو عمران موسى الضرير صهر عبد المؤمن. ولم ينجب المستنصر ولدا، ولم يعقب إلا حملا من جارية، لم تذكر لنا الرواية مصيره (٢).
следующие страницы →